تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

عام على انتصار الثورة في سوريا مقالات، تحليلات واحداث واحتفالات تحديث 25 كانون الأول 2025

مراجعة هذا الملف اتبع الراط التالي:

عام على انتصار الثورة في سوريا

تحديث 25 كانون الأول 2025

هل طوينا الأصعب في سورية أم ما زال أمامنا؟/ مروان قبلان

24 ديسمبر 2025

طوت هيئة تحرير الشام العام الأول من حكمها دمشق بسجلّ متباين النتائج. خارجياً، نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع، ليس في تهدئة مخاوف الإقليم والعالم من بلوغها السلطة فحسب، بل في الحصول على دعم واسع من خلال إحداث قطيعة مع الماضي. تحرّكات الشرع، بهذا الاتجاه، بدأت من دول الخليج والأردن، التي أبلغها رفضه “ثالوث الرعب”: لا تصدير للثورة، لا ديمقراطية، ولا “أيديولوجيا إسلامية” في علاقات سورية الدولية، وسياساتها الخارجية. واستتباعاً، لا دعم للتيارات الإسلامية. من هنا تأكيد الشرع أنّ صفحة الثورة طُويّت بسقوط الأسد، وانتزاع السلطة، والعودة إلى “النسق الرسمي العربي” المحافظ بمواقفه، وتحالفاته، وسياساته، التي غادرتها سورية منذ أيام الصراع على حلف بغداد (1954-1955). هذا يشمل التحالف مع الولايات المتحدة، والقبول بإسرائيل، وتبنّي سياسات داخلية، محافظة سياسياً، ومتحرّرة اقتصادياً (نموذج الاعتدال العربي، بحسب التوصيف الأميركي). الاستعداد الإقليمي لاحتضان التغيير السوري على أساس المواقف الجديدة واكبه استعداد غربي للاستثمار في اللحظة السورية، بما يؤدّي إلى تغيير عميق في بنية النظام الإقليمي، يكرّس نتائج حروب إسرائيل أخيراً في المنطقة، من جهة، ويمنع تحوّل سورية من جديد إلى مصدر للهجرة والإرهاب، من جهة ثانية. من هنا الحماسة الغربية لحكم هيئة تحرير الشام، ولسياسات “دعم الاستقرار” في سورية، وكانت أبرز نتائج ذلك، طبعاً، رفع العقوبات التي تُوِّجت بإلغاء قانون قيصر.

نجاحات سلطة دمشق في انتزاع اعتراف بها، وتحصيل دعم إقليمي ودولي، قوامه حسابات جيوسياسية وأمنية، لم تنسحب على الداخل. ورغم أن الأمانة تقتضي الاعتراف بحصول تحسّن نسبي في الوضع الأمني عموماً، وفي توفير بعض الخدمات، مثل الكهرباء، إلّا أن الأداء العام يبقى ضعيفاً، فاقمته سلسلة من الأخطاء التي هزّت الثقة بقدرة الإدارة الجديدة على توحيد البلاد، وتحقيق استقرار أمني مستدام، لا غنى عنهما لتحسين الوضع الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الخارجية، وإطلاق عمليات إعادة الإعمار.

ونحن على أعتاب عام جديد، سوف تشكّل هذه التحدّيات، بعد الخلاص من العقوبات، أبرز عناوين المرحلة المقبلة، وسوف تتمحور بدورها حول أسئلة عديدة أبرزها: هل تتمكّن إدارة الشرع من توحيد البلاد من دون القبول بصيغة ما من المشاركة السياسية، وتنازلات على صعيد إدارة التنوّع الإثني والطائفي؟ وهل تستطيع مواجهة التحدّي الإسرائيلي الذي صار جزءاً من المشهد الداخلي، من دون التنازل عن جزء من الأرض السورية، ونزع السيادة عن جزء آخر؟ وهل تتمكّن من مواجهة التحدّيات الأمنية، وفي رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مع الحفاظ على حدّ أدنى من مظاهر سيادة الدولة، وتجنّب الظهور بمظهر الوكيل المحلّي لواشنطن تحديداً؟ وهل تستطيع إدارة الشرع تحسين الوضع الاقتصادي وجذب الاستثمارات الخارجية من دون أن تضطر إلى بيع الأصول السيادية للدولة وخصخصة الجزء الأكبر من القطاع العام؟

يخطئ من يظنّ أن سورية تجاوزت الجزء الأصعب في طريقها نحو إعادة بناء نفسها. صحيح أن سقوط الأسد، كان شرطاً لازماً وضرورياً لاستعادة البلد، وإخراجها من دوامة القتل والقهر التي أدخلها فيها برعونته وإجرامه، وصحيح أن رفع العقوبات كان إنجازاً كبيراً، لا يمكن من دونه إنعاش الاقتصاد، وكذلك الأمر بشأن تشكّل إجماع إقليمي ودولي على مساعدة سورية، لكن هذا كلّه ليس كافياً وحده للنهوض، واستعادة الوحدة وتحقيق الاستقرار. لا يدور استشراف المستقبل حول بثّ التشاؤم أو التفاؤل في روح الأمة، أو الفضاء العام، بل حول توقّع المخاطر والتحدّيات، ووضع الخطط لمواجهتها. لو كنتُ مكان أحمد الشرع لقرّرتُ الآن، وفوراً، إجراء قطيعة جديدة مع سياسات العام الماضي، ولطلبتُ كلَّ مساعدة داخلية ممكنة “فزعة” (بلغة أنصار السلطة) لمواجهة الأصعب الذي ينتظرنا. يتمثّل ذلك في الدعوة إلى مؤتمر وطني عام، مفتوح المدى زمنياً، يدعى إليه ممثّلون فعليون، يُختارون من مجتمعاتهم المحلّية، لمناقشة كلّ القضايا والتحدّيات التي تواجه سورية، بما في ذلك ترتيبات المرحلة الانتقالية، وكتابة الدستور، وعبره شكل الدولة، ونظامها السياسي والاقتصادي.

على مدى العام الماضي، أسمعت الإدارة السورية العالم ما يحبّ سماعه، وبرعت في كسب مساندته، حان الوقت الآن لتسمع السوريين ما يحبّون سماعه، وكسب دعمهم، عبر فعل ما يريدون منها فعله، فالداخل أولى بالتنازلات من الخارج، لأنه مصدر الشرعية، والسند الفعلي في مواجهة الأصعب الذي ينتظرنا.

العربي الجديد

——————————-

المخاض السوري… قبل فوات الأوان/ علي العبدالله

24 ديسمبر 2025

ركزت السلطة السورية الجديدة، في احتفالاتها بالذكرى الأولى لإسقاط النظام البائد، على ما اعتبرته نجاحاتها الفائقة خلال فترة قصيرة: مكاسب دبلوماسية كبيرة عربياً ودولياً، ورفع العقوبات، وتوقيع اتفاقات استثمارية ضخمة. واعتبرت الاستجابة الشعبية لدعوتها السوريين إلى الاحتفال بالذكرى، ونزول أعداد كبيرة إلى الساحات، استفتاءً شعبياً وتأكيداً لشرعيتها، علماً أن الفترة المذكورة شابتها سلبيات كبيرة وخطيرة، في مقدّمتها ارتكاب مجازر بحقّ العلويين والموحّدين الدروز، وتوجّه السلطة إلى تثبيت نزعة فئوية ومركزية، ما قاد إلى قطيعة مع الطائفتَيْن المذكورتَيْن، وإلى حالة شدٍّ وإرخاء مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تجلّت في عدم تنفيذ بنود اتفاق 10 مارس (2025)، ما حوّل البلاد إلى جزر منفصلة ومتنافرة في تهديد لوحدتها واستقلالها.

اتخذت السلطة السورية الجديدة خلال عامها الأول مجموعةَ قرارات سياسية وعسكرية وإدارية أشارت إلى توجّهاتها وخياراتها السياسية، وإلى النظام الذي تسعى إلى إقامته. وقد تجسّد ذلك في الإعلان الدستوري المؤقّت الذي حسم طبيعة النظام السياسي المُستهدَف: نظام رئاسي ومركزي، ومنح الرئيس المؤقّت صلاحيات تنفيذية شبه مطلقة تشمل: تعيين الحكومة، وتعيين كبار الموظّفين وإقالتهم، والمصادقة على المعاهدات الثنائية والدولية، وحرمان مجلس الشعب من صلاحية عزل الرئيس، أو التصويت على منح الثقة للوزراء أو سحبها، أو فرض رقابة فعّالة على السلطة التنفيذية. كما نصّ على تشكيل لجنة عليا تختار أعضاء مجلس الشعب وتشرف على انتخاب ثلثيهم عبر هيئات فرعية، ويعيّن الرئيس الثلث المتبقّي. ومنح الرئيس صلاحيات إعلان الحرب والتعبئة العامة، وإعلان حالة الطوارئ استناداً إلى موافقة مجلس الأمن القومي الذي يرأسه، من دون اشتراط موافقة مجلس الشعب. كما شملت الصلاحيات تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا، و”ترسيخ القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة”. وهي صلاحيات تنطوي على تعارض تام مع فحوى المادة الثانية من الإعلان الدستوري نفسه التي تقضي بالفصل بين السلطات.

استثمر الرئيس المؤقّت هذه الصلاحيات في تعزيز سيطرته على السلطة والدولة معاً، من خلال إضافة صلاحيات جديدة لنفسه عبر تشكيل هيئات وأطر إدارية وربطها بالرئاسة: بدءاً من صندوق التنمية السوري (الصندوق السيادي السوري) الذي يتمتّع باستقلال مالي ويتبع لرئاسة الجمهورية إدارياً، مروراً بإحداث الهيئة العامّة للمنافذ والجمارك بمرسوم ومنحها استقلالاً مالياً وإدارياً وربطها برئاسة الجمهورية مباشرةً، وصولاً إلى اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير التي يرأسها رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، ما يعني تبعيتها للرئاسة، وهيئة الاستثمار السورية، المستقلّة مالياً وإدارياً، ويرأسها حازم الشرع. وذلك كلّه بمراسيم، علماً أن الإعلان الدستوري العتيد لم يمنح الرئيس المؤقّت حقّ إصدار مراسيم.

إضافة إلى ذلك، جرى تعيين مسؤولين في إدارات حيوية على أساس الولاء، فمعظم من عُيّنوا في مواقع حسّاسة هم من النواة الصلبة لجبهة النصرة، وللرئيس أحمد لشرع بيعة في رقابهم. كما عُيّن أبناءٌ لكبار قادة جماعة الإخوان المسلمين وكوادرها من الجناح الشامي الموالي لعصام العطّار، الذين تربّوا في دول الخليج وتبنّوا السلفية، وشكّلوا في بداية ثورة الحرية والكرامة حركة أحرار الشام. كما جرى تكليف أشخاص بإدارة الملفّ المالي الحسّاس، من دون أن يكون لهذا التكليف أساس قانوني، مع تجاهل كوادر وطنية ذات خبرة من خارج دائرته الضيقة.

ويترافق ذلك مع العمل على توسيع دائرة السيطرة على المجتمع عبر تأطيره من خلال مؤسّسات سياسية: الأمانة العامة للشؤون السياسية، ومديرية إعداد وتطوير القادة، ودائرة إعداد القيادات النسائية التابعة لها وتطويرها. تُخضِع “المديرية” الشباب لدورات تدريبية في النظرية السياسية، والنظم السياسية، والعلاقات الدولية، والسياسات العامة، والإدارة العامة، وغيرها، من أجل تأهيلهم لتسلّم مناصبَ سياسيةٍ ودبلوماسية. وكانت السلطة قد رشّحت عدداً من محاسيبها سفراء في دول عربية وتركيا، لكن هذه الدول رفضتهم لأنهم (وفق سيرهم الذاتية) لا يملكون مؤهّلات للعمل سفراء، ما وضع السلطة في موقف حرج. في حين تُخضع “الدائرة” الشابّات لدورات تدريبية لاكتساب خبرات تتعلّق بـ”الكاريزما والتأثير”، و”التفكير الاستراتيجي”، و”عادات القادة”، و”الإدارة والتكنولوجيا”، و”مستقبل العمل”، وتعلم اللغة الإنكليزية، من أجل بناء جيل جديد من القائدات القادرات على صناعة التغيير والمساهمة الفعّالة في التنمية الوطنية، وفق إعلان “الدائرة” في منشور دعوة الشابّات إلى الانضمام إليها. وواضح أن الهدف (غير المُعلَن) من تأسيس الأمانة العامة للشؤون السياسية هو تشكيل حزب سياسي يخترق المجتمع ويسيطر على الفضاء السياسي قبل صدور قانونٍ لتأسيس الأحزاب، الذي سيتأخّر صدوره بذرائع شتى لإفساح المجال لـ”الأمانة” لإنجاز مهمتها. أمّا بخصوص تشكيل “المديرية” و”الدائرة”، فتبدوان أطراً وسيطةً لتخريج قادة سياسيين من الذكور والإناث بنيةً تحتيةً سياسيةً للحزب العتيد.

والتناقض صارخ بين الثقافة السلفية التي تُلقّنها السلطة للعسكريين والأمنيين ومواقفها المُعلَنة الموجّهة نحو الخارج، ما يعني أنها تمارس ازدواجيةً ممنهجةً: سلفية في الداخل وانفتاحاً ظاهرياً لإرضاء الخارج. تشير المعطيات المذكورة أعلاه إلى أن السلطة السورية الجديدة ليست في خضمّ بناء نظام مركزي ورئاسي فقط، بل في خضمّ بناء “نظام الرجل الواحد”.

ويقود توجّه السلطة الفئوي والتمييزي وممارساتها الاستئثارية (لا تتعارض مع مواقف قوى سياسية واجتماعية سورية فقط، بل ومع طلبات الدول الغربية التي تنشد السلطة رضاها) إلى مأزق عميق. وقد عبّرت عنها الشروط الأميركية الثمانية ضمن قرار إلغاء قانون قيصر: محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب الأمنية، وحماية حقوق الأقليات وتمثيلها العادل، والامتناع عن الأعمال العسكرية غير المُبرَّرة (أميركياً) ضدّ دول الجوار، ومنها إسرائيل، وتنفيذ اتفاق 10 مارس (2025) مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) سياسياً وأمنياً، ومكافحة غسل الأموال والأنشطة المتعلّقة بالإرهاب، ومحاكمة المتورّطين في الانتهاكات المرتكبة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومكافحة المخدّرات واتخاذ خطوات ملموسة لوقف إنتاجها وتهريبها.

عدم إيجاد مخرج سياسي مرضٍ للاشتباك مع الطائفتَيْن العلوية والدرزية، وعدم الاتفاق مع “قسد” على تفسير بنود اتفاق 10 مارس بما يسمح بالبدء بتنفيذها، سُيبقيان حالة عدم الاستقرار، مع احتمال وقوع مواجهات عسكرية وحصول انتهاكات ومجازر جديدة. وهو ما يرتّب عرقلة دخول الاستثمارات إلى البلاد، ومواجهة موجات غضب شعبي نتيجة عجز السلطة عن حلّ المشكلات الخدمية، وتوفير فرص عمل، وتحسين دخل المواطنين برفع الرواتب بما يتناسب مع تكلفة المعيشة، وإطلاق برامج إعادة الإعمار. ويستدعي حلّ الخلاف مع الطائفتَيْن العلوية والدرزية البدء بحلّ القضايا الساخنة: من المعتقلين والمخطوفين من الرجال والنساء، إلى جبر ضرر الذين لحقت بهم خسائر في الأرواح والأملاك، بوصفه مدخلاً لبحثٍ مشتركٍ عن صيغة لمشاركتهم في السلطة ومساهمتهم في بناء الدولة. وكان رئيس السلطة أحمد الشرع قد أكّد لوفد من السوريين العلويين من محافظتي اللاذقية وطرطوس “أن سورية تدخل مرحلةً جديدةً من إعادة بناء الدولة على أساس الاستقرار ومشاركة الشعب… وأن الدولة لا تحمل أيَّ نزعات إقصائية أو ثأرية تجاه أيَّ مكوّن… وأن سورية دولة مواطنة تضمن العدالة وتحفظ حقوق جميع السوريين”. كلام جميل، لكنّه بعيد من الواقع، وربّما قيل للتناغم مع مطالب الإدارة الأميركية التي وضعتها، لا ثمناً لإلغاء قانون قيصر فقط، بل لإبقاء السلطة في دائرة المراقبة والاختبار.

أمّا دمج “قسد” في الجيش الوليد، فيستدعي البدء بتحديد طبيعة الجيش: أهو جيش مفتوح للسوريين كلّهم أم جيش سُنّي؟ جيش عقائدي أم جيش وطني جامع؟ قبل مناقشة صيغة الدمج؛ لأن تحديد طبيعة الجيش يُسهّل الاتفاق على صيغة الدمج، خاصّةً وقد بات دمج “قسد” ضرورة ميدانية بعد فشل قوات الأمن العام في حماية الجنود الأميركيين في تدمر، كي تكون جزءاً من عملية محاربة “داعش” في البادية السورية، وذلك على الضدّ ممّا خطّطت له السلطة السورية، التي تصوّرت أن انضمامها إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب سيسحب ورقة محاربة “داعش” من “قسد”.

ويقتضي نجاح المرحلة الانتقالية وتوفير شروط الاستقرار أن تعيد السلطة السورية النظر في توجّهاتها وسياساتها بحيث تتناغم مع المطالب الأميركية (وهي مطالب تتطابق مع مطالب رفعها سوريون، لكنّها لم تجد للأسف آذاناً صاغية لدى السلطة) كي لا تعود واشنطن إلى فرض عقوبات جديدة، فينقطع الطريق على الاستثمارات، وتزيد وطأة المشكلات المعيشية والخدمية على كاهل المواطنين، فتدفعهم الحاجة إلى الصدام مع السلطة. وهذا التناغم يستدعي تغيير طريقة التعاطي مع الشؤون الداخلية: بدءاً باستكمال تشكيل مجلس الشعب من دون إبطاء، ومنحه حقّ إعادة النظر في الإعلان الدستوري المؤقّت، وإصدار قانون أحزاب، وإجراء حوار وطني حول طبيعة النظام المُستهدَف: مركزي أم لا مركزي؟

العربي الجديد

——————————-

 ألوان دمشق الرمادية/ إياد الجعفري

الخميس 2025/12/25

من المثير بالنسبة لباحث ومراقب للشأن السوري العام، من الخارج، على مدار 13 عاماً، أن يحتك مع الظواهر التي كان يكتب عنها، من الداخل هذه المرة. هكذا أتاحت الظروف لكاتب هذه السطور، أن يستكشف مدى دقة التوصيف الذي تكرره شريحة من المحللين السوريين، من حين لآخر، ومفاده أن الواقع يختلف عن الصورة التي تعكسها وسائل التواصل الاجتماعي. وقد يكونون محقين إلى درجة كبيرة.

لا يدّعي كاتب هذه السطور تقديم توصيف ميداني يتسم بالعلمية الرصينة. هي مجرد مشاهدات وملاحظات تم جمعها عبر الاحتكاك بشرائح عدة من الشارع السوري، في دمشق، تحديداً. مشاهدات وملاحظات، كانت مفاجئة لكاتب هذه السطور، في كثير من زواياها. فمواقف عامة الناس، بعيدة بالفعل عن كثير من الاستقطابات التي توحي بها كتابات المؤثرين والإعلاميين والنشطاء السوريين، على وسائل التواصل.

أولى الملاحظات التي يمكن تلمسها سريعاً، هي الهم المعيشي، الذي يحكم تفكير جميع من قابلناهم، ومن مختلف الفئات الطبقية. وكان من الملفت، أنه مع اختلاف أمزجة ومواقف من قابلناهم، كانت الشكوى العامل المشترك. فالجميع مستاء من الواقع المعيشي. ومعظمهم يتحدثون عن أوضاع اقتصادية أفضل، كانوا متكيفين مع صعوباتها، قبل سقوط نظام الأسد، منذ عام. بعضهم قالها بصراحة -عدة أشخاص- إن تجارة الكبتاغون التي كانت مصدر تمويل رئيسي لعصابة الأسد وأزلامه من العناصر الأمنية والمقاتلة، كانت في الوقت نفسه مصدر سيولة تسري في شرايين الاقتصاد، فتعطيه دفعة للحياة. وهو ما يفتقده اليوم أصحاب المحال التجارية، بصورة جلية، وفق وصفهم.

لم نقابل -حتى ساعة كتابة هذه السطور- أحداً يدافع عن نظام الأسد. والجميع تقريباً يحمّله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، اليوم. لكن بعضهم، في الوقت نفسه، يتحدثون عن ظواهر حكمت العلاقة بين الشارع و”الدولة”، في الحقبة البائدة، لا تزال قائمة اليوم إلى حدٍ كبير. أبرزها، المحسوبية، والعلاقات مع المسؤولين. ما اختلف، هو خلفية هؤلاء المسؤولين ومشاربهم السابقة. ولا تزال الرشوة وسيلة فضلى لتخليص أي معاملة عالقة في الدوائر الحكومية. لكن مع فارق ملحوظ على صعيد تحسّن سرعة الإجراءات الحكومية، مقارنة بالسابق.

ومن أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها أيضاً، ارتفاع غير مسبوق لسقف الجرأة في مناقشة الشأن العام في أوساط العامة. ومع ارتفاع هذا السقف، يمكن بسهولة لأي مراقب جاد، أن يتلمس مزاج الناس الفعلي. والذي يحكمه الترقّب لتحسّن معيشي مُنتظر. هذا الترقب يستند إلى نظرية شعبية رائجة لمسناها مع كثيرٍ ممن تحدثنا معهم، ومفادها أن سوريا غنية بالثروات، وأن القوى الدولية والإقليمية مندفعة للاستثمار فيها. ولا مشكلة لديهم في ذلك، لكنهم يريدون تلمس تغيرات سريعة في حياتهم المعيشية، كنتيجة للاستثمار في هذه الثروات.

ألمح لنا البعض -كنتيجة لارتفاع سقف الجرأة في الحديث بالشأن العام- عن فساد في أداء بعض مسؤولي “الدولة” الجدد. وتحكم هذا الحديث درجة ملحوظة من السيولة في المعلومات وعدم الدقة. لكنه يعكس ارتياباً جلياً حيال أداء رجالات “العهد الجديد”. بعضهم ألمح أيضاً لحالة “الأدلبة” أو “الشملنة” -المسؤولون القادمون من الشمال والمقربون من الفصائل التي شاركت في “ردع العدوان”- والذين باتوا ملحوظين في معظم المراكز الحسّاسة في مؤسسات الدولة.

قلّة هم الذين حدثونا عن تدخلات أمنية في الحريات الشخصية، من قبيل ألبسة النساء والرجال. لكنها حالات وقعت بالفعل. وإن كانت محدودة وفق ملاحظاتنا. وكان يمكن مشاهدة أعداد كبيرة من السيدات “السافرات” في مناطق مختلفة من دمشق، يمشين بكل أريحية، مع الإشارة إلى أن “سفورهن” يتماشى مع الجو العام الرائج في سوريا، حتى قبل 2011. بمعنى أنه “سفور” محتشم. وكان من الملحوظ مشاهدة ظاهرة إطالة الذقون، لأغلب الشباب، مع حف الشوارب في حالات كثيرة أيضاً. وقد يكون ذلك من طبائع شرائح واسعة من السوريين، الذين يتماشون مع “المتغلبين” في الحكم. وفي ذلك، نذكر ظاهرة “تربية الذقن” وفق “ستايل” باسل الأسد، الابن الأكبر لحافظ الأسد، والذي توفي في حادث سيارة عام 1994.

وفي الطبائع ذاتها، التي كُبتت خلال فترة حكم آل الأسد، والتي سبق أن أشار إليها الرئيس الأسبق شكري القوتلي -وفق ما يُنسب إليه- كان من الملحوظ في معظم من تحدثنا إليهم من عامة الناس، من غير ذوي الاختصاص بالشأن العام، اعتدادهم بقناعاتهم ومعلوماتهم وأفكارهم، ورفضهم لتقبّل نقدها، حتى لو جاء ذلك من شخص “خبير”.

ومن الملاحظات الملفتة أيضاً، أن الاستقطاب الحاد الظاهر في وسائل التواصل، غير ملحوظ في الشارع. فغالبية من تحدثنا إليهم، رفضوا وجود معاملة تمييزية بحق “الأقليات”. بل على العكس، أغلبهم رحبوا بإجراءات التسامح وفتح صفحة جديدة بين السوريين، باستثناء قلّة.

في الختام، كان مزاج سكان دمشق رمادياً، مزدحماً بغيوم الترقب بفرج قريب، على غرار علاقة سكان هذه المدينة بمناخها، في هذا الوقت من السنة. وكان يمكن تلمس مقدار الضيق الذي يشعر به الأغلبية، جراء الضغط المعيشي. وهو مؤشر يجب على صاحب القرار بـ”الدولة” السورية أخذه بالاعتبار، بصورة جدّية وعاجلة.

المدن

——————————

 بين سقوط النظام وبناء الدولة: سوريا على حافة الفرصة/ خلدون الشريف

الأربعاء 2025/12/24

هي المرّة الأولى التي أزور فيها سوريا منذ العام 2010. جاءت الزيارة مصادفةً في ذكرى سقوط نظام بشار الأسد واعتلاء أحمد الشرع سدّة الرئاسة، كأنّ الزمن اختار أن يضع الرحلة في قلب التحوّل لا على هامشه.

من العبّودية شمال لبنان عبرنا الحدود اللبنانية بسهولة، لكنّ فضولي الحقيقي كان موجّهًا إلى الجهة الأخرى: كيف تبدو سوريا اليوم، وكيف يُستقبل القادمون إليها بعد كل ما جرى؟

على المعبر السوري، بدا كلّ شيء مُعدًّا بإتقان. عناصر الأمن العام شبّان صغار السن، هادئون، شديدو الأدب، بعيدون عن الصورة الثقيلة التي طبعت الذاكرة طويلًا. سلّمتُ هويّتي، فتوقّف العنصر قليلًا قبل أن يهمس في أذني بأنّ اسمي مُدرج على لوائح المطلوبين للتحقيق لدى الأمن السوري السابق منذ العام 2021، وأنّ عليّ مراجعة فرع المرجة لأسباب “تقنية”.

سألتُه إن كانت لديه معلومات إضافية، فحضر رئيس القسم ليشرح أنّ مئات، بل آلاف الأسماء، أُدرجت في تلك اللوائح بناءً على وشايات، كثيرٌ منها جاء من طرابلس ومناطق لبنانية أخرى، مضيفًا أنّ بين الوشاة محلّلين، وإعلاميين، وشخصيات عامة، وسياسيين. لم أرغب في معرفة المزيد. عندها قال لي بهدوء: “القرار لك. إمّا أن تدخل سوريا أو تعود إلى لبنان، لكنّي أعدك أنّ معاملتك، إذا قرّرت المراجعة، لن تستغرق أكثر من عشر دقائق”.

الدخول إلى حمص

هي المدينة الأقرب إلى طرابلس، ولي فيها ذكريات قديمة، إذ كنّا نزورها كثيرًا مع الوالد. نشتري “الشعيبيّات” -وفي طرابلس نسمّيها فطاير بالجوز- من محلٍّ محدّد، كما كنّا نشتري الأجبان من تلكلخ في طريق العودة.

ظهرت حمص مدينةً مدمَّرة؛ أكثر من نصفها ركام. أمّا جامع خالد بن الوليد، فيبدو شامخًا، كأنّه يروي وحده قصّة معاناة أهل المدينة.

الناس في الشوارع كُثُر، يرتادون الأسواق، والسير كثيف، ما يشير إلى عمق الطمأنينة لدى الناس في مدينة تعرّضت لقتلٍ منهجيّ وبراميل دمّرت نصف أبنيتها.

دخلنا الحيّ المسيحي وتناولنا الغداء في جوٍّ ميلاديّ واضح. “سوريا لكلّ أهلها”، قال النادل. سألته عن حال العمل، فأجاب: “نحن هنا في هذا المطعم، وبفضل الله، نعمل بشكلٍ ممتاز. أمّا العمل عمومًا في حمص فبطيء. الخدمات العامة تتحسّن، لكن ليس بالشكل الذي نطمح إليه”.

إلى دمشق

لم أكن أتخيّل يومًا أنّ الزحمة في دمشق قد تماثل، أو حتى تفوق، زحمة القاهرة. عدد الناس في الأسواق، ليلًا ونهارًا، لا يُقدَّر. اخترت الإقامة في دمشق القديمة، ودخلتها ليلًا حيث أقمت في باب توما تحديدًا. الناس يسهرون في الشوارع حتى بزوغ الفجر.

احتفالات بانتصار الثورة، مسيرات كشفية، واحتفالات ميلادية.

أدّيت صلاة الجمعة في حيّ المالكي في “مسجد بدر” وكان عدد المصلّين كثيفاً، واللافت أنّ الخطيب أبلغ المصلّين أنّ وزارة الأوقاف حدّدت لكل مساجد سوريا زمن الخطبة، ومن الأذان إلى الصلاة بأربعين دقيقة، حرصًا على تنظيم المواقيت.

يشعر أهل الشام بالارتياح، بلا شك، لكنّهم فقراء، يبحثون عن مداخيل تكفي للعيش. الكلّ يبحث عن أكثر من وظيفة ليؤمّن خبزه. قال لي سائق سيارة أجرة: “أنا متخصّص بإصلاح أجهزة التلفزيون، لكن تلك الحقبة انتهت، فاستأجرت سيارة أسترزق عليها”. وأضاف: “المسؤوليات في سوريا اليوم تقع على عاتق من بقي. آلاف الناس قُتلوا، وآلاف فُقدوا، وكثيرون يعيشون بإعاقات دائمة”.

سائق آخر قال إنّ رواتب القطاع العام لا تكفي إلا أيّامًا قليلة من الإنفاق، وإنّ الكهرباء باتت تشبه لبنان: بضع ساعات من الدولة، والباقي عبر اشتراكات مولّدات أو طاقة شمسية، يعتمد عليها عدد كبير من أبناء دمشق.

مدينة تعجّ بالحياة، لكنّها تحتاج إلى جهدٍ هائل كي تستعيد ألقها. تحتاج إلى دورة اقتصادية حقيقية تُعيد تشغيل عجلة الإعمار والترميم، وتُخرج الاكتظاظ من كونه مجرّد حركة إلى كونه حياة.

الصعوبات في سوريا

ما لمسته في كلّ مدينة زرناها هو خليط معقّد من الأمل والتعب. الناس يريدون العيش، لا الشعارات. يريدون دولة تُقدّم خدمات أساسية، ويعرفون أنّها تحتاج إلى وقت، لكنّ صاحب الحاجة أَرعن.

التحدّي الأكبر في دمشق ليس أمنيًا، كما يظنّ البعض، بل اقتصادي واجتماعي: بطالة مقنّعة، بنية تحتية متهالكة، خدمات شحيحة، وذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات.

هناك شعور عام بأنّ مرحلة الخوف انتهت، لكنّ مرحلة الطمأنينة لم تبدأ بعد. الفجوة بين سقوط النظام وبناء الدولة لا تزال واسعة، وتُملأ يوميًا بجهود فردية، لا بسياسات عامة واضحة المعالم.

العلاقات اللبنانية- السورية

العلاقة بين لبنان وسوريا لا يمكن أن تُعاد ترميمها بالعموميات ولا بالمجاملات الدبلوماسية. هي علاقة مثقلة بالدم والشكوك والملفّات المفتوحة، وأيّ حديث عن صفحة جديدة يبدأ حكمًا من بناء الثقة، لا من تبادل الصور أو البيانات. وبناء هذه الثقة يمرّ، أوّلًا وأساسًا، عبر الإفراج عن جميع الموقوفين السياسيين الذين اعتُقلوا بسبب معارضتهم لنظام بشار الأسد، أو بسبب انتماءاتهم السياسية، بما فيها الانتماء إلى “جبهة النصرة”، في سياق حرب أهلية معقّدة لا يمكن اختزالها بتوصيفات أمنية جاهزة. هذا بات المطلب السوري الأوّل بلا شك.

في المقابل، طُويت في سوريا صفحة الصدام مع حزب الله. هذا قرار سياسي واضح لا التباس فيه. السوريون يعرفون أنّ ما خلّفته سنوات التدخّل والاقتتال جروحًا عميقة قد لا تندمل، لكنّهم حسموا خيارهم بعدم الذهاب إلى مواجهة جديدة، مهما كانت الاستفزازات أو الحسابات الإقليمية. الأولوية اليوم هي منع أيّ انفجار أمني، لا فتح جبهات. والسوريون لا يريدون التدخّل في الشؤون اللبنانية، لكنّ وجهة نظرهم تشير إلى أخطاء ترتكبها الحكومة في مقاربة ملفّ سلاح حزب الله قد تؤدّي إلى عكس المرتجى. فالضغط يولّد الانفجار، واسألوا بها خبراء.

الأخطر، والأكثر حساسية، هو الملفّ المذهبي. هنا، لا مجال للتجريب ولا للمزايدات. هناك إدراك صارم بأنّ أيّ لعب على هذا الوتر سيقود إلى خراب شامل، داخل سوريا وعلى امتداد الحدود اللبنانية. لذلك، الخيار المعلن هو واحد: عدم إشعال فتن مذهبية، لا في الساحل ولا في الداخل، وعدم السماح بتحويل الجراح المفتوحة إلى وقود لصراعات جديدة.

بهذا المعنى، إمّا تُبنى العلاقة اللبنانية- السورية على أسس سياسية واضحة، صريحة، ومسؤولة، أو تبقى معلّقة، هشّة، وقابلة للاهتزاز عند أوّل اختبار. أمّا العودة إلى منطق الوصاية أو الثأر أو الحروب بالوكالة، فقد سقطت مع سقوط النظام، ولن يُسمح بإحيائها من جديد.

أمام لبنان وسوريا فرصة حقيقية للتعاون الاقتصادي في البرّ والبحر، والصناعة والزراعة … وإعادة الإعمار. سوريا تحتاج إلى لبنان بطاقاته، ولبنان منفذه الطبيعي والأساسي هو سوريا. وواهمٌ من يصدّق أنّ السلام مع إسرائيل حاصل غدًا، وأنّ الطرق ستُفتح أمام لبنان من كل الاتجاهات. لبنان وسوريا يحتاجان بعضهما أكثر من احتياجهما لأيّ بلد ثالث. فهل يلتقط قادة البلدين الفرصة، أم يضيّع لبنان، تحديدًا، فرصةً كسائر الفرص التي أضاعها أهل الحلّ والربط من باب المكابرة والمناكفة والتعصّب؟

المدن

—————————

سوريا بعد عام من سقوط الأسد: شرعية الدولة وتحديات الاستقرار/ أحمد جميل بكوره

في الذكرى الأولى لسقوط حكم بشار الأسد، تحتفل سوريا باستعادة حقها في أن تكون وطنا طبيعيا؛ وطنا يتنفس بلا خوف، ويختلف بلا عقاب، ويعمل بلا وصاية أمنية.

ويكتسب هذا الاحتفال معناه الأعمق لأنه لحظة تأسيسية تتجاوز تبدل السلطة إلى تبدل نموذج الحكم نفسه؛ قطيعة مع نموذج تمددت فيه الأجهزة حتى ابتلعت السياسة، وتسيس فيه القانون، وذابت الحدود بين الدولة والسلطة، وتحولت المؤسسات إلى واجهات، وتقدم الولاء على الكفاءة، وغابت المحاسبة، واحتُكر القرار، وتعطل الفصل بين السلطات الذي يشكل ضمانة مباشرة لكرامة المواطن وأمنه.

وتحتفل سوريا أيضا باتساع هامش الحركة الذي رافق تراجع مناخ العقوبات والقيود، وهو هامش يفتح بابا لعودة الاقتصاد إلى الدائرة الطبيعية، ولإعادة إدماج الدولة بمحيطها، ولتمكين السوريين في الداخل والشتات من تحويل خبراتهم ومدخراتهم إلى بناء واستثمار وإعمار.

غير أن معنى الاحتفال لا يكتمل إلا حين يتحول إلى التزام سياسي وأخلاقي ببناء مستقبل باهر لأولادنا، مستقبل يتجسد في دولة لكل السوريين، تقوم على مبدأ المواطنة وحقوقها وواجباتها، وعلى قانون واحد، ومؤسسات تحمي الناس وتخدمهم، وتفتح لهم أبواب العدالة.

ومن هنا يبدأ السؤال الذي يليق بسوريا بعد التحرير: ماذا أنجزت السلطة الانتقالية خلال عامها الأول؟ وكيف أُنجز؟ وما الذي بقي خارج الإنجاز؟ وما أثر ذلك على السلم الأهلي، وعلى جدوى العملية الانتقالية نفسها؟

العام الأول يرسم ملامح نموذج الحكم الذي سيستقر عليه المسار.. ولأن تقييم المراحل الانتقالية يحتاج معيارا واضحا، فإن معايير الانتقال الرشيد تبدأ بوضع قيود وتوازنات أولية بين السلطات، وشفافية القرار، وأثر السياسات على السلم الأهلي، على أن تدار الموارد الخارجية بوصفها رافعة للتعافي لا بديلا عن العقد الداخلي.

ومن خلال هذا المنظار تتضح قدرة السلطة على تحويل الشرعية السياسية إلى شرعية مجتمعية، وعلى تحويل الإرادة إلى مؤسسات، وعلى تحويل القرارات إلى نتائج يلمسها المواطن في أمنه وخدماته وحقوقه. وعبر هذا القياس يمكن تسجيل إنجازات تستحق التقدير، لأنها تمثل أصولا وطنية يمكن البناء عليها في السنة الثانية.

أول هذه الإنجازات الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة، ومنع الانزلاق إلى فراغ شامل في الإدارة؛ فالمألوف في البلدان الخارجة من صراع طويل أن الفراغ الإداري يفتح الباب لاقتصاد ظل، وسلاح منفلت، ونزاعات محلية، وانكماش في الاستثمار والتعافي، إلا أن تثبيت حد أدنى من عمل المؤسسات منح البلاد أرضية تمنع الانهيار، وتتيح الانتقال من الطوارئ إلى التخطيط.

الإنجاز الثاني يتعلق بإخراج ملفات كانت محرمة أو مؤجلة إلى المجال العام، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية والمفقودون، بوصفهما مسارين أساسيين لإنصاف الضحايا وترسيخ مبدأ المساءلة.

هذا التطور يعبر عن ممارسة دولة مسؤولياتها تجاه حقوق مواطنيها، ويؤسس لاعتراف مؤسسي بحق الناس في الحقيقة والإنصاف. ومن شأن هذا الاعتراف أن يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة جديدة، ويفتح مسارا طويل الأمد لبناء الثقة واستعادتها ضمن إطار قانوني ومؤسسي.

كما ظهرت محاولات لتحسين الأداء الإداري وتخفيف بعض اختناقات الخدمات وسلاسل الإمداد، وهي محاولات ذات أثر مباشر على حياة الناس، وعلى قابلية الاقتصاد الصغير لأن يتحرك. وفي سياق عام شديد التعقيد، تبقى هذه المحاولات نقاطا إيجابية تستحق أن تذكر بوصفها عناصر يمكن تطويرها إلى سياسات عامة ناضجة، بدل أن تبقى استثناءات متفرقة.

غير أن تقييم السنة الأولى لا ينحصر في حصيلة ما تحقق، بل يتصل أيضا بنوعية الإدارة وحساسية التنفيذ، ومدى الالتزام العملي بقواعد الحوكمة الرشيدة.

ففي المراحل الانتقالية، تتشكل الثقة العامة عبر قواعد التشغيل قبل أن تتشكل عبر الخطاب، وتصبح المعايير المكتوبة، والشفافية، ووضوح الصلاحيات، والرقابة المستقلة، وإتاحة التظلم، ركائز تأسيسية تمنع الانزلاق من بناء الدولة إلى بناء سردية عنها.

ومع تأخر هذه الركائز تتسع مساحة التأويل، ويعلو الشك، وتزداد قابلية القرار للاختطاف عبر شبكات الوساطة والمحسوبية، فيتحول الإنجاز من رصيد وطني إلى مادة استقطاب.

ضمن هذا الإطار برزت ثغرات في إدارة ملفات حساسة على مستويي القرار والتنفيذ معا؛ فالإجراءات التي لا تستند إلى معايير معلنة، ولا تحدد بوضوح حقوق الناس وواجباتهم ومسارات التظلم، تضعف قابلية القرار للإقناع، وتربك علاقة المواطن بالمؤسسة العامة. ومع تغليب الخطاب على النتائج تتسع فجوة الثقة، وتتراكم خيبات متتابعة، وتصبح الروايات المشحونة أكثر حضورا وتأثيرا في المجال العام.

السلم الأهلي هو خط الإنتاج الأول في سوريا الجديدة؛ صيانته تحتاج عقلية دولة، وسياسة أمنية تقوم على الانضباط والمساءلة، وعدالة متدرجة تحفظ حقوق الضحايا وتمنح المجتمع قدرة العبور دون انفجار، وخطابا وطنيا يقلل التعميم ويمنع التحريض ويثبت فكرة الدولة كمرجعية جامعة. ومن هنا تكتسب السياسة وظيفتها الوقائية، عبر انفتاح منظم وحوار وطني قادر على تصريف الخلاف داخل المجال العام بدل أن يتسرب إلى الشارع والسلاح.

وتبرز هنا فجوة ذات أثر مباشر على مسار الانتقال؛ فسوريا تحتاج إلى هندسة سياسية تفتح المجال العام ضمن إطار قانوني، وتؤسس لقواعد شراكة فعلية في صناعة القرار، ثم تنقل هذه القواعد إلى مسار دستوري وتشريعي قابل للمتابعة والمساءلة.

هذا المسار يرفع المجتمع إلى موقع الشراكة بدل موقع الانتظار، ويصون الدولة من شخصنة السلطة ومن احتكار التمثيل، ويمنح السلم الأهلي مظلة سياسية تقوم على الثقة، وعلى الشعور بأن الحقوق مصونة وأن الصوت مسموع.

وفي صلب هذه الفجوة يبرز ملف السلطة التشريعية بوصفه اختبارا عمليا لفصل السلطات؛ فقد تأخر تفعيل المؤسسة التشريعية على النحو الذي نص عليه الإعلان الدستوري، سواء عبر استكمال التعيينات الرئاسية المطلوبة ضمن تشكيل المجلس، أو عبر إعلان النتائج واستكمال الإجراءات ذات الصلة.

وأبقى هذا التأخر المجلس في وضع معلق دون دعوة إلى الانعقاد، ما أحدث فراغا رقابيا في مرحلة دقيقة، ونقل عبء القرار العام إلى السلطة التنفيذية على نحو أكبر مما ينبغي في انتقال منضبط.

وأيا تكن الاعتبارات الإجرائية أو التنظيمية، فقد نتج عن ذلك تراجع الرقابة المؤسسية العلنية، وغياب قناة تشريعية منتظمة تستوعب النقاش العام، وتسهم في تصريف التوترات ضمن إطار مؤسسي.

انتظام التشريع والرقابة في سياقات الانتقال ركيزة للسلم الأهلي، ولتحسين جودة القرار العام، ولخفض كلفة الشك وعدم اليقين، مع ضرورة التعامل مع البنية التشريعية الراهنة بوصفها ترتيبات انتقالية قابلة للتحسين، والتزاما مبكرا بتطوير قواعد التمثيل على نحو أوسع عند أول فرصة تنظيمية وأمنية تسمح بذلك.

من دون حوار وطني مؤسسي تتزايد قابلية المجتمع للانقسام حول ملفات الهوية والعدالة والأمن؛ ومن دون مسار تشريعي واضح تتسع مساحة تضخم السلطة التنفيذية وتتراجع الضمانات؛ ومن دون فصل للسلطات واستقلال للقضاء يصبح القانون أكثر هشاشة أمام النفوذ، وتتراجع قابلية الإنصاف الوطني، ما يفتح الباب أمام خيارات تدويل العدالة بوصفها ملاذا بديلا لدى من لا يجد طريقا داخليا موثوقا.

وفي المقابل، ما زالت هناك ملفات مركزية تحتاج إنجازا حاسما كي لا تتحول إلى مخاطر مباشرة على العملية الانتقالية.. العدالة الانتقالية تحتاج منظومة متكاملة تحدد المسارات والأولويات والضمانات، وتجمع بين كشف الحقيقة وجبر الضرر والمحاسبة وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار ضمن مراحل واضحة.

وإصلاح قطاع الأمن يحتاج قواعد اشتباك وتدريبا، وسلاسل قيادة منضبطة، ورقابة مدنية وقضائية تمنع التفلت، وتؤسس لشرطة تعمل لخدمة المجتمع. واقتصاد المعيشة يحتاج خطة تشغيلية قابلة للمتابعة؛ لأن هذه الملفات تصنع الشرعية اليومية داخل البيوت والأسواق. كما تحتاج اللامركزية التشغيلية صلاحيات وموارد ومسارات مساءلة محلية، لأن سوريا الجديدة لا يمكن إدارتها بعقل المركزية الثقيلة التي صنعت هشاشة الدولة القديمة.

في هذا المشهد يتقدم نقاش جوهري حول ترتيب الأولويات بين الشرعية الوطنية والشرعية الخارجية؛ الشرعية الوطنية تتأسس على عقد ثقة متين بين المواطن والدولة، يتجسد في الأمان والعدالة والخدمة وحماية الحقوق، ويتكامل مع عقد سياسي يقوم على قواعد الحكم الرشيد، وانفتاح المجال العام، ومشاركة حقيقية في صناعة القرار، ومسار دستوري وتشريعي يضمن التداول والشراكة وفصل السلطات.

أما الشرعية الخارجية فتوسع هامش الحركة عبر التمويل والاستثمار وبناء العلاقات، والاندماج في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وهي مهمة لأن سوريا تحتاج موارد وخبرات ورؤوس أموال لدعم التعافي وإعادة البناء.

الشرعية الخارجية تتحرك وفق إيقاع السياسة الدولية وتبدل الحكومات وتغير أولويات الشركاء، وغالبا ما تقترن باشتراطات زمنية وإيقاع سياسي سريع، والاعتماد الزائد على ذلك يضع الدولة تحت ضغط دائم، ويترك الداخل دون عقد ثقة متين.

المسار الأكثر أمانا يقوم على جعل الشرعية الوطنية محور الإدارة، ثم توظيف الشرعية الخارجية كرافعة للتعافي.. عندما يشعر المواطن بأن الدولة تحميه وتخدمه وتنصفه وتشاركه القرار، يصبح الانفتاح الخارجي مكسبا مستداما، وتتحسن قابلية الشراكة، ويتقدم منطق المؤسسات على منطق الصفقات.

وهنا تظهر قاعدة انتقالية حاسمة: ما يؤجل في لحظة التأسيس يدفع لاحقا مضاعفا… لو أن العام الأول انطلق بمسار انتقالي مكتمل الأركان، يبدأ بمؤتمر تأسيسي يحدد قواعد اللعبة السياسية، ويتبعه إعلان دستوري يضبط الصلاحيات ويرسم حدود السلطة، ثم ترتيبات انتقالية بولاية واضحة وآليات مساءلة قابلة للتدقيق، لكان بالإمكان خفض كلفة التعثر على مستقبل سوريا بصورة ملموسة؛ فالمراحل الانتقالية تعمل بمنطق التراكم، وكل تأخير في بناء الإطار المؤسسي يرفع كلفة الاستدراك لاحقا.

ما ينجز بجهد محدود في لحظة التأسيس يحتاج أضعافه عندما تتشعب المصالح وتتكرس الأعراف ويزداد الشك؛ لذا لا تقاس خسائر البداية بما فات من فرص فحسب، بل بما يضيفه الفوات من أثمان على الاستقرار والاقتصاد والثقة. ومن هنا تبرز قيمة التصحيح المبكر باعتباره أقصر طريق لتخفيض الخسائر، وتحصين الاستثمار في الدولة الجديدة.

ماذا نفعل لإنقاذ سوريا وحماية عامها الثاني من الانزلاق؟ البداية تكون ببرنامج وطني معلن، مع مؤشرات أداء دورية، وشفافية بيانات، ومسؤوليات واضحة لكل جهة تنفيذية، وتقييم أثر اجتماعي قبل القرارات الحساسة.

هذا البرنامج يحتاج مسارا عاجلا لاستعادة الثقة عبر حماية السلم الأهلي، وضبط التفلت، وتفعيل مساءلة قابلة للتدقيق. ويحتاج إجراءات ذات أثر سريع في ملف المفقودين والمعتقلين عبر مركز بيانات موحد، وقناة تواصل موثوقة مع الأسر، وتحديثات منتظمة تعيد للناس حقهم في المعرفة والكرامة.

ويحتاج خطة تشغيل للخدمات الأساسية، تتضمن أهدافا عملية في الكهرباء والمياه والنقل والخبز والوقود، مع متابعة شهرية تعكس الواقع وتسمح بالمحاسبة.

وفي الوقت ذاته، يحتاج العام الثاني إلى أجندة سياسية تعيد التوازن إلى مسار العملية الانتقالية، تتضمن إطلاق حوار وطني بتمثيل واسع ومعايير مشاركة معلنة، يفتح المجال العام وفق ضمانات حقوقية وقانونية، ويؤسس لمؤتمر وطني بصلاحية اقتراحية ملزمة للحكومة في ملفات الحريات والحقوق والعدالة والإدارة المحلية.

يتبع ذلك إطلاق عملية تشريعية انتقالية عبر الهيئة التشريعية المؤقتة، لتتولى إصدار الحزمة القانونية العاجلة المتعلقة بالأحزاب والانتخابات والإعلام واستقلال القضاء والإدارة المحلية، وتؤطر عمل السلطة التنفيذية وتمنع تضخمها.

ويأتي بالتوازي مسار دستوري يقوم على لجنة صياغة ذات شرعية تمثيلية، يعقبها نقاش مجتمعي منظم ثم استفتاء وفق قواعد نزاهة ورقابة، لأن الدستور هو عقد الثقة الأعلى، ولأن فصل السلطات يبدأ من النص ثم يترسخ بالممارسة والمؤسسات.

ثم يأتي العمل متوسط الأمد عبر هندسة العدالة الانتقالية كمنظومة متدرجة، تحفظ الحقوق وتمنع الانفجار، وإطلاق إصلاح مهني لقطاع الأمن ضمن رقابة مدنية وقضائية، وتوسيع اللامركزية بصلاحيات وموارد ومساءلة محلية، تخفف الاحتقان وتقرب الدولة من المواطن.

وفي العمق، تحتاج سوريا إلى عقد اجتماعي جديد يرسخ المواطنة وإدارة التنوع وحماية الحقوق، ويمهد لدستور دائم وانتخابات تنافسية تضمن تداول السلطة، وتمنع عودة الاستبداد تحت أي لافتة.

سوريا بعد عام من سقوط الأسد أمام قرار سياسي كبير؛ فتحويل التحرير إلى دولة هو المعنى الحقيقي لهذه الذكرى. السنة الثانية ينبغي أن تكون سنة ترسيخ الشرعية الوطنية عبر الأمان والخدمات والعدالة والانفتاح السياسي والشراكة، وسنة تحويل الانفتاح الخارجي إلى استثمار في الداخل عبر القانون والمؤسسات والاقتصاد المنتج… هكذا يصبح الاحتفال مشروعا، وتصبح تضحيات السوريين طريقا واضحا نحو سوريا لكل السوريين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

عضو الائتلاف الوطني السوري

الجزيرة

========================

تحديث 23 كانون الأول 2025

———————————–

سلاح وطائفية وشرعية في سورية الجديدة/ حسين عبد العزيز

23 ديسمبر 2025

تبدو العلاقة بين السلاح والطائفية والشرعية علاقة مترابطة ومحكمة اليوم في سورية: بات حمل السلاح بمثابة مدخل وحيد لفرض الامتثال السياسي لدى الآخر، وباتت الطائفية والإثنية عنواناً وحيداً للتعاضد الهُوياتي، وأصبحت الشرعية تُحَدد ذاتياً لا موضوعياً في سياق وطني.

لم يمض يومان على تحرير دمشق في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، حتى تم حل آخر حكومة للنظام السوري السابق برئاسة محمد الجلالي، وتشكيل حكومة جديدة من لون واحد (إسلامي) استمر نحو أربعة أشهر. خلال هذه الفترة عملت السلطة الجديدة بسرعة لفرض هيمنتها وشخوصها على مفاصل الدولة.

قبل ذلك، كانت “قوات سوريا الديمقراطية” قد حققت نجاحات عسكرية كبيرة مكنتها من السيطرة على مساحات واسعة في الشمال والشمال الشرقي من سورية، ما أنتج فيضاً من المشاعر القومية لم يعرفها الأكراد منذ عقود طويلة، وأنتج وعياً سياسياً لا يقبل إلا بإعادة ترتيب جديد للنظام السياسي في سورية.

على الخط نفسه ـ وإن بصورة أكثر عنفواناً وأقل قوة وتأثيراً، ظهرت مخاوف درزية منذ الأيام الأولى التي أعقبت تحرير دمشق من هُوية السلطة الجديدة، وعلى أثر ذلك رفض الدروز مطالبة السلطة بتسلم السلاح. وبعد أحداث يوليو/ تموز الماضي، نشأ وعي سياسي زائف (ميتا واقعي) لدى تيار درزي في السويداء، تراوح مطالبه بين الانفصال والحكم الذاتي، ونشأ معه نوع من التعاضد الهُوياتي.

في حالة قوات سوريا الديمقراطية أصبح تسليم السلاح من دون اتفاق سياسي ضامن كعملية انتحار جماعي، وفي حالة “الحرس الوطني” التابع للهجري ارتبط تسليم السلاح بمطالب سياسية غامضة، ما يظهر منها حتى الآن هو الاستمرار في القطيعة التامة مع دمشق على أمل الحصول إما على حكم ذاتي أو انفصال تام. إذاً، نحن أمام حالتين مختلفتين تمام الاختلاف: الأولى (قسد) تحتفظ بالسلاح لا من أجل فرض شرعية سياسية خاصة بها، وإنما من أجل فرض شروطها السياسية ـ الوطنية على العاصمة. أما الحالة الثانية، حالة الهجري، فهي تراوح بين حالة الحركات المسلحة الانفصالية التي لا تسلم بسلطة الدولة (سلطة الشرع) وتسعى إلى الانفصال، وبين حالة تهدف إلى تغيير نظام الحكم.

هكذا، أصبح السلاح عنواناً رئيساً للعمل السياسي كما هو حال السلطة التي فرضت تقعيداً معيناً للسياسة، وأصبح التعاضد ما قبل الوطني نواة الاتحاد الاجتماعي لدى جميع الأطراف، وأصبحت الشرعيات السياسية مختلفة ومتضادة: فريق (السلطة) يفسر طبيعة الأزمات بسبب وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة التي يُناط بها وحدها احتكار العنف، وفرقاء آخرون يرون سبب الأزمة في عملية تحييدهم عن المراكز السياسية، أو مطالبتهم بتقديم الامتثال السياسي للدولة، باعتبارها وحدها التي تمتلك صفة الشرعية.

أنتج هذا الوضع سرديات وشرعيات عدة: تنظر “الدولة” السورية إلى نفسها كصانعة للسلام، فيما الآخرون هم الذين يهدّدون هذا السلام والوئام الاجتماعي وفق رؤيتها.

مقاربة يتم قلبها عند الأطراف الأخرى التي ترى أن السلطة الجديدة هي التي تهدد السلام المجتمعي بمحاولتها فرض الهيمنة من طرف واحد، وما السلاح إلا الأداة الوحيدة الكفيلة بدفع الآخر للبحث عن حلول وسطى، أو الحيلولة دون قضاء طرف على آخر عسكرياً، كما هو الحال في بلدان عدة، أقربها لبنان والعراق. وفي مجتمع، كالمجتمع السوري، لا يُمكن فيه إجراء فصل بين ما هو سياسي وما هو هُوياتي، وتغيب فيه نخب حقيقية مؤمنة بقيام دولة المواطنة بغض النظر عن الانتماءات الأقوامية الفرعية، يُصبح الحل معقداً للغاية. وفي هذا الوضع، تزايد التطييف السياسي بشكل حاد، وباتت لغة “الأنا” مقابل “الآخر” من مفردات اللغة والسلوك اليومي، إما صراحةً أو بشكل مضمر وموارب.

تجارب تاريخية

يُخبرنا المنطق السياسي وتجارب التاريخ العديدة أن عملية توحيد السلاح ضمن مؤسسة الدولة لا يمر عبر المسار الأمني، وإنما عبر المسار السياسي، فدون التوصل إلى اتفاق يقيم نظاماً سياسياً تعددياً يُرضي الأطراف جميعاً، تصبح عملية نزع السلاح من الأطراف المحلية مقدمة للحكم الاستبدادي على مستوى الداخل، وللعنف العسكري على مستوى الخارج.

أتاح تدمير الرئيس العراقي صدام حسين الأسلحة الكيميائية الفرصة لشن هجوم عسكري أميركي عام 2003.

قبلت أوكرانيا ما بعد الاتحاد السوفييتي تدمير أسلحتها النووية، لكن هذه الخطوة جعلتها ضعيفة جدا أمام روسيا التي شنت حرباً عليها عام 2014 انتهت باقتطاع شبه جزيرة القرم من السيادة الأوكرانية.

في ليبيا عام 2003، ثم سورية عام 2013، تم تدمير السلاح الكيميائي في البلدين، وبذلك أصبح النظامان ضعيفين ولا يشكلان تهديداً عسكرياً، وأصبحت مسألة القضاء عليهما مسألة مرتبطة بمسار التطورات الإقليمية والدولية، أي مرتبطة بالظروف المناسبة.

على المستوى الداخلي، ثمّة أمثلة تاريخية عديدة، كان تسليم السلاح فيها سبباً في ارتكاب المجازر: في الهند عام 1857 اندلعت ثورة عارمة ضد السياسات المحلية لشركة الهند الشرقية، وبعد إخماد الثورة، أجبرت بريطانيا المتمردين على تسليم سلاحهم مقابل وعدهم بالحصول على حكم ذاتي. لكن بعد تسليم الثوار السلاح، لم تكتف بريطانيا بالتراجع عن وعودها فحسب، بل نقلت السيطرة على الهند من شركة الهند الشرقية إلى التاج البريطاني مباشرة، وحلت جيش البنغال ـ الأقوى بين الجيوش الهندية الثلاثة ـ فدخلت البلاد بعدها تحت الحكم المباشر لبريطانيا.

في تسعينيات القرن الماضي، وبعد اتفاقات جزئية لنزع سلاح بعض الفصائل الشيشانية المقاتلة ضد الجيش الروسي، ضعفت المقاومة الشيشانية، ما دفع موسكو إلى إنهاء المقاومة بالكامل، وتم قصف العاصمة غروزني. … في 1994 وبعد استسلام آلاف المدنيين من التوتسي لمليشيات الهوتو بعد وعود بالحماية لهم، تم الغدر بالتوتسي فنفذت مليشيات الهوتو إبادة جماعية بحق التوتسي أدت إلى مقتل 800 ألف شخص. وفي منتصف التسعينيات أيضا ارتكب جيش جمهورية صرب البوسنة إبادة جماعية ضد المسلمين البوشناق في سربرنيتسا بالبوسنة والهرسك. وفي 16 إبريل/ نيسان 1993، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 819، طالب فيه بأن “تعامل جميع الأطراف المعنية مدينة سربرنيتسا والمناطق المحيطة بها كمنطقة آمنة وجب أن تكون خالية من أي هجوم مسلح أو أي عمل عدائي آخر”. وبعد يومين، وصلت مجموعة من أفراد قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة إلى المدينة، وفي شهر مايو/ أيار تم التوصل إلى اتفاق لتجريد منطقة سربرينيتسا من السلاح، وافق على أثرها الجنرال سيفير خليلوفيتش والجنرال راتكو ملاديتش على تسليم القوات البوسنية أسلحتها وذخائرها إلى قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة، يعقبها فوراً سحب الأسلحة والوحدات الثقيلة الصربية من المنطقة. لكن في السادس من يوليو/ تموز 1995، شن الجيش الصربي هجوما على سربرنيتسا، ارتكبت فيه مذبحة وصفت بالإبادة الجماعية.

بعد وقفها إطلاق النار عام 2011، وإلقاء سلاحها بشكل أحادي عام 2017، أعلنت منظمة “إيتا” الباسكية الانفصالية في إسبانيا حل نفسها وإنهاء جميع أنشطتها الساعية للحصول على استقلال إقليم الباسك، شمالي إسبانيا. وفي عام 2018، وصلت منظمة “إيتا” الباسكية الانفصالية إلى نقطة تحول حاسمة، حيث أعلنت عن حلها النهائي وإنهاء جميع أنشطتها في مايو. كان الغرض من هذا التحول نقل الصراع من المستوى العسكري المؤلم إلى المستوى السياسي، لكن الحكومة الإسبانية رفضت أي خطوة إضافية نحو الحكم الذاتي، واستمرت في عملية اعتقال النشطاء. وكان تسليم منظمة “إيتا” سلاحها سبباً رئيساً في فقدانها أحد أهم أوراق القوة لديها، وبالتالي وضعها تحت رحمة الحكومة الإسبانية.

وفي ناميبيا مطلع الألفية الثانية، أدى نزع السلاح بدون اتفاق سياسي شامل إلى فراغ مؤسسي جزئي وعقبات في إعادة الإدماج الاقتصادي للمقاتلين. وفي جنوب أفريقيا ما بعد الأبارتهايد، لم يكن ثمة خوف من السلاح الموجود لدى البيض (أصحاب السلطة تاريخياً) ولا لدى “رمح الأمة”، الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي، لأنه جرى التوافق على إقامة نظام ديمقراطي ـ ليبرالي قائم على المواطنة انتهى بتوحيد السلاح في المؤسسة العسكرية وحدها.

لا تعني هذه الأمثلة بالضرورة أنها ستتكرر في الحالة السورية في حال سلمت “قوات سوريا الديمقراطية” و”الحرس الوطني” التابع للهجري، فخطاب السلطة في دمشق يتنافى مع هذه التجارب التاريخية، لكن السياسة والمصالح الجماعية لا تقوم على النوايا والضمانات، بقدر ما تقوم على الوقائع والاتفاقات الثنائية وتنفيذها التدريجي.

الحلول

بينت دراسات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن التوافق السياسي والأمني أصبح مطلباً أساسياً لتطبيق عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بدلا من أن يكون الأمر على العكس، أي أن عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج تتطلب توافقاً سياسياً في المقام الأول، وإحراز تقدم متزامن على جبهة التنمية الاقتصادية وسيادة القانون والعدالة الانتقالية.

في الحالة السورية، لا تنجُم التعقيدات من الأرض، أي من الواقع العسكري المعقد، وإنما تنجم من التنافر السياسي للنخب الفاعلة ذات السلطة، فالأمر لم يعد يتعلق في حالة “قسد” على سبيل المثال، بالكيفية التي ستجري فيها عملية الدمج العسكري، هل هي عملية دمج كامل في الجيش السوري ككيان عسكري قائم بذاته وإن كان تحت لواء الجيش، أم سيتم تفريق قوات “قسد” وتشتيتها داخل الجيش؟ أم هل سيتم اعتماد المقاربة الدولية التي تحمل اسم “الأمن الهجين”، وهي مقاربة تقوم على تصنيف القوى الفاعلة عسكرياً كجيوش تشكلت مناطقياً، على أن تكون مرتبطة بسلطات قيادية مركزية أو إقليمية، ما يؤدي في الواقع إلى إنشاء هيكل عسكري ثنائي؟

يمكن تجاوز هذه التفاصيل بسهولة، ويبدو أن الطرفين قطعا شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، ولهذا فالإشكال ليس عسكرياً، بل سياسياً، لأن “قسد” تربط التوافق العسكري بالتوافق السياسي على شكل الحكم، وهو أمر تُظهره خطابات السلطة في دمشق وسلوكها بأنه مستحيل التحقق في المدى المنظور.

هنا، ترتكب السلطة السورية خطأً استراتيجياً كبيراً حين تقوم بفصل المستوى السياسي عن المستوى العسكري في بلد يشهد انقساماً إثنياً وطائفياً حاداً، وهو خطأ يمتد أيضاً إلى الفصل بين السياسي والطائفي، بمعنى أنه لا يُمكن معالجة المخاوف الطائفية بمعزل عن السياسية، وبمعزل عن سياسة وطنية لا طائفية ما زالت مفقودة على الأرض، سواء على مستوى خطاب الجمهور العريض للسلطة الذي ما زال يستخدم عبارات طائفية، أو على مستوى الانفلات الأمني ـ المرتفع أحياناً والمنخفض أحياناً أخرى ـ تجاه الأقليات.

وفق المعطيات القائمة، تبدو عملية نزع السلاح هي الأقل أهمية مقارنة بالتطييف السياسي، ذلك أن السلاح في حالة “قسد” لم يشكل إلى الآن أي تهديد للوحدة الوطنية، ولم تنخرط في عمليات ذات طابع إثني ـ باستثناء بعض المناوشات هنا وهناك مع قوات الأمن السوري وهي عمليات محض عسكرية لا تأثير اجتماعياً لها ـ وفي الحالة الدرزية بقي السلاح بعد أحداث يوليو الماضي في حالة سكون.

وإذا كانت عملية تشكيل منظومة سياسية يشارك فيها الجميع تبدو بعيدة التحقق وفق كلام الشرع في منتدى الدوحة، حين أكد أن الانتخابات ستجرى بعد انتهاء الفترة الانتقالية (أي بعد أربع سنوات)، فعلى الأقل ضرورة إصدار قانون يُجرم الطائفية والتطييف باعتباره خطوة أولى للتخفيف من الاحتقان القائم: لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في سورية منصة للتطييف والتلاحم الوشائجي داخل كل مكون اجتماعي.

خاتمة

اقترن نشوء الدولة الحديثة بالاحتكار الشرعي للعنف في المجتمع كما كتب ماكس فيبر، وهذه السمة هي التي ميزت الدولة عن غيرها من المقاطعات والمدن في فترة الحداثة المُبكرة داخل أوروبا. لكن الدولة، في الوقت ذاته، قد تشكل مصدراً للتهديد بسبب رغبتها وحدها في احتكار أدوات العنف، في ظل بيئة سياسية منقسمة عمودياً. ولذلك، ما يميز الدولة الحديثة في عصرنا، أو دولة ما بعد الحداثة الأولى، هو العمل على إيجاد حياة مشتركة بين مكونات المجتمع، وتحقيق المصالح المشتركة للجميع، أفراداً وجماعات، إلى جانب احتكار أدوات العنف واحتكار شرعية استخدام هذه الأدوات.

وما زالت سورية إلى الآن تعيش تقريباً تناقضات مرحلة ما بعد الاستقلال، وهي تناقضات ذكرها عبد الفتاح ماضي في كتابه “الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية ـ العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في إطار وصفه للواقع السياسي للدول العربية بعد الاستقلال: الأول، نشأت الدولة العربية من دون عقيدة سياسية متسقة مع ثقافة مجتمعاتها وتراثها. الثاني، طبيعة السلطة داخل هذه الدول، فلئن رفع الحكام شعارات تكوين الدولة على النمط المؤسسي الحديث، فإنهم، وعلى النقيض تماماً، أقاموا سلطات قهرية مستبدّة، تعمل لمصالح ضيقة ومرتهنة في بقائها على تحالفات مع قوى داخلية وخارجية معادية لتمكين الشعوب وثقافتها، كما سيطرت أقليات عائلية أو حزبية أو عسكرية على السلطة والثروة.  … قد لا يكون تطابق الحالة السورية تطابقاً تاماً مع مرحلة ما بعد الاستقلال، لكن الأكيد أن الدولة السورية الجديدة لم تتجاوز هذين التناقضين.

ولعل كلمات المفكر العربي عزمي بشارة ذات دلالة بليغة في التمييز بين منطقي الدولة والسلطة، حين كتب “يصعب إيجاد فرق آخر بين الدولة ومجرد السلطة غير تحول المحكومين إلى مواطنين، فمؤسسات ‎الدولة هي عموماً مؤسسات الحكم، ويصعب التمييز بين الأمرين، أي الدولة ومجرد الحكم من دون عنصر المواطنة التي نشأت معها الرموز الوطنية غير المرتبطة بنظام الحكم”.

العربي الجديد

———————————–

 تركيا وسوريا الجديدة تحديات كبيرة أمام المكاسب الإستراتيجية وسعي لتجنب المواجهة مع اسرائيل/ سعيد الحاج

 22 ديسمبر 2025

كانت تركيا في مقدمة الأطراف المستفيدة من سقوط نظام الأسد الرافض لتطبيع العلاقات معها لصالح نظام جديد حريص على علاقات إستراتيجية مع أنقرة، ويتفق معها في رسم الخطوط الحمراء ومنع العمليات الإرهابية منها ضد تركيا، فضلًا عن المكاسب الاقتصادية والتجارية، وشرعنة ثم تطوير حضورها العسكري والأمني في سوريا، مرورًا بتعاظم دورها مقابل قوى إقليمية أخرى مثل إيران وروسيا، وتضييق الخيارات أمام قوات سوريا الديمقراطية التي تصنِّفها منظمة انفصالية. ولكن هذه المكاسب تصطدم بتحديات جدية وكبيرة.

لدى انطلاق عملية “ردع العدوان”، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كانت تركيا من بين الدول القليلة الباقية على دعم المعارضة السورية ورفض شرعية نظام الأسد، رغم عرضها المتكرر على الرئيس السوري السابق بتطبيع العلاقات وتطويرها بين البلدين. ومع الأيام الأولى للعملية وتسارع الأوضاع الميدانية، قدمت أنقرة دعمًا وغطاءً سياسيين، وسعت لإقناع كل من روسيا وإيران بضرورة التعامل مع المستجدات الجديدة وعدم العودة للوضع السابق(1).

بعد مغادرة بشار الأسد الأراضي السورية وانطلاق العهد الجديد، كانت تركيا أول من يرسل مسؤوليها لزيارة دمشق من خلال رئيس جهاز الاستخبارات، إبراهيم قالن، بعد أربعة أيام فقط من سقوط نظام الأسد(2)، ودعت جميع الأطراف لدعم الحالة الجديدة للوصول لحالة استقرار في البلاد. كما لعب الرئيس أردوغان دورًا في إقناع نظيره الأميركي، دونالد ترامب، بأهمية رفع العقوبات عن سوريا.

وعلى مدى السنة الفائتة، كانت تركيا من أكثر القوى دعمًا لرئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في مختلف المجالات وفي مقدمتها الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية.

سوريا الجديدة

كانت تركيا في مقدمة الأطراف المستفيدة من سقوط نظام الأسد الرافض لتطبيع العلاقات معها لصالح نظام جديد حريص على علاقات إستراتيجية معها، ويتفق معها في رسم الخطوط الحمراء المرتبطة بوحدة الأراضي السورية ومنع العمليات الإرهابية منها ضد تركيا، فضلًا عن المكاسب الاقتصادية والتجارية من استئناف العلاقات، وشرعنة ثم تطوير حضورها العسكري والأمني في سوريا، مرورًا بتعاظم دورها مقابل قوى إقليمية أخرى مثل إيران وروسيا، وتزايد حضورها الإقليمي، وتضييق الخيارات أمام قوات سوريا الديمقراطية التي تصنِّفها منظمة انفصالية.

كما استفاد الرئيس أردوغان داخليًّا من تغير النظام السوري، أولًا: كملف “إنجاز” حسب له، وثانيًا: كعامل معزز للحضور الإقليمي لتركيا بقيادته، وثالثًا: بتراجع ضغط القضية السورية داخليًّا عليه ولاسيما فيما يتعلق بملف اللاجئين الذي كانت تستخدمه المعارضة ضده وخصوصًا في الحملات الانتخابية، واختفى إلى حدٍّ كبير بعد سقوط النظام حيث تراجعت الهواجس المرتبطة بالوجود السوري المستدام في تركيا.

كان رئيس جهاز الاستخبارات التركي أول المسؤولين الرسميين الزائرين لدمشق، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتبعه وزير الخارجية، هاكان فيدان، في الشهر نفسه، كما عيَّنت تركيا سريعًا قائمًا بالأعمال في سفارتها في دمشق يتقن اللغة العربية ووثيق الاطلاع على الملف السوري(3).

1الرئيس التركي أردوغان والرئيس السوري الشرع يتصافحان خلال مؤتمر صحفي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الفرنسية)

وكانت أنقرة الوجهة غير العربية الأولى للرئيس، أحمد الشرع، في فبراير/شباط 2025. ثم تكررت الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين على مدى السنة الماضية، وأبرزها مشاركة الشرع في منتدى أنطاليا للدبلوماسية، في أبريل/نيسان 2025(4)، وزيارته لأنقرة في الشهر التالي، ولقائه مع الرئيس أردوغان على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، والاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية كل من سوريا وتركيا والولايات المتحدة على هامش زيارة الشرع للبيت الأبيض(5)، فضلًا عن عدة زيارات واجتماعات ذات طابع أمني وعسكري في كلا البلدين(6).

مسارات التعاون

نظَرت تركيا لاستقرار سوريا وقوتها وأمنها القومي كعوامل مساهمة في استقرارها هي وقوتها وأمنها القومي(7). ولذلك فقد قدمت الدعم للإدارة السورية الجديدة في مختلف المجالات؛ حيث أوعز أردوغان لكافة الوزارات والمؤسسات التركية بدعم نظيراتها السورية(8). كما أخذت على عاتقها الترويج لضرورة دعم النظام الجديد ومنحه الفرصة ومساعدته على النجاح وفي مقدمة ذلك رفع العقوبات الدولية عنه.

تمثلت أولويات أنقرة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد باستقرارها، ووحدة أراضيها، ومنع سيناريوهات التقسيم والحكم الفيدرالي والإدارات الذاتية وتحديدًا في الشمال، وعودة اللاجئين المقيمين على أراضيها، وفتح آفاق التعاون بما يعزز قوتها الإقليمية ونفوذها. وشاركها النظام الجديد في دمشق الموقف من الخطوط الحمراء في مستقبل سوريا، وفي مقدمتها وحدة الأراضي السورية، وإدماج قوات سوريا الديمقراطية في المؤسسة العسكرية الرسمية، ومنع أي هجمات ضد تركيا انطلاقًا من الأراضي السورية وفق رؤية الأخيرة لمكافحة الإرهاب(9).

تحل تركيا في المرتبة الأولى بفارق واضح عن باقي الدول من حيث عدد اللقاءات التي جمعت مسؤولين سوريين مع نظرائهم من دول أخرى، من بينها أكثر من عشرة لقاءات معلنة شارك بها الجانبان على مستوى الرئاسة ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ورئاسة جهاز الاستخبارات، منها ثلاث زيارات للرئيس الشرع لتركيا.

في المجال العسكري والأمني، أبرم البلدان مذكرة تفاهم للتعاون العسكري بهدف التنسيق والتخطيط والتدريب والتعاون(10)، وبما يشمل تزويد دمشق بمعدات عسكرية وأنظمة تسليح ومواد لوجستية(11)، وقد نُظِّمت بناء عليها تدريبات مشتركة للجيشين على الأراضي التركية(12). كما تسعى أنقرة لإنشاء قواعد عسكرية على الأراضي السورية(13)، فضلًا عن أن وجودها العسكري في سوريا بات مرغوبًا من النظام الجديد مع إشارات لاحتمال التعاون العسكري المباشر في أي عملية ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”(14).

وفي المجالات الاقتصادية والتجارية، استأنف البلدان النقل البري المباشر(15)، وأنشآ لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية ورفع حجم التبادل التجاري بين البلدين(16)، ووقَّعا 10 مذكرات تفاهم(17)، وأسَّسا مجلس الأعمال السوري-التركي ونظَّما أول منتدى له(18)، فضلًا عن سعي أنقرة لترسيم الحدود البحرية مع دمشق لتدعيم موقفها في مواجهة اليونان في ظل التنافس الجيوسياسي بين الجانبين في شرق المتوسط(19)

أبرز التحديات

قطعت سوريا وتركيا شوطًا مهمًّا في العلاقات الثنائية، ونجح رهان الثانية على دعم الأولى حتى اللحظة وخصوصًا فيما يتعلق برفع العقوبات. رغم ذلك، ثمة تحديات حقيقية أمام الجانبين، أهمها:

الأول: سيناريو الفوضى وعدم الاستقرار: فرضت القيادة الجديدة سيطرتها على البلاد، ونجحت في دمج الفصائل العسكرية في الجيش، ولم تشهد سوريا أي نزاع جدي على السلطة في مرحلة ما بعد الأسد، لكنها ما زالت بعيدة عن فرض سيطرتها التامة على كامل البلاد. تكررت أحداث أمنية ومواجهات عسكرية في الساحل السوري(20)، وكذلك في السويداء حيث احتاجت دمشق لاتفاق ذي بُعد دولي للتهدئة مرحليًّا(21)، كما حدثت عدة أحداث أمنية مثل الهجوم الصاروخي في دمشق(22).

ومع هروب الأسد وعدد كبير من قياداته العسكرية والأمنية إلى خارج البلاد، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية وخطوط الصدع العرقي والمذهبي في الخريطة الداخلية للبلاد، يظل عدم الاستقرار احتمالًا قائمًا وسيناريوهات الفوضى ممكنة، وخصوصًا مع التهديدات الخارجية وعلى رأسها “إسرائيل”.

الثاني: مصير قوات سوريا الديمقراطية: تمثل قسد” تحديًا مستقلًّا أمام القيادة السورية الجديدة، فهي تسيطر منذ سنوات على منطقة الجزيرة بما تحويه من ثروات وإمكانات بدعم وتسليح من الولايات المتحدة جعلها بمنزلة جيش نظامي مصغر. أبرمت الرئاسة السورية مع “قسد” اتفاق العاشر من مارس/آذار الذي يشمل اندماج قواتها في الجيش السوري في مدة أقصاها نهاية العام الجاري(23). بيد أن جوهر الاتفاق لم يُطبَّق بعد؛ حيث تطالب “قسد” بـ”لا مركزية إدارية”(24)، ويوحي خطاب الشرع بإمكانية الصدام(25)، والذي تكرر على شكل مواجهات محدودة.

أكدت أنقرة مرارًا أنها تنتظر حلًّا سوريًّا داخليًّا لمسألة “قسد”(26)، مع تأكيد رفضها لأي حلول تتعارض مع الوحدة الجغرافية والسياسية لسوريا لما لذلك من تبعات سلبية متوقعة على مسار حل المسألة الكردية داخل تركيا. يبقى ذلك الحل العسكري سيناريو محتملًا، عبر دعم الجيش السوري في أية مواجهة محتملة، كما يبقى الخيار العسكري المنفرد حلًّا أخيرًا بيد أنقرة. مع انتهاء المهلة التي تضمنها الاتفاق بين دمشق و”قسد” بعد أيام، يُنتظر أن يعلن مختلف الأطراف، ومنها تركيا، رؤيتها للمرحلة المقبلة بين تمديد المهلة والحوار وفرض الحل.

ضمن هذه الرؤية تراهن كل من أنقرة ودمشق على إقناع الإدارة الأميركية برفع دعمها عن “قسد” وإجبارها على مسار الاندماج في الجيش السوري، خصوصًا أن الرئيس ترامب أقرب لفكرة سحب قوات بلاده من سوريا ويؤكد على ضرورة وحدة سوريا. الاجتماع الثلاثي على مستوى وزراء الخارجية لكل من سوريا والولايات المتحدة وتركيا على هامش زيارة الشرع لواشنطن أتى ضمن هذه المساعي، رغم غموض مخرجاته التفصيلية.

الثالث: العدوان والمطامع “الإسرائيلية”: برزت “إسرائيل” مهددًا رئيسًا لسوريا بعد سقوط نظام الأسد، عبر إلغاء اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 من طرف واحد، وتوسيع مناطق احتلالها للجنوب السوري، واستهداف وتدمير المقدرات العسكرية والإستراتيجية في سوريا، وتكرار التوغل داخل الأراضي السورية، واغتيال واعتقال مواطنين سوريين، وصولًا لتهديد الرئيس السوري وقصف محيط القصر الرئاسي(27).

كما تعلن “إسرائيل” عن دعمها لشرائح عرقية ومذهبية داخل المجتمع السوري، مثل بعض القيادات الدرزية في السويداء وقوات سوريا الديمقراطية في الشمال، بما يعمِّق من الأزمات والصراعات الداخلية ويهدد وحدة البلاد، وهو ما تتعزز فرصه نسبيًّا بعد فشل المفاوضات المباشرة بين الجانبين.

الخطاب الرسمي “الإسرائيلي” يجعل تركيا ومصالحها في سوريا في قلب خطته لاستهداف سوريا، من خلال الإشارة للدعم التركي للقيادة الجديدة، والتحريض على نفوذ أنقرة المتزايد في سوريا، وتهديد تركيا بشكل مباشر(28)، واستهداف مصالح عسكرية وأمنية لها في سوريا(29)، وإعلان الاستعداد لدعم “قسد” عسكريًّا ضدها(30).

تدرك أنقرة تناقض المصالح الجوهري بينها وبين “إسرائيل” في سوريا، وترى التغول “الإسرائيلي” في المنطقة تهديدًا مباشرًا لها، وقد استخلصت دروس حرب الـ 12 يومًا مع إيران من زاوية احتمال تعرضها لعدوان مماثل(31). مع ذلك، لا تسعى تركيا لأي صدام مباشر مع “إسرائيل” في سوريا، وتراهن من جهة على تعزيز قدراتها الذاتية، ومن جهة ثانية على تدعيم قدرات دمشق على المدى البعيد، ومن جهة ثالثة على دور الإدارة الأميركية في لجم حكومة نتنياهو، فضلًا عن تشجيعها المفاوضات بين الأخيرة ودمشق.

خاتمة

نجح رهان تركيا على سوريا الجديدة حتى اللحظة؛ حيث تبدو ضمن أوثق حلفائها، وتتعزز العلاقات الثنائية مع مرور الوقت، مع تفاؤل بإمكانية التعافي الاقتصادي بعد رفع العقوبات الأميركية بالكامل.

على المدى البعيد، تسعى أنقرة لتحقيق مكاسب أكثر إستراتيجية، من قبيل ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وتوقيع اتفاقيات عسكرية وأمنية أوسع تشمل مجالات التسليح والتدريب وإنشاء قواعد عسكرية.

ومع التوافق الحاصل بين دمشق وأنقرة على ما تعدُّه الأخيرة خطوطًا حمراء لها في سوريا، وتحديدًا ما يتعلق بالشمال السوري، ومع استمرار نهج التروي والمحافظة على الضغط على “قسد” ودعم خيارات أنقرة تجاهها، إلا أن تركيا لم تحصل بعد على ما تريد في هذا الملف الحيوي بالنسبة لها، وتخشى أن طول الأمد قد يغيِّر بعض المعادلات الداخلية أو الخارجية مثل قوة “قسد” أو موقف الإدارة الأميركية منها؛ ما يجعلها تلوِّح باستمرار ببقاء الخيارات الخشنة في يدها.

أما على المدى البعيد، فستبقى “إسرائيل” المهدِّد الرئيس لكل من سوريا وتركيا، وتحديدًا بعد تغير إستراتيجيتها الأمنية إثر عملية “طوفان الأقصى”، في 2023، وبشكل أكثر تخصيصًا بعد الحرب مع إيران. تدرك أنقرة الدعم الأميركي الكبير لـ “إسرائيل” وقدرات الأخيرة العسكرية، وتدرك “إسرائيل” أن تركيا دولة مختلفة عمن واجهتهم حتى الآن من زاوية عضويتها في حلف شمال الأطلسي وقوة جيشها وتسليحه الذاتي. لكن ذلك لا يلغي بالكامل احتمالات التصعيد والمواجهة بينهما، وتحديدًا في سوريا، رغم سعي أنقرة تحديدًا لتفادي أو تأجيل سيناريو من هذا النوع.

وفي المحصلة، تعدُّ تركيا من أكبر الكاسبين من تغيرات المشهد السوري حتى اليوم، لكنها لم تستطع تحويل ذلك لمكاسب إستراتيجية ثابتة على المدى البعيد، في ظل التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية؛ الأمر الذي يدفعها لمزيد من الدعم والصبر والرهان على مراكمة النقاط في مجال العلاقات الثنائية مع دمشق والتعاون معها في الملفات المشتركة على حدٍّ سواء.

نبذة عن الكاتب

27539e3a081c4e33bc64f230aebb7f4d_6.PNG

سعيد الحاج

 باحث متخصص في الشأن التركي .

مراجع

    فيدان: أقنعنا روسيا وإيران بعدم مساعدة الأسد قبل سقوطه، الجزيرة نت، 14 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/4xw6vw28

    رئيس الاستخبارات التركية، إبراهيم كالين، في دمشق، الشرق الأوسط، 12 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/mv6j4mbh

    تركيا تعين قائمًا بالأعمال لسفارتها في العاصمة السورية دمشق،TRT عربي، 12 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/bdv93dht

    جلسة خاصة بسوريا.. الشرع يصل إلى تركيا للمشاركة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، تليفزيون سوريا، 11 أبريل/نيسان 2024 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/43bbayd5

    اجتماع ثلاثي تركي سوري أميركي بالبيت الأبيض، وكالة الأناضول للأنباء، 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/mu25h97s

    انظر مثلًا: التقى الرئيس الشرع .. رئيس الأركان التركي يزور دمشق ويجري مباحثات عسكرية، تليفزيون سوريا، 6 ديسمبر/كانون الأول 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/4jdjakuc

    اجتماع تركي سوري رفيع .. وفيدان: أمن سوريا ليس منفصلًا عن أمننا، العربية، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/mt99v4p2

    أردوغان يوجه تعليمات لوزرائه بطلب الدعم لإعادة إعمار سوريا، arhaberler.com، 25 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/33t2tr9d

    توافق تركي سوري على تعاون ضد التنظيمات الإرهابية ودعم المرحلة الانتقالية، الشرق الأوسط، 4 فبراير/شباط 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/5n6ppsnt

    الدفاع التركية تعلن تفاصيل اتفاق “التعاون العسكري” مع سوريا، سكاي نيوز، 14 أغسطس/آب 2025، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025): https://tinyurl.com/ysx8pfpb

    تركيا تعتزم مساعدة سوريا بأنظمة أسلحة ووسائل لوجستية، الجزيرة نت، 14 أغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/bdfw5py7

    وحدات من الجيش السوري تبدأ التدرب في ثكنات عسكرية بتركيا، الجزيرة نت، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/b4vunz6p

    خاص للمدن: زيارات عسكرية تركية إلى دمشق لإنشاء قواعد عسكرية دائمة، المدن، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/78fkykrp

    الشرع زار تركيا .. وأردوغان: مستعدون للدعم في مكافحة الإرهاب، القدس العربي، 4 فبراير/شباط 2025، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/2tpsj8t3

    عودة النقل البري المباشر بين تركيا وسورية دون توقف في المعابر، العربي الجديد، 2 يونيو/حزيران 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/br9s9268

    تركيا وسوريا توقعان بروتوكولًا لتأسيس لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة، وكالة الأناضول للأنباء، 5 أغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/39p2z9yb

    تركيا وسوريا توقعان 10 مذكرات تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي في إسطنبول، TRT عربي، 6 أغسطس/آب 2025، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/bdhr49z6

    شراكة اقتصادية ناشئة .. تأسيس مجلس الأعمال التركي السوري في إسطنبول، الجزيرة نت، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/29yhw69b

    تركيا تسعى لإبرام اتفاق مع سوريا على ترسيم الحدود البحرية بالمتوسط، الشرق الأوسط، 24 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/2pb39dkc

    سوريا .. “لجنة التحقيق” تكشف خفايا أحداث الساحل (فيديو)، الجزيرة مباشر، 22 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025) https://tinyurl.com/effsdvpn

    سوريا والأردن وأميركا يوقعون اتفاقًا يرسم خريطة طريق لمعالجة ملف السويداء، تليفزيون سوريا، 16 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/mv5t25e2

    جرحى في هجوم صاروخي على حي المزة غرب دمشق، العربية، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/872wezh3

    نص الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الجزيرة نت، 10 مارس/آذار 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/ycym63v9

    “ضربة للجهود”.. الحكومة السورية تدين مؤتمر قسد حول اللامركزية: لن نشارك في اجتماعات باريس، يورو نيوز، 9 أغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/45kk7cjf

    الرئيس الشرع: فشل دمج “قسد” قبل نهاية العام قد يدفع تركيا للتحرك عسكريًّا، تليفزيون سوريا، 19 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/57jjy49x

    تركيا تكرر: على قسد الخضوع لدمشق، العربية، 10 ديسمبر/كانون الأول 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025) https://tinyurl.com/56pcj7hb

    انظر مثلًا: سعيد الحاج، التقدير الإستراتيجي (137): تركيا و”إسرائيل”: هل ينذر تناقض المصالح بمواجهة في سورية؟، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 7 يناير/كانون الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/43v353fe

    تحريض إسرائيلي على تركيا.. “تهديدها قد يفوق الخطر الإيراني”، عربي 21، 9 يوليو/تموز 2025، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/4m8pkhw6

    مصدر أمني إسرائيلي للعربية: غارة حمص استهدفت مستودعات أسلحة تركية، العربية، 9 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/3wtz7342

    لماذا طلبت “قوات سوريا الديمقراطية” الدعم من إسرائيل، روسيا اليوم، 12 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/5dv5jtyh

    سعيد الحاج، تركيا والحرب القادمة مع إسرائيل، الجزيرة نت، 7 أغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/3ycb6b6u

مركز الجزيرة للدراسات

————————————

مفردات الذاكرة المعطوبة… قاموس الخوف السوري/ فاتح كلثوم

23 ديسمبر 2025

هناك حكاية  سورية  تمتد جذورها إلى عمق يقارب نصف قرن مِن الرعب والتواري وألم الانتظار، حكاية تمرّدت مفرداتها على صلابة المعاجم وأحرف البلغاء، تمرّدت بعفويتها على خلود الأفعال الساكنة والأسماء المجرورة، لتشق لنفسها درباً بقانون الطبيعة الأزلي، حيث الحياة تتوالد من رحم اليباس، حكاية تضع على كلّ مفرق من مفرداتها شاخصة تسمح بمرور قاموس جديد، قاموس لا يخضع تبويبه لهرمية أحرف الهجاء، قاموس ولدت كلماته مِن دمعة طفل يسأل حضن أمه عن مصير إخوته المغيبين، كلمات أضحت كلّ منها عنواناً لألف نزف، لألف عتاب، ولملايين الصرخات الموزّعة عريها تحت أثواب تتناوب ألوان مفرداتها بين الهمس والصمت، بين السخرية والحسرة، بين الخوف والنجاة. لتغدو بدلالاتها المتشعبة جزءاً من ثقافة السوريين، ومفاتيح مالكة لفهم التحولات السياسية، والاجتماعية والنفسية والاقتصادية.

يقول مراقب من الذاكرة الجمعية، التي رافقت أيام الثورة في المناطق الواقعة تحت سيطرة “النظام البائد” إن المفردات الجديدة الدالة في مهدها على حماية الممتلكات العامة والخاصة واستبداد الأمن والسهر على تأمين احتياجات المواطن، قد تجاوزت الأصل من مهامها تلك، لتصبح في القاموس الشعبي أداة قمع وترهيب، وجزءاً من اقتصاد الظلّ الشعبي والرسمي على حدّ سواء، ولا أظن أن أي فرد سوري، لم تحتفظ ذاكرته بمئات المشاهد والحكايات التي ما زالت تقض مضجعه، كلما استعاد مفردة من كوابيسها الرهيبة:

– “الحواجز”: بوابات أمنية ضيقة، وتلال من الرمل السجين بأكياس من الخيش، تحتجز خلفها نقاط التماسّ بين أحياء المدن الكبرى، بين منصفاتها، ومؤسساتها الخدمية، والشوارع الرئيسة المصقولة برائحة الدخان والتغييب القسري المؤجل لحين الطلب، حتى غدت مع عناصرها المسلحة جزءاً من المشهد العام للمدينة، وماركة مسجلة للرعب، وللذلّ، وللاختناقات المرورية، وحجة دامغة لتبرير التأخر عن الموعد الروتيني اليومي للالتحاق بالأسرة، بالوظيفة الحكومية، بقاعة الدرس، بالمواعيد المبرمة مسبقاً بين الدائن والمديون، بين القاضي والمتهم، بين الطبيب والمريض، بين الصديق وصديقه، بين النية ونقيضها، بين الحاضر والمستقبل، بين الإنسان وذاته.

“حواجز” طرقات السفر الرئيسة بين المدن وأريافها، والمحافظات والعاصمة، بعناصرها الأكثر ولاءً، ودعماً، وخشونة، حواجز امتلكت حواسب” التفييش” للتعرف على هوية المسافرين، على النسب المئوية التي تحدد مدى ولائهم، مدى براءتهم مِن الانتساب إلى عائلات” الإرهابيين: الثوار المسلحين”، مهامَّ إضافية تبدأ من إلقاء القبض- بشكل مهين- على الأفراد المتخلفين عن ” خدمة العلم” الإلزامية، عن” الخدمة الاحتياطية” والفارين من القطعات العسكرية الرسمية، هرباً من الجوع والموت، ولم يلتحقوا بوحوش” الدفاع الوطني” أو بأحد “الفصائل المسلحة” التابعة إلى “جهة أمنية” مجهولة النسب والمسؤولية، مهامّ لن تنته بخطف ضعفاء الهوية، للحصول على “دية” مقابل إطلاق سراحهم، كلّ شيء على الطرق العامة قابل للتفاوض من أجل نيل “حرية” العبور بسلام: (الأسلحة، المجرمون، المخدّرات، الأعضاء البشرية). أما حافلات النقل العام والخاص، وشاحنات نقل البضائع الخفيفة، فتعرفة كسب الزمن محددة بمبلغ من المال لن يشكل عبئاً، إذا ما قاسه سائق العربة بخسارة التأخير، ولن تنجو القوافل المحصنة بـ” الترفيق” من تعرفة تحددها نوعية البضائع المشحونة، وسلطة مرجعيتها، والمدة الكافية لتوقف حركة أليات الغير، من أجل عبورها بأمان!.

– “الترفيق”: مليشيا مسلحة مرخص لها من قبل الجهات الأمنية لحماية القوافل التجارية، مرخص لها للتداول في غرف السلطات المأجورة التي تحول الحماية من خدمة إلى جباية “ميليشيا” بنابين مخفيين تحت شفاه من ابتزاز وتهديد يضع التاجر بين خياري الدفع أو المخاطرة، ومهما كان الخيار، فإن قيمتها تُضاف بمثلين إلى القيمة الأساسية لتكلفة المادة قبل عرضها في أسواق الاستهلاك، والتاجر على حق دائماً!!.

“الترفيق ” كشف غلافه الهش عن تحول الدولة مِن راع إلى حماية التاجر والصناعي والمستهلك إلى طرف مالك في السوق الرمادية!.

– “السوق الرمادية”: جملة مشفرة بمفردتين قابلتين للتأويل، قابلتين للقضاء على الثقة بين الدولة والمواطن، بين التاجر والمستهلك، والشك دائماً في القيمة الحقيقية للسلعة، الشك في جودتها، وفي مدى صلاحياتها الزمنية، الشك في القوة الشرائية التي تضع جميع الأطراف في خانة القلق والخوف من اليوم التالي.

– تقول ذاكرة الأسواق الشعبية إن ليالي السنوات الطويلة التي سبقت الإعلان الرسمي لسقوط نظام الأسد أضافت مفردات مشفّرة أخرى تكشف عن سيادة “اقتصاد الظل” في المجتمع السوري بعامة، وانعكاساته النفسية، وطرق الإبداع الشعبي في ابتكار مسميات جديدة للأشياء للتهرب من عبء الفوضى القائمة، من المسؤولية الشخصية تجاه ما يحدث، وحيناً للسخرية من المستفيدين من تعميمها، وفي أحيان كثيرة تكون للنجاة: منها على سبيل المثال:

-“التهريب الناعم”  التي كانت تستعمل بين التجار على مستوى واسع، للدلالة على أن البضاعة المشار إليها  قد دخلت “السوق السوداء” بأقل الخسائر، بسبب عدم إثارة انتباه عناصر البوابات الأمنية عند عبورها، أو بسبب خضوعها  فقط لـ “الجمركة الشعبية”، بمعنى التفاوض غير الرسمي مع سلطات المعابر، لتسهيل دخولها لقاء مبلغ رمزي. أما الدولار، صاحب العرش العظيم  في اللغة اليومية، فاستُبدل اسمه بـ “الأخضر، النعنع، الشوئسمو”، ليس من أجل النجاة من الأحكام الرسمية وغير الرسمية التي قد تطاول “حرّية” المتعاملين به وجيوبهم، فحسب، وإنما للحفاظ على “القوة الشرائية” لدى الأفراد المحظوظين من ذوي” التحويل الخارجي” وعالم التجارة بالعملة، بسبب عدم كفاءة الليرة السورية بالحفاظ على قيمتها الشرائية القابلة للسقوط على مدار الساعة.

يقول مصدر مطلع من الذاكرة الشعبية: إن “اقتصاد الظل” مثلما كان سبباً مباشراً لبروز طبقة ريعية – طفيلية، في المجتمع، فقد كان من الأسباب في” تطفيش” الكثير من “الرأسمال الوطني” والخبرات الشبابية خارج البلاد، وفي انهيار الطبقة الوسطى، ودفع قسماً كبيراً منها إلى الأخذ بخيار الهجرة.

– التطفيش: مفردة دخلت القاموس الشعبي منذ بداية الثورة للدلالة على السياسة التعسفية والاقتصادية المبرمجة بخوارزميات “القهر-الفقر الترهيب” لدفع من جافاهم العيش، وخانهم الموت و”التُّهم الجاهزة” إلى المجهول في ليلة كانوا يظنون في منتصفها أن لهم بيتاً وأسرة ورغيف خبز بانتظارهم على أبواب الصباح”.

“التطفيش:” وحش بأنياب حادة، وجلد يخفي تحت بَرَصة خطط  التهجير” التغيير الديمغرافي” وجدواها في إثبات عدم قدرة النظام السياسي على تبادل الثقة مع كل أفراد الشعب. الشعب -الذي لا حول له ولا قوة- الذي تضعه هذه المفردة الشعبية أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما القبول بمخرجاتها الظلامية، وإما الاستعانة بدروب” التكويع”؟

– التكويع: حرباء البلاد المُنهكة، بالتبعية، بالطائفية، بالخوف، حرباء قادرة على أن تكون قوة ناعمة بوجه الطغاة، قوة غير منظمة وآمنة إذا ما أتقن خطابها حرفية السخرية، للتشكيك في صحة “خطاب الإعلام الرسمي” من دون أن يُشار إلى أفرادها بأصابع الاتهام.

“التكويع”: سلاح بنصلين قاطعين وقبضة مزخرفة  بتجاهل غصة” المقاومة” وحسرة “الحياد الإيجابي” بين أضلع الهوية الممزقة بسيوف الطائفية وجدلية الانتماء، سلاح أثبتت جدواه نخب “الطبقة الوسطى”- منذ ثمانينيات القرن المنصرم- في الحصول على ثقة “الدكتاتور” لتبوؤ المناصب الريعية الرفيعة المطروحة للبيع في أسواق المزادات العلنية وحوانيت النخاسة الليلية المشرعة أبوابها دائماً لاستقبال الوافدين الجدد، أما عند الأفراد، غير الطامحين، فيمكن أن تُختصر صلاحية “التكويع” في تضليل أقلام عتاة المخبرين، لدرء خطر وباء الفرز الطائفي- الإثني- السياسي  خطر” التقارير الأمنية” التي طاولت على مدى عقود صباحات غرف المؤسسات الرسمية، وطاولات مقاهي المدن الصاخبة بتذبذب رائحة الدخان وماركاته المسجلة بالاستبيانات الدورية لكلّ فرد من الرواد، ولم تكن ألفة السمر، إبّان تلك المراحل، من الاستثناءات المعوّل على براءة خرير قططها الأليفة تحت نوافذ بيوت القرى النائية.

تقول ذاكرة المعجم الشعبي إن “التكويع”، ومهما تعدّدت الأسباب الموجبة للسير في ركابه، ما هو سوى صفة سيئة الصيت، ملتصقة بمن يغيّر موقفه السياسي السابق بشكل مفاجئ، صفة تجاوزت في عمقها هؤلاء الأفراد الممهورين بخاتمها، لتصبح أداة إدراك في صلب المجتمع السوري، أداة مالكة في تشكل الوعي الجمعي، وطرق التفكير، والاستجابة، والنجاة، أداة تستخدم يوماً في النقاشات، في التعليقات، في تحديد موقع الآخر على خريطة الانتماء، أداة تعيد تشكيل العلاقات بين العبد والسيد، بين صاحب الدار والجار، بين الظالم والمظلوم، بين الأصدقاء وأفراد الأسرة الواحدة، بين الجيران، ويضيف المصدر أن “المكوعين” هم مشروع دائم لرفد عالم “التشبيح” بدماء جديدة.

– “التشبيح”: قبل اندلاع الثورة، لم يكن رمزاً لعنف “المليشيات المسلحة” وأفرادها المدينين بولائهم الأعمى للنظام، كانت رموزه أشباحاً منظمة بهرمية موزعة قواعدها، شبه السرّية، بحرفية تامة على عموم المحافظات السورية، أشباحاً بسيارات حديثة “سيارات مفيّمة” وثياب شبابية مترفة بتعويم قوة بطشهم البراقة، كانت أيديهم طرية على طاولات الملاهي الليلية، سيئة السمعة، وثقيلة على من يعترض طريقهم من أفراد الطبقة السفلى في أجهزة الأمن، كانوا أشباحاً بلا هوية دائمة، بلا تاريخ ميلاد، بلا عنوان، يمتهنون “تهريب الأسلحة الخفيفة- المخدّرات- الآثار- الأعضاء البشرية”، وكلّ ما غلا ثمنه وخف حمله من أصناف الأجهزة الإلكترونية والكهربائية “المحروفة” بمعنى القطع النادرة في الأسواق السورية، ندرة تداول فضائح أفراد تلك المجموعات بالعلن، وإذا كان لا بد من القصاص بين حين وآخر، فكان السبب نابعاً من رغبة “المعلم” بالتخلص من هذا الفرد أو ذاك، لأمر ما تجهل فحواه الجهات البيروقراطية الفاسدة، إلّا أَن تلك الجهات الرسمية المعنية بمكافحة الجريمة المنظّمة، سرعان ما تستغل هذا “الحدث التاريخي”، لتبني بطولاتها وأمجادها على “جثة الضحية” الخارجة على القانون. أما بخصوص الأقطاب المُشغلين المحروسين بأسماء عائلاتهم العابرة للحدود فهم خارج الشبهات.

بعد اليوم الأول للتقويم الزمني الذي سجل البداية لتنفيذ برنامج “الأسد أو نحرق البلد” دُفع قسمٌ منهم إلى الاستقلال عن عالم الأشباح، ليعلن كلّ من المستقلين الجدد نفسه قائداً لمجموعة مسلحة بشرعية (وطنية!) تخوّله “تعفيش” وقتل كلّ من يقف عائقاً أمام تنفيذ حلمه الشخصي، وأجندة من يقوم بحمايته السابقة واللاحقة، تحت عنوان “من ليس معنا فهو ضدّنا” العنوان الذي اختصر الشعب السوري بفريقين مغلفين بطبقة سميكة من الشعارات التي تسهر على صياغتها ونشرها طبقة أخرى ناعمة من “الشبّيحة” الإعلاميين- الحزبيين- المنتفعين- المضللين، والفئة الخائفة من أن تسطو على موائدهم سياط الجفاف، أو تطاول صدور أبنائهم قسوة الجلاد، بعد أن انهار في المجتمع السوري، وإلى الأبد، جدار الحياد.

بعد انتصار الثورة، أعاد “التشبيح” تموضعه بنسخة جديدة تتقاطع مفرداتها مع التحولات السياسية في البلاد، نسخة حديثة تعتمد بالدرجة الأولى على إعلاميين ميدانيين، ومحللين سياسيين ونقاد تمرسوا بتقديم وجهة مغايرة للحقائق، يقوم بتبادل الأدوار معهم  فرق من المُضَللين والخائفين، وجيش جرار من “المُطبلين” المحترفين، وأسراب لا حصر لها من “الذباب الإلكتروني” العابر للحدود، والمكلف طوعياً بالانقضاض على كلّ من يخالفهم بالرأي والموقف بأفظع الألفاظ النابية، وتهم “الخيانة- التحريض” و”معاداة السلم الأهلي”، والسير في ركاب” المؤامرة” التي تستهدف وحدة البلاد والعباد.

يقول مصدر مطلع مِن الذاكرة: القاموس الشعبي يبرمج ذاكرة المجتمعات المتقاربة جغرافياً بثقافة جمعية إلى درجة التماهي مع النص البديل، والموقف المضاد، والرؤية، غير المتجانسة ظاهرياً، إلى الأشياء والأحداث التي جعلت منهما نقيضين، هذا ما يجعل من المتداول التحريضي- الطائفي، على صفحات السوشيال ميديا، موضع شك في انتمائها بالمطلق إلى قطيع معين من “الشبّيحة “، وللعدالة يمكن تقسيمها نسبتها المئوية بالتساوي بين أزلام الطامحين بالانقضاض على الدولة الناشئة، وبين من يَمقت قيام الدول في الجبهة الموازية، وينعت كلّ من يخلفهم بالفلول..

تقول الذاكرة: ليست اللغة مجرّد وسيلة للتواصل، وإنما مرآة للروح الجمعية، مرآة تفصح كل مفردة منها عن موقع من يتبناها، وموقفه الصريح والمشفر مما يجري حوله من أحداث، حين تتغيّر اللغة يتغير الإنسان، تعيد بمفرداتها طرق التفكير، والاستجابة، والنجاة، في زمن الحرب لم تعد الكلمات بريئة، تصبح أداة قمع وترهيب وتحريض وخضوع، في زمن الحرب حين تكتبنا اللغة بدل أن نكتبها تتحوّل كل مفردة منها إلى شظايا تسمو بالجميع ليكونوا مجرد نتف لسحابة من رماد.

العربي الجديد

———————————–

الأمن المفقود… نسيج ممزّق بخيوط قابلة للحياكة/ قصي جهاد زهر الدين

23 ديسمبر 2025

لم يكن الأمن في سورية مجرّد حاجة حياتية يومية، بل كان دائماً ورقة ضغط في يد السلطة. على مدى عقود، ربط النظام المخلوع بين بقائه وبين استقرار البلاد. كرّر شعاره الصريح والمبطّن: “أنا أو الفوضى”. فغدا الخوف من المجهول درعاً يحمي عرش الأسد، وسيفاً مسلطاً على رقاب السوريين الذين وُضعوا أمام معادلة قاسية: إمّا الخضوع للحاكم المستبد، أو مواجهة انزلاق الوطن إلى هاوية الانقسام والخراب.

لكن المفارقة المأساوية التي لا يمكن إنكارها أنّ سقوط النظام لم يُنتج الأمن الموعود، ولا ولّد الطمأنينة التي طالما حلم بها السوريون، بل انكشفت البلاد على فراغ أمني، حيث يتجول الخوف بحرّية أكثر من أي وقت مضى.

أول ما واجهه السوريون بعد انهيار قبضة النظام غياب مؤسسات الدولة القادرة على ضبط الشارع، فالأجهزة الأمنية التي كانت تزرع الرعب في الناس، تفككت أو انكفأت، تاركة خلفها فراغاً لم تملأه قوى القانون.

في لحظةٍ كان يفترض أن تولد فيها سلطة جديدة تضع أسس العدل والمواطنة لم يظهر سوى منطق الغلبة. ومعه عادت البلاد إلى منطق القبيلة والطائفة، حيث الولاء للانتماء الضيق يتغلب على فكرة الوطن الجامع. هذا التفتت أفرز بيئة مثالية للجريمة: حالات خطفٍ على الهوية، حالات قتلٍ على الشبهة، حالات نهبٍ لا يوفر حجراً أو بشراً.

يُضاف إلى ذلك غياب مشروع وطني جامع بعد التحرير. فلم تُظهر القيادة المؤقتة بعد رؤية واضحة للأمن والعدالة، بل بقيت السلطة نفسها غير متماسكة، عاجزة عن بناء جهاز أمني شرعي يمثل جميع السوريين ويحمي جميع الناس. هكذا، وجد السوري نفسه محاصراً بين انعدام أمنه وعصابات تستثمر في الفوضى.

في خضمّ هذا الخراب، كان من الممكن أن يلعب الإعلام دوراً إنقاذياً، لو وُجد خطاب رسمي صادق يجرّم تجاوزات عناصر الأمن العام أو المليشيات، ويضع حدوداً بين القوة والاعتداء. لكن الإعلام السوري، الرسمي القديم أو البدائل الوليدة، ظلّ أسير الاصطفافات، ومجرد خطاب يؤكد كلام السلطة ولا ينتقده.

الإعلام الرسمي الذي انشغل في تبرير الجرائم أو التغاضي عنها بوصفها “حالات فردية” وشيطنة الخصوم، فيما انشغلت وسائل الإعلام الأخرى في الصراع السياسي المتمثل ببث خطاب الكراهية وإشعال فتيل الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، حيث لم يظهر صوت جامع يقول بوضوح: “إنّ الخطف جريمة، والقتل انتهاك، وترويع المدنيين خيانة لقيم الثورة والوطن”.

هذا الغياب أطلق العنان لمن يفترض أنهم “حماة الشعب” ليتمادوا في تجاوزاتهم. فأصبح عنصر الأمن، أيّاً كانت رايته، فوق المساءلة، وأضحى المواطن العادي الحلقة الأضعف في سلسلة متسارعة من الأحداث المتوحشة.

لم تقتصر الفوضى الأمنية على القتل والخطف، بل أرهقت حياة الناس الاقتصادية والعملية، ولا سيما بعد الانتهاكات التي حصلت في الساحل والسويداء، تضاعف خوف سكان هذه المناطق والتي نادراً ما يغادرها سكانها مخافة الخطف أو ربما القتل.

هذا الخوف الذي شلّ حركة العمل، وفتح باباً جديداً للفقر والعجز، بينما أكثر ما يطمح به الشباب اليوم هو الهجرة في الوقت الذي يفترض فيه عودة السوريين من عواصم العالم إلى بلدهم بعد 14 عاماً من الحرب والاغتراب وفقدان الهوية.

تحت وطأة الخوف، انكمش المجتمع إلى الداخل، وأصبح كل بيت قلعة مغلقة على ذاتها؛ وكأنّ السوريين انتقلوا من سجن الدولة الأمنية القديمة، إلى سجن أكبر اسمه “الرعب من الآخر المختلف.

مما زاد الأمر سوءاً أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى منصات للتهويل المرعب والتخوين وإلقاء التهم، إذ يكفي أن يكتب أحدهم منشوراً عن حادثة، حتى تُضخّم ويعاد تدويرها حقيقةً مطلقةً. تُنسج حولها الشائعات والتهديدات، لتتحول من خبر صغير إلى مادة ترهيب جماعي.

الأدهى أنّ الاختلاف بالرأي السياسي صار سبباً للتهديد والوعيد. تغريدة أو تعليق قد تستجلب على صاحبها تهديدات بالقتل أو التخوين أو النبذ الاجتماعي. وبذلك، لم يعد الفضاء الافتراضي ملاذاً للتعبير، بل صار امتداداً لساحة الفوضى الواقعية.

المصالحة بين النفوس تحتاج إلى مشروع وحوار وطني يتجاوز لغة التخوين، ويعيد تعريف المواطنة على أنها انتماء مشترك، لا ورقة تعريف طائفية. نحن في حاجة إلى خطاب إعلامي مسؤول يرفع الصوت ضد الانتهاكات، لا يبرّرها أو يسكت عنها. في حاجة إلى مدارس تعلّم الأطفال أنّ جيرانهم المختلفين في المذهب أو الرأي هم شركاء في الحياة، لا خصوم في صراع بقاء.

قد يبدو الطريق طويلاً، لكن لا مفرّ من أن تبدأ المصالحة من الداخل، من قرار كل فرد أن يكسر دائرة الخوف، ويعامل الآخر باعتباره شريكاً لا خصماً. فالنسيج السوري، مهما تمزق، لا يزال يحمل في عمقه خيوطاً قادرة على إعادة نسج وطنٍ جديد، إن توافرت الإرادة والأدوات.

نجح النظام السابق في جعل السوريين يخشون الفوضى أكثر مما يخشون الاستبداد، لكن التجربة بعد سقوطه أثبتت أنّ الفوضى ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة لعدم تفعيل القانون والمشاركة في البناء السياسي والمشروع الوطني. واليوم، إذ يعيش السوريون هذا المخاض العسير، تبقى مسؤوليتهم الكبرى أن يعيدوا الثقة إلى أنفسهم قبل أن يطالبوا العالم بإعادة الأمن إليهم.

فالأمان ليس هبة تُمنح من حاكم، ولا منّة تأتي من قوة مسيطرة. الأمان يُصنع حين يتفق الناس على أن دماءهم أغلى من أي خلاف، وأنّ الوطن أكبر من أي زعيم. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال مفتوحاً: من يعيد للسوريين طمأنينتهم ووحدتهم في مواجهة مصير واحد.

———————————–

حان وقت الوعي في سورية/ عبد الباسط سيدا

23 ديسمبر 2025

سيكون من المفيد، بعد مرور أكثر من عام في سورية على هروب بشّار الأسد ومجيء إدارة الرئيس أحمد الشرع، أن نتأمّل في ما حدث؛ فذلك سيمكّننا من استشراف ماهية وملامح ما هو مطلوب للتعامل مع الأوضاع المُستجِدّة، والتحدّيات المُنتظَرة، على المستوى السوري الداخلي، وعلى المستويَيْن الإقليمي والدولي، فما حدث لم يكن له أن يتم لولا تحمّل السوريين أعباء التضحيات الكبرى والآلام الصعبة أكثر من 14 عاماً، ولولا صبرهم وإصرارهم على التخلّص من استبداد سلطة آل الأسد وفسادها، وعدم قبولهم محاولات إعادة تدويرها وتسويقها من رعاتها وداعميها بمختلف الصور. فهذا الثبات الذي يتعذّر على أيّ توصيف من جانب الشعب السوري كان من بين العوامل الأساسية التي أقنعت أصحاب القرار في تحديد مستقبل التوجّهات والاستراتيجيات الإقليمية والدولية بضرورة تغيير الاستراتيجيات وقواعد اللعبة.

وما إن اتُّخذ القرار بإسقاط سلطة آل الأسد، حتى وجدنا تسارعاً غير عادي لمجرى الأحداث، ذكّرنا بما حدث في العراق قبل أكثر من عقدَيْن، مع فارق أساس: أن الفاعل المباشر الحاسم في العراق كان أميركياً؛ بينما كان محلّياً داخلياً في الحالة السورية، وبطبيعة الحال لم يكن لهذا الأمر أن يتم لولا التوافق الدولي والإقليمي بإشراف أميركي. وما حدث (ويحدث)، منذ تخلّص السوريين من السلطة البائدة، يؤكّد استمرارية الإدارة الأميركية في دعم السلطة السورية الجديدة ضمن إطار استراتيجيتها الخاصّة بمنطقة الشرق الأوسط، وهي جزء من استراتيجيتها العامّة الكونية التي أعلنها البيت الأبيض في 5 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، فسورية وفق هذه الاستراتيجية ستكون مركزاً لتقاطع المصالح الاستثمارية بين القوى الإقليمية والدولية. وحتى يتحقّق هذا، لا بدّ من استقرارها الذي يُعدُّ ركيزةَ استقرار المنطقة. ولعلّ هذا الأمر هو الذي يفسّر الدعم الأميركي الدبلوماسي والإعلامي لإدارة الشرع؛ وهو الدعم الذي لم يُقرَن بعد بدعم عسكري أو اقتصادي وازن وملحوظ، مع أهمية إلغاء عقوبات “قانون قيصر”. وما يُستشفّ من تصريحات المسؤولين الأميركيين وتحرّكاتهم وجود حرص أميركي على ضبط العلاقات بين مركز دمشق ومناطق الأطراف (اللاذقية، السويداء، مناطق شمال شرق سورية) بغية منع اندلاع أعمال عنف جديدة.

وفي هذا السياق، سيكون من المهم والضروري التمييز بين الاستقرار بمعناه الأمني الوظيفي والاستقرار المجتمعي، فالاستقرار الأمني الذي من الواضح أنه هو المقصود في استراتيجية ترامب للأمن القومي، وهي التي نصّت من دون أيّ لبس على أنها غير معنية بشكل ونوعية أنظمة الحكم وكيفية تعاملها مع مواطنيها، وإنّما ما يهمّها في المقام الأول نجاح تلك الأنظمة في ضبط الأوضاع الأمنية في الداخل، وعدم التسبّب في أيّ مشكلات للجيران. ولكن من الواضح أن الجانب الأمني لا يمكنه وحده معالجة الأوضاع الصعبة التي يعيشها السوريون راهناً في مرحلة انتقالية بالغة التعقيد؛ هذا رغم أهمية ضبط الأمن بصورة عامة للمحافظة على سلامة المواطنين، جماعات وأفراداً.

فإلى جانب الضبط الأمني، يحتاج السوريون إلى الاستقرار المجتمعي الذي كان لغيابه الدور الكبير في محنتهم أكثر من نصف قرن خلال حكم سلطة آل الأسد. ومن دون هذا الاستقرار، لن تتوفّر الأسس المطلوبة لتنمية مُستدامة، ولن تُقطع الطريقُ على الانفجارات أو التفجيرات المجتمعية، وستبقى الأبواب مفتوحةً أمام القوى المتربّصة، وهي القوى التي تحاول استغلال الأوضاع الداخلية لصالح مشاريعها الإقليمية التي تتخذ من سورية ساحةً جغرافيةً للمرور، وميداناً لتثبيت نقاط الإسناد.

لقد كُتب وقيل كثيرٌ في تأييد السلطة السورية الجديدة ونقدها. وتراوحت مواقف السوريين بين الآمال الرومانسية والتبشيرات الفردوسية والشطحات الشعبوية، وبين الهواجس والتوجّسات السوداوية المُغرِقة في التشاؤم. وعبّر السوريون عن فرحهم الغامر المشروع بسقوط سلطة آل الأسد؛ كما عبّروا عن سعادتهم وهواجسهم ومشاعرهم بمختلف الأشكال، من خلال احتفالات الذكرى الأولى لتحرّرهم من حكم بشّار وعقده، وأحقاده المَرضية. وبناءً على ما يمكن استخلاصه من ذلك كلّه، باتت خريطة الطريق التي تطمئن السوريين واضحة المعالم. وهي خريطة تتضمّن جملةَ بنودٍ ملموسةٍ محدّدةٍ لا بدّ من أخذها بالاعتبار، والعمل في بلورتها وتطبيقها على أرض الواقع، وعدم الاكتفاء بالوعود التسويفية التي تهدّئ المشاعر وترطّب الخواطر، لكنّها غير كافية لإقناع العقول وتلبية الاحتياجات، ما لم تكن مقرونةً بالأفعال التطبيقية.

يجمع السوريون اليوم على أهمية وضرورة الوحدة الترابية والسكّانية ضمن إطار دولة تمثّل الجميع: دولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها من دون أي تمييز. دولة تحترم شعبها بمكوّناته المجتمعية كلّها، وتطمئن الجميع بعقود مكتوبة وإجراءات وممارسات تعزّز الثقة، ولا تتجاوز حدود القوانين المُتَّفَق عليها بموجب القواعد الديمقراطية المعروفة. وهذا التوجّه هو الركن الأساس الذي يسهّل مناقشة المسائل الأخرى التفصيلية بعيداً من الحرج والتشكيك والأحكام المسبقة.

ومن ناحية أخرى، هناك اتفاق عام حول ضرورة توفير الأمن والأمان لسائر السوريين. وهناك انتظار ضاغط لتحرّك العجلة الاقتصادية، الأمر الذي من شأنه ضمان فرص العمل لمئات الآلاف من الطاقات السورية الشابّة الخبيرة المُستعدَّة للعمل، والقادرة على الإسهام في بناء وطنها، وتأمين أبسط مستلزمات الحياة الكريمة لأُسَرها. الأمر الذي سيمهّد الطريق أمام كثير من الإمكانات، منها عودة اللاجئين والنازحين السوريين إلى مساكنهم في مدنهم وقراهم مُعزَّزين مُكرَّمين.

ولتحقيق هذه الأهداف التي تتوافق مع توجّهات (ومطالب) سائر السوريين من جميع الانتماءات ومختلف التوجّهات وفي الجهات كلّها، هناك ضرورة لاتخاذ جملة خطوات لا يمكن تجاهلها، إذا كنا ننوي بناء شعب ووطن ودولة على أسس صحيحة، والاستفادة من الاهتمام الدولي، خاصّةً الأميركي، بالموضوع السوري. وهذه الخطوات باتت معروفة لدى الجميع؛ ولكن مع ذلك، لا ضرر من إعادة التذكير بها؛ بل ربّما كانت في ذلك فائدةٌ لمن هيمنت على ذهنه الانفعالات الناجمة عن مشاغل وردّات فعل الفكر اليومي، فالسوريون اليوم هم بأشدّ الحاجة إلى حوار وطني عام بين الإدارة وممثلي جميع المكوّنات المجتمعية، والكيانات والتيارات السياسية، والفعّاليات المجتمعية، والشخصيات السورية المؤثّرة المعروفة بمصداقيتها وتوجّهاتها الوطنية. حوار تكون حصيلته التوافق على عقد اجتماعي وطني بين سائر شركاء الوطن من دون أيّ استثناء؛ عقد أساسه حقّ الشريك في إبداء الرأي، والمشاركة في الإدارة وفق مبدأ تكافؤ الفرص. عقد يطمئن الجميع من خلال التوافق على شكل الدولة ونظامها، وتوزيع السلطات واستقلاليتها، وتوفير الأرضية للتداول السلمي للسلطة من طريق فتح المجال أمام الأحزاب والمنظمات والجمعيات في الفضاء العام؛ لتعلن برامجها، وتتواصل مع الناس من خلال اللقاءات الجماهيرية والإعلامية، وعبر الاجتماعات التنظيمية.

ومن الضروري (والملحّ) أن يُتوافق، بموجب هذا الحوار الوطني، على استراتيجية وطنية لتطبيق العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية، وذلك كلّه يستوجب التزام النزاهة والشفافية، وضرورة مساءلة ومحاسبة المُسيئين والفاسدين، والقطع النهائي مع خطاب الكراهية وإثارة النعرات بأشكالها كلّها. أنصاف الحلول أو أشباهها لن تعالج بصورة سليمة المشكلات الكبرى المُعقَّدة التي يعانيها السوريون. وهي مشكلات تمثّل حصيلة تراكم السلبيات خلال عقود طوال من حكم الأنظمة العسكرية المُستبدَّة، خاصّةً أثناء الحقبة الأسدية التي امتدّت على مدى أكثر من نصف قرن. وهذا ما يتّضح لنا إذا تمعنّا في نتائج ما أفضت إليه الخطوات والإجراءات المُستعجَلة التي اتُّخذت خلال العام الأول من عهد الإدارة الجديدة؛ وهي الخطوات والإجراءات التي طغى عليها البعد الإعلامي الدعائي.

علينا أن نقرّ بأنه ليس في مقدور أيّ فريق بمفرده، مهما امتلك من مؤهّلات، ومهما حصل عليه من مختلف أشكال الدعم الخارجي، أن يتعامل مع التحدّيات الكبرى التي تواجه السوريين. فإدارة التنوّع السوري لا يمكن أن تكون إلا بجهود وتوافق السوريين جميعهم. والتعامل الحكيم مع المشاريع والحسابات الإقليمية والدولية المتمحورة حول سورية (مشاريع وحسابات لا يمكن أن نتجاهلها أو نتهرّب دائماً من استحقاقاتها) يقتضي الاعتراف بأننا لا نستطيع عزل أنفسنا عن العالم الخارجي، سواء القريب المجاور أم البعيد؛ بل ليس من مصلحتنا أن نفعل ذلك إذا كانت لدينا الرغبة في أن نعيش عصرنا من موقع الفاعل لا المفعول به.

نحن في حاجة ماسّة، إذا كنّا نريد الدولة العادلة المُستقِرَّة الإيجابية الفاعلة، إلى تفاهم السوريين وتوافقهم. أمّا أسلوب المراهنة على الخارج وحده، والاستقواء به على شركاء الوطن والمصير، فهو مُجرَّب، وقد أثبت عقمه وفشله في مختلف الدول التي تجاهلت حكوماتها احتياجات وتطلّعات شعوبها.

العربي الجديد

—————————–

هل من فضاء حرٍّ في سورية؟/ حسام أبو حامد

23 ديسمبر 2025

في سورية ما بعد سقوط نظام الأسد ثمّة من يكتب ويساجل، ومن يعترض أو يطرح أسئلةً بسقف عالٍ. يوحي المشهد من بُعد بأن المجال العام امتلأ بأصوات نقدية، لكن الغوص في أعماقه يطرح السؤال: هل يستمرّ النقد من دون خوف؟ هل له حقّ التنظيم والحماية القانونية؟ فلا تقاس الحرية بمقال هنا ومنشورٍ هناك، بل بقدرة السوريين على تحويل رأيهم فعلاً عامّاً من دون أن يتحوّلوا أهدافاً للسلطة. فرغم سنوات من القمع، لم يعدم السوريون “نقداً” يُسمح له بالمرور، موسمياً وخاضعاً للإدارة، ومحكوماً بسقفٍ معلوم، فيغلق بابُ النقد حين يقترب من جوهر السلطة. حين تصبح الأصوات النقدية استثناءاتٍ، هامشاً مؤقّتاً، فلا مُؤشِّرات كافية على فضاءٍ حرّ.

في الحقبة الجديدة لا يبدأ الاختبار الحقيقي من نصوص دستورية وقانونية واضحة تحمي حرية التعبير وتُجرِّم تقييدها التعسُّفي، فهذه وحدها لا تعني شيئاً، إذ يمكن لأيّ سلطة أن تكتب ما تشاء ويظلّ حبراً على ورق، ينبغي توفُّر الضمانات الإجرائية التي تمنع القوة من أن تتحوّل إلى قانون: لا توقيف بلا مذكّرة قضائية، حقّ توكيل محامٍ، مثول سريع أمام القضاء، وتجريم الإخفاء القسري ومنعه فعلاً لا قولاً. حرية التعبير سلسلة إجراءات دقيقة تُغلق الباب أمام العسف، ليأتي سؤال السلوك الفعلي للسلطة: هل تعاقب خارج القانون؟ هل يعمل الصحافي والناشط والجمعية والنقابة من دون إذنٍ مزاجي أو تهديد؟ إذا كانت الإجابات سلبيةً، فالحرية في أفضل أحوالها تصبح “منحةً” قابلةً للسحب، لا حقّاً قابلاً للحماية.

وللانتقال من مناخ تُقاس فيه الحرية بما تسمح به السلطة إلى فضاء القانون، لا بدّ من توفُّر قانون لحرية التعبير والإعلام يضيّق دائرة الاستثناءات إلى الحدّ الأدنى، فالمساحات الرمادية التي يُفسَّر فيها النصّ على هوى السلطة هي مذابح للحرية؛ مراجعة مواد قانون العقوبات الموروثة من العهد البائد، التي تتيح تجريم الرأي بعبارات فضفاضة وعناوين مطّاطة، لتكون الاستثناءات ضيّقةً ومحدّدةً بدقّة: تحريض مباشر على العنف، أو تشهير قابل للإثبات، فليس من الحرية تجريم موقف أو رأي أو توصيف سياسي.

ولا يكفي القانون وحده إن ضلّت الشكوى طريقها، فالحاجة ملحّة إلى جهة مستقلّة تتلقّى شكاوى الانتهاكات (خصوصاً ما ترتكبه أجهزة السلطة)، لها صلاحيات تحقيق وإحالة على القضاء، مع حماية للمبلّغين والشهود. فالمساءلة بنية مؤسّساتية تمنح مساراً واضحاً للإنصاف، وفي مقدمه استقلال القضاء.

هل توجد قواعد شفّافة للتظاهر والاجتماع والتنظيم تقوم على الإخطار لا على الترخيص؟ وعلى معايير محدّدة للتدخّل، ومساءلة واضحة لاستخدام القوة؟ تكتمل حرية التعبير في الشارع والنقابة والجمعية، وبالقدرة على الاجتماع والضغط السلمي، وبمجتمع مدني (عادةً فوق دستوري) فعّال لا يحتاج إلى أكثر من شفافية التمويل ومراقبته، لا نظام أذونات يخنقه. هل يحق للصحافيين والناشطين الوصول إلى المعلومات؟ هل تُصان معدّاتهم من المصادرة؟ هل يُجرّم الاعتداء عليهم؟ فالخوف من الاعتداء أو التضييق الإداري يحوّل الحرية إلى مغامرة شخصية، فلا تكون حقّاً عاماً. والحرية ثقافةٌ ممارسةٌ لا تخلط بين النقد والتخوين، ولا تختزل المجال العام في “مع أو ضد”، وإلا بقيت الحرية هشّةً حتى من دون تدخّل السلطة.

تبقى الاعتقالات التعسفية المعيار الفاصل، فالاعتقال بسبب رأي أو منشور أو نشاط سلمي يعني أن سقف الحرية ما زال في يد السلطة لا في يد القانون. لا نحتاج إلى أرقام كبيرة كي نقول إن الفضاء ليس حرّاً؛ يكفي أن يبقى التوقيف على الرأي ممكناً، إذ يجب أن تصبح الاعتقالات مستحيلةً إجرائياً أو مكلفة سياسياً وقضائياً.

من دون مزيد من التنظير، تختزل المسألة برمّتها في اختبار يومي: هل يستطيع المواطن انتقاد مسؤول أو قائد فصيل مسلّح من دون أن يخاف العواقب؟ هل يستطيع صحافي فتح ملفّ فساد والاستمرار فيه؟ هل يستطيع الناس تنظيم حملة أو حزب أو نقابة أو تظاهرة بالإخطار من دون إذلال أو تهديد؟ هل يُعامل الموقوف وفق قانون واضح أم وفق مزاج القوة؟ وهل توجد قضايا يربحها المواطن ضدّ الدولة والأجهزة وتُنفَّذ أحكامها؟… إذا كانت الإجابة عن معظم ما سبق بـ”نعم” فنحن أمام بداية فضاء حرّ. إذا كانت “أحياناً” فنحن في منطقة رمادية، هامش نقد بلا ضمان. وإذا كانت “لا” مع استمرار الاعتقال التعسفي، الأصوات النقدية ليست دليلاً على حرية، بل على مشهدٍ تجميلي أو استثناءات فردية.

لا تعني الحرية رفع الصوت بقدر ما تعني تلاشي الخوف، وتقاس بعدد المرّات التي تنتصر فيها دولة القانون على دولة القوة، فالامتحان الحقيقي ليس أن تسمح السلطة بالكلام، بل حين ينشأ بناء سياسي يجعل من الكلام حقّاً لا مغامرة.

——————————-

========================

تحديث 22 كانون الأول 2025

———————————–

بعد عام على التغيير.. مؤسسات سلطة أم مؤسسات دولة/ غزوان قرنفل

تطرح في السياق السوري الراهن مسألة إعادة “بناء المؤسسات” بوصفها مدخلًا للخروج من الفوضى واستعادة الاستقرار، ويجري تقديم هذا الطرح غالبًا على أنه مسار تقني محايد يمكن من خلاله إعادة تنظيم الحياة العامة وضبط المجال السياسي والأمني والاقتصادي.

غير أن التدقيق في طبيعة ما يبنى، وكيفية بنائه، والغايات التي يخدمها، يكشف مفارقة جوهرية، لأن ما يجري في كثير من الأحيان ليس تأسيسًا لمؤسسات دولة بالمعنى الحديث، بل إعادة ترتيب لأدوات الحكم وإعادة إنتاج للسلطة بأشكال تشابه كثيرًا النموذج السلطوي الذي تم إسقاطه، ولكن بصورة أكثر فوضوية وأقل تنظيمًا.

فالدولة ليست مجموعة أسماء لوزارات وهيئات ومؤسسات، ولا مجرد هياكل إدارية تعمل بانتظام شكلي، بل هي منظومة مبادئ وقواعد تنظم وتضبط السلطة وتضعها في خدمة المجتمع، لكن حين تختفي هذه القواعد، تتحول المؤسسات إلى أدوات نفوذ مهما بدت رسمية ومنضبطة في شكلها.

الدولة في تعريفها الوظيفي، كيان يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية: سيادة القانون، فصل السلطات، استقلال القضاء، خضوع المسؤولين للمساءلة، وضمان الحقوق العامة دون تمييز.. وهذه المبادئ لم تُصغ لتكون مجرد شعارات خطابية، بل لتترسخ كآليات عملية تهدف لضبط القرار السياسي والحد من جنوحه أو تعسفه، ومنع تركّز السلطة في يد جهة واحدة، لكن حين يعاد إنتاج الهياكل الإدارية دون هذه الضمانات، فإن النتيجة تكون مؤسسات وظيفتها الأولى حماية القوة الحاكمة وتأمين استمرارها وليس خدمة المواطنين أو تمثيل مصالحهم، وهنا يصبح الفرق بين “مؤسسات دولة” و”مؤسسات سلطة” فرقًا في الجوهر لا في التسمية.

إن أحد أخطر مظاهر هذا المسار يتمثل في إنشاء كيانات مركزية ذات صلاحيات واسعة وغير محددة تتجاوز في نفوذها السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية معًا، هذه الكيانات تعمل كغرفة قرار مغلقة وتصوغ السياسات العامة، وتوزع الأدوار، وتقرر ما هو مسموح وما هو ممنوع دون أي سند دستوري أو حتى قانوني واضح، أو خضوع لأي شكل من أشكال الرقابة المستقلة أو المحايدة، وبالتالي فإن وجود مثل هذه المراكز (الهيئة السياسية مثالًا) يحوّل بقية المؤسسات إلى واجهات تنفيذية، ويفرغ مفهوم العمل المؤسسي من مضمونه ليصبح مجرد سلسلة أوامر تنتقل من الأعلى إلى الأسفل دون نقاش أو مساءلة.

في ظل هذا الواقع، لا يعود المجلس التشريعي مساحة فعلية وحرّة للنقاش العام ولا للتعبير عن الإرادة الشعبية، بل يتحول إلى أداة تصديق على قرارات متخذة مسبقًا، كما لا تعود الحكومة مسؤولة أمام ما يفترض أنهم ممثلو الشعب، بل أمام مراكز القوة الفعلية التي تمتلك حق التعيين والعزل وتحديد الأولويات، فيما يتحول القضاء، إذا لم يحصن استقلاله بنصوص دستورية واضحة وممارسات عملية تحمي القضاة من الضغط السياسي والأمني، إلى مجرد وظيفة إجرائية تمنح الغطاء القانوني لسياسات وقرارات لا يملك القدرة على مراجعتها أو نقضها أو عدم الامتثال لها.

وهذه الإشكالية تتعمق حين يستبدل مبدأ المواطنة بمبدأ “الولاء”، وبدلًا من أن تكون الكفاءة والنزاهة والمعايير المهنية أساس الوصول إلى المناصب العامة، تتم إعادة توزيع المواقع والنفوذ على أساس القرب من السلطة أو الانتماء إلى شبكات المصالح فيها، وهكذا تفرّغ الإدارة العامة من مضمونها الوظيفي أو التقني وتتحول إلى منظومة ريعية تعيد إنتاج ذاتها عبر الامتيازات والحماية المتبادلة.

في ظل هذا النمط من الحكم، لا يمكن أن تبنى مؤسسات قادرة على الاستمرار والتكيف، بل ما يتم بناؤه حقًا مجرد هياكل هشة تزدهر في أوقات السيطرة المطلقة، وتنهار عند أول اختبار حقيقي أو تبدل في موازين القوة.

إن بناء الدولة لا يمكن أن يكون عملية تقنية أو إدارية فحسب، بل هو فعل سياسي وأخلاقي وقانوني ومجتمعي في آن واحد، فهو يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا يحدد بوضوح مصدر الشرعية، وحدود السلطة وحقوق الأفراد والجماعات، وآليات الرقابة والمحاسبة. كما يتطلب مشاركة فعلية من المجتمع لا بوصفه رهطًا قطيعيًا ومتلقيًا سلبيًا للقرارات، بل شريكًا في صناعتها وصياغتها ومراقبة تنفيذها، ومن دون هذه المشاركة تصبح “الدولة” مشروعًا تسلطيًا فوقيًا مفروضًا بغلبة السلاح، يفتقر إلى القبول والثقة، وهما الشرطان الأساسيان لأي استقرار مستدام.

في الحالة السورية، تبدو الحاجة ملحّة اليوم للتمييز بين إعادة تشغيل مؤسسات قائمة، وبين إعادة تأسيس الدولة ذاتها، فالأولى قد توفر قدرًا من الضبط المؤقت، وتمنح انطباعًا كاذبًا بالانتظام، لكنها لا تعالج جذور الأزمة التي تمت الثورة بسببها أصلًا، بل قد تعيد إنتاجها بأدوات مختلفة في الشكل ربما، لكنها متماثلة في الجوهر، وأما الثانية، فهي مسار أطول وأكثر تكلفة وتعقيدًا، لكنه المسار الوحيد القادر على إخراج البلاد من الحلقة المفرغة بين الفوضى والاستبداد، فالدولة الرشيدة ليست فقط بعدد وشكل مؤسساتها ولا بانتظام هياكلها، بل بالقدرة على تقييد السلطة قبل ممارسة الحكم، وعلى جعل القانون أعلى من القوة، والمواطن أسمى من الحاكم.

عنب بلدي

——————————–

كثير من الفرح وغصة/ عالية منصور

ديسمبر 22, 2025    

مضى عام على سقوط نظام الأسدين، مضى عام على عودة سوريا، تغير الكثير خلال هذا العام، كان عاماً مليئاً بكل شيء وكانت فرحتي بالذكرى الأولى مليئة بالتناقضات.

عجت سوريا بالمحتفلين، السوريون في الشوارع يحتفلون بالنصر، ملايين السوريين ملؤوا الساحات، رقصاً وغناءً وصلاة ودعاء. في دمشق المشهد لا يمكن أن تنقله عدسة الكاميرا ولا الكلمات مهما كانت منمقة ومعبرة؛ جميل هذا الفرح. وأنا أنظر إلى الوجوه في كل مكان لم أستطع أن أمنع نفسي من سؤالها، ماذا لو كنتم جميعكم معنا من اليوم الأول؟ ماذا لو من احتفلوا شاركوا بمظاهرة يوم الجمعة في العام 2011؟! كم كنا وفرنا على سوريا وناسها.

في الحفل الرسمي، يتسابق البعض لحجز مقعد في الصفوف الأولى، والصفوف الأولى لا تتسع للجميع، الجميع يريد أن يكون شاهداً وحاضراً، هو يوم النصر، يوم سوريا الجديدة، هذا اليوم الذي ما كان ليتحقق لولا الـ14 عاماً التي سبقته، خرج أطفال صار بعضهم شباب، أبكوا الجميع؛ الحضور والغياب. بكينا ذكرياتنا وعذاباتنا 14 عاماً، وبكى البعض دموع الندم أنه لم يشاركنا هذه المسيرة، أو هكذا أريد أن أظن.

عرض مسرحي أعاد إحياء بعض محطات مرت بها الثورة، تقول سيدة من الحضور لزميلتها عن أحد الصور، هذه عندما ضرب أطفال درعا بالكيماوي، لم أستطع أن أتوقف عن البكاء عندما سمعت العبارة، كم كانت المسافة بيننا يا أبناء وطني بعيدة، إن غفرنا صمتكم فكيف نغفر جهلكم بما مررنا به؟ ماذا لو عرفتم ما حل بدرعا وأطفالها، بالحولة والبيضا؟ ماذا لو لم تشيحوا بنظركم عن الغوطة؟ هل كانت المجزرة لتستمر كل هذه السنين؟

كانت لحظات فرحي الشخصي مليئة بالتناقضات، فرح امتزج بغضب حاولت كبته ما استطعت، فرح لم تفارقه غصة رفاق خسرناهم خلال الـ14 عاماً، ماذا لو كانوا بيننا اليوم، ماذا لو سمح لنا أن نودعهم؟ ولكن حتى الوداع بعضنا – وبعضنا يقدر بالملايين – حرمنا منه.

تسمع في دمشق امتعاض من كنا ندعوهم بالصامتين، ونسمع بمزايدات المكوعين، وأغلبنا يهز برأسه. يدرك أبناء الثورة أكثر من غيرهم أن الثورة كانت من أجل الجميع، من أجل سوريا وجميع السوريين وأن سوريا الجديدة لا بد أن تتسع للجميع.

ولكن هل يريد الجميع أن تتسع لهم سوريا؟  كانت الفرحة بالنصر منقوصة، اتفاق العاشر من آذار لم يُطبق بعد، وأهالي الجزيرة السورية عاتبون ومحرومون من الاحتفال. في السويداء جرح عميق لم يندمل بعد، وأي من جروح السوريين اندمل؟!

ماذا عن أبناء الطائفة العلوية؟ جميعنا يعلم – حتى لو حاول بعضنا الإنكار – أن المجرمين الذين ارتكبوا مئات المجازر لم ينتموا لطائفة واحدة، بل كانوا سوريين من جميع الطوائف، حتى ولو كانت الغالبية العظمى من الضحايا من طائفة واحدة، إلا أن القتلة كانوا من جميع الطوائف.

لا أعرف إن كانت تسريبات بشار الأسد يوم الاحتفال بذكرى النصر مقصودة، ولكن ها هو القاتل الذي قتل مئات آلاف السوريين ودمر سوريا يسخر لا من سوريا فحسب ولا من ضحاياه فحسب، بل يسخر ممن دفع دماء عشرات الآلاف من شبابهم ليدافعوا عن ملكه هو.

أن يسخر من “حزب الله” لم يكن بالنسبة لي مستغرباً، قيادة الحزب هي من قررت أن تحول شبابها إلى مرتزقة يَقتلون ويُقتلون دفاعاً عن نظام مجرم وقاتل، ولكن أن يسخر هو ومستشارته من أبناء الطائفة العلوية، من لهجتهم وحتى أسلوب تعبيرهم عن الولاء لـ”القائد”؟

قد تكون سخريته تلك الشيء الإيجابي الوحيد الذي قدمه بشار في حياته للسوريين، فهل سمعه أهالي من قتلوا دفاعاً عنه؟ وهل أدركوا بعد قراءة تقرير “رويترز” أن بعض من في الخارج من فلول الأسد لم يشبع من دمائهم بعد، وأنه على استعداد للتسبب بمقتل المزيد من شباب الطائفة العلوية خدمة لمشروعهم السلطوي؟

هي لحظات اجتمعت فيها كل هذه المشاعر والأسئلة، هي لحظة علينا جميعاً فيها أن نؤمن أن سوريا تتسع لنا جميعاً، بطوائفنا وأعراقنا وبتنوعنا واختلافنا السياسي والاجتماعي، هي لحظة حتى وإن شابها بعض الغضب والآلم والسؤال “أين كنتم”.

سقط الأسد وتحررت سوريا وتحرر السوريون، رفعت العقوبات وبدأت مرحلة بناء الدولة، الدولة التي لا تفرق بين مواطنيها، الدولة التي يقع على عاتقها تحقيق العدالة أولاً، كي لا ينزلق المجتمع نحو الثأر، ومن لم يكن شريكاً في معركة التحرر، إما خوفاً أو تضليلاً، اليوم يجب أن يكون شريكاً في مسيرة البناء، سوريا تتسع لنا جميعاً، ولكل منا غصته، ولكن “سوريا أولاً” هي الأساس.

الثورة السورية

———————————–

معركة السردية بدأت/ عبد الرحمن الحاج

ديسمبر 22, 2025    

على مدار سنوات الثورة، كان نصف المعركة على الأرض ونصفها الآخر في السردية، أي في تقديم رواية ما يجري على الأرض ضمن منظور تفسيري يشرح كيف ولماذا يحدث ما يحدث على الأرض، الأمر لم يكن مجرد تفسير، كان هو في الواقع تقديماً لشرعية ما يحدث وإضفاء حكم قيمة أخلاقي لاستخدامها في التعبئة والتحشيد، فهذه هي وظيفة السردية أثناء الحدث.

في حين قدّم السوريون ثورتهم بوصفها انتفاضة شعبية سلمية من أجل الحرية والكرامة، واجهها نظام الأسد بالعنف المفرط والقتل، فاستمرت قرابة تسعة أشهر قبل أن تتجه إلى التسلح دفاعاً عن النفس ثم سعياً لإسقاط النظام. في المقابل، روّج نظام الأسد لرواية مضادة تصف ما جرى بأنه “مؤامرة إرهابية” تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد.

لاحقاً، قدّم الإيرانيون وحزب الله سردية أخرى، بدأت بـ”الدفاع عن المقامات”، ثم تحولت سريعاً إلى خطاب “مكافحة التكفيريين” وحماية “محور المقاومة”. وظلت هذه السرديات المتقابلة جزءاً أساسياً من الصراع على الشرعية طوال سنوات الحرب.

انتهت الحرب، وسقط النظام بعملية ردع العدوان ( 27 تشرين الثاني– 8 كانون الأول 2024). كانت عملية خاطفة أحدثت وقع الصدمة على الجميع. ففي أحد عشر يوماً فقط تحقق ما بدا مستحيلاً لسنوات طويلة: خروج الإيرانيين، انهيار منظومة الكبتاغون، توقف القصف، إطلاق سراح المعتقلين، وبدء عودة اللاجئين، وانفتاح البلاد على أفق جديد، وكنت قد نشرت في مثل هذه الأيام من العام الماضي مقالاً بعنوان “قطار الشرع السريع: ارتدادات إقليمية للحدث السوري”، شرحت فيه النتائج المباشرة.

غير أنه مع توالي الأحداث بدأت تعلو أصوات تشكك بأن ما حدث كان جهداً سورياً فما حدث كان ضخماً للغاية، وهو يسمح بالفعل لظهور نظرية المؤامرة التي تريح من التفكير، وبدأت تظهر سردية جديدة بعد الحرب تقول إن ما حدث لم يكن نتاج فعل سوري خالص، إنما كان نتاج توافق دولي (مؤامرة) ومجرد تسليم واستلام، وتجد في بعض الأحداث ما يمكن استخدامه لتدعيمها، الانسحابات السريعة لجيش النظام، لقاءات سابقة مع مسؤولين غربيين، علاقات مع دول، وأخيراً السلاح الذي امتلكته هيئة تحرير الشام وتطوير القدرات العسكرية والاستخباراتية الذي نجحت به.

يلتقط أصحاب هذه السردية أخباراً متناثرة وإشارات قابلة لتفسيرات متعددة وتوجيهها لتكون دليلاً على المؤامرة. غير أن هذه السردية تعاني ضعفاً واضحاً في التماسك. فهي لا تنسجم مع السياق الإقليمي، ولا مع مجريات الأحداث الميدانية، ولا مع طبيعة ردود الفعل الدولية، ولا حتى مع سلوك العدو الإسرائيلي. ومع ذلك، تبقى سردية “مريحة” لخصوم الحكم الجديد، لأنها تهدف أساساً إلى نزع الشرعية الثورية عن الحدث، أو على الأقل إضعافها. وهي، للمفارقة، تعترف ضمناً بعظمة ما جرى، لكنها تنكر في الوقت نفسه قدرة السوريين على إنجازه.

هذه الظاهرة ليست جديدة. فعندما أُعلن عن تأسيس المجلس الوطني السوري في تشرين الأول/أكتوبر 2011، كنت جزءاً من هذا المسار وأعرف تفاصيله الدقيقة. ومع ذلك، سمعت لاحقاً روايات عديدة عن تأسيس المجلس لا تمت إلى الواقع بصلة. هذا مجرد مثال على كيف تتشكل سرديات ما بعد الحدث، حتى بوجود الشهود وصانعي القرار.

فقد قدمت بالفعل رواية معقولة على ألسنة المشاركين فيها. غير أن هذه الأعمال، رغم أهميتها، تظل ناقصة: فهي لا تقدم الصورة الكاملة، ولا تتعامل بشكل منهجي مع تفكيك سرديات الخصوم، ولا تعالج المناطق الرمادية التي تسمح بالتشكيك في الرواية، صحيح أن وجود الشهود يمنح الأحداث حرارة اللحظة ويردم الفجوة الزمنية بين المشاهد ولحظة حدوثها، ولكنها هذا لا يكفي لحسم السردية.

صحيح أن الأفلام الوثائقية هي أسهل طريقة للوصول إلى أوسع جمهور ممكن، لكن يجب ألا تكون هي الأداة الوحيدة، ففي سنة 1870 إبان الثورة الفرنسية، تأسس أول أرشيف وطني في الدولة الحديثة، كان يهدف إلى حفظ وثائق الدولة، ولجمع وصيانة القوانين والقرارات والوثائق الصادرة عن السلطات الثورية، وضمان الشفافية بتمكين المواطنين من الاطلاع على الوثائق العامة، وحماية الذاكرة الوطنية أي حماية أرشيف النظام الجديد ومنع ضياعه أو التلاعب به بعد سقوط النظام الملكي.

واليوم تحتاج الدولة إلى مؤسسة مستقلة ذات مصداقية لعمل مثل هذا الأرشيف الوطني، هذا يجب أن يكون عملاً وطنياً مستقلاً للدولة وليس للسلطات في مركز الحكم، ليكون بالإمكان توريثه لأجيال كأساس للدولة.

هناك حاجة ماسة إلى كتابة بحثية جادة، تفسّر ما جرى بلغة عقلانية، بعيداً عن الأسطرة والمبالغة. فتصوير الأحداث كخوارق أو كتحقق مسبق لمخططات كبرى لا يخدم السردية، بل يقوّضها من الداخل. الواقعية، والدقة، والاعتراف بالحدود والالتباسات، هي ما يمنح الرواية قوتها.  لهذا، يجب أن تُكتب سردية معركة ردع العدوان بأقلام باحثين مستقلين ومتعددي الاختصاص. فشهادات الفاعلين وثائق مهمة، لكن دور الباحث والمؤرخ هو وضعها في سياق تفسيري متماسك.

وحتى لو قُدمت هذه السردية في نسخة مختصرة موجهة للقارئ العام، فإن وجودها ضرورة سياسية وأخلاقية. فلا يمكن مواجهة الروايات المضادة إلا برواية الحقيقة كما هي: بلا تهويل، وبلا إنكار، وبإضاءة صادقة على كل ما هو واضح، وكل ما هو قابل للتأويل.

الآن ربحنا المعركة مع النظام، ويحب ألا نخسر السردية، فقد بدأ فصل جديد من معركة السردية، ويتعيّن خوضها بوعي ومسؤولية، حفاظاً على تاريخ هذا البلد، ومن أجل بناء أمة حديثة. فالتاريخ ليس مجرد تسجيل للوقائع، بل عنصر رمزي أساسي في تشكّل الدول الناشئة وصياغة هويتها الوطنية الجامعة. يجب إطلاق مؤسسة وطنية بحثية مستقلة، متخصصة في أرشفة سنوات الثورة السورية وتأريخها في أقرب وقت ممكن، لصياغة سردية علمية للثورة السورية حتى إسقاط نظام الأسد.

الثورة السورية

———————————–

إشكالية إعادة بناء الجيش في الدول الهشّة: سورية نموذجاً بعد 2024/ جمال حمور

22 ديسمبر 2025

تعود بدايات التشكّل الأول للجيش السوري إلى فترة الانتداب الفرنسي، حين أنشأت سلطات الانتداب ما عُرف بـ”القوات الخاصة للشرق”، وهي وحدات عسكرية محلية خاضعة للقيادة الفرنسية، ضمّت عناصر من مختلف المناطق والطوائف. لم يكن الهدف آنذاك بناء جيش وطني مستقل، بل إنشاء قوة أمنية تضمن السيطرة الاستعمارية. ومع الاستقلال عام 1946، ورثت الدولة السورية هذه التشكيلات لتكون نواة الجيش الوطني، في ظل ضعف مؤسسات الدولة وقلة الخبرة الإدارية والعسكرية.

مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم تثبيت حكم حافظ الأسد عام 1970، تحوّل الجيش تدريجياً من مؤسسة مُسيّسة إلى أداة سلطة. لم يعد معيار الترقي والكفاءة مهنياً بحتاً، بل بات مرتبطاً بالولاء السياسي–الأمني. ورغم الخطاب القومي السائد، جرى تفريغ مفهوم “الجيش الوطني” من مضمونه، دون أن يعني ذلك غياب وطنية الأفراد بقدر ما يعني انحراف وظيفة المؤسسة نفسها.

في عهد بشار الأسد، تعمّق هذا المسار على نحو حاد. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، استُخدم الجيش في صراع داخلي واسع، ما أدى إلى انشقاقات واستنزاف بنيوي، وانهيار واسع للثقة المجتمعية بالمؤسسة العسكرية. وعند سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، لم ترث الدولة الجديدة جيشاً وطنياً جاهزاً، بل مؤسسة منهكة ومحمّلة بإرث ثقيل من العنف والتسييس.

وبعد مرور عام على سقوط النظام، تبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة الانتشار العسكري فحسب، بل في إعادة تعريف وظيفة الجيش ذاتها. فمحاولات الهيكلة، والتسريح، والدمج، بقيت محدودة الأثر ما لم تُربط بسؤال أعمق: لمن يخضع الجيش؟ ومن يمنحه الشرعية؟

هنا تبرز حقيقة لا يمكن تجاوزها، وهي أن القوة التي حرّرت دمشق تحمل أيديولوجية دينية جهادية تشكّلت في سياق حرب طويلة. وهذا توصيف بنيوي لا ينطوي على إدانة أخلاقية بقدر ما يعبّر عن معطى واقعي. غير أن هذه الأيديولوجية تستند إلى مصدر شرعية متعالٍ على المجتمع، في حين تقوم الدولة الحديثة على التفويض الشعبي والقانون الوضعي. ويجعل هذا التعارض الانتقال من منطق “الجماعة العقائدية” إلى منطق “المؤسسة الوطنية” معضلة مركزية في مسار بناء الجيش.

وتؤكد الخبرات المقارنة خطورة تجاهل هذا التناقض. ففي ألمانيا بعد النازية، جرى تفكيك العقيدة العسكرية وربط الجيش بالدستور والرقابة المدنية الصارمة. وفي جنوب أفريقيا، دمجت قوى مسلحة متصارعة ضمن عقد وطني جديد قائم على المواطنة المتساوية. أما العراق بعد عام 2003، فيقدّم مثالاً تحذيرياً على تفكيك الجيش دون وجود بديل وطني جامع، ما فتح الباب للفوضى والمليشيات. والدرس هنا واضح: لا حلّ بالاجتثاث الكامل، ولا بالاستيعاب غير المشروط.

في الحالة السورية، تتقاطع مسألة الجيش مباشرة مع شرعية السلطة الجديدة. فإسقاط النظام والسيطرة العسكرية يمنحان شرعية ثورية مؤقتة، لكنها لا تتحوّل إلى شرعية دولة إلا عبر القبول الصريح بقواعدها، وعلى رأسها احتكار العنف المشروع، وخضوع الجيش لسلطة مدنية، ومنع استخدام الدين أو السلاح مصدراً دائماً للشرعية السياسية.

وفي هذا السياق، لا يعود الجيش مجرد أداة أمنية، بل يصبح العمود الفقري للشرعية السياسية نفسها. وهو ما يجعل خطر “العسكرة المقنّعة للسلطة” حاضراً بقوة، حتى وإن رُفعت شعارات مدنية أو أُنشئت مؤسسات شكلية. وتُظهر التجارب التاريخية أن الدول التي فشلت في ضبط هذه العلاقة انتهت إما إلى حكم عسكري مباشر، أو إلى حكم أيديولوجي يستند إلى السلاح بوصفه مصدر الحق.

الخطر الحقيقي، إذاً، هو استبدال جيش سلطة ذي عقيدة سياسية بجيش عقيدة دينية، مع بقاء الجيش مصدراً للشرعية بدل أن يكون خاضعاً لها. لذلك، فإن بناء جيش وطني حيادي في سورية ليس مسألة تنظيمية أو تقنية فحسب، بل معركة على تعريف الدولة نفسها. فإذا أُعيد تأسيس الشرعية على العقد الاجتماعي والقانون، يمكن للجيش أن يصبح، للمرة الأولى، جيش دولة. أما إذا بقيت الشرعية مستمدة من النصر والعقيدة، فلن يكون الناتج سوى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة.

العربي الجديد

———————————

لماذا ينفتح الغرب على سوريا الجديدة؟ التحول من الحرب إلى النفوذ/ عبد الرحمن مقني

بعد 13 عاما من الحرب تعد إعادة إعمار سوريا من أكبر المشاريع الاقتصادية في المنطقة وهو ما يغري الشركات الغربية (مولدة بالذكاء الاصطناعي/ الجزيرة)

    قراءة في التحول الإستراتيجي.. لماذا يتماهى الغرب مع “سوريا الجديدة”؟

يطرح المشهد الدولي اليوم سؤالا محوريا: لماذا يبدو الغرب أكثر انفتاحا وتواصلا مع سوريا الجديدة، رغم إدراكه طبيعة الهوية المجتمعية في بلاد الشام وتاريخها الديني والسياسي؟

أميركا وأوروبا تظهران الآن أكثر استعدادا للتعامل مع دمشق بطريقة هادئة ومرنة. فهل تغير الغرب؟ أم تغيرت الحسابات؟

    الغرب لا يبني سياساته على التوقعات الدينية أو النبوءات فقط، بل على مصالحه التجارية والجيوسياسية، ويستعمل الدين لتحقيق هذه المصالح

الهوية الإسلامية السورية.. وهل الغرب غافل عنها؟

ليس صحيحا أن الغرب “لا يرى” التحولات الفكرية والاجتماعية في سوريا. الدول الغربية تمتلك مؤسسات بحثية ضخمة تراقب التحولات السياسية والدينية في الشرق الأوسط، وتدرس تاريخ المنطقة ورواياتها الدينية وتأثيرها المحتمل على الوعي الجمعي.

لكن الغرب لا يبني سياساته على التوقعات الدينية أو النبوءات فقط، بل على مصالحه التجارية والجيوسياسية، ويستعمل الدين لتحقيق هذه المصالح. وبالتالي، ورغم إدراكه مكانة الشام التاريخية والدينية، فإن العامل الحاسم هو: ما الذي يخدم مصالحه على المدى البعيد؟

وقد عبر الرئيس السوري أحمد الشرع عن هذا المعنى حين قال، قبل إسقاط نظام الأسد، إن سنوات الحروب الطويلة تحتاج إلى جلسة حوارية تحل المشكلات، مضيفا أن الغرب لا يملك خيارا إلا المصالحة مع المسلمين والتفاهم معهم.

منطق الإستراتيجيتين: القوة الصلبة والقوة الناعمة

عبر التاريخ الحديث، اعتمد الغرب على إستراتيجيتين رئيسيتين للنفوذ:

    إستراتيجية القوة الصلبة (الاحتلال المباشر أو الحروب بالوكالة): وهي الأدوات التقليدية، مثل التدخل العسكري، وإشعال الصراعات الداخلية، ودعم جماعات مسلحة، والضغط عبر ملفات حقوق الإنسان أو الأقليات.

    إستراتيجية القوة الناعمة (الغزو الاقتصادي والثقافي): وهي الأكثر فاعلية في القرن الحالي، وتشمل:

    الاستثمار، والشركات العابرة للحدود.

    الإعلام والثقافة، والتعليم.

    المنظمات المدنية، والنفوذ الاقتصادي طويل الأمد.

وقد أثبتت هذه الإستراتيجية نجاحها في بلدان كثيرة دون إطلاق رصاصة واحدة.

    السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن السنوات الخمس إلى العشر المقبلة ستشهد مواجهة من نوع جديد؛ ليست مواجهة عسكرية، بل مواجهة إستراتيجية بين هوية المجتمع السوري ومحاولات الغرب فرض تأثيره عبر أدوات الاقتصاد والثقافة

لماذا يريد الغرب تطبيق الإستراتيجية الناعمة في سوريا؟

هناك أسباب رئيسية أهمها:

    الضعف الاقتصادي والعسكري الأوروبي: أوروبا اليوم تعيش واحدة من أضعف لحظاتها: أزمة طاقة، وأزمات اقتصادية متتالية، وتهديد روسي متصاعد، وتراجع في القدرة على خوض حروب خارجية. لذلك، لا ترغب أي دولة غربية في تكرار مغامراتها السابقة في العراق، أو ليبيا، أو أفغانستان.

    سوريا أصبحت “سوقا جديدة”: بعد 13 عاما من الحرب، تعد إعادة إعمار سوريا من أكبر المشاريع الاقتصادية في الشرق الأوسط، وهو ما يغري الشركات الغربية، خصوصا الأوروبية، التي تواجه ركودا اقتصاديا مستمرا.

هل تدرك دمشق هذه المعادلة؟

من الواضح أن الإدارة السورية تستوعب التحول الجديد، خاصة مع خبرة الحليف التركي، لكنها تقف أمام تحد مهم: كيف تستفيد من الانفتاح الاقتصادي دون السماح بالاختراق الثقافي أو الأمني؟

فالخبرة السورية في إدارة هذا النوع من النفوذ ليست كبيرة، بينما تمتلك الدول الغربية أدوات ضخمة للتأثير في التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والمجتمع المدني. وهذه المجالات هي الأكثر حساسية؛ لأنها تؤثر في الهوية العميقة للدولة.

    الغرب ليس غافلا عن الهوية السورية ولا عن تاريخ الشام، لكنه يعتمد اليوم على النفوذ الاقتصادي بدل التدخل العسكري، والتغلغل الثقافي بدل الصدام المباشر، والاستثمار بدل الاحتلال

المعركة المؤجلة: معركة إستراتيجية

السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن السنوات الخمس إلى العشر المقبلة ستشهد مواجهة من نوع جديد؛ ليست مواجهة عسكرية، بل مواجهة إستراتيجية بين هوية المجتمع السوري ومحاولات الغرب فرض تأثيره عبر أدوات الاقتصاد والثقافة.

فحين يصبح للغرب نفوذ اقتصادي عميق في سوريا، سيستخدمه كورقة ضغط سياسية وأيديولوجية، كما فعل في دول عديدة.

الغرب ليس غافلا عن الهوية السورية ولا عن تاريخ الشام، لكنه يعتمد اليوم على النفوذ الاقتصادي بدل التدخل العسكري، والتغلغل الثقافي بدل الصدام المباشر، والاستثمار بدل الاحتلال.

وسوريا التي تدخل مرحلة “ما بعد الحرب” ستواجه في السنوات القادمة معركة أكثر تعقيدا: معركة الحفاظ على سيادتها وهويتها أمام قوة ناعمة تمتلك خبرة طويلة في إعادة تشكيل المجتمعات من الداخل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

ناشط إعلامي مهتم بالقضايا العربية والإسلامية

الجزيرة

——————–

الشرع بعد سنة على “سوريا الجديدة”.. نجاح خارجي ومعضلات داخلية/ ميخائيل هراري

وتيرة التطورات في المنطقة تبعث على الدوار. مع مرور سنة منذ انهيار نظام الأسد وقيام حكم الشرع في سوريا، يمكن القول، كقاعدة، إنها قصة نجاح مبهرة على مستوى العلاقات الخارجية، مقابل صورة أعقد بكثير في الساحة الداخلية.

العناق الإقليمي والدولي لحكم سوريا الجديد كان سريعا ًجداً، وهذا نابع من عاملين أساسيين: الأول، المقت الدولي لنظام الأسد، الذي أوجب تمسكاً بالبديل، على عيوبه. العامل الثاني يرتبط بالسياسة البراغماتية التي تبناها الشرع من يومه الأول في القصر الرئاسي. فقد ساعدت هذه السياسة في تهدئة علامات الاستفهام والمخاوف الكثيرة في نظرنا. ثلاثة لاعبين أدوا دوراً مركزياً في إعطاء الشرعية للشرع: ولي العهد السعودي، ورئيس تركيا وبالطبع رئيس الولايات المتحدة الذي استضاف زعيم سوريا في البيت الأبيض، لأول مرة في تاريخ علاقات الدولتين.

إن سلوك الشرع تجاه لاعبين اثنين هما إسرائيل وروسيا، يجسد البراغماتية الحكيمة التي اتخذها. حيال إسرائيل، دخل فوراً إلى مفاوضات غايتها إعادة إسرائيل إلى اتفاقات فصل القوات في 1974. أما حيال روسيا وإن لم ينس التأييد لنظام الأسد طول السنين، فإنه سافر إلى موسكو ونجح في إقامة منظومة علاقات مناسبة، بما في ذلك إبقاء وجود عسكري روسي في القواعد غربي الدولة. يعرف الشرع جيداً ضعفه، ويغطي عليه بالمرونة وحتى بالتباكي. وبهذا ينجح في تشويش خلفيته الإسلامية الراديكالية. وثمة ساحة أخرى، مشوقة ومهمة، وهي العلاقات مع لبنان. فبخلاف كل الأنظمة التي حكمت سوريا منذ الاستقلال، يوضح الشرع أن في نيته إقامة منظومة علاقات متساوية، تعترف بسيادة لبنان واستقلاله.

أما في الساحة الداخلية، فالأمر مختلف. صحيح أن الحاكم السوري أقام مؤسسات حكم تقوم على أساس الهيكل السلطوي الذي استخدمه في سنوات إدلب، بل وسرع في تبني صيغة جديدة من الدستور للدولة، لكن مسيرة إعادة توحيد سوريا تحت حكم مركزي لا تزال في بدايتها. المواجهات القاسية مع الأقليات العلوية في غربي الدولة ومع الدروز في جنوبها، أوضحت بأن الحديث يدور عن طريق متعثر. وذلك إضافة إلى التحدي الكردي في شمال سوريا، الذي له زاوية تركية استراتيجية. فضلاً عن ذلك، مسيرة ترميم الدولة منوطة بإزالة العقوبات الأمريكية على أمل أن يفي ترامب بكلمته وينفذ هذا حتى نهاية السنة.

التحدي السوري المركزي في 2026 هو في الساحة الداخلية ويرتبط بمدى نجاح الشرع في تحقيق توافقات مع الأقليات المختلفة مع التشديد على الأكراد. السؤال المركزي في هذا الشأن هو: هل ينجح الشرع في إيجاد الصيغة العجيبة التي تجسر بين رغبة الأكراد في الحفاظ على حكم ذاتي، وبين انخراطهم في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الجيش.

إسرائيل ملزمة بأن تصحو بسرعة وتتبنى تفكيراً جغرافياً سياسياً مرتباً يترجم تفوقها العسكري إلى تفاهمات سياسية مع سوريا. الوصول إلى اتفاق أمني، الذي تم التوافق على خطوطه الرئيسة، يخدمها. حذار أن تتخذ إسرائيل صورة من يسعى لإبقاء حالة الفوضى في سوريا وبذلك تصطدم مع “طالبي صالح” الحكم الجديد في دمشق.

 معاريف

 21/12/2025

 القدس العربي

———————————–

ألواح بيضاء تكشف إستراتيجية الرئيس الشرع قبل معركة ردع العدوان

عرضت قناة الإخبارية السورية أمس الأحد فيلما وثائقيا بعنوان “معركة ردع العدوان”، التي أطلقها الثوار يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وانتهت بسقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

الوثائقي الذي بثته القناة تناول التحضيرات الميدانية والسياسية التي سبقت المعركة، وصولا إلى دخول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة دمشق.

غير أن أكثر ما لفت انتباه رواد منصات التواصل الاجتماعي كان ظهور سبورة بيضاء كتب عليها الرئيس الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني نقاطا إستراتيجية تحدد ملامح المرحلة المقبلة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

هذا المشهد أثار فضول الجمهور، ودفع الكثيرين إلى السؤال عن مضمون تلك النقاط. ولم يمض وقت طويل حتى بادر بعض المتابعين إلى تفريغ ما كتب على الألواح، ليكشفوا أنها تمثل رؤية سياسية وخطابا موجها إلى الداخل السوري وإلى دول العالم، إضافة إلى خطوط عامة للمعركة.

المحتوى غير متاح بسبب إعدادات ملفات تعريف الارتباط الخاصة بك

أبرز ما ورد على الألواح

خطاب موجّه إلى روسيا: الدعوة إلى تحييد الموقف الروسي. التأكيد على أن العلاقة التاريخية بين موسكو ودمشق ليست مرتبطة بشخص النظام. الالتزام بألا تُستخدم سوريا للإضرار بالمصالح الإستراتيجية لروسيا أو للعالم. دعوة لوقف مساندة النظام والوقوف إلى جانب خيار الشعب.

أما بالنسبة للخطاب للعالم فورد فيه: التأكيد على أن نظام الأسد خدع الدول المتحالفة معه. وصفه بأنه مصدر للفوضى في المنطقة عبر أنشطة مثل تهريب الكبتاغون والتنسيق مع إيران وحزب الله. والتأكيد على فقدان أهليته السياسية وتحوله إلى مجموعة مليشيات تتحكم في القرار، مما أفشل أي تحالف إستراتيجي معه.

والإشارة إلى أنه مصدر قلق لدول الجوار: تدمير لبنان، وإثارة القلق في الأردن، ودعم المليشيات في العراق، وتهديد الأمن القومي التركي عبر الفشل في إدارة الملف الكردي والتسبب في موجات هجرة، والإضرار بأمن أوروبا بأكملها.

أما النقاط التي تهم جميع الطوائف في سوريا فتتضمن: التأكيد على استحالة إلغاء أو القضاء على الطوائف التي عاشت مئات السنين، والدعوة إلى حلول مستدامة تضمن العيش الآمن للجميع.

الإقرار بأن الثورة، بعد 14 عاما، مرت بعثرات وأخطاء وإنجازات، وخرجت بخبرات ودروس كبرى.

في حين كان الخطاب الموجه إلى فئات المجتمع يتحدث إلى تجّار سوريا وعشائرها ومشايخها، وإلى الأكراد واللاجئين. دعوة للابتعاد عن الأجندات الخارجية، والجلوس كسوريين لبناء وطن موحد يضمن الأمن والعيش الكريم للجميع، والتأكيد على دخول مرحلة نضج جديدة، لا تحتمل الخلافات وتقوم على الوعي والانضباط والوحدة، واعتماد منطق الدولة، لا منطق الفوضى.

وكانت هناك دعوة عامة وهي مناشدة أبناء الثورة اللحاق بالركب، واستثمار اللحظة التاريخية المصيرية في تاريخ سوريا والمنطقة. وضع الخلافات جانبا، والتركيز على أهداف نبيلة عليا. وبدء تاريخ جديد عنوانه: الوحدة، الرحمة، البناء، العدل، الكرامة، الانضباط.

ويرى بعض المراقبين أن هذا الخطاب السياسي الاستباقي يعكس بوضوح توجهات القيادة السورية الجديدة، وأن ما يلفت النظر فيه أنه لم يتطرق إطلاقا إلى ملف إسرائيل. ويُفسر ذلك بأن القيادة تنطلق من قناعة بأن هذا الكيان لا يمكن الوصول معه إلى أي تفاهم، وبالتالي تم إغلاق الملف بشكل كامل.

كما أشار محللون إلى أن هذه السياسة تنسجم مع توجه القيادة بعد التحرير نحو دعم التواصل المباشر مع الولايات المتحدة على اعتبارها “السيّد” لهذا الكيان، وأن طمأنة واشنطن بعدم تشكيل تهديد لمصالحها الاستراتيجية -ومنها الحفاظ على أمن إسرائيل- كفيل بضمان عدم تحرك الكيان ضد سوريا، مما يعكس فهما عميقا لطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

المصدر: الصحافة السورية + مواقع التواصل الاجتماعي

———————–

========================

تحديث 21 كانون الأول 2025

———————————–

 إنهاض سوريا من دمارها/ فايز سارة

ثمة ظاهرة تبدو عصية على الفهم في سوريا، وهي أن مؤشرات الفقر لا تعكس حقيقة واقعه. وإذا كانت أرقام المنظمات الدولية تجمع على تجاوز عدد الفقراء ما نسبته التسعون في المائة من إجمالي السكان، فإنَّ المؤشرات الظاهرة لا توحي بأن النسبة تتجاوز الثلاثين في المائة، أو الأربعين في المائة في الحد الأقصى، مما يعني أن نسبة الفقر في البلاد هي أقل من خمسين في المائة، وهو تقدير غير حقيقي، تختفي في خلفيته ممارسات وسياسات تجعل الفقر يخبئ مؤشراته، أو يخفف الظاهر منها. أول عوامل التخفيف من مؤشرات الفقر سياسة السترة الحاضرة والمستمرة في الحياة السورية، التي تعتبر الفقر عيباً أو ما يشبه العيب؛ فتعمل الأسر، كما يعمل الأفراد، على تخبئة الفقر بعفة النفس، وإظهار الاكتفاء في تلبية الاحتياجات الأساسية، خصوصاً في الطعام والشراب واللباس، وهي بوابات الصرف الأساسية، وهذه السياسة حاضرة في المدن والقرى على السواء، بل إنها في الأخيرة وفي بعض المناطق تبدو ظاهرة عامة لحماية المجتمع.

ثاني العوامل يستند إلى التضامن الاجتماعي، الذي ظهر في سنوات الثورة وحرب نظام الأسد على السوريين بمستويين: الأول تضامن الأفراد والعائلات بين الأصول والفروع والجوار في الاتجاهين، والثاني مستوى التضامن العام، وقد غطَّت تبرعات ومدفوعات السوريين في الخارج من أفراد وجماعات مدنية وأهلية قسماً كبيراً من احتياجات السوريين في مدن وقرى الداخل، وساعدت بعض السوريين المهجَّرين في بلدان، بينها لبنان وتركيا، وقد حملت التبرعات قرى ومدناً كاملة لسنوات طويلة، وساعدت إلى جانب التبرعات الدولية في حماية السوريين من الجوع وانهيار بنياتهم الاجتماعية بصورة شاملة، وإن كانت أضعفتها.

لقد ساهمت ممارسات وسياسات السوريين في سنوات الثورة الأولى (2011 – 2018) في التخفيف من مظاهر وآثار الفقر الذي سبَّبه الدمار والبطالة والتهجير، غير أن إطالة أمد الحرب، وتزايد وحشية نظام الأسد في نهب السوريين، ووقف المساعدات الدولية وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، فاقمت أوضاع السوريين، وأخذ الفقر ينشب أظفاره فيهم، ومظاهره تزداد حضوراً في حياتهم، إضافة إلى تعميم الفقر أيضاً وتجاوزه نسبة التسعين في المائة.

وبعد إسقاط نظام الأسد وولادة نظام جديد في سوريا، ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان الاتجاه إلى تأمين أوضاع السوريين ومراعاة ظروفهم المعاشية الصعبة، لا سيما لجهة مواجهة متطلبات الحياة الأساسية، وفيها تأمين الغذاء والماء، والسكن والصحة والعمل والتعليم، مما ولَّد حراكاً سورياً عامّاً في ثلاثة مستويات.

المستوى الأول قامت به الإدارة الجديدة، التي نشطت في إعادة بناء أجهزة ومؤسسات الدولة، وفق أسس جديدة، تقوم على خلاف ما كانت عليه المؤسسات السابقة، وإعادة تشغيلها، ورغم أنه كلف وقتاً وجهداً كبيرين، ونتائجه كانت أقل من المطلوب، بفعل عوامل داخلية وخارجية الأهم فيها تركة الدمار الثقيلة التي خلفها نظام الأسد في الداخل، والعقوبات الدولية المفروضة على سوريا، فقد تحققت خطوات مهمة في المستويين الداخلي والخارجي فتحت الأبواب، عبر سياسات وإجراءات تنظيمية وإدارية، تقود نحو تحسن الوضع.

المستوى الثاني مستوى من شراكة بين مؤسسات الحكومة والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية، وقد ولدت في حاضنة هذا المستوى حملات تبرع في أغلب المحافظات، وفي مدن وقرى فيها، تؤدي إلى إقامة مشروعات هدفها إنهاض الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

والمستوى الثالث، وهو الأهم بحكم قاعدته الشعبية، التي خلقت نشاطات في مجموعتين: الأولى فيها مكونة من منظمات عمل مدني وأهلي، بعضها قديم نقل نشاطاته من الخارج إلى سوريا، والبعض الآخر جرى تشكيل جماعاته ومنظماته في العام الماضي بعد سقوط النظام، والمجموعة الثانية من حلقات ومجموعات ومبادرات «غير منظمة» يقف خلفها ناشطون وفاعلون في المجتمع من رجال أعمال ومثقفين وطلبة جامعات وغيرهم، وتتشارك المجموعتان في تقديم الدعم والمساندة للسكان في البيئات المحلية، ويمتد طيف المساعدات والدعم في مجالات كثيرة، منها تقديم الدعم الإغاثي على نحو ما جرى في السنوات الماضية، لكن فيه أشياء جديدة ومحدثة، مثل التعليم والتدريب ودعم مشاريع العمل والتشغيل وخلق المبادرات في قطاعات الإنتاج والخدمات.

إنَّ التقييم الأولي لما يجري من مبادرات نحو تحسين أوضاع الفئات الضعيفة في المجتمع السوري في المستويات الثلاثة ليس كافياً ولا يلبي المطلوب، لكنه يعكس رغبة إيجابية في تصدٍّ عملي ومشترك لما يمثل حاجات ملحَّة من جهة، ويعكس إحساساً بأن تلك الأعمال تتطلب تشاركية سورية واسعة بين الدولة والمجتمع.

لقد قارب السوريون تحدي ظروفهم الصعبة بصورة تكاد تكون عفوية، ومن خلال مبادرات متعددة، وكثير منها عفوي أو تقليدي، مما يفرض ضرورة تقدم مؤسسات الدولة ومؤسسات وأصحاب الخبرة السورية لدعم تلك المبادرات وتطويرها وتثميرها إلى الحدود القصوى بحيث تكون الجموع السورية قوى في إنهاض سوريا من دمارها، وقوة تشارك بنشاط في إعادة إعمار سوريا المقبلة.

الشرق الأوسط

———————————–

نيويورك تايمز: تحوّلُ مُقاتل.. هل يستطيع أحمد الشرع أن يغيّر سوريا كما غيّر نفسه؟

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا يرصد التحوّل الجذري في مسار أحمد الشرع من قائد جهادي مسلّح إلى رئيس يسعى لقيادة سوريا نحو الاستقرار، متسائلًا عمّا إذا كانت براغماتيته السياسية كافية لترجمة تغيّره الشخصي إلى تغيير وطني حقيقي. ويخلص إلى أن نجاح هذا التحوّل لا يعتمد على إرادته وحدها، بل على قدرته على ضبط أنصاره، وبناء تسويات داخلية، والاستفادة من لحظة إقليمية ودولية متحوّلة قد تكون فرصة نادرة أو فخًا جديدًا.

وقالت الصحيفة: قبل سنوات طويلة من وصوله إلى قصر الرئاسة في دمشق، كان أحمد الشرع قائدًا لفصيلٍ جهادي مسلّح، متحالفًا مع تنظيم القاعدة. أرسل مفجّرين انتحاريين لاستهداف مواقع عسكرية، وتعهد بإقامة دولة إسلامية بالقوة.

اليوم، يرتدي بدلات رسمية، ينسّق لون ربطة عنقه مع أعلام الدول التي يزورها، ويُستقبل في البيت الأبيض.

إنه تحوّلٌ لافت، بل صادم، لكن الشرع ليس أول شخصية ذات “ماضٍ ثقيل”، على حدّ وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنتقل فجأة من هامش العنف إلى مركز السلطة. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط كيف وصل إلى هنا؟ بل: هل يمكن لمن غيّر مساره أن يغيّر بلدًا خرج لتوّه من حرب مدمّرة؟

وسيلةٌ لا غاية

تقول فيرونيك دودويه، الباحثة المتخصصة في تحوّل النزاعات في مؤسسة برغهوف ببرلين، إن حالة الشرع تحمل عناصر فريدة. فقد وصل إلى السلطة عبر الحسم العسكري، لا عبر مسار طويل من التسويات السياسية كما يحدث عادة في النزاعات الأهلية.

ومن هذه الزاوية، تبدو سرعة انتقاله من قائد تمرّد إلى رئيس دولة أمرًا غير اعتيادي. كما أنه يقود بلدًا يخرج من حرب شاملة، مثقلًا بانقسامات طائفية وإثنية عميقة، وبمجتمع منهك اقتصاديًا ونفسيًا.

ومع ذلك، تشير دودويه إلى أن التاريخ يقدم أمثلة قد تكون مفيدة لفهم هذا النوع من التحولات. من بينها مارتن ماكغينيس، القائد السابق في الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) الذي أصبح لاحقًا نائب الوزير الأول في أيرلندا الشمالية، وكذلك نيلسون مانديلا، الذي قاد كفاحًا مسلحًا ضد نظام الفصل العنصري قبل أن يصبح رمزًا عالميًا للمصالحة.

قد يبدو تشبيه الشرع بمانديلا مستفزًا، لكن ما يجمع بين هذه الحالات، كما تقول دودويه، ليس تشابه القيم أو السياقات، بل البراغماتية السياسية: إدراك أن العنف كان وسيلةً لغاية، ومعرفة اللحظة التي يجب فيها التخلّي عنه.

وقد ظهرت، حتى الآن، مؤشرات على أن الشرع يسلك مسارًا مشابهًا.

براغماتية محسوبة

يقول جيروم دريفون، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، الذي قابل الشرع مرات عديدة خلال العقد الماضي، إن الأخير ظل إسلاميًا، لكنه قطع علاقته بتنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، ثم بتنظيم القاعدة عام 2016.

لم يكن ذلك تحوّلًا فكريًا مجردًا، بل قرارًا عمليًا. فقد أدرك الشرع، بحسب دريفون، أن تطرف هذه الجماعات وعنفها غير المنضبط كانا ينفّران شريحة واسعة من السوريين ويقوّضان قضيته.

وعندما سيطر على إدلب، أنشأ شرطة دينية، لكنه تراجع عنها لاحقًا تحت ضغط الرفض الشعبي. كما خفّف من فرض تفسير صارم للشريعة الإسلامية، خصوصًا فيما يتعلق بالعقوبات الجسدية.

إن توحيد بلد منقسم يتطلب تسويات، والتسويات تحتاج قادة قادرين على التراجع، لا التصلّب الأيديولوجي.

معضلة القاعدة الشعبية

لكن التحوّل لا يقتصر على التفاوض مع الخصوم. الأصعب، كما تقول دودويه، هو إقناع الأنصار بقبول التنازلات، وهنا تصبح المصداقية عنصرًا حاسمًا.

كثير من القادة الذين انتقلوا من العنف إلى السياسة أمضوا فترات في السجن، ماكغينيس سُجن مرتين، ومانديلا قضى 27 عامًا خلف القضبان. السجن، كما ترى دودويه، ليس فقط زمنًا للتأمل، بل شهادة تضحية تمنح القائد شرعية التراجع عن العنف دون أن يُتّهم بالخيانة.

الشرع قضى هو الآخر وقتًا في السجون الأمريكية في العراق بسبب نشاطه الجهادي، لكن ربما تكون مصداقيته الأهم نابعة من كونه الرجل الذي أسقط نظام بشار الأسد، وهو إنجاز يمنحه هامشًا سياسيًا لا يُستهان به.

وقد استخدم هذا الرصيد بالفعل لاتخاذ قرارات مثيرة للجدل داخل معسكره: الانفتاح على الغرب، اعتماد خطاب محسوب تجاه إسرائيل، والسعي إلى دعم دولي لإعادة بناء سوريا.

لكن هذه الخيارات جاءت بثمن، فقد شهدت البلاد حوادث عنف طائفي تورطت فيها قوات حكومية، إضافة إلى أعمال تطرف عنيف، من بينها حادثة وقعت مؤخرًا وقد تكون إنذارًا مبكرًا بأن الخطر الأكبر قد يأتي من داخل المعسكر نفسه، من أولئك الذين لم يغادروا منطق الحرب.

لحظة إقليمية مفتوحة

في النهاية، لا يتوقف مصير تحوّل الشرع- ولا تحوّل سوريا- على شخصه وحده، فالبيئة الإقليمية والدولية تلعب دورًا حاسمًا.

انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تزامن مع نهاية الحرب الباردة، حين فقد الغرب مصلحته في دعمه. واتفاق “الجمعة العظيمة” في أيرلندا الشمالية استفاد من مشروع الاندماج الأوروبي، الذي أعاد تعريف العلاقات بين الخصوم.

الشرع يتولى السلطة في شرق أوسط يتغير بسرعة. تراجع النفوذ الإيراني- الذي كان ركيزة أساسية لنظام الأسد- كان أحد العوامل التي سمحت بوصوله إلى الرئاسة أصلًا.

ما إذا كانت هذه التحولات ستساعده على بناء سوريا جديدة أم ستغرقه في صراعات جديدة، لا يزال سؤالًا مفتوحًا، فالمهمة ثقيلة إلى حدٍّ يجعل من الصعب تخيّل من يمكنه إنجازها بنجاح.

وربما، في مفارقة لافتة، تكون فرص أحمد الشرع- بكل تناقضاته وماضيه- أفضل من فرص كثيرين غيره

القدس العربي

———————————–

قصة “الملثم خالد” الشاب الذي كان “مفتاح النصر” لحلب

عمر زقزوق

أصبح اسم “الملثم خالد” حديث منصات التواصل الاجتماعي السورية خلال الأيام الماضية، بعد أن ظهر شاب يخفي ملامحه خلف قناع وهو يتبرع بسلاحه الشخصي لمصلحة حملة “حلب ست الكل”.

غير أن هذا الشاب الذي اختار إخفاء هويته لعب دورا محوريا في تحرير مدينة حلب من نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد أواخر عام 2024.

ففي الفيلم الوثائقي “العبور إلى دمشق”، من إنتاج منصة “سوريا الآن” التابعة لشبكة الجزيرة، كشف اللواء عبد القادر طحان، معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية، أن الشاب الملثم كان أحد أهم العناصر الاستخبارية للثوار داخل حلب، فقد نجح على مدى 4 سنوات في إيصال معلومات حساسة عن تحركات النظام وغرف عملياته إلى قيادة الثورة في إدلب.

ووفق ما أورده اللواء طحان، فقد تسلل خالد في عام 2021 إلى مدينة حلب الخاضعة لسيطرة النظام، وقام بتسوية وضعه للانضمام ظاهريا إلى قوات الأسد، لكنه كان في الحقيقة “عين الثورة” داخل صفوف النظام.

ومن خلال عمله السري، تمكن خالد من جمع تفاصيل دقيقة عن الخطط والتحركات العسكرية، وأسهم في وصول مقاتلي العصائب الحمراء إلى مقر اللجنة الأمنية والعسكرية بحلب.

هذه العملية النوعية أسفرت عن مقتل المستشار العسكري الإيراني المعروف بـ”الحاج هاشم”، إضافة إلى رئيس فرع الأمن العسكري ورئيس قسم الإشارة والعمليات، و12 من كبار ضباط القيادة والسيطرة في جيش النظام السوري.

وعلى منصات التواصل، تساءل كثيرون: من الملثم خالد؟ وجاءت إجابات المدونين لتؤكد أن هويته لا تزال مجهولة لكثيرين، رغم بطولاته التي أسهمت في تغيير مسار المعركة.

واعتبره بعضهم “مفتاح النصر لحلب”، والبطل الذي عاد إلى مناطق النظام في وقت مبكر ليخطط من الداخل ويخاطر بحياته من أجل الثورة.

ويعرف خالد أيضا بأنه أحد مقاتلي العصائب الحمراء وهي قوات النخبة في هيئة تحرير الشام وهو من ريف حلب الغربي.

وكان الملثم خالد واحدا من العناصر الخمسة الذين نفذوا العملية النوعية لاستهداف غرفة قيادة العمليات قبيل انطلاق عملية “ردع العدوان”

وأضاف هؤلاء قائلين: “واليوم، عاد ليشارك في حملة حلب ست الكل”، متبرعا بمسدسه الشخصي الذي وصل سعره في المزاد العلني إلى مليون دولار، قبل أن تشتريه شركة وتعيده إليه، وفاء وتقديرا لدوره.

الجزيرة

—————————

النص الحرفي لخطاب الرئيس السوري في “يوم التحرير

ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع خطابا في الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الاسد في 8 ديسمبر/كانون الاول، في قصر المؤتمرات بدمشق.

وأعلن الشرع في “يوم التحرير” عن قطيعة تاريخية مع حقبة الاستبداد والطغيان إلى فجر جديد قوامه العدل والإحسان والمواطنة والعيش المشترك، مشدداً على أن حق الشعب في المعرفة والمساءلة، ثم المحاسبة أو المصالحة هو أساس استقرار الدولة وضمان لعدم تكرار الانتهاكات.

هنا النص الكامل للخطاب:

إلى الأبطال الذين حرّروا البلاد بدمائهم والأمهات اللواتي صبرن على الفقد واحتفظن بالأمل في قلوبهن رغم الألم، إلى الأبناء الذين فتحوا عيونهم على اليتم ومرّوا بظلام الفقد قبل أن يعرفوا معنى الحياة، وإلى الشعب السوري العظيم الذي صمد رغم كل الصعاب وواجه سنوات من القهر والظلم داخل البلاد وخارجها، إليكم أيها الحاضرون في قلب التاريخ وأنتم تشكلون صفحة من صفحات البطولة وحكاية من حكايات النصر العظيم، نبارك لكم جميعاً ذكرى تحرير سوريا من الطغيان والاستبداد وعودة الوطن إلى أهله شامخاً حراً عزيزاً كما كان دوماً.

لقد فقدنا الشام درة الشرق لأكثر من خمسة عقود، وحاولوا فيها سلخها عن هويتها وحضارتها وعمقها التاريخي، وسعوا عبثاً لدفنها مراراً وتكراراً، ولكن أنّى للأقمار أن تخفى وجوهها، وأنّى للشمس أن يحجب نورها.

هنا الشام، من هنا عبرت البشرية، ومن هنا ستعود من جديد، ومن هذه الأرض الطاهرة تسللت إلى قلوب البشر نسائم الإيمان، ومن هنا أدرك الناس معنى الإنسانية والوفاء والعدل والحكمة وتوارثوها جيلاً بعد جيل.

لقد كانت حقبة النظام البائد صفحة سوداء في تاريخ بلدنا، استحكم فيها المستبد حيناً من الزمن، ثم ما لبث أن هوى، لتشرق من جديد أنوار البصيرة وحسن الحوار وجسور المحبة والإخاء، وباتت الشام مهوى الأفئدة ومحط القلوب وميزان المصالح، وتغيرت حكايات الناس عن سوريا وأهلها من الإشفاق إلى الإعجاب والاعتزاز، وأدركت الأبصار عمود الكتاب يضيء نوره من جديد، كل ذلك في عام واحد ولله الحمد.

ما أعجبك يا شام، ففيك الخير وحسن المعشر وأطيب القلوب وأفطن العقول وألمع الأذهان، وكان أهلك أشد بأساً حين سلبت الحقوق وأهينت الكرامة، وأدركوا مبكراً أن الحقوق تنتزع لا توهب، وأن للحرية ثمناً يجب وفاؤه، وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرا، فكان لكل ذلك جميل العطاء.

لقد عمد النظام البائد إلى زرع الفتنة والتفرقة بين أبناء شعبنا، وبثّ الشك في قلوب وعقول السوريين، فأقام بين السلطة والشعب سدوداً من الخوف والرعب، وحوّل عقد المواطنة إلى صك ولاء وعبودية، وأضعف عزيمة الناس وأفقدهم الثقة بأنفسهم، وجرّ بلدنا إلى أدنى المراتب في مختلف المجالات والاختصاصات، وأسّس لكيانٍ يقوم على اللاقانون ونشر الفساد والرشى، وأمعن في إفقار الشعب وتجهيله وحرمانه من حقوقه المدنية والسياسية، وباتت الكلمة جريمة، والإبداع وصمة عار، وحب الوطن تهمة وخيانة.

أما اليوم ومع إشراق شمس الحرية، فإننا نعلن عن قطيعةٍ تاريخيةٍ مع ذاك الموروث، وهدماً كاملاً لوهم الباطل ومفارقة دائمة لحقبة الاستبداد والطغيان إلى فجرٍ جديدٍ قوامه العدل والإحسان والمواطنة والعيش المشترك والإبداع والتألق في بناء الوطن.

إن نهاية معركتنا مع النظام البائد لم تكن إلا بداية لمعركة جديدة في ميادين العمل والجد والاجتهاد، معركة مقاربة الأقوال بالأفعال والعهود بالوفاء والقيم بالامتثال، لقد منحنا الشعب الثقة بعد سنوات من القهر والظلم، وأودعنا أمانة المسؤولية، فليكن شعارنا الصدق وعهدنا البناء.

منذ اللحظة الأولى للتحرير تجوّلنا في المحافظات، واستمعنا لهموم الشعب ومطالباته، وعليه وضعنا رؤية واضحة لسوريا الجديدة، دولة قوية تنتمي إلى ماضيها التليد وتتطلع إلى مستقبلها الواعد وتعيد تموضعها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي والدولي، وعملنا على تعريف العالم بهذه الرؤية، فاستقبلنا الوفود وزرنا البلدان، وأسهمت جهود الدبلوماسية السورية في تغييرٍ جذريٍّ لصورة سوريا في الخارج، وجعلها شريكاً موثوقاً لدول المنطقة والعالم.

وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثماري، عقدنا شراكات إستراتيجية مع دولٍ صديقة في قطاعات حيوية، شملت الطاقة والموانئ والمطارات والعقارات والاتصالات، وأسهمت هذه الشراكات في تعزيز التعافي الاقتصادي وفتح أبواب الاستثمار وخلق فرص العمل وتحسين بنية الاقتصاد الوطني.

أما على مستوى الحياة والمعيشة، فقد حرصنا على ترشيد السياسة الاقتصادية لتنعكس مباشرة على المواطنين، فرفعنا مستوى الدخل تدريجياً وخففنا المعاناة وأرسينا بيئة أكثر استقراراً وعدالة.

كما دمجنا القوى العسكرية المختلفة ضمن جيشٍ وطنيٍّ موحد قائم على المهنية وولاء المؤسسة للوطن، ما أسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في الوطن.

واليوم ونحن نخطو خطواتنا على طريق بناء سوريا الجديدة، نؤكد التزامنا بمبدأ العدالة الانتقالية لضمان محاسبة كل من انتهك القانون وارتكب جرائم بحق الشعب السوري مع الحفاظ على حقوق الضحايا وإحقاق العدالة، فحق الشعب في المعرفة والمساءلة، ثم المحاسبة أو المصالحة، هو أساس استقرار الدولة وضمان لعدم تكرار الانتهاكات، وهو حجر الأساس لبناء الثقة بين المواطن والدولة.

رويترز رويترز

سوريون يحتشدون وسط مدينة حلب شمال البلاد، في الذكرى السنوية الأولى لسقوط بشار الأسد في 8 ديسمبر 2025

ولا ننسى أبداً المفقودين وأسرهم الذين يمثلون قضية إنسانية لها الأولوية، لا مساومة فيها، ونحن ملتزمون بالبحث عن الحقيقة دون توقف.

أيها الشعب السوري الكريم، لقد أثبتم للعالم أن النصر مجرد بداية، فتعالوا بنا جميعاً نكمل الحكاية، حكاية شعب صمد وصبر، فأعزّه الله ونصره، تعالوا لنجعل من النصر مسؤولية تتجلى فينا جدّاً وعملاً وعدالة ورحمة، لننهض بوطننا الحبيب نحو مصافّ الدول المتقدمة.

وفي الختام، إلى أولئك الذين مهّدوا الطريق لنا بدمائهم وعذاباتهم وجراحهم وآلامهم، من مجاهد وأسير وشهيد وجريح وثائر ومكافح، ولأسرهم أجمعين، كل التحية والسلام.

———————————–

========================

تحديث 19 كانون الأول 2025

———————————–

 سوريا ما بعد الأسد: برهان غليون يشرح مرحلة عام التغيير الأول/ أنيس المهنا

الجمعة 2025/12/19

في أجواء باردة تحاول استشراف مستقبل سوريا بعد خمسين عاماً من حكم الأسدين، استضاف منتدى بردى ومبادرة نرتقي، بالتعاون مع حركة مدنية في بيت فارحي بدمشق القديمة، المفكر السوري الدكتور برهان غليون.

جاءت الندوة كمحاولة جريئة لتشريح حصاد العام الأول بعد سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، وقراءة التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية، واستشراف آفاق المستقبل السوري. وأكد غليون  رغبته في الاستماع إلى الحضور لفهم الواقع السوري بشكل أعمق، معتبراً أن الهدف الأساسي اليوم هو “توجيه الفعل وليس فقط الإدانة”، والبحث عن مسارات للمساهمة في التغيير الإيجابي بغض النظر عن رغبة السلطة.

حصاد أولي إيجابي

أكد غليون أن أهم إنجاز تحقق خلال العام الأول بعد سقوط النظام هو “زوال الرعب المطلق” الذي كان يخيم على الشعب السوري. فالناس الذين كانوا “يرشون الملح على جراحهم” ويسعون للهروب من البلد، بدأوا يتكلمون وينتقدون الأخطاء بصراحة. وبرزت معارضة حقيقية، وإن لم تكن منظمة بالكامل، مما يشير إلى وجود مساحة من الحريات تسمح بإعادة بناء القوى الاجتماعية والنقابية والسياسية. وأشار إلى أن ارتفاع سقف التوقعات الشعبية بتحسين الأجور والخدمات، وتوسع نطاق التواصل المجتمعي عبر المنتديات التي تشهد صراعات فكرية وسياسية، كلها علامات على تحول إيجابي. ولفت إلى أن “الأمل أصبح القاطرة” التي تدفع السوريين نحو العمل بعد سنوات من اليأس، مع تحسن نسبي في الخدمات، وإن كان الناس ما زالوا يتحملون عبئها.

عوائق التحول الديمقراطي

انتقد غليون أداء السلطة الانتقالية بقوة، معتبراً أنها أخفقت في مجالات كان من السهل معالجتها اذا جاز التعبير. وأكد أن “العدالة الانتقالية” هي المدخل الأساسي لدولة القانون، وأن تجاهلها يؤدي إلى استمرار جراح الماضي ورغبة الضحايا في الانتقام، ورغبة المتورطين في التشويش على الاستقرار. ودعا إلى خطوات رمزية و أخرى جوهرية مثل استقبال رئيس الجمهورية لأهالي الضحايا، وتحويل السجون الرهيبة (صيدنايا وغيره) إلى متاحف لحفظ الذاكرة الجمعية.

كذلك، اعتبر غليون أن السلطة أخطأت في إدارة الملف التفاوضي مع إسرائيل، حيث فتحت مفاوضات بدون تفاهم مسبق مع الدول المؤثرة، مما أدى إلى وصول التغوّل الإسرائيلي إلى أبواب العاصمة.

كما انتقد الإعلان الدستوري، مقترحاً أن تصوغ السلطة إعلان مبادئ بسيط يلتزم بالقانون حتى إقرار قوانين جديدة، وأن تعلن بوضوح أن الوضع استثنائي وأن الشعب سيقرر مصيره بعد عامين أو ثلاثة على الأكثر عبر انتخابات ديمقراطية حقيقية.

التحدي المجتمعي

توقف غليون مطولاً عند التحديات المجتمعية العميقة، محذراً من خطورة “حالة الاستقطاب” التي يتحول من خلالها أي خلاف بسيط إلى أزمة كبرى، كما حدث في الجنوب والسويداء، والساحل، حيث تحولت المطالبات السياسية إلى نزاعات مفتوحة. وأشار إلى عودة ظهور “العصبيات العشائرية والطائفية والإثنية”، مما يعكس جذوراً أعمق في بنية المجتمع السوري. وتساءل: كيف يمكن تغيير هذه البنى الراسخة على أرض الواقع؟ مؤكداً أن المهمة لا تقع على عاتق النخب وحدها، بل تحتاج إلى عمل ثقافي وإعلامي مستمر لترسيخ فكرة أن “الشعب هو مصدر السلطة”، وهي فكرة لا تزال غائبة عن وعي الكثيرين.

المجتمع المدني لبناء مستقبل سوريا

اختتم غليون مداخلته بالتأكيد على الدور المحوري للمجتمع المدني، الذي وصفه بـ”المروحة الواسعة” التي تضم النقابات ولجان الأحياء والأحزاب. واعترف بفشل النخب المعارضة في قيادة الثورة بشكل مناسب، لكنه شدد على أن “الثورة لم تفشل”، لأن تطلعات الشعب نحو الحرية والتخلص من الاستبداد ما زالت حيّة. وفسّر وصول أشخاص غير منتمين للثورة إلى الحكم بأنه دليل على أن الثورة هي التي أوصلتهم، معتبراً أن الإسقاط الفعلي للنظام كان بفعل الشعب، بينما كان الفشل في “إيصال الثورة إلى بر الأمان” بسبب القيادة غير الملائمة للمعارضة. ودعا إلى تعزيز المجتمع المدني كقوة ضاغطة وفاعلة في صناعة المستقبل السوري الديمقراطي.

المدن

—————————————

سورية في العهد الجديد.. مسار بناء المؤسسة العسكرية/ نوار شعبان قباقيبو

19 كانون الأول/ديسمبر ,2025

تتناول هذه الورقة مسار التحوّل من جيش النظام السابق إلى جيش الدولة السورية الجديدة، بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، مركزةً على التحديات البنيوية والسياسية التي واجهت إعادة بناء المؤسسة العسكرية، خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية، حيث اعتمدت الحكومة الانتقالية -برئاسة أحمد الشرع- على دمج الفصائل التي شاركت في التحرير، ضمن هيكل مؤسسي موحّد من فرق وألوية ووحدات خاصة، مع الاستفادة من خبرة الضباط المنشقّين، بهدف تشكيل جيش قادر على حماية الدولة والمجتمع، على أساس عقيدة وطنية جديدة تقوم على سيادة القانون والولاء للدولة، لا للأطر الفصائلية أو الطائفية.

وقد واجهت عملية البناء إشكالات معقّدة؛ أبرزها استمرار الإرث الفصائلي داخل الوحدات المدمجة، وضعف التأهيل العقائدي والسلوكي للمقاتلين، وما يترتب على ذلك من سلوكات عنيفة، وضعف الثقة بين الجيش والمجتمعات المحلية. وكان ملفّ الضباط المسرّحين من جيش النظام السابق، وعدم حسم دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ووجود مقاتلين أجانب (مثل الحزب الإسلامي التركستاني)، ووجود قادة مصنّفين على لوائح العقوبات الدولية في مواقع حسّاسة، من العوامل التي تهدد تماسك المؤسسة وشرعيتها الداخلية والخارجية معًا. ويتقاطع كلّ ذلك مع انخراط دمشق في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم (داعش)، الذي يوفّر فرص دعم وتدريب، لكنه يفرض في الوقت نفسه التزامات سياسية وقانونية دقيقة.

تخلص الورقة إلى أن نجاح الجيش السوري الجديد مرهونٌ بقدرة القيادة الانتقالية على تحويل هذه القوة العسكرية، من امتداد للفصائل المنتصرة، إلى مؤسسة وطنية جامعة، عبر إعادة صياغة العقيدة العسكرية، وضمان تمثيل متوازن يعكس التنوع السوري من دون محاصصة، وإخضاع المؤسسة لرقابة مدنية وقضائية فعالة، ومعالجة الملفات الحساسة ضمن إطار عدالة انتقالية واضح. ومن ثم، فإن الطريقة التي يُعاد بها بناء الجيش اليوم ستُحدّد إلى حدّ كبير مآلات الانتقال السياسي في سورية واستقرارها على المدى الطويل.

تناقش الورقة بالتفصيل ست نقاط أساسية في الموضوع: أولًا ملامح الجيش السوري قبل سقوط النظام؛ ثانيًا خريطة السيطرة الجديدة وملامح المشهد العسكري في سورية بعد التحرير؛ ثالثًا البنية التأسيسة للجيش السوري الجديد؛ رابعًا دروس مستخلصة من التجارب الدولية في إعادة بناء الجيوش بعد النزاعات؛ خامسًا ملامح المؤسسة العسكرية بعد عام على الانتقال مع قراءة في النجاحات والتحديات؛ سادسًا متطلبات تحوّل الجيش السوري الجديد إلى مؤسسة وطنية جامعة.

لقراءة الورقة كاملة، يرجى تحميل الموضوع

تحميل الموضوع

مركز حرمون

———————————–

========================

تحديث 18 كانون الأول 2025

———————————–

سوريا ومعركة المعنى: حين يصبح خلط الأوراق أداة الخصومة/ وائل مرزا

خلال الفترة الأخيرة، ومع تعثّر الأساليب التقليدية في الطعن بالدولة السورية الجديدة، أو في شيطنة المجتمع السوري بشكل مباشر، بدأت تتكاثر مقاربات مختلفة، أكثر لؤماً، في الخطاب العام المتعلق بسوريا. وهذه المرّة، لم تعد الهجمة تأخذ شكل التخوين الصريح، ولا الطائفية الفجّة، ولا الاتهام المباشر باللاشرعية كما في الأشهر السابقة، لكنها انتقلت إلى صيغة أكثر دهاءً على شكل نصوص تتزيّا بلباس التحليل الاجتماعي، وتدّعي الموضوعية الأخلاقية، وتقدّم نفسها بوصفها «مراجعة عقلانية» أو «نقداً قاسياً للذات»، بينما تقوم في جوهرها بوظيفة سياسية واحدة تتمثل في الطعن الجذري بالدولة السورية وبالمجتمع السوري معاً، ولكن بأسلوب ناعم، متخفٍ، وملتبس.

هذه النصوص لا تقول صراحة إن الدولة الجديدة فاشلة، ولا تزعم علناً أن السوريين غير مؤهّلين لبناء دولة، لكنها تبني روايةً أخطر تتمثل في تقديم سرديةِ تذويب الفروق، ومحو السياق، وتسوية التاريخ، بحيث يبدو كل شيء واحداً، وتبدو كل التجارب متشابهة، وكل الأخطاء متساوية. خاصةً في معرض المقارنة بين عقود حكم الأسدَين، وعامٍ مضى من دولة التحرير. وهذا انتقالٌ من الهجوم المباشر إلى الهجوم عبر «التعميم الرحيم»، ومن الإدانة الصريحة إلى الخَلط الأخلاقي المُمنهج.

في هذا السياق، برزت نصوص بعينها تركز، بتكرار، على خلاصة خطيرة مفادها أن المشكلة في سوريا لم تكن يوماً في السلطة أو في بنية الحكم، كما يعتقد السوريون، ظلماً! إنها في «زمرة» اجتماعية أزلية، موجودة في كل عهد وكل نظام وكل طائفة. بهذه السهولة، يُمحى تاريخ الاستبداد، وتُغسل مسؤوليات الدولة الأمنية، ويُعاد تحميل المجتمع ككل وِزرَ ما كان في جوهره نتاجَ منظومة حكم محددة، صنعت أدواتها، وربّت طبقاتها الوظيفية، وأدارت البلاد عبرها لعقود.

ما يجعل هذه المقاربة شديدة الخطورة أنها لا تبدو عدائية للوهلة الأولى. بل إنها، على العكس، تبدو ساخرة، وربما «ناضجة»، ومتعاليةً على الصراع، وكأنها تقول: لنتجاوز السرديات، ولننظر إلى «الإنسان» كما هو، غير أنها تمارس، في العمق، فعلاً سياسياً بالغ القذارة حين تساوي بين دولة الاستبداد الأسدية وشبيحتها من جهة، ودولة التحرير ومجتمعٍ يحاول التعافي، من جهةٍ ثانية، بمعنى أنها تضع الجلاد والضحية في الكفة ذاتها، ثم تُسمّي ذلك موضوعية.

والخلل الجوهري في هذا الخطاب أنه ينقل النقاش من بنية السلطة والسياسة إلى «طبيعة السوريين»، ثم يعيد تحميل المجتمع مسؤولية ما كان في جوهره نتاج دولة قمعية منظّمة. فحين يُقال إن المشكلة في «ناس عديمي الأخلاق موجودين في كل زمان» مثلاً، فإننا لا نكون أمام تحليل اجتماعي، وإنما أمام غسلٍ سياسي للتاريخ. فالفاعل الحقيقي يُسقَط، هنا، من السرد، والجريمة تُذاب في ضباب الاجتماع. وهكذا تُسرِّبُ هذه النصوص لنا، كسوريين، أن الشبيحة لم يكونوا وظيفة سلطوية محمية، وذراعاً إراديةً للقتل والإجرام. وإنما، كل ما في الأمر، أنهم مجرد أفراد سيئي السلوك ظهروا من تلقاء أنفسهم.. وهاهم يُعاودون الظهور في دولة الشرع بنفس الطريقة.

إن تصوير الشبيحة بوصفهم «ظاهرة اجتماعية أزلية»، موجودة في كل مجتمع وكل طائفة وكل زمن، وكأن خمسين عاماً من تفكيك السياسة، وتجفيف المجتمع، وتحويل الولاء إلى شرط للبقاء، لم تكن عاملاً حاسماً في إنتاج هذه الطبقة. إن هذا الطرح مريحٌ للجلاّد، لأنه يقول له: لستَ أنت المشكلة! وهو مُنهِكٌ للضحية، لأنه يقول لها: لا حقّ لك في التمييز، فالانحطاط واحدٌ دائماً.

ثم إن في تلك المقولة اختصاراً كسولاً للتاريخ، لأنه يتجاهل أن التطبيل لم يكن ممارسة اجتماعية حرّة.. فالسوريون يعلمون أنه كان وظيفةً سلطوية محمية ومكافَأة، لها أدواتها وأجهزتها ومساراتها في الجيش، والأمن والإعلام والاقتصاد. والشبيحة لم يظهروا في كل محفل لأنهم موجودون بالفطرة، وإنما لأن السلطة فتحت لهم المنابر، ووفّرت لهم الحصانة، وربطت صعودهم الاجتماعي بولائهم السياسي. ونزعُ هذا السياق هو غسيلٌ سياسيٌ متعمّد.

الأكثر تدنياً في هذه المقاربات هو مساواتها بين التطبيل القسري في ظل القمع، والتعبير الفوضوي في فضاء عام جديد. فالهتاف للأسد تحت سطوة الأمن والسلاح، ليس فعلاً أخلاقياً مكافئاً للتأييد أو المعارضة في مرحلة انتقالية مفتوحة. وتحويل هذا الفرق الجوهري إلى تفصيل ثانوي، هو تزوير أخلاقي لا يقل خطورة عن التزوير السياسي.

لقد بات ما نراه اليوم في معرض الموجة الجديدة للهجوم على سوريا، دولةً ومجتمعاً، ظاهرة خطابية متكاملة أخذت تتسع في الفضاء السوري بعد فشل الأساليب القديمة في الطعن بالدولة الجديدة، أو في شرعنة القطيعة معها. وجوهر هذه الظاهرة هو الانتقال من نقد السلطة بوصفها فاعلاً سياسياً محدداً، إلى نقد المجتمع بوصفه مشكلة بنيوية، ومن تحميل نظام الأسد مسؤولية تاريخية واضحة، إلى تعميم أخلاقي يذيب المسؤولية في «الناس» و»العقل الجمعي» و»الثقافة». وهذا التحول ليس بريئاً ولا تطوراً فكرياً، بقدر كونه انسحاباً متعمّداً من السياسة إلى أخلاق مُسيَّسة.

وهذه الظاهرة تقوم، منهجياً، على خطأ قاتل يتمثل في نزع السياق. فهي تتعامل مع خمسين عاماً من الاستبداد كما لو كانت مجرد «سلوك اجتماعي متكرر»، بدل التوضيح بأنها منظومة حكم قمعية لها أدواتها ومؤسساتها وآلياتها في إنتاج الولاء والتطبيل والشبيحة. وحين يُقال عن السوريين بأنهم طبّلوا لنظام الأسد خمسين سنة، فإن هذا يمحي الفرق بين من طُبّق عليه القمع، ومن كان أداة له، ومن قاوم ودفع الثمن، ومن صمت خوفاً، وبحيث يُختزل الجميع في كتلةٍ أخلاقية واحدة. وهذا أقرب لأن يكون إعادة كتابة للتاريخ من وجهة نظر مريحة للجلاد، بدل أن يكون تحليلاً اجتماعياً.

أما سياسياً، فإن هذه المقاربة تؤدي وظيفة واضحة تتمثل في تفريغ الفضاء العام من المعنى. فهي لا تهاجم مفهوم الشبيحة لتفكيكه، ولا تنتقد التطبيل لإنهائه، ولا تحذّر من الضجيج السياسي لحماية الدولة. إنها تفعل ذلك لتعميم منطق (التشبيح)، ولتحويله إلى قدرٍ أبدي لا جدوى من مقاومته، ولتجريم أي اصطفاف أو حماسة أو مشاركة عامة بوصفها تكراراً للانحطاط ذاته. والنتيجة العملية لهذا الخطاب هي الدعوة الضمنية إلى الـ «لا موقف»، والانسحاب، والبرود الأخلاقي، وتقديم ذلك كله بوصفه «نضجاً» و»تعلّماً من التجربة».

أما الادعاء بأن هذا الخطاب «موضوعي» أو «قاسٍ بعدالة على الجميع»، فهو ذروة الانتكاس التحليلي. فالعدالة لا تعني التسوية بين المختلفين أخلاقياً، ولا تعني محو السياق، ولا التعامل مع النتائج وكأنها أسباب. الموضوعية الحقيقية تميّز بين من صنع المنظومة ومن أُكره على العيش داخلها، بين من مَارسَ القمع ومن تكيّف معه خوفاً أو فقراً أو جهلاً، وبين من يريد تفكيك هذا الإرث ومن يريد تعميمه بحجة الواقعية.

إن بناء الدولة لا يبدأ بإنكار الفروق، ولا يُحمى بتذويب الجرائم في مقولات اجتماعية فضفاضة. إنه يبدأ بالتمييز الصارم بين من مَارسَ الجريمة ومن دفع ثمنها، بين منظومة حُكم دمّرت الإنسان، ومحاولة – مهما تعثّرت – لإعادة بنائه. أما النصوص التي تخلط كل ذلك وتسمّي نفسها «درساً في النضج»، فهي ليست درساً إلا في الانحطاط التحليلي.

في المحصّلة، نحن أمام موجة جديدة من الخطاب، لا تقل خطورة عن الخطابات القديمة التي فشلت. الفارق الوحيد أنها أكثر ذكاءً، وأكثر تمويهاً، وأشد قدرة على التسلل إلى الوعي العام. وفهُم هذه الظاهرة، وتسميتها باسمها، ليس ترفاً فكرياً… إنه ضرورةٌ لحماية المعنى، وحماية الدولة، وحماية حق السوريين في التمييز بين جلادهم وتجربتهم الجديدة، مهما كانت صعبة ومليئة بالأخطاء والعثرات.

«كاتب من سوريا

القدس العربي

————————————-

ما الذي يتعلمه أحمد الشرع من إخفاقات ليبيا والعراق/ كمال علام

يتيح الرئيس السوري للجميع وقتا للتكيف مع الواقع بدلا من ردود الفعل المتسرعة

17 ديسمبر 2025

مرّ عام كامل على سقوط الأسد ولم تتحقق كثير من الكليشيهات التي هيمنت على خطاب السياسة في المشرق، مثل تفكك سوريا على أسس عرقية ودينية، وفق السيناريو الذي رسمه أصحاب نبوءات الخراب، أي مقولة “الأسد أو لا أحد”.

وكنت واحدا من أولئك المتشائمين الذين تنبأوا بالخراب والظلام، وسعدت لأن الأحداث أثبتت خطأهم. وللتوضيح، ما زال الوقت مبكرا للحكم النهائي، غير أن إنجازات الحكومة التي يقودها الرئيس أحمد الشرع فاقت التوقعات وأدهشت الجميع من بكين حتى واشنطن. وبينما ما زال الجدل قائما حول مجازر الساحل والدروز، يتبدى الدرس الأوضح الذي استخلصه الشرع مستمدا من عراق ما بعد صدام، وليبيا ما بعد القذافي. فقد أنجز انتقالا سلسا للحكم في دولة مُفرغة من مؤسساتها أنهكتها حرب أهلية دامية امتدت أربعة عشر عاما، وسارع إلى تبني قدر كبير من الانفتاح والمرونة في السياسة الخارجية في قطيعة مع تشدد الدولة السورية البعثية السابقة ومع النهج الذي ساد أيضا بعد سقوط نظامي صدام والقذافي.

درس مستفاد من العراق

يتحدث كثيرون عن كيف أدت عملية اجتثاث “البعث” في العراق إلى ملايين الرجال العاطلين عن العمل المستعدين لحمل السلاح، ليس فقط في وجه القوات الأميركية والبريطانية، بل أيضا في مواجهة نمط الحكم الشيعي المتأثر بإيران الذي هيمن على عراق ما بعد صدام. وبعيدا عن تجريد الجيش والشرطة من سلاحهما، أبعدت الإدارة الأميركية بقيادة بول بريمر مئات آلاف العراقيين المتعلمين من أطباء ومحامين وموظفين مدنيين، ممن لم يكن لهم دور في الطبيعة الاستبدادية أو في قمع “دولة البعث”. ويشكل هذا العامل الفارق الذي يميز الإدارة الحالية التي يقودها الشرع. إذن، ما أكبر درس استخلصه الشرع من تجربة العراق؟

أعاد الشرع بالفعل عددا من أكفأ الدبلوماسيين في وزارة الخارجية السورية ووزارة الداخلية إلى مناصبهم. ولمدة أشهر أبقى أيضا على السفراء المحسوبين على التعيينات السياسية في عهد الأسد بينما كان يدير مفاوضات المرحلة الانتقالية في بدايتها. ولم يعزل أصحاب المناصب الحساسة في السعودية أو لدى الأمم المتحدة، وعندما أقدم في نهاية المطاف على تغيير السفراء جرت العملية بسلاسة مع تسليم منظم للصلاحيات. وفي الشرق الأوسط للصورة العامة وزن حاسم، خصوصا بعد حرب أهلية مدمرة. ويستعيد الجميع مشهد التسليم الهادئ لآخر رئيس وزراء في عهد الأسد، محمد غازي الجلالي، إذ لم يُسحل أو يُعتقل، بل طُلب منه فقط مغادرة مكتبه وإرشاد الهيئة الانتقالية الجديدة إلى الوثائق المهمة. كما صدرت تعليمات إلى شرطة المرور وسائر الهيئات المدنية، التي تقوم عليها حركة المدن الكبرى في سوريا، بالعودة إلى وظائفها مع استثناء كل من تورط في جرائم خلال الحرب الأهلية.

واللافت أكثر، كما كشف فيلم وثائقي حديث لهيئة الإذاعة البريطانية، أنه حتى الجمعيات الخيرية العائدة للسيدة الأولى السابقة أسماء الأسد ما زالت تُدار على يد المسؤولين أنفسهم الذين عيّنتهم وزارة الشؤون الاجتماعية. وكان أول اختيار للشرع حاكمة لمصرف سوريا المركزي، ميساء صابرين، التي شغلت منصب نائبة الحاكم خلال حكم الأسد. وتواصلت وزارة المالية كذلك مع الدكتور محمد الحسين لطلب المشورة، وهو من تولى حقيبة المالية لما يقرب من عقد كامل قبل اندلاع الحرب في عام 2011، ثم انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة بعد بدء أعمال العنف. وما زالت وزارة الداخلية تضم آلاف الموظفين الذين تسلموا مهامهم عن الدولة البعثية السابقة مع استبعاد كبار المسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بسياسات القمع والإخفاء والقتل.

دروس من ليبيا

تخوض ليبيا اليوم صراع شد وجذب بين قائد الجيش خليفة حفتر والحكومة المعترف بها رسميا في طرابلس. وبالمثل، يزداد عدد الموالين السابقين للقذافي الذين أسسوا جيوبا صغيرة للنفوذ في وسط ليبيا وجنوبها. وبرغم غياب المشكلات الطائفية في ليبيا مع غالبية سكانية سنية تقارب المئة في المئة، تتسع الانقسامات القبلية واللغوية على أسس جغرافية إلى جانب التوتر بين الأمازيغ والعرب. وأفضت هذه العوامل كلها إلى عجز المجتمع الدولي عن تثبيت الاستقرار حتى بعد أسابيع قليلة على سقوط النظام، فيما استمر القتال العلني وتداخلت الحسابات الإقليمية والدولية في الصراع بين حفتر وسائر الأطراف. ويبرز عنصر رئيس آخر قاد إلى تفكك ليبيا، وهو الانتقام من مسؤولي نظام القذافي السابقين وأفراد عائلته الذين قُتلوا أو طُردوا بعنف شديد حتى إن أبناء القذافي الباقين، مثل سيف الإسلام، حازوا شعبية واسعة.

أحلاهما مُرّ

حافَظ الشرع، وقد ورث انقساما طائفيا وعرقيا أعقد بكثير في سوريا، على توازن بالغ الدقة، فتجنب فرض أي إملاء من دمشق على الأكراد في الشمال الشرقي أو الدروز في الجنوب أو العلويين على الساحل. وشهدت البلاد تحقيقات علنية وشفافة في تلك المجازر، وبرغم عدم وجود دليل على تورطه في أي قتل مباشر للعلويين والدروز، عاقب الذين اعتُبروا مسؤولين عنها. واستُخدم المسيحيون كورقة بيد الجماعات غير الحكومية المتحالفة مع الشرع والقوى الخارجية في آن واحد. وعقد الشرع لقاءات منتظمة مع جميع القادة المسيحيين وقدم لهم تطمينات واضحة بالدعم، وتجاوز في ذلك مواقف الأسد حين أكد أنّ المسيحيين ليسوا أقليات بل هم متساوون مع سائر السوريين.

وسعى الشرع إلى التخلص من مصطلح الأقليات، على الأقل في السياق الديني. وعلى الرغم من تدخل إسرائيل في شؤون قيادة الدروز، رفض الشرع إدانة هؤلاء القادة. وفي نهاية المطاف يدرك الشرع أن العالم يراقب، لذلك يوازن بين رغبات العناصر المتطرفة في قواته المقاتلة وبين الحفاظ على الوتيرة الحالية حتى لا تنفجر مجددا مذبحة شاملة على غرار ما حدث في العراق وليبيا.

وبرغم تعرض الشرع لانتقادات بسبب عدم اعتقال المقربين من الأسد مثل قائد “قوات الدفاع الوطني” فادي صقر ورجل الأعمال محمد حمشو، فإنه يتيح للجميع وقتا للتكيف مع الواقع بدلا من ردود الفعل المتسرعة القائمة على القتل خارج القانون والانتقام. ولم يطلق حملة مطاردة على الطريقة العراقية ضد رجال صدام، بل التقى كثيرين وعرض عفوا مقابل التعاون من أجل إصلاح سوريا. والطريقة التي سيخوض بها معركته للحفاظ على هذا التوازن وتهدئة عطش الانتقام لدى حلفائه الأكثر تطرفا سوف تحدد مستقبل سوريا.

المجلة

——————————

 قولٌ شخصيّ في خسارة النصر السوريّ/ مالك داغستاني

2025.12.18

كان واضحاً، لمعظمنا، أن سقوط نظام الأسد، بحدّ ذاته، لن يكون الامتحان الأصعب في التاريخ السوري الجديد، وأن الأهم هو فيما سوف يليه. في تلك اللحظة المفصلية حين تتقاطع أو تتواجه العدالة مع الرغبة في الانتقام، وحين تتنازعنا الأفكار بين الحرية مع الميل إلى إقصاء المختلف، والأهم التوفيق بين التاريخ المثقل بالجريمة مع القدرة على التجاوز، عبر العدالة، من أجل وطن جديد.

هنا بالضبط المقياس القِيَمي لمعنى النصر السوريّ الحقيقي، وليس فقط حين نجلس ونبدأ بتعداد السجون التي تم كسر أبوابها، أو التماثيل التي سقطت. النصر هو بقدرة السوريين على تفكيك الفكرة التي حكمتهم لعقود. نعم، الفكرة بوصفها ذهنية قبل أن تكون نظاماً مُركّباً للقمع. النصر الحقيقي هو على نظام الأسد وفكرة “الأسدية”، وهو ما لم يتحقق بعد. وبالتأكيد سوف نصل إليه عندما يقول الموالي السابق لنظام الأسد، بينه وبين نفسه على الأقل: “كنتُ على خطأ، لقد تحررنا فعلاً يوم 8 من ديسمبر”.

هل تبدو لكم فكرتي رومانسية ساذجة؟ شخصياً سأجيب: لا على الإطلاق. وآمل أننا سنصل إليها في يوم من الأيام، عندما نسعى بثبات لتحقيق دولة مواطنة عادلة غير تمييزية ولا إقصائية. طبعاً لن يكون الطريق إليها سهلاً لشعب خارج من قعر جحيم الأسد. لكن المفارقة بالنسبة لي اليوم في المشهد السوريّ، هي قناعتي الراسخة أن رعونة جزءٍ مما يسمّى “حاضنة الثورة” هي ما تعيق التقدم نحو ذاك اليوم، أكثر مما تفعل السلطات الجديدة نفسها، والأخيرة تفعل من دون شك. ولكن كيف يحدث ذلك؟

لا أقصد بهذا السؤال استفزاز أي أحد. لكن التاريخ يخبرنا ببديهيةٍ مفادها أن الأنظمة الاستبدادية لا تعيش فقط عبر أدواتها الأمنية، إنما عبر إعادة إنتاج نفسها في وعي خصومها، وهي فكرة كررها الآلاف قبلي. ورغم ذلك، للأسف هناك اليوم من لم يستطع تفاديها، فيحاول تحويل الثورة من مطلب الحرية بوصفه أساس مشروع الثورة السورية، إلى معيار أخلاقي مغلق وخاص به، وأحياناً يحاول تحويل النصر من نقطة تحوّل للبدء بمشروع بناء الدولة إلى مجرد دفتر حسابات ثأري. هنا تماماً نفقد القدرة على إقناع حتى من يُفترض أنهم تحرروا بانتصارهم فعلاً.

هناك من، بطريقة تبدو مراوِغة، يكرر الحديث، خلال طرحه لما يريده لسوريا، عن “الوفاء للشهداء” كلازمةٍ يومية. ولكن هل ما أراده جميع الشهداء كان متطابقاً؟ صحيح أن هذا النوع

من الوفاء يكون عبر تحقيق أحلامهم، ولكن من خرجوا وصدحوا بأصواتهم عام 2011 كانت أحلامهم ومجمل شعاراتهم مختلفة عما يطرحه اليوم هؤلاء الذين يتصدرون المشهد، ولا أعتقد أنني أحتاج إلى تذكيركم بتلك الشعارات والهتافات لتعرفوا كم تم الابتعاد عنها!

مع ذلك، لو افترضنا أو استسلمنا لهذا المعيار، فيقيناً سنجد بعض ما يطرح اليوم من كثيرين، بمن فيهم بعض مسؤولي السلطات الجديدة ومواليهم هو خيانة صريحة لدم أولئك الأحرار الذين هتفوا بالشعارات الأولى. فما يطالب به هؤلاء من متسيّدي المشهد، لا يعدو أن يكون، في حالات ليست قليلة، سوى الوفاء لرؤيتهم الضيقة أو للأفكار التي يحملونها، بما تنطوي عليه من كراهية للمختلف والدعوة إلى الإقصاء وأحياناً الانتقام الجماعي، ومن نافلة القول أنه لا يجوز بحال من الأحوال فرضها على السوريين الآخرين، فالشهداء دفعوا أرواحهم من أجل حريتهم وحرية الآخرين أيضاً، إن وجب تذكير هؤلاء.

تحويل الشهداء إلى ملكية سياسية حصرية، هو أحد أخطر أشكال الخيانة الرمزية لهم. فالشهادة، في جوهرها جاءت ضمن سياق فعلِ التحرّر وطلب الكرامة لجميع السوريين، ولا يجب أن تكون بحالٍ من الأحوال بمثابة تفويض مفتوح لمن جاء بعدهم، كي يصادر هؤلاء المجتمع باسمهم. لا أحد يملك الحق في احتكار دماء السوريين، ولا في تحويلها إلى صكوك شرعية أبدية تخص طرفا ما على حساب باقي السوريين. ولو انتبهنا قليلاً، فإن خطاب الكراهية الذي ما زال يفتت المجتمع اليوم، هو أكثر ما يسعد بشار الأسد في منفاه، وإخالهُ يفرك كفَّيه حماسةً كلما زاد منسوب الكراهية في هذا الخطاب. حين يجد من يتابع تنفيذ برنامجه ببراعة ومثابرة.

يعلم أغلبنا أن “الأسدية”، إضافة إلى أنها كانت مُكتنَفة ضمن دولة قمعٍ، فهي ثقافة تدفع إلى تقسيم وتفتيت المجتمع، ونجاحها الأكبر كان في جعل السوريين يشككون ببعضهم أكثر مما يشككون بالسلطة. وكل خطاب يعيد إنتاج ثنائية “نحن الطاهرون، وهم الخونة”، غالباً على أساس طائفي وأحياناً عبر السيرة الذاتية للأفراد، هو في جوهره امتداد غير واعٍ لذاك البرنامج.

الأدهى، المضحك حقيقةً، أن المناحرات أحياناً تستخدم عامل الزمن ومن هو الأسبق في الالتحاق بالثورة! مع أن الثابت أن لا أحد يستطيع أن يزاود على أحد إن كان انضم للثورة قبل الآخرين بعام أو عامين أو أكثر. في إدلب، وهي مثال غير قابل للشك لدى أهل الثورة على الأقل، باعتبارها احتضنت السوريين في السنوات الأخيرة، وكانت المنطلق للتحرير.

في إدلب هناك من لم ينضموا للثورة إلا بعد خروج مدينتهم عن سيطرة قوات الأسد، ودخول “جيش الفتح” إليها عام 2015. وذلك مفهوم، فهم ببساطة كانوا تحت سطوة القمع. بماذا يستطيع هؤلاء أن يُعيِّروا من تحرروا من حكم الأسد وسطوته نهاية عام 2024؟

للطرافة، بحسب تلك السياقات المختلّة والساذجة، يستطيع كثرٌ ممن ناضلوا وسُجنوا منذ ثمانينات القرن الماضي، أن يصفوا جيل ثوار 2011 الذي دفع من دمه ومستقبله، على أنهم مُحدَثي الثورة! لكم أن تتصوروا تلك المفارقة الكوميدية. بالتأكيد كل ما سلف هو نوع من المزاودات في محاولة مصادرة تضحيات الآخرين، وبالتالي مصادرة رؤية كلٍّ من هؤلاء وحقوقهم الكاملة في سوريا الجديدة. فالأهم هنا وجوب القناعة التامة، أنه لا يمكن بناء دولة على نظام نقاطٍ يمنح امتيازات سياسية وأخلاقية بحسب تاريخ الانضمام، ولا حتى لمن أسقط الأسد عسكرياً كتتويج لكل ذاك المخاض. هذا المنطق، بما فيه الإقصاء على أساس طائفي أو عرقي، هو الوجه الآخر لفكرة “الأسدية” التي قامت على الإقصاء والاستئثار، وهو ما يجعل الاستبداد قابلاً لإعادة التشكّل بأسماء ووجوه جديدة.

سوريا يجب أن تتسع للجميع لتوفي ديون كل شهداء الثورة. هناك آلاف الشهداء خصوصاً في السنوات الأولى للثورة، ممن لهم دَين علينا بما لا يتناسب مع المتطرف الذي ما زال يريد “دولة خلافة” على مقاس أفكاره المتطرفة، وهؤلاء يجب أن نوفيهم دَينهم. وبالمقابل هناك من ضحى بحياته لأهداف أخرى، وعلى من هم على أفكاره أن يوفوه دينه الذي لهُ عليهم. من دون أن يفرض أيّ طرف رؤيته على الآخرين.

وحدها دولة المواطنة والعدالة والقانون، لا دولة الثأر ولا دولة الوصاية والاستئثار، قادرة على كسر هذه الآليّات. وحده الاعتراف المتبادل بالخطأ، وبالحق في الاختلاف، يمكن أن يُقنع السوري، أياً كان موقعه السابق، بأن ما جرى لم يكن مجرد تبديل وجوه، إنما هو تحررٌ فِعليّ. عندها، وعندها فقط، يمكن أن نقول جميعاً: “إننا انتصرنا”.

تلفزيون سوريا

—————————

أبواب دمشق/ د. عبد المنعم سعيد

17 ديسمبر 2025 م

مضى عام على إطاحة نظام الأسد (حافظ وبشار) الذي مضى عليه في الحكم 54 عاماً؛ ولم تكن فرحة الأشقاء في سوريا أقل كثافة في الذكرى عما كانت عليه لحظة البداية. التغيير هذه المرة لم يكن مماثلاً لما كان عليه يوم اشتعال «الربيع السوري» الذي انتهى إلى حرب أهلية متعددة الأطراف والأبعاد، وجاءت النهاية مع دخول دمشق من قبل جبهة المعارضين التي نجحت في عبور المدينة بعد الأخرى، حتى وصلت إلى العاصمة السورية، التي يُطلق على اسمها «الشام»؛ تلخيصاً لإقليم واسع تتحدد تخومه تبعاً للناظرين. دمشق بالنسبة إلى سوريا والشام كانت كما كانت موسكو بالنسبة إلى روسيا في زمن الإمبراطورية والاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية. أحياناً تكون العاصمة – الأموية في هذه الحالة – هي المركز الذي ينبت منه التغيير على بقية نطاق التأثير التاريخي مهما اتسعت أو ضاقت حلقاته. الحكم على ما حدث خلال 12 شهراً لا يزال مبكراً، ولكن الميلاد كان مواتياً عندما نجحت القيادة الجديدة، «الكاريزمية» لأحمد الشرع، في ترسيخ الشروط الخاصة بالدولة «الوطنية» في الخطاب العام، التي تجمع بالمواطنة ولا تفرق، والتي لا يُفصَل فيها السلاح عن السلطة السياسية، والتي ترسخ العلاقة بين أجزاء وطوائف سوريا ولا تفرقها.

في مثل هذه اللحظات الحاكمة في التاريخ، فإن الخطاب وحده ليس كافياً، ورغم الحاضنة العربية التي رحبت بالتغيير في دمشق وجذبته إلى الخليج والجزيرة العربية، وقربته من خلال المصالح المشتركة من الولايات المتحدة وأوروبا وحتى روسيا والصين؛ فإن المسيرة كانت ولا تزال صعبة. فما زال هناك الكثير من العمل بين المركز في دمشق والأطراف في الشمال الشرقي حيث «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وإن وافقت نظرياً على مفهوم الدولة الوطنية، فإنها ظلت مطالِبة بنوع من الاستقلالية لقواتها، ومعها قدر من «اللامركزية» التي لا يعرف أحد حدودها وعمقها. العلاقة مع الساحل سادها توتر ودماء دفعت إلى لجنة تحقيق يكون في تكوينها اعتراف بما حدث، وكيف حدث هذا. الجنوب السوري في السويداء سرعان ما دفع إلى اضطراب الأقلية الدرزية وإعلانها، أو بعض منها، اللجوء إلى الإسرائيليين وهو ما فتح باباً للفتنة ومعها تدخلات إسرائيلية دموية وكارثية تضع السيادة السورية موضع اختبار صعب.

إسرائيل رغم إعلانات القيادة السورية الجديدة عن رغبتها في بناء طريق للسلام السوري – الإسرائيلي، فإن الدولة العبرية نظرت إلى التغيير في سوريا بوصفه فرصة لتعميق الاختلال في توازنات القوى الإقليمية. البداية كانت لحظة التغيير الكبرى بدخول دمشق عندما قامت الطائرات الإسرائيلية بشن غارات على كل المواقع التي يُعتَقد أنها تحتوي على بقايا الجيش السوري. وتلاها تقدم القوات الإسرائيلية لكي تتخطى الحدود التي أرستها اتفاقية فصل القوات السورية – الإسرائيلية في مايو (أيار) 1974؛ وبعده زحفت ثم طلبت إسرائيل أن تكون المنطقة من دمشق حتى هذه الحدود منزوعة السلاح. وعلى الرغم من العلاقات الودية التي أنشأتها «سوريا الجديدة» مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والتي تأمل دمشق في أن تساهم في رفع الضغط الإسرائيلي عليها، إلا أن التعنت الإسرائيلي ما زال قائماً. لم يكن الواقع في دمشق معفى من التعقيدات الجديدة التي ألمَّت بالصراعات الإسرائيلية مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومع الدولة اللبنانية في ناحية و«حزب الله» في ناحية أخرى.

أزمات العالم لم تكن أقل تعقيداً من تعقيدات إقليم الشام والشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، بعد إبرام اتفاق وقف النار بين «حماس» وإسرائيل، سرعان ما انتقلت إلى الملف الأوكراني وتعقيداته الكثيرة. قائمة أعمال الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضعت في مقدمة أولوياتها، التي من مبدئها «أميركا أولاً»، العودة إلى «مبدأ مونرو» الذي يضع أميركا اللاتينية على رأس القائمة الاستراتيجية للولايات المتحدة. آسيا، وفي قلبها الصين، تأتي ثانية، وبعدها أوروبا، ثم الشرق الأوسط الذي يعني بالنسبة إلى سوريا والدول العربية ما الذي سوف تفعله واشنطن إزاء إسرائيل التي لم تضع فلسطين وحدها في فوهة البندقية، وإنما أضافت لها سوريا ولبنان وإيران.

جدول الأعمال أمام «سوريا الجديدة» سوف يتسع كثيراً، حيث أولوياته لا تزال الحفاظ على التماسك الداخلي في انتظار أن يكون الزمن مواتياً لإرضاء الشعب السوري الذي احتفل مرتين بالدولة الجديدة، بحيث تعود أجهزة الدولة إلى العمل، والاقتصاد إلى الانتعاش، والسلم الأهلي إلى الواقع، ومنع شرارة حروب الجوار من الانتقال إلى القلب السوري. عربياً فإن السلام والتقدم السوريَّين جزء مهم من منطقة أعياها الانقسام وتحتاج إلى تفكير عربي جديد حول تحقيق الاستقرار.

الشرق الأوسط

————————-

رسالة إلى الرئيس الشرع ورفاقه في القيادة السورية/ رامي الشاعر

17 ديسمبر 2025 م

قبل عام، وفي مثل هذا اليوم، كنت قد نشرت في هذه الصحيفة «الشرق الأوسط» مقالاً أشبه برسالة إلى الحكومة الجديدة في سوريا، باركت فيها انتصار الشعب السوري. في غمار النشوة بالإنجاز التاريخي وفتح صفحة جديدة تتناسب وتضحيات السوريين.

أشرت فيها إلى أن سوريا تقف على مفترق طرق، وبعد مرور عام كامل حافل بإنجازات ونجاحات، ما زالت التحديات كثيرة وصعبة. ومن ثمّ يبدو من الضروري للسوريين و بكل أطيافهم – وفي مقدمتهم قيادة البلاد – أن يأخذوا زمام المبادرة، وأن ينطلقوا من حقيقة أن سوريا اليوم، أمام مرحلة وفرصة تاريخية تؤهلها لتقرير مصيرها، واستكمال استحقاقات هذا النصر ليصبح واقعاً ينعكس في دولة مؤسسات تبنيها الكفاءات السورية.

في المقالة ذاتها، ومن واجب الحرص على سوريا وشعبها، لخصت آليات ملامح المرحلة الانتقالية، مشيراً إلى أن الوضع الجديد سبق أن مرت به تونس ومصر وليبيا وغيرها من البلدان. إلا أن الوضع السوري مختلف؛ فهو أعقد وأكثر اشتباكاً، ولن تكفي نشوة السوريين بالانتصار لمواجهة المحظور، الذي تعمل عليه قوى لا تريد لسوريا سوى تحقيق مصالح محدودة، بغض النظر عن وحدة البلاد وتطلعات أبنائها للحرية والعدالة.

لقد أصبحت مسألة بناء مؤسسات الدولة السورية، مع دخول المرحلة الانتقالية عامها الثاني، مطلب حق وضرورة، بعد أن ارتوت الأرض السورية بأنهار من دماء الشهداء، وعرف الشعب السوري كل ألوان المآسي، مروراً بظلمات السجون والتعذيب والزلازل المدمرة، وانتهاءً بشظف العيش وانقطاع المياه والكهرباء وسائر المرافق، والنزوح، واللجوء إلى شتى بقاع الأرض، ناهيك بكم الدمار الذي لحق بالمدن والقرى. قبل عام، كنت قد أشرت إلى أن نظام الأسد الذي أجبر على مغادرة البلاد، نجح وأجهزته الأمنية القمعية نجاحاً منقطع النظير في أن يجعل الشعب السوري، يستقبل أي قيادة بديلة بالزهور، فقد طال انتظار السوريين للحرية. وما شاهدناه قبل عام من مظاهر الترحيب بالثوار وقادتهم كرد فعل طبيعي وعفوي، هو الترحيب ذاته، والاحتفالات، التي نشهدها اليوم بمرور عام على التغيير، تعكس مزاج السوريين وتطلعاتهم.

الحقيقة، أنني كنتُ على مدى سنوات من القريبين جداً من الملف السوري بكل تعقيداته، وشاركت في مفاصل مهمة مختلفة في توجيه رسائل مباشرة إلى النظام السوري، ولم تنقطع رسائلي ودعواتي السابقة إلى ضرورة وضع آلية هادئة للانتقال السلمي، كما خاطبته مراراً، بأنه قد يدفع ثمناً باهظاً، وقد يصل إلى خروج روسيا من سوريا، بما في ذلك قواعدها، غير أنه كان مأخوذاً بعقلية المنتصر التي أعمت بصره.

ومع أن الضباب لم ينقشع تماماً بعد عن تفاصيل العملية التي جرى بموجبها فرار الأسد من المشهد، لكن الأكيد أن روسيا نجحت للمرة الثانية في أن تُجنِّب سوريا وشعبها نير الحرب الأهلية الواسعة.

المرة الأولى عندما نجحت في التوصل إلى وقف النار وخروج قوات المعارضة التي كانت تحاصر دمشق نحو إدلب. وهو خيار كان يبدو صعباً عليها، لكن الأحداث أثبتت لاحقاً صوابه، خصوصاً أن موسكو واجهت معارضة شديدة من جانب النظام، وكانت قوات «الفرقة الرابعة» تستعد للانقضاض على القوات المنسحبة. ولو قدر لتلك المواجهة أن تقع لكانت العاصمة السورية شهدت أحداثاً دموية لا مثيل لها.

المرة الثانية عندما تدخلت روسيا، بشكل مباشر، خلال معركة ردع العدوان، لمنع الطيران السوري من التحليق نحو حلب، بينما كانت وزارة الدفاع السورية تبث أخباراً غير صحيحة حول عمليات «مشتركة» ينفذها الطيران ضد القوات الزاحفة. علماً أن الطيران الروسي لم يشارك بتاتاً في جميع مراحل العمليات العسكرية التي قام بها مسلحو المعارضة.

لقد كانت البيانات التي صدرت عن قائد «هيئة تحرير الشام» تتعارض والصورة التي رسمها البعض له بوصفه شخصاً تكفيرياً، ونحن في روسيا نظرنا إلى ما هو واقع، بالنظر إلى رغبة الشعب السوري في الخلاص من النظام الذي رحل، بغض النظر عن هوية قادة سوريا الجديدة، لأنها بالنهاية سوف تعكس إرادة السوريين.

لقد تلقينا البيان الذي أصدرته «هيئة تحرير الشام»، والذي تضمن رغبة قوات المعارضة في المشاركة مع روسيا في بناء سوريا المستقبل، وأوعزت موسكو لذلك بعدم التصدي للفصائل المسلحة خلال تقدمها للسيطرة على أهم المدن السورية، ما أسفر عن نجاح عملية ردع العدوان، من دون الانزلاق نحو اقتتال واسع. وبالفعل فقد أسفرت التطورات عن انتقال الحكم لقوات المعارضة السورية بشكل سلمي. بالتزامن مع إخراج بشار والمقربين منه من دمشق.

ولا شك في أن الزمن وحده، سيحكم على مصير سوريا وقادة المرحلة الانتقالية الحالية الذين يواجهون حالياً تحديات غير مسبوقة.

منذ عام، وبعد مرور أسبوع واحد على رحيل نظام بشار، وقبل وقوع أحداث الساحل والسويداء، برزت دعوات للقيادة الانتقالية في سوريا بضرورة توجيه رسائل طمأنة للمجتمع السوري بكل مكوناته. ورغم أن الوضع على هذا الصعيد، ما زال إلى حد بعيد مطمئناً، لكن يبدو من الضروري الانتقال من الصورة الإعلامية المشرقة، إلى أفعال وإجراءات على أرض الواقع.

بناء عليه، وبينما يعكس المشهد السوري حالة من الجدل، أتوجه، بعد عام من الانتصار السوري، ببعض الملاحظات إلى القيادة السورية وعلى رأسها الرئيس أحمد الشرع، منطلقاً من أهمية التعامل الإيجابي مع النقد البناء الذي تحتاج إليه المرحلة الانتقالية. والمقصود هنا هو مواجهة بعض الأصوات التي غايتها فقط النيل من الحكومة الجديدة، وتعمل على نشر حالة من التشويش في الخارج، ومنها بعض الشخصيات السورية، بهدف تقويض ثقة السوريين وأملهم في إمكانية تعافي سوريا، خصوصاً في مرحلة حساسة تمر بها البلاد.

وفي هذا الإطار قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن قوة أي دولة، تكمن، في تمكين البيت الداخلي وتقوية المؤسسات. ولا شك أن المؤسسات السورية اليوم، تعاني من ضعف بسبب نقص الكوادر التي أبعدها النظام السابق، وتصل أعدادها إلى مئات الآلاف من الأكاديميين، ورجال الدولة، والخبرات، وحملة الشهادات العليا، الذين ما زال كثير منهم خارج البلاد، وقد عاد آلاف لكنهم واجهوا الإهمال، ومنهم من سعى للعودة منذ الأيام الأولى للتحرير لكنهم صدموا بعبارة «لحين تسوية أوضاع المنشقين».

إن السبيل الوحيد لإخراج سوريا من أوضاعها الصعبة، وانتشال شعبها من حالة الفقر يبدأ بتفعيل مؤسسات الدولة السورية، ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها القيادة الحالية، لكن من الناحية العملية، يمكن القول إن مؤسسات الدولة ما زالت شبه مشلولة، بسبب نقص الكوادر والخبرات، وهذا ينطبق أيضاً على المؤسسة العسكرية التي تبدو أيضاً بحاجة ماسة إلى عودة آلاف الكوادر، للإفادة من خبراتهم لبناء الجيش السوري مجدداً، وتأهيله لحماية حدود الوطن، وتحقيق الأمن والاستقرار، والسيادة السورية.

إنني على ثقة تامة بأن القيادة الحالية تحظى بتأييد جماهيري واسع، ولكن من دون اتخاذ الإجراءات الآنفة الذكر، سيكون من الصعب تحسين الأوضاع في جميع المجالات، فإلغاء العقوبات الاقتصادية على أهميته، لا يكفي من دون تفعيل مؤسسات الدولة بالشكل المهني.

في المقابل، ما زالت الدولة السورية بجاجة إلى تشريعات وقوانين واضحة لضبط عمل مؤسسات الدولة وموظفيها، لذلك لا بد من الإسراع بتشكيل مجلس النواب، والعمل أيضاً على تشكيل لجنة دستورية من المختصين، تبدأ بصياغة الدستور السوري المستقبلي، قبل عرضه على الاستفتاء العام لاحقاً.

– إن تمكين الخطاب الثقافي والإعلامي الرسمي يشكل المقدمة لتوحيد السوريين، وإعادة وجه سوريا الثقافي والمتنوع تاريخياً، في مواجهة حالة الانقسام والكراهية والخطاب الطائفي التي تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي، وتتسلل بطريقة أو أخرى إلى وسائل الإعلام الرسمية.

– لقد نجحت تجربة البناء في إدلب كنموذج في إدارة شؤون المحافظة سابقاً، رغم الظروف الصعبة والاخفاقات التي عانت منها في بعض المجالات، ولكن هذا لا يعني القدرة على اختصار سوريا في تجربة إدلب؛ لذلك تبدو مهمة الانتقال من عقلية الجماعة إلى عقلية الدولة بكل مكوناتها أمراً لا مفر منه لإحراز النجاح المطلوب للقيادة الجديدة والمرحلة الانتقالية.

– وفي إطار التحديات الخارجية ما زال الموقف الإسرائيلي مصراً على إعادة رسم خريطة سوريا والتلويح بإدخالها في انفلات أمني، مع الأخذ في الاعتبار بأن سوريا تواجه حالة من الضعف، كنتيجة طبيعية في المراحل الانتقالية. وعلى الرغم من الدور المهم للدبلوماسية السورية التي نجحت في توسيع الانفتاح الدولي على سوريا، لكن لا يمكن تجاهل السباق الدولي والإقليمي القائم لتحقيق مكاسب في منطقة استراتيجية كسوريا، الأمر الذي يتطلب التعامل مع الأطراف المختلفة من خلال مؤسسات الدولة وتوجيه القرار السوري الخارجي في إطار العلاقات الدولية والقانون الدولي.

– ما زلنا ننظر بثقة واسعة إلى التعاون الذي أظهره بحق العالم العربي والمجتمع الدولي مع تحديات نهوض سوريا الجديدة بوصفها دولة مستقرة ذات سيادة. بعد أن كتب شعبها بدمائه، ومعاناته، وصبره، حروفاً من ذهب في التاريخ السوري، وهو اليوم أمام استحقاق قطف ثمار التضحيات، عبر بناء دولة تعكس هوية وثقافة السوريين، وحقهم في رسم نظام الحكم وشكل الدولة الحرة المستقلة.

بناء على ما تقدم، وانطلاقاً من الثقة الكاملة بأن سوريا لن تسقط في هاوية المواجهات الداخلية، وستعبر مرحلتها الانتقالية، التي ستحدد عودة سوريا إلى مكانها الطبيعي في الإقليم والعالم، فقد كررنا مراراً، بأن السلطة الحقيقية اليوم أصبحت بيد قيادة سورية، وأكرِّر ثقتي العالية بالقيادة التي تلبي طموحات الشعب السوري، ومن الضروري لكل الأطراف أن تنطلق من أنها السلطة الواقعية والحاكم الفعلي للبلاد، وليس أمام السوريين بكل أطيافهم إلا التعامل مع هذه الحقيقة، لبناء دولتهم يداً بيد.

مستشار سياسي في روسيا

الشرق الأوسط

———————————–

 عام على سقوط الأسد.. تحصين النصر يكون ببناء “وطن يتسع للجميع”/ جاد يتيم

2025.12.18

عام على سقوط نظام الأسد السفاح، مر سريعا لكنه كان حاشدا بالحزن والفرح والبكاء والغناء والاحتفالات ومحاولات اكتشاف السوريين للحياة، وإعادة وصل ما انقطع بين هذا البلد الغني الشاسع وباقي دول العالم. ما زال السوريون، وما زلنا، تحت تأثير الصدمة وعدم التصديق لتحقق الحلم، الذي آمنا به في بيروت وانتظرناه منذ 2005، بعد انسحاب جيش الأسد من لبنان، ما أنهى احتلالا وقمعا لعشرات السنوات. فبعد نضال سنوات، تحولت في السنوات الأخيرة الى ما يشبه الجمود، ساد الاعتقاد أن الأسد باق، بفعل جهود إعادة التدوير الحاصلة، حتى بدا أن القابضين على جمر الثورة وإسقاط النظام من زمن مضى، يقاتلون طواحين الهواء، ويتعرضون لشتى أنواع التنمر السياسي والتهديد الأمني من “الرماديين” و”الموالين” حينها –”المكوعين” حاليا- ومن كل جهابذة المحور الإيراني الذي انتشى بانتصاره وتثبيت اقدامه.

ونحن اللبنانيين، أول ما تعنينا الثورة السورية بكل مآلاتها، وانحيازنا لكل ثائر ضد إسقاط الأسد ينبع من دوافع قيمية وسياسية وكذلك وطنية صرفة. الانحياز للثورة السورية، إلى جانب كونه انحيازا أخلاقيا وسياسيا، لكنه أيضا، وبحده الأدنى انحياز لقيامة لبنان التي منعها نظام الأسدين الذي عاث في لبنان فسادا وقتلا واغتيالا ومجازر على امتداد البلاد من الأشرفية إلى زحلة وصولا إلى طرابلس، وما بين ذلك من توكيل عمليات القتل واستمرار الحرب إلى وكلاء- أذناب لبنانيين كانوا– وما زال بعضهم – جزءا من المافيا اللبنانية – السورية المشتركة والمشاركة جنبا إلى جنب في تحويل لبنان واللبنانيين إلى ساحة اختبار وصراع، يمت دمن الأمن إلى الاقتصاد وصولا إلى نهب الثروات وتبييض الأموال. لكن كل سنوات الطغيان هذه في لبنان وسوريا انتهت في صبيحة الثامن من كانون الاول ٢٠٢٤، وبعد عشرة أيام من اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان. وإذا أضفنا إليها أن عشرة أيام فصلت ما بين تفجيرات البيجر في لبنان واغتيال أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله، بين ١٧ و٢٧ أيلول ٢٠٢٤، نستطيع القول إن المحور الايراني بأمه وأبيه، انهار في ٢٠ يوما كانت كفيلة بتغيير المشهد جذريا. فالتحول الحاصل كبير واستراتيجي، ليس على مستوى سوريا فقط، بل في إعادة تشكيل الإقليم وإعادة توزيع مناطق القوى والنفوذ والسيطرة.

تنكفئ إيران وتزداد عزلتها، بينما يتشكل نظام إقليمي جديد تقوده السعودية وتركيا، ويضم دولا فاعلة هي قطر، ومصر والإمارات والأردن، يسعى للحد من الخسائر والفوضى في المنطقة التي ما زالت إسرائيل تدفع نحوها، ما يجعلها في خانة واحدة مع إيران لناحية تضررها من تغير المشهد الإقليمي الذي تبرز فيه سوريا، كلاعب يزداد أهمية وانخراطا في مشاريع الإقليم وخطط الولايات المتحدة الأميركية والغرب.

نجح الرئيس السوري أحمد الشرع في قيادة تحول هائل في علاقات سوريا الدولية والإقليمية، ونقل سوريا من المحور الإيراني إلى المعسكر العربي، وانحاز إلى الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي ضد “داعش”، من دون أن يتوقف عن السعي لبناء علاقات أفضل مع روسيا، والحفاظ على العلاقة مع الصين. لكن هذه الخطوات الجبارة على صعيد العلاقات الخارجية، وتثبيت حضور سوريا ودورها في منظومة الأمن الإقليمي، لا تنعكس بما يكفي على المشهد الداخلي الذي يحتاج إلى المزيد من الانتباه، لا بل إلى إيلائه الأهمية القصوى.

ذلك أن تأخير حل القضايا الداخلية ومعالجة هواجس الفئات السورية المختلفة الإثنية والدينية، يزيد من افتراق هذه الجماعات عن الدولة الجديدة إلى حد الغربة حتى عن المكون السوري الديني الأكبر. وهذه الهواجس، ليس مخاوف نظرية، بل تعززت بعد مجازر الساحل والسويداء التي تركت جراحا لا تمحى وخوفا في نفوس الناس. ذلك أنه بغض النظر عن ما دفع إلى نشوب هذه المعارك في المنطقتين، وعلى رأسها رهانات خاسرة للرؤوس الحامية في الساحل والسويداء، فإن النتيجة واحدة: آلاف السوريين من كل الجماعات خسروا أرواحهم وذهبوا ضحية حسابات سلطوية كانوا في غفلة عنها، لا بل شكلوا وقودها.

الأمر نفسه يتعلق بتنفيذ “اتفاق آذار” ٢٠٢٥ بين قسد ممثلة بمظلوم عبدي والشرع، والتعامل الإيجابي مع الكرد وحقوقهم المحرومين منها منذ حكم الأسد، والتي دفعوا أثمانا باهظة نتيجة حرمانهم منها. وإذا كان الحكم الجديد غير قادر على ضبط الأمور التي أدت إلى ما أدت إليه، فإنه بالتأكيد قادر على المحاسبة وذلك أول الغيث لتستعيد الدولة هيبتها وسيادتها فيأنس إليها –ممثلة بالأجهزة الأمنية والقضاء- جموع المواطنين من كل الأهواء. من المفهوم أن التنكيل الذي عاناه السوريون طيلة سنوات الثورة، كان يمكن أن يحول سوريا بعد سقوط الأسد إلى “رواندا” الشرق الأوسط، لكن ذلك لم يحصل وهذا إنجاز يسجل للسوريين، وهذا يعني أن كل ما حصل بعد ذلك كان مخططا وليس من باب الانتقام البدائي كداع أول. الحفاظ على هذا النصر، يعني الإسراع في الانفتاح على الشعب السوري بقدر الرغبة في الانفتاح الخارجي. ذلك أن كل تأخير في معالجة هذه القضايا الأساسية للاستقرار وبناء مستقبل زاهر يستحقه السوريون، يغذي الفكر المتطرف لدى كل الفئات الدينية والإثنية في سوريا، ويحوله من مطالبات سياسية واجتماعية مشروعة، إلى مشروع عنفي يزيد من جراح وسنوات ضياع لا يستحقها السوريون.

بعد سنة على الانتصار وسقوط الأسد، لا يملك الحكم الجديد ترف الوقت للم شمل السوريين كي يبنوا دولتهم وفق ما يرونه من عقد اجتماعي جديد متحرر من عقد الماضي وإرث الأسد. فالتحديات القادمة كبيرة وهي تحتاج سوريا ذات رؤية موحدة ومحصنة داخليا.

هنيئا لرفاقنا السوريين، الرفاق منذ ٢٠١١، ولادتهم الجديدة، وهنيئا لهم وهم يحتفلون بالحياة وبتجارب جديدة في ممارسة الحق بالحياة والاعتراض والنشاط السياسي. هنيئا نصرنا المشترك على النظام الذي أوغل في دمائنا ودمائهم. والمجد والرحمة والخلود لرفاقنا الشهداء الذين كان النصر أجمل لو كانوا معنا.

وإذا كان وجودهم الجسدي غير متحقق، لكن من الممكن أن نستلهم الإرث الذي زرعوه فينا لنبي مستقبلا حلموا به، وهنا استرجع ما قاله الشهيد غياث مطر: “أنا وأنت إخوة… والوطن يتسع للجميع”.

تلفزيون سوريا

—————————–

سوريا الجديدة.. من دولة صراعات إلى مرتكز جيوسياسي في الشرق الأوسط/ نور جوخدار

ديسمبر 18, 2025    

تتجاوز أهمية سوريا، لا سيما في مرحلة ما بعد منتصف عام 2025، مفهومها التقليدي كـ”ساحة صراع” لتصل إلى مفهوم أكثر استراتيجية في الجيوسياسية، “دولة المرتكز” (Pivot State). فلا تقاس قوة الدولة بقدرتها الذاتية الداخلية فحسب، بل بوزن موقعها الجغرافي، وكيفية تأثير أو تغيير تموضعها على استراتيجيات وسلوكيات القوى الكبرى المحيطة بها. اليوم، سوريا ليست مجرد بلد يتعامل مع إرث حرب طويل، بل باتت كـ”مفصل محوري” جيوسياسي يتقاطع عنده الأمن والاقتصاد والجغرافيا، بل قد تصبح قوة ضغط لإدارة التوازنات المتعددة بعد حزيران/يونيو 2025.

يقوم المرتكز الأمني للدولة على مفهوم السيادة بوصفها القدرة العليا على ممارسة الحكم داخل الحدود الوطنية “السيادة الداخلية”، وحماية البلاد من التدخل الخارجي “السيادة الخارجية”. وهو ما يضمن استقلالها وقدرتها على اتخاذ قراراتها الخاصة وتطبيق القوانين. ويقوم أيضا على مبادئ أساسية كـالسيادة الوطنية وسلامة الأراضي وعدم التدخل، ومع تطور المفهوم المعاصر للسيادة يشمل مسؤولية الحماية والأمن السيبراني وأمن المجتمع.

المرتكز الأمني.. السيادة كأساس لإدارة الدولة

في هذا السياق، يلفت الباحث السياسي، علي التيناوي، إلى أنه مع اقتراب انتهاء النصف الثاني من عام 2025، لم يعد من الممكن قراءة سوريا فقط من زاوية كونها ساحة لتقاطع النزاعات الإقليمية والدولية، بل بات من الضروري مقاربتها بوصفها كـ”دولة مرتكز” بالمعنى الجيوسياسي الدقيق للكلمة، فالدول المرتكزة لا تقاس بقدراتها الداخلية الصلبة بقدر ما تقاس بحساسية موقعها، وبمدى تأثير أي تغيير في وضعها على حسابات القوى الكبرى المحيطة بها.

وفي حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية” أوضح التيناوي، أن التحول الأهم يتمثل في انتقال سوريا من عبء جيوسياسي إلى عامل ترجيح، ومن ساحة صراع بالوكالة إلى مفصل لا يمكن تجاوزه في إعادة تشكيل توازنات ما بعد 2025، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو في معادلات شرق المتوسط. مشيرا إلى أنه خلال السنوات الماضية تعاملت القوى الإقليمية والدولية مع الملف السوري من زاوية إدارة الأزمة لا حلها، وكانت المقاربة السائدة تقوم على الاحتواء وضبط التصعيد ومنع الانهيار الكامل، دون السماح في الوقت نفسه باستعادة الدولة السورية سيادتها الكاملة.

وتعد الحالة السورية من أبرز التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط المعاصر، فبعد انتصار الثورة وسقوط النظام الأسدي باتت الدولة السورية اليوم تواجه تحديات جمة لاستعادة سيادتها الكاملة، ما يضعها في معادلة مزدوجة: تثبيت الشرعية واستعادة وحدتها الإقليمية وجميع أراضيها، بما يشمل الأراضي التي طالتها السيطرة الإسرائيلية أو الحالة الفصائلية والخارجة عن القانون، وإعادة بناء علاقاتها الخارجية.

وقد أشارت مراكز الأبحاث، من بينها مركز “الجزيرة” للدراسات، إلى أن سقوط بشار الأسد أعاد لسوريا فرصة التموضع مجددا على المستوى الإقليمي والدولي بعد عقدين من الارتهان للمحور الإيراني-الروسي والانقطاع عن المحيط العربي والدولي.

كما يحمل تصريح السفيرة الأميركية دوروثي شيا في مجلس الأمن في 10 نيسان/أبريل 2025 في نيويورك، والذي أكدت فيه أن “استقرار سوريا وسيادتها أمران حاسمان لأمننا الجماعي”، دلالات استراتيجية وسياسية عميقة تتجاوز الشأن السوري الداخلي، وتعكس إدراكا دوليا متزايدا بأن استقرار سوريا شرط أساسي لمنع تمدد الفوضى والصراعات إلى دول الجوار.

وتشكل سوريا اليوم واحدة من أعقد البيئات الجيوسياسية في العالم، حيث يتداخل الأمن الوطني مع الأمن الإقليمي والأمن الدولي، فكل تغيير داخلي في سوريا يقرأ من قبل دول الجوار بوصفه تهديدا محتملا، ما يدفعها لاتخاذ إجراءات أحادية تزيد من منسوب عدم الاستقرار.

وقد برزت هذه الإشكالية بوضوح في تصريح المبعوث الأميركي الخاص لسوريا توماس باراك في تموز/يوليو 2025، حين ربط التحولات السورية وأمنها بأمن لبنان والمنطقة بقوله: “والآن لديك سوريا التي تتجلى بسرعة كبيرة، لدرجة أنه إذا لم يتحرك لبنان، فسيصبح مرة أخرى بلاد الشام”، في إشارة واضحة إلى أن استقرار سوريا بات عنصرا مركزيا في معادلات الأمن الإقليمي.

من الدولة الأمنية إلى الأمن الشامل

تشير ورقة بحثية لمركز “عمران” للدراسات الاستراتيجية بعنوان “المعضلة الأمنية السورية.. خمس توصيات لصياغة استراتيجية أمنية جديدة” إلى أن صياغة نموذج أمني سوري جديد لا يمكن أن يتم بمعزل عن تعاون إقليمي، نظرا لتعدد التهديدات من التدخلات الخارجية، والصراعات الطائفية والإثنية، ومحاولات بعض الأطراف الخارجة عن القانون السيطرة على الموارد والطرق والمعابر الحدودية، إلى التدهور الاقتصادي، والفقر، والبطالة، والنزوح، واللجوء، والجريمة العابرة للحدود، وانتشار الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة. وجميع هذه المهددات في حقيقتها مهددات إقليمية تتجاوز قدرة الدولة منفردة على معالجتها.

وكان نظام الأسد اعتمد نموذج “الدولة الأمنية النمطية” القائم على العسكرة والقمع وربط أمن الدولة بمصلحة الحاكم، ما أدى إلى تدمير الأمن الإنساني والاجتماعي، ودفع أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، وتراجع البلاد إلى المركز 97 عالميا من حيث جودة الحياة، والمركز 111 لتقدير الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وانحدارها إلى المركز 154 من حيث احترام حقوق الإنسان.

في المقابل، تفرض مرحلة ما بعد الأسد الحاجة إلى نموذج بديل يقوم على “الأمننة” بدل العسكرة، أي معالجة التهديدات عبر سياسات شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والاقتصاد والسياسة والبيئة بالإضافة إلى حقوق الإنسان، وفق ما رأته الورقة البحثية.

وأوضح التيناوي أن مرحلة ما بعد 2025 تفرض معادلة مختلفة، إذ لم يعد استمرار سوريا كفراغ أمني نسبي خيارا مريحا لأي من الفواعل الإقليمية والدولية، فالحدود والجماعات المسلحة وشبكات التهريب وممرات العبور غير المنضبطة تحولت إلى تهديدات عابرة للدول، لا يمكن ضبطها دون وجود دولة مركزية فاعلة.

وبيّن أنه من هنا تتجلى تحديدا صفة “المرتكز الأمني”، فاستقرار سوريا أو اضطرابها لا يؤثر فقط في الداخل، بل ينعكس مباشرة على أمن العراق ولبنان والأردن وتركيا وشرق المتوسط. وبالتالي، يصبح تعزيز مبدأ السيادة السورية، لا تقويضه، مصلحة مشتركة حتى لدى أطراف كانت تاريخيا متحفظة على ذلك.

والمفارقة أن “الضعف الموضعي” للدولة السورية، الناتج عن سنوات الاستنزاف، يتحول في هذه المرحلة إلى ورقة ضغط، فغياب الاستقرار الكامل ليس مجانيا، وأي قوة خارجية تحتاج إلى ضبط هذا الفراغ ستكون مضطرة للتفاوض مع دمشق لا تجاوزها، وفق تقدير الباحث السياسي.

الموقع الجغرافي كـ”رافعة نقدية”

تكمن قوة سوريا الجيوسياسية في موقعها الجغرافي الفريد حيث تتوسط قلب الشرق الأوسط، فهي تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وتتحكم بممرات تجارية واستراتيجية تاريخية كطريق الحرير القديم. وقد عبر وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس عن هذه الحقيقة بقوله إن سوريا “تشبه حاملة طائرات ثابتة على الشاطئ الآسيوي الأقرب إلى إفريقيا وأوروبا”، في توصيف دقيق لدورها الاستراتيجي.

وتتجلى أهميتها في تأثيرها المباشر على الأردن ودول الخليج العربي، وفي كونها البوابة العربية الوحيدة إلى لبنان، فضلا عن موقعها المؤثر في حوض شرق المتوسط، بما ينعكس على استقرار الدول الأوروبية الغربية. ولا يقتصر وزن موقعها على قربه من خطوط التجارة والطاقة الرئيسية، بل يبرز أهميته كـ”رافعة نقدية” في سياق تمويل التعافي، وليس مهما فقط الربط بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب، بل إن دمشق يمكنها استخدام حساسيتها اللوجستية لاستقطاب الاستثمارات وتوجيهها نحو مشاريع إعادة الإعمار، ما يجعل دورها غير قابل للإهمال من قبل القوى الكبرى، سواء كانت تلك القوى تدعم مصالح اقتصادية أو تسعى لضبط النفوذ في الشرق الأوسط.

ومع سقوط نظام بشار الأسد دخلت البلاد مرحلة جديدة تعيد تشكيل خريطة القوى الإقليمية والدولية، وتفتح الباب أمام تنافس مشاريع جيوسياسية متعددة.

وهذا تبلور في حديث الرئيس أحمد الشرع، خلال لقائه مع وجهاء وأعيان محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث قال: إن “رفع العقوبات عن سوريا شكّل تحولًا مهمًا، موضحًا أن الانفتاح على الإقليم والعالم لم يعد خيارًا بل ضرورة، لأن العزلة تؤدي إلى الانكماش والتهميش. ودعا إلى الاستفادة من الإرث الإيجابي الماضي دون إنكار أخطائه، والانطلاق نحو نموذج دولة يُبنى بمشاركة الشعب”.

وأضاف الرئيس الشرع، أن سياسة سوريا اليوم تقوم على أساسيات واضحة: استقرار الوضع الداخلي أمنيًا، وتنمية اقتصادية. وهذان محوران نمضي فيهما، والأهم اليوم هو استثمار اللحظة والفرصة التاريخية لانتقال سوريا من حقبة إلى أخرى، وصولًا إلى نوع من الاستقرار والتطور، واللاذقية وطرطوس بيئة مناسبة جدًا للاستثمار، ونحن نتحدث بقوة عن الربط الإقليمي؛ لذلك أسرعنا في ملف استثمارات الموانئ، واخترنا شركات ذات انتشار عالمي واسع، حتى تصبح سوريا في المستقبل محطة أساسية للربط والنقل التجاري بين الشرق والغرب. وقد ناقشتُ هذه الفكرة مع دول أوروبية، ومع دول آسيوية، ومع الولايات المتحدة أيضًا، ومع دول إقليمية، والعالم كله يشجع هذا التصور.

وأشار الباحث السياسي إلى أن الجغرافيا السورية ليست مجرد معطى ثابت، بل عنصر ديناميكي في معادلة التعافي الاقتصادي، فسوريا تقع على تقاطع نادر يربط الخليج بتركيا، وشرق المتوسط بالعمق العربي، ويؤهلها لتكون ممرا أساسيا في أي مشروع جدي للربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، أو بين المشرق وإفريقيا. مضيفا أن بعد 2025، ومع تصاعد الحاجة الإقليمية إلى ممرات آمنة ومستقرة، تزداد القيمة الاقتصادية للموقع السوري، حيث تتحول الطرق البرية والمعابر والموانئ وخطوط النقل المحتملة إلى “رافعة نقدية” يمكن لدمشق توظيفها بذكاء.

ومن منظور جيوبوليتيكي، تمثل سوريا بموقعها الجغرافي عقدة جيوسياسية تاريخية باعتبارها جسرا بين القارات ومفتاح الصراعات، ما يجعلها نقطة ارتكاز للسيطرة على طرق التجارة والطاقة. وتشكل حدودها مع تركيا شمالا، والعراق شرقا، والأردن وفلسطين جنوبا، ولبنان والبحر المتوسط غربا، شبكة من النفوذ تتداخل فيها المصالح الدولية.

وقد شهد علم الجيوبوليتيك تطورات مفاهيمية ونظرية ملحوظة بعد الحرب الباردة، أبرزها صعود ما يعرف بالجيوبوليتيك النقدية أو البديلة، نتيجة التحولات الدولية الكبرى، وتأثير النقاشات الفلسفية والإيبيستيمولوجية بين الاتجاهات الوضعية وما بعد الوضعية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ورغم تراجع أهمية الجيوبوليتيك الكلاسيكية، التي ارتكزت على حتمية الجغرافيا في رسم مصائر الأمم، وظهور أطروحات تحدثت عن “موت الجغرافيا” وانتهاء عصر الجيوبوليتيك، وبداية عصر تتحكم فيه الدول بقدرها بعيدا عن المحددات المكانية، إلا أن الواقع الدولي أثبت أن الجغرافيا والجيوبوليتيك الكلاسيكية لا تزال تحتفظ بقدرة تفسيرية عالية. فما زال العامل الجغرافي يشكل عنصرا أساسيا في تحليل سلوك الدول والعلاقات بين الأمم في القرن الحادي والعشرين، كما كان الحال في عصور سابقة، رغم العولمة والتطورات التكنولوجية المعقدة.

وبحسب التيناوي، فإن توظيف الموقع السوري لا يقوم على بيع الجغرافيا أو رهنها، بل على إدارتها، أي السماح بتدفق المشاريع والاستثمارات دون السماح لأي طرف خارجي باحتكار المفاتيح الاقتصادية. ويعد التنويع في الشراكات وفتح قنوات متعددة شرطا أساسيا يمنع تحول الإعمار إلى أداة ضغط سياسي جديدة. وفي هذا الإطار يصبح التمويل غير المشروط نسبيا، سواء من دول عربية أو من مشاريع لوجستية إقليمية، خيارا استراتيجيا. فكل مشروع يمر عبر سوريا يضيف قيمة للاقتصاد السوري، وفي الوقت نفسه يربط مصلحة الخارج باستقرار الداخل.

فمنذ تسلم الرئيس أحمد الشرع السلطة، وقبيل تسميته رئيسا، حدد 4 أولويات: ملء فراغ السلطة، والحفاظ على السلم الأهلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، واستعادة مكانة سوريا وعلاقاتها الدولية. واستحوذت الأولوية الرابعة على جل اهتمامه منذ اليوم التالي لسقوط نظام الأسد.

التموضع السوري والتوازن الإقليمي

التوازن الإقليمي لن يكون ثابتا في مرحلة ما بعد 2025 ما لم تستطع دمشق إدارة تنافسات متعددة الأطراف، وتجنب الانحياز الكامل لأي محور. فتموضع سوريا في العلاقات الإقليمية، سواء من خلال التحاور مع القوى العربية أو إعادة التفاوض مع القوى الدولية، يمكن أن يحدد شكل التوازن الجديد في المنطقة.

وأوضح التيناوي أن ما بعد 2025 يعيد دمشق إلى الواجهة بوصفها رقما صعبا في معادلة التوازن، لا عبر الانحياز الكامل لأي محور، بل من خلال إدارة التنافس ذاته، فموقعها يسمح لها بأن تكون نقطة توازن لا نقطة اصطفاف. فالانحياز الكامل لطرف واحد قد يمنح مكاسب آنية، لكنه يجرد سوريا من صفتها كدولة مرتكز، أما الحفاظ على مسافة محسوبة من الجميع فيمنحها قدرة تفاوضية أعلى، ويجعل استقرارها مصلحة مشتركة لا يمكن التفريط بها، وفقا للتيناوي.

وخلص الباحث إلى أن السياسة السورية بعد 2025 تتجه نحو سياسة “ضبط الإيقاع”، لا سياسة المواجهة ولا التبعية، عبر إدارة التناقضات بدل الدخول فيها، وتحويل التنافس الخارجي إلى عنصر حماية ذاتية لا إلى سبب جديد للصراع.

الثورة السورية

———————————

سوريا وإعادة بناء المجتمع/ محمد نزال

ديسمبر 18, 2025    

عندما يطرح سؤال الأولويات في الحالة السورية خلال الأعوام الخمسة المقبلة تبرز إعادة بناء البنية الاجتماعية بوصفها المهمة الأكثر جوهرية واستدامة، فالأزمة السورية في عمقها، لم تكن أزمة حكم فحسب بل أزمة مجتمع جرى تفكيك مفاصله تدريجيًا حتى بات عاجزاً عن التأثير في مساره العام أو إنتاج أدواته الذاتية للدفاع عن مصالحه الوطنية، فكان خيار الثورة .

في صورته السليمة لا يختزل المجتمع في السلطة أو فيمن يتولى الحكم، بل يقوم على جماعات اجتماعية وسيطة متماسكة تتمتع بقدر من الاستقلالية وتنطلق من هوية ثقافية وطنية جامعة. تاريخياً لم يكن سر صمود المجتمعات واستمرارها هو ثبات المنظومات الحاكمة بل رسوخ هذه البنى الاجتماعية من القاعدة إلى القمة. ففي التجربة الإسلامية وعلى امتداد قرون طويلة ظلّ المجتمع متماسكاً رغم تعاقب الدول والسلالات( الأمويين، العباسيين…..) لأن مفاصل المجتمع الأساسية -من العلماء ومؤسساتهم إلى التجار والقضاء والمؤسسة العسكرية وغيرهم-  لم تكن مجرد أدوات بيد السلطة بل قوى اجتماعية حيّة قادرة على الاستمرار والتجدد، وعند الأزمات الكبرى أو التحديات الوجودية كانت هذه الجماعات تفرز قيادات جديدة وتعيد إنتاج المجال السياسي فتتغير النخب الحاكمة دون أن ينهار المجتمع.

غير أن التحوّل الجذري الذي بدأ في أواخر العهد العثماني واستكملته أنماط الدولة المركزية الحديثة أدى إلى تفكيك تلك الأعمدة الاجتماعية وأحدث قطيعة عميقة بين المجتمع والسياسة ومع تهميش الفاعلين الاجتماعيين وإقصائهم عن الشأن العام وجد المجتمع نفسه عند انهيار المنظومة الحاكمة في أعقاب الحرب العالمية الأولى عاجزاً عن إنتاج بدائل قيادية أو مشاريع جامعة كما فعل سابقاً، وقد استمر هذا الفراغ البنيوي قرابة قرن من الزمن لتدفع شعوب المنطقة كلفته السياسية والاجتماعية حتى اليوم.

في الحالة السورية الراهنة لا يمكن القفز فوق هذه الحقيقة، فالمجتمع المدني لا يزال هشّاً أو أسير أجندات أو منفصلاً عن الثقافة الاجتماعية المحليّة ما يجعله عاجزاً عن تمثيل المجتمع تمثيلاً حقيقياً أو أداء دور فاعل في إعادة بناء المجال العام. المشكلة هنا ليست في فكرة المجتمع المدني بحد ذاتها إنما في الشكل والمضمون والوظيفة.

ولا يقتصر هذا الاستنتاج على التجربة السورية أو الفكر العربي الإسلامي وحده؛ فقد نبّه مفكرو علم الاجتماع السياسي إلى أن الدولة لا تكون حارسة للحرية ولا منتجة للشرعية إلا بقدر ما يستند حكمها إلى مجتمع حيٍّ ومنظم، فالجمعيات والروابط الاجتماعية تشكل مدرسة للفعل العام وتحمي المجتمع من الاستبداد بينما يؤدي تفكك الجماعات الوسيطة إلى فراغ أخلاقي وسياسي لا تملؤه السلطة إلا بالقسر. كما أن الصراع الحقيقي على السلطة في جوهره يبدأ من المجتمع حيث تصاغ القيم وتبنى التصورات وتتشكل موازين التأثير قبل أن ينتقل إلى مؤسسات الحكم.

من هذا المنطلق فإن أولوية المرحلة السورية المقبلة لا تكمن في إعادة ترتيب السلطة فقط إنما أيضاً في إعادة بناء مجتمع فاعل قادر على التفاعل مع الشأن العام وإعادة تشكيل جماعات اجتماعية صلبة منسجمة مع ثقافتها ومنطلقة من أجندة وطنية مستقلة، مجتمع يمتلك وعياً سياسياً بالمعنى الواسع أي وعياً بالمصلحة العامة وبأولويات كل مرحلة وبحدود الممكن والمطلوب لا وعياً حزبياً ضيقاً أو تعبوياً عابراً.

لذلك أرى أن التحدي الحقيقي خلال السنوات الخمس القادمة يتمثل في بلورة مجتمع مدني ناضج لا وفق قوالب جاهزة أو نماذج مستوردة إنما كمجموعات اجتماعية  قادرة على إنتاج قيادة اجتماعية وسياسية قابلة للمساءلة، وعلى خلق توازن صحي بين المجتمع والدولة وعلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي بوصفه شرطاً لا غنى عنه لأي استقرار سياسي لاحق.

ومع ذلك فإن بلورة صورة المجتمع المنشود لا تكفي بذاتها، فالتحدي الأخطر يكمن في مسار العبور من واقع اجتماعي مفكك تعرض لتشويه ثقافي عميق واستبداد سياسي طويل إلى ذلك النموذج المنشود، وهذا الانتقال لا يمكن أن يكون تلقائياً أو اندفاعياً لذلك يتطلب مقاربة تدريجية محسوبة وحذرة إلى أبعد الحدود.

لأن من أخطر ما قد تواجهه أي مرحلة انتقالية هو نشوء جماعات اجتماعية جديدة على أسس غير وطنية أو وفق أفكار لا تنسجم مع الثقافة السورية وسياقها التاريخي، فمثل هذا التشكل لا يمثل تجاوزاً للتشوه السابق بل يعيد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيداً، وقد يفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بانقلاب اجتماعي ناعم يعيد الاستبداد من بوابة المجتمع نفسه لا من بوابة السلطة وحدها.

من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى خطة استراتيجية دقيقة المعالم، تنطلق من فهم عميق لبنية المجتمع السوري وحساسيته الثقافية وتجربته المريرة مع التسييس القسري والهويات المفروضة، خطة لا تهدف إلى القفز فوق الواقع ولا إلى تصنيع مجتمع جديد على عجل، خطة تهدف إلى ترميم النسيج الاجتماعي تدريجياً وإحياء الجماعات الطبيعية الكامنة

الثورة السورية

———————————–

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى