سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

شبكات المخدرات في سوريا.. بين التفكيك والتهديد العابر للحدود/ عزيز موسى

31 يناير 2026

أدّى سقوط النظام السوري السابق إلى كشف واحدة من أكبر شبكات تهريب المخدرات في المنطقة، وهي شبكات خلّفت ارتدادات عميقة على بنية الأمن القومي السوري والأمن الإقليمي. خلال سنوات الحرب، اعتمد النظام السابق على اقتصاد غير رسمي قائم على تصنيع المخدرات وتجارة التهريب العابرة للحدود، في ظل تراجع الإنتاج، وفقدان السيطرة على الموارد، وضغط العقوبات.

مع التغيير السياسي، تعهّدت الإدارة السورية الجديدة بتعطيل سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه التجارة، في مؤشر على تحوّل واضح في المقاربة الرسمية، وقد شمل ذلك تدمير كميات كبيرة من مادة الكبتاغون علنًا، وتفكيك مصانع كانت تعمل كخطوط إنتاج شبه صناعية، إلا أن هذه الإجراءات، على أهميتها، لم تُنهِ الظاهرة، إذ ما تزال الشبكات قادرة على العمل عبر مسارات وأدوات مختلفة.

“الاقتصاد الأسود” كأداة حكم

في ظل النظام السابق، تصاعد ما يُعرف بـ”الاقتصاد الأسود”، أي المعاملات الاقتصادية خارج الإطار القانوني، ليكون كرافعة للبقاء السياسي، وتحوّل تصنيع المخدرات والاتجار بها من نشاط إجرامي هامشي إلى جزء بنيوي من منظومة الحكم، يُستخدم لتعويض الخسائر وتمويل الشبكات المرتبطة بالسلطة، تحت حماية أمنية مباشرة. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، حقق النظام السابق عائدات تُقدّر بنحو 5.6 مليار دولار سنويًا من هذه الأنشطة، ما ساهم في تحويل سوريا إلى عقدة إقليمية في تجارة المخدرات.

يرى الكاتب والباحث في الشؤون السياسية إبراهيم خولاني أن طول أمد الصراع دمّر أجزاء واسعة من القاعدة الإنتاجية في سوريا، وبالتالي قلّص فرص العمل، وعمّق مشكلة انعدام الأمن الغذائي والخدمي. وفي مثل هذه الحالات، تميل الشبكات غير الرسمية إلى البحث عن سلع عالية الربح وسهلة النقل والتخزين، فالحرب لا تزيد من معدلات الجريمة فحسب، بل تغيّر دور منظومات الضبط التابعة للدولة مثل الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية، ما يسمح بنشوء حالة يصبح فيها الاقتصاد غير الرسمي جزءًا من آليات التمويل والسيطرة.

ويضيف خولاني، في حديثه لموقع “الترا سوريا”، أن النظام السابق أسهم إلى حد بعيد في ترسيخ اقتصاد قائم على المخدرات وشبكات عابرة للحدود، بوصفه نمطًا من الاقتصاد غير الرسمي الذي أُدير أو حُمي من داخل بنية السلطة نفسها، فجزء واسع من التقارير الدولية والتحقيقات رجّحت أن “تجارة الكبتاغون” لم تكن نشاطًا هامشيًا أو منفلتًا، بل ارتبطت بمنظومات قوة وأجهزة وتشكيلات نافذة داخل الحكم السابق، ما جعل المخدرات موردًا فعليًا، ووسيلة لتعويض نقص السيولة والعملات الصعبة.

وبحسب خولاني، تعزّز هذا الطرح إشارات صريحة في عقوبات أوروبية إلى استفادة كيانات وأفراد مرتبطين بالنظام السابق من تجارة “الكبتاغون”، وإلى صلات وحدات عسكرية نافذة بالاقتصاد الحربي بما يشمله من أنشطة غير مشروعة، إضافة إلى تقارير بحثية وتحقيقية تحدثت عن تشابك شبكات التهريب عبر مسار سوريا ولبنان والأردن. وبحكم الحاجة التي كان يعاني منها النظام السابق في بنية السيولة تحت ضغط العقوبات، امتلك حوافز قوية لتوسيع موارد لا تمر عبر النظام المصرفي الرسمي، ومثّلت تجارة المخدرات نموذجًا لذلك، فهي سريعة الدوران، وعالية الربح، وقابلة للإنكار السياسي، وتنسجم مع منطق اقتصاد ظل نشأ وتوسّع خلال سنوات الحرب.

من جانبه، يشير المحامي والناشط الحقوقي محمد الديري، في حديثه لـ”الترا سوريا”، إلى أن نشاط تصنيع المخدرات والاتجار بها ليس نتيجة طبيعية لانهيار القاعدة الإنتاجية فحسب، بل انعكاس مباشر لتفكك منظومة إنفاذ القانون وتحولها من أداة ضبط عام إلى أداة حماية انتقائية تحمي الجريمة. إذ تحوّلت بعض المناطق إلى مساحات تُستغل لترويج هذه التجارة واستغلال الحدود كنقطة عبور إلى الدول الأخرى، ما سمح بانتشار شبكات تهريب عابرة للحدود تعمل ضمن بيئة منخفضة المخاطر القانونية في ظل غياب المساءلة، وضعف التعاون القضائي الدولي، وعدم تفعيل آليات مكافحة غسل الأموال، وهو ما اعتمد عليه النظام السابق في بنيته الاقتصادية.

تعطيل فعلي أم إعادة تشكّل؟

بعد سقوط النظام السابق، وجدت الشبكات المصنّعة للمخدرات نفسها في حالة إرباك، مع تفكك المؤسسات التي كانت تحميها وغياب رموزها الأساسية، وأطلقت الإدارة السورية الجديدة عمليات أمنية مكثفة استهدفت مواقع الارتكاز الرئيسية لصناعة المخدرات. وبحسب بيانات “مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة” (UNODC)، جرى تفكيك 15 مختبرًا صناعيًا و13 منشأة تخزين منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، ما أدى إلى انخفاض إنتاج الكبتاغون بين 60 و70%، كما ترافق ذلك مع تعاون إقليمي شمل العراق والأردن وتركيا والسعودية ولبنان، وتطوّر إلى تنسيق أمني مباشر، من ضمنه ضربات جوية أردنية استهدفت مواقع في الجنوب السوري، واعتقال عدد من أبرز مصنّعي وتجار المخدرات في دول الجوار (تركيا ولبنان).

يؤكد الباحث خولاني أن مسار الضبط الأمني والتعاون مع الأردن يعكس مسارين متوازيين في آن واحد: تعطيلًا جزئيًا لبعض حلقات الشبكات، وفي الوقت نفسه كشفًا عن حجم تهديد بات أكثر تنظيمًا وقدرة على التكيّف، مع تفاوت واضح بحسب الجغرافيا وميزان السيطرة. فمن جهة، أشارت تقارير إلى تعطّل الإنتاج واسع النطاق بعد التحولات السياسية، مع استمرار التدفقات، لكن عبر اختناقات ونقص في بعض أسواق الاستهلاك.

ويُحتمل أن يكون ذلك ناتجًا عن زيادة الاعتراض والضبط، إضافة إلى عمليات مشتركة سورية–أردنية وارتفاع ملحوظ في الضبط خلال عام 2025، مدعومًا بتبادل معلومات وتنسيق أوسع. غير أن هذه المؤشرات لا تكفي للجزم بتفكيك كامل للشبكات، إذ تُظهر خبرة الجريمة المنظمة أن الشبكات تميل إلى التكيّف السريع عبر تغيير المسارات، وتنويع الوسطاء، والاعتماد على شحنات أصغر، أو نقل بعض مراحل التصنيع والتخزين خارج نقاط الضغط، وهو ما تؤكده تحليلات أوروبية متخصصة في ديناميات أسواق المخدرات.

ويضيف أن استمرار الاشتباكات والضربات على الحدود، بما في ذلك عمليات الأردن ضد مهرّبي مخدرات، يدل على أن التهديد لم ينتهِ بقدر ما يُعاد تشكيله، وتضيف بعض مراكز البحث أن بقاء عقد تشغيل خارج نطاق سيطرة مركزية كاملة داخل سوريا يجعل الإنجاز الأمني غير متساوٍ جغرافيًا، في حين أن التعاون والضبط أصبحا أقوى مما كانا عليه من قبل، لكنهما قد يعكسان أيضًا انتقال الشبكات من نموذج مركزي محمي إلى نموذج أكثر تجزؤًا ومغامرة، وهو نمط غالبًا ما يكون أصعب في الإنهاء على المدى القصير.

فيما نوّه الديري بأن الوقائع نفسها تعكس فجوةً بين تحقيق نتائج ضبط ملموسة وبين استكمال شروط المساءلة القانونية الشاملة. فالتعاون الأمني وتكثيف عمليات الاعتراض، مهما بلغ مستواهما، يظلان أدوات تنفيذية لا تُنتج أثرًا حاسمًا ما لم تُستكمل بإطار قانوني قادر على نقل الجهد من مستوى تعطيل النشاط إلى مستوى تفكيك البنية الإجرامية ذاتها، وهذا يتطلب تعاونًا إقليميًا بشكل أوسع من خلال غرفة عمليات مشتركة، وإطارًا قانونيًا يضبط آليات العمل والتنسيق يكون مرادفًا للجانب الأمني.

كما أن ارتفاع معدلات الضبط والاشتباك الحدودي، رغم دلالته على يقظة أمنية أكبر، يكشف في الوقت ذاته عن محدودية المقاربة القائمة على الردع الميداني وحده، فغياب سيطرة قانونية موحّدة على كامل الإقليم، وتفاوت القدرة على إنفاذ القانون، يخلقان ما يمكن تسميته “المناطق الرمادية” التي تستثمرها الشبكات لصالحها، بحسب الديري.

تداعيات داخلية وإقليمية

يختم خولاني حديثه لـ”الترا سوريا” موضحًا أن شبكات صناعة المخدرات والاتجار بها أنتجت تداعيات أمنية وسياسية عميقة تمتد من الداخل السوري إلى الإقليم، إذ تسهم داخليًا في تآكل الشرعية المحلية وخلق اقتصاد ظل ينافس الدولة ويقوّض قدرتها على الضبط والحكم. وأضاف أنه عندما تتحول المخدرات إلى مصدر دخل رئيسي لجهات مسلحة أو وسطاء محليين، تصبح أداة نفوذ اجتماعي وسياسي تُستخدم لشراء الولاءات، وتمويل السلاح، وحماية شبكات الفساد، ما يضعف القضاء والشرطة ويعيد إنتاج منطق القوة خارج القانون، ويتطور إلى جريمة مركّبة تتشابك مع السلاح والخطف والابتزاز والجبايات والتزوير وتبييض الأموال، بما يعني نشوء منظومة جريمة منظمة ذات قدرة عالية على العنف والتكيّف.

أما إقليميًا، وخصوصًا على الحدود الجنوبية مع الأردن، فقد أدى تصاعد تهريب المخدرات إلى تدويل ملف الجنوب أمنيًا، إذ باتت الحدود السورية–الأردنية نموذجًا لكيف يمكن للمخدرات أن تتحول إلى قضية سيادة وأمن قومي، بما يشمل عمليات عسكرية حدودية وضربات استباقية وتنسيقًا استخباراتيًا متزايدًا. وفي الوقت نفسه، أعاد ملف الكبتاغون تعريف العلاقات السياسية في الإقليم، حيث غدا ورقة تفاوض في مسارات التطبيع أو فك العزلة سابقًا، وورقة اختبار لمصداقية أي سلطة سورية لاحقة في ضبط الحدود ومحاربة الاقتصاد غير الرسمي. وإلى جانب البعد السياسي، تشكّل المخدرات تهديدًا مباشرًا للأمن الإنساني في دول المقصد، لما يرتبط به من زيادة الأعباء الأمنية والصحية وخطر تمويل شبكات عابرة للحدود، وهو ما يفسّر الحساسية العالية لدى الأردن ودول الخليج ولبنان تجاه هذه الظاهرة.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى