تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت “الاسلام على مفترق طرق في سوريا”

—————————————

سوريا.. إسلام الاعتدال وتخفيف الاحتقان/ معاذ الحمد

الإسلام المعتدل في سوريا وقدرته على تخفيف الاحتقان في المنطقة

2025-10-05

منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 ودخول سوريا مرحلة انتقالية تقودها سلطة انتقالية برئاسة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً)، أصبح موقع الإسلام المعتدل في قلب النقاش السياسي والاجتماعي. فبينما يقدَّم الشرع نفسه كقائد معتدل يسعى إلى تهدئة الصراعات، تظل ـ بحسب محللين ـ خلفيته السلفية الجهادية وتاريخ بلاده المثقل بالتوترات الطائفية عقبة أمام بناء نموذج إسلامي قادر على ترسيخ الاستقرار.

وعلى مدى عقود، ارتبط الإسلام المعتدل في سوريا بالنظام السياسي أكثر من كونه نتاج حركة فكرية حرة. في عهد الأسد، صُوِّر هذا الإسلام كأداة لحماية النظام ورفض العلمانية، عبر نخبة من المشايخ الموالين للسلطة. وقد حُدد الاعتدال حينها وفق مقاييس الدولة الأمنية: كل من يقبل بسلطتها معتدل، وكل معارض إسلامي متهم بالتطرف.هذا التوظيف السياسي للدين أدى إلى تحويل الإسلام إلى أداة قمع نفسي واجتماعي، خاصة مع فرض خطب موحدة وخطاب ديني مراقب من المخابرات. وبذلك تلاشى أي فضاء للحوار الديني الحر، فيما استُخدم شعار “الرئيس المؤمن” لتجميل صورة النظام وشرعنة قمعه للمعارضين.

مرحلة ما بعد 2024: اعتدال ملتبس

مع سيطرة الشرع وتحالفه على السلطة، برز خطاب جديد حاول الجمع بين الشريعة الإسلامية والإدارة المدنية. الشرع قدّم نفسه كقائد معتدل يسعى لمرحلة انتقالية، وألقى خطابات دولية أكّد فيها على الاعتدال والسلام. غير أن خلفيته الجهادية، وتبني الشريعة كمصدر رئيس للتشريع، إضافة إلى مجازر طائفية حدثت في الساحل السوري والسويداء، وقمع للمعارضة، جعلت هذا الاعتدال عرضة للتشكيك.

وفي هذا السياق، يصرّح الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الإرهاب الدولي، شريف الدواخلي، لـ”963+” بأن الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، والمفترض أن يمتد خمس سنوات، تضمن 44 مادة نصت على بقاء الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع، وهو ما اعتبره نصاً يتنافى مع التنوع الطائفي في البلاد ويعيد إنتاج ملامح حقبة حكم الأسد. وأشار إلى أن الإعلان جاء في أعقاب صدام دموي في منطقة الساحل أسفر عن مقتل 1476 مدنياً غالبيتهم من الطائفة العلوية.

ويوضح الدواخلي أن الاعتماد على الفقه الإسلامي، الذي يعود عمره إلى 1400 سنة ويضم آلاف الاجتهادات والمذاهب، يضع سوريا أمام إشكالية كبيرة، إذ إن مفهوم الحاكم في هذا الفقه مطلق الصلاحيات ولا يُعزل، ومعارضته تُعد خروجاً على الدين، وهو ما يتناقض مع مبدأ كفالة الحريات العامة وحق المعارضة في المجتمعات الحديثة.

بدوره يؤكد الكاتب والباحث المصري، أحمد بان، لـ”963+” أن الفقه الإسلامي التقليدي وحده لا يكفي لحل التعقيدات الطائفية والسياسية في سوريا، مشدداً على أن الأمر يتطلب نظاماً سياسياً علمانياً براغماتياً يعتمد على مبدأ المواطنة ويضمن الحقوق والحريات لكل المواطنين.

ويوضح بان أن فكرة الاعتماد على الفقه الإسلامي في توفير فرص نجاح الإسلام المعتدل لتخفيف الاحتقان الطائفي والسياسي داخل المشهد السوري ليست كافية، مؤكداً أن إدارة التنوع الطائفي والسياسي ترتبط بشكل النظام السياسي وطبيعته وقيمه وتوجهاته، وليس فقط بالمظلة الدينية.

ويضيف الباحث المصري أن التحديات الأمنية والسياسية أمام تطبيق الإسلام المعتدل في المرحلة الانتقالية بسوريا لا تقتصر على وجود جماعات متشددة أو التحولات الإقليمية، بل تشمل أيضاً غياب توجيه الإسلام التقليدي للسلوك الاجتماعي لكل الأقليات والمجموعات داخل المجتمع السوري.

ويشير إلى أن محاولة فرض رؤية دينية موحدة على المجتمع السوري لن تكون كافية، مؤكداً أن شكل النظام السياسي وطبيعته هو العامل الحاسم، خاصة في ظل التدخلات الإقليمية والدولية المستمرة.

كما يلفت إلى أن الخطاب الإسلامي المعتدل قد يكون أداة مفيدة في تهدئة النزاعات والاحتقانات، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق التأثير المرجو على العلاقات السورية مع الفواعل الإقليمية والدولية، مؤكداً ضرورة اعتماد نهج سياسي واضح علماني وبراجماتي لضمان الاستقرار والتعايش في البلاد.

والسلطة السورية الانتقالية بدورها تبنت نموذج حكم تكنوقراطي، مع بعض الإصلاحات الدستورية المعلنة مثل فصل السلطات وضمان بعض الحقوق، إلا أن الممارسات الميدانية كشفت استمرار التوترات الطائفية وضغوط الجماعات السلفية المتشددة داخل التحالف.

الإسلام المعتدل كفرصة لتخفيف الاحتقان

رغم التعقيدات، يظل الإسلام المعتدل خياراً استراتيجياً يمكن أن يسهم في تهدئة التوترات إذا تحوّل من مجرد خطاب سياسي إلى ممارسة عملية. هذا يتطلب بحسب باحثين: “الموازنة بين التقاليد الدينية والحقوق المدنية، بما يضمن التنوع الطائفي والديني في سوريا. تجاوز استخدام الدين كأداة للسيطرة السياسية، والانتقال نحو إصلاح المؤسسات الدينية والتعليمية لتبني خطاب أكثر انفتاحاً. تمكين علماء ومصلحين مستقلين قادرين على تقديم رؤية تجديدية تنسجم مع متطلبات الاستقرار والتعايش”.

وفي هذا الإطار، يرى الدواخلي أن ما يسمى بـ”الإسلام المعتدل” يبقى في كثير من الأحيان شعاراً لتحسين الصورة دون معالجة جوهر التحدي، وهو صعوبة التوفيق بين العقيدة الإسلامية والقيم المدنية المشتركة التي تقوم عليها المجتمعات المتنوعة. وأضاف أن الإسلام بالنسبة لقطاعات واسعة يبقى تجربة فردية روحانية وزهدية لا تتلاءم بالضرورة مع المخالفين في العقيدة.

كما يؤكد الدواخلي أن الاحتياجات الإنسانية هي نقطة البداية للتعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوري، داعياً المؤسسات الدينية إلى تبني خطاب يعزز الإرادة المشتركة والولاء للوطن بدلاً من الانتماءات الطائفية أو القبلية.

ويشدد على أن مواجهة خطاب الكراهية وما يرتبط به من تعصب وانتقام يجب أن تكون أولوية قصوى، بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار والمصالحة الوطنية.

فرصة إقليمية

إعادة صياغة الإسلام المعتدل في سوريا لا تعني فقط تخفيف الاحتقان الداخلي، بل يمكن أن تقدم نموذجاً إقليمياً يقلل من حدة الاستقطاب بين التيارات الإسلامية المختلفة، وإن نجاح هذا النموذج قد يسهم في تعزيز الحوار بين الطوائف والمذاهب، ويعيد للدين مكانته كعامل وحدة بدلاً من أداة صراع.

وهنا يشير الدواخلي إلى أن الاستقطاب الديني والقومي والعرقي في سوريا يمثل جزءاً من “الاختلافات الهوياتية” العميقة، حيث تلعب المظلومية الجماعية دوراً بارزاً في تعميق الانقسام وتعزيز عقلية “نحن مقابل هم”.

وهذه الإشكالية، وفق قوله، “تزايدت منذ تولي أحمد الشرع رئاسة الدولة، وسط تدهور اقتصادي يستدعي بناء الثقة بين الحكومة والشعب ورسم خارطة طريق عملية لمواجهة الانقسام بالتوازي مع إعادة البناء الاقتصادي وتعزيز الأمن”.

واليوم، يقف الإسلام المعتدل في سوريا، بين إرث من التوظيف السلطوي القديم وتجربة انتقالية لا تزال مرتبكة. لكنه، إذا ما تمكن من تجاوز القيود الأمنية والتشدد الجهادي، يمكن أن يكون جسراً لتخفيف الاحتقان وبناء أرضية للتعايش، بما يفتح الباب أمام استقرار داخلي ومصالحة أوسع في المنطقة.

ويؤكد شريف الدواخلي أن الإسلام يقر حقوق الإنسان باعتبارها حقوقاً إلهية ملزمة، والشريعة توجب على الدولة حمايتها، لكن الأزمة تكمن في التطبيق، والحل يكمن في تجديد الخطاب الديني وتأويل النصوص بما يتناسب مع العصر، مع تبني لغة الحوار بدلاً من الإقصاء، لتحقيق التوازن بين الثوابت الدينية وحقوق الإنسان والحريات المدنية، وتطبيق المبادئ الشرعية بطرق مرنة تتوافق مع المعايير الدولية.

 الرئيس الشرع من الإسلام الحركي إلى الإسلامية العمومية/ أحمد الشمام

2025.10.05

منذ اندلاع الثورة السورية، برزت شخصيات عديدة شكّلت حضوراً محورياً في المشهد الميداني والسياسي. لكن الرئيس أحمد الشرع، يظل من أكثرها إثارة للجدل. فالرجل بدأ مسيرته ضمن التيار الجهادي الأممي، متبنياً خطاباً عقائدياً صارماً ينهل من أدبيات القاعدة، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى خطاب محلي أكثر التصاقاً بالناس، ويُعيد تعريف نفسه ضمن إطار ما يمكن تسميته بـ “الإسلامية العمومية”اعتمادا على صنوي هوية الدولة السورية تاريخيا – الإسلام والعروبة. ما يعني تمكنه استيعاب دروس الماضي القريب، وموقف القوى الدولية من التيار الراديكالي – الحركي كالقاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة قبل التحول الهادئ والجذري الذي تم التخطيط له من قِبَله منذ 2018.

لا يبدو هذا التحول مناورة تكتيكية، بل يعكس فهما لتحولات القوى الدولية وتوازناتها، وإدراكا لعوامل فشل التنظيمات السابقة في السيطرة على دولة وحُكمِها، ويعكس تطورا جديدا ودينامية فارقة مقارنة بما شهدناه من تحولات أخرى شهدتها الحركات الإسلامية في المنطقة؛ مع الوضع بعين الاعتبار اختلاف الرؤى السياسية والظروف والسياقات التي أفرزتها. إذ تشير تجارب سابقة، مثل حركة النهضة في تونس وحركة حماس في فلسطين، إلى أن بقاء هذه الحركات واستمراريتها مرهونان بالاندماج في المجتمع، وتوسيع قاعدة شرعيتها؛ بعد أن كان الاعتماد في المراحل الأولى على الطليعة العقائدية أو التنظيم المغلق، في حين يستند الرئيس الشرع على الشرعية الثورية التي ستفيد النخبة لديه في التمكين، إضافة لطرح رؤية خاصة بها تستوعب مفهوم الدولة وفقا لتصور إسلامي جديد، كما تؤَمِّن رصيدا وازنا لتجربة جديدة لدى الإسلام السياسي؛ الذي سيتحول من إطار مغلق ومحكوم برؤى تقليدية فيما سمي بالإسلام السياسي -الإخوان المسلمين – إلى قوة شعبية. هنا يظهر التعويل على مجتمع تم قهرة وتدجينه وانعتق من ربقة الأسد؛ واستغلال سعيه للنهوض لتشكيل موجة قابلة للتنظيم والتوجيه الفاعل لتحويلها لثقافة مجتمع وقوة شعبية؛ شرط انفتاحها على أكثر من مشروع ورؤية سواء قبلت القيادة بذلك أم لا، رغم الجزم بقبولها ذلك مستقبلا.

بين الخروج من رحم المجتمع كما في الحركات الإسلامية السابقة وبين استلام نخبة دينية مقاليد الحكم كتتويج لثورة عظيمة اختلاف كبير، بعد القهر الذي عاشه الشعب السوري، وانغلاق سبل الخلاص من الأسد جعل أي قادم للحكم مقبولا ومخلّصا، إن صورته كمخلص تقترب من الأكثرية ذات الهوية الإسلامية المرنة من ضحايا الثورة؛ لكن تلك الصورة وحدها لا تكفي لضمان شرعية وطنية لدى بقية الطوائف، لذا فقد كان التحول في مبدأ الخروج من ذهنية التنظيم إلى ذهنية الدولة، والتنظير والضبط القانونيّيَن لحقوق الجميع؛ والتي أسست مجالا لتأييده شعبيا خارج إطار المنافسة السياسية من قبالة يسار عجز عبر عقود؛ عن تطوير رؤيته عن تقديم برنامج وطني يؤطر المجتمع.

يستند مفهوم “الإسلام الحركي” إلى مبدأ التنظيم العقائدي المغلق، حيث تُناط القيادة بطليعة مؤمنة، تُحدد الخط السياسي والديني لبقية الأعضاء. هذا النموذج طبع بدايات أبي محمد الجولاني، الذي انخرط في بنية قاعدية تعتمد على الانضباط الصارم والعزلة عن المجتمع، باعتباره “جماعة جاهلية” تحتاج إلى إعادتها لدينها الحنيف، لكن منطق الدولة بما يتفق وتصورات المجتمع الدولي، والتهتك الذي عاناه الشعب السوري؛ سرعان ما فرض معادلة مختلفة لابد من التقاطها من قبل جماعة قوية ومركزية التنظيم، فتلقفت هيئة تحرير الشام ذلك خلال توجه محلي قبل التحرير، وتوجه نحو المجتمع الدولي وقواه الوازنة انطلاقا من تجربة إدلب حتى تحرير دمشق.

بعد تحرير دمشق أصبح الشعب السوري بديلا عن المجتمع المحلي، الذي حمل الثورة واحتضنها، ولم يعد قابلاً للتهميش؛ بل أصبح مصدر الشرعية الوحيد لأي فاعل سياسي أو عسكري. هنا ظهر الرئيس الشرع ، يتحدث بلغة محلية، ويرتدي لباساً مدنياً، ويُقدّم نفسه حامياً للناس، لا مجرد قائد لتنظيم جهادي، وخطابا يظهره حاملا قضية شعب ثائر  يشبه الكثير ويختلف عنهم بحنكة سياسية؛ مع التزام وتصور ديني واضح جديد للسياسة والعمل، لا يطرحه لوحده بل ضمن جماعة طورت نفسها ورؤيتها، مع حفاظها على الأسس الدينية والعقيدة التي آمنت بها وترغب بتصديرها، وأعلنت قبولها بتعددية المجتمع وخروجها من عقلية التنظيم، وفي حين نجد في تركيا تجربة العلمانية المرنة التي قامت على إثر علمانية أتاتورك الصلبة؛ نجد بالمقابل أن هناك إسلامية مرنة لدى السلطة بدمشق بدلا من الإسلامية الصلبة التي اشتهرت بها التنظيمات الحركية سابقا، كما نجد فعلا وسلوكا ينطلق من إسلامية الدولة كهوية سياسية ناجزة، وأن سوريا دولة مسلمة تتضمن تعددا مذهبيا ودينيا وليست دولة أقليات متجاورة.

في المقابل، تقدّم تجربة النهضة في تونس مثالاً مغايراً، فالحركة التي خرجت من رحم الإخوان المسلمين، أدركت أن نجاحها يتطلب التخلي عن منطق “الطليعة” نحو الانفتاح على الدولة والمجتمع. وهكذا انتقلت إلى خطاب “الإسلام الديمقراطي”، معلنة قبولها بالدولة المدنية والتداول السلمي للسلطة. أما حركة حماس، فقد جمعت بين الهوية الإسلامية والمشروع الوطني المقاوم، لتؤسس شرعيتها على قاعدة المقاومة، وتجذرها في المجتمع الفلسطيني.

تشترك هذه التجارب مع قيادة دمشق في مغادرة الإطار العقائدي الضيق نحو شرعية اجتماعية أوسع، لكنها تختلف في أدواتها؛ فالنهضة اعتمدت المؤسسات الديمقراطية،  واستندت حماس إلى المقاومة ضد الاحتلال، في حين يستند الرئيس الشرع على قدرته عن التعبير عن شريحة أوسع من الشعب الثائر وإعلانه عن حمايته للمختلفين دينيا وعرقيا كرئيس للجميع، ورؤية هيئة تحرير الشام ككتلة وازنة أسست لقيادة الشعب السوري والدولة في مرحلة انتقالية، واعتماد الشرعية الثورية في الحكم، وستسعى لتأطير غالبية الشعب السوري خلفها عبر برامجها في الإعمار، مايعني أنها ترى نفسها نخبة حاكمة تقود المجتمع و ثقافة الدولة. ستخوض بعد انتهاء المرحلة الانتقالية المساءلة الشعبية عبر صناديق الاقتراع، وتلك المرحلة ستشبه المحاكمات التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية التركي عبر صناديق الاقتراع حين قاد نهضة تركيا وعبر مجتمعها المتدين كذلك، ونشأ بعد مرور سنوات جيل لم يشهد دور ذاك الحزب فما عاد يؤيده، وتشكلت معارضات ضمن بيئات التأييد ذاتها، وهي التجربة التي على قيادة دمشق أن تحسبها وعلى المعارضة لها أن تحسبها كذلك.

إن التحول الذي مثلته هيئة تحرير الشام من دون اختزاله بشخص الشرع، يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل الإسلام السياسي في سوريا، هل يمكن أن تتحول “الإسلامية العمومية” إلى مشروع وطني قادر على استيعاب التنوع السوري، أم أنها ستبقى مجرد قناع لإعادة تدوير الحركية الجهادية بلبوس محلي؟

لا تنفصل الإجابة عن طبيعة البيئة السورية نفسها، فما خلفته مرحلة الأسد أفرزت هويات متنازعة، وشرعيات متنافسة، ما يجعل أي مشروع جامع عرضة للتفتت مالم يستند إلى رؤية مرنة تتقبل الآخر كما هو مطروح نظريا في خطاب دمشق ويحتاج لتنفيذ وإنجاز، وقد كسب نسبة معتبرة من التأييد لولا مرحلة التحشيد الطائفي والأقلوي؛ مع ضرورة الانتباه للهوية التاريخية للشعب السوري التي تعرضت لإزاحة وعسف وضرورة عودتها إلى مجالها الحقيقي في الثقافة والسياسة. بعيدا عن أي قراءة ثقافوية ضد الإسلام وضد الرئيس الشرع بإحالة أي تعثر في مسيرة قيادة الدولة إلى مرجعيته الدينية نشهد ولادة دولة جديدة من الأنقاض. نحن أمام معترك خطير يستدعي استيعابا واضحا ومسؤولا تجاه سوريا؛ وهي مرحلة بسط سلطة الدولة كدولة بعيدا عن شكلها وشكل سلطتها؛ لأن معظم الأعمال والمعارضات السياسية الحاصلة تعتمد على قوى غير وطنية، ولم تطرح مشروعا وطنيا بل فتات قوى نظام، و قوى وشخصيات حالمة بالحكم؛ للاستفادة من سطوتها كسلطة أمر واقع مرتبطة بقوى دولية معادية تاريخيا للدولة السورية وتسعى لتمزيقها، ما يحيل إلى أن معارضة السلطة يجب أن تنضوي تحت مبدأ الاستفادة من كل الطاقات والجهود المبذولة لأجل إخراج سوريا من عنق الزجاجة ومن الحصار ورفع الأنقاض، وترميم المجتمع مع ضرورة خضوع الجميع للدولة وللسلطة بما أنها قائمة على مبدأ إعادة بناء الدولة وتكريس  وحدتها، إضافة لما قدمته من رؤى للمرحلة الانتقالية وموقفها من التعدد الديني والعرقي وضمانها عدم التعدي على الأقليات لدرجة تجاوز ملف مهم وهو ملف العدالة الانتقالية أو التلكؤ فيه رغم كونه مطلبا ثوريا وحقوقيا وشعبيا.

تلفزيون سوريا

—————————————–

سوريا بين الإسلاميين والعلمانيين.. نحو عقد اجتماعي ودولة مواطنة/ عمار عبد اللطيف

سوريا على مفترق طرق بين الإسلاميين والعلمانيين

2025-10-07

تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي بعد أكثر من عقد من الحرب التي غيرت البنية الديموغرافية والسياسية للبلاد، وسط انقسامات عميقة بين التيارات الإسلامية والعلمانية، وأزمات سياسية متراكمة، وتدخلات إقليمية ودولية متعددة.

وتُطرح خلال الفترة الانتقالية الحالية التي تعيشها البلاد عقب سقوط النظام المخلوع، أسئلة ملحّة حول طبيعة إدارة الدولة ومستقبلها بعد سقوط النظام، وكيفية تحقيق شراكة سياسية قادرة على تأسيس دولة مدنية جامعة تحترم التنوع الطائفي والإيديولوجي والثقافي، وتضمن استقراراً طويل الأمد.

خلفية تاريخية للانقسام

هذه الانقسامات ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية واجتماعية وفكرية وسياسية تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين، حين بدأت المجتمعات العربية عموماً، والسورية خصوصاً، رحلة البحث عن نموذج حكم يجمع بين الهوية الدينية والثقافة الحديثة ومقتضيات الدولة الوطنية.

ولم يعد النقاش حول شكل الحكم في سوريا اليوم مجرد جدل نخبوي، بل قضية وجودية مرتبطة بمصير ملايين السوريين ومستقبل المنطقة بأكملها، فمنذ الاستقلال عام 1946 عاشت سوريا سجالاً سياسياً وفكرياً حاداً بين تيارات مختلفة.

وتبنت بعض النخب السياسية مشروعاً قومياً – علمانياً مستلهماً التجربة البعثية والناصرية، بينما ظلّ الإسلاميون، وعلى رأسهم جماعة “الإخوان المسلمين”، متمسكين بمشروع يقوم على “أسلمة الدولة” ورفض احتكار السلطة من قبل العسكر أو القوميين.

ووقع الصدام الأكبر في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، حين اندلعت مواجهات دامية بين نظام حافظ الأسد و”الإخوان المسلمين”، انتهت بمجزرة حماة عام 1982، ما رسّخ الشرخ بين الطرفين وجعل من الصعب تصور صيغة شراكة سياسية متوازنة بينهما في ظل إرث الدماء والعداء المتبادل.

الثورة السورية وحدت الموقف

مع انطلاق الاحتجاجات الشعبية عام 2011 بدا المشهد مختلفاً، فقد شارك الإسلاميون والعلمانيون في المظاهرات الأولى، واجتمعوا على هدف إسقاط النظام، غير أن مسار الثورة سرعان ما تفتت، إذ دخلت أطراف إقليمية ودولية على خط الصراع، وتمددت التنظيمات الجهادية مثل “داعش”، بينما برزت قوى معارضة ذات توجه علماني – مدني لكنها ضعيفة التنظيم والدعم.

وبعد سقوط النظام ظهرت فكرة “الإدارة المشتركة” بين الإسلاميين والعلمانيين مجدداً كحل وسط لتجنب انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة أو هيمنة طرف واحد على مستقبل الدولة، لاسيما بعد الأزمات السياسية التي شهدتها البلاد عقب سقوط النظام.

الشراكة السياسية

يقول وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات بمدينة إسطنبول التركية، إن سوريا اليوم أمام فرصة لإعادة بناء دولة المواطنة على أساس عقد اجتماعي شامل يعكس التنوع الطائفي والإيديولوجي والفكري والثقافي في البلاد.

ويضيف في حديث لـ”963+”، أن أحد التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا هو أن الأزمات السياسية تعيق الوصول إلى هذا العقد الاجتماعي، الذي يصفه بأنه تفاهمات غير مكتوبة بين جميع مكونات المجتمع السوري.

ويشير علوان إلى أن هذه التفاهمات يجب أن تكون نتاج حوار وطني حقيقي، راسخ، معمق وشفاف، يمكن من خلاله صياغة دستور جديد للدولة، وأن البعد الإيديولوجي حاضر في جميع دول الشرق الأوسط، بين التيارات الليبرالية والدعوية العلمانية، والتيارات المحافظة والإسلامية، لكن في سوريا هناك قناعة متزايدة بين الجميع بأهمية دولة المواطنة.

ويرى علوان أن إمكانية تطبيق صيغة الشراكة بين الإسلاميين والعلمانيين قائمة، لكنها تعتمد أولاً على معالجة المشكلات السياسية القائمة أكثر من التركيز على الانقسامات المجتمعية، إذ أن الحوار المشترك والعقد الاجتماعي هما السبيل الحقيقي لمعالجة هذه الانقسامات.

ويوضح أن التحديات الرئيسية التي تواجه النموذج السوري، كما تراها القوى الإقليمية، تتمثل في استمرار المشكلات السياسية، مثل الأزمة مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، حيث يجب حل الجوانب الأمنية والسياسية أولاً قبل أن تتاح الفرصة لحوار مجتمعي حقيقي وتفاهمات مستدامة.

التمثيل السياسي والدستور

يقول الدكتور كمال حبيب، الأكاديمي المصري المتخصص في الفكر السياسي وعلم اجتماع الدين، إن الشراكة السياسية بين التيارات الإسلامية والعلمانية في سوريا الجديدة لا ينبغي أن تقوم على أساس تمثيل مناطقي أو طائفي، بل عبر انتخابات نزيهة وشفافة تعكس إرادة الشعب.

ويضيف حبيب في تصريح لـ”963+”، أن فكرة التمثيل المناطقي أو الطائفي غالباً ما تُستخدم للتعبير عن أقليات أو فئات ضعيفة غير قادرة على المنافسة في الانتخابات، مثل المرأة أو بعض الفئات الاجتماعية، وهو ما لا يعكس النموذج السياسي الحديث للدولة.

ويشير إلى أن التمثيل السياسي يجب أن يقوم على أساس حزبي وأيديولوجي، بحيث تعبر الأحزاب عن توجهات علمانية أو إسلامية أو مزيجاً بينهما، ويختار الشعب من يمثلهم وفق آليات ديمقراطية واضحة.

ويعتبر حبيب أن الانتخابات في المرحلة الانتقالية المقبلة في سوريا ستُجرى ضمن لجنة عليا مستقلة لضمان نزاهتها، وستتيح للناس التعبير عن خياراتهم بعيداً عن أي شكل من أشكال التمثيل السياسي، وأنها ستشكل الحكومة المستقبلية، مع مراعاة طبيعة الوضع السوري الانتقالي ووجود عدد كبير من المهجرين داخلياً وخارجياً.

ويؤكد، أن التحدي الأكبر لا يقتصر على الخلاف بين التيارات الإسلامية والعلمانية، بل يكمن في قدرة الدولة على بسط سيطرتها على كل أراضيها ومواطنيها، وأن توجد مناطق تتمتع بدرجة من الحكم المحلي أو التمثيل للحد من شعور الأقليات بالتهديد، مثل الدروز في الجنوب والأكراد في الشمال، يمكن أن يكون مقبولاً مؤقتاً في المرحلة الانتقالية، بشرط أن يكون ذلك ضمن إطار يحافظ على وحدة الدولة ويعزز الديمقراطية فيها.

وبعد صدور الإعلان الدستوري في آذار/ مارس الماضي، انتقد محامون ومحللون قانونيون الإعلان باعتباره يعكس تفرد السلطة واستئثارها بها، ويحرم السوريين من المشاركة الفعلية في صنع القرار، وأن الإعلان يمنح الرئيس صلاحيات واسعة تشمل تعيين أعضاء مجلس الشعب وتحديد ثلثيه، ما يجعل العملية الدستورية عرضة للتلاعب ويحدّ من محاسبة السلطة.

كما يشير منتقدو الإعلان إلى أن الوثيقة تهمّش حقوق الأقليات الدينية والعرقية، إذ يحتفظ باسم “الجمهورية العربية السورية” دون الاعتراف بلغات أو ثقافات المكونات الأخرى، ما يضع غير المسلمين في مرتبة مواطنين من الدرجة الثانية، ويُخالف مبدأ المواطنة المتساوية.

ويرى هؤلاء أن استمرار الوضع الحالي يزيد من التهميش ويضعف فرص المصالحة وإعادة الإعمار، ما يبرز الحاجة إلى عقد مؤتمر وطني شامل يضمن تمثيلاً عادلاً لجميع السوريين.

الفرص والتحديات

ويقول عمرو فاروق، الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي، إن إمكانية تطبيق صيغة إدارة مشتركة بين الإسلاميين والعلمانيين في سوريا اليوم تظل قائمة، شريطة أن تكون مرتبطة بالإطار القانوني الحاكم أو المظلة الدستورية القادرة على جمع شمل الفرقاء.

ويرى فاروق خلال حديث لـ”963+”، أن التوافق بين القوى الإسلامية والعلمانية يُعتبر جزءاً من كل، ضمن وصف المعضلة السورية في ظل واقع يتشكل من تكتلات وتجمعات طائفية ومذهبية، وأن هذا التوافق يمكن أن يتحقق في سبيل إعلان “الدولة الوطنية”، القائمة على مجموعة من المحددات، على رأسها وجود قوة عسكرية فاعلة، والحفاظ على الهوية القومية، والقدرة على استكمال بناء مؤسسات الدولة الحيوية.

ويشدد على أن التوافق يتطلب أيضاً حسم شكل الدولة وإدارتها، سواء أكان ذلك في إطار النظام الفيدرالي أو النظام المركزي، أو حتى النظام اللامركزي الموسع الذي يمنح الأقاليم سلطة واستقلالية ومرونة في التعامل مع القضايا الداخلية، وأن الفرصة تظل قائمة في حال تحقيق التوافق الوطني وتوافر المظلة القانونية والدستورية التي تحكم العلاقة بين مكونات الدولة السورية بتنوعاتها المتعددة.

———————————

من يفتي: مسألة المرجعية التشريعية في الإسلام الديموقراطي/ محمد حبش

المرجعية التشريعية من يفتي بها في الإسلام الديموقراطي؟

2025-10-09

ينص 55 دستوراً في الدول الإسلامية من أصل الدول 57 المسجلة رسمياً في منظمة التعاون الإسلامي الدولية على أن دين الدولة أو رئيس الدولة هو الإسلام، كما تنص هذه الدساتير أن الفقه الإسلامي مرجع رئيسي للتشريع في الدولة.

والنص على المرجعية الدينية للدولة ليست شأنا خاصاً بالدول الإسلامية، بل تشير الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة أن هناك 106 دول من أصل الدول ال 194 المسجلة في الأمم المتحدة تشير بصيغة تفضيل ما إلى دين من الأديان في الدولة، ومن هذه الدول دول عريقة في الديموقراطية إلى الغاية ومنها كندا وبريطانيا وأستراليا والدول الاسكندنافية.

ولكن المرجعية الدينية في المسيحية أو البوذية أو الهندوسية لا تشكل تحديا للحراك الديموقراطي فقد اختارت هذه الديانات منذ عدة قرون الانسحاب من الحقل التشريعي وأعلنت أن الله ينصح ولا يأمر، وأن ما يقوله الكهنة لا يشكل بحال من الأحوال فرضاً ملزماً للدولة أو للناس، وهذا التطور بالطبع لم يكن متصوراً في عصر الإيمان في أوربا الذي استمر ألف عام وقامت الكنيسة فيه بفرض رؤية قمعية مدججة بالمحارق ومحاكم التفتيش، والأمر نفسه في الدول البوذية الصين وكمبوديا والهند وتايلاند التي شهدت في تاريخها أيضاً مراحل قمع ديني كان الكهنة فيها يأمرون بسلطان الله ويعاقبون بسيفه

ولكن الأمر في فقه الإسلام السياسي لا يزال مختلفاً في الجوهر فالخطاب الإسلامي عموماً لا يتقبل فكرة أعطوا ما لله لله وما لقيصـر لقيصـر، ولا يزال خطاب رجال الدين يناشد الدولة تطبيق أحكام العقوبات في الشريعة من قطع وجلد ورجم، ولا تزال منابر كثيرة تعتبر ان سقوطنا الحضاري وهواننا على الناس سببه التقاعس في تطبيق الحدود الشرعية، ويصر التيار الإسلامي بمعظم تلوناته أن الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف، ودعوة وجهاد، وأن أولئك الذين لا يتقبلون الهدي الرباني مدعوون للاحتكام إلى السيف فقد أمرنا أن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وأنهم بذلك فقط يعصمون دماءهم وأموالهم!!!

ولكن مع ذلك فإن هذه الرؤية القروسطية التي لا تزال خطاب المنبر التقليدي، ليست كذلك في الدولة الوطنية التي تنص على مرجعية الإسلام، حيث تصدر التشريعات بشكل طبيعي في الدول الإسلامية منسجمة في الغالب مع القانون الدولي، خاصة في قوانين العقاب والقوانين المدنية وقوانين أصول المحاكمات وكذلك في مبادئ المساواة والحقوق الوطنية، والأهم من ذلك أن الدول الإسلامية كلها دون استثناء وقعت على الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع التعذيب ومنع الاتجار بالبشر  وهي قوانين محادة تماماً لمنطق الفقهاء التقليديين في العقاب القائم على البتر والجلد والرجم والتعذيب، وكذلك السبي والاسترقاق، وقد باتت هذه الممارسات محرمة ومجرمة وممنوعة في كل الدول الإسلامية رغم أنها لا تزال خطاب المنبر حين تغفل الدولة عن مسؤولياتها وواجباتها.

 لقد تم حسم هذا الأمر تاريخياً عبر تقسيم الفقه الإسلامي إلى مدرستين صارمتين: العقل والنقل، أو الرأي والاجتهاد، أو الفقه والنص، وهكذا فقد تمت القسمة بشكل تلقائي بين الفريق الفقهي العامل في الشأن العام قضاء وشورى وممارسة، وبين الواعظين ورجال الدين الذين تخصصوا في الوعظ والإرشاد، فقد توقف رجال الدين عند دليل النص وآثار السلف، فيما اختار الفقهاء مصادر عقلية مهمة في مواجهة النص كالاستحسان والاستصلاح والعرف والذرائع.

وفي قراءة أعمق لغور الاختلاف إن بإمكاننا القول إن المدرستين اختارتا ضفتين أصوليتين متقابلتين، فقد مضى التيار السلفي القائم على رجال الدين إلى حصر المرجعية الفقهية بالنص والقياس عليه، فيما اختارت الدول الإسلامية عموماً مرجعية الاجتهاد، ومنحت الفقيه المجتهد حق الاقتباس من الشريعة ومن القانون الدولي واعتماد المصادر الأصولية العقلية لإنتاج قوانين حديثة، وخلال التاريخ الإسلامي قامت الدول الإسلامية عموماً باستدعاء فريق من الفقهاء الواقعيين والبراغماتيين ليكتبوا تشريعات واقعية قابلة للتطبيق، فيما توقف التيار السلفي عند أدلة النص وهي الكتاب والسنة، وتم تحديد التفسير للنص على وفق تيار السلف تحديداً فلا كرامة لتفسير يتجاوز موقف السلف، مهما كانت هذه المواقف محادة ومعاندة للقانون الدولي ولشرعة حقوق الإنسان.

يشارك الإسلاميون اليوم في البرلمانات التي تأذن بالحياة السياسية، ويمكن القول أن هناك حزباً إسلامياً أو أكثر موجود في برلمانات أربعين دولة إسلامية من أندنوسيا إلى موريتانيا، وهي ترفع شعارات الحاكمية والعودة إلى قيم الدين الحق، ويمكن القول دون أدنى مبالغة أن أكثر من ألف برلماني إسلامي موجودون باستمرار  في هذه الهيئات، ولكن لم يسجل عن أي شخص منهم باستثناء  (إيران وأفغانستان) أنه خلال السنوات العشـر الماضية تقدم بطلب برلماني لإعادة تطبيق قطع اليد او جلد الظهر أو الرجم أو الاسترقاق أو السبي، وتقتصـر مطالباتهم في العادة على حماية الفضيلة ومنع نشـر الفحشاء، وهو هدف أساسي لكثير من الأحزاب المحافظة إسلامية أو علمانية أو حتى شيوعية.

حتى في الدول التي لا تمارس التداول الديموقراطي كدول الخليج مثلاً التي أسست مجالس شورى يتحدث فيها النواب بوصفهم ممثلين للمجتمع المسلم بقيمه وعقائده وأخلاقه، فإنه أيضاً لم تسجل أي مطالبة لحياء قانون العقوبات أو السبي أو أحكام الجهاد السلفية التقليدية، ومن المعلوم أن هذه الدول الملتزمة إسلامية باتت أشد الدول صرامة في منع التفكير الجهادي السلفي.

وهكذا فإنه يجب فهم الواقع التشـريعي في البلاد الإسلامية، فالهيئات التشريعية والفقهية والحقوقية في واد ورجال الدين في واد آخر، ويمكن متابعة الدور الحضاري الذي يقوم به الفقهاء الراسخون من حملة الدكتوراه في الشـريعة الإسلامية ومن أصحاب الخبرة الأكاديمية العالية في الفقه والقانون، الذين يعملون في إصدار التشـريعات الوطنية، ويجدون في مصادر الفقه الإسلامي المتنورة ما يكفيهم لإنتاج أحكام قانونية حديثة تنبثق من روح الشـريعة لا من نصوصها وإن كانت لا تلتزم خيارات السلف، فيما يبقى رجل الدين (والمقصود هنا الواعظ والخطيب المشغول بإمامة الصلاة وقيادة أفواج الحج) خارج المعادلة التشـريعية، وسيبقى دوره كريماً ومحترماً حين يفتي في شأن الدين من صلاة وصوم وأخلاق وتزكية، ولكنه لن يقدم راياً مسموعاً في الهيئة التشريعية التي تقوم على شعار رفعه النبي محمد بوضوح حين قال: أنتم أعلم مني بأمور دنياكم.

+963

——————————-

==========================

 سوريا: من التلقين البعثي إلى الديني/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2025/10/08

لم تكن المدرسة في سوريا يوماً فضاءً محايداً أو مساحة للتعلّم الحر، بل كانت دائماً مرآة للسلطة المسيطرة، مهما تغيّرت الشعارات أو تبدّلت الوجوه. منذ أكثر من ستين عاماً، تم ترسيخ التلقين البعثي والأسدي عبر شعارات تُهتف ولا تُناقش، تُردَّد ولا تُفكَّر مثل “أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة”، ولاحقاً، “قائدنا إلى الأبد حافظ الأسد”، حيث يُطلب من الطفل أن يردّد، أن ينتمي، وأن ينكر فردانيته لصالح السلطة.

بعد سقوط  نظام الأسد الإجرامي، تغيّرت الكلمات لكن الآلية لم تتغير، وهذا ما ظهر في أحد المشاهد  المسرّبة عن افتتاح العام الدراسي في مدرسة ابتدائية بحرستا، حيث وقف الأطفال يردّدون شعارات دينية وفق نمط أسئلة وأجوبة تُذكّر بلا قصد بتاريخ طويل من الطاعة المفروضة. يُسأل الأطفال “جدّدوا إيمانكم” فيجيبون “تحرير الأقصى”، “قائدنا إلى الأبد” فيردّون “نبينا محمد”، “دستورنا” فيقولون “القرآن”، و”رسالتنا” فيردّون “الإسلام”. للوهلة الأولى، يبدو المشهد محاولة لترسيخ قيم دينية، لكنه في جوهره يعيد إنتاج بنية التلقين البعثي الأسدي، مع استبدال القومية بالدين. هذه الشعارات لم يقتصر ظهورها في المدارس فقط. بل ظهرت أيضاً في مقاطع  فيديو مسرية من تدريبات عسكرية، حيث شوهد الجنود يرددون عبارات مماثلة.

الفرق هنا بين التلقين البعثي الأسدي وبين التلقين الحالي ليس في الآلية بل في مضمون التلقين. منطق الطاعة المطلقة يُستعاد كما هو، ويُفرغ الشعارات من أي مضمون تربوي. يُحوَّل الطفل إلى مشروع تابع، لا إلى مواطن حر. حين يُلقّن التلميذ أن قائده “إلى الأبد” هو النبي، من دون أن يُمنح مساحة للتأمل أو النقاش، يُختزل الدين إلى أداة ولاء، وتُسلب منه روحه الأخلاقية. وحين يُربط الإيمان بتحرير الأقصى، يُحمّل الطفل عبئاً سياسياً قبل أن يُعطى الحق في التفكير أو اختيار موقعه من العالم.

هذا التكرار بين فضاءي التعليم والعسكرة يكشف عن مشروع متكامل، يعيد إنتاج الولاء الجماعي بلغة دينية هذه المرة، ويؤسس لنموذج هوية واحدة تُقدم كمرجعية مطلقة لا تقبل الجدل. في هذا النموذج لا يُربّى الطفل على التفكير، ولا يُدرب المجند على المساءلة، بل المطلوب أن يردّدا، أن ينتميا، وأن يذوبا في جماعة محددة الهوية.

إن استخدام الدين بهذه الصورة لا يُعيد فقط إنتاج منطق التلقين، بل يُفرغ الدين من روحه الأخلاقية، ويختزله إلى أداة طاعة. يُربّى الطفل على الانتماء القسري لا على بناء الضمير، ويُقدَّم الدين كهوية مغلقة تُفرض من فوق، لا كقيمة تُكتشف من الداخل. لكن الدين، حين يُقدَّم كقيمة، يمكن أن يكون محرراً. في السياق التربوي النقدي، يُعلَّم الطفل أن يسأل عن الخير والعدل، أن يقرأ النصوص لا أن يهتف بها، وأن يبني موقفاً أخلاقياً مستقلاً. الفرق بين الدين كقيمة والدين كأداة ليس في المحتوى بل في المنهج: الأداة توحّد الصف وتثبّت السلطة، أما القيمة فتوسّع الأفق وتُعمّق الضمير. حين يُربّى الطفل على أن النبي هو مثال أخلاقي يُحتذى به لا قائد يُطاع، يُستعاد الدين في جوهره الإنساني، ويُفكّ ارتباطه بالولاء السياسي.

العدالة التربوية لا تقصي الدين، بل تحرره من التوظيف السلطوي. لا تبدأ من استبدال شعار “قائدنا إلى الأبد” بشعار ديني، بل من تفكيك منطق الطاعة ذاته، ومن إعادة بناء العلاقة بين الطفل والمعنى على أساس السؤال لا التلقين. في هذا السياق، يصبح الدين محرراً، لا لأن لغته مختلفة، بل لأن وظيفته التربوية قد تغيّرت: من تثبيت الجماعة إلى تمكين الفرد.

هذا النمط لا يعكس عدالة انتقالية ولا مشروع تربية نقدية، بل يعكس سلطة بديلة تعيد إنتاج أدوات الهيمنة الرمزية، حتى وإن غيّرت لغتها. حين يُقدَّم الإسلام كرسالة جماعية غير قابلة للنقاش، يجد الأطفال غير المسلمين أنفسهم مقصَيين من المشهد التربوي، موضوعين في تناقض بين ما يطلبه استاذ المدرسة وما يربّون عليه في منازلهم. تتحول المدرسة إلى اختبار للانتماء، لا إلى مساحة للتعلّم. ويُحمَّل الطفل أعباء سياسية ودينية مبكرة. المدرسة تصبح منصة للولاء الجماعي، لا للتعدد والتفكير النقدي.ويُطلب منه أن يُنكر خصوصيته كي يندمج في الجماعة، فيتكرّس منطق الإقصاء بدل أن يُهدم.

العدالة تتحقق بوجود نماذج تعليمية تُبنى على التعدد والمساءلة. في تجارب مثل “ريجيو إيميليا” الإيطالية، يُعامل الطفل بوصفه حاملاً للمعنى، لا متلقياً له. يُشجع على التعبير، على طرح الأسئلة، وعلى بناء مشروعه الفكري الخاص، من دون أن يُطلب منه الانصهار في جماعة محددة الهوية. وفي فنلندا، يدرسون القيم الأخلاقية عبر نقاشات مفتوحة، ويُمنح التلميذ الحق في مساءلة السلطة، بما فيها سلطة المعلم نفسه. هذه النماذج لا تدّعي الحياد، لكنها ترفض اختزال الطفل إلى أداة رمزية، وتُبنى على الاعتراف بالاختلاف والحق في السؤال.

هذا التكرار في الشعارات في المدارس ومعسكرات الجيش والأمن، بين الطفل والعسكري، بين الدين والسياسة، يكشف أن البنية السلطوية ما زالت حاضرة في سوريا رغم سقوط الأسد. وما لم تُفكّك هذه البنية، وتُعاد صياغة التربية على أساس التعدد والمساءلة، سيبقى المواطن مشروع تابع، لا فاعل.

ولعلّ ما يعزّز هذا النقاش هو التعميم الأخير الذي أصدره وزير التربية، والقاضي بمنع ترديد أي شعار أو نشيد داخل المدارس، إلى حين اعتماد النشيد الوطني السوري والشعار الرسمي للوزارة. والذي جاء استجابة واضحة لمطالب الناس الرافضين لتحويل المدرسة إلى منبر للشعارات السياسية أو الدينية، ويمثّل خطوة إيجابية أولى ينبغي أن تستكمل بتعاميم وقرارات مماثلة من وزارتي الدفاع والداخلية، تحظر ترديد الشعارات داخل مراكز التدريب العسكري والأمني، بحيث تتحرر ساحات التربية والعسكر معاً من منطق التلقين، وتصبح فضاءات لبناء التفكير النقدي والمسؤولية.

العدالة تبدأ من الطفولة، من الحق في السؤال، ومن رفض أن يُستخدم الإنسان، صغيراً كان أو كبيراً، كأداة لتثبيت سلطة. وبناء سوريا جديدة لن يمر عبر الهتاف، بل عبر التربية على التفكير النقدي، وعلى الحق في أن يكون كل طفل نفسه، لا نسخة من الجماعة. السلطة التي تستبدل قائد مدني أوعسكري بقائد ديني، من دون أن تغيّر منطق الطاعة، لا تقدّم بديلاً، بل تعيد إنتاج الاستبداد بلغة أخرى. والعدالة لا تُقاس بالشعارات، بل بالمساحة التي يُمنح فيها الطفل ليكون مواطناً حراً، قادراً على السؤال، وعلى الاختلاف، وعلى أن يقول “لا” حين يُطلب منه أن يذوب في الجماعة.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى