منوعات

عن الدراما السورية في رمضان 2026

الدراما السورية… انعطاف نحو الضحية/ فاطمة ياسين

15 فبراير 2026

تبدو أشرطة الإعلان القصيرة التي تروّج المسلسلات السورية بمناسبة قرب الموسم الرمضاني ثرية فنيّاً، مع وجود شبه اتفاق على الخروج بالكاميرا إلى أرض الميدان، حيث دخلت إلى المدن المهدّمة والمعتقلات التي ضمّت آلاف السجناء، واعتمدت على نصوص من دون الحاجة إلى أية مواربة، وقد استفادت الدراما من رحيل الرقيب القديم عن المشهد إلى الأبد.

حازت الدراما السورية حضوراً سياسيّاً تفاوتت قيمته منذ خروج المسلسل السوري من محليّته إلى الأفق العربي، واستحسان المشاهد العربي الإنتاجات السورية، حتى أُدرِجَت ضمن الموسم الرمضاني بشكل واسع. قبل انطلاق الثورة، كانت السياسة موجودة بشكلها المرمز والمحاط بقدر من التشفير بحسب المرحلة ومتطلبات السلطة، عندما كانت أجهزة الرقابة قوية تمتلك ذراعاً طويلةً قادرة على إيقاف المسلسل، وتستطيع الذهاب أبعد من ذلك، فكان المنتج حريصاً على تقديم أعمالٍ لا تزعج “مساعدي” الأمن الحساسيين. وتمسّكت الدراما السورية فترة ملحوظة بالتاريخ، واستدعت كثيرين من شخصياته وأحداثه الغزيرة، وقدّمتها برؤيتها الخاصة. ويمكن أن تندرج مسلسلات البيئة الشامية ضمن موجة التراث الذي مكّن المخرج من أن يلتحف به لإخفاء أية صلة بالحاضر. وتحت تلك العباءة، كانت الدراما تحاول تقديم ما هو سياسي مموّها بالتوريات الزمانية. وفي أحيان أخرى، افتعلت الدراما بعض الجرأة، وقدّمت أعمالاً تتناول مؤسّسات الأمن والجيش مع تخريجات درامية، بحيث لا تسيء كثيراً إلى تلك المؤسّسات التي كانت تمسك أنفاس الجميع، فقدّمت “رجلاً فاسداً” ضمن بيئة أمنية، من دون أن تنسى أن تقدّم مقابلاً نزيهاً من المؤسّسة نفسها. ورغم القيمة السياسية المنخفضة لهذا النوع من المسلسلات، إلا أنها كانت الوسيلة المتاحة لمقاربة عمل أجهزة النظام وآلية عمله.

مع قيام الثورة السورية ضد بشار، نشطت الأجهزة الأمنية ووظفت المؤسّسات الحكومية لتصنيف الأعمال والممثلين، ومارست ضغوطاً كبيرة على شركات الإنتاج المحلية وبعض العربية، فشهدت الأعوام الأولى من الثورة انحساراً درامياً كبيراً، وهاجر كثيرون من الفنانين السوريين إلى خارج القُطر، ومنهم من كانوا موالين للسلطة، أو من اتخذوا موقفاً رماديّاً صامتاً، وخلت الساحة المحلية إلا من ممثلين قليلين استسلموا إلى دراما سقيمة، أعادت تراث السبعينيات والثمانينيات الذي لم يخلُ من رسائل موجهة تدعم سردية السلطة، وارتفع منسوب الحذر لدى منتجين آخرين، وفضّل بعضهم الانزواء على هامش الحدث، ففشلوا في مقاربة الواقع، ولكن توسيع دائرة القتل وتحوّل سورية إلى جبهات وساحات حروب، اضطرّ المنتج إلى تصوير المعاناة المعاشية نتيجة الحصار أو التشتت الأسري، وتطرّق إلى مواضيع الهجرة وتفكّك العائلة، وهي الآثار الجانبية للحدث الفعلي الذي حرصت الدراما كثيراً على تجنّبه، فما زالت قبضة الرقيب قوية، بل أصبح أكثر شراسةً ولؤماً، فهرب المزيد من الفنانين إلى الجوار في لبنان ومصر والخليج، وربما كانوا سبباً رئيسياً في ظهور المسلسلات العربية المشتركة، وظهر الممثل السوري في هذه الدراما يدور في فلك مختلف. وبعد عام 2020 صاحب الركود العسكري في سورية هدوءٌ درامي مماثل، مع تكريس نجوم الصف الأول وشحّ الفرص لبروز جيل جديد، وظهرت مسلسلاتٌ تحدثت بلهجة تعب من كل ما حدث ورغبة في الراحة أو التفرغ لإعادة بناء ما تهدم مع مبالغة في الحرص على عدم مواجهة السلطة بأية طريقة.

اللافت اليوم أن الممثل الذي كان يظهر على إعلام النظام محاولاً تبييض سجلّه، تجده في موسم رمضان المقبل بأدوار لا تناسب، أو تناقض، مواقفه السابقة، مجسِّداً شخصيةً لأحد ضحايا نظام الأسد، أو سجيناً تطبّق عليه أقسى أنواع العقوبات، وجرى انزياح كبير في المواضيع المطروحة، وقد أحسّ الكتّاب بالراحة والطمأنينة، وقد نكون على حافة انفجار درامي سوري هائل، يُخرج كل ما كُبِت أكثر من نصف قرن. ولدى المهتمين حالياً مادة توازي حجم محيطٍ تصلح لأن تكون أداة تخدم المعرفة والتوثيق.

العربي الجديد

———————————

 الدراما السورية واكتشاف الثورة المتأخر.. بين الذاكرة والشرعية الأخلاقية/ وفاء علوش

2026.02.17

في مفارقة يصعب تجاهلها هذا الموسم، تبدو الدراما السورية وكأنها تكتشف الثورة أخيراً، بعد سنوات من الصمت والتواطؤ، تبنت خلالها إعادة إنتاج السردية الرسمية.

تتحول اليوم الكاميرا فجأة إلى الشارع الذي كان يُقمع، وإلى الهتاف الذي كان يُجرَّم، وإلى الضحايا الذين لم يكن يُسمح بذكرهم إلا همساً، غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما يُروى، بل بمن يرويه، فقد لاحظ السوريون أن من يؤدي أدوار الثورة هم ممثلون عُرفوا علناً بمواقف مناقضة لها، وهنا تبدأ محاكمة المسألة ليس على أنها عمل فني، بل على أنها اختبار أخلاقي لذاكرة مجتمع بكامله.

لم تكن الثورة السورية حدثاً سياسياً عادياً، ولا صراعاً على السلطة بين طرفين متكافئين، لقد كانت لحظة فارقة طالب فيها السوريون بالحقوق والحريات في مواجهة نظام أمني مغلق، وحين تختار الدراما اليوم الاقتراب من تلك اللحظة، فهي لا تتعامل مع تاريخ بعيد، بل مع جرح ما زال مفتوحاً وهنا تكمن الحساسية، لأن الثورة ليست ملكاً للمنتجين ولا للمنصات، بل هي تجربة معاشة لمجتمع دفع أثماناً باهظة، وتحويلها إلى مادة سردية يتطلب أولاً اعترافاً صريحاً بطبيعتها، وهذا يعني التصريح بأنها انتفاضة شعبية مشروعة، قوبلت بعنف غير مشروع.

لم يكن سبب الصمت الطويل للفنانين الذين أخذوا موقفاً عدائياً من الثورة عجزاً فنياً تقنياً، بل كان خياراً، وخلال سنوات الثورة الأولى، كان المجال العام مغلقاً أمام أي سردية تعترف بشرعية الحراك، وكثير من الفنانين إما انخرطوا في خطاب التخوين، أو التزموا الصمت، أو اصطفوا مع السلطة تحت ذرائع مختلفة.

اليوم وبعد تبدل السياقات الإقليمية والدولية، وبعد أن خفتت حدة الاستقطاب الإعلامي، تبدو الثورة موضوعاً آمناً نسبياً للمعالجة، لكن التبدل في المناخ لا يلغي مسؤولية المواقف السابقة، فالجمهور ليس بلا ذاكرة والسوريون يعرفون من قال ماذا، ومن وقف أين، ومن صمت حين كان الصمت مكلفاً للضحايا فقط.

لا شك أن التغيير حق إنساني، فالبشر يراجعون قناعاتهم، ويتعلمون من التجارب، ويعيدون تقييم مواقفهم، غير أن التغيير الأخلاقي يختلف عن إعادة التموضع المهني ويفصل بينهما شعرة رقيقة اسمها الاعتراف، فحين ينتقل فنان من خطاب مناهض للثورة إلى تجسيد أدوار ثورية من دون أي مراجعة علنية أو تفسير، يشعر جزء من الجمهور أن الأمر لا يتعلق بقناعة جديدة، بل بقراءة جديدة للسوق، ويتولد لديهم غضب مشروع، لأن المسألة لا تتعلق بحرية الرأي فقط، بل بشرعية تمثيل معاناة الآخرين.

فالثورة ليست دوراً يمكن ارتداؤه موسماً ثم خلعه، إنها حدث دفع فيه كثيرون حياتهم ثمناً، ومن يريد أن يرويها، عليه أولاً أن يعترف بحقيقتها.

في النظريات الفنية يمكن الفصل بين النص وصاحبه، وبين العمل وموقف مؤديه، لكن السياق السوري أكثر تعقيداً من المفاهيم النظرية، فالفنان لم يكن خارج الحدث لقد كان جزءاً من المجال العام، وصوته كان مؤثراً، وحين استخدم بعض الفنانين شهرتهم لتبني سردية تجرّم الثورة، لم يكن ذلك موقفاً خاصاً في غرفة مغلقة، بل خطاباً موجهاً إلى جمهور واسع.

لا يعني الانتصار للثورة تقديمها بصورة مثالية أو إنكار تعقيداتها، فالثورات ليست مثالية وقد لا تكون عادلة، بل يعني الاعتراف بجوهرها، ولذلك فإن أي عمل يساوي أخلاقياً بين الضحية والجلاد، أو يعيد إنتاج سردية “الطرفين المتنازعين” من دون تحديد مسؤولية السلطة عن العنف المنهجي، هو عمل يشارك في تمييع الحقيقة.

لم تعد المعركة اليوم عسكرية بالمعنى المباشر، إنها مستمرة على مستوى السرد، وبما أن الدراما تلعب دوراً مركزياً في تشكيل الوعي الجمعي، فإن ما يُعرض على الشاشة قد يصبح بمرور الوقت مرجعاً بديلاً عن الوقائع، لذلك وهذا ما يجعل معركة الذاكرة مفصلية، فحين تتبنى الدراما رواية منقوصة فإنها تسهم في إعادة كتابة التاريخ، ما يعني أن الانتصار للثورة هنا ليس شعاراً، بل دفاع عن دقة السرد، لأن أي تشويه للوقائع هو امتداد رمزي للقمع.

من الضروري التنويه أنه ليس من مهام الجمهور أن يمنح صكوك الغفران، كما ليس من حقه ممارسة إلغاء شامل، لكن من حق الشعب أن يمارس العزل ضد شخصيات لم تعترف بحقه في الحياة وتغاضت عن قتله والتنكيل به ودافعت عن المجرم في حقبة ليست بعيدة، خاصة أن السؤال عن حقيقة موقف الفنان هل كان صامتاً أم مؤيداً هنا يبدو مشروعاً، ومن الجدير بالذكر أن المساءلة ليست انتقاماً، بل هي شرط للثقة، فالفن لا ينشأ معزولاً عن السياسة، خاصة في المجتمعات التي عاشت صراعاً بهذا الحجم، والادعاء بأن العمل الفني “خارج الاصطفاف” قد يكون مريحاً، لكنه غير واقعي.

إن إدخال الثورة إلى الدراما لا يعني فقط الاعتراف بها كحدث سياسي، بل تثبيتها كجزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع، فالأحداث السياسية يمكن أن تُعاد قراءتها وتبديل توصيفاتها وفق تغير الموازين، لكن ما يدخل في الفن يتحول إلى مادة متداولة عبر الزمن تتجاوز اللحظة الآنية، وحين تُجسَّد الثورة في شخصيات وحوارات وصراعات درامية، فإنها تخرج من كونها “مرحلة اضطراب” وتصبح جزءاً من السرد الوطني الطويل، وهذا الانتقال يمنع اختزالها في تقارير سياسية أو بيانات متنازعة، ويجعلها حاضرة في الوعي الجمعي بوصفها تجربة إنسانية كاملة، لا مجرد ملف قابل للإغلاق، خاصة أنه ثمة جيل سوري كامل لم يعش بدايات الثورة، أو كان صغيراً جداً حين اندلعت الاحتجاجات، أو تابعها من مسافة جغرافية ونفسية، وقد تكون الدراما أول نافذة لهم لفهم ما جرى.

لا يبقى الفضاء السردي فارغاً لمدة طويلة فسرعان ما تملؤه رواية جاهزة، ولو استمر الصمت الدرامي حول الثورة، لكان المجال مفتوحاً أمام نسخة أحادية تُقدَّم لاحقاً باعتبارها الرواية النهائية للأحداث، لتكون نسخة تُعيد تعريف الأسباب والنتائج، وتُحمّل الضحية المسؤولية.

لسنوات طويلة، كان تناول الثورة داخل الصناعة الدرامية محفوفاً بالمخاطر أو خاضعاً لرقابة صارمة، سياسية أو ذاتية، حتى لو كان العمل خارج سوريا، فقد كان يخضع لإرادة المنتج الذي بدوره يتماشى مع متطلبات السوق والمزاج الشعبي عالمياً وعربياً وإن مجرد كسر هذا الحاجز اليوم يحمل دلالة بحد ذاته، فحين يصبح الحديث عن تلك المرحلة ممكناً على الشاشة، يصعب إعادته إلى خانة المحرّم بسهولة، قد تكون المعالجات الأولى ناقصة أو مرتبكة، لكن فتح الباب يخلق واقعاً جديداً لم تعد فيه الثورة موضوعاً يُهمَس به، بل قضية يمكن مناقشتها علناً، وهذا التحول ــ مهما بدا محدوداً ــ يراكم أثراً يصعب التراجع عنه.

إن استمرار حضور الثورة في الدراما يعني أن الأسئلة التي طرحتها لم تُغلق، الحرية، العدالة، المساءلة، العلاقة بين المواطن والدولة وتجعل منها قضايا حية، فلا تستعاد الثورة كذكرى بعيدة، بل كمرجع أخلاقي يُقاس عليه الحاضر، وهذا يحول دون تطبيع الاستبداد بوصفه نتيجة نهائية لا بديل عنها، وبهذا المعنى لا نرى الثورة على أنها فصل انتهى، بل معياراً يظل حاضراً في تقييم الواقع.

لا يلغي اكتشاف الدراما السورية المتأخر للثورة قيمة هذا الاكتشاف، فالسوريون يحتاجون إلى سرد يعترف بأن ما جرى لم يكن سوء تفاهم تاريخياً، بل مواجهة بين مطلب الحرية ومنطق السيطرة، وبما أنه من حق الفنان أن يراجع نفسه فعليه أن يتقبل أن من حق الجمهور أن لا ينسى.

لقد كانت الثورة السورية مطالبة مشروعة بالكرامة، وأي سرد لا ينطلق من هذه الحقيقة ــــ مهما بدا متوازناً ـــــ يظل ناقصاً أخلاقياً، ومن هنا نضمن ألا تتحول الذاكرة إلى مادة قابلة لإعادة التدوير بلا مسؤولية، لأن السوريين حريصون على حماية سرديتهم وهذا ليس نابعاً من حرصهم على الماضي فحسب، وإنما ينبع من حرصهم على مستقبلهم حتى لا يعاد تكرار الماضي.

وفي الحقيقة على الرغم من التحفظات المشروعة على أدوار بعض الممثلين ومواقفهم السابقة، لا يمكن تجاهل أن الثورة أصبحت موضوعاً درامياً بحد ذاته وهو تطور لافت، ذلك أن تناولها في المجال الفني العلني يعني تثبيتها في الذاكرة العامة، ومنع ترك الساحة خالية أمام سرديات مضادة قد تسعى مع الوقت إلى إعادة صياغة التاريخ أو اختزاله أو قلب أسبابه ونتائجه.

إن الفراغ السردي أخطر من العمل المختلف عليه، فحين لا تُروى الحكاية، هي تُروى في الحقيقية ضد أصحابها، وحين تغيب الثورة عن الشاشة تماماً، تُترك مساحة واسعة لإنتاج روايات تُحمّل الضحية مسؤولية ما جرى، أو تقدّم القمع بوصفه استجابة اضطرارية.

فحتى الأعمال التي تُثار حولها الأسئلة تبقى ــــــــ من حيث المبدأ ــــــــ أفضل من صمت كامل يفتح الباب أمام محاولات محو الذاكرة، فالمسألة إذاً ليست في رفض تناول الثورة، بل في كيفية تناولها، ووجودها في الدراما ضرورة لحماية السرد الأصلي من التآكل، شرط ألا يتحول هذا الحضور إلى إعادة صياغة مريحة تُفرغها من معناها الأول.

تلفزيون سوريا،

————————

 الجدل بشأن دراما السجون في سوريا.. من يجسّد الضحايا؟/ جولي بيطار

2026.02.20

في غرفة جلوس صغيرة بإحدى ضواحي دمشق، جلست أمٌّ خمسينية أمام شاشة هاتفها تقرأ خبراً عن مسلسل جديد يتناول سجن صيدنايا، قبل أن تضع الهاتف جانباً وتتمتم: “مالي قلب شوف”.

لم تكن تتابع الشأن الفني عادةً، لكن اسم السجن وحده كان كافياً ليعيد إليها سنوات من الانتظار والأسئلة المفتوحة عن مصير ابنها الذي اختفى قبل أعوام، ولم تُكشف حتى اليوم تفاصيل ما جرى له أو لمن كانوا معه.

تلتفت إلى ابنتها لتسألها سؤالاً قد يبدو جوابه بديهياً لغير قلوب الأمهات: “هل ممكن أن نحصل على معلومات عن أخيك عبر المسلسلات؟”.

الإعلان عن أعمال درامية جديدة تتناول ملفات السجون والانتهاكات فجّر نقاشاً واسعاً في الشارع السوري، ولا سيما بعد تداول معلومات عن مشاركة ممثلين عُرفوا سابقاً بدعمهم للنظام المخلوع. غير أن الجدل، كما يعبّر كثيرون، لا ينصبّ على فكرة تحويل السجون إلى دراما بقدر ما يتركّز على هوية من سيتقدم لتجسيد الضحايا، وعلى ما إذا كان من اصطفّ سياسياً إلى جانب السلطة السابقة يستطيع اليوم أن يؤدي أدواراً تُدين المرحلة نفسها من دون مراجعة أو مساءلة أو حتى توضيح.

ذاكرة لم تتحول إلى أرشيف

تقول أماني عبد السلام، وهي شقيقة مفقود، إن الإعلان عن مسلسل يتناول صيدنايا أعادها إلى اللحظات الأولى التي أعقبت سقوط النظام المخلوع، “حين ظننت أن الحقيقة باتت أقرب من أي وقت مضى، قبل أن أكتشف أن الطريق إلى كشفها ما يزال طويلاً ومليئاً بالثغرات”.

وتضيف أن البحث عن أخيها “لم يتوقف يوماً”، وأن مشاهد الحديث عن التعذيب “ليست مادة درامية قابلة للتأويل، بل واقع لم يُحسم بعد”.

وترى عبد السلام أن إعادة تمثيل ما جرى داخل السجن، في ظل غياب محاسبة واضحة أو كشف شامل للمصير، “تفتح جراحاً لم تُغلق”، متسائلةً: “من يملك حق تحويل سنوات القهر إلى مشاهد تمثيلية بينما ما تزال العائلات تنتظر إجابات رسمية؟”.

وتؤكد أن ما يضاعف الإحساس بالخذلان هو شعورها أن قضية المعتقلين والمغيبين قسراً “لم تعد أولوية ملحّة كما كانت”، في وقت يُطرح فيه الحديث عن الدراما بوصفها أداة “حفظ للذاكرة”.

توضح أماني أنه ” بين تعويم شبيحة النظام لمشاركة ممثلين كانوا موالين للنظام المخلوع” شعرت بالإقصاء كأن القضية لا تخص أهالي المعتقلين.

“ليست المشكلة في القصة.. بل فيمن يؤديها”

منى، (اسم مستعار) لامرأة فقدت زوجها في سنوات الاعتقال، تعبّر عن موقف مشابه، لكنها تشدد على أن جوهر اعتراضها لا يرتبط بفكرة إنتاج أعمال عن السجون بحد ذاتها، بل بالوجوه التي ستتقدم لتجسيد تلك المرحلة.

وتعتبر أن الانتقال السريع إلى مسلسلات عن الانتهاكات يجري في ظل غياب الحقيقة والمساءلة، وتقول: “العدالة لم تتحقق بعد، وما تزال عائلات كثيرة تجهل مصير أبنائها”، قبل أن تضيف: “الآن ما زلنا نريد أن نعرف مصير أحبابنا، لم تنتهي القصة بعد”.

وتوضح أن المسألة تصبح أكثر حساسية “حين ترتبط هذه الأعمال بأسماء كانت محسوبة بوضوح على خطاب النظام المخلوع”، معتبرة أن رؤية ممثلين دعموا السلطة السابقة وهم يؤدون أدوار ضحاياها تخلق تناقضاً يصعب على عائلات المعتقلين تقبّله، لأن السؤال بالنسبة لهم لا يتعلق فقط بما يُروى على الشاشة، بل بمن يروي، وبما إذا كان يكفي تغيير الدور لتجاوز التاريخ العلني للمواقف.

وتسأل: “لماذا؟ لماذا هؤلاء؟ يوجد من الممثلين الثوريين ما يكفي لتأدية أدوار كهذه أو حتى من الممثلين الصامتين.. لا عذر لإعادة تدوير شبيحة الأسد”.

وعند سؤالها هل ستشاهد المسلسلات تجيب بحزم: “لن أشاهد بل وسأحظر أي صفحة تبث مشاهد لممثل شبيح”.

بين الفن والموقف السياسي

في المقابل، ترى مارلين، وهي متابعة للدراما السورية، أن الحكم على مشاركة الممثلين يجب أن يكون من خلال أدائهم الفني لا من خلال مواقفهم السياسية السابقة. وتقول: “برأيي المهم هو كيف يؤدي الفنان دوره، لا ما كان موقفه في السابق”، مضيفةً أن الأعمال التي تتناول قضايا مثل السجون والانتهاكات “تحتاج إلى ممثلين متمكنين قادرين على إيصال الإحساس، لأن الموضوع حساس وصعب”.

وترى أن “ربط كل دور بالموقف السياسي للفنان قد يضعف العمل بدل أن يقويه”، مشيرةً إلى أن “الأسماء المعروفة تجذب جمهوراً أكبر، وتجعل الناس تتابع العمل وتستمع إلى القصة”.

وتضيف أن “إقصاء أي ممثل بشكل كامل قد يُبقينا عالقين في الماضي، بدلاً من التفكير في كيفية جعل الفن مساحة للحديث عما حدث ومواجهته”.

المصداقية والاعتراف

كاترين البشارة وهي خريجة “مدرسة الفن” تتخذ موقفاً أكثر توازناً، إذ ترى أن عودة ممثلين كانوا “مُهللين واضحين” للنظام المخلوع إلى أعمال تتناول مرحلة الانتهاكات تطرح سؤال المصداقية قبل أي سؤال آخر.

وتقول إن “الانتقال المفاجئ من خطاب تأييدي إلى أداء أدوار تدين المرحلة نفسها يخلق فجوة في ثقة الجمهور، خصوصاً لدى فئات عاشت التجربة بوصفها ضحية لا متفرجاً.”

وترى البشارة أن الاعتراف العلني بالمواقف السابقة أو تقديم توضيح صريح كان يمكن أن يحفظ قدراً من الثقة، ويؤسس لمشاركة فنية لا تبدو منفصلة تماماً عن السياق الأخلاقي.

 ومع ذلك، تؤكد أنها لا تؤيد الإقصاء المطلق، معتبرةً أن المجتمع لا يمكن أن يبقى أسير محاكمات رمزية إلى ما لا نهاية، لكن من دون تجاهل الحاجة إلى “وضوح أخلاقي” من الشخصيات العامة التي لعبت دوراً في تشكيل الرأي العام خلال سنوات الثورة والحرب.

بين الشاشة والمحكمة

يتجاوز الجدل حدود العمل الدرامي نفسه ليتركز على هوية المشاركين فيه، وعلى ما إذا كان من الممكن فصل الممثل عن مواقفه العلنية السابقة حين يتعلق الأمر بملفات لم تُحسم بعد.

ففي وقت ما تزال فيه قضايا المعتقلين والمغيبين قسراً مفتوحة، يجد بعض السوريين صعوبة في تقبّل أن تتولى وجوه عُرفت بدعمها للنظام المخلوع تجسيد معاناة ضحاياه.

في المقابل، يرى آخرون أن التمثيل فعل مهني مستقل عن الموقف السياسي، وأن الحكم على العمل يجب أن يكون من خلال مستواه الفني لا خلفيات المشاركين فيه.

وبين هذين الموقفين، يستمر النقاش في الشارع السوري، لا حول ما سترويه الدراما فقط، بل حول من سيقف أمام الكاميرا ليروي تلك الحكايات، وفي أي سياق أخلاقي وسياسي ستُستقبل.

——————-

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى