إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 31 أذار 2026

تابع مكونات الملف اتبع الرابط التالي:
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
—————————————-
تحديث 31 أذار 2026
——————————–
لجنة التحقيق الدولية حول أحداث السويداء تدعو إلى توسيع نطاق إجراءات المساءلة
الخارجية السورية ترحب وتؤكد الشفافية والتزامها بالمحاسبة
أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا ردًا على تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الذي وثق ” أعمال العنف الوحشية” التي اجتاحت مدينة السويداء في شهر تموز/يوليو، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص وأجبرت ما يقارب 200 ألف شخص على النزوح من بيوتهم.
وأعربت الوزارة في بيانها، الذي صدر الجمعة 27 مارس/آذار، عن تقديرها لجهود اللجنة الدولية، مؤكدة أن الحكومة تعاملت “بأعلى درجات المسؤولية والشفافية” مع الأحداث منذ اللحظة الأولى.
كما أشارت الوزارة إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة في آب 2025، وإطلاق خارطة طريق وطنية في أيلول من العام نفسه لحل الأزمة، تضمنت دعوة رسمية للجنة الدولية للقيام بتحقيقها
تقرير دولي حول أحداث السويداء
أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية اليوم تقريرًا جديدًا حول أعمال العنف الوحشية التي اجتاحت مدينة السويداء في شهر تموز/يوليو، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص وأجبرت ما يقارب 200000 شخص على النزوح من بيوتهم.
ويستند هذا التقرير إلى 409 شهادات مباشرة من الناجين والشهود في المجتمعات المتضررة، إلى جانب زيارات ميدانية مكثفة إلى المناطق الأكثر تضرراً. وبعد منح الحكومة السورية الموافقة لدخول أعضاء اللجنة، وجد المحققون دمارًا واسع النطاق — لا سيما في القرى الدرزية، حيث أُحرقت عشرات الآلاف من المنازل والمحلات التجارية ودور العبادة.
وقال رئيس اللجنة السيد باولو سيرجيو بينهيرو: “إن حجم ووحشية أعمال العنف والانتهاكات الموثقة في السويداء أمر مقلق للغاية. فهناك حاجة ماسة إلى بذل جهود موسعة لمحاسبة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم، من أجل إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة، إلى جانب إجراء حوار صادق لمعالجة الأسباب الجذرية. “
وقد وثّقت اللجنة عمليات إعدام وتعذيب وعنف جنساني وحرق المنازل على نطاق واسع، من بين انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان اعتبرت اللجنة أنها قد ترقى إلى جرائم حرب، وفي حال ثَبُتت العناصر اللازمة من خلال مزيد من التحقيقات قد ترقى أيضًا إلى جرائم ضد الإنسانية.
وكانت أحداث تموز/يوليو قد اندلعت في البداية بسبب التوترات بين الطوائف، وتطورت إلى ثلاث موجات مدمرة من العنف، استهدفت اثنتان منها المدنيين الدروز، واستهدفت الثالثة المدنيين البدو.
وفي الموجة الأولى والأكثر دموية، ارتكبت القوات الحكومية، برفقة مقاتلين من العشائر، انتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ضد المدنيين الدروز في الفترة ما بين 14 و16 تموز/يوليو في غرب محافظة السويداء وفي مدينة السويداء، بما في ذلك أعمال القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب. وتم فصل الرجال الذين تم التعرّف عليهم على أنهم دروز عن النساء والأطفال وإعدامهم. وأُطلق النار على آخرين في الشوارع أو قُتلوا في منازلهم إلى جانب أفراد أسرهم.
وبدأت الموجة الثانية في 17 تموز/يوليو بعد انسحاب القوات الحكومية، بعد الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت محافظتي السويداء ودمشق. ومن ثم هاجمت الجماعات المسلحة الدرزية المدنيين البدو، وارتكبت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك أعمال القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والتشريد القسري والنهب، مما أدى في النهاية إلى طرد مجتمع البدو بأكمله تقريباً من المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعات.
أما الموجة الثالثة والأكثر تدميرًا، التي نفذها مقاتلون من العشائر تم حشدهم في الفترة من أواخر 17 تموز/يوليو إلى 19 تموز/يوليو، فقد استهدفت مرة أخرى المدنيين الدروز ضمن أعمال انتقامية. فتم إحراق ونهب جميع المنازل والمحلات التجارية والمواقع الدينية تقريباً في حوالى 35 قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة.
ولم يؤدِّ التدخل العسكري الإسرائيلي، والجهود السابقة الرامية إلى عرقلة عمل الحكومة وتقويض المركزية وزرع الفتنة، إلى مقتل وإصابة أشخاص فحسب، بل ساهم ذلك أيضًا في زعزعة الاستقرار، مما أدى إلى تأجيج اتهامات الخيانة الموجهة إلى قادة المجتمع الدرزي، ودفع إلى مزيد من التحريض الإلكتروني على الكراهية والهجمات الانتقامية ضد المجتمع بأسره، ما أدى إلى تقسيمه.
ورافقت كل موجة من موجات العنف إهانات طائفية موجهة إلى المدنيين الدروز والبدو. وحددت اللجنة أنماطًا واضحة للاستهداف على أساس الهوية الدينية والعرقية والعمر والنوع الاجتماعي. واكتظت المستشفيات، وتراكمت الجثث مع اشتداد أعمال العنف.
وناشدت كل المجتمعات المحلية إلى تحقيق العدالة وتجديد العلاقات بين الطوائف. وتعهدت الحكومة بالمساءلة، ومنحت اللجنة إمكانية الوصول إلى السويداء، وأنشأت هيئة تحقيق وطنية أفادت مؤخرًا باعتقال 23 من عناصر الأمن والجيش. ولم يتم الإفصاح سوى عن معلومات محدودة بشأن التحقيقات المتعلقة بمسؤولية القيادة.
وقالت المفوضة فيونوالا ني أولين: “إن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها أفراد من القوات الحكومية والجماعات المسلحة الدرزية قد ترقى إلى جرائم حرب، وتستلزم إجراء تحقيقات موسعة وسريعة وفعالة ونزيهة من أجل إحقاق العدالة وتقديم ضمانات بعدم التكرار. كما تثير الأحداث مخاوف جدية من أن الهجمات كانت جزءًا من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في السويداء من قبل مجموعة فرعية من قادة القوات الحكومية – مما يتطلب اتخاذ مزيد من الإجراءات من قبل الحكومة للتحقيق في هذه الأحداث باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك من خلال طلب الدعم الدولي حسب الاقتضاء”.
وقد قُتل من المجتمع الدرزي 1190 رجلاً و99 امرأة و22 فتى و31 فتاة. أما المجتمع البدوي المحلي الأصغر حجمًا فقد قُتل منه 53 رجلاً و9 نساء و5 فتيان و3 فتيات. وكان معظمهم من المدنيين أو الأفراد الذين لم يشاركوا وقتها في الأعمال العدائية، على الرغم من أن الرجال الدروز والبدو الذين قُتلوا يشملون أيضًا أعضاء في الجماعات المسلحة أو مدنيين شاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. كما أن ما لا يقل عن 225 من عناصر الحكومة لقوا حتفهم، وكثير منهم في غارات جوية إسرائيلية في الفترة من 14 إلى 16 تموز/يوليو في كل من السويداء ودمشق، وأُبلغ عن وقوع ضحايا إضافيين من العشائر. وفي المجمل، حصلت اللجنة على تقارير تفيد بمقتل أكثر من 1707 شخصًا.
وبالإضافة إلى ذلك، تعرّض العديد من الأشخاص للاختطاف أو الخطف أو الاحتجاز غير القانوني. وفي حين تم العثور على معظمهم وإطلاق سراحهم منذ ذلك الحين، لا يزال حوالى مئة درزي وعشرون شخص من البدو وثلاثون من موظفي الحكومة في عداد المفقودين، فضلاً عن متطوع في الدفاع المدني السوري فُقد أثناء مساعدته في عمليات الإجلاء. ولم تتأكد صحة التقارير الأولية التي أفادت بوجود أعداد كبيرة من النساء المفقودات. ولا يزال مصير ثلاث نساء بدويات وفتاة واحدة وثلاث نساء درزيات مجهولاً.
واتسمت أعمال العنف ببعد جنساني واضح، حيث استُهدف الرجال والفتيان بشكل خاص. كما أفادت كل من المجتمعات الدرزية والبدوية بوقوع أعمال عنف جنسي ضد النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب. ولم يتم تأكيد سوى عدد محدود من الحالات، ولا يزال التحقيق جاريًا لتحديد الحجم الكامل لهذه الأعمال.
ولا تزال محافظة السويداء منقسمة بشدة، مع انقطاع الحوار السياسي. ولم تتغير خطوط السيطرة منذ 19 تموز/يوليو، ولا تزال الاشتباكات مستمرة. ويجري التحقيق في التقارير المتعلقة بأعمال العنف بين الدروز وقيود التنقل التي تفرضها الجماعات المسلحة الدرزية المحلية.
ومن بين ما يقارب 200000 شخص نزحوا في تموز/يوليو، لا يزال حوالي 155000 شخص – معظمهم من القرى الدرزية المحروقة – غير قادرين على العودة. كما لا يزال جميع السكان البدو تقريبًا نازحين قسرًا، ولا يزال الكثيرون يعيشون في ملاجئ غير لائقة بعد مرور ثمانية أشهر. وتفيد مجتمعات أخرى، بما في ذلك المسيحيون والسنة من غير البدو، باستمرار انعدام الأمن والخوف من تجدد العنف.
وترى المفوضة منية عمار أنه: “في حين تعتبر الدولة هي المسؤولة في نهاية المطاف عن ضمان احترام حقوق جميع المتواجدين على الأراضي السورية، فإن الجماعات المسلحة الدرزية عليها أيضًا التزامات بموجب القانون الدولي الإنساني لمحاسبة أفرادها على الانتهاكات المرتكبة، وإعادة الجثث وتحديد مصير المفقودين، وضمان حق النازحين في العودة واحترام منازلهم وممتلكاتهم. وندعو جميع الأطراف إلى مضاعفة الجهود للوفاء بالتزاماتها القانونية، وحماية المدنيين، وحل الأزمة في السويداء حتى يتمكن جميع المدنيين من العودة إلى ديارهم وإعادة بناء مجتمعاتهم.”
وشهدت أحداث تموز/يوليو تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على العنف بشكل كبير، وهو ما ازداد سوءًا بسبب المعلومات المضللة. وانتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو وادعاءات كاذبة ومفبركة، ومن بينها مزاعم شنيعة بإلحاق الأذى بالأجنّة والرُضّع، بما في ذلك من قبل مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية. ولم يتم إثبات صحة أي من هذه الروايات، لكنها عمّقت انعدام الثقة وجعلت آفاق المصالحة أكثر تعقيدًا.
ويدعو تقرير اللجنة إلى بذل جهود مكثفة لضمان المساءلة الشاملة، وتوفير ضمانات ملموسة واتخاذ إجراءات لمنع تكرار الأحداث، وتعزيز جهود بناء الثقة والمصالحة، واتخاذ تدابير متوافقة مع حقوق الإنسان لمكافحة التحريض وخطاب الكراهية، بما في ذلك عبر الإنترنت. كما يحث التقرير المجتمع الدولي على تقديم دعم متعدد المستويات للحكومة لتنفيذ توصيات اللجنة، لا سيما فيما يتعلق بسيادة القانون والمساءلة، ويدعو الأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل، إلى وقف الأعمال التي تنطوي على مخاطر تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار وإلحاق الأذى بالمدنيين.
الخلفية: أنشئت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية بتاريخ 22 آب/أغسطس 2011 من قبل مجلس حقوق الإنسان بموجب القرار S-17/1. وتتمثل ولاية اللجنة في التحقيق بشأن كل الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة منذ آذار/مارس 2011 في الجمهورية العربية السورية. وكلف مجلس حقوق الإنسان اللجنة كذلك بإثبات الوقائع والظروف التي قد ترقى إلى مثل تلك الانتهاكات والخاصة بالجرائم المرتكبة مع القيام، حيثما أمكن، بتحديد الجناة بهدف التأكد من مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بما في ذلك الانتهاكات التي قد ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية. وقد مدد مجلس حقوق الإنسان ولاية اللجنة مرارًا منذ ذلك الحين، وآخرها حتى 31 آذار/مارس 2026.
——————————–
====================
تحديث 28 أذار 2026
——————————–
اعتداءات إسرائيل على جنوب سورية/ بشير البكر
28 مارس 2026
لا يصدّق عاقلٌ أنّ إسرائيل المشغولة بالحرب على إيران تمتلك الوقت والإمكانات للاهتمام بمحافظة السويداء السورية، وبما يجري فيها أحياناً من مناوشات عسكرية بين أجهزة الدولة ومليشيات الحرس الوطني التابعة للشيخ حكمت الهجري. تبدو إسرائيل غير قادرة على حماية نفسها من صواريخ إيران التي ترتفع درجة تأثيرها وتتسع مساحات أضرارها، ومع ذلك تجد الوقت والقدرة لـ”الدفاع” عن أمن سكّان السويداء، مفترضةً أنّه تعرّض للخطر، بحسب بيان الجيش الإسرائيلي في الأسبوع الماضي أنّه “شنّ هجوماً على بنى تحتية تابعة للنظام السوري في جنوب سورية، ردّاً على الهجمات التي استهدفت الدروز في منطقة السويداء”.
تبرير الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة هشّ جدّاً، ولا سيّما أنّها جاءت بعد نحو شهرَين من تجميد عمليات القصف الإسرائيلية التي بدأت منذ اليوم الأول لسقوط نظام بشّار الأسد (الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024). وهناك سؤال وجيه يطرح نفسَه عن سبب هذه الحميّة الإسرائيلية المفاجئة تجاه السويداء، رغم أنّ تل أبيب وافقت على تشكيل آلية اتصال مع دمشق في السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي، بإشراف أميركي، تتكفّل تنسيق وتبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري في الجنوب، و”الانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية”. وقد جاء ذلك نتيجة تدخّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لقائه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير منتجع مارآلاغو بولاية فلوريدا (29 ديسمبر) التي تلتها جولة مباحثات سورية إسرائيلية في باريس رعتها واشنطن، وانتهت إلى صدور بيان ثلاثي مشترك أعلنه الجانب الأميركي، وصف فيه محادثات باريس بأنّها “بنّاءة تمحورت حول احترام سيادة سورية واستقرارها، وأمن إسرائيل، وتحقيق الازدهار لكلا البلدَين”.
ليست السويداء أكثر من حجّة تستخدمها إسرائيل أداةَ ضغط على الجانب السوري لدفعه إلى تقديم تنازلات في ملفّات ثنائية، والتذرّع بالشأن الإنساني كذبة كبيرة. والدليل أنّه في اليوم نفسه الذي ادّعت فيه أنّها قصفت القوات السورية للدفاع عن مواطني السويداء، كانت القنابل المسيّلة للدموع والرصاص الحيّ تُطلق على المواطنين الفلسطينيين الذين قصدوا المسجد الأقصى لأداء صلاة عيد الفطر، وسط استنفار للمستوطنين الصهاينة للاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية، في وقت ترتفع فيه الأصوات من داخل حكومة نتنياهو لاستغلال فرصة الحرب على إيران من أجل ترحيل أكبر عدد من الفلسطينيين، وهم بذلك يريدون استغلال انشغال العالم لتحقيق أحلامهم التوسّعية، وفي الوقت نفسه، كانت القوات الإسرائيلية تتوغّل في جنوب لبنان بعد أن شرّدت نحو مليون لبناني من ديارهم، وقتلت ألفين، ووضعت لبنان بأكمله في موقفٍ صعب جدّاً، يهدّد بانهياره بلداً أمام أزمة نزوح لا تمتلك الدولة اللبنانية الإمكانات الكافية لإدارتها، ما يجعلها قابلةً للانفجار في أيّ لحظة، حتى لو توقّفت الحرب قريباً.
وتكشف الاعتداءات الإسرائيلية وتوغّلاتها المستمرّة في جنوب سورية أن المفاوضات مع إسرائيل تجربة ليست ناجحة، حتى برعاية الولايات المتحدة، والسبب الفعلي أنّ هدف تل أبيب الحصول على تنازلات من السلطات السورية غير القادرة على القيام بها، ومنها، في الوقت الراهن، المشاركة في الحرب بما يخدم المخطّط الإسرائيلي لضرب حزب الله. ورغم أنّ الحكم السوري لا يكنّ أيَّ مودّة تجاه الحزب، فإنه يدرك أخطار خطوة من هذا القبيل، ولهذا على السلطات السورية التفكير جدّياً لبلورة استراتيجية دفاعية تبدأ بتعزيز صمود السكّان السوريين في محافظات الجنوب التي تتعرّض للتوغّلات والقصف والاستحكامات العسكرية على أراضيها. وفي الوقت نفسه، العمل من أجل حشد موقف عربي ودولي مساند لسيادة سورية في المحافل الدولية، وللضغط على إسرائيل.
العربي الجديد
————————–
تحذير أميركي من مخاطر أمنية في دمشق بعد تهديدات إيرانية/ محمد كركص
28 مارس 2026
حذّرت جهات دبلوماسية من تصاعد المخاطر الأمنية في العاصمة السورية دمشق، في ظل تقارير عن تهديدات إيرانية باستهداف مواقع مدنية، من بينها فنادق ومرافق حيوية يُعتقد أنها تستضيف أجانب. وبحسب تنبيه صادر عن السفارة الأميركية ليل الجمعة، أفادت تقارير إعلامية بأن إيران قد توسّع نطاق هجماتها في المنطقة لتشمل سورية، مع التركيز على مواقع مدنية، ولا سيّما الفنادق التي يرتادها أو يقيم فيها أجانب.
ودعت السفارة مواطنيها إلى “اتّخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر، والاستعداد للبقاء في أماكن آمنة داخل منازلهم أو في مبانٍ محصّنة، مع تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ومياه وأدوية”، كما شدد التحذير على ضرورة تجنّب التجمعات والتظاهرات، والحفاظ على تواصل مستمر مع العائلة، إضافة إلى وضع خطط بديلة لمغادرة البلاد، في ظل غياب الخدمات القنصلية الأميركية داخل سورية منذ عام 2012.
في المقابل، نقلت وكالة أنباء “فارس” الإيرانية شبه الرسمية، أمس الخميس، عن مصادر أمنية، أن مواقع بارزة في دمشق تُستخدم كمراكز لتمركز مستشارين وخبراء أجانب، بينهم إسرائيليون وأميركيون وبريطانيون. وذكرت الوكالة، عبر قناتها على “تيلغرام”، أنّ هذه المواقع تشمل فندقي “فورسيزون” و”شيراتون”، إلى جانب القصر الجمهوري، معتبرة أنها نقاط تجمع وإقامة لهذه الكوادر داخل المدينة، وأضافت المصادر أن طهران وجّهت “تحذيراً حاسماً” إلى أصحاب الفنادق في دمشق، مفاده أن أي منشأة تستضيف عسكريين أجانب قد تُعد هدفاً مشروعاً في حال استمرار ذلك.
ولم يقتصر التحذير، وفق الوكالة، على سورية، بل امتد ليشمل مواقع خارجها، من بينها مطار بيروت الدولي ومطار جيبوتي الدولي. ويأتي هذا التصعيد في ظل توتر إقليمي متزايد، ما يثير مخاوف من اتساع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت مدنية، ويضع المدنيين والمقيمين الأجانب أمام تحديات أمنية متصاعدة.
اختطافات إسرائيلية في ريف القنيطرة
في سياق منفصل، اختطفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة، شاباً وطفلاً في ريف القنيطرة جنوبي سورية، أثناء رعيهما الماشية قرب منطقة التل الأحمر الغربي. وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأن القوات الإسرائيلية نفذت عملية الاختطاف في المنطقة الحدودية، قبل أن تنسحب لاحقاً.
إلى ذلك، توغلت قوة إسرائيلية فجر اليوم في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، حيث داهمت منزلاً وفتشته قبل أن تغادر البلدة. وكانت قوات الاحتلال قد توغلت، أمس الخميس، باتجاه محيط مدينة السلام في ريف القنيطرة الشمالي، للمرة الثانية خلال 24 ساعة.
كما شهد يوم الأربعاء توغلاً لقوة إسرائيلية مؤلفة من أربع آليات عسكرية إلى أطراف قرية الرزانية، قبل أن تتابع تقدمها نحو قرية صيدا الحانوت في ريف القنيطرة الجنوبي، حيث اختطفت شابين أثناء رعيهما الأغنام، واقتادتهما إلى داخل الجولان السوري المحتل، من دون توفر معلومات عن هويتهما أو مصيرهما. وتواصل إسرائيل خرق اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، من خلال تنفيذ توغلات في الجنوب السوري، وشن مداهمات واعتقالات، إلى جانب تجريف أراضٍ.
—————————–
هل تستطيع إسرائيل السيطرة على المنطقة بعد حرب إيران؟/ د. فيصل القاسم
الحديث عن قدرة إسرائيل على «السيطرة» على المنطقة ليس مجرد نقاش سياسي عابر، بل اختبار حقيقي لطريقة فهمنا للواقع. المشكلة ليست في قوة إسرائيل بقدر ما هي في طريقة تفكير من يطرح السؤال وكأن المنطقة قطعة شطرنج، وكأن الشعوب مجرد بيادق تُحرّك ولا تتحرك. هذه الفرضية في حد ذاتها خطأ فادح، لأنها تختزل ملايين البشر وتاريخاً معقداً في صورة ساذجة لا تصمد أمام أي قراءة جادة.
نعم، إسرائيل تملك قوة عسكرية كبيرة، وتفوقاً تقنياً واضحاً، وشبكة دعم دولي لا يمكن تجاهلها. نعم، تستطيع أن تدمر، أن تقصف، أن تفرض حصاراً، أن تغيّر معالم مدن كاملة خلال أيام. لكن هل هذا هو معنى السيطرة؟ إذا كان التدمير هو المعيار، فكل قوة عسكرية في التاريخ كانت «مسيطرة». المغول دمروا مدناً بأكملها، والاستعمار الأوروبي اجتاح قارات، والولايات المتحدة أسقطت أنظمة خلال أسابيع. ومع ذلك، لم يتحول التدمير إلى سيطرة مستقرة، بل إلى صراعات طويلة استنزفت الجميع.
الفرق الجوهري الذي يتجاهله كثيرون هو أن السيطرة تعني القدرة على إدارة البشر، لا فقط إخضاع الأرض. الأرض يمكن احتلالها بالدبابات، لكن البشر لا يمكن حكمهم بالقوة وحدها إلى الأبد. هذه ليست شعارات، بل حقيقة أثبتها التاريخ مراراً. في العراق، القوة العسكرية الأكبر في العالم لم تستطع فرض استقرار دائم رغم كل ما أنفقته من موارد. في أفغانستان، استمرت الحرب عشرين عاماً وانتهت بانسحاب كامل دون تحقيق الهدف الأساسي. هذه أمثلة واضحة على أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى سيطرة.
إذا نظرنا إلى التجربة الأقرب، سنجد أن إسرائيل نفسها اصطدمت بهذا الجدار أكثر من مرة. في جنوب لبنان، بقيت حوالي ربع قرن تحاول تثبيت وجودها العسكري، لكنها واجهت مقاومة مستمرة أجبرتها في النهاية على الانسحاب. في غزة، ورغم الحصار والعمليات العسكرية المتكررة، لم تنجح في إخضاع المجتمع أو إنهاء المقاومة. ماذا أنجزت إسرائيل من حربها الأخيرة على غزة التي دمرت كل شيء؟ هل انتصرت وسيطرت؟ هذه ليست تفاصيل هامشية، بل دلائل مباشرة على حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بإرادة بشرية صلبة رافضة.
هنا تظهر المشكلة الحقيقية في طريقة التفكير السائدة، وهي تحويل الشعوب إلى عنصر غائب في المعادلة. يتم الحديث عن «مشاريع» و»خطط» و»إعادة تشكيل المنطقة»، وكأن الناس الذين يعيشون على هذه الأرض غير موجودين. هذا ليس فقط تبسيطاً، بل نوع من الهروب من المسؤولية. لأن الاعتراف بدور الشعوب يعني الاعتراف بأن النتيجة ليست محسومة، وأن هناك مساحة للفعل، لا مجرد رد الفعل.
الشعوب ليست كتلة صامتة. قد تُقهر، قد تُهزم في معركة، قد تمر بحالات ضعف وانقسام، لكن هذا لا يلغي قدرتها على المقاومة وإعادة التشكّل. المقاومة لا تعني فقط السلاح، بل تعني أيضاً الصمود الاجتماعي، والقدرة على الحفاظ على الهوية، وإنتاج أشكال جديدة من الفعل السياسي والثقافي. هذه العوامل مجتمعة تجعل أي محاولة للسيطرة الشاملة مشروعاً مكلفاً إلى حد الاستنزاف، خاصة بالنسبة لقوة بشرية هزيلة كإسرائيل التي يعتبرها القاصي والداني في المنطقة عده الأول.
من ناحية أخرى، فكرة أن المنطقة يمكن «السيطرة» عليها تفترض وجود فراغ، وهذا غير صحيح تماماً. الشرق الأوسط مليء بالقوى، دولاً وجماعات، وكل طرف لديه حساباته ومصالحه. أي محاولة لفرض هيمنة كاملة ستعني بالضرورة الدخول في صراعات متشابكة مع أطراف متعددة، وليس مع طرف واحد فقط. وهذا يرفع الكلفة إلى مستوى يجعل المشروع غير قابل للاستمرار على المدى الطويل.
لكن لا يمكن تجاهل جانب آخر مزعج في هذه الصورة، وهو أن حالة الضعف والانقسام في المنطقة تعطي انطباعاً زائفاً بأن السيطرة ممكنة. عندما تكون الدول متنازعة، والمجتمعات منقسمة، والرؤية غائبة، يصبح من السهل على أي قوة أن تحقق مكاسب مؤقتة. المشكلة أن البعض يخلط بين هذه المكاسب وبين السيطرة الحقيقية. ما يحدث في هذه الحالة هو فراغ نسبي، وليس سيطرة مكتملة.
النقطة التي يجب مواجهتها بوضوح هي أن المشكلة ليست فقط في «ما تفعله إسرائيل»، بل أيضاً في «ما لا تفعله شعوب المنطقة». الاستسلام لفكرة أن كل شيء محسوم مسبقاً هو بحد ذاته هزيمة ذهنية قبل أن يكون هزيمة سياسية. هذا النوع من التفكير يحوّل الناس إلى متفرجين على مصيرهم، بدلاً من أن يكونوا طرفاً فيه.
في النهاية، القوة العسكرية يمكن أن تفرض واقعاً مؤلماً، لكنها لا تخلق شرعية، ولا تنتج استقراراً دائماً، ولا تلغي إرادة البشر. السيطرة الحقيقية تحتاج إلى قبول، إلى قدرة على إدارة التناقضات، إلى حد أدنى من الرضا الشعبي، وهذه شروط لا يمكن فرضها بالقوة وحدها. لذلك، الحديث عن سيطرة إسرائيل على المنطقة كحقيقة حتمية ليس تحليلاً واقعياً، بل قراءة سطحية تتجاهل أهم عنصر في المعادلة، وهو الإنسان.
المسألة ليست إن كانت إسرائيل قادرة على التدمير، فهي قادرة، وهذا واضح. المسألة الحقيقية هي إن كانت قادرة على تحويل هذا التدمير إلى سيطرة مستقرة على ملايين البشر عبر أجيال، والتاريخ، بكل قسوته، يقول إن هذا مستحيل.
٭ كاتب واعلامي سوري
القدس العربي
——————————-
“إسرائيل” رغم حربها مع إيران تعتدي على سوريا؟/ أحمد مظهر سعدو
2026.03.28
دأبت حكومة اليمين المتطرف في (تل أبيب)، ومنذ أن تم كنس نظام بشار الأسد من سوريا، على ممارسة كثير من التعديات الأمنية وقضم الأراضي السورية، وهي بذلك تحاول استغلال الفرص وانشغال العهد الجديد في سوريا بعملية البناء والاستقرار، ولملمة ما خرّبه النظام الأسدي خلال حربه على الشعب السوري.
لكن هذه التعديات والاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، واستمرار ذلك، في ظل وجود الحرب الكبرى التي تقيمها إسرائيل بالشراكة مع الأميركيين في مواجهة إيران، لا بد أن تطرح تساؤلات عديدة، وتوحي، بل وتشي، بمسائل من الممكن التنقيب عنها، وقد تكون ما زالت تعتمل ضمن الذهنية الإسرائيلية (المنشغلة، كما هو مفترض) في حرب ضروس مع الإيرانيين. ومفاد ذلك أن الإسرائيليين الذين عرقلوا وأعاقوا الوصول إلى تفاهمات جديدة، أو اتفاقات أمنية، من خلال المفاوضات الأخيرة في باريس وسواها مع حكومة دمشق، من أجل إيقاف الدخول في اتفاق أمني تريده دمشق، وبرعاية أميركية، كبديل لاتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 بين حافظ الأسد وإسرائيل، أو كتحديث جديد لذاك الاتفاق.
إن حكومة دمشق تود وتعمل، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، من أجل أن تتفرغ بالتالي إلى مسائل وطنية داخلية ملحة وكثيرة، منها عملية البناء الجديد لكل مؤسسات الوطن السوري، ومن ثم إقامة مداميك عصرية وحديثة في الاقتصاد السوري المنهار، الذي سبق ووصل مع نهاية حكم نظام بشار الأسد إلى حالة الدولة الفاشلة. كما تعمل على إعلاء صرح الاستقرار وتوحيد الوطن السوري بكليته، ثم حل إشكاليات كثيرة عالقة، مثل حالات الجنوب السوري المتعثرة، وأيضًا مع ديناميات ما جرى ويجري في شمال غربي سوريا الساحلية، وبعد أن جرى التوقيع على اتفاق مهم مع تنظيم (قسد). وسوريا، كحكومة اليوم، لا تريد أبدًا أن تبقى منشغلة في تواصل التعديات الإسرائيلية التي لا تتوقف، ولا كذلك في وجود إسرائيلي في المنطقة العازلة المحتلة منذ تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
لكن إسرائيل (كما يبدو ويتمظهر على السطح) ما زالت تصر على القول إنها، بالرغم من انشغالها في الحرب الكبرى مع إيران، ما برحت صاحية ومستيقظة ومستعدة لممارسة كل آليات الضغط الأمني على حكومة دمشق، عبر هذه التعديات المشار إليها، وصولًا إلى التوقيع على اتفاق أمني قد يأتي بالضرورة بعد أن تضع الحرب الإسرائيلية–الأميركية–الإيرانية أوزارها، وتكون نتيجته مما يمكن أن تتكئ إليه إسرائيل كنتائج لهذه الحرب المستعرة، وضمن سياقات الضغط المستمرة على حكومة دمشق. ولأن إسرائيل أيضًا قد دأبت على ممارسة عملية المفاوضات، سابقًا ولاحقًا، من خلال سياسة “المفاوضة بالحديد والنار”، وتحت سطوتهما ووقعهما، كما جرت العادة لديها وضمن سياساتها العدوانية، فهي الآن تريد ذلك وعلى نفس الطريق والمؤدى، وتدفع بالتالي نحو تفاهم تريده دمشق، لكن إسرائيل تأمل أن يكون كما تشاء هي، وكما تعتقد أنها باتت قادرة على فرضه بالقوة والعسكريتاريا وفرط القوة التي باتت تمتلكها، في ظل الغياب الحقيقي لأي مشروع عربي في مواجهة إسرائيل، وضمن سياقات حروب مستمرة تمارسها إسرائيل وتعمل عليها وتتابعها ميدانيًا، بدعم أميركي كبير ولا محدود.
إسرائيل، المعتدية دائمًا على الفلسطينيين والسوريين وكل العرب في الإقليم، والتي تخوض حربًا كبرى الآن في مواجهة إيران، تريد استغلال نصرها المفترض ضمن سياقات الاشتغال على تكوين شرق أوسط جديد، تود إنجازه على قدّ ومقاس (بنيامين نتنياهو)، وعلى هدي ونهج استمرار الدعم الأميركي اللامحدود، المترافق والمتساوق مع حالة من الصمت العالمي، رغم كل ما تفعله إسرائيل في المنطقة العربية من عنف وحروب دامية، مع الانحياز الكلي لصالح إسرائيل المعتدية على طول المدى. وإذا كان هناك من يتحدث اليوم عن قرارات للأمم المتحدة أو ضغط أممي ما في هذا السياق، فإن إسرائيل لم تطبق أي قرار أممي متعلق بها، لا مع سوريا ولا مع أي دولة عربية، وهي مستمرة في عربدتها غير العاقلة، والمستفردة بالعرب، دولة إثر دولة، وكسرة إثر كسرة. ويأتي كل ذلك (كما قلنا) في ظل غياب، وتغييب جدي وحقيقي، لأي مشروع عربي ناهض، أو أي اتفاق أمني دفاعي قومي عربي متماسك، قد يعيد إنتاج الواقع العربي من جديد وعلى أسس جديدة، في مواجهة التعديات العدوانية الإسرائيلية أو الإيرانية على دول الخليج العربي والإقليم، أو سوى ذلك وبالتوازي معه.
يبدو أنه بات من المتوقع أن تستمر التعديات العدوانية الإسرائيلية على السوريين، قضمًا للأراضي السورية واعتقالًا للمواطنين السوريين، مع تصاعد مستمر ومضطرد للعربدة الإسرائيلية في المنطقة، ضمن سياقات وأحوال هذا الوطن السوري غير القادر على فتح معارك آنية مع إسرائيل، وفي أتون واقع عربي وإسلامي عاجز، يكتفي بالبيانات والإدانات ليس أكثر من ذلك.
فهل سنشهد، بعد حرب إيران، اتفاقًا أمنيًا جديدًا بين إسرائيل ودمشق يعيد المنطقة العازلة التي احتلتها إسرائيل إلى الوطن السوري؟ وبالتالي، هل سيكون ذلك وفق الشروط والمتطلبات الإسرائيلية، استثمارًا لحالة الانتشاء، ومن ثم كبر وتضخم حجم وقوة إسرائيل عسكريًا، وزيادة كل قدراتها في المنطقة؟ أم أن هناك عوامل أخرى من الممكن أن تدخل على خط الأزمة، وتأخذنا إلى مآلات أخرى لا نريدها كسوريين، وتغير كل هذه المعطيات؟
لعلها تساؤلات كثيرة ومشروعة، ومن حقنا أن نطرحها هنا بكل شفافية ووضوح، لكن ما هو مشروع أيضًا الحديث عن أن إسرائيل، وبدعم أميركي متواصل ومفتوح، باتت قوة كبرى وضاربة في المنطقة، ولن يتمكن الواقع العربي المتعثر برمته من التصدي لها أو مناكفتها، من دون مشروع عربي قوي ومتماسك بعد الحرب على إيران، وبعد هذا الموقف الأميركي الشريك لإسرائيل في حربها هذه، والذي سيترك بالتأكيد كثيرا من آثاره السلبية على واقعنا الإقليمي والعربي بشكل عام، وبالضرورة منه سوريا.
تلفزيون سوريا
——————————
جنبلاط-تركيا وتقاطع القلق: من حاصبيا والسويداء إلى ممر داوود/ منير الربيع
السبت 2026/03/28
الخطر الإسرائيلي على جنوبي سوريا ولبنان يبقى قائماً. قبل أيام، ولسبب غير واضح حتى الآن، لكنه سيتضح لاحقاً، استهدفت إسرائيل منتجعاً سياحياً في منطقة حاصبيا. كان ذلك إشارة بالنار لما يمكن لتل أبيب أن تفكر برسمه في الجغرافيا. يبقى وليد جنبلاط أحد أكثر المتخوفين على جغرافية البلدين وكيانيتهما، وهو أول من حذّر من مخاطر التطورات في السويداء وأحداثها والتدخل الإسرائيلي هناك. وأكثر ما يتخوف منه جنبلاط اليوم يمتد من سوريا إلى لبنان، وهو مشروع التهجير الذي تعتمده إسرائيل دائماً في حروبها، وهو ما تكرره في جنوب لبنان والضاحية.
جنبلاط على خطّ تركيا
مع بداية الحرب، بدأ جنبلاط تحركاً سريعاً على أكثر من خط داخلياً وخارجياً، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة الداخلية ومنع انفجار الصراع السياسي إلى صراع ميداني داخلي، ولعدم حصول مواجهات أو اشتباكات أو احتكاكات بين المهجرين والبيئات الأخرى، كما تواصل مع تركيا لأكثر من هدف، ليس فقط لتأمين منازل جاهزة للمهجرين للتخفيف من وطأة التهجير، بل أيضاً للاستفادة من هذه المنازل بعد الحرب وتثبيتها في الأراضي التي تهجر منها أهلها، أي لتوفير عودتهم إلى أراضيهم، بدلاً من بقائهم في المدارس ومراكز الإيواء، طالما أنه لن يكون هناك إمكانية لإعادة الإعمار سريعاً.
لكن اتصالات جنبلاط كان لها هدف سياسي أيضاً، وهو الارتكاز على الدور الذي يمكن أن تلعبه أنقرة مع إيران ومع الولايات المتحدة لمنع مشروع تهجير أبناء الطائفة الشيعية من مناطقهم. ولتركيا دور استراتيجي في هذا المجال يتصل أيضاً بالخوف على سوريا وجنوبها من المشروع الإسرائيلي الذي عبر الإسرائيليون بوضوح عن نيتهم مواجهة النفوذ التركي على الجغرافيا السورية. قبل فترة، كانت سوريا قد تخوفت من أن يكون المشروع الإسرائيلي هو افتعال حرب أو مواجهة بين دمشق وحزب الله، من خلال مشروع التهجير ودفع مقاتلي الحزب وبيئتهم الحاضنة باتجاه المناطق الجردية الممتدة بين لبنان وسوريا، وكان هناك دور لافت لتركيا في إرسال رسائل الطمأنة والمساهمة في منع حصول أي احتكاك.
..وتركيا على خطّ دمشق
كذلك كانت سوريا تبدي تخوفها من سعي إيران لتوسيع الحرب في المنطقة، وأن تعمل على زعزعة الاستقرار في دمشق، وضرب أهداف أساسية لإحداث اختلال على الساحة الساحة السورية وعدم جعل الحكم في دمشق مستقراً. لذا تكثفت الاتصالات السورية مع الدول العربية، ومع تركيا ومع الأميركيين لمنع ذلك، ولأخذ كل الاحتمالات في الحسبان. في هذا الوقت، تبرز تهديدات إيرانية غير رسمية باستهداف فنادق ومرافق حيوية في العاصمة السورية دمشق، وهو ما من شأنه أن يدفع سوريا للدخول إلى الحرب بشكل أو بآخر، أو أن ذلك قد يدفع قوى عديدة لتجديد الضغط على أحمد الشرع للدخول في مواجهة ضد الحزب في البقاع، على قاعدة خوض هذه الحرب الإقليمية من قبل قوى متعددة في مواجهة إيران وحلفائها. ذلك ما دفع تركيا إلى التحرك سريعاً على خط السوريين والإيرانيين لعدم الاستدراج إلى هذا السيناريو، وقد اعتبر وزير خارجية تركيا هاكان فيدان أن إسرائيل تريد إدخال الدول الإسلامية في صراع طويل الأمد فيما بينها.
وصل جنوبي سوريا ولبنان
بالعودة إلى الخطر على الجنوبين السوري واللبناني. فإسرائيل، ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، عملت على احتلال أراض جديدة في سوريا، والسعي لتغيير حدودها. واليوم تعلن بوضوح سعيها لتغيير الحدود مع لبنان، من خلال السيطرة على منطقة جنوب الليطاني وجعلها عازلة ومعزولة عن أي حياة سكانية، ما يعني إحداث تغيير ديمغرافي وجغرافي. بالنظر إلى الخريطة، لا بد من العودة إلى نقطة ارتكاز أساسية لإسرائيل، وهي موقعها في جبل الشيخ، بالإضافة إلى توغلها في القطاع الشرقي من جنوب لبنان باتجاه كفرشوبا، ومن هناك باتجاه قرى قضاء حاصبيا. كما يمكن لإسرائيل أن تتقدم من جبل الشيخ، باتجاه قرى في قضاء حاصبيا، من دون إغفال توغلاتها الدائمة في سوريا، وخصوصاً من الجولان باتجاه حضر وغيرها، وهو ما يثير مخاوف كثيرة من سعي اسرائيل لـ”اختراع” “ممر إنساني” جديد على شاكلة “ممر السويداء” لوصل بعض المناطق الدرزية اللبنانية والسورية ببعضها البعض.
ممرّ داوود
أي تهديد من هذا النوع هو ما يرفضه جنبلاط، ويسعى إلى تطويقه من خلال اتصالات حثيثة مع جهات عربية وإقليمية ودولية. إلا أن المشروع الإسرائيلي لا يقف عند هذا، فهو إلى جانب السعي لإيهام جهات وجماعات متعددة بدعمها لإقامة “دولها” أو “كياناتها الذاتية”، فهو ما بعد الحرب على إيران، يريد المضي في حرب لتغيير الشرق الأوسط ووجهه، وهذا ما سينطلق منه لزيادة الضغوط على الدول العربية بهدف إضعافها أو ضربها، بالإضافة إلى فتح طريقه أمام المواجهة مع تركيا، وهي إن لم تكن مواجهة مباشرة، فحتماً ستكون بشكل غير مباشر، انطلاقاً من لبنان وسوريا، من دون إغفال احتمالات إعادة السعي لإحياء “مشروع ممر داوود” والذي يشكل تهديداً للامن القومي التركي، بالإضافة إلى تعزيز التعاون والعلاقة مع قبرص واليونان لتطويق أنقرة من البحر المتوسط وفي مجالات النفط والغاز، وفي مشاريع الأنابيب أيضاً.
المدن
—————————-
دمشق: تعاملنا بشفافية مع أحداث السويداء ونؤكد التزامنا بالمحاسبة
وزارة الخارجية السورية تعرب عن تقديرها لتقرير لجنة التحقيق الخاص بالسويداء
2026-03-27
أعربت وزارة الخارجية السورية، اليوم الجمعة، عن تقديرها لجهود لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا التي أصدرت تقريرها حول الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء خلال شهر تموز/ يوليو 2025، مؤكدة أنها تعاملت مع هذه التطورات منذ اللحظة الأولى بأعلى درجات المسؤولية والشفافية.
وذكرت الوزارة في بيان نشر على منصة “فيسبوك” أن الحكومة، انطلاقاً من إيمانها بضرورة تحقيق العدالة والمساءلة، بادرت في مطلع آب/ أغسطس 2025 إلى تشكيل لجنة التحقيق الوطنية الخاصة المستقلة بأحداث السويداء، كما أطلقت في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه خارطة طريق لحل الأزمة، استهلتها بدعوة رسمية للجنة الدولية لإجراء تحقيقها، مع التزامها بمحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات وفق القوانين الوطنية.
وأوضحت الوزارة أن الحكومة السورية، وبعد اطلاعها على التقرير، لاحظت ما تضمنه من عرض للعوامل البنيوية التي أسهمت في تفاقم الأوضاع، بما في ذلك تداعيات سنوات النزاع السابقة والانتهاكات خلال حقبة النظام، وانتشار السلاح، وتصاعد أنشطة تهريب المخدرات، إضافة إلى التوترات المجتمعية التي تجلت في حوادث اختطاف متبادل.
وأضافت أن التقرير أشار أيضاً إلى أثر الضربات التي نفذتها إسرائيل في تعقيد المشهد الميداني وإعاقة جهود التهدئة، وهو ما أخذته الحكومة بعين الاعتبار ضمن تقييمها للأحداث.
وبيّنت الوزارة أن الحكومة السورية تثني على ما ورد في التقرير من إشادة بتشكيل لجنة التحقيق الوطنية وبمستوى التعاون الرسمي مع اللجنة الدولية، سواء من خلال إتاحة الوصول إلى محافظة السويداء، أو تسهيل لقاء الجهات المعنية، أو الالتزام بمبادئ الشفافية والعدالة، مؤكدة في الوقت ذاته تقديرها للتعاون البنّاء الذي جرى بين اللجنة الدولية ولجنة التحقيق الوطنية.
وقالت إن سوريا مستعدة لمواصلة التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، وترحب بالتوصيات الداعية لدعم الحكومة لبسط الأمن، وضرورة استعادة مؤسسات الدولة دورها لحماية المدنيين، مشيرةً إلى وجود تقدم في تنفيذ خريطة الطريق وعودة محتجزين إلى ذويهم وتهيئة الظروف لعودة المهجرين وتعزيز الاستقرار.
وفي وقت سابق اليوم الجمعة، قالت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، إن أكثر من 1700 شخص قُتلوا ونزح ما يقرب من 200 ألف آخرين خلال أسبوع واحد من أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء جنوبي سوريا في تموز/ يوليو 2025.
وأشارت اللجنة في تقرير نشرته وكالة أنباء “رويترز“، إلى أن أطرافاً متعددة، بينها قوات حكومية ومقاتلون من العشائر وجماعات مسلحة درزية، ارتكبت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.
وخلص التقرير، إلى مقتل ما لا يقل عن 1707 أشخاص في المحافظة، معظمهم من المدنيين المنتمين إلى الطائفة الدرزية، إضافة إلى أفراد من البدو وما لا يقل عن 225 عنصراً من القوات الحكومية.
وأشار التقرير إلى أن نحو 155 ألف شخص لا يزالون نازحين حتى الآن، واصفاً الوضع الإنساني بأنه لا يزال دون حل بعد مرور أشهر على وقف إطلاق النار الهش.
وأكدت لجنة التحقيق الدولية أن جميع الأطراف الرئيسية في النزاع ارتكبت انتهاكات، لافتة إلى أن العديد منها قد يشكل جرائم حرب، وقد يرقى في بعض الحالات إلى جرائم ضد الإنسانية.
وأوضحت أن مقاتلي العشائر الذين رافقوا القوات الحكومية خلال المرحلة الأولى من العمليات كانوا يعملون تحت سيطرتها الفعلية، ما يجعل أفعالهم منسوبة إلى الدولة، في حين عُدّ مقاتلون آخرون مشاركين بشكل مباشر في الأعمال القتالية.
وذكر التقرير أن أعمال العنف اندلعت على ثلاث موجات بين 14 و19 تموز 2025، بعد نحو سبعة أشهر من إسقاط المعارضة لنظام بشار الأسد، واتسمت كل مرحلة بهجمات على المدنيين وانتهاكات واسعة النطاق.
وخلال المرحلة الأولى، نفذت القوات الحكومية والمقاتلون المتحالفون معها عمليات قتل واعتقالات تعسفية وتعذيب وعنف جنسي ونهب، استهدفت بشكل أساسي السكان الدروز، وفق ما ذكره التقرير.
وذكر التقرير أنه وفي المرحلة الثانية ردت الجماعات المسلحة الدرزية باستهداف البدو، وارتكبت عمليات قتل وتعذيب وتهجير قسري، إضافة إلى شن هجمات على مواقع مدنية ودينية، ما أدى إلى نزوح معظم البدو من المناطق الخاضعة لسيطرتها.
أما في المرحلة الثالثة، فقد احتشد آلاف من مقاتلي العشائر وتقدموا نحو السويداء، حيث ارتكبوا عمليات نهب واسعة وأعمال قتل وإحراق للمنازل في عشرات القرى، مع الإشارة إلى أن جميع المنازل تقريباً في 35 قرية تعرضت لأضرار أو دُمرت.
ولفت التقرير إلى أن القتل خارج نطاق القضاء كان يحدث على نطاق واسع، وأن المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن وذوو الإعاقة، كانوا يُستهدفون خلال مداهمات المنازل وفي الأماكن العامة، وغالباً ما كان ذلك مصحوباً بإهانات ذات طابع طائفي.
كما وثّق التقرير أنماطاً من التعذيب والخطف والعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب هجمات على مواقع دينية وتدمير ممنهج لممتلكات المدنيين، مشيراً إلى أن مرتكبي هذه الانتهاكات كانوا يوثقون أفعالهم وينشرونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم تراجع حدة القتال بعد وقف إطلاق النار في 19 تموز، أشار التقرير إلى استمرار الاشتباكات والانتهاكات بشكل متفرق، محذراً من أن الوضع سيظل متقلباً ما لم تُتخذ خطوات جدية للمحاسبة والتوصل إلى حل سياسي شامل.
وأكدت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا ضرورة معالجة الانتهاكات وضمان تحقيق العدالة للضحايا وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية، بما يسهم في منع تجدد أعمال العنف مستقبلاً.
——————————
مصدر: سوريا تعرقل طريق تسليح “حزب الله” الذي يثير قلق إسرائيل
تل أبيب تنفذ عمليات ضد “حزب الله” بالتنسيق مع سوريا
2026-03-27
قال مصدر غربي مطلع، اليوم الجمعة، إن سوريا نجحت جزئياً في إحباط محاولات تهريب الأسلحة إلى “حزب الله” من أراضيها، لكنها لم تتمكن من منع جميع عمليات التهريب.
وأكد المصدر الذي نقلت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الحكومة اللبنانية لا ترغب ولا تستطيع نزع سلاح الحزب خشية اندلاع حرب أهلية، فيما تركز الولايات المتحدة على الحرب في إيران وتولي لبنان اهتماماً محدوداً.
وفيما يتعلق بدور سوريا، قال المصدر إن دمشق تراقب تهريب الأسلحة، وخصوصاً الصواريخ المضادة للدبابات التي تثير قلق إسرائيل، وقد ساعدت إسرائيل في تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية بموافقة الرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف منع استئناف تدفق الأسلحة إلى لبنان.
ومع ذلك، أشار المصدر إلى أن بعض المناطق، مثل شمال البقاع والطرق الجانبية، صعبة المراقبة وتتطلب تنسيقاً مكثفاً لمنع “حزب الله” من استخدامها في تهريب السلاح.
وأوضح أن السكان في شمال إسرائيل يضغطون على الحكومة الإسرائيلية خلال موسم انتخابي، ما دفع صناع القرار في إسرائيل إلى تبني موقف صارم تجاه “حزب الله”.
وتبقى فرنسا حذرة من الدخول في مفاوضات سلام مباشرة، مشيرة إلى أن الوقت لا يزال مبكراً لكنها لم تستبعد إمكانية تحقيق سلام إذا تمكن لبنان من فرض احتكار استخدام القوة داخل الدولة، وفق ما ذكره المصدر.
وأشار إلى أن إسرائيل تنوي استعادة السيطرة على المناطق التي رفض الجيش اللبناني دخولها بحثاً عن مخازن أسلحة “حزب الله”، مؤكداً أن دمج الحزب في المجتمع المدني أو الجيش أو الشرطة هو الحل الواقعي.
ولفت إلى أن الحزب يتمتع بقوة مجتمعية كبيرة ويقدم خدمات للسكان الشيعة بما في ذلك وظائف، رعاية صحية وسكنية، فيما الحكومة اللبنانية عاجزة عن توفير هذه الخدمات.
وأضاف المصدر الغربي أن “حزب الله” تمكن من نقل أسلحته من شمال لبنان إلى الجنوب خلال المواجهة الأخيرة، وأن قيادته جهزت الأجيال الشابة من الضباط بمستوى عالٍ من الخبرة العسكرية والتحفيز السياسي والديني، مع توجيه ضربات مباشرة للسكان الإسرائيليين.
وأواخر كانون الثاني/ يناير الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السورية، عن إحباط محاولة تهريب أسلحة بينها صواريخ من سوريا إلى لبنان.
وقالت الوزارة، إن مديرية الأمن الداخلي في منطقة القصير بمحافظة حمص غربي سوريا، وبالتعاون مع مديرية الأمن الداخلي في منطقة النبك بريف دمشق، أحبطتا محاولة تهريب شحنة أسلحة إلى داخل الأراضي اللبنانية عبر منطقة البريج، وذلك عقب ورود معلومات دقيقة حول تحرّك سيارة مشتبه بها قادمة من بلدة جريجير.
وذكرت، أن “القوى الأمنية اعترضت سيارة من نوع شفروليه كانت محمّلة بتسعة صواريخ موجهة من طراز كونكورس، و68 حشوة RPG، وصاروخين من نوع 107، إضافة إلى خمسة صناديق ذخيرة BKS”، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأضافت وزارة الداخلية، أن الوحدات الأمنية داهمت وكر العصابة الكائن في بلدة جريجير، والذي نُقلت منه الأسلحة، حيث جرى العثور على مخازن روسية ومنظار نهاري داخل الموقع.
وأكدت الوزارة، أن الجهود ما تزال مستمرة لملاحقة جميع المتورطين في العملية، مشددةً على أن مواجهة شبكات التهريب ستبقى أولوية، وأن العمل الأمني متواصل بلا تهاون لتعزيز أمن الحدود.
ومنتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أعلن الأمن الداخلي السوري، عن إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة من سوريا إلى لبنان.
——————————–
لجنة التحقيق الوطنية بأحداث السويداء: توافق مع التقرير الدولي وتشديد على المساءلة
2026/03/28
دمشق-سانا
أفاد المتحدث الرسمي باسم لجنة التحقيق الوطنية بأحداث السويداء، المحامي عمار عز الدين، أن اللجنة تابعت صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية، وأشادت بالجهود المهنية المبذولة في توثيق الانتهاكات الجسيمة، وتسليط الضوء على معاناة الضحايا التي شهدتها المحافظة في تموز 2025.
وأشار المحامي عز الدين في تصريح لـ سانا اليوم السبت إلى تقدير اللجنة لما ورد في الفقرة 51 من التقرير الدولي، من ترحيب بتشكيل اللجنة الوطنية، والاجتماع معها في أيلول الماضي لتبادل الخبرات في مجال التحقيقات المستقلة.
وأوضح أنّ ما خلص إليه التقرير من ضرورة تعزيز المساءلة وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، يتقاطع جوهرياً مع أهداف اللجنة الوطنية المتمثلة في كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، ووضع الأسس لمساءلة جميع المتورطين دون استثناء.
واعتبرت اللجنة أن التطابق بين التقريرين يعكس صحة منهجيات التحقيق الوطنية والدولية، ويعزز المصداقية في توثيق الوقائع، ويوفر قاعدة قوية للعمل المستقبلي في مجال العدالة والمساءلة، متجسّداً في التوصيات الواردة في تقريرها ولا سيما في مجال المساءلة والتحقيقات الجنائية.
ولفت المتحدث إلى وجود توافق واضح بشأن الحقائق الأساسية، بما فيها حجم المعاناة الإنسانية للضحايا، وتوثيق الانتهاكات الجسيمة، والحاجة الماسة للمحاسبة القانونية لجميع المسؤولين دون استثناء.
وشدّد على أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة نتائج التحقيقات إلى إجراءات قانونية فعلية تضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات، محققة العدالة للضحايا وصائنة لحقوقهم.
وأكد أن كشف الحقيقة بصورة شاملة وشفافة يشكّل حجر الأساس لأي مسار جاد نحو الإنصاف والمصالحة، وأن إعمال المساءلة الفعالة هو الضمانة الأساسية لمنع تكرار الانتهاكات، وهو أحد أهداف الدولة السورية في المرحلة الانتقالية، لافتاً إلى أن مبدأ عدم الإفلات من العقاب يجب أن يظل ركيزة مركزية، وأنّ أي إخلال به يقوّض الثقة بالعدالة ويهدد السلم الأهلي.
ودعا في سياق ذلك جهات إنفاذ القانون إلى البناء على ما تم إنجازه، والاستفادة من مخرجات التقرير الوطني والدولي، واتخاذ خطوات لضمان محاسبة جميع المرتكبين وفق الأطر القانونية الوطنية وبما ينسجم مع معايير المحاكمة العادلة والشفافة.
وجدد التأكيد على أهمية تضافر الجهود الوطنية والدولية لدعم مسار العدالة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً، وبناء دولة القانون.
وكانت وزارة الخارجية أعربت عن تقديرها لجهود لجنة التحقيق الدولية المستقلة، التي أصدرت تقريرها أمس، حول الأحداث الأليمة والمؤسفة التي شهدتها محافظة السويداء خلال شهر تموز 2025، مؤكدة أن الحكومة السورية تعاملت بأعلى درجات المسؤولية والشفافية مع هذه التطورات منذ اللحظة الأولى.
——————————–
====================
تحديث 27 أذار 2026
——————————–
أميركا تغيّر الخرائط: ممرّات في مثلث سوريا- الخليج- اسرائيل/ منير الربيع
الجمعة 2026/03/27
لا بوادر لوقف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلا في حال قدمت الأخيرة تنازلات كبيرة تصل إلى حد الاستسلام. إنها حرب تأخذ مدىً أبعد على المستوى الجغرافي والاستراتيجي، وتتصل بإعادة رسم خرائط المنطقة وتوازناتها ككل. كل الدول التي تبذل جهدها للوصول إلى اتفاق أو لإنجاح المفاوضات، لا تبدو مقتنعة بإمكانية تحقيق ذلك، لا بل هذه الدول نفسها تبحث عن الخيارات البديلة وكيفية التعاطي مع اتساع نطاق الحرب وأفقها. باكستان مثلاً إحدى أكثر الدول التي تتحرك على خط تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران، تسعى في أكثر من اتجاه إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، خصوصاً في ضوء السعي لبناء تفاهمات أو تحالفات مع تركيا، المملكة العربية السعودية ومصر.
باكستان والوساطة
بادرت باكستان إلى بذل جهود الوساطة، إذ ليس من مصلحتها دخول إيران في حالة فوضى ستنعكس على الأمن القومي الباكستاني، خصوصاً في حال دخلت إيران في مسار يشير إلى تقسيم مناطق النفوذ فيها. كما أن التحرك الباكستاني يرتبط بالتحالف مع دول الخليج، خصوصاً بعد الاعتداءات الإيرانية عليها، وهو يأتي بعد اتصالات هندية إيرانية سمحت للهند باستخدام مضيق هرمز. كذلك فإن باكستان هي إحدى الدول المتضررة من مشروع طريق الهند، وهي تبحث عن إعادة رسم هذا الطريق أو التغيير في خرائطه انطلاقاً من تحالفاتها مع قوىً عديدة على مستوى المنطقة.
.. والدور التركي
تركيا أيضاً، تتحرك على خط منع اتساع الحرب لأنها ستكون متضررة في حال توسعها، وهي لا تريد الانجرار إليها، ولا تريد لإيران أن تدخل في حالة فوضى، كما تسعى إلى منع تحقيق المشروع الإسرائيلي في إيران، وهو دفعها للانهيار أو للتقسيم، وتريد احتواء أيَّة محاولة ستقدم عليها تل أبيب مع واشنطن لتقديم دعم كبير لأكراد إيران عسكرياً ومالياً وسياسياً، ودفعهم ليكونوا نقطة الارتكاز والانطلاق الأساسية لأي تحرك داخلي يهدف لإسقاط النظام، لأن ذلك سيكون له ارتداداته على أنقرة.
تعلم أنقرة وإسلام أباد، أنه بعد هذه الحرب وسعي الأميركيين لإدخال دول عديدة إليها، لا يمكن لإيران أن تبقى على ما كانت عليه سابقاً، لا على المستوى الداخلي لجهة قوة النظام، ولا على المستوى الخارجية لجهة سياسة النظام وتوجهاته أو استمرار التمتع بالنفوذ الإقليمي. ذلك يعني سعي هذه الدول إلى تعبئة الفراغ الإيراني الذي ستكرسه هذه الحرب على مستوى المنطقة. وما يؤكد ذلك، هو ما كان قد سمعه مسؤولون عرب وأتراك على لسان المبعوث الأميركي توم باراك حول ضرورة الاستعداد لمرحلة ما بعد النفوذ الإيراني ولما بعد سقوط النظام، والتحضير لتعبئة الفراغ.
البديل عن سايكس بيكو
فما يسعى إليه باراك مع تركيا ودول عربية هو بناء علاقات وتحالفات جديدة تنسجم مع السياسة الأميركية. هنا لا يمكن التغافل عن التصريح الشهير الذي أطلقه توم باراك عن انتهاء مفاعيل اتفاقية سايكس بيكو. وهذه لها مدلولات كثيرة، أهمها إعادة الوصل السياسي والجغرافي بين تركيا ودول الخليج عبر سوريا. ينظر باراك إلى سياسة المنطقة من منظور “تركي”، إن صح التعبير، ولكنه منظور يتطابق مع الرؤية الأميركية، وهو ما يدفع البعض إلى وضع معادلة بديلة عن سايكس بيكو، وعن معادلة برزت في السنوات الماضية سميت بمعادلة “كيري ظريف”. هذه المعادلة الجديد هي “باراك فيدان”.
الدور الخليجي
في هذا السياق، تحتل الدول العربية موقعاً أساسياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية ونظرتها للتوازنات الدولية في المرحلة المقبلة، وبما يتعلق بالحرب على إيران، إذ إن واشنطن، وكي تتمكن من حسم المعركة، ستكون بحاجة إلى دعم أو تسهيل من قبل دول الخليج لاستخدام القواعد العسكرية وغيرها من الاحتياجات. وفي الوقت الذي طلبت فيه دول الخليج إشراكها في أي مفاوضات مع إيران، فهي تطالب أيضاً بضمانات أمنية وعسكرية أميركية لتوفير كل ظروف وفرص الحماية من اتساع الحرب ومن النتائج التي ستفرزها.
على وقع هذه التطورات، يبرز تحرك خليجي وعربي متسارع، من خلال اللقاءات والاتصالات التي عقدت، وصولاً إلى الضغوط التي مورست على دول عربية أخرى مثل لبنان والعراق. إذ لا يمكن فصل الرسائل السياسية التي يتلقاها البلَدان حول ضرورة الانضواء إلى جانب المنظومة العربية، عن الضغوط التي تمارس عليهما، سواء من خلال بيان واضح حذرت فيه دول الخليج بغداد من منع إطلاق أي هجمات من أراضيها ضد دول الجوار، أو الاحتواء السياسي للبنان الذي يترافق مع ضغط، وإعلانات خليجية متكررة عن توقيف لشبكات مرتبطة بحزب الله واتهام الحزب بالتحضير للقيام بعمليات أمنية على أراضيها. الهدف من ذلك هو الضغط على لبنان والعراق لدفعهما إلى الاندماج مع خيار هذه الدول العربية وإبعادهما من فلك إيران، أو تركهما يتعرضان لحرب عسكرية واسعة.
مظلة حماية لدمشق
في هذا السياق، يبرز التنسيق العربي مع سوريا، أولاً من خلال بيانات التضامن معها رداً على تنفيذ اعتداءات على أراضيها من قبل فصائل الحشد الشعبي، وثانياً من خلال اتصالات حول التكامل والسعي لإقامة غرفة عمليات مشتركة تحسباً لأي تطورات أو تداعيات ستقود إليها هذه الحرب، مع توفير مظلة حماية لدمشق من أي مساع إيرانية لإدخالها في دوامة الحرب. في السياق نفسه، برزت رسالة مصرية واضحة من القاهرة إلى دمشق حول تعزيز العلاقات والتنسيق والتعاون في هذه المرحلة. ذلك لا ينفصل عن اتصالات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بوزراء دول الخليج لإعلان التضامن مجدداً وللتنسيق في كيفية مواجهة هذه الحرب أو انعكاساتها، وهنا لا بد من استذكار اتصالات الشرع بزعماء دول الخليج مبدياً الاستعداد للتعاون والتنسيق والتكامل على المستويات الأمنية والعسكرية لمواجهة هذه الحرب.
وسط كل ذلك، برز توم باراك مجدداً في تصريحه الذي قال فيه إنه يمكن لسوريا لعب دور بديل عن مضيق هرمز الذي تغلقه إيران، ذلكَ عبر الأنابيب، علماً أن الشرع كان قد طرح رؤيته لجعل سوريا نقطة تقاطع أساسية في مجالات التجارة وممراتها وخطوط أنابيب النفط والغاز، ما بين الخليج وتركيا عبر الأراضي السورية، مع مساع لإعادة إيصال النفط العراقي إلى ميناء بانياس ومن هناك نحو أوروبا.
نصائح للبنان
في هذا السياق، تلقى لبنان نصائح عربية كثيرة بضرورة أن يكون منضوياً ضمن كل هذه المشاريع والطموحات، ولكن بشرط معالجة وضعه الداخلي. وهنا أيضاً لا بد من العودة إلى كلام باراك وتحذيراته حول ضرورة إقدام لبنان على إصلاح الوضع فيه ومعالجة ملف السلاح كي لا يعود إلى بلاد الشام، ذلكَ ما يرتبط بضغوط أميركية مورست على سوريا للدخول في مواجهة ضد حزب الله وهو ما رفضته دمشق، مع احتمال تجدد الضغوط واستمرارها في إطار تقديم المزيد من الإغراءات حول الدور الاقتصادي الذي يمكن لسوريا أن تلعبه.
عملياً، إنها إعادة رسم أميركية للمنطقة وتوازناتها، انطلاقاً من علاقتها التحالفية مع أنقرة، إذ بالنسبة إلى واشنطن، فإن العلاقة مع أنقرة استراتيجية نظراً لنفوذها والدور الذي تلعبه في الحرب الأوكرانية الروسية، أو القوقاز أو المشرق العربي وصولاً إلى شمال أفريقيا، وهذه أدوار مهمة جداً بالنسبة إلى الأميركيين. أما العلاقات التركية السعودية فبإمكانها تشكيل قوة اقتصادية حقيقية من خلال الإمساك بالممرات التجارية والاقتصادية، كما أن ما تريده أميركا لمرحلة ما بعد حربها على إيران، هو قطع مسار العلاقات الاستراتيجية بين إيران والصين، وأن تتحول طهران إلى جزء من الاستراتيجية الأميركية. أما على مستوى المشرق العربي فهي تريد له أن يذهب إلى السلام مع إسرائيل وهو ما تسعى إليه في لبنان وسوريا، إما عبر القوة أو بالتفاوض، كما أنها تريد دفع دول الخليج إلى هذا المسار، لعلها تعمل في سبيل توسيع طريق الهند وضم سوريا ولبنان إليها مع ضمان مصلحة تركيا، كشكل من أشكال تنويع الممرات وعدم الارتكاز فقط على هرمز أو البحر الأحمر. لكن المسألة تبقى مرتبطة بما سيكون عليه الوضع بالنسبة إلى العلاقة بين دول الخليج وإسرائيل، وبين إسرائيل وتركيا.
المدن
——————————–
حروب إسرائيل المتعدّدة وضمنها في لبنان/ ماجد كيالي
الجمعة 27 مارس 2026
لا تتعاطى إسرائيل مع الحرب التي تشنها ضد لبنان باعتبارها جزءاً من الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، فقط، فهي إضافة إلى ذلك تعتبرها بمثابة حرب خاصة بها، لاعتبارات وجودها وأمنه
لا تتعاطى إسرائيل مع الحرب التي تشنها ضد لبنان باعتبارها جزءاً من الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، فقط، فهي إضافة إلى ذلك تعتبرها بمثابة حرب خاصة بها، لاعتبارات وجودها وأمنها ورؤيتها لذاتها، وتبعاً لتاريخ العلاقة المتوترة، أو الحربية، بين لبنان وإسرائيل، سواء في حقبة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، أو في حقبة صعود “حزب الله” وهيمنته على قرار الحرب والسلم في لبنان. وفي الواقع, فإن إسرائيل ترى أن المعطيات الدولية والإقليمية والعربية الراهنة، والتي نجمت عن عملية “طوفان الأقصى”، بمثابة الفرصة السانحة لها، والتي يجب أن تقتنصها، ليس لتعزيز أمنها واستعادة صورتها كدولة رادعة، فقط، بل ولإعادة تموضعها، كالطرف المهيمن في المشرق العربي، وربما في عموم الشرق الأوسط، بعدما ظلّت إيران لعقدين من الزمن (2003ـ 2023)، تتحداها وتنافسها على تلك المكانة. ثلاث مسائل للملاحظة يمكن أن نلاحظ هنا، على خلفية الحرب المشتعلة، ثلاث مسائل: الأولى أن إسرائيل، وهي تخوض حرباً متعددة الأطراف، لا تربط تماماً بين مسارات الحرب ضد هذا الطرف أو ذاك، إذ لديها لكلّ طرف أجندة، أو استهدافات خاصة، ما يعني أن وقف الحرب الأميركية، بأي شكل من الأشكال، ضد إيران، لا يعني وقف الأجندة الإسرائيلية إزاء لبنان، وضمنها التخلص من القدرات العسكرية لـ”حزب الله”، وفرض منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، ومنطقة آمنة، خالية من السلاح، إلى حدود نهر الليطاني، مع مستتبعات كل ذلك على الصعيد السياسي، بين لبنان وإسرائيل، علماً بأن هذه الأجندة هي ذاتها التي تشتغل عليها إسرائيل إزاء سوريا. المسألة الثانية أن إسرائيل هي التي تخوض حرباً متعدّدة الأطراف، كأنّها في ذلك استعارت، أو ترجمت بالنار، شعار “وحدة الساحات”، الذي كانت أشهرته أطراف محور “المقاومة والممانعة”، في محاولة منها لتأكيد مكانتها كقوة عظمى رادعة، وكالمالك الحصري لقرار الحرب والسلام في المنطقة. أما المسألة الثالثة فتفيد بأن إسرائيل تحاول أن تستثمر الظروف الراهنة إلى أقصى حد، وضمن ذلك سياسات إيران المتهورة، ليس فقط لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب مباشرة ضدّها، لتقويض قدراتها النووية والصاروخية وتقويض أذرعها الميليشياوية المنتشرة في أكثر من بلد، وإضعاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وصولاً ربما للتخلص من النظام السائد فيها، وإنما هي تسعى، أيضاً، باعتبارها المستفيد الأساسي من تلك الحرب، بالتعاون مع الولايات المتحدة، لجذب أوسع مشاركة دولية وإقليمية وعربية في تلك الحرب، أي إن إسرائيل الصغيرة تستخدم جيوش غيرها لتنفيذ ما تريده، وفقاً لمصالحها وأولوياتها. طوفان الأقصى محطة مفصلية منذ الغزو الأميركي للعراق (2003) وتسليمه لإيران، عبر ميليشياتها الطائفية المسلّحة، بدت إيران كأكثر طرف فاعل في المشرق العربي (واليمن)، لعقدين من الزمن، إلى حين عملية “طوفان الأقصى” (2023)، علماً بأن ذلك الوضع أتى وفق معادلة الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في السياسات الإيرانية، أي فترة السماح، التي أفضت إلى تصديع بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، بخلق ميليشيات مسلّحة هي بمثابة دول داخل الدول، وبإثارة النعرة الطائفية التي قسّمت مجتمعات تلك البلدان. وفي الواقع، فإن إسرائيل ظلت تنظر بعين الحذر، أيضاً، إلى تلك المعادلة، خصوصاً أن إيران ظلت منذ البداية تحاول الخروج من ذلك السقف المحدّد، أو المقيّد لها، بسعيها إلى تعظيم قدراتها وقواها العسكرية، النووية والصاروخية والميليشياوية، وهو الأمر الذي استنفد أغراضه بعد كل التحولات التي حصلت في المشرق العربي، وبعد عملية “الطوفان”، التي أنهت فترة السماح أو الاستثمار. هكذا، بات في مقدمة الشروط المطلوبة من إيران لوقف الحرب حرمانها من القدرة على إنتاج طاقة نووية، وحرمانها من ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها لأذرعها الميليشياوية، خصوصاً “حزب الله” في لبنان. الآن، تحاول إسرائيل، في سباق مع زمن الحرب، سواء استمرت أم توقّفت، بأي شكل كان، فرض وقائع في الميدان في لبنان، عبر الاستمرار في تدمير البنى التحتية لـ”حزب الله”، سواء في شقها العسكري أو المالي أو السياسي، وخلق مشكلات كبيرة لما تعتبره البيئة الحاضنة لـ”حزب الله”، من خلال تدمير عمران جنوبي لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت، ومن خلال تفكيك هذه البيئة، وضمان عدم تكتّلها، ويشمل ذلك التوغّل في الأراضي اللبنانية، بما يصل ربما إلى حدود الليطاني، لفرض منطقتي العزل كمجال حيوي آمن، لا يتيح أي عودة لـ”حزب الله”. إسرائيل إذن تشتغل في اتجاهين في لبنان، باعتباره جزءاً من الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد لبنان، كما باعتباره بحدّ ذاته تحدياً لإسرائيل، وهذه هي معضلة لبنان، في هذه الحرب، وقبلها وبعدها.
النهار العربي
———————————–
تغيير الشرق الأوسط وإعادة تشكيل النظام الدولي: إطاران لفهم أبعاد الحرب على إيران/ عزالدين عبد المولى
26 مارس 2026
صبيحة السبت، الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، شنَّت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية حربًا على إيران استهدفت فيها مئات المواقع الأمنية والعسكرية والسيادية واغتالت عددًا كبيرًا من قادة النظام على رأسهم المرشد الأعلى، علي خامنئي. بصرف النظر عن سير الأحداث وطريقة إدارة الحرب والأطراف المشاركة والتي يمكن أن تشارك فيها، ثمة إطاران عامَّان متقاطعان يخدم أحدهما الآخر، تتحرك ضمنهما الحرب: إطار جيوسياسي وإطار يتصل بالعلاقات الدولية.
يدور الإطار الجيوسياسي حول هدف إسرائيل بـ”تغيير الشرق الأوسط” وإعادة رسم خرائطه، وأما الإطار المتصل بالعلاقات الدولية فيدور حول هدف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتغيير النظام الدولي ليتَّسق مع رؤيته في “جعل أميركا عظيمة مجددًا”. وإذا كان هدف إسرائيل من شَنِّ الحرب على إيران وثيق الصلة بهدفها الأكبر، تغيير الشرق الأوسط، فإن علاقة هذه الحرب بهدف إعادة تشكيل النظام الدولي تحتاج إلى توضيح وتركيب لأجزاء صورة غير مكتملة.
تغيير إيران لتغيير الشرق الأوسط
لا يُخفي القادة الإسرائيليون هدفهم بتغيير الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ولا يفتأ إعلان هذا الهدف يتردد في خطابات قادتهم، سياسيين وعسكريين. صحيح أن هذا الهدف ارتبط إعلاميًّا برئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، لاسيما خلال حرب العامين على غزة، ولكن جذوره بعيدة، تعود إلى بدايات قيام الكيان الصهيوني في نهاية أربعينات القرن العشرين. وقد ظل هذا الهدف ملازمًا لوجود الكيان في مختلف المراحل ومنعكسًا في سياساته حربًا وسلمًا.
نشأت فكرة تغيير الشرق الأوسط في صيغتها الأولى ضمن نظرية “شد الأطراف”، التي كان أول من استخدمها رئيس وزراء إسرائيل الأول، ديفيد بن غوريون. فالدولة التي قامت على احتلال أرض شعب آخر، لم تكن نشأتها طبيعية، ولم تكن البيئة التي نشأت فيها قابلة بها أو بالتعايش معها، لذلك بدأ التفكير في تغيير تلك البيئة مبكرًا. وحين صيغت سياسة شد الأطراف في الخمسينات، كان المركز العربي يتشكل من ثلاثي مصر وسوريا والعراق، وكانت الأطراف المقصودة بالشد حول ذلك المركز: إثيوبيا في القرن الإفريقي، وإيران المحاذية للخليج، وتركيا الأوراسية(1).
كانت سياسة شد الأطراف، في تلك المرحلة، تهدف إلى تأمين وجود الاحتلال واستمراره، وتعويض خسائره المادية والإستراتيجية الناجمة عن العزلة الدبلوماسية والمقاطعة العربية، وتعزيز قوته الصاعدة لتحقيق التفوق الإقليمي. في السياق ذاته، وإلى جانب شَدِّ هذه الأطراف إلى السياسة الإسرائيلية وأهدافها الإقليمية، سعت إسرائيل للتقارب مع الأقليات الدينية والعرقية في المنطقة، مثل الموارنة في لبنان والدروز في سوريا والأكراد في العراق واليهود في شمال إفريقيا وبعض القبائل في جنوب السودان.
مع مرور الوقت، تغيرت المعادلات في المنطقة، فضعفت مكونات المركز العربي وتحولت إلى أطراف، وقويت الأطراف السابقة وتحولت إلى مراكز. وبدلًا من علاقات التقارب والتحالف مع إسرائيل، أصبحت بعض المراكز الجديدة تنافس إسرائيل على النفوذ الإقليمي، مثل تركيا، وبعضها يناصبها العداء، مثل إيران. لمواكبة هذا التطور في المعادلات الإقليمية، توسعت سياسة شَدِّ الأطراف الإسرائيلية لتشمل المزيد من الدول الإفريقية، مثل كينيا، والآسيوية، مثل أذربيجان، والأوروبية، مثل قبرص واليونان. ومع ذلك، لم تغادر فكرة تغيير الشرق الأوسط قلب التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي.
فأثناء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ78، في 22 سبتمبر/أيلول 2023، قبيل السابع من أكتوبر/تشرين الأول وبداية الحرب على غزة، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خريطة بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، قسَّم فيها منطقة الشرق الأوسط إلى قسمين، قسم يضم حلفاء إسرائيل وأصدقاءها من الدول التي طبَّعت أو تنوي تطبيع علاقاتها معها، وهي مصر والسودان والإمارات والسعودية والبحرين والأردن. وقسم لما تبقى من دول المنطقة، مع غياب أي وجود لفلسطين على تلك الخريطة.
خلال الحرب على غزة، طفت فكرة تغيير الشرق الأوسط مجددًا وبقوة، وترددت على ألسنة قادة الاحتلال. فقد عرض نتنياهو، مرة أخرى، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 27 سبتمبر/أيلول 2024، خريطتين، الأولى لمحور الأصدقاء، بما في ذلك الهند، والثانية لمحور الأعداء، ضمَّت كلًّا من إيران والعراق وسوريا (إبراز خريطتين). في الوقت ذاته، توغلت إسرائيل في الجنوب اللبناني لاقتطاع منطقة عازلة، وتقدمت في العمق السوري للاستيلاء على المزيد من الأراضي بالإضافة إلى مرتفعات الجولان المحتلة منذ 1967. وفي يونيو/حزيران 2025، شنَّت حربًا على إيران دامت اثني عشر يومًا، أعلن خلالها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل “بحملتها العسكرية على إيران تُغيِّر وجه الشرق الأوسط”(2).
وضعت حرب الاثني عشر يومًا إيران في صدارة أولويات إسرائيل بوصفها القوة الإقليمية التي ينبغي تحييدها ابتداء على طريق تحقيق هدف إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد. فبالإضافة إلى شبكتها من الجماعات المسلحة في كلٍّ من لبنان واليمن والعراق، تُشكِّل القوة الصاروخية الإيرانية، التي ألحقت بإسرائيل أضرارًا ملموسة في تلك الحرب، تهديدًا أمنيًّا يصعب على تل أبيب التعايش معه. لذلك، ما إن انتهت حرب يونيو/حزيران حتى بدأت الاستعدادات لهذه الحرب، التي خُطِّط لها للإطاحة بالنظام.
إذا حققت إسرائيل، بشنِّها هذه الحرب، هدف تغيير النظام، فإنها بذلك ستتخلص من التهديدات التي يمثلها، وستتمكن من تغيير موضع إيران في خريطة التحالفات الإقليمية. ستتخلص أولًا من البرنامج النووي، الذي يشكِّل أكبر مصادر التهديد الأمني وترى فيه خطرًا على وجودها. فامتلاك إيران قدرات نووية من شأنه أن يقلِّص فجوة التفوق العسكري الإسرائيلي، ويغيِّر ميزان الردع في المنطقة. لذلك، عارضت إسرائيل الاتفاق النووي، سنة 2015، لأنه لا يمنع إيران من تطوير قدرات نووية عسكرية في المستقل.
ستتخلص إسرائيل ثانيًا من شبكة الوكلاء من الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في إطار ما يُعرف بمحور المقاومة، الذي واجهته إسرائيل خلال حرب غزة على عدة جبهات. وستتخلص ثالثًا من القدرات الصاروخية البالستية والطائرات المسيَّرة التي طوَّرتها إيران ذاتيًّا وبالتعاون مع حلفائها الروس والصينين. فإذا عُمِّمَت هذه القدرات على حلفاء طهران، مثل حزب الله والحوثيين والجماعات العراقية المسلَّحة، فإن الخطر على أمن إسرائيل يصبح مضاعفًا. أخيرًا، ستتخلص إسرائيل من منافس قوي في سياق صراعها على النفوذ والهيمنة الإقليمية. فتحييد طهران، وربما استقطابها للتحالف مع تل أبيب، سيغيِّر موازين القوى في المنطقة بشكل جوهري ويمكِّن إسرائيل من تشكيل نظام إقليمي يرسِّخ تفوقها الإستراتيجي ويُضعف أي قوة مضادة أو تحالفات ناشئة. ذلك ما أعاد نتنياهو التأكيد عليه في مؤتمر صحفي، عقده مساء الخميس 12 مارس/آذار 2026، بقوله: “نحن بصدد تهيئة الظروف المناسبة لإسقاط النظام الإيراني. نحن بصدد تغيير الشرق الأوسط لنصبح قوة إقليمية، وفي بعض المجالات، قوة عالمية”(3).
إذا كان الإطار العام الذي تدور فيه الحرب الراهنة على إيران، من المنظور الإسرائيلي، هو تغيير الشرق الأوسط، وأن هذا الإطار يقتضي في هذه المرحلة إسقاط النظام الإيراني وتغيير موازين القوى الإقليمية لصالح إسرائيل استعدادًا للحرب القادمة، فكيف نفهم الإطار العام من الزاوية الأميركية؟ وكيف يؤدي الاشتراك في الهدف الآني مع إسرائيل إلى خدمة أجندة البيت الأبيض ورؤيتها العالمية الأبعد لتغيير النظام الدولي؟
الحرب على إيران والعين على الصين
لم يُخْفِ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض في عهدته الثانية، قلقه من استمرار النظام الدولي بقواعده التي قام عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فهذا النظام، الذي شاركت الولايات المتحدة في تشييده وقادته منفردة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية ثمانينات القرن العشرين، لم يعد يخدم المصلحة الأميركية، بل تحوَّل إلى عبء عليها. لقد سمح هذا النظام بصعود قوى دولية وإقليمية مناوئة مثل الصين، وأضعف القوة الأميركية وحَدَّ من تأثيرها العالمي. لذلك ينبغي تغييره وإعادة تشكيله على قواعد جديدة “تجعل أميركا عظيمة مجددًا”.
تحدد إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي صدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، الأهداف الكبرى التي ينبغي على الولايات المتحدة تحقيقها، وتصنِّف أولوياتها في المناطق التي ستتحرك فيها، وترسم السياسات التي ستنتهجها في السنوات القادمة لاستعادة “عظمة” أميركا. لا تفصح هذه الإستراتيجية عن هدف “إعادة تشكيل النظام الدولي”، ولكن تنفيذها في مناطق العالم الخمس (الشطر الغربي، آسيا، أوروبا، الشرق الأوسط، إفريقيا) يؤدي في النهاية إلى تحقيق هذا الهدف. فكيف نفهم الحرب على إيران ضمن هذا السياق؟
يبدأ مسار إعادة تشكيل النظام الدولي واستعادة العظمة الأميركية بتأمين شطر الكرة الأرضية الغربي “من التدخلات الأجنبية المعادية ومنع القوى الدولية المنافسة من امتلاك أصول أساسية في هذه القارة”(4). أما الشرق الأوسط، فيحظى بمكانة خاصة في هذه الإستراتيجية؛ فهو “المصدر الأكثر أهمية للطاقة في العالم، وهو مسرح رئيسي لتنافس القوى الكبرى، وساحة للصراعات الإقليمية والعالمية… لذلك، ستحرص أميركا دائمًا على الحفاظ على مصالحها الأساسية في هذه المنطقة، ومنع القوى المعادية من السيطرة على إمدادات الطاقة في الخليج، وإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا والبحر الأحمر صالحًا للملاحة، وضمان أمن إسرائيل”(5).
تزداد أهمية الشرق الأوسط، وتحديدًا أهمية إيران، بالنظر إلى موقع الصين في الإستراتيجية الأميركية، التي صيغت، في هذه النقطة تحديدًا، لتصحيح أخطاء الإدارات السابقة على مدى أربعين عامًا الماضية. فقد أتاحت تلك الأخطاء للصين، حسب الإدارة الحالية، الدخول للنظام الدولي والاستفادة مما يوفره من فرص للإثراء ومراكمة القوة. لذلك، على الولايات المتحدة أن تصحِّح علاقاتها الاقتصادية بالصين بما يحافظ على تفوقها، وأن تستعيد ميزان القوة العسكرية والتجارية لصالحها وصالح حلفائها في المنطقة(6).
في كل الأهداف الأميركية المتعلقة بالصين، تأتي إيران في قلب المعادلة، إما مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فإيران، في الحسابات الجيوسياسية، تشكِّل عقدة محورية تلتقي عندها أهمية الجغرافيا وخطوط الطاقة، وتنعقد بشأنها التحالفات السياسية والعسكرية. فبالإضافة إلى إرثها التاريخي الامبراطوري الذي لا يزال يغذِّي ذاكرة صانع القرار في الجمهورية الإسلامية، تشكِّل إيران تقاطعًا إستراتيجيًّا عالميًّا تتنافس في إطاره القوى الكبرى وتدير فيه وحوله صراعاتها.
لذلك، أي سعي لإعادة تشكيل النظام الدولي وتغيير موازين القوى العالمية ينبغي أن يأخذ موقع إيران الجيوسياسي في الشرق الأوسط بعين الاعتبار، مثلما يؤخذ بعين الاعتبار موقع فنزويلا أو البرازيل في أميركا اللاتينية، أو موقع تايوان أو ملقا في جنوب شرق آسيا. فاحتواء الصين، القوة العالمية الصاعدة، أو محاصرتها أو إضعافها، يجعل من إضعاف إيران أو تغيير شكل تحالفاتها الإقليمية والدولية بعيدًا عن الصين، هدفًا إستراتيجيًّا للولايات المتحدة. وتحقيق هذا الهدف من شأنه أن يدفع الأجندة الأميركية في مواجهة الصين على عدة أصعدة، أبرزها:
1. توسيع نطاق تحكُّم الولايات المتحدة في سوق الطاقة العالمية وحرمان الصين من الوصول السهل إلى مواردها. فتغيير النظام في فنزويلا، التي كانت تصدِّر للصين أكثر من 50% من نفطها، كان خطوة في هذا الاتجاه. وتغيير النظام في إيران، كما كان مخططًا له، من شأنه أن يحرم الصين من مصدر آخر أكثر أهمية، فالنفط الإيراني يشكِّل نحو 13% من وارداتها. ومن شأنه أيضًا أن يأتي بنظام صديق للولايات المتحدة أو حليف لها يتحكم في حركة الملاحة في اثنين من أهم الممرات المائية في العالم، مضيق هرمز ومضيق باب المندب؛ حيث يمر نصيب مهم من التجارة العالمية ونحو ثلث موارد الطاقة(7).
2. محاصرة مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تهدف لإعادة رسم طرق التجارة العالمية وربط شرايين الاقتصاد العالمي ببيجين. فإيران حلقة وصل رئيسية في هذه الشبكة الجيو-اقتصادية الممتدة من الطرق البرية وسكك الحديد والموانئ والخدمات اللوجستية، تربط بين المحور الآسيوي الصاعد والشرق الأوسط وأوروبا. موقع إيران المحوري في هذا المشروع العالمي متعدد الأطراف، بقدر ما يفتح طهران المحاصرة منذ عقود، على شركاء تجاريين في مختلف القارات، فإنه يساعد الصين كذلك على توسيع نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي وتعزيز مكانتها التنافسية مع الولايات المتحدة. لذلك، من شأن إخراج إيران من هذه المعادلة أن يعطِّل هذا المشروع ويدفع بيجين إلى إعادة النظر في مساراته وكلفته وجدواه.
3. إنهاك المحور المناهض للغرب بركيزتيه الأساسيتين: الصين وروسيا، وإضعاف التكتلات الإقليمية والدولية التي تدور حولهما مثل منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس. فإيران عضو فاعل في المنظمتين، وحليف رئيسي لبيجين وموسكو، وصوت من أصوات ما أصبح يُعرف بـ”الجنوب العالمي”، الداعي لتأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب، أكثر عدلًا وتوازنًا. فإذا تغيرت وجهة طهران باتجاه الغرب، تغير وجه الشرق الأوسط برمَّته، وبات مجالًا خالصًا للنفوذ الجيوسياسي الأميركي، تتحالف في إطاره كل من إيران “الجديدة” ومنطقة الخليج وتركيا وإسرائيل. هكذا تعود “أميركا عظيمة مجددًا”، فتسيطر على شطر الكرة الغربي، وتستخلص لنفسها منطقة الشرق الأوسط، وتحاصر النفوذ الصيني والروسي وتدفعه للانكفاء.
حساب الحقل وحساب البيدر
كان إسقاط النظام الإيراني لِيُصبح السيناريو الأفضل لتحقيق أهداف التحالف الإسرائيلي/الأميركي لو تحقق ذلك بضربة أولى قاضية، كما كانت تقضي خطة الحرب على الورق. ولكن مسار الحرب تغير بمجرد امتصاص إيران لتلك الضربة وتمكُّنها من ردٍّ سريع وسَّع رقعة الأهداف وكشف عن قدرات عسكرية لا يبدو أنها أُخذت بعين الاعتبار في حسابات من وضع إستراتيجية الحرب في واشنطن وتل أبيب.
لقد تغيرت الحسابات الأميركية-الإسرائيلية خلال الأسابيع الأربعة الأولى، وتغيرت معها أهداف الحرب أكثر من مرة؛ فلم يعد إسقاط النظام هدفًا، بل أصبح الهدف عقد اتفاق متفاوَضٍ عليه مع قيادته الجديدة. خلال هذه الفترة، اقتلعت إيران ورقة تفاوضية جيوسياسية مهمة تتمثل في التحكم في مضيق هرمز. وإذا جلس الطرفان على طاولة المفاوضات في المستقبل، سيكون المضيق ملفًّا إضافيًّا تفاوض به طهران إلى جانب ملفاتها الأخرى المتعلقة ببرنامجيها، النووي والصاروخي، ونفوذها الإقليمي.
بهذا المعنى، سيكون من الصعب على نتنياهو أن يقنع قاعدته بأن الحرب قد قرَّبت إسرائيل من تحقيق هدفها في تغيير خارطة الشرق الأوسط. وسيجد ترامب الصعوبة ذاتها في إقناع جمهوره وناخبيه بأن الحرب تخدم الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة باستعادة “العظمة الأميركية” وتحقيق التفوق المطلق في مجال المنافسة الدولية، لاسيما تجاه الصين.
نبذة عن الكاتب
عزالدين عبد المولى
مدير إدارة البحوث بمركز الجزيرة للدراسات.
مراجع
(1) اعترفت تركيا بإسرائيل عام 1949 واعترفت بها إيران عام 1950، وبعد الاعتراف، نمت العلاقات الثنائية وشهد التعاون بين تل أبيب وكل من أنقرة وطهران تطورًا لافتًا خاصة في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد.
(2) جاء هذا التصريح في مؤتمر صحفي لرئيس الوزراء نتنياهو، بتاريخ 16 يونيو/حزيران 2025.
(3) إسقاط النظام الإيراني في هذه الحرب بهدف تغيير الشرق الأوسط تُجمع عليه الطبقة السياسية الإسرائيلية بمختلف توجهاتها في الحكم والمعارضة. انظر، على سبيل المثال، تصريح الرئيس إسحاق هرتزوغ لصحيفة بيلد الألمانية، بتاريخ 10 مارس/آذار 2026، الذي أشار فيه إلى أنه “لا ينبغي التركيز على السقف الزمني لنهاية الحرب بل على تحقيق هدفها بإسقاط النظام، الذي سيغير صورة الشرق الأوسط”. انظر كذلك تصريح رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، في مقابلة على بلومبرغ، الأربعاء 11 مارس/آذار 2026، التي أكد فيها أن تركيا هي العدو الإستراتيجي الجديد وسيأتي دورها بعد إسقاط النظام الإيراني وتغيير وجه الشرق الأوسط.
(4) إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، نوفمبر 2025، ص 3.
(5) المصدر نفسه، ص 27-28.
(6) المصدر نفسه، ص 20.
(7) انظر على سبيل المثال:UN Trade and Development (UNCTAD): Strait of Hormuz disruptions: Implications for global trade and development, 10 March 2026.
https://unctad.org/publication/strait-hormuz-disruptions-implications-global-trade-and-development (Accessed on 24/03/2026)
Piyush Shukla, Oil prices in for more shock: what could happen if the Houthis of Yemen close the Bab al-Mandeb Strait? The Economic Times, 16 March 2026.
https://economictimes.indiatimes.com/news/international/us/oil-prices-in-for-more-shock-what-could-happen-if-the-houthis-of-yemen-close-the-bab-al-mandab-strait/articleshow/129609085.cms (Accessed on 24/03/2026)
مركز الجزيرة للدراسات
————–
من الجنوب إلى الحدود مع العراق: سوريا بين الضربات الإسرائيلية وصراع النفوذ الإقليمي/ أحمد الجابر
الضربات الإسرائيلية في الجنوب السوري: حسابات إقليمية معقدة ومخاوف من توسع الصراع.
2026-03-27
تتسارع وتيرة التطورات الأمنية في الشرق الأوسط على وقع تصاعد الحرب الإقليمية بين إسرائيل وإيران، وهو تصعيد بدأ منذ أواخر شباط/فبراير الماضي وتحوّل خلال الأسابيع الأخيرة إلى مواجهة مفتوحة تتخللها ضربات متبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى عمليات عسكرية تمتد آثارها إلى عدة ساحات في المنطقة.
وفي هذا السياق، برز الجنوب السوري مجدداً كإحدى أكثر الجبهات حساسية وتعقيداً، مع تزايد الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية تابعة للجيش السوري، وسط تبريرات إسرائيلية مرتبطة بما تصفه تل أبيب بضرورة منع تهديدات أمنية في المنطقة وحماية بعض المكونات المحلية، خصوصاً في محافظة السويداء.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتسع فيه رقعة الحرب في الإقليم، حيث تواصل إسرائيل تنفيذ مئات الضربات ضد أهداف مرتبطة بإيران وبرامجها الصاروخية، بينما ترد طهران بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة في إطار استراتيجية الضغط المتبادل.
كما يترافق ذلك مع تصاعد المواجهات على الجبهة اللبنانية بين إسرائيل و”حزب الله”، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى حرب متعددة الجبهات قد تشمل سوريا ولبنان وربما دولاً أخرى في المنطقة.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، تحاول دمشق اتباع سياسة حذرة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في الصراع الإقليمي، رغم الضغوط العسكرية المتزايدة على أراضيها.
إلا أن استمرار الضربات والتوترات الحدودية يجعل الجنوب السوري ساحة مفتوحة لتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في البلاد وإمكانية تحولها إلى مسرح إضافي للصراع الدائر في الشرق الأوسط.
يقول الدكتور رامي الخليفة العلي، الكاتب الصحفي والباحث في الفلسفة السياسية في جامعة باريس، في حديثه لـ”963+”: إنه بالنسبة للأهداف المعلنة وغير المعلنة للضربات الإسرائيلية في جنوب سوريا، يعتقد أن هناك عدة أهداف يمكن قراءتها من زاوية التحليل السياسي وليس بالضرورة من زاوية المعلومات المؤكدة.
ويشير إلى أن الهدف الأول يتمثل في وجود رغبة لدى إسرائيل في إحداث شرخ داخل المجتمع السوري، حيث تحاول إظهار نفسها كقوة تحمي فئة أو مجموعة سكانية سورية، وهي في هذه الحالة الدروز. ويرى أن هذا السلوك يندرج ضمن محاولة التأثير على البنية الاجتماعية السورية وإثارة الانقسامات الداخلية، بحسب تحليله.
ويضيف العلي أن المسألة الثانية تتعلق بالضغط على سوريا من أجل تقديم تنازلات في إطار أي مفاوضات قادمة. ويوضح أن إسرائيل قد تسعى إلى إعادة تفعيل الاتفاقية الأمنية بين الطرفين، أو حتى الدفع باتجاه اتفاق سلام، وذلك عبر ممارسة ضغط عسكري يدفع الإدارة السورية إلى تقديم تنازلات، ربما تتعلق بأراضٍ أو ترتيبات أمنية، مقابل وقف تلك الضربات.
أما المسألة الثالثة، فيلفت العلي إلى أنها مسألة مستجدة نسبياً، خصوصاً في الضربات الأخيرة التي استهدفت بنية تحتية تابعة للجيش العربي السوري. ويعتقد أن هذا الاستهداف يمكن تفسيره كنوع من معاقبة سوريا أو حكومتها بسبب رفضها الانخراط في حرب ضد “حزب الله”. ويشير إلى أن هذه الفرضية تم التطرق إليها في بعض وسائل الإعلام الغربية والتحليلات المنشورة في الصحافة الغربية.
وفي سياق تحليله، يوضح العلي أن هناك أيضاً عاملاً سياسياً داخلياً في إسرائيل، إذ ينوه إلى أن البلاد يحكمها حالياً حكومة يمينية بقيادة بنيامين نتنياهو.
ويرى أن هذه الحكومة تسعى إلى ترك مجال واسع لتحركها العسكري في مختلف الدول المحيطة بها، أو في أي دولة ترغب في استهدافها، دون أن تواجه رادعاً حقيقياً.
ويشير إلى أن إسرائيل تضرب عملياً في عدة ساحات، مثل سوريا والعراق، إضافة إلى المواجهات مع إيران في اليمن وقطاع غزة وغيرها. ويعتبر أن هذا النهج أصبح سمة واضحة في سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية.
وحول مدى تأثير هذه الضربات على استقرار المناطق الحدودية والأمن السوري، يؤكد العلي أن تأثيرها كبير للغاية. ويعلل ذلك بأن استمرار الضربات يخلق حالة من عدم الاستقرار ويزيد التوتر في المناطق الحدودية.
ويضيف أن الحكومة السورية تسارع، في المقابل، إلى محاولة المضي قدماً في المفاوضات بهدف الوصول إلى اتفاق ما، غير أنه يلفت إلى أن الجانب الإسرائيلي لا يتجاوب حتى الآن بالشكل الكافي، بحسب تقديره.
التنسيق الأمني الإقليمي ودور الحشد الشعبي
أما فيما يتعلق بالتنسيق بين الحشد الشعبي والقوات السورية، فيوضح العلي أنه ليس على دراية كاملة بتفاصيل هذا التنسيق. لكنه يشير إلى وجود تنسيق مع القوات العراقية بشكل عام، كما يلفت إلى أن الحديث عن تنسيق أمني بين العراق وسوريا ظهر منذ سقوط نظام بشار الأسد.
ويضيف أن وفوداً أمنية عراقية زارت سوريا أكثر من مرة، ويرجح أن هناك بالفعل تنسيقاً أمنياً بين السلطات العراقية الرسمية والقوات السورية.
وفي هذا السياق، يوضح العلي أن الحشد الشعبي، وإن كان يتبع اسمياً للقوات العراقية، إلا أنه عملياً يتكون من فصائل ولائية ترتبط بالحرس الثوري الإيراني أكثر مما ترتبط بالمؤسسة العسكرية العراقية الرسمية. ويرى أن هذه الفصائل، إلى جانب الميليشيات الإيرانية، منخرطة بالكامل في الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
ويحلل العلي هذه الاستراتيجية قائلاً إن إيران قد تسعى إلى دفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى، لأن ذلك يخفف عنها الضغط في ظل الهجوم الكبير الذي تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل عليها في إطار الحرب الجارية مع إيران، وفق رأيه.
ويضيف أن هذا السياق العام ربما يفسر تحركات الحشد الشعبي، خصوصاً أن المناطق التي استُهدفت في سوريا، مثل منطقة العروبية، كانت سابقاً قاعدة للقوات الأمريكية، بينما أصبحت حالياً قاعدة للجيش العربي السوري.
محاولات جرّ سوريا إلى الصراع الإقليمي
وفي سياق آخر، يشير العلي إلى وجود محاولات إسرائيلية لجرّ سوريا إلى الصراع، خصوصاً في الساحة اللبنانية. ويوضح أن سوريا أرسلت بالفعل قوات إلى الحدود، لكن الرئيس الشرع – سواء في تصريحات سابقة أو في لقاءات مع قيادات لبنانية – عبّر بشكل واضح عن أن سوريا غير معنية بالانخراط في مواجهة مع “حزب الله” في لبنان، وأن هدفها الأساسي هو تأمين حدودها.
ويضيف العلي أن من بين الشخصيات اللبنانية التي جرت معها هذه الأحاديث الرئيس اللبناني فهمي الجميل، رئيس حزب الكتائب، إضافة إلى شخصيات سياسية لبنانية أخرى. ويرى أن موقف الإدارة السورية يتمثل أساساً في محاولة تجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية أوسع.
وفي تحليله، يعتبر العلي أن هناك رغبة إسرائيلية في جر سوريا إلى الحرب في لبنان لكي تقاتل هناك بصورة غير مباشرة. كما يرى أن هناك محاولات لجرّ دول الخليج إلى حرب مع إيران، لأن ذلك سيُظهر وكأن المنطقة بأكملها تقاتل إيران، وهو ما قد يخفف الضغط عن إسرائيل في سياق الحرب الدائرة.
لكن العلي يعتقد أن سوريا ليست في وارد الانخراط في أي حرب جديدة، ويعلل ذلك بأن البلاد تعاني أصلاً من أزمات ومشكلات كثيرة، ولا يرى أن القيادة السورية يمكن أن تنجر إلى حرب بناءً على رغبات إسرائيلية أو أمريكية.
وفي ما يتعلق بالوضع الميداني، يوضح العلي أن الأجواء السورية، وخصوصاً في المنطقة الجنوبية، شهدت سقوط بعض الشظايا الناتجة عن عمليات الاعتراض الإسرائيلية.
ويشير إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، مثل القبة الحديدية أو غيرها من وسائل الدفاع، تحاول إسقاط الصواريخ خارج حدود إسرائيل، لكن ذلك يؤدي أحياناً إلى سقوط شظايا في مناطق من الجنوب السوري.
ويرى العلي أنه لا يمكن القول إن سوريا أصبحت ساحة حرب مباشرة، لأن طبيعة الحرب الحالية تعتمد أساساً على الصواريخ بعيدة المدى والطيران. ويضيف أن سوريا لا تمتلك الإمكانات الجوية الكافية لمواجهة هذا النوع من الحروب، وهو ما يفسر محدودية ردودها العسكرية.
كما يلفت إلى أن سقوط بعض المقذوفات لا يقتصر على سوريا فقط، بل يشمل تقريباً معظم دول المنطقة، التي أصبحت – إلى حد كبير – ساحة لحرب تعتمد على القصف الجوي والطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى.
أما بالنسبة لردود الفعل الرسمية في دمشق، فيرى العلي أنها تتجه بوضوح نحو عدم الانخراط في هذا الصراع. ويعتقد أن سوريا ستحاول الحفاظ على هذا الموقف خلال المرحلة القادمة من الحرب.
جنوب سوريا: ساحة استنزاف دولية
من جهة أخرى، يؤكد محمد فتحي الشريف، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، في حديثه لـ”963+”، أن الجنوب السوري تحول إلى “بؤرة استنزاف” دولية. ويشير إلى أن الضربات الإسرائيلية المتكررة لم تعد تقتصر على أهدافها المعلنة المتمثلة في تقويض سلاح “حزب الله”، بل باتت أقرب إلى استراتيجية “الأرض المحروقة”، وفق تحليله.
ويضيف الشريف أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى منع الدولة السورية من استعادة سيادتها الكاملة، وفرض واقع أمني هش يهدد استقرار دول الجوار في منطقة شرق المتوسط.
ويتابع الشريف قائلاً إن ما يحدث في جنوب سوريا لا يمكن اعتباره مجرد تبادل لإطلاق النار، بل هو محاولة لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية عبر القوة العسكرية، وهو ما يضع القانون الدولي أمام اختبار حقيقي، بحسب وصفه.
كما يوضح الشريف أن الاستهداف المتكرر للمراكز السيادية السورية يعكس رغبة في دفع دمشق نحو صراع مباشر، أو محاولة مقايضتها بوجودها الإقليمي من أجل فك ارتباطها بتحالفاتها.
وحول التواجد الإيراني وقوات الحشد الشعبي، يفسر الشريف تدخل هذه القوى بأنه غالباً ما يُبرَّر بشعارات “المقاومة”، لكنه يرى في الواقع أنها تعمل كقوى موازية تضعف مؤسسات الدولة السورية.
ويشير إلى أن هذا التنسيق غير المقيد بين تلك القوى يمنح إسرائيل ذريعة دائمة لاختراق الأجواء السورية، الأمر الذي يحول البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين طهران وتل أبيب، بعيداً عن مصالح الشعب السوري، بحسب تعبيره.
وفي قراءته للموقف الرسمي السوري، يذكر الشريف أن دمشق تكتفي غالباً بالإدانة الدبلوماسية، في محاولة لموازنة تحالفاتها الإقليمية مع تجنب الانفجار العسكري الشامل.
كما يدعو الشريف الاتحاد الأوروبي إلى تحمل مسؤولياته تجاه الكارثة الإنسانية في سوريا، مشيراً إلى أن تدمير البنية التحتية أدى إلى شلل واسع في الخدمات الأساسية وزيادة موجات النزوح، التي قد تمتد آثارها إلى الحدود الأوروبية.
ويقترح رئيس مركز العرب للأبحاث عدة سياسات لمنع تحول سوريا إلى ساحة حرب شاملة، من بينها اعتماد دبلوماسية الضغط القصوى بهدف تحييد الأراضي السورية عن الصراعات الثنائية بين إيران وإسرائيل.
كما يطالب بتفعيل قرار مجلس الأمن 2254 باعتباره الحل الوحيد لضمان خروج القوى الأجنبية واستعادة السيادة السورية. ويضيف أن دعم برامج الإنعاش المبكر قد يسهم في تقليل الاعتماد على ما يسميه “اقتصاديات الحرب” التي تديرها بعض الميليشيات، وفق تقديره.
ويحذر الشريف في ختام حديثه من أن الصمت الدولي تجاه ما يحدث في الجنوب السوري قد يتحول إلى ضوء أخضر لتوسيع رقعة الصراع، وهو ما قد تمتد شظاياه إلى القارة الأوروبية نفسها، وفق رأيه.
——————————
“حزب الله” في معركة وجودية: تضييق الخناق من كل جانب/ لينا الخطيب
26 مارس 2026
بعد يومين فقط من اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، سارعت طهران إلى اعتماد استراتيجية تقوم على توسيع نطاق المواجهة سعيا إلى ضمان بقائها في مواجهة خصم يتفوق عليها عسكريا. وفي هذا السياق، استدعت “حزب الله”، وكيلها في لبنان، للانضمام إلى المعركة. لكن هل يفضي انخراط “الحزب” في هذه الحرب إلى حسم مصير الجماعة التي تضيّق الخناق عليها من كل جانب؟
خلال الحرب التي استمرّت 12 يوما بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، التزم “الحزب” الحياد بطلب إيراني. وبقي القتال آنذاك بين الجانبين محدودا، ولم يبلغ حدّ تهديد وجود النظام الإيراني. لذلك رأت طهران أن الحفاظ على ما تبقى من القدرة العسكرية لـ”حزب الله”، تحسبا لمعركة أكبر في المستقبل، يخدم مصالحها على نحو أفضل.
واستعدادا لهذا الاحتمال، كثّفت إيران، منذ وقف إطلاق النار بين “حزب الله” وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وحتى فبراير/شباط 2026، إرسال ضباط من “الحرس الثوري الإسلامي” إلى لبنان لتولّي إدارة شؤون “الحزب” مباشرة، وسدّ بعض الفراغ الذي خلّفته الاغتيالات الإسرائيلية في الصفوف القيادية العليا.
وخلال هذه الفترة، استمرّ “حزب الله” في تحريك مقاتليه داخل لبنان وتدريبهم، كما واصل محاولات تهريب السلاح عبر سوريا. وسعى أيضا إلى إعادة تأهيل صواريخ بعيدة المدى تضرّرت جراء الضربات الإسرائيلية السابقة. ووفقا لـ”مركز ألما للأبحاث والتعليم” الإسرائيلي، تراجعت ترسانة “الحزب” الصاروخية من 150 ألف صاروخ عام 2023 إلى 25 ألفا فقط مع بداية عام 2026، معظمها من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى.
وأوضحت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما ماضيتان في حملتهما المشتركة ضد إيران إلى أقصى حد، سعيا إلى تحييد التهديد الذي يمثّله النظام الإيراني بالنسبة إليهما، وهو ما تعكسه بوضوح وتيرة الهجمات وحجمها وشدتها. ورغم أن إيران ردّت بانتقام عنيف وواسع النطاق، فإن قدرتها على مواصلة هذا الجهد العسكري في مواجهة قوة عظمى عالمية وأخرى إقليمية تظل موضع شك. ولهذا، لجأت إلى استدعاء وكلائها في المنطقة لتقديم المساندة.
ومن جانبه، سعى الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم إلى تصوير الهجمات المتواصلة التي يشنها “الحزب” على إسرائيل بوصفها دفاعا عن لبنان. ويرى أنصار الجماعة أن إسرائيل كانت تخطط أصلا لاجتياح الجنوب بهدف اقتلاع التهديد الذي يمثله “حزب الله”. في الواقع، واصلت إسرائيل طوال عام 2025، ورغم ما وصف باتفاق وقف إطلاق النار، استهداف “الحزب” عبر ضربات شبه يومية على لبنان طالت مقاتليه ومستودعات أسلحته ومواقعه العملياتية. ورغم إدراك “حزب الله” وإيران عمق الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لمواقع الجماعة، فقد راهنا على قدرتها على امتصاص هذه الضربات المتلاحقة.
وسعى “حزب الله” وإيران إلى كسب الوقت من خلال التظاهر بالاستجابة لدعوات الحكومة اللبنانية المتكررة إلى نزع سلاحه. ومع تصاعد التوقعات بتجدّد الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران في مطلع عام 2026، ازداد “الحزب” تصلبا في موقفه الرافض للتخلي عن سلاحه.
وأدّى تدخّله في مارس/آذار إلى دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة، تمثّلت في حظر أنشطته العسكرية والأمنية. إلا أن الحكومة لم تستطع تطبيق هذا الحظر، بفعل محدودية قدرات الجيش اللبناني، والخشية من أن يفضي أي صدام مع “الحزب” إلى فتنة طائفية، خصوصا أن “الحزب” سيقدّم ذلك بوصفه اعتداء على المجتمع الشيعي في لبنان.
وفي 16 مارس/آذار، وجّه محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في “الحزب”، تهديدا إلى الحكومة اللبنانية حين قال: “بوسعنا قلب البلد والحكومة رأسا على عقب، وصبرنا له حدود”. ثم استحضر مثال المقاومة الفرنسية التي أسقطت حكومة فيشي وانتقمت منها بإعدام “خونتها”، في تحذير مبطن يذكّر بسلسلة الاغتيالات التي استهدفت خصوم “حزب الله” في لبنان.
وأعقب ذلك، في 22 مارس/آذار، تهديد مماثل صدر عن وفيق صفا، الذي تولّى حتى يناير/كانون الثاني رئاسة وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله”. وعلى مدى نحو ثلاثة عقود، كان صفا نقطة اتصال “الحزب” الأساسية في بيروت. وكان من المفترض أن ينقل مهامه إلى شخصية أخرى في إطار إعادة ترتيب داخلية، مع بقائه في موقع استشاري. غير أن عودته إلى الواجهة في هذا التوقيت بدت، في نظر بعض المراقبين، محاولة متعمدة من “الحزب” لترهيب السياسيين اللبنانيين. وتفيد مؤشرات بأن بعضهم تلقّى بالفعل تهديدات غير مباشرة، في مسعى لدفع الحكومة إلى التراجع عن حظر أنشطة “الحزب” العسكرية.
ومن خلال هذا المسار، يحاول “حزب الله” استعادة سيناريو الأعوام 2005 إلى 2008، حين اغتال عددا من خصومه في لبنان، وجرّ البلاد إلى مواجهة مع إسرائيل، وعطل عمل الحكومة، قبل أن يفرض عليها، للمرة الأولى، الإقرار به جزءا من منظومة الدفاع الرسمية في البلاد، من غير أن يخضع لأي مساءلة أو رقابة من الدولة اللبنانية. لكن أي تراجع من الحكومة اللبنانية عن حظر أنشطته العسكرية قد يفتح الباب أمام توسيع الهجمات الإسرائيلية على لبنان، انطلاقا من اعتبار إسرائيل أن البلد بأكمله أصبح شريكا داعما للجماعة.
في المقابل، يرى منتقدو “الحزب” أن الجماعة ما تزال تقدّم مصالح إيران على مصالح لبنان، على الرغم من الكلفة الباهظة التي دفعتها البلاد نتيجة سياساتها. ومع تحمّل شيعة لبنان في الجنوب القسط الأكبر من الهجمات الإسرائيلية، بدأت البيئة الداعمة لـ”حزب الله” نفسها تعبّر عن إحباطها من الخسائر الكبيرة التي لحقت بممتلكاتها وسبل عيشها جراء القصف الإسرائيلي.
وقال وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون هيرلي، إن بلاده رصدت تدفق مليار دولار من إيران إلى “حزب الله” في لبنان منذ مطلع عام 2025. وقالت مصادر إن “الحزب” خصص معظم هذه الأموال لإعادة ترميم بنيته العسكرية، ما يشمل رواتب المقاتلين وتعويضات عائلات من قتلوا أو أصيبوا منهم. ويكشف ذلك حجم الضائقة المالية التي دفعت “حزب الله” وإيران إلى هذا الخيار، كما يوضح ترتيب أولوياتهما.
وقبيل الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها في مايو/أيار 2026، راهنت إيران و”حزب الله” على احتواء نقمة أنصارهما عبر منح تعويضات محدودة، بما يحافظ على التوازن السياسي القائم ويتيح لـ”الحزب” الاحتفاظ بتمثيله النيابي بعد الانتخابات. لكن هذا الرهان اصطدم بواقع مغاير، إذ نزح نحو 1.2 مليون شخص من جنوب لبنان، أي ما يقارب ثلث سكان البلاد، بعد تلقيهم تحذيرات إسرائيلية بإخلاء مناطقهم.
ودُفع هؤلاء النازحون، ومعظمهم من الشيعة، إلى مناطق تقطنها طوائف أخرى. ومع توسيع إسرائيل استهدافها لشخصيات على صلة بـ”حزب الله” في مناطق متفرقة من البلاد، تصاعدت مخاوف المجتمعات المضيفة من أن تتحول بدورها إلى ضحية لهذا الاستهداف. وقد أسهم ذلك في زيادة الاحتقان الطائفي وتأجيج الاضطراب الأهلي، بما ضاعف الضغوط على “حزب الله”.Top of FormBottom of Form
وهكذا، تدخّل “حزب الله” في مارس/آذار 2026 من دون سند شعبي داخلي يذكر، متحدّيا أوامر الحكومة اللبنانية، وفي خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم بوساطة دولية ويخضع للرقابة الدولية.
وفي الأثناء، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن إسرائيل ماضية في توسيع نطاق سيطرتها في جنوب لبنان، في ما يعكس اتجاها نحو تصعيد هجومها البري على “حزب الله” المدعوم من إيران. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل ستحتفظ بسيطرتها على الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني. ومن جانبه، دعا وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى ضم جنوب لبنان. وفي مقابلة إذاعية بثت يوم الاثنين، قال سموتريتش إن قصف لبنان “يجب أن ينتهي بواقع مختلف تماما”، يشمل تعديلا في حدود إسرائيل. وأضاف: “أقولها هنا بوضوح: يجب أن يتحول الليطاني إلى الحدود الجديدة لإسرائيل”، في إشارة إلى النهر الذي يمر في جنوب لبنان على مسافة تقارب 30 كيلومترا من الحدود مع إسرائيل.
ومع تراجع التأييد الداخلي، والتدهور المتسارع في قدراته العسكرية والمالية، وارتهانه لراع خارجي يرزح تحت ضغط شديد، يبدو “حزب الله” ماضيا في مسار انتحاري رسمته له إيران. ومع ذلك، كانت أمامه فرص عديدة لتفادي احتمال التدمير الكامل، قوامها نزع سلاحه والاستمرار بصيغة مختلفة. لكن طهران لا ترى جدوى في “حزب الله” على هذا النحو. ومن ثم، يبدو أن مصير الجماعة بات وثيق الارتباط بنتيجة الحرب الأميركية-الإيرانية، بحيث قد تعني هزيمة الجمهورية الإسلامية نهاية “حزب الله”.
——————————–
نظام سياسي جديد: تفاصيل شروط حزب الله لوقف الحرب وعلاقتها بإعادة صياغة السلطة في لبنان
2026/03/25
في ظل التصعيد العسكري المتواصل على الجبهة اللبنانية، تتحرك في الخلفية قنوات دبلوماسية غير معلنة تحاول استكشاف فرص احتواء المواجهة ومنع تمددها إقليمياً، غير أن هذه التحركات تصطدم بواقع ميداني يفرض إيقاعه، في ظل غياب قنوات تفاوض مباشرة قادرة على إنتاج مسار سياسي واضح.
الاتصالات الجارية مع حزب الله، وفق مصادر دبلوماسية، لا تدور حول وقف إطلاق النار بمعناه التقليدي، بل حول إطار أوسع يتجاوز التهدئة إلى إعادة ترتيب التوازنات. فالمقاربة المطروحة تربط بين مسار الحرب وشكل النظام السياسي بعد انتهائها، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة التفاوض من إجراءات ميدانية إلى إعادة صياغة المشهد الداخلي.
في المقابل، تتقاطع هذه الطروحات مع حسابات عسكرية إسرائيلية تتجه نحو فرض وقائع جديدة على الأرض، وسط تعثر واضح في المسار السياسي وعجز المبادرات الدولية عن ملاحقة التطورات. وبين ميدان يتقدم وسياسة تتأخر، يتشكل مسار معقد قد يحدد ليس فقط نهاية الحرب، بل شكل السلطة في لبنان خلال المرحلة المقبلة.
من وقف النار إلى إعادة ترتيب السلطة
قال مصدر دبلوماسي لـ”عربي بوست” إن حزب الله لا يتعامل مع مسألة وقف إطلاق النار بوصفها إجراءً تقنياً لتهدئة الميدان، بل كمدخل لإعادة صياغة المشهد السياسي في لبنان.
فشروط حزب الله التي جرى تداولها عبر الوسطاء لا تُطرح كحزمة تفاوضية نهائية، بل كسقف أولي يربط بين المسارين العسكري والسياسي، ويمتد من الجنوب إلى بنية السلطة في بيروت.
في الجانب الميداني، تتمحور هذه الشروط حول وقف شامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وانسحاب كامل من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب، إلى جانب الإفراج عن الأسرى وضمان عودة السكان إلى القرى الحدودية من دون فرض ترتيبات أمنية دائمة.
كما تتضمن التزامات دولية واضحة بإعادة الإعمار وتعويض المتضررين، فضلاً عن وضع قيود على حرية الحركة الجوية والعسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، عبر آلية تنفيذية فعلية تتجاوز نماذج الرقابة السابقة.
لكن البعد الأكثر حساسية يتمثل في الشق الداخلي، حيث تربط هذه المقاربة بين وقف الحرب وإعادة إنتاج السلطة. وتشمل الطروحات المتداولة إعادة تشكيل الحكومة بصيغة جديدة توازن بين القوى السياسية، وفتح الباب أمام انتخابات برلمانية خلال مهلة زمنية محددة، بما يسمح بإعادة تكوين المشهد السياسي.
كما يجري التداول في الكواليس، وفق مصادر “عربي بوست”، حول تثبيت معادلة داخلية تمنع اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، خصوصاً في ما يتعلق بالسلاح والسياسة الدفاعية، من دون توافق وطني واسع.
هذا الربط بين الداخل والخارج يعكس رؤية تعتبر أن أي وقف لإطلاق النار لا يمكن أن يكون مستقراً ما لم يُترجم إلى توازنات سياسية جديدة. لذلك، يتمسك الحزب بسلة شروط مترابطة، انطلاقاً من تقدير بأن أي تسوية جزئية قد تعيد إنتاج الاختلالات التي سبقت الحرب.
استنزاف وتكيّف حزب الله مع الحرب
بالتوازي، تشير مصادر مقربة من حزب الله إلى أن قيادة الحزب تنطلق من فرضية أن الحرب مرشحة للاستمرار، حتى في حال تراجع مستوى التصعيد الإقليمي. بناءً على ذلك، يُعطى القتال الميداني أولوية كاملة، مع تأجيل أي انخراط سياسي إلى مرحلة لاحقة تُبنى على نتائج المواجهة.
في هذا السياق، تكشف المعطيات عن تحول في أسلوب القتال، حيث ابتعد الحزب عن نموذج الدمج بين القتال النظامي وحرب العصابات الذي اعتمده في حرب 2024، واتجه نحو تكتيكات أكثر مرونة تقوم على الكمائن والاستنزاف. وتُقدَّر أعداد المقاتلين المنتشرين جنوب الليطاني بين 1000 و1500 عنصر، يعملون ضمن مجموعات صغيرة، مستفيدين من طبيعة الأرض لتوجيه ضربات محددة.
غير أن هذه المقاربة تواجه تحديات واضحة، في ظل التفوق الإسرائيلي في مجال الاستطلاع الجوي والطائرات المسيّرة، وهو ما حدّ من فعالية بعض العمليات الميدانية، بعد استهداف مجموعات أثناء تحركاتها.
من الضغط العسكري إلى فرض وقائع جديدة
في المقابل، تشير مصادر حكومية لبنانية إلى أن السلوك العسكري الإسرائيلي يتجاوز هدف الضغط لتحسين شروط التفاوض، ويتجه نحو إعادة رسم الجغرافيا الأمنية في الجنوب.
فحجم الحشد العسكري، الذي يُقدَّر بعشرات الآلاف من الجنود، لا يعكس عملية محدودة، بل يشير إلى نية التوغل بعمق قد يصل إلى ما بين 10 و15 كيلومتراً في بعض المحاور.
وتضيف هذه المصادر أن الهدف الأبعد يتمثل في إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان والبنية التحتية، وهو ما يتقاطع مع توجهات داخل إسرائيل تدفع نحو اعتماد نهر الليطاني كخط أمني فعلي.
كما تربط تل أبيب أي انسحاب مستقبلي بسلسلة شروط تشمل ترتيبات أمنية موسعة، تمتد إلى ملف سلاح حزب الله وطبيعة انتشار الجيش اللبناني، وحتى شكل القوة الدولية أو المحلية التي ستتولى ضبط الجنوب.
مسار سياسي بلا تأثير فعلي
على المستوى السياسي، تبدو المبادرات المطروحة عاجزة عن مواكبة التطورات الميدانية، فالمبادرة الفرنسية، التي سعت إلى تسويق مقترح لبناني داخلي، لم تحقق تقدماً يُذكر، في ظل غياب أدوات ضغط فعلية لدى باريس.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع الملف من زاوية أوسع مرتبطة بالمواجهة مع إيران، من دون منح أولوية لمسار تفاوضي خاص بلبنان. هذا الواقع انعكس على الداخل اللبناني، حيث تراجع الزخم السياسي لأي طرح تفاوضي.
وتشير المعطيات إلى تقارب موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الرافض لأي تفاوض قبل وقف إطلاق النار، في حين يحافظ رئيس الحكومة نواف سلام على مقاربة وسطية تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، من دون الانخراط في مسار تفاوضي مباشر.
توترات تتصاعد داخلياً تحت ضغط الحرب
بالتوازي مع المواجهة العسكرية، تتزايد مؤشرات التوتر داخل الساحة اللبنانية، وتشير مصادر حكومية إلى أن قرار وزارة الخارجية بحق السفير الإيراني فجّر خلافاً سياسياً حاداً، بعدما اعتبره الثنائي الشيعي خطوة تتجاوز البعد الدبلوماسي.
هذا التوتر يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على إدارة توازناتها الداخلية في ظل الحرب، خاصة مع تصاعد خطاب داخل حزب الله يلوّح بإمكانية الرد داخلياً في حال فُرضت تسويات لا تتماشى مع موازين القوى التي يسعى إلى تثبيتها ميدانياً.
في ضوء هذه المعطيات، يتجه المشهد نحو مسارين محتملين: إما تسوية إقليمية واسعة تشمل إيران وتنعكس على لبنان، أو استمرار الحرب مع سعي كل طرف إلى تحسين موقعه على الأرض قبل أي تفاوض.
وفي كلا السيناريوهين، يبقى العامل الحاسم هو ميزان القوى الميداني، في ظل غياب إطار سياسي قادر حتى الآن على فرض مسار تفاوضي متماسك.
————————-
مَن رفع العلم الإسرائيلي على مدخل بلدة حضر جنوبي سوريا؟
الخميس 26 آذار 2026
تداولت وسائل التواصل الاجتماعي صوراً لرفع العلم الإسرائيلي على مدخل بلدة حضر الواقعة في محافظة القنيطرة جنوبي سوريا، ومن حولها آليات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ما أثار موجة نشطة من التعليقات على المنصات التي اتهمت أهالي البلدة من المكوّن الدرزي باحتضان مثل هذه الممارسات التي يقوم بها الاحتلال، معتبرين أنّهم جزء من البيئة الحاضنة للتواجد الإسرائيلي في العمق السوري جنوباً.
وردّاً على خطاب التخوين لأهالي بلدة حضر، قال مصدر محلي من البلدة لـ«الأخبار» إنّ كل ما يُشاع عارٍ عن الصحة، مشيراً إلى أنّه لم يكن أحد من سكان البلدة حاضراً خلال رفع العلم، بل على عكس المتداول، «لا يوجد رضا محلي عمّا يفعله الإسرائيلي في البلدة والبلدات المجاورة من ريف القنيطرة».
ولفت المصدر إلى أنّ الإسرائيلي يتحرك بحرية في حضر ومحيطها، وأقدم على إنشاء أفران في جباتا الخشب، ونقطة طبية ثابتة لعناصره في قرية الحميدية، ولم يلحظ السكان أي تدخل من قبل حكومة دمشق وقواتها خلال الفترة التي أعقبت سقوط النظام وتشكيل الجيش السوري الجديد.
الأهمية الاستراتيجية لحضر
بلدة حضر الواقعة في أقصى ريف القنيطرة الشمالي، سكانها من المكوّن الدرزي، دخلت إليها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، ولا تشهد أي تواجد حكومي باستثناء المؤسسات الخدمية التي تزاول أعمالها اليومية.
في محيط حضر توجد تلة استراتيجية تُدعى قرص النفل، حوّلها الجيش الإسرائيلي إلى مهبط مروحيات يشهد حركة نشطة مكثفة منذ بدء المعارك في جنوب لبنان، ويحتوي أيضاً على نقطة طبية متطورة. وقد برز دور هذه التلة خلال عمليات الإنزال التي شهدها البقاع خلال الأسابيع الفائتة، حيث كان يُنقل الجرحى من جيش الاحتلال إليها، كما تنطلق منها المروحيات المشاركة في العمليات.
قبل سقوط النظام، كانت إسرائيل تسعى للسيطرة على هذه البلدة ومحيطها لتحويلها إلى جزء من المنطقة العازلة، بالتعاون مع مقاتلين من «هيئة تحرير الشام» آنذاك. وبحسب المصدر المحلي، «ما أفشل هذا المخطط هم أهالي بلدة حضر أنفسهم»، لأن قرى الشريط الحدودي كلها سقطت في ذلك الوقت بيد «الهيئة» باستثناء بلدة حضر، لذا كان من الضروري إسقاطها لاستكمال السيطرة على الشريط الحدودي.
تُشكّل هذه البلدة عقدة بالنسبة إلى إسرائيل، حيث كانت منطلقاً لعمليات المقاومة تحديداً التي كان يشرف عليها الشهيد سمير القنطار. وتأتي أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للإسرائيلي من إطلالتها على بلدة مجدل شمس المحتلة في الجولان، وإطلالتها على خط إمداد رئيسي بالنسبة لإسرائيل، من تل علي أبو الندى باتجاه مزارع شبعا وتلال كفر شوبا.
——————————–
====================
تحديث 25 أذار 2026
——————————–
كيف فككت إسرائيل شيفرة “حلف المقاومة” واغتالت قادته؟/ خالد المطلق
في هذه الحرب لم تعد الرصاصة هي من تقتل بل “البيانات”، إذ لم يسقط القادة في فخ الخيانة البشرية هذه المرة بل في فخ “النمط” الذي رسمه الذكاء الاصطناعي بدقة مرعبة معلنًا نهاية عصر الأمن المطلق وبداية زمن الاغتيال بضغطة زر.
في غرف مظلمة تضج بصوت الخوادم العملاقة داخل مقر “الوحدة 8200” بصحراء النقب لا تُطلق الرصاصات بل تُحلل البيانات، إذ لم تعد الاغتيالات الإسرائيلية تعتمد على “المخبر التقليدي” المعلق بظلال الزوارق بل انتقلت إلى عصر “الاغتيال الخوارزمي”، ففي السنوات الأخيرة وتحديدًا بين عامي 2024 و2026، شهدنا انهيارًا دراماتيكيًا في الجدران الأمنية لأكثر التنظيمات سرية في العالم (حزب الله والحرس الثوري الإيراني)، فكيف تحولت أجهزة الاتصال البسيطة إلى قنابل موقوتة؟ وكيف استطاع الذكاء الاصطناعي تحديد “لحظة الصفر” داخل أعمق التحصينات؟
القصة أن الحلول الكلاسيكية مثل الاختراق لم تعد تبدأ من الميدان بل من المصنع، إذ اعتمدت إسرائيل استراتيجية “هجوم سلسلة التوريد”، التي تجلت في عملية “البيجر” الشهيرة، حيث تم تفخيخ الأجهزة من خلال اعتراض شحنات الأجهزة اللاسلكية في مرحلة الترانزيت وتم زرع مواد متفجرة نانوية مثل “PETN” داخل الدوائر الإلكترونية بحيث لا تكتشفها أجهزة الفحص بالأشعة السينية وتفجيرها برسالة نصية مشفرة، كما تم استخدام أسلحة آلية تعمل بالذكاء الاصطناعي ويتم التحكم بها عبر الأقمار الصناعية، كما حدث في عملية اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده، حيث يتم القنص بدقة متناهية دون وجود عنصر بشري واحد في مكان العملية.
تستخدم إسرائيل أنظمة متطورة، مثل “حبسورة” و”لافندر”، وهي محركات ذكاء اصطناعي تقوم بتحليل البيانات الضخمة كدمج بيانات الهواتف وصور الأقمار الصناعية ومنشورات التواصل الاجتماعي للأقارب لرسم “نمط حياة” لكل قائد، كما تلعب بصمة الصوت والوجه دورًا محوريًا في التعرف على القادة عبر ترددات أصواتهم في المكالمات المشفرة أو ملامح وجوههم عبر كاميرات الشوارع المخترقة مما يجعل التنكر بلا قيمة.
والسؤال المشروع الذي يتبادر إلى أذهان المختصين قبل العامة، لماذا نجح الاختراق، وما الثغرات القاتلة التي أطاحت بهذا الكم الهائل من قادة الصف الأول في دولة أمنية كإيران وبمنظمة استخباراتية مثل “حزب الله”.
وعلى الرغم من الاحتياطات الاستثنائية سقط القادة في فخاخ ثلاثة، أولها التراخي التكنولوجي من خلال استمرار الاعتماد على الهواتف الذكية أو الأجهزة المرتبطة بالإنترنت “حتى في الدوائر المحيطة”، مما يخلق “بصمة رقمية” يسهل تتبعها.
وثاني هذه الفخاخ الاختراق البشري من خلال تجنيد عناصر في “الدوائر الضيقة” أو فنيين يعملون في صيانة المقار لتحديد الإحداثيات الدقيقة داخل المباني مثل تحديد الطابق أو الغرفة التي يوجد فيها الهدف، أما ثالث الفخاخ فيتمثل في ثغرة الروتين، حيث تتبع العادات اليومية التي تسمح للذكاء الاصطناعي بالتنبؤ بمكان وجود القائد في ساعة معينة مما يسهل اتخاذ قرار التنفيذ.
مقابل هذه الثغرات القاتلة، كان هناك فشل استخباراتي من خلال محاولات العودة إلى “العصر الحجري”، وأمام هذا الطوفان الرقمي حاولت التنظيمات المستهدفة بناء جدار صد عبر ثلاثة إجراءات صارمة، أولها التصفير الرقمي من خلال العودة إلى “المراسل البشري” والرسائل الورقية المكتوبة بخط اليد، وثانيهما التوسع في بناء “مدن صامتة” تحت الأرض معزولة كهرومغناطيسيًا (قفص فاراداي) لمنع تسرب أي إشارة إلكترونية بما يسمى “حرب الأنفاق”، أما جدار الصد الثالث فيتمثل في التمويه الرقمي من خلال استخدام برامج لتوليد أصوات مزيفة للقادة لتضليل وحدات التنصت ووضع هواتفهم في مواقع وهمية لجر الطائرات المسيّرة إلى أهداف فارغة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تفوق عسكري تقليدي، بل هو إعلان عن نهاية عصر “الأمن المطلق”، لقد تحولت التكنولوجيا من أداة للتواصل إلى جاسوس لا يغادر الجيب، ومن وسيلة للقيادة إلى سلاح للاغتيال، ومع دخول الذكاء الاصطناعي كلاعب أساسي في “تحديد المصاير” تصبح الحرب عبارة عن سباق محموم، فهل تنجح التنظيمات في الاختباء داخل “صمت الماضي” والوسائل البدائية؟ أم أن خوارزميات المستقبل ستظل قادرة على استخراج “الإشارة” من وسط “الضجيج”؟ وفي هذه المعركة الخطأ الواحد ليس ثمنه الفشل الاستخباراتي فحسب بل هو “لحظة الصفر” التي لا رجعة فيها.
عنب بلدي
——————————–
تطوّر عقيدة الاغتيالات الإسرائيلية/ حسين عبد العزيز
25 مارس 2026
أثار نجاح الموساد (المخابرات الخارجية) الإسرائيلي في اغتيال شخصيات فلسطينية ولبنانية وإيرانية في العامين السابقين الذهول في أوساط المراقبين، ليس بسبب العدد الكبير للشخصيات المُستهدفة، بل الأهم بسبب أنّ المُستهدفين شخصيات عالية المستوى، تخضع لحماية أمنية سرّية مُشدّدة للغاية، بحيث يكون من المُستحيل الوصول إليها.
كيف استطاعت إسرائيل الوصول إلى صالح العاروري ويحيى السنوار والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وقيادات الصف الأوّل للحزب، ثم شخصيات إيرانية، في مقدّمتها المرشد الأعلى علي خامنئي وأمين عام المجلس القومي علي لاريجاني، وغيرهما من الشخصيات الإيرانية الرفيعة التي تتحرّك بسرّية فائقة. وقد أعادت هذه الاغتيالات الاهتمام بهذا النهج الذي تتبعه إسرائيل، على مستوى الدلالات، وعلى مستوى النتائج السياسية المرجوّة منها.
تحوّلات في العقيدة
الاغتيال مصطلح يصف عملية قتل مُنظّمة ومعدّة مُسبقاً في ذهن القاتل، بغرض استهداف شخصية لها تأثيرها على الخصم، سواء أكان هذا التأثير أمنياً، أو سياسياً، أو فكرياً، أو علمياً.
يعود تاريخ الاغتيالات الإسرائيلية إلى ما قبل النكبة عام 1948، لكنها كانت أقلّ احترافية وأكثر ضرراً، لأنها كانت تستهدف أفراداً ومجموعات في الوقت نفسه بغرض تهجير الفلسطينيين من أرضهم. ومع الوقت، تحوّلت الاغتيالات التي تنفّذها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين، ثم العرب، إلى نهج مستمرّ يسمح لها باستهداف الشخصيات الخطرة في أيّ مكان، وشيئاً فشيئاً أصبح الموساد المُكلّف بهذه المهمّة اليد الطولى، إلى جانب الجيش الإسرائيلي، في الوصول إلى الأهداف المطلوبة.
كان 1972 عاماً مفصلياً في عقيدة الاغتيالات، وهو العام الذي نفّذت فيه منظمة أيلول الأسود الفلسطينية عملية احتجاز رهائن إسرائيليين (رياضيين) خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية بين 5 ـ 6 سبتمبر/ أيلول عام 1972 في مدينة ميونخ الألمانية، للضغط على إسرائيل من أجل الإفراج عن 236 أسيراً في سجونها، إضافة إلى الأسير الياباني كوزو أوكاموتو المعروف باسم أحمد الياباني، المُنتمي للجيش الأحمر، والذي اشتُهر بتنفيذه، مع زميلين يابانيين (تسويوشي أوكودايرا، ياسويوكي ياسودا)، عملية استهدفت مطار اللد (بن غوريون) عام 1972 لمصلحة القضية الفلسطينية، وأدّت إلى مقتل 26 إسرائيلياً.
انتهت عملية ميونخ بمقتل الرياضيين الإسرائيليين الأحد عشر، وأدّت إلى تطوير في عقيدة الاغتيالات الإسرائيلية، فسمّيت العقيدة الجديدة عقيدة ميونخ، تحت إشراف رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير. وشُكّلت لجنة عُرفت باسم لجنة “الإكسات”، مُكوّنة من الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، بهدف وضع قائمة بالشخصيات التي يجب اغتيالها، وكانت مسؤولة عن عملية ميونخ. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت السياسة الأمنية الإسرائيلية تقوم في هذا الشقّ على استهداف أيّ شخص يكون مسؤولاً عن سقوط دم إسرائيلي في أيّ مكان في العالم.
بدأت العملية الإسرائيلية التي حملت اسم “غضب الله” باغتيال ممثّل منظمة التحرير الفلسطينية في روما وائل زعيتر في أكتوبر/ تشرين الأول 1972، ثم اغتيال محمود الهمشري؛ ممثّل المنظّمة في باريس في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، ثم اغتيل باسل الكبيسي (عراقي) وحسين البشير ومحمد بودية (جزائري)، وكانوا من الفاعلين في المقاومة الفلسطينية، في الأشهر التالية في أوروبا، واغتيال محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر في عملية إنزال برمائية لمجموعة إسرائيلية في بيروت، هاجمت أحد المقارّ الفلسطينية، ثم اغتيال أبو علي حسن سلامة قائد القوّة 17 في بيروت عام 1979.
كانت هذه العمليات تتويجاً لعقيدة ميونخ التي عبّرت عنها مائير بكلّ وضوح، حين قالت “لا يمكن أن تقتصر حربنا ضدّ الإرهابيين العرب على الدفاع والحراسة، بل يجب أن تكون حرباً فاعلة بكشف هوية القتلة وقادتهم، وإحباط خططهم، وتدمير تنظيماتهم”… بعبارة أخرى، لم تعد الاغتيالات بعد عملية ميونخ مرتبطةً بردّ الفعل الإسرائيلي على عملية أو هجوم فلسطيني أو عربي، بل العمل مُسبقاً على استهداف الشخصيات التي تحمل في ذاتها تهديداً مُحتملاً لإسرائيل، وهذا ما عبّر عنه آنذاك يوفال ديسكن نائب رئيس الشاباك (المخابرات الداخلية)، بالقول إنّ العقيدة الجديدة تقوم على قرار سياسي مُسبق لإحباط تهديد وشيك.
مع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، ثم الانتفاضة الثانية عام 2000، عادت إسرائيل إلى توسيع عمليات الاغتيال، وبسبب ضغوط دولية، عملت على تقنين الاغتيالات وشرعنتها عبر استخدام لغة مُلطّفة للقتل الشخصي. وكانا القتل المُستهدف أو الإحباط الموضعي مُسمّيين أطلقتهما إسرائيل على عمليات الاغتيال للتهرّب من المسؤوليات القانونية. واستمرّت الاغتيالات بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، خصوصاً ضدّ المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة، مثل اغتيال قائد القسام أحمد الجعبري عام 2012، واغتيال بهاء أبو العطا القيادي العسكري البارز في حركة الجهاد الإسلامي عام 2019.
تأثير “طوفان الأقصى”
مع صدمة عملية طوفان الأقصى (7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023) شهدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحوّلاً جذرياً، بما فيها سياسة الاغتيالات. كان التحوّل كبيراً من سياسة الاغتيالات الفردية إلى سياسة الاغتيالات الجماعية، مع إهمال الأضرار الجانبية وعدم أخذها بالاعتبار، والمقصود أعداد الذين يُقتلون إلى جانب الأشخاص المُستهدفين.
لم يعد الاغتيال هذه المرّة محصوراً بشخص بعينه يُشكّل تهديداً مُحتملاً أو مسؤولاً عن عمليةٍ ما ضدّ إسرائيل، بل أصبحت عمليات الاغتيال تستهدف كامل طاقم المنظّمة محلّ الاستهداف، وهو ما جرى في غزّة حين ارتكبت إسرائيل سلسلة من جرائم الاغتيالات لقادة المقاومة الفلسطينية (أيمن نوفل، أحمد الغندور، مروان عيسى، روحي مشتهى، سامح السراج، صالح العاروري، فائق المبحوح، إسماعيل هنيّة، يحيى السنوار، حذيفة الكحلوت، مروان عيسى، رافع سلامة، محمد الضيف، صلاح البردويل، إسماعيل برهوم، …).
انطبق الأمر كذلك على حزب الله (وسام حسن طويل المعروف باسم الحاج فؤاد، طالب سامي عبد الله المعروف باسم الحاج أبو طالب، محمد ناصر، فؤاد شكر، إبراهيم عقيل، أحمد وهبي، إبراهيم قبيسي، محمد حسين سرور، علي كركي، حسن خليل ياسين، نبيل قاووق، الأمين العام للحزب حسن نصر الله، هاشم صفي الدين، هيثم علي الطبطبائي، عباس حسن كركي، حسن عباس عز الدين، خضر سعيد هاشم، …).
لم تكن إيران الدولة مُستثناة عن هذا التحوّل (القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة محمد باقري، قائد مقر خاتم الأنبياء التابع لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، غلام علي رشيد رئيس هيئة أركان القوات المسلحة قبل محمد باقري، العميد حاجي زاده، قائدا القوة الجو ـ فضائية لحرس الثورة، اللواء داوود شيخيان قائد الدفاع الجوي في القوة الجو ـ فضائية، اللواء محمد كاظمي رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، علي شمخاني مستشار شؤون الأمن لدى المرشد الأعلى الإيراني، عزيز ناصر زاده وزير الدفاع، محمد باكبور قائد الحرس الثوري، عبد الرحيم موسوي رئيس أركان الجيش، علي خامنئي مرشد الثورة، علي لاريجاني رئيس جهاز الأمن).
يتضح من هذا الاستهداف للعدد الكبير من الشخصيات أنّ استراتيجية الاغتيالات الإسرائيلية تهدف إلى اجتثاث كلّ مقوّمات التهديد البشري الذي تتعرّض له إسرائيل، وهذا يتطلّب اغتيال كلّ الشخصيات المؤثّرة في حركة حماس وحزب الله والدولة الإيرانية، بحيث يؤدي اغتيال قادة الصفين الأوّل والثاني إلى إحداث حالة رعب تدفع الصف الثالث إلى الاعتدال تجاه إسرائيل. ولم يعد مُهمًا، لتحقيق هذا الهدف، مدى عدد الأشخاص الجانبيين الذين سيُقتلون في الهجمات الإسرائيلية.
دلالات الاغتيال
تشير عمليات الاغتيال هذه إلى المستوى التكنولوجي العالي جدّاً الذي تمتلكه الاستخبارات الإسرائيلية، والذي يتطلّب جمع عدد هائل من البيانات وغربلتها ضمن شبكة خوارزميات مُعقّدة. ووفقاً لتحليل قدّمه الموقع العبري “لوكل كول” ومجلة “+972″، يعتمد نظام “لافندر” على الذكاء الاصطناعي في تتبّع أسماء كلّ شخص تقريباً في غزّة، وهو يجمع بين مجموعة واسعة من المدخلات الاستخباراتية، من عروض الفيديو ورسائل الدردشة التي جرى اعتراضها مروراً ببيانات مواقع التواصل الاجتماعي وصولاً إلى تحليل بسيط للشبكات الاجتماعية، لتقييم احتمال أن يكون الفرد مُقاوماً.
تُرك الأمر للجيش الإسرائيلي لتحديد هامش الخطأ عند 10%، قبل تمرير المعلومات إلى فرق العمليات لإصدار أمر التنفيذ، حيث يفضّل استهداف الأشخاص في منازلهم، بغضّ النظر عن الضحايا الأبرياء، كالأهل والجيران، وهو ما طرح، خصوصاً في قطاع غزّة، ما إذا كانت هذه الاغتيالات ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وإضافة إلى هذا التطوّر التكنولوجي، نجحت إسرائيل في زرع عملاء على الأرض، فاغتيالاتٌ كثيرة جرت نتيجة معلومات جاءت من أرض الميدان، سواء في غزّة أو لبنان أو إيران، فمثلاً جاء اغتيال علماء إيرانيين ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنيّة (في أثناء زيارته طهران في 31/7/2024) نتيجة عمل ميداني داخل إيران.
لا يُشير هذا كلّه فقط إلى المجهود الكبير الذي عملت عليه إسرائيل منذ سنوات طويلة، بل أيضاً إلى فشل الأطراف المقابلة في تطوير بنية استخباراتية قادرة على منع الاختراق الإسرائيلي، أو على الأقل الحدّ منه. وإذا كانت الحرب العسكرية الإسرائيلية في غزّة ولبنان وسورية وإيران قد كشفت اختلال الموازين العسكرية لصالح إسرائيل، فإنّ حرب الاغتيالات كشفت أيضاً حجم الهوّة التكنولوجية بين الجانبين لمصلحة إسرائيل، وكشفت أيضاً مدى الإصرار والإرادة والجهد الإسرائيلي للعمل، وضعف العمل الجمعي العربي والإقليمي وهشاشته.
هل حقّقت إسرائيل أهدافها؟
تُعتبر استراتيجية الاغتيالات مُكمّلة للحرب العسكرية التي تخوضها إسرائيل ضدّ خصومها، وبديلاً منها في مراحل ما بين الحروب. وفي الحالتين، من وجهة نظر إسرائيل، حُقّقت الأهداف من هذه السياسة، وهي: 1ـ إلحاق ضرر بالغ بالتنظيم أو الدولة المُستهدفة وشلّ قدرته على التحرّك وتنفيذ هجمات مضادة، وإن مؤقتاً. 2ـ إحداث انشقاق في صفوف التنظيم أو الدولة المُستهدفة، بين تيار مُتشدّد هو المسؤول عن ردّ الفعل الإسرائيلي، وآخر مُعتدل، بما يؤدّي إلى خللٍ في منظومة صنع القرار، وبالتالي إمكانية نشوء صفٍّ جديد أكثر براغماتية وأقلّ أيديولوجية. 3ـ الآثار النفسية الانعكاسية لعمليات الاغتيال، لا على صعيد القادة فحسب، بل أيضاً على الصعيد الشعبي، حيث تضعضعت أسطورة القوّة وتضعضعت الثقة بالمؤسسة أو المُنظّمة.
غير أنّ الواقع يدحض الرؤية الإسرائيلية هذه، إذ أظهروا، حركة حماس وحزب الله وإيران، تشدّداً أكثر بعد عمليات الاغتيال هذه، بغضّ النظر عن قدرات كلّ من الأطراف الثلاثة على ترجمة هذا الغضب إلى واقع ملموس على الأرض. وقد أعلنت “حماس” أنّ اغتيال أمينها العام يحيى السنوار سيؤدي إلى “إلهام روح الصمود والصبر والمثابرة والمقاومة داخل الحركة”، فيما أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بعد اغتيال حسن نصر الله، “إن إسرائيل ستدفع ثمناً باهظاً”. أما في إيران، فقد دعا المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى “الاستفادة من جميع الإمكانات لإغلاق مضيق هرمز، والتحرّك في جميع الميادين الرخوة للأعداء”. وأعلن الرئيس مسعود بزشکیان أنّ “العدو تصوّر بأنه عبر اغتيال المرشد علي خامنئي وقادتنا العسكريين ستنهار البلاد”.
ظهرت في إسرائيل أصوات لا تكتفي بتفنيد الجدوى الإسرائيلية من هذه الاغتيالات، بل تعتبر أنها تزيد من الأزمات ومن الحروب ومن التشدّد لدى الأطراف المُقابلة، وقد كتب المحلّل العسكري ألون بن دافيد أنّ سياسة الاغتيال تقود إلى نتائج عكسية، فتعمل على توسيع دائرة العنف، ولن تُنهي ما تصفه إسرائيل بالإرهاب ضدّها، ولن تقضي على ما وصفهم بالإرهابيين الذين يجرى استبدالهم بآخرين. وفي أحسن الأحوال (يتابع بن دافيد) قد تدخل بعض المنظمات في حالة فوضى مدّة إذا كان المُستهدف شخصية مركزية في منظمة يعتمد وجودها على هذه الشخصية، قبل أن تستعيد عافيتها وربّما تصبح أكثر قوّة وتنظيماً.
خلاصة
على الرغم من الزلزال الذي أحدثته عملية طوفان الأقصى في إسرائيل، دولة ومجتمعاً، فإنّ السلوك الإسرائيلي المُضاد لم يكن مجرّد رد فعل، ولا مجرّد تغيير استراتيجي في التعاطي مع الأعداء كي لا تتكرّر مثل هذه العملية المُرعبة. فما قامت به إسرائيل منذ اليوم التالي لـ “طوفان الأقصى” انعكاس لحرب وجودية كامنة في عمق العقل الإسرائيلي، وقد عبّر عزمي بشارة عن ذلك مُبكّراً، حين قال لصحيفة السفير اللبنانية عام 2001 إن “اغتيال إسرائيل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى يؤكد مجدّداً أن الصراع هو صراع وجود”.
لم تكن مهمّة هذه المطالعة الإجابة على سؤال: ما العمل؟ لكن الواقع الجديد الذي فرضته إسرائيل على المنطقة، ثم السلوك الإيراني تجاه دول بلدان الخليج العربي، يطرحان هذا السؤال مجدّداً وبعمق: ما العمل؟
العربي الجديد
———————————–
إسرائيل تعد تركيا “العدو القادم” بعد إيران… فمم تتخوف؟/ رغدة عتمه
لم تخف المراكز البحثية ووسائل الإعلام تخوفاتها من التطور الذي تشهده أنقرة في مجال الصناعة الدفاعية
الأربعاء 25 مارس 2026
في الوقت الذي يزداد القلق من انزلاق المنطقة برمتها إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، رفعت تركيا مستوى جاهزيتها العسكرية تحسباً لأي تطورات قد تمس أمنها القومي. وإلى جانب تعزيز وجودها العسكري شمال قبرص عبر نشر ست مقاتلات من طراز “أف-16″، أعلنت وزارة الدفاع التركية نشر منظومة دفاع جوي صاروخي متطور بعيد المدى “باتريوت” في ملاطيا جنوباً لتعزيز قدرات دفاعها الجوي والصاروخي في مواجهة أي تهديدات محتملة، قد تطال مجالها الجوي مع اتساع دائرة التصعيد. وعلى رغم أن التوجهات التركية الواضحة لرفع مستوى الاستعداد الدفاعي جاءت في إطار تنسيق مع حلف شمال الاطلسي” الناتو”، فإنها حملت دلالات أمنية وعسكرية خطرة لدى إسرائيل، وراح عشرات الوزراء والمسؤولين والمحللين الإسرائيليين لاعتبار تركيا “العدو القادم”، بعد إيران، خصوصاً أن القدرات الدفاعية التركية المتقدمة في مختلف المجالات من الطائرات المسيرة إلى الدبابات والمدافع البحرية، جعلتها خلال الأعوام الأخيرة واحدة من اللاعبين الرئيسين في سوق الأسلحة العالمي.
وحذر تقرير الهيئة الاستشارية التابعة للحكومة الإسرائيلية المعنية بتقييم مخاطر الأمن القومي، (لجنة ناجل) من أن سياسة أنقرة الهادفة إلى إعادة بناء نفوذها في المنطقة، تشكل “خطراً استراتيجياً متزايداً” على إسرائيل، داعياً حكومة تل أبيب إلى الاستعداد لاحتمال اندلاع صراع مباشر مع تركيا. وبحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة Areda Survey تحت عنوان “الصناعات الدفاعية والسياسة الخارجية التركية” فإن 60.1 في المئة من المشاركين يعتقدون أن إسرائيل قد تهاجم تركيا يوماً ما، في حين أكد 54.7 في المئة من المشاركين أن معرض الصناعات الدفاعية الدولي الذي أقيم في إسطنبول العام الماضي، منحهم ثقة ضد التهديدات الخارجية.
تصاعد التوترات
وعلى رغم تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت المثيرة للجدل، التي قال فيها إن تركيا باتت تمثل “إيراناً جديدة” في المنطقة، محذراً من مساع تقودها أنقرة وفق تعبيره “لبناء محور سني معاد يهدف إلى محاصرة إسرائيل”. أكد وزير الدفاع التركي يشار غولر، أن احتمالية اندلاع صدام مباشر بين تركيا وإسرائيل تعد ضئيلة للغاية، خصوصاً بعد أن قامت بإنشاء قنوات اتصال وتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، لتجنب أي تصعيد أو الوصول إلى وضع غير مرغوب فيه. ولفت إلى أن أي توترات أو صراعات محتملة يجري التعامل معها بحذر شديد من خلال القنوات الدبلوماسية والعسكرية، لتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة. وأكد في الوقت نفسه أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة أثر بصورة كبيرة على العلاقات بين تركيا وإسرائيل. ووفقاً لمسؤولين في مركز “سيتا” التركي للأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن أنقرة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع الغرب ومصالحها الإقليمية، مع الإبقاء على إمكانية لعب دور وسيط دبلوماسي في حال توفرت الظروف المناسبة. وهو ما أكدته الباحثة الإسرائيلية جاليا ليندنشتراوس من “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي مطلع الشهر الجاري، حين كتبت في مقال أن تركيا، التي تُعد منافساً استراتيجياً لإسرائيل في بعض الساحات الإقليمية، لا ترغب في الانخراط العسكري المباشر ضد إيران ولا في سقوط النظام، خشية التداعيات الأمنية المحتملة التي قد تؤدي إلى تصاعد المسألة الكردية أو اضطراب التوازنات الإقليمية. وبحسب التقديرات الإسرائيلية المتشائمة التي نشرتها صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية، فإن الخطاب التركي لا يزال يتسم بانتقادات حادة إلى تل أبيب. وفي الوقت الذي يواصل فيه مسؤولون أتراك اتهام إسرائيل بزعزعة الاستقرار في المنطقة، لم تدن تركيا إطلاق الصواريخ الإيرانية على أراضيها واكتفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالتأكيد على تجنب الانخراط في الحرب والتعهد بعدم الانجرار وراء “الاستفزازات والمؤامرات” بحسب تعبيره، بعد اعتراض حلف شمال الأطلسي (الناتو) صاروخاً ثالثاً أُطلق من إيران خلال الحرب الجارية. وترى الباحثة في معهد “هدسون” الأميركي زينب ريبوع أن الحرب على إيران “ستغير من دون شك مكانة تركيا بصورة كبيرة”. فمن وجهة نظرها “سيفتح تراجع قوة إيران مجالاً واسعاً أمام أنقرة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، وهو ما يخلق تخوفات حقيقية لدى إسرائيل من توسيع حضورها في مناطق عدة”.
شركاء استراتيجيون
وفي محاولة لإعادة ضبط ميزان القوى لمصلحة إسرائيل بعد أن راجعت تركيا قدراتها العسكرية وعززت مجالات الدفاع الجوي والصواريخ والأمن السيبراني، وتعمل للدفع لامتلاك قدرات ردع متقدمة، تعمل تل أبيب إلى تحويل خصوم تركيا من مجرد شركاء محدودين إلى شركاء استراتيجيين. فلم يكن تعاون إسرائيل مع قبرص واليونان أخيراً بهدف تعزيز التعاون الثلاثي في البحر المتوسط وتضييق دائرة نفوذ تركيا وحسب، بل لأن هاتين الدولتين أتاحتا لها فرصة الوجود العسكري على مقربة من السواحل التركية. وعلى رغم العلاقة الإيجابية بين أنقرة وواشنطن خلال الأشهر الماضية، فإن إسرائيل تستخدم نفوذها مع الولايات المتحدة لإعاقة برامج تسليح تركيا، ومشاريعها السياسية والاقتصادية. فعقب حصول تركيا على منظومة الدفاع الجوي الروسية “أس 400” عام 2016، سعت تل أبيب لاستبعادها من برنامج مقاتلات “أف 35” الأميركية، على رغم أن أنقرة كانت قد دفعت بالفعل ثمن أول ست طائرات مقاتلة. ووفقاً للكاتب والباحث السياسي طه أوغلو، فإن إسرائيل ترفض أي تفوق تركي محتمل، بخاصة إذا ما جرى دمج مقاتلات “أف 35” مع الصناعات الدفاعية التركية المتصاعدة، من مسيرات وأنظمة صواريخ. وأشار الكاتب إلى أن “اللوبي الإسرائيلي يتمتع بنفوذ قوي داخل الولايات المتحدة، يضغط بكل الطرق لمنع تركيا من الحصول على هذه المقاتلات”.
دروس وعبر
وعقب تحليلات موسعة أجريت للحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) من العام الماضي، نشرت الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية، التابعة لجهاز الاستخبارات “MIT”، دراسة مهمة للحكومة التركية، توصي بضرورة بناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات بعد أن أظهرت إسرائيل في الحرب الماضية سيطرة جوية مطلقة، وزيادة وتسريع الاستثمارات التركية في الصواريخ الباليستية والفرط صوتية ومنحها الأولوية الكبرى في تصنيع أسلحة الدفاع، لما أظهرته من قوة في اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية التي، على رغم تعددها، لم تكن كافية لمواجهة الصواريخ الإيرانية “الفرط صوتية”. وأوصت الدراسة بضرورة إعطاء الأولوية للأنظمة المسيرة وتقنيات الحرب الإلكترونية، بعد أن تبين أن الدفاع التقليدي في إيران في حرب الـ12 يوماً لم يتمكن من مواجهة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية. ونبهت الدراسة الحكومة التركية إلى ضرورة وجود أنظمة إنذار مبكر ضد أي هجمات جوية محتملة مع بناء ملاجئ في منشآت استراتيجية مزودة بالمتطلبات التقنية اللازمة، وأخرى جماعية يسهل الوصول إليها خصوصاً في المدن الكبرى. ولأن العناصر المجندة داخلياً في الهجمات الإسرائيلية على إيران كان لها دور كبير في الحرب السابقة، شددت الدراسة على أهمية إغلاق الباب أمام عمليات مماثلة، عبر إعطاء عناية خاصة للعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي قد تؤثر على الأمن الداخلي التركي. ووفق ما ورد في الدراسة، فإن حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران العام الماضي شكلت نموذجاً معقداً لـ”عمليات متعددة الأبعاد”، جمعت بين البر والجو والبحر، إلى جانب المجالين السيبراني والكهرومغناطيسي، مع استخدام مكثف للتكنولوجيا المدنية والأساليب غير التقليدية في إدارة المعركة.
تطور كبير
خلال العقد الأخير، لم تخف المراكز البحثية ووسائل الإعلام الإسرائيلية ومسؤولون تخوفاتهم الجدية من التطور اللافت الذي تشهده تركيا في مجال الصناعة الدفاعية، حيث أظهرت قدرة فائقة على تحقيق استقلالية عسكرية وباتت أحد المصدرين الرئيسين للأسلحة في السوق العالمية. ووفقاً لما أعلنه رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) خلوق غورغون، فقد حققت الصناعات الدفاعية والجوية التركية قفزة تاريخية غير مسبوقة مع نهاية العام الماضي، حيث تجاوزت قيمة صادراتها عتبة الـ10 مليارات دولار للمرة الأولى في تاريخها، محققة نمواً هائلاً بنسبة 48 في المئة مقارنة بعام 2024 الذي بلغت صادراته 7.1 مليار دولار، مما يرسخ مكانة أنقرة، بحسب مراقبين، كمورد عالمي موثوق في سوق السلاح. ووفقاً للبيانات الرسمية، قفزت حصة قطاع الدفاع من إجمالي الصادرات الوطنية التركية من 1.7 في المئة عام 2022 إلى 3.7 في المئة عام 2025، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للقطاع كركيزة أساسية للاقتصاد التركي. وبحسب مراقبين، فإن استحواذ حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول الاتحاد الأوروبي إضافة إلى الولايات المتحدة على 56 في المئة من إجمالي الصادرات، يؤكد ثقة القوى العسكرية الكبرى في التكنولوجيا الدفاعية التركية. وفي تصريحات لافتة تعكس التقدم المتسارع الذي تحرزه الصناعات الدفاعية التركية، كشف وزير الصناعة والتكنولوجيا، محمد فاتح كاجر، أن بلاده باتت تحتكر 65 في المئة من سوق الطائرات المسيرة العسكرية على مستوى العالم. مؤكداً خلال مقابلة تلفزيونية، أن هذه المكانة تضع تركيا ضمن الدول الأكثر خبرة وتميزاً في مجال تطوير وإنتاج الأنظمة غير المأهولة، وهو قطاع يشهد اهتماماً عالمياً متزايداً.
ويرى محللون، أن نتائج الحرب الحالية لم ولن تقتصر على ميزان القوى بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، بل ستنعكس أيضاً على سلوك كل القوى الإقليمية والدول التي راقبت تطورات هذه الحرب. وعليه فإن تل أبيب ستأخذ بعين الاعتبار مواقف تلك الدول وعلى رأسها تركيا والفاعلين الإقليميين المحيطين بها والمتأثرين، لتنطلق بتحليلات بعيدة المدى تعيد حساباتها السياسية والأمنية.
——————————–
سوريا: توغلات إسرائيلية في أرياف دمشق والقنيطرة ودرعا/ هبة محمد
توغّلت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الساعات الماضية في مناطق متفرقة من أرياف دمشق والقنيطرة ودرعا جنوب سوريا، عبر عدة تحركات عسكرية متزامنة شملت دخول آليات وعشرات الجنود إلى قرى وبلدات حدودية، وتنفيذ عمليات انتشار ميداني ونصب حواجز مؤقتة، بالتوازي مع تحليق مكثف للطيران الحربي في الأجواء.
وترافقت هذه التحركات مع تسجيل حالات توقيف واعتقال لمدنيين ومداهمات لمنازل، قبل أن تنسحب بعض القوات تدريجيا نحو مواقعها في الجولان المحتل.
فقد اعتقلت قوات الاحتلال الثلاثاء، شابين قرب تلة الدرعيات في محيط بلدة الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي، أثناء قيامهما برعي الأغنام، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا». كما توغّلت في اتجاه قرية أوفانيا في ريف القنيطرة الشمالي.
وحسب المصدر، قامت أربع آليات عسكرية بنصب حاجز عند مدخل الكسارات في قرية عين البيضا، على الطريق الواصل بين بلدة جباثا الخشب وقرية أوفانيا، فيما نفذت خمس آليات أخرى جولة عسكرية في محيط البلدة والقرية، قبل أن تنسحب لاحقًا من المنطقة.
الناشط الإعلامي خالد خليل قال لـ«القدس العربي» إن قوة مشاة إسرائيلية مكوّنة من نحو 30 جنديا، مدعومة بسيارة عسكرية من نوع «همر» توغّلت يوم الإثنين في محيط سد رويحينة في ريف محافظة القنيطرة.
وأضاف أن جيش الاحتلال أفرج عن خمسة شبان كانت قد اعتقلتهم دورية عسكرية في وقت سابق من اليوم نفسه في منطقة سد المنطرة خلال توغلها، فيما أبقت على شاب واحد تم اقتياده إلى قاعدة العدنانية في ريف القنيطرة.
كما نفّذت قوات الاحتلال مداهمة لأحد المنازل في قرية الصمدانية الشرقية، حيث قامت بتفتيشه ونصبت حاجزا لتفتيش المارة، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء المنطقة.
وفي ريف دمشق، توغّلت دورية عسكرية تابعة لقوات الاحتلال، في قرية بيت حن، ضمت أكثر من 10 سيارات عسكرية تقل نحو 50 جنديا، بالتزامن مع تحليق طائرات حربية إسرائيلية في أجواء محافظتي درعا والقنيطرة.
وقال مصدر أمني في قرية بيت جن لـ«القدس العربي»، إن الدورية الإسرائيلية انطلقت من الجولان المحتل مرورا ببلدة حضر، ثم إلى قرية حرفا، وصولا إلى مزرعة بيت جن في ريف دمشق، قبل أن تتوغل في المنطقة. وأضاف أن القوة أقامت حاجزا عسكريا يضم أكثر من 50 جنديا، وأوقفت واستجوبت عددا من الأهالي والفلاحين دون تنفيذ عمليات اعتقال.
وأشار إلى أن التوغل وقع قرابة الساعة الحادية عشرة مساء الاثنين، وضم 11 آلية عسكرية، تحمل كل واحدة نحو 6 جنود، حيث «نصبت القوة الإسرائيلية حاجزا مؤقتا وعملت على توقيف المزارعين والمارة في المنطقة، واستجوبتهم عن رأيهم بالحكومة السورية ومدى رضاهم عنها».
وفي ريف درعا، توغّلت قوات الاحتلال يوم الإثنين في منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، ونفّذت انتشارا محدودا في عدد من النقاط داخل وادي الرقاد قبل أن تنسحب بشكل كامل بعد فترة قصيرة.
وذكرت وكالة «سانا» أن قوة عسكرية إسرائيلية مؤلفة من ست آليات توغّلت في وادي الرقاد على أطراف قرية جملة، حيث دخلت آليتان إلى موقع سرية الوادي المهجورة، فيما نصبت آليتان أخريان حاجزًا مؤقتًا على الطريق المؤدي إلى الوادي أسفل الموقع. كما تمركزت آليتان إضافيتان على أحد الجسور القريبة، وأوقفت قوات الاحتلال أحد المارة لفترة قصيرة قبل السماح له بمتابعة طريقه، قبل أن تنسحب القوة تدريجيًا في اتجاه الجولان السوري المحتل.
وتأتي هذه التحركات في سياق استمرار إسرائيل في خرق اتفاق فضّ الاشتباك الموقع عام 1974، عبر تنفيذ توغلات متكررة في الجنوب السوري، وقيامها بعمليات مداهمة واعتقال بحق المدنيين، إضافة إلى تجريف الأراضي.
وتؤكد سوريا بشكل متكرر مطالبتها بخروج قوات الاحتلال الإسرائيلي من أراضيها، مشددة على أن جميع الإجراءات التي تتخذها في الجنوب السوري باطلة ولاغية، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني وفقًا للقانون الدولي، كما تدعو المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته وردع هذه الممارسات، وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي السورية.
——————————
====================
تحديث 24 أذار 2026
——————————–
تصعيد إسرائيلي هدفه توريط دروز السويداء مجدداً!/ أيمن الشوفي
السبت 2026/03/21
تحاول إسرائيل “التذاكي كثيراً” بمحاولة توريط دروز السويداء بمزيدٍ من الانعزال في جنوب سوريا، واستنهاض المزيد من نقمة السوريين عليهم، بعدما قصف جيشها أهدافاً عسكرية تابعة للجيش السوري، أحدها مقر الفوج 175 في مدينة أزرع التابعة لمحافظة درعا، بالإضافة إلى مقر الفرقة 40، بحجة حماية دروز السويداء.
وقد سارع وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إلى ربط تلك الاستهدافات بحماية دروز السويداء، الأمر الذي عاد وأكدّه الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، حين اعتبر أن تلك الضربات جاءت في سياق الرد على الاعتداءات التي تعرّض لها دروز السويداء قبل أيام.
إسرائيل تبحث عن أدوات
ويرى الأكاديمي والباحث السياسي مهيب صالحة، أن إسرائيل هي دولة ذات أيديولوجيا توسّعية عدوانية في عموم منطقة الشرق الأوسط، تبني علاقاتها وخياراتها السياسية والعسكرية سواء في قضايا المنطقة، أو مع دولها على هذا الأساس.
ويقول صالحة لـِ “المدن”، إن المذهب التوسعي الإسرائيلي لا يعني فقط قضم المزيد من أراضي الدول المجاورة، ولكنه يعني بالمفهوم الأوسع إخضاعَ المنطقة. ويضيف ” تبحث إسرائيل في هذا السياق عن أدوات لها من أبناء المنطقة، وتشجع مشاريعاً مشبوهة على حساب المشاريع الوطنية، مما يسهل لها تنفيذ استراتيجيتها”.
وينظر صالحة إلى التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب سوريا، على أنه “استخدامٌ للدروز، وتوظيفُ قضيتهم المحقّة، وكذلك اللعب بالحكومة السورية لأجل المطالبة بتوقيع ترتيبات أمنية في الجنوب السوري وفق تصور تل أبيب”، وعند كل تعثر في مباحثات الترتيبات وفق ما يقول صالحة، فإن إسرائيل “تُقدم على عملٍ عسكري هدفه الضغط على حكومة دمشق فقط”.
“إسرائيل لا تحمي الدروز”
وأدانت وزارة الخارجية السورية، أمس الجمعة، الاعتداء الإسرائيلي، وقالت في بيان، إنه “جاء تحت ذرائعَ واهية، وحججٍ مصطنعة”، مُحمّلةً الاحتلال الإسرائيلي تداعيات هذا التصعيد الخطير.
ويذهب المحلل السياسي، وعضو مؤتمر الحوار الوطني جمال درويش، إلى أنه “لا علاقة تربط ما بين العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل في جنوب البلاد، وحماية الدروز”، مستشهداً بتصريحات وزير الأمن الإسرائيلي، والناطق باسم الجيش، والتي أعطاها درويش دلالات سياسية وأمنية من خلال تكريس دور إسرائيلي مؤثر في الجنوب السوري.
ويوضح درويش في تصريح لـِ “المدن”، أنَّ “الغاية من تلك العمليات العسكرية هي حماية أمن إسرائيل القومي، خلافاً لما تدّعيه من حرصها على حماية دروز السويداء”، ويقول: “إسرائيل تدرك أهمية الجنوب السوري بالنسبة لها، وقد نجحت بإخراج دروز السويداء من سياقهم الوطني والتاريخي، عندما سمحت بالهجوم على السويداء في شهر يوليو/ تموز الماضي، وما نجم عن هذا الهجوم من تداعيات أهمها تسلل الخوف إلى دروز الجولان، وخشيتهم من مصير مشابه للذي عاشه دروز السويداء، الأمر الذي دفع بالكثير منهم إلى قبول الجنسية الإسرائيلية، بعدما كانوا يرفضونها بالمطلق منذ العام 1967”.
من جهته، نعى “الحرس الوطني” في السويداء أحد عناصره سليمان الشيباني، أمس الجمعة، بعد تعرّضه ومجموعة تتبع للحرس الوطني إلى كمين من قبل القوات الحكومية في قرية برد التابعة إدارياً لمحافظة درعا. ونفى مصدر مقرّب من قيادة حركة “رجال الكرامة”، لـِ “المدن”، حدوث اشتباكات بين الحرس الوطني والقوات الحكومية تستدعي ما صرّحت به إسرائيل حين ربطت بين توجيه ضربة عسكرية لموقع يتبع للجيش السوري، وادعائها بحماية دروز السويداء.
وأوضح المصدر أنَّ ما حدث كان مرتبطاً بخط للتهريب يربط بين قرية بكا في السويداء، مع قرية برد التابعة لريف محافظة درعا، وهناك عمليات تجري في الخفاء لشراء ذخيرة وسواها، وهذه المرة استدرجت القوات الحكومية مجموعةً صغيرة تتبع للحرس الوطني إلى خطّ التهريب ذاك، بهدف تصفيتها.
أما الضربة الإسرائيلية لموقع يتبع للجيش السوري وفق المصدر، فهو ورقة ضغط على الحكومة السورية، تحت عنوان حماية دروز السويداء.
المدن
———————–
الحدود اللبنانية-السورية في الحرب: بين الاحتواء أو الانفجار
المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات
الثلاثاء 2026/03/24
لم تعد الحدود اللبنانية-السورية مجرّد منطقة هشّة بين دولتين متجاورتين عانتا الحروب والصراعات وتأكّل المؤسسات الرسمية المسؤولة عن إدارتها في كلا البلدين، بل تحوّلت في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان وتوسّعها المطّرد إلى خط اضطراب حساس، تتقاطع عنده حسابات سورية الأمنية مع مخاوف لبنان من الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تكون هذه الحدود مسرحًا محتملًا لها؛ فالتطورات المتسارعة في المنطقة، لا سيما مع انخراط حزب الله في المواجهة الإقليمية التي أعقبت الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، أعادت تحميل هذه الحدود أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز الإطار التقليدي لإدارة الحدود بين دولتين “شقيقتين”.
لقد كشفت الوقائع الميدانية الأخيرة على طول الشريط الحدودي بين الدولتين عن هذه التحوّلات بوضوح؛ فالإنزال الإسرائيلي في بلدة لبنانية حدودية مع سورية، وحادثة إطلاق القذائف في محيط سرغايا، والتعزيزات العسكرية السورية في عدد من النقاط الحدودية، وسلسلة الاتصالات السياسية التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع بمسؤولين لبنانيين وعرب ودوليين، كلها مؤشرات على أن ملف الحدود ما عاد مقتصرًا على الشأن الروتيني كضبط المعابر أو مكافحة التهريب، بل أصبح جزءًا من تفاعلات إقليمية أوسع ترتبط بمستقبل الحرب الدائرة في المنطقة وباحتمالات اتساعها.
في هذا السياق، لا تنظر الحكومة السورية إلى ما يجري على هذا الجانب اللبناني من الحدود على أنه شأن لبناني بحت، بل من زاوية خشيتها من أن تصبح هي نفسها جزءًا من جبهة إضافية في حال توسع نطاق الحرب. في المقابل، يخشى لبنان أن يتحوّل أي احتكاك حدودي أو تفلت عسكري إلى عامل إضافي لتوسيع الحرب التي يعيشها أصلًا نتيجة العدوان الإسرائيلي الواسع على جنوب لبنان وصولًا إلى العاصمة بيروت. بين هاتين المقاربتين، قد تجد إسرائيل في استمرار الهشاشة الأمنية على الحدود اللبنانية-السورية فرصة لتوسيع هامش الضغط على حزب الله، أو لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة بما يخدم استراتيجيتها العسكرية.
انطلاقًا من هذا، يسعى تقدير الموقف هذا إلى تحليل موقع الحدود اللبنانية-السورية في سياق التحوّلات الإقليمية الراهنة، من خلال قراءة تطور هذا الملف تاريخيًّا، وفهم التحوّلات التي طرأت عليه بعد سقوط نظام الأسد، وتحليل الهواجس الأمنية لكل من سورية ولبنان في المرحلة الحالية، وصولًا إلى استشراف السيناريوات المحتملة لمستقبل هذه الحدود في ظل توسع الحرب والعدوان.
الحدود اللبنانية-السورية تاريخيًّا: من هشاشة الترسيم إلى فائض التداخل
يصعب مقاربة ما يجري اليوم من دون العودة إلى الطبيعة التاريخية الخاصة للحدود اللبنانية-السورية. فهذه الحدود لم تكن منذ نشأتها حدودًا صلبة بين كيانين منفصلين بالكامل، بل خرجت من إرث الانتداب الفرنسي، وهي تحمل في داخلها قدرًا كبيرًا من الالتباس السياسي والاجتماعي والجغرافي.
لقد ظلّ جزء واسع من المناطق الحدودية، الممتد عبر سلاسل جبلية ووديان وبلدات متداخلة، فضاءً مفتوحًا أكثر منه خطًّا فاصلًا . وكانت العلاقة بين السكان على جانبي الحدود، لا سيما في البقاع، والقلمون، وريف حمص، وعكار، والهرمل، أقرب إلى الامتداد الاجتماعي والاقتصادي منها إلى علاقة جوار بين مجتمعين منفصلين.
هذه الطبيعة الخاصة للحدود جعلت إدارتها منذ الاستقلال أمرًا ملتبسًا، فملف ترسيمها ظلّ ناقصًا في أكثر من نقطة، وكانت القدرة على الضبط الميداني محدودة، فيما بقيت المعابر غير الشرعية جزءًا بنيويًّا من الاقتصادات المحلية ومن شبكات النفوذ.
لكن العامل الحاسم في جعل هذه الحدود أكثر تعقيدًا كان المسار السياسي للعلاقة بين الدولتين. فمنذ دخول القوات السورية لبنان في عام 1976، ثم خلال مرحلة الوصاية والهيمنة السورية حتى عام 2005، لم تُدَر الحدود بوصفها حدودًا بين دولتين كاملتي السيادة، بل بوصفها جزءًا من مجال سياسي وأمني واقتصادي واحد تتحكم دمشق في مفاصله الأساسية. لذلك، لم يكن ضبط الحدود أولوية لبنانية ولا سورية، بل كان المطلوب في كثير من الأحيان الإبقاء على هذا الالتباس لأنه يخدم شبكات السيطرة والحركة والنفوذ.
بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في عام 2005، بدأ ملف الحدود يبرز بقوة أكبر في النقاش السياسي اللبناني ، لكن ليس باعتباره ملفًّا سياديًّا وإداريًّا وحسب، بل باعتباره جزءًا من إعادة تعريف العلاقة مع سورية بعد الوصاية أيضًا. إلا أن هذا النقاش بقي أسير الانقسام اللبناني الداخلي، بين من أراد مقاربته من زاوية السيادة الكاملة وضبط المعابر، ومَن ظل يتعامل معه من زاوية الحاجة إلى إبقاء هامش واسع للحركة، سواء لاعتبارات سياسية مرتبطة بعلاقة حزب الله مع النظام السوري، أو لاعتبارات محلية واقتصادية مرتبطة بواقع المناطق الحدودية وشبكات التهريب.
ثم جاءت الثورة السورية في عام 2011 فمنحت الحدود وظيفة جديدة أكثر خطورة. فقد تحوّلت إلى ممر للمسلحين، والسلاح، والتمويل، وعبور اللاجئين، والمواد المهربة، وخرجت السيطرة عليها من يد الدولتين بدرجات متفاوتة . وبذلك ما عادت الحدود مجرّد منطقة هشّة، بل صارت جزءًا من تشكّل الحرب السورية نفسها. هذا الإرث هو الذي يفسر لماذا لا يُنظر اليوم إلى أي تحرك عسكري أو أمني على طول هذه الحدود بوصفه إجراءً تقنيًّا فحسب، بل باعتباره فعلًا سياسيًّا ذا دلالات إقليمية أيضًا.
في هذا السياق، برزت محاولات دولية لمساعدة الحكومة اللبنانية على تعزيز قدرتها على ضبط الحدود. ومن أبرز هذه المحاولات المشروع الذي دعمته بريطانيا ابتداءً منذ عام 2014 لإنشاء شبكة من أبراج مراقبة عسكرية على طول أجزاء من الحدود الشرقية والشمالية للبنان، مجهّزة بكاميرات حرارية وأنظمة رصد متطورة. وقد ساهمت هذه الأبراج في تحسين قدرة الجيش اللبناني على مراقبة التحركات في المناطق الحدودية الوعرة والكشف المبكر عن عمليات التسلل والتهريب. إلا أن تأثيرها بقي محدودًا نسبيًّا، لأن المشكلة الحدودية لم تكن تقنية فحسب، بل كانت مرتبطة بطبيعة التداخل الجغرافي والاجتماعي أيضًا، وبوجود شبكات تهريب وفاعلين غير دولتيين يصعب ضبط حركتهم بالكامل.
ما بعد سقوط الأسد: من حدود النفوذ إلى حدود الاحتواء
أحدث سقوط بشار الأسد ونظامه تحوّلًا مهمًّا في المقاربة السورية لملف الحدود مع لبنان؛ فالإدارة السورية الجديدة لم ترث دولة منهكة ومجالًا حدوديًّا هشًّا فحسب، بل ورثت إرثًا ثقيلًا أيضًا من علاقة غير متوازنة مع لبنان، ومن استخدام الحدود ممرّات نفوذ وتداخل أمني. لذلك، كان من الطبيعي أن يظهر في خطاب القيادة الجديدة ميل واضح إلى إعادة تعريف وظيفة الحدود، وما عادت دمشق تريدها مجالًا للهيمنة، ولا ساحة لإدارة الداخل اللبناني، بل خطًّا يجب تحصينه لمنع انتقال الأخطار إلى سورية ومنع عودة استخدامه لمصلحة شبكات حليفة لإيران.
هذا التحوّل ظهر في الخطاب الرسمي للقيادة السورية الجديدة ، فالمقاربة الجديدة تقوم على أربع أفكار مترابطة. الأولى، أن سورية لا تريد التدخل في لبنان، ولا تنوي استخدام حضورها أو جغرافيتها لاستعادة نمط الوصاية السابق. الثانية، أن أمن الحدود بات مسألة سيادية سورية مباشرة مرتبطة بشرعيتها الدولية كما استقرارها الداخلي، لا مجرد تفصيل إداري يمكن التراخي حياله. والثالثة، أن استقرار لبنان مهمّ لسورية، لكن هذا لا يعني قبول دمشق بأن تصبح حدودها مع لبنان منفذًا لتسلل الفوضى أو السلاح أو الصراعات الإقليمية.
التطورات الأخيرة: قلق متزايد من توسّع التحركات
لم تكن التطورات الحدودية الأخيرة مجرّد حوادث أمنية موضعية، بل تعكس مستوى متزايدًا من الحساسية التي باتت تحيط بالحدود اللبنانية-السورية في ظل الحرب الإقليمية الجارية. فقد شكّل الإنزال الإسرائيلي في منطقة لبنانية تقع على الحدود الشرقية مع سورية وحادثة سقوط القذائف في محيط سرغايا، وما أعقبهما من تعزيزات عسكرية سورية في عدد من النقاط الحدودية، مؤشرًا إلى أن هذه الحدود باتت تُقرأ من جانب الأطراف المعنية ضمن سياق أوسع يتجاوز البعد الأمني التقليدي.
فبالنسبة إلى دمشق، لا تقتصر دلالات هذه الحوادث على مسألة ضبط الحدود أو الرد على خروقات محدودة، بل ترتبط بقلق متزايد من احتمال انتقال تداعيات الحرب الإقليمية إلى الداخل السوري أيضًا، سواء عبر تحرّكات مرتبطة بحزب الله أو عبر محاولات إسرائيلية لفتح مسارات ضغط إضافية في المنطقة. من هذا المنظور، يمكن فهم التعزيزات العسكرية السورية الأخيرة بوصفها جزءًا من مقاربة احترازية تهدف إلى منع تحوُّل المناطق الحدودية إلى مساحة يمكن أن تُستخدم لتوسيع نطاق المواجهة.
في المقابل، ينظر لبنان إلى هذه التطورات بقدر كبير من الحذر، إذ تخشى بيروت أن يؤدّي أي احتكاك حدودي أو سوء تقدير عسكري إلى فتح مسار إضافي للحرب في وقت يواجه البلد تصعيدًا عسكريًّا مستمرًّا على جبهته الجنوبية مع إسرائيل. لذلك، سعت السلطات اللبنانية إلى احتواء حادثة سرغايا بسرعة عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية، في محاولة لمنع تحوّلها إلى أزمة سياسية أو أمنية بين البلدين.
تقاطع الهواجس اللبنانية والسورية
تعكس التطورات الأخيرة على الحدود اللبنانية-السورية تقاطعًا واضحًا بين الحسابات الأمنية السورية ومخاوف لبنان من اتساع نطاق الحرب الإقليمية.
بالنسبة إلى دمشق، يرتبط هذا الملف بقلق متزايد من احتمال انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل السوري. فإلى جانب التخوف من أي تحرّك عسكري مرتبط بحزب الله عبر الشريط الحدودي، تنظر القيادة السورية بقلق إلى النشاط العسكري الإسرائيلي المتزايد في مناطق البقاع القريبة من سورية. وتشير التقديرات في دمشق إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها في هذه المنطقة، سواء عبر ضرب البنى العسكرية للحزب أو عبر تنفيذ عمليات إنزال محدودة تستهدف مواقع محددة في عمق محافظة البقاع.
في بعض السيناريوات التي تُتَدَاول في الأوساط الأمنية، يبرز احتمال تحرّك إسرائيلي انطلاقًا من منطقة مرصد جبل الشيخ في اتجاه البقاع الغربي، الأمر الذي قد يجعل قوات الاحتلال الإسرائيلي أقرب جغرافيًّا إلى دمشق ويمنحها قدرة أكبر على الإشراف الميداني على مساحات من الأراضي السورية. كما يُطرح احتمال أن تسعى إسرائيل إلى تثبيت نقاط موقتة أو حضور عسكري على المرتفعات الجبلية في السلسلة الشرقية، بما يتيح لها مراقبة المجالين اللبناني والسوري في آنٍ.
من هذا المنظور، تنظر دمشق إلى البقاع بوصفه منطقة شديدة الحساسية في التوازنات العسكرية الحالية؛ إذ تخشى أن يؤدي استمرار وجود بنى عسكرية لحزب الله في تلك المناطق، إلى توفير ذريعة إضافية لإسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية هناك. لهذا السبب، تضغط سورية منذ فترة على لبنان من أجل اتخاذ خطوات أكثر جدية للتعامل مع هذا الملف وتفكيك بعض البنى العسكرية لحزب الله في منطقة البقاع، انطلاقًا من تقدير مفاده أن إسرائيل قد تستغل وجود هذه البنى ومخازن الأسلحة هناك لتوسيع نطاق عملياتها والإطباق أكثر على سورية ولبنان معًا.
في المقابل، ينظر لبنان إلى هذه التطورات من زاوية مختلفة، لكنها لا تقل حساسية؛ فالدولة اللبنانية، التي تواجه أصلًا عدوانًا عسكريًّا موسّعًا في جنوب لبنان ومناطق أخرى وصولًا إلى العاصمة بيروت، تخشى أن يؤدي أي توتر على الحدود الشرقية إلى فتح مسار إضافي للحرب في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب. كما أن التاريخ المعقد للعلاقة السورية- اللبنانية يجعل أي انتشار عسكري سوري قرب الحدود عرضة لتفسيرات متباينة في الساحة اللبنانية، حيث يُقرأ أحيانًا ضمن سياق أمني دفاعي، وأحيانًا أخرى ضمن هواجس سياسية مرتبطة بمرحلة الوصاية السورية السابقة.
من التنسيق إلى الاحتواء
في موازاة هذه التطورات، بدأ يتشكل تدرّجًا نمط جديد من قنوات التنسيق بين لبنان وسورية بعد سقوط نظام الأسد، يقوم على إدارة المخاطر الحدودية أكثر مما يقوم على بناء سياسة حدودية مشتركة متكاملة. فالتواصل بين المؤسّستين العسكريتين، إلى جانب الاتصالات السياسية بين المسؤولين في البلدين، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأن أي توتر غير مضبوط على الحدود قد يتحوّل سريعًا إلى عامل إضافي لتعقيد المشهد الإقليمي.
بناء عليه، يبدو أن هذا النمط من التنسيق يتجه تدرّجًا من مجرد تبادل معلومات أو احتواء حوادث موضعية إلى محاولة غير معلنة لبناء آلية احترازية لمنع انتقال تداعيات الحرب الإقليمية إلى هذه الحدود.
مع ذلك، لا تزال هذه القنوات التنسيقية محدودة بضعف الثقة السياسية بين البلدين وبالهشاشة البنيوية لإدارة الحدود. لذلك، يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة الطرفين على تحويل التنسيق الظرفي الحالي إلى مقاربة أكثر استقرارًا لإدارة الشريط الحدودي، بما يحدّ من احتمالات تحوّله إلى نقطة اشتعال إضافية في سياق الصراع الإقليمي.
السيناريوات المحتملة
1. سيناريو الاحتواء المنظم
يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومتين في دمشق وبيروت، بدعم عربي ودولي ضمني، في تثبيت قواعد اشتباك حدودية غير معلنة حيث لا تدخّل سوري في لبنان، ولا استخدام منظم للحدود من جانب حزب الله أو غيره ضد سورية، مع استمرار التواصل بين الجيشين، واحتواء سريع للحوادث الميدانية.
في هذا السيناريو، تتحوّل الحدود إلى خط توتّر مضبوط، لا إلى خط مواجهة. ويكون هذا الخيار هو الأكثر واقعية إذا استمرّت القيادة السورية في سياسة التحييد، وإذا وجدت الدولة اللبنانية مصلحة في تطوير التنسيق الأمني مع دمشق، وإذا تراجعت قدرة إيران في توسيع الحرب.
2. سيناريو التوترات المحدودة والمتكررة
تعتبر الهشاشة البنيوية للحدود، واستمرار الحرب، وبقاء حزب الله لاعبًا عسكريًّا أساسيًّا، عوامل تجعل من المرجّح تكرار حوادث من نوع سقوط قذائف، أو مناوشات، أو اتهامات متبادلة، أو تحركات عسكرية محدودة على جانبَي الحدود. في هذا السيناريو لا تنفجر الحدود بالكامل، لكنها تبقى مصدرًا دائمًا للقلق، ويزداد فيها منطق إدارة الأزمات بدل حلّها. وخطورة هذا أنه قد يراكم طبقات من عدم الثقة بين الطرفين، ويمنح إسرائيل فرصة استثمار أي حادث لتوسيع عدوانها للضغط على كل من لبنان وسورية. ونظرًا إلى الظروف الراهنة يعتبر هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا.
3. سيناريو الاختراق الإسرائيلي للمنطقة الحدودية
يفترض هذا السيناريو أن توسع إسرائيل عدوانها إلى مرحلة أكثر هجومية في منطقة البقاع والمناطق القريبة من سورية، سواء عبر عمليات إنزال، أو عمليات خاصة، أو ضربات نوعية متكررة، أو محاولات تثبيت مواضع نار وسيطرة على مرتفعات حسّاسة. في هذه الحالة، تصبح الحدود اللبنانية-السورية مجالًا عملياتيًّا مزدوجًا، ساحة حرب ضد حزب الله، ومجال ضغط على سورية نفسها.
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة مواجهة سورية-إسرائيلية مباشرة، لكنه يرفع احتمالات الاحتكاك، ويدفع دمشق إلى اتباع مزيد من العسكرة على الحدود، وقد يضع لبنان أمام مستوى جديد من الحرب لا يقتصر على الجنوب.
4. سيناريو التحرّك السوري باتجاه لبنان والسيطرة على منطقة عازلة في البقاع
ينطلق هذا السيناريو ممّا تردّد عن تقارير حول تشجيع أميركي نحو دفع سورية إلى الدخول نحو المناطق الحدودية اللبنانية في سهل البقاع لنزع سلاح حزب الله والسيطرة على تلك المناطق، الأمر الذي لم يلق حتى الساعة التجاوب المطلوب من الجهات السورية؛ فالجانب السوري متوجّس من فكرة التدخل في لبنان ومن الانخراط في الحرب الحالية، وتبقى احتمالية حدوث هذا السيناريو موجودة نظريًّا إلا أنه يبقى غير مرجّح في المرحلة الراهنة لتبعاته السياسية والعسكرية السلبية.
خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن الحدود اللبنانية-السورية دخلت مرحلة جديدة من الحساسية الأمنية والسياسية، إذ لم تعد مجرّد ملف إداري يتعلّق بضبط المعابر أو مكافحة التهريب، بل أصبحت إحدى النقاط التي تتقاطع عندها تداعيات الحرب الإقليمية الجارية في المنطقة. فالتداخل بين الحسابات الأمنية السورية، ومخاوف لبنان من الانزلاق إلى مواجهة أوسع، واحتمالات سعي إسرائيل إلى استثمار هشاشة البيئة الحدودية وتوسيع عدوانها، تجعل من هذه الحدود مساحة شديدة التأثّر بتطوّرات الصراع الدائر في المنطقة.
منطقة احتكاك محتملة
في هذا السياق، تبدو الحدود اللبنانية-السورية مرشّحة لأن تبقى خلال المرحلة المقبلة إحدى الجبهات الهشّة في المشهد الإقليمي، ليس بالضرورة بوصفها ساحة مواجهة مباشرة، بل باعتبارها منطقة احتكاك محتملة يمكن أن تتأثّر سريعًا بأي تصعيد عسكري أو سياسي في المنطقة. فالهشاشة البنيوية التي طبعت إدارة هذه الحدود تاريخيًّا، إلى جانب استمرار وجود فاعلين غير دولتيين وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، تجعلها عرضة لأن تتحوّل إلى مساحة ضغط إضافية ضمن الحسابات الاستراتيجية للقوى المنخرطة في الحرب.
انطلاقًا من هذا، فإن إدارة الحدود اللبنانية-السورية خلال المرحلة المقبلة ستشكّل اختبارًا مهمًّا لقدرة الدولتين على منع تحوّلها إلى ساحة إضافية للحرب الإقليمية. فنجاح بيروت ودمشق في تطوير قنوات تنسيق أمني فعّالة وتعزيز ضبط المنطقة الحدودية قد يساهم في احتواء تداعيات الحرب ومنع انتقالها إلى هذه الجغرافيا الحسّاسة. في المقابل، قد يؤدّي استمرار الهشاشة الأمنية وغياب آليات تنسيق مستقرّة إلى زيادة احتمالات الاحتكاك، أو إلى فتح المجال أمام قوى إقليمية للاستثمار في التوتّرات الحدودية بما يخدم حساباتها في الصراع الدائر.
في المحصلة، لن يتحدّد مستقبل الحدود اللبنانية-السورية بميزان القوى العسكري في المنطقة فحسب، بل بمدى قدرة الدولتين على إعادة تعريف إدارة هذه الحدود أيضًا في إطار من التنسيق الأمني والسياسي يحدّ من هشاشتها المزمنة، ناهيك بقدرة البلدين على مقاومة المخطّطات الدولية والإسرائيلية تجاهها، بما يحول دون تحوّل الحدود إلى إحدى نقاط الاشتعال المحتملة في حرب إقليمية لم تتّضح حدودها النهائية بعد.
———————————-
خيار الصراع العسكري ضد إسرائيل في حقبتيه الدولتية والميليشياوية/ ماجد كيالي
هل يعود الفلسطينيون إلى “نهج 48” والانتفاضة الأولى في الضفة وغزة؟
23 مارس 2026
في نظرة إلى تاريخ الصراع العسكري ضد إسرائيل، منذ إقامتها عام 1948 يمكن التمييز بين حقبتين: الأولى، تتمثل بخيار الحروب الدولتية النظامية، التي خاضتها بعض الجيوش العربية ضد إسرائيل. والثانية، تتمثل بخيار الصراع المسلح ضد إسرائيل بواسطة الفصائل أو الميليشيات. كما يمكن ملاحظة أن الحقبة الأولى حملتها الأنظمة العربية بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر احتضان ودعم الحركة الوطنية الفلسطينية. في حين كان النظام الإيراني هو حامل الحقبة الثانية مباشرة أو مداورة، عبر دعم فصائل وميليشيات فلسطينية ولبنانية وعراقية ويمنية. وهو ما يفترض أخذه في الاعتبار هنا.
ومع ذلك، فإنه وفقا للتصنيفين المذكورين، فإن التمييز المذكور لا يطمس ولا يقلل من حال التداخل بين الحقبتين ولا من التداخل في أي منهما بين الشكلين المذكورين.
الصراع في حقبته الدولتية/النظامية
كانت معظم الأنظمة العربية، لاسيما مصر وسوريا، انتهجت خيار الصراع العسكري ضد إسرائيل، سواء من ناحية عملية أو شعاراتية، بحيث اعتبرت حرب 1948، التي نجم عنها إقامة إسرائيل وولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فيما عرف بالنكبة، بمثابة الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى، ثم تبعتها الثانية 1967، أي بعد عقدين، أما الثالثة، فحدثت بعد ست سنوات من الحرب الثانية 1973، وهي التي اعتبرت بمثابة آخر الحروب العربية الدولتية، أو النظامية، ضد إسرائيل.
في غضون تلك الفترة (1948-1973) خاضت مصر لوحدها حربين، الأولى تمثلت بصد العدوان الثلاثي على أراضيها، بعد تأميم قناة السويس عام 1956، الذي ضم فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وحرب الاستنزاف التي خاضتها ضد إسرائيل (1968-1970). عدا عن هزيمة الجيوش العربية في تلك الحروب، وباستثناء نصر نسبي، أو جزئي، تحقق في حرب 1973، فإن تلك الحروب قوّت إسرائيل على كافة الأصعدة، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا، وعززت مكانتها لدى الدول الغربية.
بيد أن المشكلة لا تتوقف عند تلك النتيجة المخيّبة، إذ ظهر أن هزائم الجيوش العربية المتكّررة، أو عجزها، عن تحقيق انتصارات ناجزة على إسرائيل لا تعود فقط إلى تخلف الجيوش العربية، من ناحية الإدارة والتنظيم وتكنولوجيا السلاح وقوة النيران فقط، وإنما تعود إلى وضع الأنظمة العربية ذاتها، في تخلف مبناها السياسي، وشكل إدارتها لمواردها البشرية والمادية، الأمر الذي جعل دولة صغيرة ناشئة تتغلب عليها.
هذا يشمل أن الأنظمة المعنية ذهبت لمصارعة إسرائيل في الخيار العسكري، فقط، وهو المربع، أو الميدان، الذي تتفوق به، دونا عن مصارعتها، أو منافستها، في المجالات الأخرى، التي تفترض سلوك دروب التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي والعلمي.
كما يشمل ذلك قصور إدراكات الأنظمة المعنية لطبيعة إسرائيل ودورها في المنطقة، باعتبارها ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، كغيرها من الدول، وإنما هي بمثابة وضع دولي، أو امتداد للغرب، وخاصة كامتداد للمصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، الأمر الذي يجعل من المتعذر، أو من غير المسموح به، استثمار أية إنجازات او تضحيات أو بطولات في مواجهة إسرائيل.
ومثلا، هذا ما حصل في “نصر” حرب 1973، الذي تمخّض عن تحول الصراع في المنطقة من الصراع ضد وجود إسرائيل إلى مجرد الصراع على شكل وجودها، أي حدودها السياسية والجغرافية، والانتقال من الصراع على ملف 1948 إلى الصراع على ملف 1967، أي الأراضي المحتلة، مع إخراج مصر من دائرة الصراع العربي-الإسرائيلي، وتحول النظام العربي نحو خيار التسوية.
حقبة الكفاح المسلح الفلسطيني
بعد حرب 1973، واختفاء الحرب النظامية، وحمل الفصائل أو الميليشيات خيار الصراع المسلح ضد إسرائيل، يمكن التمييز بين حقبتين أيضا، الأولى، وهي الحقبة الفلسطينية، أي حقبة الكفاح المسلح الفلسطيني. والثانية، هي الحقبة الإيرانية، التي حملتها الفصائل أو الميليشيات، التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران، بشكل خاص، علما بأن ثمة بعدا فلسطينيا في تلك الحقبة، تمثل في الانتفاضة الثانية 2000-2004، التي غلب عليها شكل الصراع العسكري، كما تمثل أيضا في صعود حركة “حماس” في المشهد الفلسطيني، سيما بعد تحولها إلى سلطة في قطاع غزة، لحوالي عقدين من الزمن، مع الحروب الوحشية المدمرة التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة، وآخرها حرب الإبادة المستمرة منذ أكثر من عامين.
المهم أن الحركة الوطنية الفلسطينية حملت لوحدها خيار الصراع العسكري ضد إسرائيل طوال عقد من الزمن، أي منذ الفترة من 1973-1982، إذ بعد ذلك تم إنهاء الظاهرة الفلسطينية المسلحة في لبنان، ومن خارج فلسطين عموما، بنتيجة الغزو الإسرائيلي لذلك البلد.
بيد أن تلك الفترة، التي شهدت صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، ونيلها شرعية عربية ودولية، كانت معقدة ومؤلمة وباهظة الثمن، للفلسطينيين واللبنانيين، بنتيجة الانقسام اللبناني من حول هذا الموضوع، واندلاع الحرب “الأهلية” في لبنان، وغرق الحركة الوطنية الفلسطينية فيها، وبنتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والمدمرة على الأراضي اللبنانية.
في المحصلة، فقد أثر خروج الحركة الوطنية الفلسطينية من لبنان، وتمركزها في تونس، في تراجع خيار الكفاح المسلح، ليس فقط لاستنفاد إمكانياته، وبسبب عدم وجود عسكري للفصائل الفلسطينية على الحدود مع إسرائيل، وإنما، أيضا، بسبب ظهور خيار آخر، هو الانتفاضة الشعبية، التي اندلعت في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة والقطاع (1987-1993)، إذ بدت بمثابة الخيار الأنسب، والأكثر نجاعة، لظروف الشعب الفلسطيني، ولمصارعة إسرائيل، والتغلب عليها سياسيا وأخلاقيا، ومن ناحية مشروعية وعدالة قضية فلسطين على الصعيد الدولي.
وللمفارقة فإن محصلة تلك الانتفاضة كانت تشبه محصلة “نصر” حرب 1973، أي عدم السماح بتمكين الشعب الفلسطيني من استثمار كفاحه وتضحياته وبطولاته، إذ تم تمثل ذلك بعقد “اتفاق أوسلو” (1993)، الناقص والجزئي والمجحف، والذي أرادته إسرائيل فقط لنزع شرعية “منظمة التحرير”، وتفكيك القضية الفلسطينية، وتجويف حركتها الوطنية، وتصديع وحدة الشعب الفلسطيني، على ما نشهد اليوم.
وبديهي أن تلك النتيجة أتت بحكم تفوق إسرائيل، ودعم الولايات المتحدة لها، وبحكم ضعف الإطار العربي والدولي المساند للفلسطينيين، لكنها أتت، أيضا، بسبب سوء تقدير القيادة الفلسطينية، التي أرادت تعويم ذاتها في ظروف ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، في مطلع التسعينات، دون أن ترهق نفسها بالبحث عن خيارات أخرى.
الحقبة الإيرانية
بعد ذهاب القيادة الفلسطينية نحو خيار المفاوضة والتسوية، الذي تماهى مع الخيار العربي، ظهر لاعب إقليمي جديد في الشرق الأوسط، وهو النظام الإيراني، الذي انتهج منذ البداية مبدأ “تصدير الثورة”، وفق رؤية نظام “الولي الفقيه”، وعبر فرض تشكيلات مسلحة، من طبيعة طائفية، في بلدان المشرق العربي سيما في لبنان والعراق وسوريا، علما بأنه كان يبرر محاولاته تعزيز نفوذه الإقليمي بمصارعة إسرائيل، ونصرة القضية الفلسطينية.
وفي الواقع فقد شكل لبنان، بحكم ضعفه، وطبيعة نظامه السياسي، وتركيبته الاجتماعية، الحاضنة المناسبة لهذا التوجه، وهو ما حصل بتشكيل “حزب الله” عام 1985، والذي بات يحتكر تمثيل طائفته، ومقاومة إسرائيل، طوال أكثر من أربعة عقود، وذلك بفضل الدعم اللامحدود من قبل النظام الإيراني، المالي والتسليحي والسياسي، وقد دعّم ذلك بسيرة “حزب الله” القتالية، ولا سيما بانسحاب إسرائيل، الأحادي، من جنوبي لبنان في عام 2000، الذي عد بمثابة انتصار لذلك “الحزب”، كما كان قد دعم باحتضان النظام السوري له، بحكم هيمنته على لبنان (1976-2005).
كانت مكانة إيران قد صعدت على نحو كبير، ومعها الخط الفصائلي أو الميليشياوي، في مصارعة إسرائيل، بعد غزو الولايات المتحد للعراق عام 2003، وقيامها بتسليمه، على بياض، للميليشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران.
وفي هذه المرحلة باتت إيران بمثابة اللاعب الإقليمي الأهم في منطقة الشرق الأوسط، حتى بأكثر من تركيا وإسرائيل، وعلى حساب النظام العربي، الذي ظل ضعيفا، ويعمل كوحدات، أو كمحاور، متعارضة، إلى درجة أن بعض قيادييها ظلوا يتبجحون بأن إيران تسيطر على عدة عواصم عربية (بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء).
وفي غضون كل تلك التطورات وجدت إيران تغطية فلسطينية لها، من خلال بعض الفصائل، لا سيما حركة “حماس”، بحكم الدعم المالي والعسكري، وبحكم طابعها الأيديولوجي، والمعارض لعملية التسوية، ففي حين كانت إيران بحاجة إلى تغطية فلسطينية، فإن “حماس” كانت بحاجة إلى بلد بحجم إيران، يقدم لها الدعم المالي والتسليحي، في نوع من الاعتماد المتبادل، إن جاز التعبير.
هذا هو الوضع الذي أدى إلى ظهور معسكر، أو محور، “المقاومة والممانعة”، الذي انبنى على فكرة “وحدة الساحات”، وعلى أوهام، أو إدراكات قاصرة، من نوع أن إسرائيل “أوهن من خيوط العنكبوت”، وأنها “آيلة للانهيار”، مع المبالغة بالذات، والاستخفاف بالعدو، والعيش مع مقولات منفصمة عن الواقع من نوع: “توازن الرعب” و”الردع المتبادل” و”زلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل”.
ماذا بعد
في نقاش محصلة الخيارات العسكرية، في الحقبتين الدولتية/النظامية، ثم الفصائلية/الميليشياوية، أو العربية ثم الإيرانية، يفيد التذكير بأن الأمر هنا لا يتعلق بمشروعية أو عدم مشروعية الصراع العسكري، أو الكفاح المسلح، وإنما يتعلق بجدوى الأشكال الصراعية، في كل مرحلة، وامتلاك أدواتها، علما بأن أي شكل يفترض أن ينطلق من مسألتين أساسيتين، الأولى، إمكان استنزاف العدو، وليس تمكينه من استنزاف أو تدمير أو تشريد المجتمع المعني، وهو هنا المجتمع الفلسطيني أو اللبناني. أما الثانية، فتتعلق بإمكان الاستثمار في التضحيات والبطولات في إنجازات سياسية متحققة، وليس في لَوك الشعارات فقط، وكأنما المقاومة أو الكفاح المسلح هدف في ذاته، في انفصام عن الواقع وعن الاستراتيجيات السياسية الممكنة.
في محصلة الحقبتين المذكورتين، يمكن ملاحظة الأثمان الباهظة المدفوعة، من دون مردود سياسي، كما يمكن ملاحظة حصر الصراع بشكله العسكري، الأداتي، من دون اعتبار لا لقوة العدو، ولا لفائض القوة لديه، في التفوق الاقتصادي والتكنولوجي وإدارة الموارد، والتمتع بالدعم الأميركي اللامحدود واحتكار القوة النووية، وكلها لا إجابة عليها، لا من قبل الأنظمة العربية، ولا من قبل إيران، ولا من قبل الميليشيات التي تعمل كأذرع إقليمية لها، علما بأن المقاومة ليست حربا كالمواجهة بين جيشين، ولا حربا تُكسب بالضربة القاضية، على نحو ما كانت تشيع بعض الفصائل.
الآن، ونحن نشهد حربا مدمرة في الشرق الأوسط، نشهد أيضا إسرائيل وهي تحشد العالم كله إلى جانبها، كأنها تعيد رسم الخريطة العالمية لصالحها، بعد أن تآكلت مكانتها، بفعل حرب الإبادة الوحشية التي شنتها ضد فلسطينيي غزة، فحتى الصين وروسيا ومجموعة “بريكس” كلها، فإنها تكتفي بالتفرج على ما يجري.
لقد لعبت إيران دورا كبيرا، من باب ركوب القضية الفلسطينية، في التسهيل على إسرائيل، وتعزيزِ مكانتها كقطب مهيمن في الشرق الأوسط، بإضعافها مبنى الدولة والمجتمع في العراق وسوريا ولبنان، وتصديع المجتمعات العربية على قاعدة طائفية، وبأخذها خيار العملية الانتحارية، في استعارة للمقولة الشمشونية “عليّ وعلى أعدائي”، بعد أن تمنعت كثيرا، وطويلا، عن أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، وهو ما فعلته بالنأي بنفسها ليس فقط عن إسناد غزة في العامين الماضيين، وإنما حتى عن إسناد درة التاج في ميليشياتها الإقليمية، أي “حزب الله”، بعد مصرع زعيمه حسن نصر الله أواخر عام 2024.
والآن، وفي غضون الحرب الدائرة، لا أحد يمكنه التكهن بالشكل الذي ستتموضع عليه الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، ولا أدوار الأطراف الإقليميين الفاعلين، لكن ما يمكن استنتاجه أن حقبة الصراع الميليشياوي المسلح ضد إسرائيل باتت في صفحتها الأخيرة، بعد أن طويت صفحة الصراع النظامي الدولتي معها، قبل نصف قرن. كأن أقوى وأقسى وأكثر صدمة وحرب شهدتهما إسرائيل، لعبت بشكل متفارق أو متعاكس، باعتبارها هي اللحظة التي تؤذن بانتهاء هذا الشكل.
هل هذا يعني اختفاء المقاومة، وضمنها المقاومة المسلحة، لا أعتقد ذلك، إذ طالما كان ثمة ظلم وقهر واحتلال فستستمر المقاومة بهذا الشكل أو ذاك، بهذه الطريقة أو تلك، بهذا المستوى أو ذاك، لكن ذلك لن تعود له امتدادات خارجية على الأرجح، أي إن الاستنتاج الأهم هو أن مقاومة إسرائيل ستنبع من داخل الشعب الفلسطيني، ووفقا لإمكانياته وقدراته وظروفه، ربما على مثال النهج الذي اختاره فلسطينيو 48، وعلى نحو ما جرى في الانتفاضة الأولى في الضفة وغزة.
المجلة
——————————–
السيناريو القديم – الجديد للشرق الأوسط المقبل/ محمد أبو رمان
24 مارس 2026
تبدو الضربات العسكرية الإسرائيلية أخيراً على البنى التحتية في جنوب سورية، تحت عنوان “حماية الدروز في السويداء”، أقرب إلى رسالة سياسية مركّبة، مفادها بأنّ الانخراط في مواجهة كبرى مع إيران لا يعني تجميد بقية الملفّات، بل العكس، إذ يجري التعامل مع الحرب بوصفها إطاراً جامعاً يسمح بإعادة هندسة المجال الإقليمي، وفرض وقائعَ جديدةً في أكثر من ساحة، من الجنوب السوري إلى غزّة والضفة الغربية، وصولاً إلى لبنان، ضمن تصوّر أوسع يتجاوز فكرة الردع التقليدي إلى صياغة بيئة استراتيجية مختلفة. يتقاطع هذا المعنى بوضوح مع ما ورد في مقال نشرته صحيفة إسرائيل اليوم (20 مارس/ آذار الجاري) للباحث الإسرائيلي إيال زيسر، بعنوان “الحدود الجديدة لإسرائيل بانتظار موافقة ترامب”، الذي يُقدّم قراءةً لافتةً حول ما يسمّيها “الحدود الجديدة”، ويوضح أنّ ما يجري على الأرض بمثابة مسار متدرّج لتكريس حدود فعلية جديدة بانتظار غطاء سياسي أميركي، وتحديداً من دونالد ترامب، الذي يُنظر إليه العامل الحاسم في منح هذه التحوّلات شرعية رسمية أو إبقائها ضمن مستوى القبول الضمني.
يشير زيسر إلى أنّ إسرائيل تعمل على تثبيت وقائع ميدانية في أكثر من ساحة، في جنوب لبنان وفي الجبهة السورية وفي قطاع غزّة، مع تلميحات إلى الضفة الغربية، فتتحوّل خطوط التماسّ العسكرية تدريجياً إلى حدود سياسية محتملة، وهو ما يعكس انتقالاً من إدارة الصراع ضمن حدود قائمة إلى إعادة رسم هذه الحدود نفسها وفق موازين القوّة الجديدة. يرتبط هذا التحوّل مباشرةً بالمفهوم الذي يعيد بنيامين نتنياهو تأكيده في خطاباته أخيراً، فكرة “تغيير وجه الشرق الأوسط”، وهي عبارة تتحوّل تدريجياً إلى مبدأ ناظم لصنع القرار، يتجلّى في توسيع نطاق العمليات، وفي الجرأة على اختبار حدود القوّة، وفي الانتقال من إدارة التهديدات إلى إعادة تشكيلها، بما يتوافق مع رؤية إسرائيل لمستقبل الإقليم، وبما يعكس ثقةً متزايدةً بقدرتها على فرض هذه الرؤية.
يعزّز خطاب نتنياهو (في 19/3/2025) هذا الاتجاه، عندما أشار فيه إلى أنّ إسرائيل أصبحت قوّةً إقليميةً عظمى في المنطقة، ولم تعد تتحرّك من موقع الدفاع عن النفس، إذ تعكس هذه الصياغة تحوّلاً في تصوّر الذات من التيار الرئيس في السياسات الإسرائيلية اليوم، وفي تعريف الدور، وتنسجم مع طبيعة العلاقة التي تشكّلت مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، إذ نشهد مستوى غير مسبوق من التنسيق، لا يقتصر على الدعم السياسي أو العسكري التقليدي، بل يمتدّ إلى تقاطع استراتيجي حول شكل الإقليم وإعادة ترتيبه. ضمن هذا السياق، تبرز أهمية أنّ هذه هي المرّة الأولى التي يخوض فيها الجيشان الأميركي والإسرائيلي حرباً مشتركةً بهذا الشكل المباشر ضدّ إيران، فالتاريخ القريب شهد أنماطاً متعدّدةً من الدعم الأميركي لإسرائيل، إلا أنّ الانتقال إلى مستوى الحرب المشتركة يعكس تحوّلاً نوعياً، ويعيد إلى الأذهان تجربة 1956 عندما تحالفت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا ضدّ مصر بعد قرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، مع فارق جوهري يتعلّق بعمق التداخل الحالي بين القرارَين السياسيَّين والعسكريَّين في واشنطن وتل أبيب.
ما يلوح في الأفق، كما يعكسه المقال، يتجاوز مسألة موازين القوى أو قواعد الاشتباك، ليصل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية نفسها؛ فثمّة اتجاه إلى تكريس السيطرة على أجزاء من قطاع غزّة، وتعزيز مسار الضمّ في الضفة الغربية، وتثبيت حضور عسكري في جنوب لبنان وسورية، بما يؤدّي إلى إنشاء حزام أمني واسع، منزوع القدرات العسكرية الثقيلة، يحيط بإسرائيل ويقلّص إلى الحدّ الأدنى من مصادر التهديد التقليدية.
يرتبط هذا المسار أيضاً برؤية أوسع تجاه الدول المحيطة، ففي الحالة السورية يظهر الميل إلى إضعاف بنية الدولة واستنزاف قدرتها على إعادة التشكل، بما يمنعها من التحوّل مجدّداً إلى مصدر تهديد، وفي الحالة الإيرانية تتجاوز الأهداف مسألة تغيير السلوك أو حتى تغيير النظام، لتشمل سيناريوهات التفكيك الداخلي، أو إدخال البلاد في حالة من الفوضى الممتدّة، وهو ما ينعكس على كامل التوازنات في الخليج وآسيا الغربية.
في ضوء هذا، تكتسب فكرة “الحدود الجديدة” معنىً أعمق، فهي لا تشير فقط إلى خطوط جغرافية، بل إلى تصوّر كامل لإعادة ترتيب الإقليم، يقوم على إضعاف الدول المركزية الكبيرة، ودفعها نحو أشكال من التفتّت أو إعادة التشكّل الداخلي، وهو ما يفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف، تتراجع فيه الدولة الوطنية التقليدية، وتبرز فيه كيانات أصغر وأكثر هشاشة، ضمن بيئة تتيح لإسرائيل تثبيت تفوّقها الإقليمي على المدى الطويل.
في هذا الأفق الأوسع، يمكن استدعاء ما طرحه تشارلز تيلي حول العلاقة بين الحرب وبناء الدولة، حين رأى أنّ الحروب ليست مجرّد أدوات للصراع، بل محرّكات لإعادة تشكيل الكيانات السياسية نفسها، وقد أفضت الحروب الدينية في أوروبا إلى ولادة الدولة الحديثة، فيما جاءت الحرب العالمية الأولى لتنتج الخريطة السياسية الراهنة للشرق الأوسط عبر اتفاقات مثل سايكس – بيكو، التي رسمت الحدود وأعادت تشكيل الدول. من هنا، يفرض السؤال نفسه اليوم، في ظلّ هذه الحرب وما يتخلّلها من حديث عن حدود جديدة ووقائع تُفرض بالقوّة، عمّا إذا كنّا أمام لحظة تاريخية مشابهة، تُعاد فيها صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة، لا على مستوى موازين القوى فقط، بل أيضاً على مستوى الحدود والكيانات نفسها، بما قد يفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف عمّا عرفناه خلال القرن الماضي.
إلى أيّ مدى يمكن القول إنّ هذا توجّه إسرائيلي منفرد وليس متّصلاً بدوائر قرار في واشنطن أو تلك التي تؤثّر فيها بصورة كبيرة، بخاصّة الحركة الإنجيلية الأصولية، التي باتت لاعباً كبيراً في سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط، وإلى أيّ مدى يمكن أن نعتبر هذه النظرية الصهيونية جديدة، أم هي قديمة لكن آن الأوان في العقل الصهيوني، وسنحت الفرصة لتحقيقها على أرض الواقع اليوم؟ والسؤال الأكثر أهميةً، ومع تلاشي نظرية الأمن القومي العربي وتدهور ما يرتبط بها من مؤسّسات قومية وحلول التصوّرات الإقليمية بديلاً منها: إلى أي مدى تملك الدول العربية والإسلامية المعنية بذلك (خصوصاً ما بات يُسمّى اليوم المجموعة العربية الإسلامية) نظريةً استراتيجيةً وأمنيةً للمنطقة في مواجهة هذا التصوّر عملياً، وليس فقط عبر الخطّ الدبلوماسي المحدود؟
العربي الجديد
——————————–
الهجري يعلن دعمه للحرب على إيران ويصف المرحلة بـ”المنعطف التاريخي“
24 مارس 2026
أصدر الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء، الشيخ حكمت الهجري، اليوم الثلاثاء، بيانًا وصف فيه المرحلة الراهنة بأنها “منعطف تاريخي وحاسم لتصحيح أسس المنطقة”، معلنًا دعمه للتوجه الاستراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل في خطواتهما الرامية إلى القضاء على ما أسماه “جذور الدمار والارهاب في الشرق الأوسط”.
وجاء في البيان، أن “النظام الإيراني خرب استقرار المنطقة وتسبب بالضرر لشعبه قبل الآخرين”، مشيرًا إلى أن منطقة “جبل باشان” (في إشارة إلى محافظة السويداء) نالت نصيبًا كبيرًا من الضرر في حقبة النظام السابق بسبب سياسات ممنهجة ربطت التنمية الاقتصادية بمحاولات التشييع القسري والتبعية الأيديولوجية.
واستذكر الهجري في بيانه “اعتداءات تموز/يوليو الدامية عام 2018 وهجمات تموز/يوليو الأسود عام 2025″، محملًا الحكومة السورية واتباعها المسؤولية عما وصفه بـ”الإبادة وفق الهوية الطائفية”، مؤكدًا أن “المشغل تغير والداعم بقي والهدف واحد”، ومجددًا ثبات المجتمع الدرزي ودعمه الكامل لكل توجه دولي جاد لاجتثاث جذور الإرهاب.
وأكد البيان تمسك الطائفة “بقضيتها التوحيدية وبالحق الأصيل في تقرير المصير وفق القوانين والمواثيق الدولية”، معتمدين في ذلك على ما وصفه بـ”القوة الذاتية ودعم الحلفاء الأقوياء وعلى رأسهم دولة إسرائيل”، وذلك بهدف بناء مستقبل آمن ومستقر.
وحمّل الهجري الجهات الدولية المسؤولية عما أسماه “التخاذل عن قول الحق والتعتيم على الحقائق”، مشيرًا إلى استمرار “الممارسات الاجرامية” بحق أهالي المنطقة من حصار جائر ومحاولات لخنق الجبل اقتصاديًا وعسكريًا وتهجير للسكان، مؤكدًا أن استمرار إطلاق القذائف على المدنيين في السويداء وإسرائيل دليل على أن “العدو متفق فكريًا على قتل كل من يريد حياة حرة كريمة”.
وفي سياق متصل، بارك الهجري عودة المختطفين المدنيين من السجون، مثمنًا جهود شباب الطائفة في نشر قضيتهم، ومؤكدًا أن العمل مستمر لعودة كافة المختطفين وتبيان مصير المغيبين.
واختتم البيان بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة “تتطلب أعلى درجات الوعي والحذر”، مشددًا على أن المجتمع اليوم يمتلك إرادة حرة، وشبابه في يقظة تامة، وقادر على إدارة نفسه وفق أرفع المعايير الدولية، ومتمسك بتحقيق “الاستقلال الناجز بكرامة”.
————————-
====================
تحديث 23 أذار 2026
——————————–
هل تحاول إسرائيل نقل معركة حزب الله إلى الجغرافيا السورية؟/ صهيب جوهر
2026.03.23
لم يعد ممكناً قراءة الضربات الإسرائيلية المتكررة في جنوبي سوريا بوصفها ردود فعل موضعية أو عمليات محدودة ذات طابع أمني تكتيكي. ما يتكشف تدريجياً هو نمط متماسك من السلوك الإسرائيلي يهدف إلى إعادة توزيع جغرافيا الصراع مع حزب الله، عبر توسيع مسرح العمليات إلى خارج الحدود اللبنانية، وتحديداً باتجاه الداخل السوري. هذه المقاربة تعكس إدراكاً متزايداً لدى تل أبيب بأن حسم المعركة مع الحزب داخل لبنان وحده لم يعد خياراً واقعياً أو منخفض الكلفة، ما يدفعها إلى البحث عن ساحات بديلة أو مكمّلة.
في هذا السياق، يتحول الجنوب السوري إلى مساحة وظيفية في الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس مجرد هامش جغرافي. فتكثيف الضربات، واستخدام عناوين مثل “حماية الدروز”، أو “منع التموضع العسكري”، لا يبدو إلا كغلاف سياسي لسياسة أعمق تقوم على خلق بيئة توتر مزمنة، تُبقي دمشق تحت ضغط مستمر، وتفتح المجال أمام احتمالات التصعيد في أي لحظة. الأهم من ذلك، أن هذه البيئة لا تستهدف فقط ضبط السلوك السوري، بل إعادة توجيهه.
الضربة التي استهدفت قوات الجيش السوري في درعا يمكن فهمها ضمن هذا الإطار المركّب. فهي من جهة رسالة مباشرة بأن إسرائيل لن تسمح بإعادة تثبيت السيطرة السورية الكاملة جنوباً، ومن جهة أخرى محاولة لفرض “قواعد اشتباك سياسية” أكثر منها عسكرية. أي أن تل أبيب تسعى إلى التأثير في خيارات دمشق الاستراتيجية، لا فقط في تحركاتها الميدانية.
هنا تبرز نقطة مفصلية، وهي أن إسرائيل لا تضغط على سوريا فقط كي لا تتحرك، بل كي تتحرك في الاتجاه الذي تريده. وهذا فارق جوهري. فالهدف غير المعلن لا يقتصر على تحييد الجنوب السوري، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة دفع دمشق نحو الانخراط في معركة ضد حزب الله، تحديداً في منطقة البقاع وعلى طول الحدود اللبنانية–السورية.
والمؤشرات السياسية والدبلوماسية، إلى جانب التسريبات الإعلامية، توحي بوجود رغبة أميركية–إسرائيلية في اختبار إمكانية إشراك سوريا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مسار نزع سلاح الحزب. وبالنسبة لإسرائيل، فإن إدخال طرف بحجم سوريا إلى هذه المعادلة قد يشكل نقطة تحوّل في ميزان القوى.
ولا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي عن الخطاب الموازي الذي يركّز على قدرات حزب الله الصاروخية، وخاصة ما يتعلق بالصواريخ البعيدة المدى المنطلقة من البقاع. فالإعلان المتعمد عن مدى هذه الصواريخ لا يستهدف فقط الداخل الإسرائيلي أو المجتمع الدولي، بل يوجّه رسائل مركّبة إلى بيروت ودمشق معاً.
بالنسبة للبنان، الهدف واضح: زيادة الضغط على الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية للدخول في مواجهة مباشرة مع الحزب، تحت عنوان حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة تهديد إقليمي. أما بالنسبة لسوريا، فالرسالة أكثر تعقيداً: هذه القدرات موجودة على حدودك، وقد تتحول في أي لحظة إلى تهديد لك، وبالتالي فإن الحياد لم يعد خياراً آمناً بالضرورة.
هنا تحديداً تتضح إحدى أدوات الضغط الإسرائيلية الأكثر حساسية، تحويل حزب الله من حليف محتمل أو عامل توازن في الحسابات السورية، إلى مصدر تهديد كامن يجب التعامل معه. ما يبدو أنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين دمشق والحزب، عبر إدخال عنصر الخطر المباشر.
المنطق الإسرائيلي في هذا السياق يقوم على فرضية بسيطة لكنها عميقة، لا يمكن هزيمة حزب الله عبر جبهة واحدة. لذلك، فإن فتح جبهة ثانية، أو حتى خلق بيئة اشتباك ممتدة على الحدود اللبنانية–السورية، قد يؤدي إلى استنزاف قدرات الحزب، وتفكيك تركيزه العملياتي، وإرباك منظومته القيادية.
من هذا المنظور، يصبح دفع سوريا نحو الانخراط في المواجهة هدفاً استراتيجياً بحد ذاته، وليس مجرد خيار تكتيكي. فنجاح هذا السيناريو يعني عملياً نقل جزء من العبء العسكري والسياسي عن إسرائيل، وإعادة توزيع كلفة المواجهة على أطراف أخرى في الإقليم.
لكن هذا الرهان يصطدم بعقبة أساسية، وهي الحسابات التي تقاس بماء الذهب التي أعلن عنها الرئيس السوري أحمد الشرع صبيحة عيد الفطر من قصر الشعب.
حتى الآن، تبدو سوريا أقرب إلى إدارة الحذر منها إلى الانخراط في المغامرة. فدمشق تدرك أن أي تدخل عسكري مباشر ضد حزب الله يحمل مخاطر متعددة المستويات:
إضافة إلى ذلك، تدرك القيادة السورية أن الدخول في هذا المسار تحت الضغط الخارجي سيُفقدها القدرة على التحكم بإيقاع الأحداث، ويحوّلها من فاعل إلى أداة ضمن استراتيجية لا تملك قرارها. لذلك، فإن التريث السوري لا يعكس فقط حسابات آنية، بل يعكس فهماً أعمق لطبيعة الفخ الذي قد تُدفع إليه.
في المقابل، لا يعني هذا أن دمشق خارج المعادلة بالكامل. بل على العكس، هي جزء منها، لكنها تحاول إعادة تعريف شروط مشاركتها، من خلال ربط أي دور محتمل بتوقيت يخدم مصالحها، وبسياق إقليمي يضمن لها مكاسب واضحة، وليس فقط تجنب الخسائر.
لا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الأميركي، الذي يبدو أكثر ميلاً إلى إدارة الضغط بدلاً من الانخراط المباشر. فواشنطن، بحسب المؤشرات المتاحة، لا تسعى إلى فتح جبهة سورية واسعة، لكنها ترى في دمشق أداة محتملة يمكن توظيفها ضمن استراتيجية أوسع لنزع سلاح حزب الله أو تقليص قدراته.
هذا الموقف يضع سوريا أمام معادلة دقيقة، وهي الاستجابة الجزئية قد تخفف الضغط، لكنها قد تفتح الباب لتصعيد غير محسوب، في حين الرفض الكامل قد يؤدي إلى زيادة الضغوط السياسية والعسكرية عليها.
ما يجري في جنوبي سوريا لا يتعلق فقط بضربات عسكرية أو رسائل تكتيكية، بل هو جزء من معركة أعمق تدور حول القرار الاستراتيجي في دمشق. إسرائيل تحاول إعادة تشكيل بيئة الصراع بحيث يصبح انخراط سوريا في مواجهة حزب الله خياراً أقرب إلى الضرورة منه إلى الاحتمال.
لكن حتى الآن، يبدو أن دمشق تقاوم هذا المسار، ليس فقط عبر الامتناع عن الرد، بل عبر إعادة تموضع سياسي يحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلالية في القرار.
السؤال المفتوح هنا ليس ما إذا كانت إسرائيل ستواصل الضغط—فهذا شبه محسوم—بل ما إذا كانت سوريا ستنجح في البقاء خارج هذا المسار، أم أن تراكم الضغوط سيقودها، تدريجياً، إلى داخل اللعبة التي تحاول تجنبها.
تلفزيون سوريا
——————————–
ضغط على سوريا: كيف تحاول إسرائيل وأمريكا جرّ دمشق إلى الحرب لمواجهة حزب الله؟
عربي بوست
2026/03/23
لم تعد الضربات الإسرائيلية في جنوب سوريا مجرد ردود فعل موضعية على تحركات ميدانية، بل باتت، وفق تقديرات مصادر دبلوماسية وعسكرية، جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة رسم خرائط الاشتباك. وتبحث تل أبيب عن أدوات ضغط بديلة قادرة على إحداث اختراق في ميزان المواجهة مع “حزب الله”، حتى لو استدعى ذلك توسيع نطاق التوتر نحو الجبهة السورية.
ضمن هذا السياق، تتكثف الإشارات التي توحي بمحاولة إسرائيل إدخال دمشق تدريجياً في الصراع، ليس بالضرورة عبر مواجهة مباشرة، بل من خلال رفع كلفة الحياد، ودفعها إلى اتخاذ خطوات تُضعف الحزب أو تُقيد حركته. ويظهر ذلك في تزامن الضربات العسكرية مع رسائل إعلامية وأمنية مركبة، تستهدف إعادة تعريف التهديد ليشمل المجالين اللبناني والسوري معاً.
في المقابل، تبدو دمشق حذرة في التعامل مع هذه الضغوط، متمسكة بخيار تجنب الانخراط في حرب مفتوحة، في وقت تتقاطع فيه ضغوط دولية وإقليمية لمنع توسع رقعة المواجهة. وبين هذه الحسابات المتعارضة، تبرز الحدود بين سوريا ولبنان كساحة حساسة قد تتحول، في أي لحظة، إلى نقطة اشتعال غير محسوبة.
رسائل عسكرية وحرب نفسية بحثاً عن شريك
كشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ”عربي بوست” أن إسرائيل تسعى، من خلال الجمع بين الضربات العسكرية في جنوب سوريا والتصعيد الإعلامي حول صواريخ حزب الله في لبنان، إلى بناء معادلة ضغط مركبة تستهدف دمشق بشكل مباشر.
وأوضحت المصادر أن هذه المعادلة تقوم على عنصرين متلازمين: الأول هو رفع كلفة بقاء سوريا خارج المواجهة، من خلال استهدافات محدودة لكنها متكررة، والثاني هو تخويفها من أن البنية الصاروخية الموجودة في البقاع يمكن أن تتحول إلى تهديد محتمل لها في حال تغيرت معادلات الصراع.
وتوضح المصادر أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن مدى الصواريخ (250 إلى 300 كيلومتر) لم يكن موجهاً فقط إلى المجتمع الدولي أو الداخل اللبناني، بل كان جزءاً من رسالة غير مباشرة إلى سوريا، هدفها دفعها إلى التفكير بخيارات استباقية، أو على الأقل إلى تشديد الضغط على حزب الله داخل مناطق نفوذها الحدودية.
في موازاة ذلك، تكشف مصادر لبنانية لـ”عربي بوست” أن الأداء الميداني الإسرائيلي في جنوب لبنان لعب دوراً حاسماً في دفع تل أبيب إلى إعادة النظر في استراتيجيتها.
فبعد أسابيع من العمليات، لم تتمكن القوات الإسرائيلية من تثبيت سيطرة مستقرة على مناطق رئيسية في الخط الأمامي، ما يعكس صعوبة تحقيق حسم عسكري سريع في بيئة قتالية تعتمد على الاستنزاف والتكتيكات غير التقليدية.
هذا الواقع، بحسب المصادر، دفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى البحث عن نقاط ضغط خارج الجبهة المباشرة، يمكن من خلالها إضعاف حزب الله دون الانخراط في معركة طويلة ومكلفة داخل الجنوب.
ومن هنا، برزت فكرة “الخيار السوري”، أي استخدام الجغرافيا السورية كرافعة ضغط إضافية، سواء عبر دفع دمشق إلى تدخل مباشر في البقاع، أو عبر إبقائها تحت ضغط دائم يجبرها على اتخاذ إجراءات تحدّ من حركة الحزب وقدرته على استخدام الحدود.
نقل المواجهة إلى عمق جنوب سوريا
توضح المصادر اللبنانية أن منطقة البقاع شرق لبنان باتت تحتل موقعاً مركزياً في التفكير الإسرائيلي، ليس فقط بسبب ما يُعتقد أنه وجود جزء أساسي من منظومة الصواريخ التابعة لحزب الله فيها، بل أيضاً لأنها تمثل نقطة اتصال جغرافية مع سوريا.
هذا الموقع يجعل من البقاع هدفاً مثالياً لمحاولة نقل المواجهة من الجنوب إلى العمق، عبر خلق ضغط مزدوج من الداخل اللبناني ومن الجهة السورية في آن واحد.
وتشير المصادر إلى أن بعض السيناريوهات التي جرى تداولها في الأسابيع الماضية تضمنت احتمالات تحرك سوري محدود داخل مناطق معينة من البقاع، انطلاقاً من محاور القلمون، تحت عناوين أمنية تتعلق بضبط الحدود أو استهداف مخازن سلاح، إلا أن هذه الطروحات قوبلت برفض واضح من دمشق، ولم تتجاوز مرحلة النقاش.
ماذا عن موقف دمشق؟
تؤكد مصادر دبلوماسية سورية لـ”عربي بوست” أن القيادة السورية أبلغت بشكل واضح كل الأطراف التي تواصلت معها أنها لا تنوي التدخل في لبنان، ولا ترى مصلحة لها في الدخول في مواجهة مع حزب الله في هذه المرحلة.
وتشير المصادر إلى أن هذا الموقف يستند إلى جملة من الاعتبارات، أبرزها الخشية من أن يؤدي أي تدخل إلى فتح جبهة غير قابلة للضبط على الحدود، أو إلى استدراج سوريا إلى صراع يخدم أطرافاً أخرى، وخاصة الجانب الإسرائيلي.
كما تؤكد المصادر أن الرئيس السوري أحمد الشرع شدد في أكثر من اتصال مع مسؤولين لبنانيين وعرب على أن سوريا لا تريد تكرار تجارب سابقة في لبنان، وأن أولويتها في المرحلة الحالية هي تثبيت الاستقرار الداخلي والانخراط في مسارات إعادة الإعمار والتكامل الاقتصادي، وإبعاد سوريا عن أتون الصراع الإقليمي الحاصل ولو بالحد الأدنى.
أمريكا لديها استراتيجية أخرى
بالتوازي مع التحرك الإسرائيلي، تشير مصادر عسكرية سورية لـ”عربي بوست” إلى أن واشنطن دخلت على خط الضغط على دمشق، لكن بأدوات مختلفة، تركز على البعد الاستخباري.
المصادر توضح أن الجانب الأميركي يرى أن سوريا تمتلك معلومات دقيقة عن مواقع تخزين الصواريخ التابعة لحزب الله في البقاع، نتيجة الدور الذي لعبه النظام السابق في إدارة خطوط الإمداد، وأن هذه المعلومات يمكن أن تشكل مدخلاً لتقويض جزء من القدرات العسكرية للحزب.
وفي هذا الإطار، طُرحت أفكار تتراوح بين دفع سوريا إلى مشاركة هذه المعلومات بشكل غير مباشر، أو استخدام قنوات تنسيق أمنية محدودة، إلا أن دمشق رفضت الانخراط في هذا المسار، معتبرة أن ذلك سيضعها عملياً في موقع الطرف المنخرط في الحرب.
ماذا عن الوضع ميدانياً؟
ميدانياً، تؤكد مصادر سورية ولبنانية أن الجيش السوري عزز وجوده العسكري على طول الحدود مع لبنان خلال الأسابيع الماضية، لكن هذه الخطوة لا ترتبط بأي نية للتدخل داخل الأراضي اللبنانية.
وتوضح المصادر أن الهدف الأساسي من هذه التعزيزات هو منع أي احتكاك غير محسوب، خاصة في ظل مخاوف من أن تدفع إسرائيل بمقاتلي حزب الله نحو المناطق الجردية بين البلدين، مثل القلمون ووادي ميرا، ما قد يؤدي إلى اشتباكات مباشرة مع القوات السورية.
وتعتبر دمشق، بحسب المصادر، أن هذا السيناريو هو الأخطر، لأنه قد يفرض عليها مواجهة لم تختَرها، ويحوّل الحدود إلى ساحة استنزاف مفتوحة.
تحركات إقليمية لاحتواء التصعيد
في موازاة هذه التطورات، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن عدداً من الدول الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا وقطر والسعودية، دخلت على خط الاتصالات مع دمشق وواشنطن، في محاولة لمنع دفع سوريا إلى مواجهة مع حزب الله.
وتوضح المصادر أن هذه الدول ترى أن توسيع الحرب باتجاه الحدود اللبنانية–السورية قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية يصعب احتواؤها، وأن الحفاظ على موقف سوريا الرافض للتدخل يشكل عاملاً أساسياً في منع انفجار جبهة جديدة.
كما تؤكد المصادر أن بريطانيا لعبت دوراً مكملاً في هذا السياق، من خلال اتصالات مباشرة مع القيادتين اللبنانية والسورية، بهدف احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مستوى أكثر خطورة.
في الداخل اللبناني، تتقاطع هذه التطورات مع ضغوط متزايدة على الدولة لتحمّل مسؤولية ملف سلاح حزب الله، في ظل رسائل إسرائيلية واضحة بأن استمرار الوضع الحالي غير مقبول.
لكن مصادر حكومية لبنانية تشير إلى أن أي محاولة لدفع الدولة نحو مواجهة مباشرة مع الحزب تصطدم بتوازنات داخلية معقدة، وبمخاوف جدية من انفجار الوضع الأمني في حال الانتقال إلى هذا الخيار. وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر داخل بعض الأوساط السياسية مقاربات تدعو إلى إعادة النظر في التوازن الداخلي، في ضوء المتغيرات الإقليمية، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في النقاش حول مستقبل السلاح ودور الدولة.
مسار ضغط مفتوح على احتمالات التصعيد
تجمع المصادر التي تحدثت إلى “عربي بوست” على أن ما جرى في جنوب سوريا لا يمكن فصله عن مسار أوسع تسعى إسرائيل من خلاله إلى إعادة تشكيل ساحة المواجهة مع حزب الله، عبر نقل جزء من الضغط إلى الجبهة الشرقية.
لكن حتى الآن، لا يبدو أن دمشق مستعدة للانخراط في هذا المسار، وهي تفضل التمسك بخيار ضبط الحدود ومنع الاحتكاك، بدلاً من التورط في مواجهة قد تعيد خلط الأوراق في لبنان وسوريا معاً.
ورغم ذلك، يبقى احتمال الانزلاق قائماً، خاصة إذا استمرت محاولات دفع الأطراف إلى صراع لم تختَره، أو إذا تحولت الحدود إلى ساحة اشتباك مفروض بفعل التطورات الميدانية.
——————————–
====================
تحديث 21 أذار 2026
——————————–
استهداف إسرائيل لسوريا: أبعد من توريطها ضد حزب الله/ منير الربيع
السبت 2026/03/21
إسرائيل تصرّ على توريط سوريا في لبنان، للمشاركة في عملية نزع سلاح حزب الله. يتجلى ذلك في الضربة الإسرائيلية على قوات الجيش السوري في درعا، التي قدم لها الإسرائيليون سبباً مرتبطاً بمنع دمشق من التحرك باتجاه السويداء، وهو ما وصفته تل أبيب بأنه دفاع عن حلفائها. هذه الضربة جاءت رداً على رفض الرئيس السوري أحمد الشرع كل الضغوط التي مورست عليه للدخول في معركة ضد حزب الله في البقاع لسحب سلاح الحزب، خصوصاً الصواريخ البالستية الدقيقة والبعيدة المدى. وللمفارقة أن الاعتداء الإسرائيلي على جنوب سوريا جاء بعد يوم واحد من إعلان الإسرائيليين إطلاق حزب الله لصاروخ من بعلبك يبلغ مداه بين 250 و300 كلم.
الضغط الإسرائيلي
كان الإعلان الإسرائيلي عن مدى الصاروخ متعمداً، وله هدفان: الأول، سعي إسرائيل للحصول على المزيد من الدعم الأميركي والدولي للضغط بشكل أكبر على الدولة اللبنانية والجيش للدخول في مواجهة مع الحزب وسحب سلاحه على كل الأراضي اللبنانية، وخصوصاً الصواريخ البالستية في البقاع.
الثاني، هو محاولة تخويف لدمشق من مواقع هذه الصواريخ التي يمتلكها الحزب وهو قادر على إطلاقها، وأنه في أيّة لحظة يمكنه أن يغير وجهة إطلاقها نحو سوريا إن اقتضت الحاجة. والهدف دفع سوريا للدخول في عملية استباقية ضد حزب الله، فتستفيد إسرائيل بتشتيت قوة الحزب وإغراقه في معركة جديدة على طول الحدود اللبنانية السورية.
على الأرجح أن لا يتوقف الضغط الإسرائيلي على دمشق، إما من خلال افتعال إشكالات أو زيادة الاعتداءات، أو من خلال السعي لتقديم إغراءات تدفع دمشق للحماسة والتمدد نحو البقاع سعياً وراء توسيع نفوذها وتعزيز دورها. وربما ذلك ينتج عن قناعة إسرائيلية تتكون بصعوبة عن استحالة القضاء على سلاح حزب الله في كل الأراضي اللبنانية. إذ إن كل الرسائل والمواقف التي يعلنها الإسرائيليون وينقلونها إلى المسؤولين اللبنانيين تشير إلى ضرورة تفكيك حزب الله بالكامل والقضاء على قدراته العسكرية وسحب سلاحه وتفكيك كل مؤسساته وبنيانه. وهذا ما أبلغه وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.
الساحات الأصعب
لن تتمكن إسرائيل من سحب سلاح حزب الله بالكامل من البقاع وكل الجنوب والضاحية، إلا في حال عملت على تشكيل حلف عسكري كبير تنخرط فيه الولايات المتحدة الأميركية، ودول أخرى إضافة إلى الدولتين اللبنانية والسورية. وهذا سيكون بحاجة إلى وقت طويل جداً، لا سيما في ظل المعارك التي تشهدها قرى الخط الأمامي في الجنوب، إذ على مدى أسبوعين لم يتمكن الإسرائيليون من حسم السيطرة على مناطق أساسية وتثبيتها مثل الخيام والطيبة. ذلكَ يعني أن الوضع سيكون أصعب بكثير في حال الانتقال إلى مساحات أوسع. طبعاً إسرائيل تعلن عن نيتها إقامة منطقة عازلة بعمق 15 كلمتراً، وتريد الوصول إلى مجرى نهر الليطاني، وربما تخطيه إلى نهر الزهراني، لكن وقائع الميدان قد تعاكسها، لذا هي تبحث عن خيارات بديلة.
توريط سوريا: الخيار البديل
من بين هذه الخيارات البديلة، زيادة الضغط على الدولة اللبنانية والجيش للدخول في مواجهة مع الحزب والمساهمة في نزع سلاحه. وقد تلجأ إسرائيل لاحقاً إلى ممارسة ضغوط عسكرية على الدولة اللبنانية ومؤسساتها لدفعها إلى التحرك في مواجهة الحزب. وقد قال المسؤولون الإسرائيليون بوضوح إن على الجيش اللبناني أن يضطلع بسحب السلاح. أما الخيار البديل الآخر فهو دفع سوريا للدخول في معركة عسكرية ضد حزب الله لسحب صواريخه وسلاحه من البقاع. وبذلك تكون تل أبيب قد شتّتت قوة الحزب ووضعته بين فكي كماشة، وهذا ما يسهل مهمتها. دمشق التي رفضت ذلك تعرضت لاعتداء إسرائيلي وقد تتعرض للمزيد، كما يمكن لتل أبيب أن تلجأ إلى افتعال مشكلة متعمدة بين سوريا وحزب الله تدفع الطرفين إلى المواجهة.
الشرع يرفض التدخّل
عملياً، تتركّزالمساعي الديبلوماسية على مكان آخر مختلف عن السعي لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وكل ما يجري يرتبط بتدعيم الموقف السوري الرافض للدخول في أيّة مواجهة مع حزب الله والتدخل في لبنان. وفي هذا الإطار، تشير المصادر إلى أن دولاً عديدة دخلت على الخط من خلال تجديد التواصل مع الرئيس السوري أحمد الشرع ومع اللبنانيين والأميركيين لتوفير مظلة دعم للموقف السوري بعدم التدخل. وتقول مصادر ديبلوماسية إنَّ تركيا لعبت دوراً أساسياً، لمنع حصول أي تطور عسكري على الحدود اللبنانية السورية. وفي الإطار نفسه جاء اتصال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيسين السوري واللبناني. وقد كان الشرع واضحاً في الإشارة إلى عدم التدخل، وشدد على أهمية تحرك الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيدها ووقف الحرب الإسرائيلية على لبنان.
لبنان وسوريا والخطر الإسرائيلي
يواجه لبنان وسوريا خطراً إسرائيلياً مشتركاً. فنتنياهو الذي يريد تغيير الشرق الأوسط، يريد تغيير دوله ومساحاتها وعقائدها. هو في الأساس لم يتقبل وصول الشرع إلى دمشق، ولا يريد له أن يستمر ويعزز حكمه، وقد تباينت وجهات النظر الإسرائيلية الأميركية بشأن سوريا، خصوصاً أن الرئيس السوري يعبر عن رؤية وتوجه لتحويل بلاده إلى منطلق أساسي للتصدير ولاعتمادها كممر استراتيجي لخطوط التجارة والنفط والغاز بين الخليج والمشرق العربي وأوروبا، وهو يطرح سوريا كخيار بديل عن مضيق هرمز، وباب المندب والبحر الأحمر، كما أنه يريد لها أن تكون الخيار البديل لطريق الهند. أما نتنياهو فيريد العكس، أن يعزز طريق الهند، ويكون صاحب الإشراف عليه ومستجلباً لكل الدول المحيطة بإسرائيل إلى فلكها، ويكون الشرطي المتحكم بها. بذلك ستواصل إسرائيل ضغوطها على سوريا وعمليتها العسكرية في لبنان لإحداث التغيير في البلدين، كما ستسعى إلى دفع البلدين للصراع مع بعضهما بعضاً.
المدن
————————–
دمشق تندد بالقصف الإسرائيلي لمواقع عسكرية جنوبي سورية/ عدنان علي و محمد كركص
20 مارس 2026
شجبت وزارة الخارجية السورية، اليوم الجمعة، في بيان لها، “الاعتداء الإسرائيلي الغاشم الذي استهدف بنى تحتية في جنوب سورية، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي واعتداء سافر على سيادة الجمهورية العربية السورية”. وقال البيان إنّ الاعتداء جاء “تحت ذرائع واهية وحجج مصطنعة”، مضيفاً أنه يشكّل “امتداداً لسياسة التصعيد التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، واستمراراً لسياسة التدخل في الشؤون الداخلية لسورية”.
وحمّلت وزارة الخارجية السورية حكومة الاحتلال “كامل المسؤولية عن تداعيات هذا التصعيد الخطير”، ودعت مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياتهما في مواجهة السياسات العدوانية الإسرائيلية ضد سورية والمنطقة كلها.
من جهتها، وجّهت تركيا، الجمعة، انتقادات حادة لإسرائيل على خلفية استهدافها بنى تحتية عسكرية في جنوب سورية، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل. وجاء في بيان لوزارة الخارجية التركية: “نعتبر الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف بنى تحتية عسكرية في جنوب سورية تصعيداً خطيراً وندينه بشدة”. وحضّت الخارجية التركية المجتمع الدولي على “وقف الهجمات الإسرائيلية”.
بدورها، دانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنيين، بأشدّ العبارات الاعتداء الإسرائيلي، واعتبرته “انتهاكاً صارخاً لسيادة سورية وسلامة أراضيها وخرقاً فاضحاً للقانون الدولي”. وأكّد الناطق الرسمي باسم الوزارة فؤاد المجالي، في بيان، رفض الأردن المطلق وإدانته الشديدة لهذا العدوان الإسرائيلي، مشدّداً على ضرورة وقف جميع الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية التي تُعدّ انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة والتزامات إسرائيل بموجب اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974.
وجدّد المجالي تأكيد وقوف بلاده وتضامنها الكامل مع سورية وأمنها واستقرارها وسيادتها وسلامة أراضيها ومواطنيها، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها الاستفزازية اللاشرعية على سورية، وإنهاء احتلالها جزءاً من الأراضي السورية، وإلزامها باحترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وفي وقت سابق من اليوم الجمعة، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه قصف “بنى تحتية ومواقع عسكرية” تابعة للحكومة السورية في جنوب البلاد، وذلك ردّاً على ما وصفها بـ”اعتداءات” طاولت أشخاصاً من الطائفة الدرزية.
وقال جيش الاحتلال، في بيان له، إنّ الضربات الإسرائيلية شملت مقرّ قيادة ووسائل قتالية داخل معسكرات عسكرية، مدعياً أن العملية جاءت رداً على ما وصفه بـ”الاعتداءات” التي طاولت مدنيين من أبناء الطائفة الدرزية في محافظة السويداء. وأضاف البيان أنّ جيش الاحتلال “يراقب تطورات الأوضاع جنوبي سورية، وسيتحرك بناءً على توجيهات المستوى السياسي”. وأفادت شبكات محلية، ومنها “تجمع أحرار حوران”، بأنّ طائرات الاحتلال استهدفت في غارة جوية، مساء أمس الخميس، الفوج 175 في محيط مدينة إزرع بريف درعا، وهو موقع عسكري كان يتبع للنظام السابق.
ومساء اليوم، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن قوى الأمن الداخلي في محافظة السويداء تمكنت من ضبط أسلحة متوسطة وذخائر متنوعة خلال تصديها لمحاولة تسلل نفذتها “عصابات خارجة عن القانون”، كانت تستعد لتنفيذ أعمال عدائية. وأوضحت الوزارة، في بيان، أن العملية جاءت “استمراراً لنهج الحفاظ على أمن المواطنين واستقرارهم”، حيث نفذت وحدات مختصة عملية أمنية وصفتها بـ”الدقيقة” أسفرت عن إحباط محاولة تهريب أسلحة وذخائر على طريق بصرى الشام – بكة، كانت معدّة لاستخدامها في هجمات عدوانية.
وبحسب البيان، رصدت الجهات الأمنية تسلل أفراد من هذه المجموعات بالقرب من نقاط الأمن الداخلي، تزامناً مع تحركات وصفت بـ”المشبوهة” لآليات معادية، في إطار مخطط يهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة. وإثر ذلك، رفعت الوحدات المختصة جاهزيتها واتخذت مواقع ميدانية لمحاصرة الهدف.
وأشار البيان إلى أن الاشتباك اندلع بعدما بادر أفراد المجموعة إلى إطلاق النار، ما أدى إلى “تحييد عنصرين” وإصابة اثنين آخرين، إضافة إلى إلقاء القبض على عنصرين من المجموعة. كما أسفرت العملية عن ضبط كميات من الأسلحة والذخائر المتنوعة كانت بحوزتهم. وأكدت قوى الأمن الداخلي استمرارها في ملاحقة كل من يحاول المساس بأمن المواطنين، مشددة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان الاستقرار في عموم محافظة السويداء.
وخلال اليومين الماضيين شهدت محافظة السويداء مواجهات بين قوات الأمن الداخلي السوري ومليشيا “الحرس الوطني”، فيما أعلنت قوى الأمن الداخلي، أمس الخميس، أنها أحبطت محاولة تسلل لمليشيا “الحرس الوطني” عند إحدى النقاط في ريف السويداء الغربي، ما أدى إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين. ومنذ إسقاط نظام بشار الأسد في أواخر العام 2024، ينفذ جيش الاحتلال عمليات توغل شبه يومية جنوبي سورية، يتخللها اعتقال مدنيين وتخريب للممتلكات والأراضي الزراعية وعمليات ترهيب للسكان.
من جهة أخرى، أسقطت الدفاعات الجوية الإسرائيلية، اليوم الجمعة، صاروخاً إيرانياً في ريف محافظة القنيطرة السورية، جنوبي البلاد. وذكر الناشط محمد أبو حشيش أن الصاروخ الإيراني سقط بين قريتي بير عجم ورويحينة في ريف القنيطرة الأوسط، دون وقوع إصابات. وأضاف أن قوات الأمم المتحدة العاملة في المنطقة (أندوف) فرضت طوقاً أمنياً حول المنطقة، ومنعت المدنيين من الاقتراب من المكان، وأشار إلى أن هذا الصاروخ هو الثالث الذي يسقط في محافظة القنيطرة منذ أمس الخميس، وهو ما يثير قلق الأهالي وخشيتهم من وقوع إصابات أو أضرار.
——————————–
تحذير عربي- تركي من “انزلاق إلى الفوضى” بعد هجوم إسرائيلي في سوريا
أدانت دول عربية وتركيا الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف بنى تحتية عسكرية في جنوب سوريا، في 20 من آذار، واعتبرته “انتهاكًا صارخًا” للسيادة السورية وللقانون الدولي.
موقف موحد
وأعربت السعودية عن إدانتها “للاعتداء الإسرائيلي”، مؤكدة أنه يشكل “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وللسيادة السورية”، وشددت رفضها “للاعتداء السافر” وانتهاك اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
كما أدانت مصر الهجوم “بأشد العبارات”، معتبرة أنه “انتهاك صارخ ومتكرر لسيادة سوريا”، و”خرق فاضح” للقانون الدولي، محذّرة من أنه “ينذر بانزلاق الشرق الأوسط نحو مزيد من الفوضى والتوتر”، ومطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية.
بدورها، استنكرت الكويت الاعتداء، واعتبرته “انتهاكًا صارخًا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها”، ودعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى وقف هذه الانتهاكات.
ووصفت تركيا الهجوم بأنه “تصعيد خطير”، مؤكدة أنه “انتهاك للقانون الدولي وسيادة سوريا”، ودعت إلى تنفيذ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
فيما أعربت قطر عن إدانتها “الشديدة”، معتبرة أن استمرار هذه الممارسات “يعكس استخفافًا خطيرًا بالقانون الدولي”، ويقوّض الأمن والاستقرار الإقليمي.
من جانبه، شدد الأردن على ضرورة وقف الاعتداءات، مؤكدًا أنها “تشكل خرقًا لميثاق الأمم المتحدة”، وداعيًا إلى إلزام إسرائيل بإنهاء احتلال جزء من الأراضي السورية واحترام القانون الدولي.
غارة إسرائيلية في مواقع عسكرية بدرعا
أفاد مراسل عنب بلدي في درعا أن غارة جوية استهدفت فجر الجمعة 20 آذار، الساعة الخامسة صباحًا، موقع “الفوج 175” في مدينة إزرع بريف درعا الشرقي.
وأضاف المراسل أن القصف لم يسفر عن وقوع أي إصابات بشرية، واقتصرت الأضرار على الخسائر المادية داخل الموقع المستهدف.
ومدينة إزرع من المناطق التي كانت تضم مواقع عسكرية تابعة للنظام السوري السابق، إذ كانت مقرًا للفرقة الخامسة، ولا تزال تحتوي على قطع ومراكز عسكرية مرتبطة بها.
وأوضح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن هذه العمليات جاءت ردًا على الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء يوم الخميس 19 من شهر آذار، والتي تضمنت، بحسب وصفه، اعتداءات على مواطنين من الطائفة الدرزية.
وقال الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مركز قيادة وأسلحة في مجمعات عسكرية جنوب سوريا.
وأكد البيان أن الجيش الإسرائيلي لن يسمح بالمساس بالدروز في سوريا، وسيواصل العمل من أجل حمايتهم.
وردًا على ذلك، قالت الخارجية السورية في بيان، إن هذا العدوان الجديد، الذي يأتي تحت ذرائع واهية وحجج مصطنعة، يشكل امتدادًا واضحًا لسياسة التصعيد التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، واستمرار سياسة التدخل في الشؤون الداخلية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.
وحملت الاحتلال الإسرائيلي كامل المسؤولية عن تداعيات هذا التصعيد، داعيةً المجتمع الدولي، ولا سيما مجلس الأمن الدولي، إلى تحمل مسؤولياته ووضع حد للاعتداءات المتكررة التي تستهدف سوريا والمنطقة.
تأتي هذه التطورات في إطار مواجهة أوسع بدأتها إسرائيل وأمريكا ضد إيران، التي ردت بقصف استهدف دولًا عربية ومصالح أمريكية إسرائيلية في الشرق الأوسط.
——————————
الإدانات تتواصل ضد الاعتداء الإسرائيلي على جنوب سوريا
السبت 2026/03/21
أعربت كل من المملكة العربية السعودية والكويت ومصر وتركيا عن إدانتها للغارات الإسرائيلية التي استهدفت بنى تحتية عسكرية تابعة للجيش السوري في جنوب سوريا.
انزلاق نحو الفوضى
وقالت وزارة الخارجية السعودية في بيان، إن الرياض تعرب عن إدانتاها “بأشد العبارات بأشد العبارات للاعتداء الإسرائيلي السافر الذي استهدف بنى تحتية عسكرية في جنوب” سوريا، مؤكدةً أنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي ولسيادة سوريا”.
وشددت المملكة على رفضها “لهذا الاعتداء السافر”، داعيةً المجتمع الدولي لوضع حد للانتهاكات الإسرائيلية والأعراف الدولية.
كما أكد البيان على تضامن السعودية ودعمها لسوريا في الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها وتحقيق الاستقرار للشعب السوري، مشددةً على أن الاعتداء الإسرائيلي يمثل انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
من جانبها، أدانت الاعتداء الإسرائيلي الهجوم “بأشد العبارات”، ووصفته بـ”الانتهاك صارخ ومتكرر لسيادة سوريا”، و”الخرق الفاضح” للقانون الدولي، كما حذّرت من الهجوم “يُنذر بانزلاق الشرق الأوسط نحو مزيد من الفوضى والتوتر”، بينما طالبت بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية.
تنفيذ اتفاق 1974
بدورها، قالت وزارة الخارجية التركية في بيان، إن الهجوم الإسرائيلي “تصعيد خطير” ينبغي وقفه، داعيةً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤوليته لوقف الهجمات الإسرائيلية لما تشكه من انتهاك للقانون الدولي وسيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وشدد البيان التركي على أهمية تنفيذ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي ينص على وقف إطلاق النار وفصل القوات في الجولان بوجود قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”، مشدداً على أن تركيا ستواصل تضامنها مع الحكومة والشعب السوريين في جهودهما الرامية إلى إرساء استقرار وأمن دائمين في البلاد، انطلاقا من وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
من جانبها، استنكرت دولة الكويت الاعتداء، ووصفته بـ”الانتهاك الصارخ لسيادة سوريا ووحدة أراضيها”، كما دعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى وقف هذه الانتهاكات.
وأمس الخميس، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه قصف “بنية تحتية ومواقع عسكرية” تابعة للحكومة السورية في جنوب البلاد، وذلك ردّاً على ما وصفها بـِ “اعتداءات” طاولت أشخاصاً من الطائفة الدرزية.
وأفادت شبكات محلية، ومنها “تجمع أحرار حوران”، بأنّ طائرات الاحتلال استهدفت في غارة جوية، الفوج 175 في محيط مدينة إزرع بريف درعا الشرقي، وهو موقع عسكري كان يتبع للنظام السابق.
وفي أعقاب الهجوم، أعربت وزارة الخارجية القطرية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف منشآت عسكرية جنوب سوريا، معتبرة أن استمرار مثل هذه الممارسات دون رادع يعكس “استخفافاً خطيراً بالقانون الدولي”. وأكدت أن هذه الهجمات تقوّض أسس الأمن والاستقرار في المنطقة، داعية إلى وقف التصعيد واحترام القواعد الدولية.
من جهتها، أدانت وزارة الخارجية الأردنية، بـِ”أشد العبارات” الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف بنية تحتية عسكرية في جنوب سوريا، “في انتهاك صارخ لسيادتها”.
——————————–
تنديد إسلامي وعربي بالهجوم الإسرائيلي على مواقع عسكرية في سوريا
أدانت دول إسلامية وعربية بشدة الهجوم الذي شنه الاحتلال الإسرائيلي على مواقع عسكرية جنوبي سوريا، داعية المجتمع الدولي إلى تحرك لوقف هذه الهجمات المتكررة.
وكان الاحتلال الإسرائيلي أعلن شن غارات على مقر قيادة ووسائل قتالية في معسكرات عسكرية تابعة للنظام السوري في منطقة جنوب سوريا، تحت ذريعة الرد على ما قال إنه “اعتداء استهدف مواطنين دروزا في السويداء”.
تصعيد خطير
اعتبرت وزارة الخارجية التركية، في بيان لها، الهجوم الإسرائيلي “تصعيدا خطيرا”، مؤكدة أن الهجمات الإسرائيلية على سوريا تشكّل انتهاكا للقانون الدولي وسيادة البلاد ووحدة أراضيها.
وجددت أنقرة موقفها بمواصلة تضامنها مع الحكومة والشعب السوريين في جهودهما الرامية إلى إرساء استقرار وأمن دائمين في البلاد، انطلاقا من وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
اعتداء سافر
في السياق، وصفت الخارجية السعودية الهجوم الإسرائيلي بأنه “اعتداء سافر”، مشددة على رفضها لانتهاك إسرائيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974م.
وطالبت الرياض المجتمع الدولي لوضع حد لانتهاكات إسرائيل للقوانين والأعراف الدولية، مجددة تضامنها ودعمها فيما يصون سيادتها ويحافظ على سلامة ووحدة أراضيها، ويحقق الأمن والاستقرار لها.
إلى ذلك، قالت قطر: “إن الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف منشآت عسكرية جنوب سوريا يعد انتهاك صارخا لسيادتها، ومخالفة واضحة لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية أن استمرار هذه الممارسات في المنطقة دون رادع يعكس استخفافا خطيرا بالقانون الدولي، ويقوّض أسس الأمن والاستقرار الإقليمي.
وبينت أن عجز المجتمع الدولي عن كف هذه الانتهاكات ووضع حد لها هو ما أسهم في تفاقم الوضع المأزوم الذي تشهده المنطقة، لافتة إلى أن دولة قطر موقفها ثابت في الوقوف إلى جانب سوريا وحكومتها، ودعمها لكل ما من شأنه صون سيادتها ووحدة أراضيها.
انسحاب فوري
بدورها، شددت مصر على رفضها القاطع لتكرار الممارسات الإسرائيلية التي قالت إنها تمثل انتهاكا صارخا ومتكررا لسيادة سوريا وسلامة أراضيها وخرقا فاضحا لقواعد القانون الدولي.
إعلان
وحذّرت من أن استمرارها ينذر بانزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى والتوتر، مطالبة بانسحاب فوري وكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي السورية المحتلة.
من جانبها، أكدت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية رفضها لما وصفته بـ”العدوان الإسرائيلي”، داعية إلى وقف جميع الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
وطالب الأردن المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها الاستفزازية اللاشرعية على سوريا، وإنهاء احتلالها جزءا من الأراضي السورية.
وزارة الخارجية الكويتية، وصفت الغارات الإسرائيلية على سوريا بأنها صارخ لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وللقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وجددت مطالبتها بضرورة اضطلاع مجلس الأمن والمجتمع الدولي بمسؤولياتهما في وقف هذه الانتهاكات المتكررة، مؤكدة في وقوفها إلى جانب الحكومة السورية لمواجهة الاعتداءات، وفي كل ما تتخذه من إجراءات للحفاظ على أمنها واستقرارها.
ذرائع واهية
وكانت الخارجية السورية قالت إن “العدوان الإسرائيلي الجديد، الذي يأتي تحت ذرائع واهية وحجج مصطنعة، يمثل امتدادا واضحا لسياسة التصعيد التي تنتهجها إسرائيل، واستمرارا للتدخل في الشؤون الداخلية، بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة”.
ووفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، اندلعت خلال اليومين الماضيين في ريفي السويداء الغربي والجنوبي اشتباكات بين القوات الحكومية ومقاتلين من العشائر من جهة، وفصائل درزية من جهة ثانية، مما أسفر عن مقتل 4 مقاتلين دروز على الأقل.
وتزامنت ضربات الاحتلال على سوريا مع المواجهة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير/شباط الماضي، وسط موجة من الهجمات المتبادلة التي تشنها طهران وحزب الله اللبناني، إلى جانب فصائل عراقية موالية لها في المنطقة.
المصدر: الجزيرة + وكالات
——————————–
====================
تحديث 20 أذار 2026
——————————–
إسرائيل تصعد في سوريا.. ما المواقع التي استهدفتها في الجنوب؟
2026.03.20
تعرض موقع عسكري للجيش السوري يتبع للفرقة 40 لقصف جوي إسرائيلي، فجر اليوم الجمعة، في مدينة إزرع بريف درعا الأوسط، وسط تصاعد التهديدات الإسرائيلية باستهداف مواقع داخل سوريا.
وأفادت مصادر محلية في درعا لموقع “تلفزيون سوريا” بأن الغارة استهدفت موقع “كتيبة النقل” سابقاً، والذي يُستخدم حالياً كمقر للمالية التابعة للفرقة 40، ويقع مقابل اللواء 12 في المدينة.
ولم يسفر القصف عن وقوع إصابات بشرية، واقتصرت الأضرار على المادية ضمن الموقع المستهدف.
في السياق، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من لهجته تجاه دمشق، مؤكداً أن بلاده “لن تسمح للنظام السوري باستغلال الحرب لاستهداف الدروز”، على حد تعبيره.
وأضاف كاتس أن إسرائيل “ستهاجم سوريا بقوة أكبر إن تطلب الأمر”، مشيراً إلى أنه ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أوعزا للجيش بقصف مواقع تابعة للحكومة السورية، رداً على ما زعم إنه “استهداف للدروز”.
استهداف بنى تحتية جنوبي سوريا
وفي وقت سابق من صباح اليوم، أعلن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، أن الجيش نفّذ، هجمات استهدفت بنى تحتية ومواقع عسكرية تابعة للحكومة السورية في جنوبي البلاد.
وجاء ذلك على خلفية الاشبتاكات التي وقعت خلال اليومين الماضيين في محافظة السويداء بين قوات الأمن الداخلي السوري، وميليشيا “الحرس الوطني”.
وأوضح أدرعي عبر منصة “إكس”، أن الضربات شملت مقر قيادة ووسائل قتالية داخل معسكرات عسكرية، مشيرا إلى أن العملية جاءت ردا على ما وصفه بـ”الاعتداءات” التي طالت مدنيين من أبناء الطائفة الدرزية في منطقة السويداء.
ويأتي العدوان الإسرائيلي على جنوبي البلاد، بعد أن أحبطت قوى الأمن الداخلي، أمس الخميس، محاولة تسلل لميليشيا “الحرس الوطني”، عند إحدى النقاط في ريف السويداء الغربي، ما أدى إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين.
————————————–
هل اقترب الصدام السوري – الإسرائيلي؟/ محمد فواز
2026.03.20
لا يكفّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، في كل خطوة يخطوها في حربه الراهنة، عن إعلان الخطوة التالية التي أطلقها بالفعل، والتي لن تكون طرق التعامل معها واستهدافها مماثلة لتلك التي اعتُمِدت في التعامل مع إيران. فما سمّاه نتنياهو “المحور السني المتشكّل” يتمتّع بعلاقات عميقة مع الولايات المتحدة الأميركية، كما يحظى بشرعية دولية تمنع نتنياهو من التعامل معه كما تعامل مع إيران ومحورها المعزولين والمصنّفين إرهابيين غربياً، على الأقل.
أطلق نتنياهو حربه على هذا المحور بإعلانه العمل على تشكيل محورٍ مقابل، يضمّ دولاً وقوى يرى أنها تتقاطع مع إسرائيل في مواجهة ما سمّاه المحور الشيعي المتطرّف والمحور السني المتشكّل، ضمن رؤية تقوم على بناء اصطفاف إقليمي ودولي أوسع يضمّ إسرائيل ودولاً عربية وآسيوية وإفريقية ومتوسطية.
انطلقت إسرائيل في محاولة تطويق المحور السني بالتوازي مع نحر المحور الشيعي. ويتمثّل طموحها الأكبر في محاصرة هذا المحور عبر استجلاب إيران إلى صفّها، والسيطرة على المساحة الأكبر من البحر الأبيض المتوسط وسواحله، والتمركز في القرن الإفريقي، ثم الانتقال، في مرحلة لاحقة، إلى تقطيع أوصاله.
وقد أدركت الدول العربية ذلك، فلم تسارع إلى الانغماس في الرد على إيران، كي لا تتحوّل الحرب إلى استنزاف مفتوح بين الطرفين، تستفيد منه إسرائيل، ويصيب الدول العربية، التي يقوم نموذجها السياسي في ركيزة أساسية منه على الاستقرار السياسي والعسكري والاقتصادي، بما لا تحتمله من حروب استنزافية مباشرة وطويلة المدى. يجري التعامل مع هذا التكتيك التطويقي الإسرائيلي كما لو أنه على رقعة شطرنج؛ فتسعى الدول العربية وتركيا إلى التقارب من جهة، وإلى الانفتاح على باكستان والصومال والسودان، ومحاولة الاحتواء في ليبيا من جهة أخرى، فتأتي الردود الإسرائيلية المقابلة تباعًا وهكذا دواليك.
لكن بعض خطوات الشطرنج تكون قاتلة. فإسرائيل تتوسّع في لبنان، وتحاول الإمساك أولاً بالجنوب اللبناني، ثم التسلّل إلى البقاع تحت شعار قطع الإمدادات الكاملة عن حزب الله، ومحاولة إنهائه عسكرياً في عمقه الاستراتيجي في البقاع الشمالي.
في المقابل، تطوّق هذه الخطوة -في حال نجحت اسرائيل في طموحاتها فيها- سوريا بشكل شبه تام على طول شريط الحدود البقاعي غربا لينضم إلى الجولان وجبل الشيخ، صاحبي الجغرافيا الحاكمة، لتصبح دمشق عملياً تحت النيران الإسرائيلية عسكرياً، وبالتالي سياسياً بيتعزز احتمال سقوط سوريا في يد إسرائيل. وبعد الفراغ من حزب الله وإيران، إن تحقّق ما تريده إسرائيل، سيتحوّل التركيز إلى سوريا.
في موازاة ذلك، تتسرّب من سوريا، أو عنها، معطيات كان بديهياً حصولها، تفيد بوجود ضغوط أميركية لدفعها إلى دخول البقاع اللبناني لقطع رأس حزب الله الاستراتيجي، والسيطرة على مناطقه البعيدة عن الجنوب، من دون أي كلفة على “الرجال البيض”.
تقف سوريا في عنق الزجاجة بين الخوف من الإطباق الإسرائيلي، والخشية من انفلات العقد اللبناني وتطاير شظاياه عليها، ناهيك عن الضغط الأميركي واحتمال تراجع أهميتها بعد مرحلة إيران.
أمام هذه الضغوط وغيرها، تقف سوريا على الحافة، فتوسّع انخراطها في الملف اللبناني محاولةً شراء الوقت أمام الضغط الخارجي؛ فيتصل الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره اللبناني، كما برئيس الحكومة، ويؤكد في مختلف الاجتماعات الدولية دعمه خطوة لبنان في سحب سلاح حزب الله.
لا يخاطر الشرع بالكرت الأميركي، بل يحاول الحفاظ على موقعه في المعادلة السياسية الأميركية المعادية لإيران ومحورها، خشية أن تنقلب النظرة تجاهه، فيُعتمد الرأي الإسرائيلي بالكامل في المنطقة، بما يهدّد الشرع والحكم الجديد في سوريا، بل ووحدة البلاد نفسها. لكنه يسعى إلى الحفاظ على هذا الكرت بأقل التكاليف، أي من دون الانخراط المكلف في لبنان.
تدرك سوريا أن قدرتها وحدها، مهما تعاظمت، غير كافية للنجاة من مخاطر المرحلة المقبلة؛ لذلك تسرب إعلاميا طرحها خلال الحرب فكرة تنسيقٍ أوسع يتجاوز حدود المواقف السياسية التقليدية، باتجاه بناء آلية تعاون عربي–إقليمي أكثر تماسكاً، قادرة على مواكبة التحوّلات العسكرية والأمنية المتسارعة، وتشمل عملياً “المحور السني المتشكّل”. ومن هنا تبرز فكرة غرفة العمليات التي تطرحها سوريا، والتي تشبه، في جانب منها، غرفة عمليات إدلب. صحيح أن ظاهر الفكرة موجّه إلى إيران، لكن جوهرها واتجاهها العملي يصبّان في مواجهة إسرائيل أكثر مما يصبّان في مواجهة إيران.
هنا يبرز سؤال التوقيت: متى تتحوّل المنطقة من الصراع الإسرائيلي–الشيعي إلى الصراع الإسرائيلي–السني؟
من يتابع يدرك أن نتنياهو يعلم أنه قائد حرب، ولن يكون قائد سلام؛ لذلك لن يتوقف، ولن يترك مسافة بين حرب وأخرى، بل ستظل الحروب متواصلة ومتداخلة. وفي هذا السياق، تلجأ سوريا إلى رصّ الصف “العربي–السني”، والتأهّب العسكري، ومحاولة الصمود أمام ضغوط جرّها إلى الحرب، كما أمام الجهود الهادفة إلى تعريتها لاحقاً.
عليه، لن يتأخّر ملف سوريا في العودة إلى الطاولة بوصفه الملف الأهم والأكثر سخونة، فيما تبقى الأنظار شاخصة إلى ما تريده الولايات المتحدة. فصحيح أنّ مشروعها، حتى الآن، يقوم على اعتبار سوريا الموحّدة خلف الشرع ركنًا أساسيًا فيه، إلا أنّ رمال الشرق المتحرّكة، مع السوسة الإسرائيلية النشطة، قد لا تسمح لمشروع توم باراك بالنفاذ. أمّا في الخلفية، فلا تبدو الحصيلة الأميركية في إيران مريحة بالنسبة لها؛ إذ لا تزال إيران، حتى الآن، صامدة، فيما يواصل ترامب تصعيد ضرباته على نحو هستيري والتصلب المقابل متوازن، بما يجعل خروج إيران ومحورها من المشهد أمرًا مستبعدًا، ناهيك عن اتساع الضربات الإسرائيلية والأميركية داخل إيران لتطال بنية تحتية نفطية، والضغط المتزايد لزجّ الخليج في الحرب، بما ستكون له انعكاسات مباشرة على سوريا. وعليه، قد تدخل المنطقة، في غضون أيام معدودة، في عقدٍ من الاقتتال الشيعي–السني بدفعٍ إيراني–أميركي، وقد تنزلق أيضًا إلى تحوّل نحو صراع سني–إسرائيلي، خشنًا كان أم ناعمًا، تكون فيه إيران بيضة القبان في تعطيل المشروع الجديد المعادي لإسرائيل أو في دعمه بما تبقى لها من قوة وتاريخ وامكانية للدعم أو التخريب.
——————————–
الجيش الإسرائيلي يقصف مراكز قيادة وأسلحة تابعة لدمشق
تصعيد مفاجئ.. غارات إسرائيلية عنيفة على أهداف للحكومة السورية
الجمعة 20 مارس 2026
تحت جنح الظلام، عادت الطائرات الإسرائيلية لتقصف أهدافاً حكومية في العمق السوري؛ والدافع هذه المرة ليس “صيد المسيرات الإيرانية” فحسب، بل “درع الدروز”.
إيلاف من دمشق: شنّ سلاح الجو الإسرائيلي، ليل الخميس-الجمعة، سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع تابعة للحكومة السورية في المنطقة الجنوبية، وذلك رداً على هجمات طالت مدنيين من الطائفة الدرزية في محافظة السويداء.
وبحسب بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي، ونقلته شبكة (CNN)، فقد تركزت الضربات على “مركز قيادة ومستودعات أسلحة داخل مجمعات عسكرية”، في خطوة أكدت تل أبيب أنها تهدف لحماية السكان الدروز في سوريا.
ويأتي هذا التصعيد الميداني بعد هجوم استهدف القرى الدرزية في السويداء يوم الخميس، مما أعاد إلى الأذهان سيناريو العام الماضي حين اندلعت اشتباكات دامية بين الأقلية الدرزية وقبائل بدوية أسفرت عن سقوط مئات القتلى. وتزعم إسرائيل أن تدخلها العسكري وقصفها لقوات الحكومة السورية يأتي كالتزام بحماية هذه الطائفة التي يتركز وجودها بالقرب من هضبة الجولان المحتلة وتتوزع بين سوريا ولبنان وإسرائيل.
من جانبها، ترى الأوساط العسكرية أن هذه الغارات تمثل رسالة واضحة لدمشق بأن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي استهداف للمكون الدرزي، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار التي يعيشها الجنوب السوري. ومع استمرار التحليق المكثف فوق القنيطرة ودرعا، يبدو أن تل أبيب تسعى لترسيخ “خطوط حمراء” جديدة تتجاوز الصراع المباشر مع إيران لتشمل التوازنات الطائفية والأمنية على حدودها الشمالية.
——————————–
====================



