أبحاث

كيف نفكّر بالاستقلال وبمفاهيم مشابهة؟/ حازم صاغية

29.11.2025

ألقى الكاتب والصحافي اللبناني حازم صاغيّة هذه الكلمة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، بدعوة من “حزب الكتلة الوطنية”.

على رغم أن الله يحظى بأسماء حُسنى فيما الشيطان يُنعت بالرجيم، فإن الله والشيطان يُفترض أن لا يحتاجا، في نظر المؤمنين، إلى أوصاف. ذاك أن أوصافهما مقيمة في اسميهما بما لا يُحوج إلى زيادة أو إطناب.

فالمؤمن حين يقول كلمة الله، يكون يقصد الكائن القويّ والكريم والحكيم، وهو حين يتفوّه بلفظ الشيطان يكون يقصد كائناً شرّيراً بشعاً ومؤذياً.

وهذا الاكتفاء الذاتي الذي يملكه الموصوف، إنّما تسلّل، بألف طريقة وطريقة، من الدين إلى السياسات المُعلمنة. وعلى النحو هذا، باتت كلمة “استقلال” من الكلمات التي تعني، دونما حاجة إلى قول ذلك، كلّ ما هو خيّر وحقّ، فيما تحيل كلمة “استعمار”، وبالقدر نفسه من اليقين والتوكيد، إلى كلّ ما هو شرّ وخطيئة.

وهذه التصانيف الناجزة والمغلقة لا تتعرّض لامتحان التجربة أو لمساءلة الجدوى، كما لا يقترن وجودها بظرف ملائم، موضوعياً كان أم ذاتياً، ولا تمهّد لها مرحلة إعداد أو تدريب أو اختبار.

فالاستقلال ينبغي أن يحضر فوراً، لا بل أن يموت، في سبيله، شهداء آمنوا بوجوب استحضاره الفوري. فإذا ظهر لاحقاً أن ثمار الاستقلال كانت فقيرة وعجفاء، اتُّهم النظام الذي نشأ بعد الاستقلال بأنه هو وحده مصدر الإساءة، أو قيل إن الاستقلال ظلّ ناقصاً ولم يكتمل، أو اتّجه الشكّ إلى المعايير والقياسات المعتَمَدة، أو رُدّ الخطأ إلى مَن يستخدم المعايير تلك. أمّا المفهوم البلّوري ذاته، أي الاستقلال في هذه الحال، فلا يتجرّأ العقل عليه ولا يتجرّأ اللسان. فهذا إنّما يشبه القرارات المقدّسة، كذاك الذي علّمتنا إيّاه قصّة أيّوب وصبره، ممّا لا يجوز إخضاعه إلى أيّة مساءلة أو امتحان.

ونحن نعيش في منطقة ضجّت ثقافتها السياسية بالأيقونات المنزّهة التي يُخشى أن يُضمّ الاستقلال إليها، وأن ينتهي إلى مصير بائس كالذي انتهت إليه. فشعار الوحدة العربية ساهم في الوصول إلى تفتّت وتجزئة غير مسبوقين للبلدان التي رفعته، وشعار الحرّية أسفر عن قيام أنظمة بالغة البوليسية لا تتورّع عن ممارسة الإبادة بحقّ شعوبها، وشعار الاشتراكية تكشّف عن فقر مدقع للسكّان مصحوب بعزلهم عن العالم، بينما آل شعار تحرير فلسطين إلى مآسٍ متتالية تجد تتويجها في تدمير غزّة.

وأغلب الظنّ أن الطريقة هذه في مقاربة الاستقلال، لم تعد مقنعة في بلدنا وفي بلدان كثيرة أخرى استقلّت فتراجعت أمورها على أصعدة عدّة. وفي لبنان تحديداً، لم تزد السنوات التي شهدت سلماً أهلياً عن ثلث السنوات الـ82 الاستقلالية، وهذا علماً بأن تلك الأعوام التي أسميناها سلمية لازمتها، هي الأخرى، مجابهات وحروب صغرى وغزوات واحتلالات لا تُحصى.

من هنا ربّما نتفهّم ميل الكثيرين إلى اعتبار الزمن الذي سبق الاستقلال “الزمن الجميل”، وإلى إيداع وسائل التواصل الاجتماعي صوراً كثيرة للمدن وشوارعها وحاراتها، وللناس وطقوسهم ومدارسهم وأدوات نقلهم حينذاك، وهو ما يقطع بتفضيلهم، السابق على اللاحق، وإن ظلّوا في كلامهم التلقائي يتغزّلون بالاستقلال. وكان ولا يزال من تعابير ذاك التفضيل عتب على الاستعمار، لا لأنه جاء، بل لأنه ذهب، لا سيّما وأنه ذهب إلى غير رجعة.

وهذا السلوك وذاك الشعور يمكن أن يجدا سنداً لهما في معطيات صلبة. فنحن، البلد الفقير، لم تنهبنا فرنسا، على عكس ما فعلت في بلدان أخرى، وإن كان تعبير النهب لا يغطّي سائر جوانب العلاقة المعقّدة بين البلدان. أمّا ما أعطتنا إيّاه فرنسا فكان الوطن نفسه الذي بات له اسم يُعرف به هو “لبنان الكبير”، وهذا فضلاً عن عناصر أساسية في البنية التحتية والطرقات، وفي الإدارة والمؤسّسات. كذلك أقام نظام انتدابها علينا برلماناً، ووسّع الصحافة الحرّة، وأتاح إنشاء أحزاب سياسية ونقابات مستقلّة، وفي سنواته القليلة، التي لم تتجاوز الـ23 سنة، ازدهرت مدارس وجامعات وتعرّفت حياتنا اليومية إلى طرق لم تكن مألوفة في السلوك والملبس والتخاطب ومعاملة النساء.

فماذا أعطتنا فرنسا، وماذا أخذت منّا، سؤال يحيلنا إلى فيلم كوميدي شهير اسمه “حياة براين” لفرقة “مونتي بايثون” الإنكليزية. هناك، في الفيلم، يتساءل ثوّار يهود يقاومون الاحتلال الروماني، عمّا قدّمه “لنا” الرومان باستثناء قنوات الصرف الصحّي والطبّ والتعليم والقانون والريّ وبناء الطرقات وتعريفنا بالنبيذ؟ وما دام أنهم لم يقدّموا لنا إلّا هذا، جاز لنا أن نثور عليهم ونقاتلهم حتّى نطردهم من ربوعنا.

وهذا بالطبع لا يعني الانتقال إلى ضفّة معاكسة كأنْ نقول إن الاستعمار جيّد والاستقلال سيّئ، بل يعني، في المقابل، تعريض كلّ المعاني لامتحان التجربة التي تبقى أفضل القياسات لتحديد الصالح والطالح.

أمّا أهمّية التعلّم من التجربة فيضاعفها أن الوطن واستقلاله، وعلى عكس ما يُقال غالباً، ليسا شيئاً من الماضي نبعثه ونستعيده بالدم والشهداء والجماجم، بل هما مشروعان حديثان للمستقبل، قد ينجحان وقد يفشلان. والمؤكّد أن أفعال البشر وأقوالهم أساسية في تحديد ذلك، ما يضعنا أمام السؤال المحوري الذي لا مفرّ من طرحه: هل نحن حقّاً نريد أن نصبح شعباً ووطناً مستقلّاً؟ وهل تنمّ أفعالنا عن ذلك؟

فما يغدو، إذاً، مُلحّاً وقاهراً هو تحرير النظر إلى الاستقلال، أو إلى أيّ مفهوم سياسي آخر، من هذه الثنائية الإطلاقية التي تعود أصولها البعيدة إلى الدين. فالخيار، هنا، ليس بين إله وشيطان، أو بين خير وشرّ، أو فضيلة ورذيلة. وهذا إنما يدفع إلى استبعاد تديين النقاش عبر التحريم والتخوين وهدر الدم وما يمتّ إليها بصلة، لدى مساءلة المفاهيم واختبارها على ضوء امتحان الفعل والتجربة الإنسانيين.

ولا بدّ هنا من التذكير بأن الاستعمار أصبح مستحيلاً. فهو، منذ الحرب العالمية الثانية، بدأ يُظهر عجزه عن الوفاء بالأكلاف المالية لاستعماره، لا بل منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وإنشاء “عصبة الأمم”، بات “حقّ تقرير المصير” من ثوابت اللغة السياسية المقبولة في العالم، وهذا فضلاً عن حركات استقلالية قاد أغلبَها من درسوا في الغرب، أو أتيح لهم الاطّلاع عليه عن كثب، فاطّلعوا على قيم ومعايير أرادوا تطبيقها في بلدانهم. لكنّ استحالة الاستعمار تجعل فشل الاستقلال، حين يفشل، أشدّ بؤساً ومدعاة للشعور بمسؤوليّة يفاقمها انعدام الخيارات.

لقد استقلّ لبنان، كما نعلم جيّداً، في 1943، حين كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، بينما كان يقترب من بدايته عصر جديد يشكّل استقلال بلدان “العالم الثالث” سمة من سماته. يومذاك شاء القادة اللبنانيون الممسكون بزمام الأمور، أن يكون الكيان الناشئ جسراً بين العرب والغرب، أو بحسب صياغة أعمّ، بين الشرق والغرب. والجسر بدا شيئاً ممكناً، بل مطلوباً: فالملك فاروق ونوري السعيد ورجالات الكتلة الوطنية في سوريا، كانوا يشبهون بشارة الخوري ورياض الصلح وكميل شمعون في تكوينهم وفي رغباتهم. ذاك أنهم كلّهم يطمحون إلى إدامة التوافق مع لندن وباريس، وإلى تطويره، خصوصاً وأن النازية الألمانية ونموذجها كانا يباشران احتضارهما، فيما النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط يقتصر على أحزاب شيوعية صغيرة تقول كلمات كبيرة. 

وفي تصوّرهم للاقتصاد، كما في خلفيّاتهم الثقافية، كان هؤلاء متشابهين في محافظة حدّ أقصى مشوبة بليبرالية حدّ أدنى. وأهمّ من ذلك أنهم كانوا منكبّين بطريقتهم على بلدانهم، وعلى صيرورتها بلداناً، غير معنيّين بتوسيعها وبضمّ بلدان أخرى إليها. أمّا الذين منهم صدروا عن حركات قومية مغالية، متمرّدين على الخرائط الجديدة، فبدأوا ينصتون إلى عالم مغاير يُنبئهم كلّ لحظة بأن حركاتهم تلك لم تعد مطروحة على الواقع، وأنهم مطالَبون باستبدالها بحركات أخرى.

وكان لتلك العوامل مجتمعةً أن مهّدت لقدر معتبر من التفاؤل في صدد لبنان واستقلاله. صحيح أن بعض الفئات تمسّكت بتحفّظات وجيهة وبسوء ظنّ هو، وفق الإمام الشافعي، من حُسن الفِطَن، وصحيح أن بؤر توتّر صغرى واجهت دولة الاستقلال هنا وهناك، لكنّ نكبة 1948 الفلسطينية هي التي شكّلت التحدّي الجدّي الأوّل لذاك التفاؤل ولنظرية الجسور.

وبعد ذاك، وفي تعاقب سريع، تولّت الانقلابات العسكرية المتتالية في المشرق العربيّ رفع مستوى التهديد وأعطته، في بعض الأحيان، طابعاً وجودياً. لكنْ لاحقاً، مع المقاومة الفلسطينية ثم مع “حزب الله”، وفي ظلّ نظام كنظام الثورة الإيرانية منذ 1979، صار نسف الجسور هو المبدأ المعمول به، لأن ضدّيّة الشرق للغرب، والغرب للشرق، صارت العقيدة السائدة. وأغلب الظنّ أن أصحاب تلك العقيدة ألحقوا الأذى بأنفسهم وبشعوبهم كما ألحقوه بلبنان، حتّى بات إصلاح ذاك التخريب، في عموم منطقة المشرق العربي، أمراً مشكوكاً فيه.

وأسوأ ما في الواقع الجديد هذا أننا لم نعد بحاجة إلى طرف يقيم خارج الحدود، كي نقاتل دولة الاستقلال ونقتتل في ما بيننا. لقد صار الداخل نفسه صندوق باندورا الذي تخرج منه الأفاعي، بينما يقتصر دور الخارج اللئيم على إطعام تلك الأفاعي وإبقاء فحيحها مسموعاً.

ذاك أننا، في تلك الغضون، بتنا هويّات متنافرة واثقة من نفسها وثقافات فرعية متباهية تتغذّى، أقلّه منذ حرب السنتين، على الانكماش المتعاظم لدور الدولة، إن كضابط للأمن وضامن للقانون، أو كمصدر للخدمات ومُربٍّ يعلّم الأجيال ويشرف على تنشئتها.

وفي حردنا هذا على الحاضر والمستقبل، رحنا نبعث الماضي، بل المواضي المتناحرة العديدة بقليلها الفعلي وكثيرها المُتخيَّل. وشيئاً فشيئاً جعلْنا نبني مجتمعات مغلقة صغيرة وتافهة ومتكارهة، يُحدّد فيها الانتماء مسبقاً بالكراهية التي تستند إلى فوارق الولادة والطائفة والدين.

أمّا الآن، بعد السابع من أكتوبر و”حرب الإسناد”، فأغلب الظنّ أن التهديد الخارجي لاستقلالنا قد تراجع، وهذا مكسب عظيم رغم الآلام التي لازمته، إلّا أن التهديد الداخلي لا يزال قائماً يعبّر عنه تعارض مفاهيمنا عن لبنان وعن الاستقلال وعن أشياء أخرى لا حصر لها. وهذه المفاهيم لئن نُسج كلّ منها على قياس الجماعة الطائفية التي تحمله، بقي أن اعتداد بعضها بالسلاح يُبقي الموت حاضراً في جوار الاختلاف والتباين.

ولربّما جاز لنا أن نستعين، ولو بشيء من التصرّف، بنظرية إيزايا برلين عن مفهومي الحرّية ونطبّقها على الاستقلال. فالفيلسوف البريطاني – الروسي ميّز بين “حرّية سلبية” مؤدّاها التصرّف من دون عوائق وموانع، كأنْ يتحدّث واحدنا من دون خوف من العقاب، أو أن يؤمن أو يلحد من غير أن يكرهه أحد على ذلك، وبين “حرّية إيجابية” مفادها بناء الخيارات الحياتية الأبعد مدى والأكثر استراتيجية انطلاقاً من الحرّية.

وبالمعنى هذا، قد يجوز لنا أن نتحدّث عن “استقلال سلبي” هو التخلّص من “عوائق” الاستعمار أو الانتداب، وعن “استقلال إيجابي” يطال الغايات المرغوبة عقلانياً من الاستقلال والممارسة المدروسة له، أو بالأحرى: ماذا نفعل بهذا الاستقلال الذي يُفترض به أن يكون تمهيداً لشيء آخر؟

وهنا نحن مختلفون جدّاً، بل نكاد نكون، في أقوالنا وليس فقط في أفعالنا، مختلفين في كلّ شيء، في الموقف من الدولة، والموقف من الصداقة والعداوة، والموقف من الزمن ومن العالم.

وربّما كان من المأسوي ما يقوله لنا وعنّا امتحان التجربة والواقع، وهو أننا نتحدّث عن الاستقلال فيما يفكّر أكثرنا باستقلال بعضنا عن البعض الآخر… وهذا ما ينبغي أن يستوقفنا طويلاً ويحملنا على التفكير.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى