الاتفاق الأخير بين الحكومة العربية السورية و”قسد” تحديث 20 شباط 2026

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي:
الاتفاق بين الحكومة العربية السورية و”قسد”
تحديث 20 شباط 2026
إعادة تموضع كردي.. خلع رداء الفئوية وانتفاح على الفضاء العام
الخميس 2026/02/19
في لحظة سياسية تتسم بتبدّل سريع في موازين القوى شمال شرقي سوريا، تتقاطع ثلاثة مسارات داخل البيت الكردي: إعادة هيكلة حزب الاتحاد الديمقراطي، مراجعة بنية مجلس سوريا الديمقراطية والتحضير لمؤتمر قومي عابر للحدود. وبحسب عدة مصادر مطلعة تحدثت إلى “المدن”، فإن هذه التحركات ليست معزولة عن سياق أوسع من إعادة التموضع السياسي، في ظل نقاشات متصاعدة حول الاندماج الإداري والأمني، وتحوّلات العلاقة مع دمشق، وضغوط إقليمية متجددة.
الاتحاد الديمقراطي يخلع اسمه
تقول مصادر قيادية في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لـ”المدن”، إن الحزب يعمل حالياً على تغيير اسمه إلى “حزب السلام والمجتمع الديمقراطي”، في خطوة تصفها بأنها جزء من “مراجعة شاملة للهوية والأدبيات والارتباطات والنظام الداخلي”. وتؤكد المصادر أن العملية تتجاوز البعد الشكلي، لتطال “إعادة صياغة الخطاب السياسي والبنية التنظيمية بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة”.
وتضيف أن التوجه العام يسير نحو التحول إلى “حزب سوري وطني بصيغة جديدة”، في محاولة لإعادة تعريف الموقع السياسي للحزب داخل المشهد السوري، بعد سنوات من ارتباط اسمه بسياق أيديولوجي وتنظيمي محدد. وتشمل المراجعة، وفق المصادر، تحديث المرجعيات الداخلية، وإعادة تنظيم آليات اتخاذ القرار، وإعادة توصيف العلاقة مع الحلفاء المحليين والإقليميين.
دلالات التسمية الجديدة
ترى أوساط متابعة أن إدراج مفردات مثل “السلام” و”المجتمع الديمقراطي” في الاسم المقترح، يعكس سعياً لتخفيف الحمولة الأيديولوجية السابقة، وتوسيع هامش القبول السياسي داخلياً وخارجياً. فالتغيير، إن تم تثبيته رسمياً، سيعني الانتقال من تعريف حزبي ضيق نسبياً إلى إطار أوسع يسعى إلى التموضع ضمن الفضاء الوطني العام.
وبحسب مصادر “المدن”، فإن الحزب يدرك أن أي تغيير اسمي غير مسنود بتحول فعلي في البنية والبرامج سيبقى شكلياً. لذلك، يجري العمل على مراجعة النظام الداخلي، وتحديث الخطاب بما يسمح بفتح قنوات تواصل أوسع مع قوى سورية مختلفة، وتهيئة الأرضية للانخراط في ترتيبات سياسية محتملة.
“مسد” يعيد صياغة نفسه
بالتوازي، عُقد اجتماع للمكتب السياسي في مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) بتاريخ 14 شباط/فراير الجاري، خُصص لمراجعة البنية التنظيمية والخطاب السياسي، وفق ما أكدت مصادر من داخل المجلس لـ”المدن”. وأسفر الاجتماع عن إقرار تغيير في الهيكلية والنظام الداخلي، واعتماد خطاب سياسي جديد يُعرّف نفسه بصفته “خطاباً وطنياً سورياً”.
وتقول المصادر إن التعديلات شملت إعادة تنظيم آليات العمل الداخلي، وتطوير المرجعيات التنظيمية، بما يعكس توجهاً نحو صيغة أكثر شمولاً على المستوى الوطني. وتضيف أن الهدف هو “إعادة تعريف موقع مسد في المشهد السوري، بعيداً من الصورة التي حصرت دوره في إطار جغرافي أو مكوّن بعينه”.
من التمثيل المناطقي إلى الطموح الوطني
تحليل الخطوة يشير إلى محاولة واضحة للانتقال من توصيف “مسد” كإطار سياسي مرتبط بإدارة منطقة محددة، إلى منصة تسعى للتموضع في قلب النقاش الوطني السوري. كما يهدف تبنّي خطاب “وطني سوري” إلى كسر الاصطفافات السابقة، وفتح مسارات تواصل أوسع، ساء على مستوى الحوار الداخلي أو في سياق إعادة تشكيل العلاقة مع مؤسسات الدولة.
غير أن هذا التحول يواجه اختبارين متلازمين: أولهما، مدى ترجمة التغييرات التنظيمية إلى ممارسات سياسية عملية؛ وثانيهما، قدرة المجلس على توسيع قاعدة التمثيل، واستقطاب قوى خارج دائرته التقليدية. فالتغيير في اللغة لا يكفي، ما لم يُترجم إلى سياسات وتحالفات تعكس فعلاً هوية وطنية جامعة.
مؤتمر عابر للحدود في شباط
في موازاة إعادة التموضع داخل سوريا، يستعد المؤتمر القومي الكردستاني (KNK) لتوجيه دعوات رسمية لعقد مؤتمر كردستاني عام خلال شباط الجاري، بمشاركة ممثلين عن “الأجزاء الأربعة”: روج هلات (إيران)، باشور (العراق)، باكور (تركيا)، وروج آفا (سوريا)، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة “المدن”.
تأسس المؤتمر القومي الكردستاني في 24 أيار/مايو 1999، في هولندا، كإطار تنسيقي عابر للحدود يضم أحزاباً وشخصيات كردية من الأجزاء الأربعة ومن الشتات. وبحسب المصادر، يتمثل الهدف الأساسي للمؤتمر المرتقب في بـ”الحفاظ على مكتسبات روج آفا” في ظل التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة، إضافة إلى بحث سبل توحيد الخطاب الكردي وتعزيز التنسيق المشترك.
زيتوقع أن يشمل جدول الأعمال ثلاثة محاور رئيسية هي: مستقبل الوضع السياسي والإداري في روج آفا، آليات التنسيق القومي بين القوى الكردية وصياغة رؤية موحدة للتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
وتشير تقديرات أولية، بحسب مصادر “المدن”، إلى مشاركة فاعلة لقوى قريبة من الإدارة الذاتية، فيما يبقى موقف بعض الأحزاب التقليدية – لا سيما المرتبطة بمحاور إقليمية مختلفة – غير محسوم، وسط احتمال تسجيل تحفظات أو مقاطعة جزئية تبعاً لطبيعة جدول الأعمال وآلية التمثيل.
وتحمل الدعوة دلالة تتجاوز الرمزية، إذ تأتي في لحظة إقليمية تتسم بإعادة ترتيب التحالفات. غير أن التباينات التاريخية بين القوى الكردية قد تحدّ من قدرة المؤتمر على إنتاج قرارات ملزمة، ليبقى أقرب إلى منصة تنسيقية ذات طابع سياسي جامع، ما لم تنجح الأطراف في تجاوز خلافاتها.
سياق واحد… ومسارات متقاطعة
تجمع هذه التطورات خيطاً ناظماً: إدراك متزايد بأن المرحلة المقبلة مختلفة عمّا سبقها. فمصادر “المدن “ترى أن الحديث عن “التحول إلى حزب سوري وطني” في حالة حزب الاتحاد، و”اعتماد خطاب وطني” في حالة “مسد”، واستدعاء الإطار القومي عبر المؤتمر القومي الكردستاني، كلها تعكس محاولة لإعادة ضبط البوصلة على مستويين: وطني سوري من جهة، وقومي كردي عابر للحدود من جهة أخرى.
هذا التوازي لا يخلو من مفارقة: فبينما يسعى الفاعلون إلى تخفيف الحمولة الأيديولوجية وتوسيع القبول الوطني، يجري في الوقت ذاته استدعاء الإطار القومي لتعزيز التحصين في مواجهة المتغيرات. وهو ما يوحي بأن الاستراتيجية الراهنة تقوم على “ازدواجية محسوبة”: انفتاح داخلي يرافقه تثبيت عمق قومي.
تختم مصادر “المدن”، بالقول إن ما يجري اليوم ليس مجرد “تحديث تنظيمي”، بل محاولة استباقية لقراءة المرحلة المقبلة. فالتغيرات في شمال شرقي سوريا، والضغوط الإقليمية، وإعادة فتح قنوات الحوار الداخلي، كلها عوامل تدفع نحو إعادة تعريف الأدوار.
المدن
——————————–
اتفاق دمج الحسكة.. لماذا تراقب كوباني المشهد عن كثب؟/ عمار عبد اللطيف
الشارع المحلي ما يزال متشككاً في استقرار هذه المرحلة الانتقالية
2026-02-20
بعد بدء تنفيذ اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية أواخر يناير الماضي، تشهد محافظة الحسكة تحولات سريعة على الصعيدين الإداري والعسكري، شملت إعادة تموضع القوات، تغييرات في الإدارة والنقاط الأمنية، وعودة رمزية لمؤسسات الدولة، إلى جانب تعيين نور الدين عيسى أحمد محافظاً باقتراح “قسد” كاختبار عملي لجدية الاتفاق. وزار المسؤولون بعض المناطق للتأكيد على تقديم الخدمات ودعم إعادة تأهيل المؤسسات الحكومية، لكن الشارع المحلي ما يزال متشككاً في استقرار هذه المرحلة الانتقالية، في حين تبرز كوباني كمؤشر حساس لقدرة الاتفاق على الصمود، نظراً لدورها الرمزي والعسكري وإمكانية انعكاس نتائج التفاهمات الجديدة على انتشار القوات والإدارة المحلية والضمانات الأمنية.
احتواء احتمالات الانفجار
يقول يونس بهرام، رئيس المنتدى الألماني الكردي، إنّ اتفاق دمج قوات سوريا الديموقراطية مع مؤسسات الدولة السورية انعكس عملياً على الأرض في محافظة الحسكة عبر خفض منسوب التصعيد واحتواء احتمالات الانفجار الأمني، وهو ما يراه تطوراً يُحسب للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بوصفه خطوة نحو تثبيت الاستقرار في منطقة تعيش ضمن سياق إقليمي شديد التعقيد.
ويضيف بهرام في حديث لـ”963+”، أنّ المشهد المحلي يتأثر بتداخل مصالح قوى إقليمية، مثل تركيا وقطر، التي يشير إلى أنها تدعم فاعلين محليين بمرجعيات عشائرية أو فصائلية، ما يجعل أي تفاهم أمني أو إداري محكوماً بحسابات دقيقة ومتغيرة.
ويوضح رئيس المنتدى الألماني الكردي أنّ الانعكاس الميداني الأبرز للاتفاق يتمثل في إشراك مؤسسات الدولة المركزية في بعض المفاصل الإدارية، حيث جرت عودة محدودة ورمزية لبعض مؤسسات دمشق لتولي ملفات محددة، مثل السجل المدني وبعض الجوانب الجمركية، في صيغة تنسيق لا تصل إلى مستوى الاستعادة الكاملة للسلطة المركزية.
ويشير إلى أنّ الاتفاق أفرز أيضاً تنسيقاً أمنياً في نقاط حساسة، من خلال ترتيبات إشراف أو تنسيق مشترك في مواقع استراتيجية، ولا سيما المعابر وخطوط التماس، وهو ما يعكس مقاربة أمنية توافقية تهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
ويضيف بهرام أنّ البنية الإدارية القائمة ما تزال مستمرة، مع إعادة توصيف قانوني لوظائفها، حيث احتفظت كوادر الإدارة الذاتية بمواقعها التنفيذية، لكن ضمن إطار تنسيقي جديد مع دمشق، من دون تفكيك جوهري للهيكل الإداري، ما يؤكد أنّ ما يجري هو إعادة ضبط للعلاقة مع المركز أكثر منه تغييراً جذرياً في طبيعة السلطة.
ويشدّد على أنّ الانعكاس الميداني للاتفاق قائم بالفعل، لكنه يتسم بالتدرج والحذر، ويخضع لحسابات أمنية دقيقة، لافتاً إلى أنّ الإدارة الذاتية ما تزال تمسك بمفاصل القرار السياسي والإداري والعسكري، وإن ضمن صيغة تنسيقية جديدة مع دمشق.
وفي ما يتعلق بسؤال ما إذا كانت المنطقة تشهد إعادة انتشار حقيقية أم تغييرات شكلية، يقول بهرام إنّ الواقع يشير إلى صيغة هجينة تجمع بين البعدين، حيث توجد إعادة انتشار جزئية تمثلت في تحولات فعلية في تموضع بعض الوحدات، ولا سيما في المناطق الحساسة أمنياً وعلى مقربة من الحدود أو المعابر، بما يعكس إعادة ترتيب للانتشار العسكري.
ويضيف أنّ التغييرات في بعض المستويات الإدارية تبقى شكلية، إذ لم يحدث تفكيك جذري للبنية المحلية، بل جرى تعديل في توصيف الأدوار وآليات التنسيق ضمن إطار تفاهم مرحلي، ما يجعل من الصعب توصيف ما يجري على أنه تسليم كامل للصلاحيات أو مجرد خطوة رمزية.
الرابط بين الحسكة وكوباني
وحول الرابط الاستراتيجي بين الحسكة ووضع كوباني، يوضح رئيس المنتدى الألماني الكردي، أنّ كوباني تمثل بعداً يتجاوز الجغرافيا إلى الرمزية السياسية والاستراتيجية، إذ تُعد نقطة انطلاق التجربة السياسية والعسكرية للإدارة الذاتية، كما اكتسبت مكانة دولية بعد معركة التصدي لتنظيم “داعش”، ما منحها بعداً معنوياً يتجاوز الإطار المحلي.
ويضيف أنّ لمدينة كوباني أهمية عسكرية وأمنية كبيرة، نظراً لموقعها الحدودي الذي يجعلها ذات حساسية خاصة في أي ترتيبات تخص الانتشار أو الضمانات الأمنية، وأنّ ما يجري في الحسكة يُنظر إليه كمختبر أولي لصيغة الدمج أو التنسيق، وأن نجاح النموذج هناك قد يمهد لتطبيق أكثر تعقيداً في كوباني، حيث تتداخل الاعتبارات الرمزية مع الحسابات الإقليمية.
ويقول بهرام إنّ كوباني تمثل العقدة الاستراتيجية الأهم في أي إعادة صياغة للعلاقة بين المركز والإدارة الذاتية، ويمكن النظر إليها بوصفها ورقة تفاوض مركزية، نظراً لمكانتها الرمزية ودورها السابق في مواجهة تنظيم “داعش”، ما يمنحها ثقلاً تفاوضياً مضاعفاً.
ويضيف أنّ أي تعديل في وضعها الإداري أو الأمني ينعكس مباشرة على التوازنات الإقليمية، ولا سيما في ظل التهديدات الحدودية المستمرة، مؤكداً أنّ طبيعة الترتيبات في كوباني ستكشف جوهر الاتفاق، وهل هو اندماج كامل في بنية الدولة المركزية أم صيغة شراكة طويلة الأمد ضمن نموذج لامركزي.
وفي ما يخص الضمانات المتوفرة لمنع انهيار الترتيبات الجديدة، يشير بهرام إلى أنّها حتى الآن ذات طابع سياسي وأمني أكثر منها قانوني دستوري، ويمكن تلخيصها في تفاهمات مرحلية بين القيادات العسكرية، وحضور ومراقبة أطراف دولية فاعلة على الأرض في شمالي شرقي سوريا، إضافة إلى مصلحة مشتركة في تجنب الفراغ الأمني الذي قد يعيد المنطقة إلى دائرة الاضطراب.
ويضيف أنّ الحراك الديبلوماسي الأخير، ولا سيما خلال مؤتمر ميونخ للأمن الذي عقد في ألمانيا، حيث حظي كل من القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد باهتمام ملحوظ من مسؤولين دوليين، يعكس إدراكاً دولياً لأهمية دور الفاعل الكردي في المعادلة السورية.
زمن لتظهر النتائج
يقول طارق عجيب، الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، إن اتفاق دمج قوات سوريا الديموقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية يحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجه الحقيقية والواضحة على الأرض، موضحاً أن اتفاق الدمج العسكري لم يُحسم حتى الآن، إضافة إلى أن عودة مؤسسات الدولة والدمج بين موظفي الإدارة الذاتية وموظفي الدولة لم تتبلور بعد بصيغة نهائية، الأمر الذي يجعل تأثيرات الاتفاق العملية ما تزال غير مكتملة.
ويضيف عجيب في حديث لـ”963+”، أن الاتفاق انعكس على الأرض من خلال حالة ارتياح كبيرة بعد إنهاء حالة الاحتقان التي كانت شديدة قبل إبرامه، مؤكداً أن احتمال اندلاع اشتباكات كان يؤرق أبناء محافظة الحسكة بكل مكوّناتها، وأن الاتفاق نجح في سحب فتيل الانفجار وفتح نافذة أمل أمام السكان.
ويشير إلى أن هناك مفاوضات جارية تتعلّق بإعادة انتشار القوات العسكرية، وتنظيم ملف المعابر، والتعامل مع السلاح الثقيل، موضحاً أن هذه الملفات ما تزال قيد النقاش ولم تصل بعد إلى صيغة نهائية.
ويوضح عجيب أن مسألة من سيكون صاحب القرار في المناطق، وما هي المؤسسات التي ستديرها، وما هي مرجعيتها، لا تزال غير واضحة، وتحتاج إلى فترة من الزمن حتى تتبلور بصورة نهائية وتظهر نتائجها على الأرض.
ويؤكد أن مدينة كوباني تمتلك ثقلاً كبيراً في كل ما يجري بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية، لافتاً إلى أن المدينة تحمل ثقلاً كردياً خاصاً، وتقع بالقرب من الحدود مع تركيا، وأن وضعها يحمل انعكاسات على الداخل السوري وحتى على تركيا نفسها، كما يضيف أن لكوباني رمزية قد تجعلها نقطة انطلاق نحو نموذج لسوريا اللامركزية أو أحد أشكالها، وهو ما قد يدفع مناطق أخرى للسير في الاتجاه ذاته والمطالبة بهذا النموذج.
ويشير إلى أن هناك الكثير من التفاصيل المتعلّقة بكوباني ما تزال قيد الدراسة والتثبيت من قبل الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، مؤكداً أن هذه التفاصيل تشكّل جزءاً أساسياً من مستقبل الاتفاق ومآلاته.
ويقول عجيب إن الضمانات تتمثّل في الدعم الخارجي الذي يركّز على تحقيق الاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدتها ضمن تفاصيل الاتفاق، مضيفاً أن هذا الدعم يشكّل عاملاً مهماً في دفع الأطراف نحو الالتزام بما تم التوافق عليه.
ويؤكد في ختام حديثه أن هناك إرادة لدى الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية لتنفيذ الاتفاق وإنجاحه، بهدف إنهاء فترة طويلة من الظروف السيئة التي عانت منها مناطق شمال وشرق سوريا، موضحاً أن أي إشكالية قد تحدث في أي بقعة جغرافية من سوريا ستنعكس بطبيعة الحال على المركز بشكل كبير.
+963
——————————
سوريا في مؤتمر ميونخ للأمن.. من ملف “أزمة” إلى مقاربة أمنية/ سارة الدخيل
2026.02.19 | 17:54 دمشق
انعقدت دورة هذا العام من مؤتمر ميونيخ للأمن من 13 إلى 15شباط في مدينة ميونيخ الألمانية، بمشاركة واسعة من قادة دول ووزراء ومسؤولين أمنيين من مختلف أنحاء العالم. ويُعد المؤتمر، الذي يُنظَّم سنويا منذ ستينيات القرن الماضي، منصة لبحث قضايا الأمن الدولي، حيث تنُاقش التحولات الجيوسياسية والتوازنات الإقليمية ضمن إطار حواري مكثف يمتد على مدى ثلاثة أيام.
وشهدت دورة هذا العام من المؤتمر مشاركة سورية لافتة على مستويين: حضور رسمي عبر وزير الخارجية، وحضور من قياديي “قوات سوريا الديمقراطية” تزامنا مع تحقيق تقدم في اتفاق الدمج، ورغم أن المؤتمر شهد “تضاربا وتقاطعا في المصالح” وخاصة بين باريس وواشنطن، إلا أن شكل المشاركة وتعدد الأطراف يعكس مقاربة دولية جديدة للتعامل مع سوريا بوصفها ملفا مركّبا تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والإقليمية.
وكان قائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي، التقى السبت 14 من شباط بشكل منفرد، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، مؤكدا أنه لمس التزاما مباشرا وشخصيا من ماكرون بدعم جهود وقف إطلاق النار ودفع مسار التهدئة، في حين اعتبر صحفيون وسياسيون، أن اللقاء جاء للتأكيد على الدور الفرنسي شمال شرقي سوريا، مشيرين إلى إصدار السفارة الأميركية في باريس منشورا على صفحتها باللغة الفرنسية يتحدث عن دور واشنطن الرئيسي في اتفاق 30 من كانون الثاني بين “قسد” ودمشق.
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، التقى وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو على هامش أعمال المؤتمر، وبحث الجانبان خلال اللقاء العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، مع التأكيد على أهمية تعزيز الحوار والتعاون لتحقيق الاستقرار في المنطقة، كما استعرضا جهود تحقيق السلام والتنمية في سوريا، وفق وكالة “سانا”.
رسائل هادئة من دمشق ومقاربة أمنية
شارك وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، في أعمال المؤتمر وعقد سلسلة من اللقاءات الثنائية مع وزراء ومسؤولين دوليين. وبحسب التصريحات الرسمية، أكد الشيباني خلال اجتماعاته على: وحدة وسيادة سوريا وأهمية الاستقرار الأمني والسياسي وفتح قنوات تعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية، ووفق تغطيات إعلامية رسمية، جاءت لقاءاته مع مسؤولين عرب وغربيين في سياق “تعزيز التواصل” و“بحث مسارات العمل المشترك”، مع التركيز على ملف مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار في المناطق الحدودية.
هذه المقاربة لا تعكس تغييرا جذريا، لكنها تظُهر رغبة دمشق في إعادة تفعيل الحضور الدبلوماسي ضمن منتديات دولية كبرى، ولو بخطوات تدريجية ومحسوبة.
في المقابل، شارك قائد “قسد”، مظلوم عبدي وإلهام أحمد مسؤولة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، ضمن حوارات المؤتمر.
وقالت إلهام أحمد، أن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و”قسد” لا يتضمن نصاً صريحاً على حل مؤسسات الإدارة الذاتية، وإنما يجري بحث إعادة ترتيبها ضمن إطار لا مركزي داخل الدولة السورية.
وأضافت في مقابلة مع قناة “الجزيرة مباشر” إن مؤسسات “الإدارة الذاتية” ستستمر في تقديم خدماتها لسكان المنطقة، ولكن ضمن آلية دمج مدني وإداري جديدة قيد البحث، مؤكدة أن الهدف هو الحفاظ على نوع من العلاقة اللامركزية في إطار الدولة الموحدة.
وتأتي مشاركتهم في إطار اهتمام أوروبي بدور هذه القوى لضبط الحدود ومكافحة التنظيمات المتطرفة مع بدء انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، ودخول سوريا إلى التحالف الدولي، إضافة لإدارة المناطق “المعقدة” شرقي الفرات.
وخلال اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية السوري، أكّد روبيو أن الولايات المتحدة “تدعم قيام سوريا مستقرة، تحمي حقوق جميع مكوّناتها، وتعيش بسلام مع محيطها” وفق بيان وزارة الخارجية الأميركية.
وووصف روبيو اللقاء الذي جمع مسؤولين أميركيين بالشيباني، وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، خلال المؤتمر بأنه “تاريخي”، لكونه جمع الطرفين في قاعة واحدة، معتبراً أن الاجتماع يعكس توجهاً لتثبيت التفاهمات ومنع العودة إلى التصعيد.
وجود ممثلين من الحكومة السورية ومن “قسد” في السياق نفسه لا يعني تقاربا سياسيا فقط، لكنه يعكس تعاملا دوليا واقعيا مع تعدد الفاعلين الإقليميين (تركيا، العراق، السعودية، إيران..) والمحليين على الأرض، واعتبارهم جزءا من المشهد الأمني الذي لا يمكن تجاهله.
تقاطع المصالح الدولية في سوريا
ملف سوريا في ميونيخ لم يُطرح تحت عنوان “الأزمة السياسية” هذه المرة، بل تحت عنوان الأمن الإقليمي، حيث ركزت النقاشات ركّزت على الدور الإيراني وتوتراته الإقليمية ومستقبل الوجود الأميركي شمال شرقي سوريا وموقع تركيا وخطوط النفوذ وآليات ضبط الحدود ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، بهذا الإطار يصبح الملف السوري حزمة أمنية أكثر مما هو مسار سياسي، ما يفسّر طبيعة النقاشات المتصلة به داخل المؤتمر.
وإلى جانب الجلسات الرسمية، عُقدت لقاءات أخرى أبرزها: اجتماع أسعد الشيباني مع وزير الخارجية السعودي، حيث تم التأكيد على سيادة سوريا ودعم مسارات التعاون الأمني، ولقاء الشيباني مع رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، مع بحث ملفات اقتصادية وأمنية مشتركة، والمباحثات بين نائب وزير الداخلية السوري ومسؤولين ألمان حول التدريب وتبادل الخبرات في المجال الأمني.
هذه اللقاءات رغم اختلاف أطرافها، تشترك في نقطة واحدة: المجتمع الدولي يتعامل مع الملف السوري عبر قنوات متعددة لا عبر طرف واحد، إذا ماذا تكشف مشاركة سوريا هذا العام في مؤتمر ميونخ؟
من خلال قراءة مخرجات الحضور السوري في ميونيخ، يمكن تسجيل ثلاث ملاحظات مركزية:
دمشق تعود تدريجيا إلى مساحات النقاش الدولي، لكن عبر ملفات أمنية أكثر منها سياسية.
شمال شرقي سوريا يُناقش باعتباره عنصرا أساسايا في الاستقرار الإقليمي، سواء وُجد مسار سياسي موحد أو لا.
القوى الدولية تتعاطى مع سوريا كمنظومة متعددة الأطراف، وليس كدولة بوفد واحد يمثلّها بالكامل.
لا يمكن القول إن مشاركة سوريا في ميونيخ شكّلت تحوّلا سياسيا فقط، بل شكّلت تحولًا في طريقة تناول العالم للملف السوري، فاليوم سوريا لم تعد تظهر كـ“ملف أزمة”، بل كقضية أمنية إقليمية معقدّة تحتاج مقاربة هادئة، ومنفتحة على أطراف مختلفة في الداخل.
ويقول مركز كارنيغي للدراسات: إن المصالح الجيوسياسية لأوروبا في سوريا، والتي تشمل نشر الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والتعاون على مكافحة الإرهاب، وحفظ الأمن والنظام في حوض البحر المتوسط، تتجاوز حدود معالجة قضية الهجرة.
فسوريا المستقرة التي تخلصت من براثن شبكات أذرع إيران لابد لها أن تعيد رسم شكل الأمن في منطقة حوض المتوسط، لأن انهيار ممر التوريد لحزب الله وحماس والذي كان يخضع لإشراف ورعاية من الأسد وإيران، وتحول سوريا إلى دولة شريكة في محاربة الإرهاب، جعل من دمشق نقطة ارتكاز للنظام الإقليمي بشكل لابد له أن يؤثر على أمن أوروبا مباشرة.
ومن خلال حضور الوفد السوري المشترك، بدا واضحا أن أي نقاش حول مستقبل سوريا لم يعد ممكنا تجاهل تعدديته الفعلية على الأرض. ميونيخ لم تقدمّ حلولًا، لكنها وضعت إطارا جديدًا لنقاش الملف السوري: إطار قائم على الواقعية، وتوازن الحسابات، وفهم أن المسار القادم لن يُكتب بلغة طرف واحد بل عبر شبكة مصالح تتقاطع داخل سوريا وخارجها.
اتفاق شامل بين الحكومة السورية و”قسد”
وكانت الحكومة السورية و”قسد” قد توصلتا في أواخر كانون الثاني الماضي إلى اتفاق “نهائي شامل”، تضمن التفاهم على تنفيذ عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، بهدف تعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.
وبيّن مصدر حكومي لوكالة “رويترز” أن الاتفاق يشمل دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، لافتاً إلى أن “الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد”.
——————————
مطاران سوريان يستعدان للإقلاع… آمال بإنهاء عزلة الشرق/ نور ملحم
20 فبراير 2026
بعد سنوات من العزلة وصعوبة الوصول، تعود المطارات في شمال شرق سورية إلى الواجهة بوصفها بوابة أساسية لربط المنطقة بباقي البلاد، ليس من زاوية النقل فقط، بل في خطوة نحو استعادة الخدمات العامة وسيادة الدولة وعودة الحياة الاقتصادية تدريجياً.
ويأتي الحديث عن إعادة تأهيل مطاري القامشلي ودير الزور في هذا السياق، مع وعود رسمية بقرب استئناف الرحلات الداخلية، ما يخفف أعباء السفر عن آلاف المدنيين الذين اضطروا طويلاً إلى طرق بديلة شاقة ومكلفة، ويفتح نافذة جديدة لتحريك النشاط التجاري في منطقة أنهكها التهميش والحصار.
وقال معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، سامح العرابي، إن كوادر الهيئة تستكمل تنفيذ خطة متكاملة لإعادة تأهيل المطارات في المنطقة الشرقية، وفي مقدمتها مطارا دير الزور والقامشلي، تمهيداً لإعادتهما إلى الخدمة خلال فترة زمنية قريبة لا تتجاوز الشهرين، بهدف إعادة ربط الشمال الشرقي بشبكة النقل الجوي الوطنية وتوحيد إدارة الأجواء ضمن إطار مؤسسي يعزز السلامة الجوية ويدعم التعافي الاقتصادي في سورية.
وأضاف العرابي لـ “العربي الجديد” أن تشغيل مطار القامشلي اليوم لا يقتصر على كونه مرفقاً خدمياً للنقل، بل يمثل اختباراً عملياً لقدرة السوريين على إدارة ملفات السيادة والخدمات العامة بعيداً عن لغة السلاح، مشيراً إلى أن إعادة تشغيله بصفته بوابة مدنية ستنهي معاناة آلاف المدنيين والطلاب والمرضى الذين كانوا يضطرون لقطع مسافات طويلة وشاقة للوصول إلى المطارات الأخرى، كما ستفتح الباب أمام انتعاش اقتصادي في منطقة عانت طويلاً من التهميش والحصار.
ووفق تصريحات المسؤول السوري الخاصة فإن إعادة تشغيل مطار دير الزور المدني ستسهم بدورها في تعزيز الربط الداخلي وتسهيل حركة النقل والتجارة، بما يدعم عودة النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى المنطقة الشرقية ويعزز اندماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية.
وبيّن العرابي أن هناك تحديات ميدانية تواجه عملية إعادة التأهيل، من بينها أعمال سرقة وتخريب طاولت بعض مرافق المطارات، إلا أن الهيئة تعمل على معالجتها عبر خطط حماية وصيانة متكاملة، تمهيداً لتفعيل الرحلات الداخلية خلال الفترة المقبلة، بما يضمن عودة هذه المطارات إلى العمل بشكل آمن ومنظم يخدم حركة النقل الجوي داخل سورية.
وخلال سنوات الحرب، تحول مطار القامشلي من مرفق مدني إلى ما يشبه “حصناً عسكرياً” للنظام السوري السابق، إذ شكّل شريان الإمداد الجوي الرئيسي لقواته داخل ما كان يُعرف بـ”المربع الأمني” في القامشلي والحسكة، بعد فقدان السيطرة على الطرق البرية المؤدية إلى المنطقة.
وفي أواخر عام 2019، شهد المطار تحولاً مفصلياً مع دخول القوات الروسية إليه عقب الانسحاب الأميركي الجزئي من شمال شرق سورية وإطلاق العملية العسكرية التركية “نبع السلام”، حيث حولته موسكو إلى قاعدة جوية ونشرت فيه منظومات دفاع جوي وطائرات مروحية وقتالية، واستخدمته نقطة انطلاق لدورياتها وأداة لتعزيز نفوذها في شرق الفرات.
وبقي المطار لسنوات نقطة تماس معقدة، بسيطرة فعلية للنظام داخل أسواره، ووجود روسي كثيف، في حين أحاطت به “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من محيطه الخارجي. ومع التحولات الميدانية اللاحقة، ولا سيما بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، انتقلت السيطرة جزئياً إلى “قسد” ضمن ترتيبات أمنية فرضتها الوقائع الجديدة، قبل أن تنسحب القوات الروسية لاحقاً نحو قاعدة حميميم في الساحل السوري، بالتزامن مع تقدم قوات الحكومة السورية وسيطرتها على أجزاء واسعة من محافظة الحسكة.
ومع التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و”قسد”، بدأ مسار مؤسساتي لإعادة المطار إلى كنف الإدارة المدنية الوطنية، في خطوة يُعوّل عليها لإعادة تفعيل دوره مرفقاً خدمياً واستراتيجياً يربط المنطقة الشرقية ببقية البلاد.
أما مطار دير الزور، فيُعد أحد المرافق الحيوية التي خرجت عن الخدمة لسنوات طويلة نتيجة المعارك والدمار الذي لحق بالبنية التحتية في المحافظة، قبل أن تبدأ أعمال إعادة تأهيله تدريجياً خلال الفترة الأخيرة. ويعوّل على إعادة تشغيله في تخفيف عزلة المنطقة الشرقية وربطها بالعاصمة وبقية المحافظات، خصوصاً في ظل صعوبة النقل البري وارتفاع تكاليفه.
كما يُنتظر أن يسهم المطار في تنشيط الحركة التجارية ودعم عودة الاستثمارات والخدمات، وفتح ممر جوي يسهّل حركة المرضى والطلاب والعاملين، في محافظة تعد من أكثر المناطق حاجة إلى استعادة الخدمات الأساسية بعد سنوات من الحرب.
—————————————–
===================
تحديث 19 شباط 2026
——————————
سوريا بعد تبدّل الحسابات الأميركية… قراءة في مسار جديد للمكون الكردي/ عمر اونهون
رسائل ما بعد مؤتمر ميونيخ
19 فبراير 2026
انعقد مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026 في لحظة تاريخية مفصلية، يعاد فيها رسم ملامح النظام الدولي القائم على القواعد، ضمن ما اصطلح على تسميته “الحقبة الترمبية”. وشهدت أروقة ميونيخ كلمات بالغة الدلالة ألقاها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب مسؤولين رفيعي المستوى، عرضوا فيها قراءاتهم للتحولات المتسارعة، واستشرفوا مسارات المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، استأثر الملف الكردي السوري باهتمام خاص، إذ شارك في المؤتمر من سوريا قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي، ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية فيها إلهام أحمد، وشارك من العراق نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق.
وخلال سنوات الحرب الأهلية السورية، أعاد الأكراد تنظيم صفوفهم عسكريا وسياسيا، مستفيدين من الدعم الأميركي، ومنخرطين مع واشنطن وحلفائها في الحرب على تنظيم “داعش”. ولم تمض سنوات حتى أحكمت “قسد” سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق ذات أغلبية عربية مثل دير الزور والرقة، إضافة إلى حقول نفطية استراتيجية، ومعابر حدودية، وسدود ومجارٍ مائية، ومساحات زراعية واسعة.
غير أن هذا المشهد تبدل على نحو دراماتيكي في يناير/كانون الثاني الماضي، حين شن الجيش السوري هجوما واسعا أجبر قوات “قسد” على التراجع، فأعاد رسم التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد. وأدى ذلك إلى فقدان “قسد” ما لا يقل عن 80 في المئة من الأراضي التي كانت خاضعة لنفوذها، وخسارة موردها المالي الرئيس المتمثل في حقول النفط، وفقدان دعم مكونات قبلية عربية ضمن صفوفها، فضلا عن تراجع الدعم الأميركي غير المشروط الذي لطالما حظيت به.
أفضت هذا النقلة أساسا إلى تبدل سياسة الرئيس دونالد ترمب تجاه دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” وتركيا، وهو تبدل رأت فيه أوساط عدة فصلا جديدا من فصول تخلي واشنطن عن الأكراد. ووفق روايات متداولة في الأروقة الدبلوماسية، أبلغ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك قائد “قسد” مظلوم عبدي، خلال محادثات أربيل التي توجت باتفاق 30 يناير/كانون الثاني، أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكريا لصالحهم، وأن على “قسد” التكيف مع الواقع الجديد.
ومع ذلك، ما زال في واشنطن لوبي كردي وآخر مؤيد لـ”قسد” يتمتعان بنفوذ راسخ، ويستندان إلى حلفاء قدامى داخل المؤسسات الدفاعية الأميركية، وإلى أعضاء متعاطفين في الكونغرس، من بينهم السيناتور ليندسي غراهام، فضلا عن مجموعات ضغط مؤيدة لإسرائيل. وسعت هذه الأطراف إلى إعادة ضبط نهج الإدارة، فنجحت في إيصال هواجسها إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، ثم إلى الرئيس ترمب نفسه، الذي تربطه علاقة عمل وثيقة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وأسهمت هذه التحركات في بلورة مخرج وصفه مراقبون للشأن السوري بالتسوية، إذ منح اتفاق 30 يناير “قوات سوريا الديمقراطية” تنازلات أقل مما تضمنته مسودة 4 يناير، غير أنها فاقت ما عرض عليها في مقترح 18 يناير.
في ميونيخ، عقد ممثلو “قسد” سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى مع شخصيات فاعلة، شملت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والسيناتور ليندسي غراهام، ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول. ووصف الرئيس ماكرون مظلوم عبدي وقواته بـ”مقاتلي الحرية” وقرن ذلك بدعوته إلى استمرار الدعم. وتردد صدى كلمات ماكرون في قرار البرلمان الأوروبي الصادر في 12 فبراير/شباط، الذي جدد تأكيد دعمه حماية الحقوق المدنية والتعليمية لأكراد سوريا والاعتراف الكامل بها. كما طرحت فرنسا نفسها، إلى جانب الولايات المتحدة، ميسرا رئيسا للمسار الدبلوماسي، مساهمة في صياغة ترتيبات تفضي إلى الاندماج في هياكل الدولة بالتوازي مع ضمان الحقوق الكردية.
حمل الاجتماع الأميركي السوري في ميونيخ ثقلا رمزيا كبيرا، إذ جلس وزير الخارجية ماركو روبيو قبالة نظيره السوري أسعد الشيباني، وقائد “قسد” مظلوم عبدي، وأعضاء وفديهما. ورغم التكتم على فحوى المباحثات، أكد المبعوث الأميركي الخاص توم باراك أهمية اللقاء عبر منصة “إكس”، واصفا إياه بأنه “صورة تغني عن ألف كلمة.. بداية جديدة”.
لفت الأنظار أيضا حضور مظلوم عبدي والمسؤولة في “قسد” إلهام أحمد بصفة مستقلة، لا ضمن وفد سوري موحد. ومع ذلك، شاركا في اجتماعات مشتركة مع روبيو، وأعضاء في مجلس الشيوخ، ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان. وسعى عبدي إلى تقديم نفسه للأطراف الدولية شريكا برغماتيا ومسؤولا، متبنيا نبرة اتسمت بضبط النفس وروح المصالحة.
وفي حين لم يصدر عن أنقرة رد رسمي، شنت وسائل إعلام تركية هجوما حادا على قرار السماح لعبدي بالسفر إلى ميونيخ والمشاركة في المؤتمر، إذ لا تزال تركيا تصنف “قسد” منظمة إرهابية وامتدادا لـ”حزب العمال الكردستاني”، بصرف النظر عن الاتصالات الجارية معها. وأثار حضور رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن في ميونيخ تكهنات حول احتمال عقد لقاء خاص مع عبدي، وهي تقارير يصعب الجزم بها في غياب أدلة ملموسة تؤكد حدوثها.
بعد تراجعها أمام تقدم القوات الحكومية السورية، وانحسار نفوذها في جيب ترابي يتركز حول الحسكة وعين العرب كوباني، بدا أن “قسد”، التي طالما اعتُبرت في وقت سابق الرابح الأكبر من النزاع السوري، قد تعرضت لانتكاسة حاسمة. غير أن قراءة متأنية توحي بصورة أكثر تعقيدا؛ إذ ضمن الأكراد اعترافا رسميا بهم فاعلا سياسيا وعسكريا، وأدرج مفهوم “المناطق الكردية” ضمن الأطر المرجعية الرسمية. وتدار الحسكة اليوم على يد مسؤول كردي، ما يعزز موقعها كمنطقة كردية، كما شكلت أربعة ألوية في الجيش السوري من مقاتلي “قسد” السابقين، احتفظت بهياكلها القيادية وسلاحها، وانتشرت في مناطق ذات أغلبية كردية تشمل ديريك والقامشلي والحسكة وكوباني.
على المستوى المؤسسي، اعتُرف بالكردية لغة وطنية، ونالت المجتمعات الكردية امتيازات تعليمية. ويقارب هذا الترتيب النموذج القائم في العراق، مع اختلاف جوهري في ظروف سوريا من حيث التماسك العرقي وغياب منطقة كردية موحدة ومتصلة جغرافيا.
أما تركيا، بوصفها فاعلا مركزيا في الملف السوري، فبعدما خبرت تبعات فراغ السلطة طويل الأمد في سوريا خلال الحرب، فإنها تنشد دولة سورية مستقرة وآمنة، ترتكز إلى حكومة مركزية قادرة على حماية حدودها وأراضيها من المنظمات الإرهابية والجهات الخارجية التي تعمل بلا تفويض.
والحق أنه لولا النفوذ التركي لدى دمشق، لنالت “قوات سوريا الديمقراطية” شروطا أكثر سخاء من تلك التي أقرت في نهاية المطاف. فمنذ البداية، تمسكت أنقرة بحل هذه القوات ونزع سلاحها كليا، وطالب المسؤولون الأتراك بخروج المقاتلين غير السوريين من صفوفها، وقبلوا مبدأ دمج عناصرها في الجيش السوري شريطة أن يجري ذلك على أساس فردي، لا ضمن وحدات عسكرية متكاملة.
من بين هذه الشروط، برز خروج نحو ألف مقاتل غير سوري من الأراضي السورية باتجاه شمال العراق بوصفه الخطوة الملموسة الوحيدة التي نفذت حتى الآن. ومع ذلك، تجنبت أنقرة تصعيد هذه المسألة علنا أو ممارسة ضغط مكثف في هذه المرحلة، إذ توازن القيادة التركية بين سياساتها في سوريا وانعكاساتها الداخلية، ولا سيما فيما يتصل بتعاملها مع “قسد” والقضية الكردية عموما، على ضوء مسار السلام الجاري مع الأطراف الكردية داخل تركيا.
بناء على ذلك، تحول الملف السوري إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي التركي وأصبح عاملا مؤثرا في السياسة الداخلية، خصوصا مع اقتراب انتخابات 2027، حيث يسعى “حزب العدالة والتنمية” الحاكم إلى توسيع قاعدته الانتخابية الكردية عبر إحراز تقدم في مسار السلام.
سيعتمد المسار المقبل إلى حد كبير على كيفية تنفيذ الاتفاقات بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية”، رغم استمرار التباين في تفسير بنودها، وهو تباين وصفه قائد “قسد” مظلوم عبدي بأنه خلاف في المصطلحات لا في الجوهر. ويطرح سؤال آخر لم يحسم بعد، يتعلق بإمكان إدراج هذه الترتيبات ضمن الإطار الدستوري السوري المرتقب وبأي صيغة. فقد دعا مظلوم عبدي وإلهام أحمد في تصريحات علنية إلى دسترة “المرسوم رقم 13” الخاص بالحقوق التعليمية والثقافية الكردية، وشدد عبدي على ضرورة دمج “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية.
غير أن إشارات عبدي الأخيرة إلى “أجزاء كردستان الأربعة” سوريا وتركيا والعراق وإيران، ودعوته إلى توحيد الأكراد تحت سلطة سياسية مشتركة، تعمق المخاوف القائمة في أنقرة وغيرها.
داخل سوريا، يحمل رد فعل الأغلبية العربية السنية وبقية المكونات من دروز وعلويين وتركمان ومسيحيين تجاه الامتيازات التي نالها الأكراد مؤشرات إلى توترات محتملة. ففي الجنوب، يسود بين الدروز قلق حذر، حيث أفسحت المعارك الواسعة المجال لهدوء هش، بينما يراقب قادتهم عن كثب كيفية تعاطي دمشق في نهاية المطاف مع الملف الكردي.
يبرز فارق جوهري بين شمال سوريا وجنوبها في مواقف دول الجوار؛ ففي الشمال تدعم تركيا دمشق في مواجهة “قسد”، بينما قدمت إسرائيل في الجنوب دعما لأطراف درزية معارضة لدمشق.
يبقى التحدي الأكبر أمام دمشق إعادة إعمار بلد أنهكته الحرب وإنعاش اقتصاد متعثر، وهو مسار لن يتقدم من دون معالجة مظالم الأقليات وتسوية النزاعات السياسية العالقة. وستشكل هذه المعادلة الدقيقة اختبارا حاسما للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يواجه مهمة إدارة التوازن بين القوى الداخلية، والعلاقة مع الأقليات، وتشابك مصالح القوى الخارجية في آن واحد.
المجلة
——————————
الهول عطشى.. محطة تحلية مياه حديثة خارج الخدمة
تواجه بلدة الهول، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومترًا شرق مدينة الحسكة، أزمة متصاعدة في تأمين مياه الشرب، رغم وجود محطة تحلية حديثة تُعد من أبرز المنشآت المائية في المنطقة.
المفارقة بين العطش الذي يواجهه السكان يوميًا، ووجود محطة بطاقة إنتاجية كبيرة، تعكس تعقيدات المشهد الخدمي في شمال شرقي سوريا، وسط التحولات الميدانية والإدارية التي شهدتها محافظة الحسكة مؤخرًا.
وتأتي الأزمة في سياق تطورات ميدانية شهدتها مناطق واسعة من محافظة الحسكة، تمثلت في سيطرة الجيش السوري على مساحات من الريف، مقابل انحسار وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن المدن الرئيسة وبعض الأرياف.
وانعكس هذا التغير في خارطة السيطرة مباشرة على منظومة الخدمات، ومنها قطاع المياه، نتيجة تعطل بعض خطوط النقل والانقطاع الجزئي بين مصادر المياه والمناطق المحتاجة إليها.
من شبكة مركزية إلى صهاريج خاصة
قبل عام 2011، اعتمدت بلدة الهول على شبكة مياه مركزية تُغذّى من مدينة الحسكة عبر خطوط نقل رئيسة، ما وفّر استقرارًا نسبيًا في الإمدادات. إلا أن الشبكات تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات النزاع، وتوقفت تدريجيًا عن العمل، ما دفع الأهالي إلى البحث عن بدائل.
ومع توقف الضخ، تحولت غالبية الأسر إلى الاعتماد على صهاريج مياه خاصة تنقل المياه من آبار منطقة تل براك في ريف الحسكة. ورغم أن هذا الحل وفر موردًا مؤقتًا، فإنه حمّل السكان أعباء مالية متزايدة، خصوصًا مع تذبذب أسعار المحروقات.
ومع انسحاب “قسد” من البلدة والمخيم الذي يحمل اسمها، شهدت أسعار الوقود ارتفاعًا انعكس مباشرة على تكلفة نقل المياه. ووصل سعر الخزان الواحد، بحسب الأهالي، إلى نحو 70 ألف ليرة سورية (الدولار يقابل 11700 ليرة)، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر، في ظل تراجع الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
“ندفع ثمن الماء أكثر من الطعام”
قال علي الأحمد، أحد سكان البلدة، إن عائلته المؤلفة من سبعة أفراد تحتاج إلى خزانين (متر مكعب لكل خزان) أسبوعيًا، مضيفًا أن “المبلغ الذي ندفعه للمياه أصبح يوازي تقريبًا ما نصرفه على الطعام”.
وأوضح لعنب بلدي أن كثيرًا من العائلات باتت تقلص استهلاكها للمياه إلى الحد الأدنى، وتؤجل بعض الاستخدامات المنزلية لتقليل الحاجة إلى شراء صهاريج إضافية، ما ينعكس على النظافة والصحة العامة.
بدورها، أشارت عائشة العبد، وهي من سكان الريف القريب، إلى أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع السعر، بل تشمل أيضًا صعوبة الحصول على المياه في بعض الأيام نتيجة الضغط الكبير على الصهاريج المتوفرة.
وأضافت: “بعض الأسر تنتظر عدة أيام حتى يصل دورها، وأحيانًا نضطر إلى الاستدانة من الأقارب أو الجيران لشراء خزان ماء”، معتبرة أن الأزمة باتت “همًا يوميًا” يضاف إلى أعباء المعيشة.
صهاريج بين كلفة التشغيل وتقلب الأسعار
أوضح “سليمان”، وهو صاحب صهريج خاص، أن ارتفاع سعر الخزان مرتبط بزيادة أسعار المحروقات وتكاليف الصيانة.
وقال إن نقل المياه من آبار تل براك إلى بلدة الهول يتطلب قطع مسافة طويلة نسبيًا، ما يعني استهلاكًا أكبر للوقود. وأضاف أن “سعر 70 ألف ليرة لا يحقق هامش ربح كبير كما يعتقد البعض، بل بالكاد يغطي المصاريف”.
وبيّن أن عدد الصهاريج العاملة في المنطقة محدود، وأن الطلب ازداد مؤخرًا مع تعطل بعض المصادر المحلية، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على المزودين ويؤدي أحيانًا إلى تأخير التسليم.
محطة تحلية متطورة.. خارج الخدمة المحلية
في مقابل هذه المعاناة، تبرز محطة تحلية المياه التي تديرها منظمة “أطباء بلا حدود” (منظمة طبية إنسانية دولية)، بوصفها أحد أهم المرافق الحيوية في المنطقة.
وتتمتع المحطة بطاقة إنتاجية تتراوح بين 500 و600 متر مكعب يوميًا، وتنتج مياهًا مطابقة لمعايير الشرب.
وخلال السنوات الماضية، لعبت المحطة دورًا في تلبية احتياجات مخيم الهول، الذي يضم آلاف القاطنين، إذ وفرت مصدرًا ثابتًا نسبيًا للمياه المعالجة.
وبحسب المعلومات المتاحة، جرى تحويل المحطة للعمل بالطاقة الشمسية عبر منظومة من الألواح وبطاريات الليثيوم، ما خفّض تكاليف التشغيل، وجعلها نموذجًا لمشاريع الاستدامة في البيئات الهشة.
مصدر: المحطة قادرة على دعم البلدة
قال مصدر من داخل منظمة “أطباء بلا حدود”، طلب عدم ذكر اسمه لعدم تخويله بالتصريح الإعلامي، إن المحطة “من الناحية الفنية قادرة على إنتاج كميات كافية لتغطية احتياجات إضافية، في حال توافرت الترتيبات الإدارية واللوجستية المناسبة”.
وأوضح أن تشغيل المحطة يعتمد حاليًا على خطة توزيع مرتبطة بالمخيم الذي كاد يخلو من القاطنين بعد نقلهم إلى شمالي حلب، وأن أي توسيع لنطاق الاستفادة يتطلب تنسيقًا مع الجهات المحلية وضمانات تتعلق بإدارة الشبكات وخطوط النقل.
وأضاف أن التحول إلى الطاقة الشمسية خفّض العبء المالي للتشغيل، إلا أن استمرار العمل على المدى الطويل يحتاج إلى بيئة مستقرة وتفاهمات واضحة بين الأطراف المعنية.
تعقيدات إدارية وفجوة تنسيق
المحامي عبد الله الأحمد قال، في حديث إلى عنب بلدي، إن الأزمة في الهول لا تتعلق بغياب الموارد بقدر ما ترتبط بتعقيدات إدارية وفجوة في التنسيق بين الجهات التي كانت تدير المنطقة سابقًا والجهات الحالية.
وأضاف أن تغير خارطة السيطرة أفرز تحديات تتعلق بإعادة ربط المرافق الحيوية بالشبكات الرسمية، وإصلاح خطوط النقل المتضررة، إضافة إلى ضرورة الاتفاق مع المنظمات الدولية العاملة في المنطقة حول آليات الاستفادة من منشآتها.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو بلدة الهول نموذجًا لحالة أوسع في شمال شرقي سوريا، حيث تتداخل الاعتبارات الخدمية مع التحولات السياسية، ما ينعكس مباشرة على حياة السكان.
دعوات لتدخل عاجل
طالب عدد من أهالي البلدة، عبر عنب بلدي، بتدخل عاجل من الجهات الحكومية المعنية ووزارة الطاقة، إلى جانب الجهات المانحة، للتوصل إلى تفاهم مع منظمة “أطباء بلا حدود” يتيح الاستفادة من محطة التحلية في تغذية البلدة والريف المحيط بمياه صالحة للشرب.
ويؤكد السكان أن تشغيل المحطة لصالح البلدة سيخفف العبء المالي عنهم، ويقلل الاعتماد على الصهاريج الخاصة، ويحد من المخاطر الصحية المرتبطة بتخزين المياه لفترات طويلة.
ووسط الضغوط الاقتصادية المتزايدة، تبدو أزمة المياه في الهول اختبارًا لقدرة الجهات المعنية على إدارة مرحلة انتقالية معقدة، وضمان استمرار الخدمات الأساسية بعيدًا عن التجاذبات.
وبين محطة تحلية تعمل بالطاقة الشمسية، وصهاريج تجوب الطرقات بأسعار مرتفعة، يبقى سكان الهول عالقين بين واقع تقني واعد، وحاجة يومية ملحّة إلى ماء يكفي للشرب والحياة.
———————-
===================
تحديث 18 شباط 2026
——————————
الكُرد والدولة السورية: قراءة في الاقتصاد السياسي لفشل مقاربة «المواطنة أولاً»/ مسلم عبد طالاس
17-02-2026
يميل جزء متزايد من النقاش السوري اليوم إلى اختزال الخروج من المأزق الوطني في استعادة «شكل الدولة»: مؤسسات موحدة، وقوانين مركزية، وخطاب مواطنة متساوية، ودستور جامع. يُقدَّم هذا المسار بوصفه الطريق الطبيعي لإنهاء سنوات الحرب والانقسام. وعلى الرغم من الوجاهة الأخلاقية اللافتة في هذا الطرح فإنه يُغفل سؤالاً سياسياً جوهرياً، يعود في جذوره إلى الاقتصاد السياسي: من يملك القدرة الفعلية على تعطيل هذا المشروع أو إنجاحه؟
في الواقع لا تُبنى الدول بمجرد إعلان النوايا أو صياغة القواعد (أي مجمل مؤسسات الدولة) رغم الأهمية الكبيرة لذلك كله، بل تُبنى حين تُصبح هذه القواعد قابلة للتطبيق دون مقاومة واسعة – سواء أكانت مقاومة عنيفة أم سلمية – تُعطل تطبيق القواعد كلياً أو تُشوه وتُحرِّف عملية التطبيق عن الغاية الأصلية. وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت القواعد (المؤسسات) منسجمة مع توازنات القوة القائمة في المجتمع. هنا بالضبط تبرز أهمية مفهوم التسوية السياسية، الذي نظّر له مشتاق خان، أي التفاهم الضمني أو الصريح الذي يربط بين ما تمتلكه الفئات المختلفة من قوة فعلية، وبين ما تحصل عليه من نفوذ ومكاسب داخل نظام الحكم الجديد أو القائم. بالطبع لا تعني التسوية السياسية هنا مجرد صفقة آنية لتقاسم النفوذ، إنما هي ترتيب قابل للاستدامة، يربط بين توزيع القوة من جهة، وبين قواعد الحكم وتدفق الموارد والقدرة على الإنفاذ من جهة أخرى. فالتسوية التي لا تُنتج حداً أدنى من الاستقرار الاقتصادي والوظيفي سرعان ما تنهار، حتى لو بدت متوازنة سياسياً في لحظتها الأولى.
في سوريا، لم تعد القوة مركّزة في يد جهة واحدة منذ زمن طويل. هناك مناطق تدار أمنياً وإدارياً من قبل سلطات محلية، وهناك جماعات تمتلك القدرة على التعبئة أو التعطيل أو حتى العنف، سواء استندت إلى السلاح أو إلى التنظيم الاجتماعي أو إلى السيطرة على الموارد. تجاهل هذه الوقائع والانتقال مباشرة إلى خطاب «المواطنة المتساوية» لا يلغيها، بل يدفعها إلى مقاومة المشروع الجديد بطرق مختلفة.
لنفهم هذا الأمر بصورة أوضح، يُمكن النظر إلى الحالة الكُردية لا بوصفها استثناءً، رغم خصوصيتها، إنما كنموذج يُعري الخلل في المقاربة السائدة. فحين يُقال للكُرد اليوم: «انضمّوا إلى دولة المواطنة السورية»، يُفترض ضمنياً أن هذه الدولة موجودة أو على الأقل قيد التشكل الفعلي. لكن الواقع أن ما يُعرض عليهم ليس دولة مكتملة، بل وعداً مؤجلاً بدولة مستقبلية، يطلب منهم قبلها التخلي عن أدوات قوة قائمة فعلاً.
خلال سنوات الصراع، تشكل في المناطق ذات «الغالبية الكردية» نمط حكم محلي، وبغض النظر عن تقييمنا له سياسياً أو أخلاقياً أو إدارياً. فهناك كوادر تدير البلديات، وقوى أمنية تضبط المجال العام، ومناهج تعليم، وجباية موارد، وتنظيم للخدمات. لم تنشأ هذه البنية صدفة، إنما لبت حاجة السكان إلى حد أدنى من الاستقرار في ظل انهيار الدولة المركزية. وهذا ما منحها شرعية عملية: ليس لأنها «أفضل»، بل لأنها «موجودة وتعمل». ولا يعني ذلك أن هذه الشرعية كانت كاملة أو غير متنازع عليها داخل المجتمع المحلي نفسه، لكنها كانت كافية لخلق شعور واسع بأن تفكيك القائم دون بديل واضح قد يكون أكثر كلفة من الاستمرار فيه. ففي سياقات عدم اليقين، غالباً ما يتقدم منطق تقليل الخسارة على منطق الاختيار المثالي.
حين يُطلب من هذا الفاعل أن يُذيب هذه البنية في دولة مركزية لم تتشكل بعد، من دون ضمانات واضحة حول موقعه ودوره وشكل تقاسم السلطة لاحقاً، فإن الرفض أو التردد يُصبح سلوكاً عقلانياً. فالتنازل عن السيطرة الأمنية أو الإدارية أو المالية ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو تخلٍ عن مصادر قوة حقيقية لا يُمكن استعادتها بسهولة إن فشل المسار الجديد. وهذا السلوك لا يقتصر على النخبة السياسية والعسكرية المتحكمة فحسب، فالمجتمع المحلي الذي اختبر الحد الأدنى من الخدمات الذاتية، قد يرى في التنازل عنها لصالح مركز «متخيل» أو غير موثوق، مغامرة بوجوده اليومي وأمنه المباشر، وليس مجرد مناورة سياسية.
يُمكن رؤية هذا الخلل بوضوح في الاتفاقيات الأخيرة التي طُرحت بعد انكماش نفوذ «قوات سوريا الديمقراطية». فهذه الاتفاقيات، في صيغتها العامة، تدعو إلى عودة مؤسسات الدولة المركزية مقابل وعود عامة بالاندماج والمساواة. لكن المشكلة تظهر عند الانتقال إلى التطبيق: من سيُنفذ؟ ومن سيأمر؟ ومن يضمن ألا تتحول العودة إلى إعادة تهميش تدريجية؟ لا سيما أن غياب الضمانات الملموسة يُحولُ «الاندماج» إلى «استسلام إداري»، وهو ما يُعيد إنتاج مآزق تجارب «التسويات» في مناطق سورية أخرى، حيث تحولت العودة الشكليّة لمؤسسات الدولة إلى غطاء لهشاشة أمنية وتصفيات صامتة، بدلاً من أن تكون بوابة لمواطنة حقيقية.
على سبيل المثال، حين يُتفَق على «عودة المؤسسات الخدمية» يبدو الأمر بسيطاً نظرياً، لكنه يعني – عملياً – نقل السيطرة على المدارس والبلديات والموارد من إدارة محلية قائمة إلى جهاز مركزي. السؤال هنا ليس إدارياً، بل سياسيٌّ: ما الذي يحصل عليه الطرف المحلي مقابل هذا التنازل؟ هل يحتفظ بصلاحيات حقيقية؟ هل تُحمى كوادره؟ هل يُعاد إنتاج القرار محلياً أم يُفرغ من مضمونه؟ في غياب إجابات واضحة، يُصبح التنفيذ بطيئاً أو انتقائياً أو شكلياً.
هذا ما تفسّره نظرية التسوية السياسية بدقة. فحين لا يتوافق توزيع المنافع الجديد مع توزيع القوة القائم، ترتفع كلفة الإنفاذ. لا أحد يحتاج إلى إعلان العصيان الصريح؛ إذ يكفي التباطؤ، أو التفسير المرن، أو الامتناع غير المعلن، حتى تتآكل الاتفاقية من الداخل. لذلك فإن فشل التطبيق هنا بنيوي لا تقني.
المشكلة نفسها تتكرر مع مفهوم المواطنة. فالمواطنة ليست مجرد مساواة قانونية على الورق، بل علاقة بين فرد ودولة قادرة على فرض القواعد وحمايتها. حين لا تحتكر الدولة القوة، تُصبح المواطنة وعداً أخلاقياً بلا ضمانات. ولهذا يبدو خطاب «تعالوا إلى دولة المواطنة» بالنسبة لبعض الفاعلين أشبه بطلب القفز في الفراغ.
هذا لا يعني أن المواطنة فكرة خاطئة أو غير مرغوبة، بل يعني أن ترتيبها في المسار السياسي مهم. فالمواطنة لا تُبنى قبل التسوية السياسية، إنما بعدها، لأنها ثمرة استقرار نسبي، لا أداته. والدول التي نعرفها اليوم لم تبدأ بدساتير مثالية، بل بتفاهمات واقعية بين قوى متصارعة، ثم تحولت هذه التفاهمات تدريجياً إلى مؤسسات وقواعد عامة. يخبرنا التاريخ السياسي أن الدساتير لا تخلق واقعاً من العدم، فما هي إلا «تأطير قانوني» لموازين قوى تم التوافق عليها مسبقاً. لذا، فإن محاولة فرض المواطنة كمدخل للحل، هي محاولة لوضع العربة أمام الحصان؛ فالمواطنة هي العقد الذي يوقعه الشركاء بعد أن يتفقوا على حصصهم في السلطة والموارد، وليست الصك الذي يتنازلون بموجبه عن وجودهم. المشكلة، إذاً، ليست في مبدأ المواطنة ذاته، بل في تحويله إلى نقطة انطلاق بدل أن يكون أفقاً سياسياً. فالمواطنة تصلح كمعيار لتوجيه التفاوض وضبط نتائجه، لكنها تفقد معناها حين تستخدم كبديل عن التفاهم على شروط السلطة وتقاسمها.
البديل الواقعي في سوريا لا يقوم على شرعنة الانقسام، ولا على تكريس كيانات الأمر الواقع، إنما على الاعتراف المؤقت بتوزيع القوة كما هو، والتفاوض عليه بدل إنكاره. أي الانتقال من سؤال: «كيف نعيد الدولة كما يجب أن تكون؟» إلى سؤال: «كيف نبني دولة يُمكن أن تعمل الآن، ولو كانت ناقصة؟».
في الحالة الكُردية، يعني ذلك تفاوضاً صريحاً حول اللامركزية، والصلاحيات المحلية، وضمانات المشاركة، لا الاكتفاء بدعوة عامة للاندماج. ويعني أيضاً الاعتراف بأن التخلي عن القوة يجب أن يكون تدريجياً ومقابلاً لبناء ثقة حقيقية، لا خطوة أولى في مسار غير مضمون.
إن الإصرار على استكمال شكليات الدولة – قبل إنجاز تسوية سياسية مع الفاعلين الحقيقيين في المجتمع السوري – لا يعكس قوة المشروع، بل هشاشته. فالدولة التي تُبنى ضد توازنات القوة لا تعيش طويلاً، أمّا تلك التي تُبنى عبر تسوية واقعية، حتى لو كانت غير مثالية، فإن لها فرصة أن تتطور.
بهذا المعنى، لا تكشف الحالة الكردية مشكلة «كردية» بقدر ما تكشف مأزقاً سورياً عاماً: لا يُمكن بناء دولة المواطنة عبر القفز فوق السياسة والاقتصاد السياسي. فالمواطنة ليست هبة تمنحها الدولة المركزية لرعاياها، وإنما هي منتج سياسي يولد من رحم التفاوض الشاق بين قوى المجتمع الحية. وبناء الدولة في سوريا لن يبدأ من استعادة هيبة المكاتب والوزارات، بل من شجاعة الاعتراف بالفاعلين على الأرض والوصول معهم إلى تسوية تضمن أن يكون الوطن مكسباً للجميع، لا فخاً يتطلب التخلي عن أدوات البقاء. الدولة لا تُبنى عندما تطلب من الفاعلين التخلي عن مصادر قوتهم باسم وعد أخلاقي، بل عندما تجعل هذا التخلي أقل كلفة من الاحتفاظ بها. وعندها فقط، تتحول المواطنة من خطاب جميل إلى واقع قابل للحياة.
موقع الجمهورية
——————————
الخروج من “روجافا”/ بسام القوتلي
فبراير 18, 2026
يقول أحدهم: “العزلة عدو التطور. فهي، بإبقائنا منفصلين، تعيق الآفاق الإنسانية”. رغم الاختلاف الجوهري بين وضع الكرد في سوريا ووضعهم في إقليم كردستان العراق، سواء من حيث الجغرافيا أو الديموغرافيا أو السياق السياسي التاريخي، تبنّت الأحزاب الكردية السورية، خلال العقود الماضية، نموذجاً مستوحى إلى حد كبير من تجربة إخوتهم في العراق.
هذا التبني لم يكن مجرد استلهام إداري أو ثقافي، بل تجسّد في السعي إلى فرض سيطرة سياسية وعسكرية على رقعة جغرافية واسعة ومتصلة، وكأن الكرد في سوريا يشكلون أغلبية واضحة في إقليم متجانس، وهو افتراض لم يكن قائماً في الواقع السوري.
الكرد في سوريا لم يتركزوا تاريخياً في منطقة واحدة متصلة جغرافياً، بل توزعوا على مناطق متعددة، يختلطون فيها مع عرب وسريان وآشوريين وتركمان وغيرهم. ومع ذلك، جرى التعامل مع الجغرافيا السورية الشمالية الشرقية وكأنها قابلة لإعادة التشكيل على أساس سيطرة قومية مغطاة بشعارات أخوة الشعوب.
انتهت هذه التجربة بسيطرة قوات كردية على مناطق يشكل فيها الكرد أقلية سكانية، ما خلق فجوة عميقة بين السلطة القائمة من جهة، والمجتمع المحلي من جهة أخرى. ورغم أن جزءاً من هذه المجتمعات أظهر في العلن قدراً من التماهي أو القبول القسري مع هذه السلطة، إلا أن الرفض الحقيقي ظل كامناً، ويتجلى في غياب الشرعية المجتمعية العميقة لأي نموذج حُكم فُرض بقوة الأمر الواقع.
فشلت هذه السلطات في تقديم نموذج حكم قادر على تحقيق طموحات السوريين، ليس فقط بسبب التحديات الخارجية والحصار والتهديدات الأمنية، بل أيضاً بسبب طبيعة المشروع نفسه. فالشعارات البراقة حول الديمقراطية القاعدية، وحقوق المرأة، والتعددية، لم تُترجم إلى عقد اجتماعي جامع، بل بقيت محصورة ضمن إطار أيديولوجي ضيق، غالباً ما استُخدم لتبرير احتكار القرار السياسي والأمني، وإقصاء الأصوات المخالفة، سواء كانت كردية أو غير كردية.
في الوقت ذاته، ساهمت هذه السلطة في إحياء شعور قديم لدى شريحة من الكرد بإمكانية تحقيق الحلم القومي المؤجل: إنشاء كيان كردي مستقل أو شبه مستقل، تعويضاً عن مشاريع قومية لم تتحقق بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. غير أن هذا الحلم، رغم مشروعية أسبابه التاريخية، اصطدم بواقع دولي وإقليمي مختلف جذرياً. فبينما تتجه دول كثيرة في العالم اليوم نحو أشكال أوسع من الاندماج، والتكتلات الاقتصادية، وتخفيف حدة الدولة القومية الصلبة، ما تزال منطقتنا أسيرة نموذج الدولة القومية المغلقة، وهو نموذج انعكس تاريخياً كتمييز ممنهج ضد الكرد، الذين لا يشكلون أغلبية في أي من الدول التي يعيشون فيها.
هذا الواقع دفع بالكرد إلى التشبث بمشروع قومي بات، في كثير من جوانبه، متجاوزاً للزمن، وغير قادر على تقديم إجابات عملية لأسئلة الحاضر والمستقبل. فالمشكلة لم تكن يوماً في الهوية الكردية بحد ذاتها، بل في حصرها داخل إطار سياسي واحد، يُقدَّم كحل وحيد، ويُغلق الباب أمام بدائل أكثر شمولاً وعدالة.
اليوم، ومع بدء الحديث الجدي عن دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، وصدور المرسوم رقم ١٣ القاضي بالاعتراف بالتنوع السوري، تبرز فرصة تاريخية نادرة أمام السوريين جميعاً. فرصة للقيام بما عجزت عنه الأجيال السابقة: بناء سوريا تتسع لكل أبنائها، لا تُعرّف نفسها من خلال هوية واحدة مهيمنة، ولا تحتكرها جماعة لصالحها، بل تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، والاعتراف الصريح بالتعدد القومي والثقافي والديني.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحفاظ على “روجافا” ككيان شبه منفصل، بل في الخروج منها باتجاه سوريا. أي إخراج الكرد من العزلة السياسية والجغرافية، وإدخالهم في الفضاء السوري العام، ليس كمواطنين من الدرجة الثانية، ولا كأقلية بحاجة إلى وصاية، بل كأصحاب أرض وتاريخ، ينتمون إلى هذه البلاد في أي مكان يختارون العيش فيه، من القامشلي إلى اللاذقية، ومن عفرين إلى درعا.
سوريا المستقبل لا يمكن أن تُبنى عبر مشاريع انعزالية، مهما كانت نواياها، بل عبر عقد وطني جديد يحتفي بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديد. وفي هذا السياق، فإن تحرير القضية الكردية من أسر الجغرافيا الضيقة، وربطها بالمشروع السوري الجامع، قد يكون الخطوة الأكثر جرأة، والأكثر واقعية، نحو عدالة طال انتظارها، وسلام مستدام لم يعرفه السوريون بعد.
الثورة السورية
———————-
تسوية عناصر “قسد” بإشراف الداخلية السورية: اندماج عسكري بشكل فردي/ محمد كساح
2026.02.18
كشفت مصادر عسكرية مطلعة لموقع “تلفزيون سوريا” أن وزارة الدفاع بصدد تنفيذ بند الاندماج الفردي لعناصر “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن الفرقة العسكرية المتفق عليها، التابعة للمؤسسة العسكرية السورية، بشكل فردي.
وربطت المصادر بين اقتراب تنفيذ الاندماج مع افتتاح وزارة الداخلية مراكز لتسوية أوضاع عناصر “قسد” في محافظات عديدة، كان آخرها افتتاح مركز في محافظة إدلب.
واعتبرت المصادر أن التسوية التي يفترض أنها ستنتهي مع بداية آذار الماضي القادم جاءت كخطوة ممهدة لعملية دمج العناصر بشكل فردي، وهي فكرة طالما أكدت عليها وزارة الدفاع حيث كان رفض انخراط “قسد” ككتلة ضمن الجيش قاطعاً، خلال عمليات التفاوض السابقة التي جرت بين دمشق و”قسد”.
ووفقاً للمصادر العسكرية، تحمل فكرة مراكز التسوية دلالات واضحة ورسائل سياسية لـ “قسد”، مشيرة إلى أنها تعزز فكرة أن الاندماج اللاحق لن يكون ككتل عسكرية بل كأفراد.
ورغم توقع المصادر العسكرية عدم انخراط النسبة الأكبر من عناصر “قسد” في التسويات المعلن عنها واقتصارها على بعض العناصر العربية وعدد ممن انضم لـ “قسد” بعد خروجه من إدلب، مثل مجموعة أبي علي برد، إلا أن فكرة التسوية ترسل رسالة سياسية تعبر عن قراءة مختلفة للحكومة السورية لبعص بنود الاتفاق، وبالأخص فكرة أن الانتساب للألوية سيكون فردياً.
وتوقعت المصادر أن “قسد” ستقدم لوائح بأسماء عناصر الألوية التي ستتشكل بحسب الاتفاق، تنفيذاً لقراءتها المختلفة لبند الاندماج العسكري الذي صرح مظلوم عبدي بأنه سيكون لوحدات كاملة من قواته.
وتوحي القراءات المختلفة لبند الاندماج بالغموض الذي يكتنف تفاصيله، في حين لم تقدم المصادر العسكرية التابعة للجيش السوري التي تواصل معها موقع “تلفزيون سوريا” إجابات واضحة حول الكيفية التي سيكون فيها الاندماج فردياً بينما ينص الاتفاق على تخصيص أربعة ألوية كاملة لعناصر “قسد”.
وفضّل مسؤول رفيع في “قسد” عدم الإجابة عن تساؤلات موقع “تلفزيون سوريا” حول هذه التساؤلات وموقف قسد من مراكز التسوية التي افتتحتها الحكومة، مكتفياً بالقول إن الاتفاق “ينفذ وفق المطلوب”.
رمزية إدلب
من جانب آخر، أشارت المصادر العسكرية في تعليقها على افتتاح مركز للتسوية في إدلب بأنه بقدر ما هو متعلق بالعناصر العربية من أبناء المحافظة التي كانت منخرطة في صفوف “قسد”، غير أنه يحفز بعض العناصر الراغبة في تسوية وضعها ضمن بيئة مستقرة أمنياً مثل إدلب، بخلاف المحافظات الأخرى التي دخلتها الدولة حديثاً والتي قد تشهد بعض الفوضى الأمنية.
وأضافت المصادر أن مؤسسات الدولة في الرقة والحسكة وجزء من دير الزور ما تزال قيد التأسيس، فضلاً عن أن القوى الأمنية المنتشرة فيها تعمل ميدانياً ولا تمتلك بنية تحتية ومكتبية خاصة بعكس محافظة إدلب، التي توفر فرصة مريحة للعناصر الراغبين في القدوم إلى المحافظة لتسوية أوضاعهم ومن ثم الحصول على وظائف عسكرية أو أمنية في وقت لاحق.
أين افتتحت مراكز التسوية؟
وقبل أيام، حددت وزارة الداخلية السورية المهلة النهائية لتسوية أوضاع عناصر “قسد” في محافظات حلب وإدلب ودير الزور والرقة، حتى الأول من آذار المقبل.
ودعت الوزارة جميع المعنيين إلى مراجعة المراكز المختصة قبل انتهاء المهلة لاستكمال إجراءات التسوية والحصول على الوثائق الرسمية، مؤكدة أن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المناطق المعنية.
وسبق أن أعلنت الوزارة، في 26 من كانون الثاني الماضي، تخصيص مركزين لاستقبال طلبات تسوية أوضاع العناصر العاملين مع “قسد” في محافظتي دير الزور والرقة، تمهيداً لتسليم أسلحتهم ومعداتهم، موضحة أن هذه المراكز جاءت “بهدف تمكينهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية وتعزيز الاستقرار في المنطقة”.
وتلا هذه الخطوة إجراء مماثل في إدلب، حيث أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة إدلب، في 14 من شباط الجاري، بدء استقبال عناصر “قسد” الراغبين في تسوية أوضاعهم، وذلك ضمن المركز المخصص في مدينة إدلب، وطلبت من الراغبين بالمراجعة إحضار أسلحتهم وكل الوثائق ذات الصلة لتسليمها أصولاً، تحت طائلة المسؤولية.
ألف عنصر من قسد خارج سوريا
وتوحي الخطوات الميدانية العديدة التي قامت بها كل من الحكومة السورية و”قسد” بخصوص ملف الجزيرة، بأن الاتفاقيات بين الطرفين تسير دون عوائق كبيرة، الأمر الذي يحفز دمشق على الاستمرار في التسوية السلمية للملف دون اللجوء إلى الحسم العسكري.
وفي هذا السياق، أكدت المصادر العسكرية لموقع “تلفزيون سوريا” أن عدداً كبيراً من القيادات والعناصر التابعة لـ “قسد” وحزب “العمال الكردستاني” غادرت الأراضي السورية مؤخراً نحو إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أن عددهم تجاوز الألف شخصاً، وهي خطوة تعزز من القبول التركي بالاتفاق وترضي جميع الأطراف.
وفي هذا السياق، كشف مصدر مطلع على الملف مقرب من الحكومة التركية لموقع “تلفزيون سوريا” أن أنقرة لا تمانع الاتفاقيات الأخيرة بين دمشق و”قسد” طالما أنها لا تتجاوز الخطوط الحمراء التي تشمل بقاء الكوادر الأجنبية في الجزيرة السورية وانخراط “قسد” ككتلة ضمن الجيش السوري.
وينص الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية و”قسد”، في 29 من كانون الثاني الماضي، على وقف إطلاق نار دائم وشامل وإيقاف كل عمليات الاعتقال والمداهمات بناء على الأحداث الأخيرة، والانسحاب العسكري من مدينتي الحسكة والقامشلي لقوات “قسد” إلى الثكنات العسكرية المتفق عليها، مقابل انسحاب الجيش السوري إلى بلدة الشدادي جنوب الحسكة فوراً.
ويتضمن الاتفاق أيضاً تشكيل فرقة عسكرية لمحافظة الحسكة من قبل وزارة الدفاع السورية، مع دمج قوات “قسد” ضمن ثلاثة ألوية، ودمج القوة العسكرية في عين العرب “كوباني” ضمن لواء يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب.
——————————
سوريا: مخيم الهول… مؤقّت بلا نهاية/ حنان الأحمد
«هي الأمم المتحدة ليش عملت وكالة الغوث؟ مش عشان اللاجئين المقطعين اللي زينا؟! بس عاد حتى تغيث اللاجئين.. مش لازم يكون في لاجئين؟!». قد يبدو هذا الحوار، الذي مرّ في مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، قريبا على نحوٍ موجع من واقعنا اليوم. فالاستجابة الإنسانية تحوّلت إلى منظومة قائمة بحد ذاتها: قطاعٌ عابر للجغرافيا، يتبع الأزمات، الطبيعية منها والسياسية، حيثما حلّت، ويعيد إنتاج نفسه مع كل انهيار جديد، مخيمات، برامج إنعاش، حقائب غذائية، دورات تمكين، إلخ.. بنية متكاملة وهيئات ومؤسسات لإدارة الكارثة..
من الطارئ إلى الدائم
في أصلها، تنشأ المخيمات استجابةً طارئة للحظات فشل السياسة، حلولا مؤقتة تعالج أعراض الأزمة بدل جذورها، استجابة مؤقتة حوّلها الزمن تدريجيا إلى نوع من «المؤقت الدائم» فقد شهد التاريخ الحديث إنشاء مخيمات أكثر بكثير مما شهد تفكيكها، وكأنها بمجرد ظهورها تستعصي على الاختفاء، لذا لم يعد من المنطقي التعامل مع المخيمات، على انها «استجابة استثنائية»، أو حالة طارئة، لذا اتجه عدد من الباحثين إلى دراستها كبنية حضرية ناشئة، بل كنواة لمدينة أو بلدة لاحقا، كما حدث في كثير من مخيمات الفلسطينيين في سوريا ولبنان، التي باتت اليوم جزءاً من النسيج العمراني المحيط بها. سعت هذه الدراسات إلى فهم فاعلية اللاجئين أنفسهم في إعادة تشكيل مساكنهم وبيئاتهم، وفق احتياجاتهم وخلفياتهم الاجتماعية والثقافية، كما حاولت تطوير الاستجابة الإنسانية لتكون «أكثر إنسانية واستدامة»، في ظل إدراكٍ متزايد بأن الحلول الجذرية تبدو، في المدى القريب على الأقل، بعيدة المنال. لكن ربما بدل أن نسأل: كيف نبني مخيمات أفضل؟ علينا أن نسأل أولا: لماذا تستمر المخيمات؟ ولماذا تمول بعض الدول الحروب، ثم تموّل هذا الاستجابة الإنسانية لأضرارها الجانبية!
وصفت تقارير دولية عديدة مخيم الهول بأنه أزمة عالمية معلّقة، مكبّ بشري لمشكلة لا تريد أي دولة تحمّل تبعاتها، أزمة مؤجَّلة، تُستخدم كورقة ضغط سياسية
الإنساني المُسيَّس
يُعدّ «مخيم الهول» أحد أبرز الأمثلة التي تستدعي التساؤل، فهو وليد تراكم ثلاث أزمات سياسية كبرى: حرب الخليج، ثم غزو العراق، ثم الحرب على تنظيم «داعش» في العراق وسوريا. يقع المخيم قرب الحدود العراقية، ويحاط بحدود أخرى من الأسلاك الشائكة والخنادق، كما يقسم داخليا بحدود إضافية تفصل بين السوريين والعراقيين وملحق خاص بالأجانب. على مستوى التنظيم الظاهري، يبدو الهول كمخيم ضخم تديره منظمات إنسانية. تتكوّن بنيته السكنية أساسا من خيم مفوضية اللاجئين، موزّعة ضمن ثلاثة أقسام حسب الجنسية، وثماني مناطق خدمية لتسهيل الإدارة والتنظيم الذي يتحوّل في الممارسة إلى بنية احتجاز. فالمخيم يحقق، فعليا، شروط الفضاء السجني حسب أدبيات الجغرافيا السجنية، وأولها النية: فبعد عام 2019 أُغلق المخيم بهدف عزل من اعتُبروا «غير مرغوب بهم»، وعلى رأسهم عائلات مقاتلي التنظيم، ومن ناحية أخرى يحقق شرط الضرر: ليس فقط المادي من تقييد الحرية بشكل كامل ومنع الخروج والدخول، إلا للطوارئ وبعد الموافقة من الإدارة، بالإضافة للفقر والاعتمادية الكلية على المساعدات الإنسانية، بل يمتد الضرر إلى اللامادي أيضا من خلال تعليق حياة الأفراد لسنوات طويلة خارج الزمن، ووضعهم تحت وصمة جماعية طالت الجميع، سواء كانوا لاجئين هاربين من الحرب، أو حتى من ضحايا التنظيم نفسه. أما الشرط الثالث فهو البنية المكانية للاحتجاز، وهو محقق بشكل واضح من خلال الأسوار المرئية في اليومي المعيش للقاطنين، بالإضافة لأبراج مراقبة، بوابات تفتيش، حراسة أمنية وأحيانا حملات دهم داخلية واعتقالات، وأما في ملحق الأجانب، فكان هناك تشديد أمني أكبر وعزل شبه كامل عن العالم الخارجي، حتى حظر وجود الهواتف، وفصل للأطفال عن أمهاتهم بإرسالهم إلى مراكز إعادة تأهيل.
بهذا المعنى، لا يبدو الهول مخيما بقدر ما يشبه سجنا مفتوحا يمتد على نحو أربعة كيلومترات، سجناً يحوي بداخله قرى محاطة بالأسوار، بكثافة سكانية وصلت في ذروتها إلى معدلات تفوق مدنا كبرى مثل مانهاتن ونيويورك بأضعاف. لكن ما فصل الهول عن أن يُسمّى رسميا «سجنا» هو أمر واحد فقط: أنه يُدار تحت مظلة العمل الإنساني! إذ أشرفت على إدارته منظمة «بلومونت» إلى جانب شبكة واسعة من الهيئات الدولية المختلفة، محولين مبدأ «العزل لحماية القاطنين» إلى العزل للحماية منهم! وقد عبّرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب، فيونوالاني أولين، بوضوح عن هذه المفارقة حين قالت في تقريرها: «إن تسمية مخيم، بل حتى مخيم لاجئين أو نازحين، غير ملائمة إطلاقا لوصف ما هو في الواقع سجن مفتوح يُحتجز فيه أشخاص تعسفيا وبصورة جماعية ومن دون أي إجراءات قضائية أو مراجعة قانونية». ومع ذلك، استمرت المنظومة ذاتها في العمل، واستمر التمويل، واستمر الصمت لسنوات.
العدالة المؤجّلة
في الفترة الأخيرة، عاد مخيم الهول إلى واجهة الأحداث مع انتقال السيطرة عليه إلى حكومة دمشق، حيث انقسم الرأي العام بين شيطنةٍ كاملة لكل من فيه، ودعوات عامة للإفراج عنهم. لكن وراء هذا الاستقطاب الحاد، وبعيدا عن البديهيات التي تؤكد أنه لا يمكن اختزال أي جماعة بشرية في حكمٍ مطلق بالخير أو الشر، يبقى سؤالٌ واحد أكثر إلحاحا: لماذا تُرك الهول كل هذه السنوات دون حل؟ لعشر سنوات داخل بيئة قاسية، شحيحة الموارد، مغلقة الأفق، كفيلة وحدها بتشويه أي مسار إنساني أو تأهيلي! اكتفت السلطات بإعلان المخيم منطقة أمنية يُمنع الاقتراب منها، فيما نقلت تقارير متفرقة، أخبارا عن خروج القاطنين الأجانب وتعليق أنشطة الأمم المتحدة في المخيم، واخباراً أخرى عن خطط لنقل ما تبقى إلى مخيم في ريف حلب!
إن كان الجميع مذنبين، فأين المحاكمات؟ وأين حق الضحايا؟ وإن لم يكونوا كذلك، فلماذا الاعتقال الجماعي؟ لماذا لم تُطالب الدول بمحاكمات عادلة لمواطنيها؟ ولماذا لا تضغط لاستعادتهم، علما أن الهول يضم أشخاصا من نحو ستين جنسية حول العالم؟ إلى أين نقلوا؟ ولماذا استمرت الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية بإنفاق ملايين الدولارات سنويا لإدارة المخيم، بدل الضغط الجدي لتفكيكه أو لإيجاد مسارات قانونية وسياسية واضحة؟
وصفت تقارير دولية عديدة الهول بأنه أزمة عالمية معلّقة، مكبّ بشري لمشكلة لا تريد أي دولة تحمّل تبعاتها، أزمة مؤجَّلة، تُستخدم كورقة ضغط سياسية، وكفزّاعة أمنية، ومبرر لاستمرار سياسات استثنائية لا نهاية لها، لأن فتح ملف الهول، سواء عبر التفكيك أو المحاكمات، يعني فتح باب المساءلة على مصراعيه: مساءلة الدول، والتحالفات، والسياسات، بل حتى مساءلة معايير «التدخل الإنساني» نفسها. إلى أي حدّ يبقى الحياد حيادا حين يتحوّل إلى إدارة صامتة للاحتجاز؟ ومتى تصبح المعايير الإنسانية فاعلية سلبية تُبقي الأزمة قائمة بدل أن تُنهيها؟ كيف يمكن لمكان أُنشئ باسم الحماية أن يتحوّل إلى فضاء سجني؟ وكيف تغطّي البُنى الإنسانية، ولو بحسن نية، على فشل سياسي دولي بهذا الحجم؟
لا أتهم أحدا بتواطؤ مباشر. لكن سواء بإدراكٍ أو من دونه، أسهمت هذه المنظومة في استمرار هذا السجن المفتوح عقدا كاملا. فيما يبدو أنه ليس استثناءً، بل مجرد حالة مكثّفة لعالمٍ اختار تنظيم المعاناة وإدارة الأزمات بدل حلّها.
كاتبة سورية
القدس العربي
——————————
لجنة الصحة تبدأ عملها بالحسكة.. نقاشات لدمج قطاع التعليم
باشرت اللجنة المكلفة بمتابعة وتنفيذ إجراءات دمج القطاع الصحي بهيكلية وزارة الصحة بالحكومة السورية عملها في محافظة الحسكة، في حين يجري بحث آليات دمج قطاع التعليم وإحداث مديرية للطوارئ وإدارة الكوارث في المحافظة، في خطوة عملية لتطبيق بنود الاتفاق المبرم في 30 من كانون الثاني الماضي بين الحكومة السورية و”قسد”، والذي نص على دمج المؤسسات المدنية والخدمية ضمن هيكليات الوزارات المركزية في دمشق.
وتأتي هذه التحركات بعد أسابيع من تطورات ميدانية وإدارية شهدتها مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا، أسفرت عن إعادة ترتيب المشهد الإداري في محافظة الحسكة، وبدء الانتقال التدريجي للمؤسسات إلى إشراف الوزارات المعنية في الحكومة السورية.
لجنة الصحة تباشر عملها
أعلن المكتب الصحفي في محافظة الحسكة أن اللجنة المكلفة بمتابعة وتنفيذ إجراءات دمج القطاع الصحي باشرت أعمالها رسميًا، عقب اعتماد آلية الدمج ضمن الهيكلية المعتمدة لدى وزارة الصحة في الحكومة السورية.
ووفق البيان، بدأت اللجنة أولى خطواتها بزيارة إلى مستشفى “القامشلي”، حيث شرعت بتنفيذ خطة العمل التنظيمية في مديرية الصحة، متضمنة توزيع وتثبيت الهيكلية الإدارية للموظفين، وإعادة تنظيم الكوادر الصحية والإدارية وفق الاختصاصات المعتمدة رسميًا.
وتضمنت الإجراءات الأولية إعادة توزيع العاملين على المراكز الصحية والمستشفيات في مختلف مناطق المحافظة، استنادًا إلى معايير تشمل الشهادات العلمية، وسنوات الخبرة، وطبيعة الاختصاص، بهدف سد النقص الحاصل في بعض المراكز، وتحقيق توازن في الكوادر بين المدن والأرياف.
كما أكدت اللجنة أن الموظفين الذين فُصلوا سابقًا لأسباب سياسية أو أمنية من قبل النظام السابق يحق لهم التقدم بطلبات للعودة إلى العمل، على أن يضعوا أنفسهم تحت تصرف مديرية الصحة لاستكمال إجراءات المباشرة، بما يتيح الاستفادة من خبراتهم المتراكمة في القطاع الصحي.
في المقابل، تم تثبيت جميع الموظفين العاملين سابقًا ضمن مؤسسات “الإدارة الذاتية” في القطاع الصحي داخل الهيكلية الجديدة، على أن تخضع عملية توزيعهم لاحتياجات المؤسسات الصحية في المحافظة.
خطوات لتعزيز الجاهزية الطبية
اللجنة أعلنت، كذلك، عن إرسال سيارة إسعاف إلى منطقة 47، بعد وقوع حادث سير، حيث جرى التنسيق بين مستشفى الحسكة ومستشفى الشدادي لنقل المصابين وتقديم الرعاية الطبية اللازمة، في مؤشر على بدء تفعيل آليات التنسيق المشترك بين المؤسسات الصحية ضمن الإدارة الجديدة.
وكان محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، أصدر، في 16 من شباط، قرارًا يقضي بتشكيل لجنة مختصة لمتابعة تنفيذ دمج القطاع الصحي، بعد أيام قليلة من زيارة وزير الصحة، مصعب العلي، إلى المحافظة في 13 شباط، حيث تفقد مستشفيات في مدينتي الحسكة والشدادي، واجتمع مع كوادر مديرية الصحة، في أول زيارة من نوعها منذ توقيع الاتفاق.
مباشرة اللجنة أعمالها ميدانيًا تمثل أول اختبار فعلي لقدرة المؤسسات على الانتقال الإداري السلس، وسط تحديات تتعلق بالبنية التحتية المتهالكة، ونقص بعض التجهيزات الطبية، وضرورة توحيد الأنظمة المالية والإدارية.
بحث دمج التعليم
بالتوازي مع قطاع الصحة، تشهد العملية التعليمية في الحسكة تحركات مماثلة لبحث آلية الدمج ضمن هيكلية وزارة التربية السورية.
وفي تصريح صحفي، قال الرئيس المشترك لـ”هيئة التربية والتعليم” التابعة لـ”الإدارة الذاتية”، عدنان بري، الثلاثاء 17 من شباط، إن الهيكلية الإدارية للمدارس تخضع حاليًا للنقاش مع الجهات الحكومية، ومن المتوقع أن تزور لجان مختصة المنطقة خلال الأسبوع المقبل لبحث آلية المناهج والتعليم.
وأشار بري إلى أن الأحداث السابقة أدت إلى انقطاع عدد من الطلاب عن الدوام المدرسي، ما تسبب بفجوة تعليمية ملحوظة، مضيفًا أن العمل جارٍ على وضع “آليات إسعافية” لتعويض النقص التعليمي، من بينها احتمال اعتبار يوم السبت يوم دوام رسمي مؤقت لتعويض الفاقد.
وتطرح مسألة توحيد المناهج تحديًا إضافيًا، في ظل اختلاف الأنظمة التعليمية التي كانت مطبقة خلال السنوات الماضية، ما يستدعي وضع برامج انتقالية تضمن عدم الإضرار بالطلاب، خصوصًا في المراحل الإعدادية والثانوية.
تحرك لإحداث مديرية طوارئ وإدارة كوارث
وفي سياق متصل، أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، وصوله إلى مدينة الحسكة، الثلاثاء 17 من شباط، برفقة فرق مختصة، لإجراء جولة ميدانية شملت منطقة الشدادي ومخيم الهول ومناطق أخرى في المحافظة.
وأوضح الصالح، عبر منصة “إكس”، أن الزيارة هدفت إلى تقييم الواقع الخدمي والمخاطر القائمة بشكل مباشر، تمهيدًا لإحداث مديرية طوارئ وإدارة كوارث في محافظة الحسكة، بما يعزز الجاهزية ويرفع كفاءة الاستجابة لحالات الطوارئ، ويسهم في حماية الأرواح والممتلكات.
ويأتي هذا التحرك ضمن خطة لربط المحافظة إداريًا بهيكلية وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، في خطوة ضرورية في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة، سواء من حيث البنية التحتية أو المخاطر الإنسانية في المخيمات.
وتشير المعطيات إلى أن إحداث مديرية مختصة بالطوارئ سيشمل تشكيل فرق استجابة محلية، وتجهيز مراكز عمليات، ووضع خطط للتعامل مع الكوارث الطبيعية والحوادث الكبرى، إضافة إلى التنسيق مع القطاع الصحي والدفاع المدني.
اتفاق 30 من كانون الثاني.. الإطار الناظم
يشكل اتفاق 30 من كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد” الإطار الناظم لهذه الإجراءات، إذ نص على دمج المؤسسات المدنية والخدمية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” ضمن هيكليات الوزارات المركزية، مع الحفاظ على استمرارية تقديم الخدمات وعدم إحداث فراغ إداري.
وسبق الاتفاق تطورات ميدانية شهدتها مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا، تمثلت في سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة، مقابل انحسار وجود “قسد” ضمن المدن الرئيسة وبعض الأرياف في محافظة الحسكة، ما مهد لإعادة ترتيب الإدارة المحلية وفتح الباب أمام إعادة هيكلة المؤسسات.
تحديات المرحلة المقبلة
رغم بدء التنفيذ العملي، تواجه عملية الدمج جملة من التحديات، أبرزها الحاجة إلى تمويل كافٍ لإعادة تأهيل البنى التحتية، ومعالجة التفاوت في الرواتب وأنظمة التوظيف، وضمان استقرار الكوادر خلال المرحلة الانتقالية.
كما تبرز مسألة الثقة بين العاملين في المؤسسات المختلفة كعامل مؤثر في نجاح العملية، إلى جانب ضرورة التواصل مع الأهالي لطمأنتهم بشأن استمرارية الخدمات الصحية والتعليمية وعدم تأثرها بعمليات إعادة الهيكلة.
في المحصلة، تمثل مباشرة لجان الدمج أعمالها في قطاعات الصحة والتعليم والطوارئ خطوة تنفيذية أولى لترجمة الاتفاق السياسي إلى واقع إداري، في محافظة عانت لسنوات من تعدد المرجعيات، وسط ترقب شعبي لمدى انعكاس هذه الإجراءات على جودة الخدمات الأساسية خلال المرحلة المقبلة.
عنب بلدي
——————————
الاستخبارات التركية: خطوات استباقية لحماية الحدود السورية
إبراهيم كالن يؤكد دور تركيا في الأمن القومي ويصف سوريا بأنها محور الاستقرار الإقليمي
2026-02-18
أوضح رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم كالن، أن بلاده اتخذت خطوات استباقية نجحت في منع تشكل أي تهديدات جديدة لأمنها القومي على طول الحدود مع سوريا، وذلك ضمن متابعة التطورات بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وجاء ذلك في مقدمة التقرير السنوي لأنشطة جهاز الاستخبارات لعام 2025، الصادر يوم الثلاثاء، حيث أكد كالن أن الجهاز تعامل مع الملف السوري “بنظرة شاملة” منذ تاريخ 8 كانون الأول 2024.
وأضاف أن الاستخبارات التركية اضطلعت بدور فاعل في إدارة ومتابعة الأزمة السورية منذ بدايتها، مشيراً إلى أن التحرك ضمن مقاربة استباقية ساعد في منع ظهور أي مخاطر محتملة على الحدود التركية.
وفي وقت سابق الشهر الماضي، شدد كالن على أن “أي محاولات لإضعاف سوريا أو تقسيمها أو انتهاك سيادتها محكوم عليها بالفشل”، مشيراً إلى الدور الاستراتيجي المهم الذي تلعبه سوريا في توازنات الشرق الأوسط.
وقال إن “الفرصة التاريخية التي أتيحت في 8 كانون الأول 2024 شكّلت نقطة تحول غير قابلة للعودة، وبداية مسار تحولي نحو مستقبل مستقر تُدار فيه سوريا من قبل السوريين وحدهم”.
وأكد رئيس الاستخبارات أن سوريا يجب أن تكون “حرة، ذات سيادة، موحدة، آمنة، ديموقراطية ومزدهرة”، مشدداً على أن هذا النهج يضمن تحقيق السلم الداخلي ويسهم في تعزيز السلام والاستقرار الإقليمي.
وأضاف كالن أن “جميع المحاولات الداخلية والخارجية الرامية لتقسيم سوريا أو إضعاف وحدتها السياسية أو المساس بسيادتها محكوم عليها بالفشل”.
—————————-
أردوغان: نتابع لحظة بلحظة اندماج “قسد” ضمن الدولة السورية
الأربعاء 2026/02/18
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده تتابع “لحظة بلحظة” الخطوات المتعلقة باندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ضمن الدولة السورية، فيما قال رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، إن تركيا اتخذت خطوات استباقية للحؤول دون تشكّل تهديدات جديدة لأمنها القومي في المناطق الحدودية مع سوريا.
“تركيا خالية من الإرهاب”
وقال أردوغان للصحافيين، إن بلاده تمضي نحو هدفها المتمثل بجعلها خالية من “الإرهاب”، مشيراً إلى أن خطوات أنقرة في هذا الصدد “حذرة بقدر ما هي حازمة، ومتأنية بقدر ما هي راسخة”. وأضاف أن هذه “الإرادة القوية في بلدنا قد انتقلت حالياً إلى سوريا أيضاً. فهناك تطورات مفرحة تدعم هدفنا المتمثل في منطقة بلا إرهاب”، حسبما نقلت وكالة “الأناضول”.
ولفت الرئيس التركي إلى أن بلاده تتابع “لحظة بلحظة” الخطوات المتعلقة بالاندماج الكامل لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، مضيفاً أن أنقرة تقدم الإرشادات والنصائح اللازمة لتنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و”قسد”.
وفيما أكد أن الرئيس السوري أحمد الشرع يواصل مسيرته بخطوات واثقة، اعتبر أردوغان أن مكافحة “الإرهاب” ليست مسألة أمنية وحسب، موضحاً أن الحكومة التركية تتناول أبعادها القانونية والمجتمعية أيضاً بشكل مستمر.
وفي 29 كانون الثاني/يناير، وقّعت الحكومة السورية و”قسد” اتفاقاً ينص على دمج مؤسسات الأخيرة ضمن الدولة السورية بشكل تدريجي، إضافة إلى تسليم الحكومة المعابر الحدودية وحقول النفط لإدارة الحكومة.
نظرة شاملة للمخابرات التركية في سوريا
في غضون ذلك، قال رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم كالن، إن بلاده اتخذت خطوات استباقية حالت دون تشكّل تهديدات جديدة لأمنها القومي في المناطق الحدودية مع سوريا، وذلك في ظل متابعة التطورات بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
ولفت قالن، في التقرير السنوي لأنشطة جهاز الاستخبارات التركية لعام 2025، إلى أن الجهاز تعامل مع سوريا “بنظرة شاملة” خلال المرحلة التي تلت 8 كانون الأول/يناير 2024.
وحسبما نقلت “الأناضول”، فإن جهاز الاستخبارات التركية اضطلع بدور فاعل في إدارة ومتابعة الأزمة السورية منذ بدايتها.
وذكر قالن أن الاستخبارات التركية تحركت ضمن مقاربة استباقية لمواجهة أي عناصر تهديد محتملة قد تنشأ في سياق عملية بناء دولة جديدة في سوريا، موضحاً أن هذه الخطوات أسهمت في منع ظهور مخاطر جديدة على الحدود التركية.
——————————
البرلمان التركي يؤيد تقريراً يدعم السلام مع حزب «العمال الكردستاني»
أنقرة: «الشرق الأوسط»
18 فبراير 2026 م
صوتت لجنة برلمانية تركية، الأربعاء، بالموافقة بأغلبية كبيرة على تقرير يتضمن إصلاحات قانونية بالتزامن مع إلقاء جماعة حزب «العمال الكردستاني» المحظورة سلاحها، وهو ما من شأنه أن يدفع عملية السلام الرامية إلى إنهاء صراع دام أكثر من 40 عاماً وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.
وأوقف حزب «العمال الكردستاني» العام الماضي هجمات استمرت لعقود، وقال إنه سيحل نفسه، ودعا أنقرة إلى اتخاذ خطوات للسماح لأعضائه بالمشاركة في الحياة السياسية. وتصنّفه تركيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي تنظيماً إرهابياً.
وتنتقل بذلك عملية السلام إلى الساحة التشريعية، إذ يسعى الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي يقود البلاد منذ أكثر من عقدين، إلى إنهاء الصراع الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص، وأسفر عن خلافات شديدة في الداخل، وشهد امتداد العنف عبر الحدود إلى العراق، وسوريا.
ويقترح التقرير الذي يتألف من نحو 60 صفحة خريطة طريق للبرلمان لسن القوانين، وهو ما يشمل إطاراً قانونياً مشروطاً يحث السلطة القضائية على مراجعة التشريعات، والامتثال لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدستورية.
التحقق من نزع السلاح
الأهداف الرئيسة المعلنة للتقرير هي جعل تركيا «خالية من الإرهاب»، وتعزيز الديمقراطية. وحظي التقرير بموافقة 47 نائباً في اللجنة، بينما رفضه نائبان، وامتنع نائب واحد عن التصويت.
ويشير التقرير إلى اتفاق الأحزاب السياسية على ضرورة أن يمضي التقدم بشكل متبادل، وعلى التوازي بالنسبة لتطبيق الإصلاحات، ونزع السلاح.
غير أن الجزء الخاص بالإصلاحات القانونية يربط التطبيق بالتحقق من نزع سلاح حزب «العمال الكردستاني»، ويقترح إطاراً قانونياً منفصلاً، ومؤقتاً، وتعيين مسؤول تنفيذي خاص للإشراف على التطبيق، واستمرار الرقابة القضائية، لتجنب أي تصورات بشأن عفو عام.
ويتضمن جزء خاص بمقترحات التحول الديمقراطي توصية بالامتثال لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدستورية. ويدعو أيضاً إلى تعريفات أوضح لقانون مكافحة الإرهاب، لاستبعاد الأفعال غير العنيفة، وإلى توسيع نطاق حريات التعبير، والصحافة، والتجمع.
صراع منذ 1984
وسعى حزب «العمال الكردستاني» من خلال التمرد الذي كان يشنه منذ 1984 إلى إقامة دولة مستقلة في جنوب شرقي تركيا، لكنه تحوّل في السنوات القليلة الماضية إلى المطالبة بمزيد من الحقوق للأكراد، وبحكم ذاتي محدود.
ودفع الجيش التركي الجماعة المسلحة إلى عمق المناطق الجبلية في شمال العراق، ما ضغط عليها للسعي إلى السلام.
وأحرق حزب «العمال الكردستاني» بعض الأسلحة في خطوة رمزية، وأعلن أنه سيسحب أي مقاتلين متبقين من تركيا في أول خطوة نحو إعادة دمجه قانونياً في المجتمع، وذلك استجابة لدعوة زعيمه المسجون عبد الله أوجلان.
———————-
===================
تحديث 17 شباط 2026
——————————
تحديات تواجه حكومة الشرع بعد انتزاع 3 محافظات من “قسد”
الاثنين 2026/02/16
تنتظر الرئيس السوري أحمد الشرع مهمة صعبة في توحيد البلاد وتثبيت الاستقرار في سوريا، وذلك لأول مرة منذ 15 عاماً بعد سيطرته قواته على 3 محافظات في شرق البلاد، والتي كانت تحت سيطرة المقاتلين الأكراد، وذلك بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”.
تحوّل الدعم الأميركي
وقالت الصحيفة الأميركية في تقرير، إن القوات الحكومية السورية دخلت إلى مدينة الحسكة، معقل المقاتلين الأكراد، لأول مرة منذ 10 سنوات، لكن وجودها لم يكن مرحباً به من الجميع، إذ بقي المقاتلون الأكراد في حالة تحدي بعد إجبارهم على التخلي عن حلمهم في إقامة منطقة حكم ذاتي، حيث نظموا عرضاً بالأعلام والأسلحة أمام قاعدة حكومية.
ويعكس ذلك حجم التحديات التي تواجه الشرع الذي استخدم خليطاً من القوة العسكرية والمفاوضات للسيطرة على هذه المحافظات الثلاث شرق البلاد في الأسابيع الأخيرة، والتمدد داخل معاقل المقاتلين الأكراد، مستفيداً من تحول الدعم الأميركي بعيداً عن الأكراد.
في الأثناء، تعمل حكومة الشرع على بسط سلطتها والتقدم لتحقيق مهمتها المتمثلة بتوحيد البلاد لأول مرة منذ 15 عاماً، بعد السيطرة على هذه المنطقة الشاسعة الغنية بالموارد، والتي استعصت على قبضة الشرع منذ الإطاحة بحكم نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
إلا أن هذه المهمة التي تنتظر حكومة الشرع صعبة، إذ أن الحكومة المثقلة بمهام تثبيت استقرار البلاد التي مزقتها الحرب، باتت تمتلك مساحة شاسعة من الأراضي تتطلب التأمين وإعادة الأعمار.
وأشار التقرير إلى أن الأكراد ينظرون بعين من القلق والحذر نحو الخضوع لحكم الحكومة السورية، بينما كان العرب الذين ذاقوا ذرعاً بحكم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حالة من الاحتفال، وهرعوا إلى استعادة منازلهم.
متطلبات هائلة
ووفق التقرير، فإن متطلبات البنية التحتية تبدو هائلة، إذ أن السدود الكهرومائية وحقول النفط والأراضي الزراعية الغنية في المنطقة متهالكة، بينما تغرق أجزاء كبيرة من الريف في الظلام، في حين تمتلئ المدن بالنفايات، والكهرباء متقطعة.
وفي الرقة، كانت السيارات تجتاز الحفر المليئة بمياه الأمطار الطينية، بينما اصطفت سيارات أخرى لعبور منحدر مهدم على الجسر الرئيسي فوق نهر الفرات، والذي فجرته قوات “قسد” أثناء انسحابها.
ونقلت الصحيفة عن القائم بأعمال مدير قوات الأمن الداخلي السوري في الرقة أحمد عادل، قوله إن قوات الأمن لا تزال تبحث داخل أنفاق “قسد” عن متفجرات أو فلول من مقاتلي “قسد”، موضحاً أنه “بمجرد أن نحقق الأمن، يمكننا ترتيب كل شيء آخر”.
وقال مسؤولون حكوميون إنهم تعلموا من تجربة السيطرة على بقية البلاد بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر ديسمبر 2024، وذلك في وقت تصطف طوابير طويلة من أعضاء “قسد” في مركز للتسوية، في حين عملت لجنة مؤلفة من 11 قاضياً من دمشق، لمراجعة ملفات 1600 معتقل في سجن الرقة المركزي.
ووفق التقرير، فإن وفود حكومية بدأت بالوصول من دمشق لتقييم احتياجات المنطقة، لكن السكان يشتكون من ارتفاع أسعار المحروقات.، كما فقد الآلاف وظائفهم مع رحيل “قسد”.
ولم تكن “قسد” مجرد قوة مقاتلة، إنما كانت حكومة فعلية بحد ذاتها، والحليف الرئيسي للقوات الأميركية في المنطقة لأكثر من عقد من الزمن في محاربة تنظيم “داعش”، وحراسة آلاف السجناء من التنظيم.
إلا أن “قسد” لم تستطع الحفاظ على نفوذها في أحياء مدينة حلب، ولم يكن لديها أي أمل يذكر في السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور ذات الغالبية العربية، بعد أن سحبت إدارة الرئيس الأميركي دعمها للأكراد وألقت بثقلها خلف الشرع في هدفه لتوحيد البلاد.
دولة بوليسية
وأكد السكان في المحافظات ذات الغالبية العربية التي انتُزعت من “قسد”، أن الأخيرة كانت تدير “دولة بوليسية قاسية”، حتى أن بعض الأكراد اشتكوا من شعورهم بالاضطهاد، مع بقاء تخوف لديهم من عمليات انتقامية من قبل القوات الحكومية.
وأكد المسؤولون الحكوميون أن سوريا يجب أن تتوحد تحت حكم واحد وأن تحتكر الحكومة القوة العسكرية. وقال محافظ الرقة، المُعيّن حديثاً، عبد الرحمن سلامة: “الدولة لا يمكنها البقاء طالما بقي جزء واحد من سوريا خارج السيطرة”.
وأشار سلامة إلى أن “قسد” ستُعامل بنفس الطريقة التي عُوملت بها فصائل المعارضة الأخرى، حيث تم تعيين مسؤول سابق في “قسد” محافظاً للحسكة “لإرضاء الأكراد”، لكنه ألمح إلى إمكانية إقالته إذا لم يؤدِّ مهامه كما هو متوقع.
وُعد الأكراد بالحصول على الجنسية التي حُرم منها الكثيرون لفترة طويلة والحقوق الثقافية والتعليمية، وبعض السيطرة المحلية، لكن بموجب الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، سيتم دمج قواتهم المسلحة في صفوف وزارة الدفاع وقوى الأمن الداخلي السورية.
وقال الشيخ هويدي هويدي، وهو زعيم محلي في شرق سوريا، إن الاستياء الشعبي ضد سيطرة “قسد” قد وصل بالفعل إلى نقطة الغليان، لكن قادة المجتمع لم يتحركوا خوفاً من رد فعل الجيش الأميركي. وأضاف “أتوقع مستقبلاً رائعاً. نحن في سوريا وعاصمتنا دمشق”.
المدن
——————–
الجزيرة السورية: إعادة هندسة الوضع في شمال شرق البلاد يخضع لحسابات داخلية وخارجية، فكيف يبدو الوضع؟
عربي بوست
2026/02/14
تدخل الجزيرة السورية مرحلة توصف داخلياً بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، حيث تتقاطع إعادة ترتيب العلاقات السياسية مع مراجعة الهيكل التنظيمي للفاعلين الأساسيين في شمال شرقي البلاد. المشهد يبدو مركباً، حيث تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع التوازنات الحزبية، في لحظة إقليمية لا تسمح بهوامش واسعة للمناورة.
تقول مصادر أمنية سورية لـ”عربي بوست” إن التحولات الأخيرة لا تبدو ناتجة عن “قرارات إدارية” داخلية فقط، بل تعكس دينامية أوسع تحكمها 3 عناصر متداخلة: ضغط إقليمي متزايد، ضبابية في الرؤية الدولية، وانفتاح تكتيكي متدرّج على دمشق. هذه العوامل مجتمعة تدفع نحو إعادة صياغة التموضع من دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع القوى المؤثرة في الملف.
ضمن هذا الإطار، يجري العمل على تعديل الواقع القائم تدريجياً، عبر إعادة توزيع الأدوار، وتخفيف كلفة الاحتكاك مع أنقرة، وفتح قنوات تواصل أوسع مع الحكومة السورية، مع الحفاظ على تماسك البنية الأمنية شرق الفرات. والنتيجة مسار إعادة هندسة صامت، تتقدم فيه الخطوات التنظيمية على الإعلانات السياسية.
إعادة تموضع كوادر حزب العمال الكردستاني
تصف مصادر أمنية سورية خروج كوادر حزب العمال الكردستاني من سوريا بأنه “تحول في طبيعة العلاقة” أكثر منه قطيعة نهائية. فمنذ تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، كانت “البنية التدريبية والمفاهيم التنظيمية” في شمال شرقي سوريا متأثرة بأطر فكرية وخبرات مرتبطة بالحزب، الأمر الذي انعكس على مؤسسات عسكرية ومدنية وإدارية، وعلى تكوين نخب محلية داخل المنطقة.
لكن الجديد، وفق معطيات حصلت عليها “عربي بوست” من مصادر أمنية سورية ومصدر دبلوماسي عربي، أن عملية الخروج من الجزيرة السورية لم تعد مجرد “خفض بصمة” أو انسحاب رمزي، بل دخلت مرحلة إعادة تموضع منظّمة.
وتقول المصادر إن عملية إعادة التموضع بدأت خلال الأسابيع الماضية من مناطق سيطرة “قسد” باتجاه جبال قنديل شمال العراق، ضمن تفاهمات غير معلنة جرى تثبيتها عبر قنوات أميركية-كردية مع الحكومة السورية.
بحسب المعطيات، فإن الدفعة الأولى شملت ما بين 100 و120 مقاتلاً، بينهم قياديون ميدانيون ومسؤولون لوجستيون يحمل بعضهم الجنسيات التركية والإيرانية والعراقية، وقد جرى نقلهم على مراحل عبر ممرات حدودية غير معلنة في محور ريف المالكية-سنجار، وصولاً إلى مناطق انتشار حزب العمال الكردستاني في قنديل.
وتضيف المصادر أن من بين المغادرين أسماء “معروفة داخل البنية العسكرية والتنظيمية”، من بينها فهمان حسين (باهوز أردال)، إضافة إلى كوادر أخرى مثل جميل سوني (اسم حركي) وروهات دلو ممن تولوا ملفات التدريب والتنسيق بين وحدات حماية الشعب والقيادة المركزية في قنديل.
مصدر أمني سوري يصف الخطوة بأنها “نقل مركز الثقل غير السوري إلى خارج سوريا” مع الإبقاء على “الإرث التنظيمي” داخل المؤسسات المحلية، بحيث تتحول العلاقة من حضور مباشر إلى تأثير غير معلن عبر كوادر محلية وأطر قائمة، وهو ما يسمح—وفق المصدر—بفتح مساحة مناورة سياسية أكبر أمام “قسد” في علاقتها مع دمشق، وتقليل الذرائع أمام تركيا.
عملياً، لا يعني هذا المسار تفكيك البنية التي تشكلت خلال عقد في الجزيرة السورية، بل إعادة توزيعها جغرافياً وتنظيمياً: المرجعية تنتقل إلى الخارج، بينما يبقى التنفيذ بيد كوادر سورية. وهو نموذج يسمح بفصل الميدان عن مركز القرار الأيديولوجي، دون كسر قنوات الاتصال.
إعادة تعريف وظيفة “القوة الضاربة وشباب الثورة”
ضمن المسار نفسه، تقول مصادر “عربي بوست” إن التفاهم تطرق إلى مجموعات تُعرف داخلياً باسم “القوة الضاربة” و”شباب الثورة”، ويُقدَّر عدد عناصر هذين التشكيلين بما بين 2500 و3000 عنصر، بينهم نحو 1000 إلى 1500 من غير السوريين.
وبحسب مصدر دبلوماسي عربي، يجري بحث آلية تدريجية لإعادة توزيع هذه التشكيلات أو تسوية أوضاعها، بما يشمل إخراج غير السوريين، إعادة توزيع مجموعات معينة، أو إدماجاً محدوداً ضمن أطر محلية “منزوعة الصلة التنظيمية المباشرة” بقنديل.
والهدف، كما تلخصه مصادر أمنية سورية، هو تقليص الحضور التنظيمي المباشر للحزب داخل الأراضي السورية، مقابل تثبيت صيغة انتشار عسكري وأمني تحت مظلة تنسيق أوسع مع الجيش السوري في بعض الملفات، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع قنديل في الشؤون التنظيمية الداخلية، أي “فصل الميدان عن المرجعية” لا إنهاء المرجعية.
هذا التفريق يعكس مقاربة براغماتية تتمثل في الحفاظ على القدرة القتالية والبنية الأمنية، مقابل تقليل الكلفة السياسية الخارجية. لكنه يطرح سؤالاً حول قدرة هذه التشكيلات على التحول من أذرع عقائدية إلى وحدات محلية منضبطة ضمن معادلة سورية أوسع.
فصل المئات من المقاتلين والموظفين العرب
في التحول الأكثر حساسية داخلياً الذي تشهده الجزيرة السورية، تتحدث مصادر أمنية سورية عن فصل المئات من المقاتلين والموظفين العرب من بنية قوات سوريا الديموقراطية في خطوة وصفتها أوساط قيادية داخل القوة بأنها “ضرورية تنظيمياً”.
وتشير المصادر إلى أن العملية سبقتها إعداد قوائم يُعتقد أنها مرتبطة بمسار تفاوضي محتمل مع الحكومة السورية، وأن الهدف هو إعادة فرز البنية القيادية والعسكرية لتقديم تشكيل “أكثر تنظيماً وتناسقاً” أمام أي حوار سياسي أو إداري مع دمشق.
وتضيف مصادر دبلوماسية عربية أن التحريك التنظيمي الداخلي يسعى أيضاً إلى تقديم تشكيلة “موحدة” في الاستحقاقات المقبلة، بعيداً عن التوترات القومية والاختلالات التي أفرزتها سنوات السيطرة المتعاقبة على مناطق مختلطة ديموغرافياً، وأن “الضبط” استُخدم كذلك لامتصاص تداعيات انشقاقات سابقة وتوترات محلية بين العرب والأكراد.
لكن منتقدين محليين يرون في الخطوة مخاطرة، وفق مصادر “عربي بوست”، ويوضحون أن تقليص التمثيل العربي قد يفاقم إحساساً بالتهميش والانفصال في بعض المناطق، وقد ينعكس على علاقة “قسد” بالمجتمع المدني وبيئاتها الحاضنة في الشرق السوري، خصوصاً في الحسكة ودير الزور.
وتؤكد مصادر أمنية سورية أن إدارة هذا الملف تحتاج “حساسية سياسية عالية” لأن أي خلل قد يفتح موجات جديدة من عدم الرضى المجتمعي.
المعضلة هنا مزدوجة: تنظيم القوة استعداداً للتفاوض، من دون تفكيك توازنها الاجتماعي. وأي اختلال في هذا الميزان قد يتحول إلى أزمة شرعية محلية، لا مجرد مسألة إدارية.
إعادة هيكلة وتعريف حزب الاتحاد الديمقراطي
في المسار السياسي الموازي، تقول مصادر دبلوماسية عربية إن حزب الاتحاد الديمقراطي يقود عملية إعادة هيكلة تشمل تغيير الاسم، ومراجعة النظام الداخلي، ومراجعة أدبياته الأساسية التي رسمت مشروعه لعقود.
بحسب هذه المصادر التي تحدثت لـ”عربي بوست” مفضلة عدم ذكر اسمها، فإن التحول لا يُعامل كخطوة شكلية، بل كمحاولة لملاءمة الحزب مع واقع سياسي داخلي مختلف عن البيئة التي تأسس فيها.
ويُطرح التحول نحو صيغة “حزب سوري وطني” كمسار يرمي إلى نقل الحزب من كيان يحمل مرجعية أيديولوجية ضيقة نسبياً إلى فاعل سياسي قابل للاندماج في المسار السوري الأوسع، وتوسيع قاعدة القبول، وفتح قنوات تفاوض مع قوى سياسية مختلفة وصولاً إلى حكومة دمشق إذا اتسع هامش الحوار.
لكن المصادر نفسها تشدد على تعقيد المهمة: التوازن بين الحفاظ على الجذور الفكرية وبين استيعاب توقعات جمهور أوسع يتطلب تغييراً في الخطاب وأساليب العمل وآليات التمثيل، أي إعادة تعريف الحزب أمام قواعده وأمام خصومه في آن واحد.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بتعديل لافتة، بل بإعادة صياغة سردية سياسية كاملة، تسمح بالانتقال من مشروع عابر للحدود إلى تموضع سوري خالص، دون خسارة القاعدة التنظيمية.
قرار وقف التمويل: اختبار صلابة التعددية
أكثر القرارات التي أحدثت ضجة داخل البيئة السياسية في شمال شرقي سوريا كان قرار حركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) وقف التمويل الشهري للأحزاب الـ35 المنضوية تحت إطارها.
وتقول مصادر مطلعة لـ”عربي بوست” إن هذه الأحزاب التي تشكلت منذ 2014 كانت تتلقى دعماً شهرياً يتراوح بين 5 إلى 15 ألف دولار وفق الحجم والدور.
وقد أُبلغ قادة الأحزاب بالقرار دون تقديم آلية بديلة واضحة، ما فجّر قلقاً واسعاً وفتح الباب أمام سؤالين متلازمين: هل القرار انعكاس لأزمة مالية؟ أم أداة لإعادة تعريف التحالفات وتقليص الشبكة الحزبية المرتبطة مالياً بالمركز؟
مصادر أمنية سورية تقول إن القرار لا يمكن قراءته اقتصادياً فقط، لأن توقيته يتقاطع مع مسار “إعادة ترتيب الفاعلين” داخل الإدارة الذاتية، وإعادة توزيع الأدوار ما يخدم القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي سريع في المرحلة المقبلة دون “التزامات موسّعة” تجاه أطراف قد تعرقل حركة التفاوض أو تعقّد هندسة التسوية.
وتضيف أن تراجع الموارد، سواء بسبب تضييق قنوات التمويل أو تغير التحكم ببعض مصادر الإيرادات، هو عامل مساعد، لكنه ليس الوحيد. ووفق قراءة هذه المصادر، فإن وقف التمويل يختبر حقيقة التعددية التي نشأت منذ 2014: هل كانت قائمة على قواعد اجتماعية فعلية أم على “شبكة رعاية” ضمنتها الأموال؟
السيناريوهات المطروحة، بحسب مصادر مطلعة، تتراوح بين تراجع أحزاب صغيرة وانكفائها، بحثها عن مصادر تمويل جديدة ما يفتح باب “الاستقطاب” الخارجي، أو اندماجها داخل أطر أكبر، ما يقلّص التعددية الشكلية ويعيد إنتاج قطبية حزبية جديدة.
ماذا عن الجدل المتصاعد في الرقة؟
على خط موازٍ، تشهد محافظة الرقة جدلاً متصاعداً حول بروز شخصيات عشائرية توصف محلياً بالإشكالية، وتولي بعضهم مواقع ضمن مؤسسات خدمية وأمنية.
ويستند الجدل، وفق روايات محلية تنقلها مصادر دبلوماسية عربية، إلى سجلات سابقة لبعض هذه الشخصيات: ارتباطات بالنظام السابق وأجهزته، أو علاقات وثيقة مع “داعش”، أو تعاون مع قسد، مع اتهامات بالضلوع في انتهاكات وتعديات.
وتقول مصادر أمنية سورية إن بعض هؤلاء يدافع عن نفسه بالقول إنه كان “منسقاً” مع الحكومة قبل دخولها الرقة وخروج “قسد”، وإنه لعب دوراً في تسهيل السيطرة. لكن هذا الادعاء يلقى تشكيكاً واسعاً بين الأهالي، الذين يرون في الصفة محاولة لإعادة تدوير أسماء مثيرة للجدل تحت غطاء جديد.
الأخطر، بحسب مصادر محلية، أن صفة “المنسق” باتت كافية لتحييد أي نقاش حول الماضي، وتحولت إلى “درع معنوي” يحمي أشخاصاً من المساءلة. وتضيف المصادر أن المشهد يزداد حساسية مع منح بعض هؤلاء مناصب، مقابل تهميش أبناء الرقة الذين شاركوا في الحراك الثوري أو يمتلكون مؤهلات عالية.
ما يعني أن النقاش بدأ ينتقل إلى مسار قانوني، مع تسجيل دعاوى حق شخصي ضد قيادات سابقة مرتبطة بقوى الأمر الواقع، وهو ما يوحي بأن “القضاء قد يصبح ساحة فرز” بين الادعاء والحقيقة في المرحلة الانتقالية.
ثلاثية التأثير: توازن تحت الضغط
تتفق مصادر أمنية سورية ومصادر دبلوماسية عربية على أن التحولات لا يمكن فصلها عن ثلاثية ضغط متقاطعة:
أنقرة تراقب عن كثب كل تغيير في بنية “قسد” وتربط الملف عضوياً بحضور حزب العمال وتهديد الأمن القومي.
دمشق تسعى لاستعادة وجود الدولة ولو بشكل رمزي أو تدريجي في مناطق خارجة عن سيطرتها منذ 2012.
واشنطن تريد شريكاً مستقراً وقابلاً للاستمرار وأقل إثارة للجدل، وتتفادى قطيعة مع الواقع القائم أو انهياراً مفاجئاً شرق الفرات.
في هذا السياق، تقول المصادر إن إعادة التموضع نحو قنديل، والفصل الداخلي، والتحول الحزبي، ووقف التمويل ليست أحداثاً منفصلة، بل مواءمة تكتيكية مع ما يفرضه الواقع الإقليمي والدولي.
الجزيرة السورية، إذاً، ليست أمام تغيير شكلي، بل أمام محاولة لإعادة هندسة منظومة كاملة: تقليص الارتباط العابر للحدود، إعادة ضبط التوازنات الداخلية، اختبار صدقية التعددية، وفتح مسار تفاوضي محتمل مع دمشق دون خسارة الشراكة مع واشنطن أو استفزاز أنقرة.
والمحصلة أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الخريطة ستتغير، بل كيف ستُعاد صياغتها، ومن سيكون قادراً على البقاء داخل معادلة جديدة تُرسم بهدوء خلف الستار.
عربي بوست
——————————
“عرب الغمر”… بين تهجير الدولة ولعنة السرديات القومية/ حسن عبد الله الخلف
17 فبراير 2026
ندى: ما اسم البلاد التي قلت إن كتب بنات الجامعات لا تذكرها؟
عثمان: بلاد الواق الواق.
ندى: وهل يسكنها فلاحون كثر مثل جماعتك المغمورة؟
عثمان: لا بد ولا بد أن تكون لهم مشاكلهم التي تشبه مشاكل المغمورين هنا. الفلاحون هم هم في كل أرض الله تظلمهم الطبيعة، يظلمهم المجتمع، يلجأون إلى الدولة لتحميهم من الظلمَين فترميهم بظلم أشد.
ليس هذا حواراً مسرحياً، بل مقطع مقتبس من رواية عبد السلام العجيلي “المغمورون”، وهي تتناول قضية غمر سد الفرات مجموعة من القرى على ضفاف نهر الفرات، ولم تكن الرواية الوحيدة. … هذه ليست حكاية سد ولا مشروع تنمية، بل سيرة اقتلاع جماعي لبشر لم يكونوا هامشاً، بل قلب الريف السوري، قبل أن تقرّر الدولة أن تجعلهم ثمناً لمسيرة ثورة آذار وأهدافها غير المعلنة.
وُلد في الحسكة بعد غمر قريته بسنوات طويلة. لم ير الفرات إلا في الصور، ولم يعرف واديه إلا من حكايات متقطعة يرويها جده بلهجة لا تشبه هذه الأرض. لا ذاكرة شخصية تربطه بالمكان الغارق، ولا أثر ماديا يثبت انتماءه، ومع ذلك يعامل بوصفه غريباً. يقال له إنه “مستوطن” و”مستعمر”، رغم أنه لم يختر أرضه، ولم يزِح أحداً عن ملكه، ولم يرث سوى اسم ملتبس وتجربة تهجير لم يعشها. يقف اليوم في المنتصف: لا الفرات يعترف به، ولا الحسكة تمنحه انتماءً كاملاً.
“أنا داخل بلدي، ومع ذلك أطالب بالاعتذار عن وجودي”… يقول ذلك مختصراً مأساة جيل كامل من أبناء من يُعرفون بـ “عرب الغمر”.
لم يكن سد الفرات مجرّد مشروع هندسي لتوليد الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية، كما روّجت الأدبيات الرسمية في أواخر ستينيات القرن الماضي. عملياً، شكّل السد واحداً من أعنف التدخلات السلطوية في الجغرافية والسكان والذاكرة في تاريخ سورية الحديث. فمع بدء العد التنازلي لإغلاق بوابات السد، تحول وادي الفرات من مجال مأهول بثقافة زراعية نهرية ضاربة في القدم، إلى حيز قابل للمحو وإعادة الصياغة الإدارية.
يقول الفني الزراعي محمود مصطفى الخلف: في 1969، قبل أن تغلق بوابات سد الفرات وتعلو المياه فوق الذاكرة، أنجز إحصاء رسمي دقيق للمنطقة التي تقرر غمرها عند منسوب 300 متر فوق سطح البحر، كاشفاً عن حجم الكارثة التي كانت تحضر بقرار إداري بارد، بلغت مساحة منطقة الغمر 62,500 هكتار، منها 46,000 هكتار من أخصب الأراضي المروية في سورية، إضافة إلى 2,500 هكتار تمثل الكتلة العمرانية لقرى تقرر شطبها بالكامل.
كان يعيش في هذه المنطقة نحو 57 ألف نسمة، موزعين على 9749 عائلة، قبل أن يتحولوا إلى ملف تهجير إداري بارد.
قبيلة الولدة الأكبر بين عرب الغمر، وهي من قبائل البوشعبان، شهدت غمر جميع قراها ضمن وادي الفرات الذي أصبح تحت مياه البحيرة، لكن السلطة نفذت سياسة تهجير خبيثة حين أجبر قسم من القبيلة على الرحيل وترك القسم الآخر على تلال البحيرة بلا تعويض. تم تفكيك بنية وادي الفرات بالكامل، إذ شطت الأرض بين مشاريع الدولة والمزارع الجديدة، ما مزق الروابط الأسرية والاجتماعية للقبيلة. الأسرة الواحدة تفرقت، والتجمع القبلي تفكك إلى وحدات صغيرة، فقدت معها السيطرة على أراضيها وهويتها الجماعية. الضغوط السياسية والإدارية أجبرت بعض العائلات على الرحيل، فيما بقيت الأخرى تحت تهديد دائم. هكذا أصبح وادي الفرات مسرحاً للتهجير القسري والتفكيك الاجتماعي، تاركاً آثاراً عميقة ما زالت على هوية القبيلة.
قرى تُمحى وسكان يعاد تصنيفهم
مع صعود المياه، ابتلعت بحيرة الأسد ما يقارب 84 قرية، ومعها التلال الأثرية والبيوت الطينية، والمقابر. لم يغرق هؤلاء بالماء فقط، بل غرقوا في الصمت والنسيان. كانت الدولة قد خططت لتسكين عرب الغمر في المزارع النموذجية ضمن المشروع الرائد (مشروع حكومي في الرقة وحلب)، الذي تبلغ مساحته حوالي 19,800 هكتار. شمل المشروع 19 مزرعة في الرقة وسبع مزارع في حلب، وكل مزرعة تحتوي على مرافق متكاملة تشمل مراكز اجتماعية، جمعيات فلاحية، مستوصفات طبية، مراكز ناحية أو بلدية، بريدا وهاتفا، أسواقا تجارية، أفرانا، مدارس ابتدائية، جوامع، حدائق ومراكز ثقافية. وقد رصدت هذه المزارع لتستوعب حوالي 6768 مسكناً في الرقة وما يقارب 1,200 مسكن في حلب، بإجمالي طاقة استيعابية تصل إلى 39200 نسمة.
مع ذلك، تراجعت الدولة عن تسكين جميع عرب الغمر في هذه المزارع، وقررت تهجير قسم منهم إلى محافظة الحسكة، تاركة الباقين على ضفاف الفرات. بعد استنفاد فرص التسكين، توجه بعض المغمورين للعمل في مزارع الدولة بالأجر اليومي، فيما اختار آخرون البقاء في أراضيهم البعلية والتلال التي لم تغمرها المياه، محافظين على ارتباطهم بأرضهم وواديهم الأصلي.
وفي عام 2000، وزّعت مزارع الدولة على العمّال والموظفين ومنهم العدد الأكبر من خارج محافظة الرقة وحلب، وحرم أبناء الغمر من الاستفادة منها، ليبقى كثيرون منهم بعيداً عن أراضيهم وحقوقهم الأساسية.
وفي الحسكة جرى توطين 4,453 أسرة في 41 قرية، على مساحة 68,708 هكتارات من أملاك الدولة وفائض أراضي الإصلاح الزراعي. ورغم السرديات السياسية اللاحقة، تظهر الأرقام هشاشة الادعاء بأن عرب الغمر شكلوا أداة تغيير ديمغرافي. إذ لا تتجاوز نسبتهم 2.4% من مجموع قرى المحافظة البالغ عددها 1,717 قرية. وتبلغ نسبتهم 3.5% من القرى العربية، و9% من القرى الكردية، مقابل 82% في القرى الآشورية والسريانية، ما يؤكّد أن إسكانهم لم يكن موجهاً ضد جماعة بعينها.
بين سرديّتين: الدولة والقومية
وضع المغمورون في موقع رمادي بالغ القسوة. الدولة اختزلتهم في أرقام ومساكن إسمنتية، فيما لحقت بهم سردية قومية صورتهم “مستوطنين” و”أداة للحزام العربي”. فإن تصوير عرب الغمر أداة استعمار داخلي يتجاهل حقيقة أنهم ضحايا تهجير قسري، نقلوا إلى الحسكة مكرهين، ووضعوا في بيئة لم يختاروها، ودفعوا ثمن سياسات الدولة نفسها التي همشت الأكراد والعرب. الأخطر في هذه السردية، الأحزاب الكردية والمجلس الوطني الكردي أنها تعيد إنتاج منطق النظام البعثي ذاته، القائم على تسليح الهويات ضد بعضها، وتحويل الضحايا إلى خصوم، بدل توجيه المساءلة نحو السلطة التي هندست الغمر والتهجير معاً. وتمسك بدراسة أنجزها محمد طلب هلال وثيقة إدانة في حين أنها بقيت حبراً على ورق، إذ لم تطبق على أرض الواقع ولم يقرها مؤتمر الحزب، رغم مرور أكثر من عقد على إعدادها قبل وصول المغمورين. اقتراحه بإنشاء “الحزام العربي” وتهجير الأكراد من الشريط الحدودي وإسكان عرب المنطقة مكانهم لم يتحقق، ولم يسجَّل تهجير أي قرية كردية أو إخلاؤها.
لا تستطيع القوى الكردية الادّعاء بوجود تهجير فعلي، ما يجعل استخدام مصطلحات الهلال مبالغاً فيه. ورغم ذلك، تتمسّك بعض الأحزاب الكردية بالدراسة شمّاعة سياسية ووثيقة مكتوبة، بينما يؤكّد الواقع أنها لم تكن سوى مشروع خيالي يفتقر إلى التنفيذ. هكذا، تبقى الدراسة مثالا على التخطيط النظري الذي لم يترجم إلى واقع ملموس.
يقول المجلس الوطني الكردي في بيانٍ أصدره في الذكرى الـ 51 لاتخاذ نظام الأسد الأب قرار تنفيذ “الحزام العربي” على حد وصف المجلس، وتنمّ هذه التسمية عن وصف عنصري “كان هذا المشروع من أخطر السياسات الشوفينية التي تبنّاها النظام البعثي، إذ أقيم شريط استيطاني يمتد بعمق 15 كيلومتراً جنوباً على طول الشريط الحدودي بين سورية وتركيا في محافظة الحسكة”.
بعد الثورة السورية، وتسليم نظام بشار الأسد محافظة الحسكة لقوات حزب العمّال الكردستاني، ضيق الخناق عليهم من عدم التوظيف أو الدعم من منظمات الإغاثة وفرض التجنيد الإجباري، وتمت مصادرة 168 وحدة مساحة من أراضي عرب الغمر بحجة أن أبناءهم جيش حر.
هل كانوا أداة تغيير ديمغرافي؟
يوضح الباحث محمد جمال باروت أن ربط تهجير عرب الغمر بمشروع “الحزام العربي” يفترض تهجيراً مقابلاً للأكراد من أراضيهم، وهو أمر لم يثبت حدوثه بوثيقة رسمية واحدة أو واقعة ميدانية مسجلة. لم تفرغ قرية كردية واحدة لإسكان المغمورين مكانها، ولم تصادر ملكيات خاصة لمصلحتهم. الأراضي التي وزّعوا عليها كانت في معظمها من أملاك الدولة أو من فائض الأراضي المستولى عليها بموجب قوانين الإصلاح الزراعي، التي استفاد منها فلاحون أكراد قبل وصول المغمورين بسنوات، حيث جرى منح 13 قرية كردية أراضي في مناطق عربية في ريف القامشلي بناحية اليعربية وتل حميس وتل براك. … والإصرار على توصيف قرى الغمر مستوطنات، رغم أنها لا تمثل سوى نحو 2% من سكان المحافظة ادّعاء فاقد للموضوعية السياسية والأخلاقية لدى الأحزاب الكردية.
ومن منظور قانوني، يؤكّد المحامي طارق حوكان أن توصيف عرب الغمر مستوطنين أو معتدين على ملكيات الغير يفتقر إلى أي سند قانوني داخلي أو دولي، ويشكل تشويهاً متعمّداً للوقائع الثابتة. فقد جرى تهجير هؤلاء السكان قسراً نتيجة مشروع عام سيادي، هو إنشاء سد الفرات، وهو ما يدرجهم صراحةً ضمن فئة المتضرّرين من نزع الملكية للمنفعة العامة، وفق المبادئ المستقرّة في القانونين، الإداري والحقوقي، بما يوجب التعويض وإعادة التوطين القانوني، لا التجريم أو نزع الصفة. كما أن الأراضي التي أسكنوا عليها في محافظة الحسكة كانت، بموجب السجلات العقارية الرسمية، من أملاك الدولة أو من الأراضي المستولى عليها سابقاً وفق قوانين الإصلاح الزراعي النافذة، ولم يثبت قانوناً أو قضائياً أنها كانت ملكيات خاصة لفلاحين أكراد جرى نزعها لإحلال عرب الغمر مكانهم. وعليه، ينهار الادّعاء بحدوث تغيير ديمغرافي إحلالي لغياب ركنه الجوهري، أي نزع ملكية محددة من مالكٍ معيّن وإعطائها لآخر على أساس قومي. ويعدّ تحميل عرب الغمر مسؤولية سياسات الدولة البعثية مخالفة صريحة لمبدأ شخصية المسؤولية، ومصادرة لحقوق مكتسبة بحسن نية، ويشكل في جوهره عقاباً جماعياً محظوراً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وبذلك، يسعى أي طرح سياسي أو قانوني إلى نزع ملكيات عرب الغمر أو التشكيك بشرعيتها، بذريعة تصحيح مظلومية تاريخية، ما لا يحقق العدالة، بل ينقل الظلم من ضحيةٍ إلى أخرى، ويفتح نزاعاً قانونياً واسع النطاق يمسّ استقرار الملكية في سورية بأسرها، ويتعارض مع أبسط مقتضيات السلم الأهلي وسيادة القانون.
أسرى التاريخ المفقود والذكريات الضائعة
ظلّ عرب الغمر سنواتٍ يعيشون في عزلتين، نفسية واجتماعية، محاطين بمحيط لم يقبلهم ولم تتكون بينهم أواصر مصاهرة أو زواج، حتى أن الجماعة انطوت على نفسها بالكامل، كما يوضح الباحث أحمد الشمام، من سكان محافظة الحسكة.
لم يشاركهم الوسط المحيط حياتهم الاجتماعية، وبقي خطاب الأحزاب الكردية والإعلام يصوّرهم مستوطنين، فيما تروي كتب الدولة قصتهم إنجازاً ضمن “سورية الحديثة”، متجاهلة معاناتهم وتهجيرهم القسري. وقد جعل هذا الانغلاق المغمورين أسرى تاريخ مفقود وذكريات ضائعة، وأثر على الأجيال الثلاثة التي ترعرعت بعد التهجير، فأصبحت تربطها بهوية مزدوجة بين فقدان الماضي والحياة الجديدة في بيئة غير متقبلة.
رغم عدم حصول صدامات مباشرة مع المحيط الكردي أو العربي، بقي شعورهم بالغربة والتخوف من الوسط محيطاً بهم، ليصبح عالمهم الداخلي الخاص بهم مهمّشاً ومنعزلاً. ولم تسجل حالات مصاهرة لغاية عام 1996م وهم منذ 1974 في المنطقة، ولم يسمح لهم الوسيط المحيط بالاندماج الكامل، الأمر الذي عزّز شعورهم بأنهم طائفة غريبة داخل مجتمعهم الجديد، وهذا جعلهم يتجهون إلى العلم والدراسة، وهم اليوم الأكثر شهادات جامعية ومتنوعة من كل الاختصاصات.
وما زال عرب الغمر يطلقون على القادم من ريف حلب أو الرقة لقب “أهل البلاد”، أي بلدهم الأصلي، عند حضورهم مجالس العزاء، ما يعكس استمرار ارتباطهم المكاني وهويتهم الجماعية.
المرسوم 13: عودة الخطر
تعود قضية المغمورين وغيرهم إلى الواجهة متزامنة مع المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، المتعلق بـ “استعادة حقوق الملكية المتراكمة”، الذي صدر عن الرئيس أحمد الشرع، في 16 كانون الثاني/ يناير الماضي. بالنسبة لعرب الغمر وغيرهم في محافظة الحسكة، لا يمثل هذا المرسوم فرصة إنصاف، بل تهديداً وجودياً، لأنه يعيد فتح ملف الملكية خارج سياقه التاريخي والقانوني، ويحوّلهم من ضحايا تهجيرٍ قسري إلى متّهمين باغتصاب أملاك الغير وحول تخوف عرب الغمر وجّه أبناء المنطقة رسالة لرئيس الجمهورية أحمد الشره حول هذا الخصوص يحتفظ العربي الجديد بنسخة منها.
يرى الباحث طلال الجاسم، وهو من عرب الغمر، أن يتحوّل ملف عرب الغمر إلى قضية وطنية تدرس بعمق، وتعالج وفق القانون والتاريخ والضمير، بعيداً عن أي مصالح حزبية أو قومية، ويحذر أن تندرج تعليمات تنفذيه المرسوم رقم 13، ولا سيما ما يتصل بفتح ملف استعادة حقوق الملكية المتراكمة، في أنه لا يعالج مظلومية محددة بآليات قانونية منضبطة، بل يفتح الباب على مصراعيه لنسف الإطار الذي قامت عليه منظومة الملكية الزراعية في سورية منذ ستة عقود، وفي مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي. بالنسبة لعرب الغمر، وألا يعاد طرح سؤال الملكية خارج سياقها التاريخي والقانوني.
العودة إلى الإنسان: ذاكرة بلا مكان
“لا أعرف من الفرات سوى اسمه” يقول الشاب نفسه. “لكنني أدفع ثمنه كل يوم”. نشأ جيل كامل بلا ماض ملموس، يتوارث حنيناً غامضاً لمكان لا يستطيع العودة إليه، ويعيش اغتراباً مزدوجاً: اغتراب المكان واغتراب المعنى.
بل لأنني لا أملك رواية معترفاً بها لا الفرات يعرفني، ولا الحسكة تعترف بي كاملاً، فأقف في المنتصف، بلا ذاكرة أستند إليها، وبلا مستقبل أسمح لنفسي بأن أطالب به، سوى حقي البسيط: أن أعامل كمواطن، لا كجريمة تاريخية تمشي على قدمين.
ما لم تعالج قضية عرب الغمر بوصفها مسألة وطنية شاملة، خارج منطق التوظيف السياسي، سيبقون مغمورين، لا بالماء هذه المرّة، بل بالإنكار.
العربي الجديد
——————————
سوريون في ميونيخ/ بكر صدقي
تصدرت الصور القادمة من ميونيخ عن الاجتماع الذي ضم كلاً من أسعد الشيباني ومظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو واجهة اهتمام السوريين خلال اليومين الماضيين.
وكان التفاعل مع هذا الحدث من نوعين: الجمهور الكردي عموماً قرأ في انعقاد الاجتماع بهذه الصيغة مكسباً معنوياً أو “نصراً” رمزياً عوضهم جزئياً عن المناخ السلبي الذي سيطر في الأسابيع الأخيرة بعد خسارة قسد لمناطق سيطرته وفقدان ظهيره الأمريكي واضطراره للموافقة على توقيع اتفاق الاندماج والبدء بتنفيذه. وربما هذا هو هدف وزير الخارجية الأمريكي من عقد الاجتماع، أي إعطاء قسد وجمهوره الكردي جائزة ترضية معنوية مفادها أن واشنطن لم تتخل عن حليفها السابق.
في حين واجه الجمهور الموالي لسلطة دمشق الخبر وصوره بفتور أقرب إلى الاستياء. يمكن أخذ ردة فعل أحد المثقفين المتحمسين في ولائهم كعينة معبرة عن هذا المناخ.
فهذا المثقف الذي واظب، طوال الأشهر السابقة، على الدفاع عن “فلسفة” التحول الثوري الذي حدث في سوريا في الثامن من كانون الأول 2024، وعلى الهجوم على خصوم السلطة الجديدة المفترضين أو نقادها الذين “فشلوا في فهم التحول الثوري العميق” وفقاً لرطانته، ولم يتفوه بكلمة في نقد السلطة، لم يتحمل تلك الصور القادمة من مؤتمر الأمن والتعاون الدولي المنعقد في ميونيخ، فطالب الشرع والشيباني، بالاسم، بتقديم توضيح عما حدث لأن ضم عبدي وأحمد إلى الوفد السوري في اللقاء مع روبيو “أثار استياء الشعب” بحسب تعبيره!
واضح أن كلاً من الكرد الذين تحمسوا لحدوث الاجتماع، وموالي السلطة الذين استاءوا منه، قد حمّلوا الاجتماع بأكثر مما يحتمل من دلالات، وفهموه بالمعنى نفسه: استمرار الحماية الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية، وإن كان بالمعنى السياسي فقط، والتعامل مع قادتها على قدم المساواة مع وزير خارجية دمشق. وربما زاد تصريح للشيباني من قوة هذا الانطباع حين قال: “نحن لا ننظر إلى قوات سوريا الديمقراطية كعدو، بل كشريك”. هذا فوق طاقة جمهور السلطة الذي اشتغل، طوال الأشهر السابقة، بأقصى طاقته لشيطنة قسد وتحريض السلطة على شن حملة عسكرية ضدها. وحين تحقق ما أراد من “نصر” بدءًا من مدينة حلب ووصولاً إلى الحسكة والقامشلي وكوباني، فقد كان يأمل في سحق العدو وإذلاله. من المفيد الإشارة هنا إلى ردود فعل هذا الجمهور نفسه على تعيين نور الدين عيسى محافظاً للحسكة، بعدما اقترحت قيادة قسد اسمه وفقاً لاتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق وقسد. فقد نشرت وسائل إعلام مقربة من السلطة آراء رافضة لهذا التكليف، وتأخر الشرع في إصدار مرسوم بتكليفه إلى حين اجتماع ميونيخ المشار إليه، تاركاً المجال لردود فعل من هذا النوع، مع أن الرجل قد باشر مهامه بعد عودته من دمشق حيث اجتمع مع رئيس السلطة الانتقالية.
بالمقابل يسعى عبدي، في تصريحاته الإعلامية، إلى تقديم صورة عن الاتفاق مع دمشق لا تعكس حقيقته، بل فيها الكثير من التجميل بهدف الحفاظ على معنويات جمهوره. فيقول إن الاتفاق يتضمن دمج القوات العسكرية لقسد في إطار ثلاثة ألوية تنتشر في نقاط محددة في محافظة الحسكة، إضافة إلى لواء في منطقة كوباني يتبع محافظة حلب. في حين تقول مصادر السلطة إن انضمام عناصر قسد سيكون فردياً في تلك الألوية التي ستضم عناصر من خارج قسد أيضاً ولن تكون صافية. وبشأن الإدارة الذاتية للمناطق ذات الغالبية السكانية الكردية ثمة تحريف لفظي مماثل بين ما يقوله عبدي وما يقوله ممثلو سلطة دمشق.
من المحتمل أن الوساطة الأمريكية ووساطة البارزاني قد سمحتا للجانبين بقول ما يشاءان كل لجمهوره “تيسيراً” للاتفاق الذي سنعرف محتواه الحقيقي أثناء التطبيق.
وحقق عبدي وإلهام أحمد “نجاحا” رمزياً آخر في ميونيخ حين التقيا مع الرئيس الفرنسي ماكرون الذي سبق وأعلن مراراً دعمه لقسد. وعلى رغم القيمة الرمزية لهذه اللقاءات فهي تبقى مهمة من حيث تأثيرها السياسي والنفسي، سواء على سلطة دمشق أو جمهورها الذي قد يبدأ بكبح جماح عدوانيته تجاه الجماعات التي يعتبرها خطراً على سلطته أو تجاه أي نقد ينال منها.
بمجرد أن بدأ تطبيق اتفاق الاندماج بدأ البحث عن عدو جديد لمواصلة المعركة التي يراد لغبارها أن يغطي على الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية في مختلف الميادين، وعلى الانتهاكات اليومية، فأخذ السؤال يدور حول الهدف الجديد، الدروز أم العلويون، بل دارت توقعات غير بريئة بشأن التدخل في لبنان أو العراق، في إطار الاستعدادات الأمريكية – الإسرائيلية لتوجيه ضربة جديدة إلى إيران ما لم ترضخ للشروط الأمريكية تحت التهديد.
السوريون منهكون، لا يريدون المزيد من الحروب، بل استعادة الحياة الطبيعية.
كاتب سوري
القدس العربي
——————————
تصاعد الحديث عن اللامركزية في سوريا: من مشروع دستوري إلى صفقات مكوّنات؟/ عبدالله سليمان علي
فبراير 17, 2026
تصاعد في اليومين الماضيين الحديث عن اللامركزية في سوريا في أكثر من عاصمة، على ألسنة أطراف متباينة: وزير خارجية دولة كبرى، قيادات كردية شاركت في مؤتمر دولي، وشهادة أمام الكونغرس تربط الحكم المحلي بالاستقرار وإعادة الإعمار. ما كان يُطرح سابقاً بوصفه مطلباً داخلياً لبعض المكوّنات، عاد ليظهر في خطاب دولي مباشر، مع تسمية أطراف محددة، وفي سياق اتفاق قيد التنفيذ بين دمشق و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد). فهل نحن أمام إعادة تعريف للامركزية في داخل الدولة السورية، أم أمام مسار جديد لإعادة توزيع السلطة عبر اتفاقات مع المكوّنات؟
الشرارة جاءت من تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي قال إن الولايات المتحدة “راضية عن المسار القائم في سوريا”، بعد الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إبرام “اتفاقات من النوع نفسه مع الدروز والبدو والعلويين، ومع جميع مكونات المجتمع السوري المتنوع للغاية”. لم يحدد روبيو طبيعة هذه الاتفاقات، غير أن السياق يوحي بأنه يقصد تفاهمات شبيهة بالاتفاق الموقع بين دمشق و”قسد”. الأهم في كلامه لم يكن الحديث العام عن الاستقرار، بل تسمية مكوّنات بعينها كوحدات ينبغي إبرام اتفاقات معها، ما يضع فكرة التفاهم الثنائي مع المكوّنات في صلب النقاش حول مستقبل الدولة.
في موازاة ذلك، برزت مشاركة قائد “قسد” مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث حضرا اجتماعاً ضم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الخارجية الأميركي. كانت هذه المشاركة لافتة، إذ لا يشغل عبدي وأحمد مناصب رسمية ضمن مؤسسات الدولة السورية، ومع ذلك شاركا في لقاء دولي إلى جانب وزير خارجية بلادهم في إطار البحث في تنفيذ اتفاق الدمج العسكري والإداري بين دمشق و”قسد”. حضور غير رسمي في مؤتمر دولي، ومشاركة في اجتماع بهذا المستوى، يعكسان انتقال المكوّن من موقع إداري محلي إلى موقع تفاوضي في مشهد دولي.
قالت إلهام أحمد إن الاتفاق مع دمشق “لا يتضمن حلاً للإدارة الذاتية”، بل يجري بحث إعادة ترتيب مؤسساتها “ضمن إطار لا مركزي داخل الدولة السورية الموحدة”. أما عبدي فأكد أن الأكراد “يريدون حكماً كردياً محلياً تحت أي مسمى كان”، معتبراً أن الخلاف مع الحكومة السورية يتمحور حول “العناوين والمصطلحات”، لا حول مبدأ إدارة المناطق محلياً وحماية خصوصيتها. وكان عبدي قد قال في تصريحات سابقة إن المناطق الكردية ينبغي أن تُدار عسكرياً وأمنياً وإدارياً من قبل أبنائها.
قبل ذلك بأيام، وخلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، تحدث السفير الأميركي السابق جيمس جيفري عن ضرورة “تعزيز الحكم المحلي” في سوريا، معتبراً أنه عنصر أساسيّ لكسب ولاء الأكراد ومجموعات أقليات أخرى. وربط بين تحقيق تقدّم ملموس في هذا الاتجاه وبين الحصول على دعم واسع لإعادة الإعمار، مستشهداً بالمادتين 122 و123 من الدستور العراقي لعام 2005 بوصفهما مثالين على سلطات حكم محلي ضمن دولة واحدة. هنا، لم يكن الحديث عن اتفاقات جزئية، بل عن صيغة مؤسّسية للحكم المحليّ داخل دولة موحدة.
هذا التوازي بين تصريحات روبيو وشهادة جيفري يسلّط الضوء على تباين في المقاربة داخل السياسة الأميركية نفسها. فالمبعوث الأميركي توم براك أكد في مناسبات سابقة دعمه لحكومة مركزية قوية في سوريا، واعتبر أن نماذج الفيدرالية واللامركزية السياسية في المنطقة لم تحقق الاستقرار المنشود. في المقابل، يظهر في تصريحات روبيو وشهادة جيفري انفتاح على فكرة اتفاقات مع مكوّنات محددة، وعلى تعزيز الحكم المحلي بوصفه مدخلاً للاستقرار. التباين هنا لا يقتصر على اختلاف في المصطلحات، بل يطال طبيعة الرؤية: دولة مركزية قوية، أم دولة تقوم على تفاهمات مع مكوّناتها؟
ليست جديدة
داخلياً، لم تكن مطالب اللامركزية جديدة. فقيادات كردية تحدثت منذ أشهر عن الفيدرالية أو الحكم الذاتي بصيغ مختلفة. كما رفعت أصوات درزية، على وقع أحداث دامية في الساحل والسويداء وتصعيد عسكري في الشمال الشرقي، سقف مطالبها إلى حد الحديث عن الانفصال. وفي الساحل برزت دعوات علوية إلى صيغ حكم محليّ أوسع بعد موجة العنف التي شهدتها المنطقة. وكان الشيخ غزال غزال قد طالب أكثر من مرة باللامركزية والفيدرالية قبل أن يغيب المصطلحان عن خطابه الأخير ليحلّ محلهما حديث عن التشاركية والتمثيل.
في المقابل، أصرت السلطة الموقتة في دمشق على مركزية الدولة ووحدة الأراضي، ورفضت أي طرح يُفهم منه تقسيم أو انفصال، ووصفت بعض الدعوات إلى اللامركزية بأنها مساس بوحدة البلاد.
وسط هذا الجدل، أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة قراراً بتفويض المحافظين بعدد من صلاحياته، في خطوة قالت الوزارة إنها تهدف إلى تعزيز “اللامركزية الخدمية” وتسريع الإجراءات. لكن هذه الخطوة تندرج ضمن اللامركزية الإدارية المنصوص عليها في القانون ذي الرقم 107، الصادر في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، ولا ترقى إلى مستوى اللامركزية السياسية التي تطالب بها أطراف محلية. وقرأها بعض المراقبين بوصفها محاولة لاحتواء النقاش ضمن حدود إدارية لا سياسية. سبق ذلك حديث عن خطة لوزارة الداخلية تقضي بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية عبر تقسيم البلاد إلى خمسة قطاعات أمنية، تحت إشراف مشترك، في خطوة أثارت نقاشاً بشأن ما إذا كانت تعكس توجهاً نحو توزيع جغرافي للصلاحيات، غير أنها لم تُترجم عملياً على الأرض.
تكمن المفارقة في أن هذا التصاعد في الحديث عن اللامركزية جاء بعد بدء تنفيذ اتفاق دمشق و”قسد”، الذي اعتبره البعض إنهاءً عملياً لمطالب الحكم الذاتي بإعادة مناطق شمال شرقي البلاد إلى سلطة الدولة. لكن الآلية نفسها، التي قُدمت باعتبارها تعزيزاً للمركزية، باتت تُطرح نموذجاً لتفاهمات مماثلة مع مكوّنات أخرى. اتفاق يُفترض أنه أعاد تثبيت سلطة المركز، يتحول في الخطاب الدولي إلى صيغة يُقترح تعميمها.
هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تتحول اللامركزية في سوريا من مشروع دستوري شامل إلى شبكة اتفاقات ثنائية مع مكوّنات محددة؟ وهل تعيد الدولة تعريف نفسها من الداخل عبر إصلاح مؤسسي واضح، أم يجري إعادة توزيع السلطة عبر تفاهمات جزئية تُبرم تحت عنوان الاستقرار؟ الإجابة لم تتبلور بعد، لكن المؤكد أن اللامركزية لم تعد مجرد مطلب محلي، بل أصبحت جزءاً من اللغة السياسية المتداولة في النقاش الدولي بشأن مستقبل سوريا.
النهار
—————————–
مسعود بارزاني… الرابح الهادئ/ إبراهيم حميدي
لا يتصدر العناوين دائماً، لكنه حاضر في تفاصيل التفاهمات ومسارات يريدها أبعد من حدود كردستان العراق.
14 فبراير 2026
خلال المعارك بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” وما تلاها من قنوات تفاوض بين الرئيس أحمد الشرع، وقائد “قسد” مظلوم عبدي، وصولا إلى الوفد المشترك من وزير الخارجية أسعد الشيباني وعبدي، في لقاءات سياسية بميونيخ، تركزت الأنظار على خرائط السيطرة وترتيبات الأمن وحدود النفوذ وبنود الشراكة في سوريا. لكن خلف هذا المشهد الصاخب، كان ثمة رابح هادئ يتقدم بخطوات محسوبة: مسعود بارزاني.
لم يكن صعود دور بارزاني في المشهد السوري وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم سياسي وشبكة علاقات جعلته الوسيط المقبول لدى أطراف متباعدة، من دمشق إلى قيادة “قسد”، مروراً بأنقرة وواشنطن. وفي لحظة تتقاطع فيها مصالح متناقضة، برزت أربيل كمساحة مشتركة نادرة، وبات اسم بارزاني الممر من دون كلفة مرتفعة.
أول مؤشرات هذا التحول تمثل في قبول مختلف الأطراف بدور الوساطة الذي اضطلع به، بما في ذلك استضافة اللقاءات غير المعلنة والاتصالات الحساسة. ولم يكن تفصيلاً عابراً أن تستضيف أربيل لقاءات بين مظلوم عبدي وتوم باراك مبعوث الرئيس دونالد ترمب ومسؤولين أميركيين، في إشارة إلى أن الإقليم بات منصة مفضلة لهندسة ملفات الشمال الشرقي السوري، لا مجرد جار جغرافي.
على الأرض، ظهرت رمزية الدور الجديد في مشاهد رفع صور بارزاني وأعلام كردستان في مناطق من شمال شرقي سوريا المزدحمة بصور زعيم “حزب العمال الكردستاني” عبدالله أوجلان، في تعبير سياسي واجتماعي عن انتقال مركز الثقل المعنوي لدى شريحة من الأكراد، خصوصا أن هذا تزامن مع انتقادات لـبعض قادة “العمال الكردستاني”. وترافق ذلك مع حضور إنساني عبر نشاط المؤسسات الخيرية المرتبطة بالإقليم والزعيم مسعود بارزاني، والتي تحولت إلى قناة أساسية لتوزيع المساعدات، ما عزز النفوذ الناعم في بيئة تعاني ضغوطاً اقتصادية ومعيشية قاسية.
أما معبر سيمالكا، فبقي الشريان الحيوي الذي يربط مناطق “قسد” بالعالم الخارجي، ما يمنح أربيل ورقة تأثير عملية في أي ترتيبات مستقبلية، ويجعل من التنسيق مع الإقليم ضرورة يومية لا خياراً سياسياً فحسب.
إقليمياً، تزداد أهمية أربيل مع إعادة تموضع القوات الأميركية. فمع تقليص الوجود العسكري في سوريا بدءا بالانسحاب من قاعدة التنف ومن قواعد في العراق مثل عين الأسد، يتعزز وزن القواعد الأميركية في أربيل باعتبارها نقطة ارتكاز أكثر استقراراً، وهو ما ينعكس تلقائياً على مكانة القيادة الكردية هناك في حسابات واشنطن، في وقت يسعى فيه بارزاني إلى تقديم نفسه مرجعية كردية أوسع وسط مساع في الكونغرس الأميركي لتمرير قانون “حماية الأكراد”.
سياسياً، أي مسار يؤدي إلى تراجع نفوذ قيادات “حزب العمال الكردستاني” داخل سوريا يفتح المجال أمام صعود أكبر لـ”الحزب الديمقراطي الكردستاني”، الذي يقدم نفسه بديلاً أقل تصادمية مع الإقليم وأكثر قابلية للتفاهم مع تركيا والغرب. وهذا التحول لا يتعلق فقط بموازين القوى العسكرية، بل أيضاً بطبيعة الخطاب السياسي. ولم تكن صدفة جولات “المجلس الوطني الكردي” حليف بارزاني، إلى دمشق وأربيل ولقاءات قادته بالشرع، والدفع نحو الانتقال من العسكرة إلى السياسة. أي ترجمة المرسوم الرئاسي حول الحقوق الكردية في الإعلان الدستوري بأدوات سياسية وليس مواجهات عسكرية ووضع آليات لهندسة ذلك في المؤسسات السورية.
فالعقيدة التي يتبناها “الحزب الديمقراطي الكردستاني” أقرب إلى المزاج الاجتماعي في مناطق الجزيرة السورية من أفكار “حزب العمال الكردستاني”… العائلة والعشيرة والتدرج في التغيير أقرب لهم من الخطاب الأيديولوجي اليساري العابر للحدود الذي تطرحه مدارس “ديمقراطية الشعوب”. ومع ضغوط الحرب والاقتصاد، تميل المجتمعات غالباً إلى النماذج الأكثر استقراراً ووضوحاً.
اقتصادياً، يضيف نموذج أربيل بعداً آخر لهذا الصعود. فالإقليم يقدم تجربة في الإدارة والانفتاح والاستثمار، رغم التحديات، تجعل منه مرجعاً عملياً يتجاوز الإطار القومي الضيق، ويغري قطاعات من السكان الباحثين عن فرص وحياة أكثر استقراراً. وفي زمن تتقدم فيه الاعتبارات المعيشية على الشعارات، يصبح النموذج الاقتصادي جزءاً من أدوات النفوذ.
كل ذلك لا يعني أن الطريق أمام بارزاني خالٍ من التعقيدات. فالتوازنات السورية لا تزال هشة، والتفاهمات الدولية قابلة للتبدل، كما أن المنافسة داخل البيت الكردي موجودة. وهذا التمدد يثير تحفظات لدى أطراف كردية أخرى وحسابات دقيقة لدى دمشق وأنقرة. غير أن قراءة هادئة لمسار الأحداث تشير إلى أن أربيل نجحت، حتى الآن، في تحويل الجغرافيا والعلاقات إلى رصيد سياسي متنامٍ.
في لحظة إعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا والعراق، يبدو أن مسعود بارزاني اختار أن يلعب دور “الرابح الهادئ”: لا يتصدر العناوين دائماً، لكنه حاضر في تفاصيل التفاهمات ومسارات يريدها أبعد من حدود كردستان العراق.
المجلة
————————
تلك هي تجربتنا مع الأكراد/ ياسين أقطاي
في تركيا، يبدأ سؤال “هل يمكن للمسلم أن يكون عنصريا؟” بوصفه نقاشا لاهوتيا دينيا، لكنه غالبا ما يتسع ليرتبط بالقضية الكردية، ذلك أن سياسات الهوية في تركيا لا تدار فقط على أساس عرقي أو طبقي، بل أيضا ضمن إطار ديني وأخلاقي، إذ يراد للتدين أن ينظر إليه بوصفه “ضمانة أخلاقية” ضد العنصرية، وكلما بدا أن هذه الضمانة قد اختلت، احتدم الجدل.
ومؤخرا، عاد هذا النقاش إلى الواجهة إثر تصريحات حسين تشيليك، الذي شغل لسنوات طويلة مناصب سياسية في حزب العدالة والتنمية، وتولى وزارتي التعليم الوطني والثقافة.
فعبارته التي مفادها أن “ممارسة المسلمين للعنصرية أمر مفجع” ليست موضع اعتراض في المجمل، إذ إن مبادئ الإسلام تدين صراحة ادعاءات التفوق القائم على العِرق. ويعد موقف النبي ﷺ حين قال لأبي ذر، بعد أن وجه كلاما مسيئا لبلال الحبشي “إنك امرؤ فيك جاهلية”، خلاصة كلاسيكية مؤسسة لهذا الإطار الأخلاقي.
لكن موضع الجدل لم يكن في هذا التوصيف الذي أورده تشيليك، بل في الادعاء الذي أعقبه بقوله: “إن الجماعات الإسلامية والبيئة المتدينة لزمت الصمت إزاء ما تعرض له الأكراد”.
أعادت هذه العبارة إلى الواجهة انتقادا قديما في تركيا مفاده أن “المتدينين يظهرون حساسية تجاه آلام المسلمين في جغرافيات أخرى، لكنهم لا يبدون الحساسية ذاتها إزاء آلام الأكراد في بلادهم”.
وهذه الدعوى ليست جديدة، فقد طُرحت من قبل عبارات مماثلة، ولا سيما من بعض الأوساط القومية الكردية، جرى ترويجها وتداولها بوصفها حقيقة. وهكذا تتحول المسألة من مراجعة لانتهاكات الحقوق إلى حكم تعميمي يمس بصدقية التدين.
وفي هذه النقطة تحديدا، وحتى يمكن إدارة النقاش بصورة نقدية وعادلة، لا بد من القيام بأمرين في آن واحد:
عدم إنكار حقيقة ما تعرض له الأكراد من ظلم وانتهاكات للحقوق.
وعدم تحويل هذه الحقيقة إلى مادة للتعميم تهدف إلى وضع المجال الإسلامي/المتدين بأكمله في خانة “المتفرج”.
إلى ماذا تشير تصريحات حسين تشيليك؟
إن تصريحات حسين تشيليك تحدث أثرين رئيسيين:
أولا، أنها تكتسب مشروعية واسعة؛ لأنها تنطلق من أرضية أخلاقية قوية؛ فمقولة: “لا يمكن للمسلم أن يكون عنصريا” منسجمة مع التعاليم الأساسية للإسلام.
أما الثاني، فإن الحكم القائل: إن “الجماعات وقفت موقف المتفرج” يمحو التعددية داخل المجال الديني في تركيا، ويدفع بالنقاش إلى أرضية “الإدانة الجماعية”.
وهذا الإطار يخدم، على وجه الخصوص، بعض السرديات القومية الكردية، إذ يقال “انظروا، لا يقر واحد منهم بذلك”. وهكذا يتحول النقاش، بدل أن يكون مراجعة ذاتية جادة، إلى أداة لإصدار حكم سياسي جماعي على المتدينين عبر شخصية “المعترف”.
لكن مقاربة الأوساط المتدينة والإسلامية في تركيا لمسألة الأكراد لم تكن يوما خطا واحدا. نعم، صحيح هناك بعض الفئات تأثرت بلغة تعليمية ذات نزعة وطنية-قومية، بل إن بعض الجماعات اقتربت تاريخيا من الخطاب القومي، لكن في المقابل، وجدت أيضا إلى جانب ذلك دوائر إسلامية حقوقية طرحت بقوة في تسعينيات القرن الماضي قضايا الانتهاكات الجسيمة مثل إخلاء القرى، وجرائم “الفاعل المجهول”، وادعاءات التعذيب، وحالات الاختفاء أثناء الاحتجاز، بل واصطدمت بسبب ذلك مع الدولة. كما شهدت المجلات الإسلامية في الفترة نفسها تيارا فكريا واسعا ناقش المسألة الكردية بجدية وعمق.
وعليه، فإن ادعاء “الوقوف موقف المتفرج” غير عادل لاسيما حين يتحول من توصيف قد يصح جزئيا على بعض الأوساط إلى تعميم يسقط على جماعة كاملة.
تفرد المفهوم الإسلامي: موقف مناهض للظلم ونقد للنزعة القومية
يتمثل التمييز الأساسي الذي يقيمه المنظور الإسلامي في مقاربته للمسألة الكردية في الآتي:
رفض الظلم والإنكار اللذين تعرض لهما الأكراد، لكن من دون اعتبار القومية المضادة التي ولِدت ردا على ذلك الظلم “طريقا للخلاص”.
لهذا السبب يتعرض الإسلاميون غالبا لانتقادات من جهتين في آن واحد:
فهم يتهمون من قبل الأوساط ذات النزعة الوطنية-القومية بأنهم “موالون للأكراد”.
ويتهمون من قبل الأوساط القومية الكردية بأن موقفهم “غير كافٍ”.
لكن معيار الإسلام السياسي ليس تحويل الهوية العرقية إلى أداة للهيمنة السياسية، بل ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وتعزيز العدل، وتقوية أسس العيش المشترك.
هذا لا يعني أن الإسلاميين “غير معنيين بحقوق الأكراد”، بل يعني إصرارهم على صياغة إطار للحقوق لا يرسخ الانقسام العرقي ولا يجعله أمرا دائما.
يؤول لب الجدل الذي تجدد مع تصريحات حسين تشيليك إلى مسألة دقيقة: الاعتراف بالظلم الذي تعرض له الأكراد والمطالبة بالمحاسبة أمر لا غنى عنه؛ لكن تحويل ذلك إلى خطاب يدين “المتدينين” بالجملة ويحوله إلى صراع هويات سياسي قد يعمق المشكلة
تجربة حزب العدالة والتنمية: حين تحولت المقاربة الإسلامية إلى سياسة دولة
لا يخفى على أحد أن أوسع خطوات توسيع الحقوق في المسألة الكردية في تركيا تحققت خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية.
فقد شهدت تلك المرحلة تعزيز الحضور العلني للهوية الكردية، وتوسيع هامش استخدام اللغة الكردية في الإعلام والتعليم، والسماح بالبث بها وطرحها مادة اختيارية في المدارس، إلى جانب إعادة بعض الأسماء المحلية، وإطلاق مسار سياسي عرف بـ”عملية السلام”.
وكانت الغاية من هذه الخطوات إخراج القضية من الإطار الأمني الضيق ونقلها إلى المجال السياسي والحوار المدني.
والأطروحة الجوهرية هنا أن الإطار الأكثر عقلانية وشمولا لمعالجة المسألة الكردية لم ينبثق من إستراتيجية الكفاح المسلح، بل من مسار الإصلاحات السياسية القائمة على توسيع الحقوق وترسيخ المشاركة.
إعلان
فالخيار المسلح لم يؤدِ فقط إلى تشديد المقاربة الأمنية لدى الدولة، بل ساهم أيضا في تصوير المجتمع الكردي وكأنه كتلة واحدة متجانسة، مما حد من إبراز تنوعه السياسي الداخلي.
في المقابل، أتاحت فترات الإصلاح توسيع مساحة الحقوق وفتح قنوات تمثيل سياسي أكثر تعددية. وهذا التوتر بين منطق السلاح ومنطق السياسة يظل أحد أبرز المآزق التي تحكم تطور القضية في تركيا.
البعد السوري: لماذا يبدو الحل الذي يطرحه التيار المتدين أكثر قابلية للاستدامة؟
في سوريا، تعقدت المسألة الكردية بفعل إرث سياسات المواطنة وإنكار الهوية التي رسخها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي. وبعد عام 2011، اتجه الكيان الفعلي الذي تشكل في الشمال الشرقي- ممثلا في قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب- إلى إنتاج وضع سياسي قائم على الدعم الخارجي والقدرة العسكرية.
لكن هذا النموذج، رغم ما وفره من نفوذ ميداني، حمل في طياته مخاطر تعميق التنافس الإقليمي وترسيخ توترات ديمغرافية وسياسية طويلة الأمد.
في المقابل، يطرح المنظور الإسلامي/المتدين في سوريا إطارا مختلفا يقوم على معادلة ثلاثية: الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، والاعتراف بالحقوق الثقافية، إلى جانب تفكيك البنى المسلحة أو دمجها في مؤسسات الدولة.
وهذا الطرح لا يعني إنكار الهوية الكردية، بل السعي إلى إضفاء شرعية دستورية عليها داخل كيان الدولة. وينظر إليه بوصفه أكثر قابلية للاستمرار مقارنة بمشاريع “الكيانات شبه الدولتية” المدعومة خارجيا، لأنه لا يقوم على تفتيت المجال السياسي، بل على تأطير العيش المشترك ضمن مؤسسات جامعة.
جوهر النقاش: “الحق” أم “الضغينة”؟
يؤول لب الجدل الذي تجدد مع تصريحات حسين تشيليك إلى مسألة دقيقة: الاعتراف بالظلم الذي تعرض له الأكراد والمطالبة بالمحاسبة أمر لا غنى عنه؛ لكن تحويل ذلك إلى خطاب يدين “المتدينين” بالجملة ويحوله إلى صراع هويات سياسي قد لا يؤدي إلى حل المشكلة، بل إلى تعميقها.
وهنا يتقدم الادعاء المركزي للتيار الإسلامي: الوقوف في وجه الظلم واجب إيماني، غير أن تحويل الضغينة التي يولدها الظلم إلى “وثن قومي” جديد لا يصنع تحررا. فأثر العنصرية لا يداوى بعنصرية مضادة، بل بإقامة العدل وترسيخ موازينه.
الخلاصة: رد سيدنا علي على الخوارج: “كلمة حق يراد بها باطل”
قول إن “عنصرية المسلمين أمر مفجع” عبارة صحيحة في ميزان الأخلاق والدين، غير أن تعميم الاتهام بأن “الجماعات وقفت موقف المتفرج” يحمل خطرين:
تجاهل التنوع داخل التيار الإسلامي.
وتغافل التجارب العملية التي سعت إلى معالجة المسألة بمنطق الإصلاح وتوسيع الحقوق.
وعندما يستثمر هذا التعميم في السجال القومي بوصفه “اعترافا”، ينحرف النقاش عن مساره العادل، ويتحول إلى وقود لدورة جديدة من الاستقطاب والضغائن.
لقد أثبتت التجربة التركية أن أوسع مسارات الحل لم تأتِ من منطق السلاح، بل من منطق السياسة والإصلاح وتعزيز العيش المشترك.
كما أن التجربة السورية تظهر أن الاستقرار الدائم لا يتحقق بترسيخ البنى المسلحة أو تكريس الأمر الواقع، بل بإقامة نظام سياسي يقوم على المواطنة المتساوية، ويعترف بالحقوق الثقافية، ويصون وحدة البلاد.
فالمسألة ليست في علو الصوت، بل في القدرة على بناء نظام عادل ومستقر. والرهان الحقيقي لا يكون على تأجيج الهويات، بل على ترسيخ العدل بوصفه القاعدة التي تذيب أسباب النزاع وتفتح أفقا لمستقبل مشترك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي
الجزيرة
—————————-
قائد قسد: يجب دمج كافة مؤسسات الإدارة الذاتية بالدولة السورية
مظلوم عبدي أكد أن الدمج الإداري والمؤسساتي لا يخص الأكراد فقط
الرياض – العربية.نت
17 فبراير ,2026
أكد مظلوم عبدي قائد “قسد”، اليوم الثلاثاء، أنه يجب دمج كافة مؤسسات الإدارة الذاتية بالدولة السورية، مبيناً أن الدمج الإداري والمؤسساتي لا يخص فقط المكون الكردي.
الشيباني: أكراد سوريا لم يطالبوا بالحكم الذاتي
سوريا الشيباني: أكراد سوريا لم يطالبوا بالحكم الذاتي
كما قال في مؤتمر للأعيان في الحسكة: “قد يستغرق ملف الدمج بعض الوقت، لكننا واثقون من نجاحنا في تنفيذ الاتفاقية”، مشيرا إلى أنه تم الاتفاق على دمج قوات قسد ضمن ألوية وزارة الدفاع.
وأوضح عبدي أن مؤسسات الإدارة الذاتية ستحتفظ بمدرائها وأعضائها أثناء دمجها ضمن هيكل الدولة السورية.
كما تابع “هناك إشكالية بتعيين معاون وزير الدفاع في دمشق ونعمل الآن على إعلان ذلك بشكل رسمي”، مضيفاً “ارتكبنا أخطاء سابقة ورأينا عواقبها وسنقوم باستخلاص الدروس منها للمرحلة المقبلة”.
وبين عبدي أنه تم سحب جميع قوات قسد العسكرية إلى ثكناتها للحفاظ على الاستقرار والاستمرار بتطبيق الاتفاق، وأضاف “يجب أن تنسحب القوات العسكرية من محيط عين العرب كوباني وتحل مكانها قوات أمنية”.
إلى ذلك، قال قائد قسد إن المناطق ذات الكثافة الكردية ستحافظ على خصوصيتها عبر إدارتها من قبل أبنائها.
اتفاق شامل
يذكر أنه في 30 يناير وقعت دمشق و”قسد” اتفاقاً جديداً شاملاً نص على تثبيت وقف إطلاق النار بين الجانبين وبدء خطوات الاندماج الكلي للقوات الكردية ضمن القوات الحكومية.
فيما سلمت “قسد” مراكزها العسكرية في الحسكة والقامشلي إلى قوات الأمن الحكومية التي دخلتها الشهر الماضي، فضلاً عن مطارات وحقول نفطية في شمال شرق البلاد.
جاءت تلك التطورات بعد مواجهات عسكرية في حلب ودير الزور والرقة وغيرها شمال شرقي سوريا، تمكنت إثرها القوات السورية من السيطرة على تلك المناطق. كما أتت بعد وساطات ومساع أميركية من أجل دفع الجانبين للتهدئة والتوصل لاتفاق نهائي.
——————————
مظلوم عبدي: دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية مع الحفاظ على خصوصية المناطق الكردية
قائد “قسد”: خصوصية المناطق الكردية محفوظة ضمن الهيكل الجديد
2026-02-17
أكد قائد قوات سوريا الديموقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، اليوم الثلاثاء، أن عملية دمج مؤسسات الإدارة الذاتية السورية في بنية الدولة السورية تسير بوتيرة ثابتة، مع الحفاظ على خصوصية المناطق ذات الكثافة الكردية.
وأشار عبدي خلال مشاركته في فعالية اجتماعية نظمها “هيئة الأعيان ومجلس أعيان الحسكة”، إلى حرصهم على أن تحافظ كل المكونات والأطراف التي شاركت في الإدارة الذاتية على وجودها ومساهمتها الفاعلة ضمن المؤسسات الحكومية، مؤكداً أن الدول المعنية بالشأن السوري تتابع عن كثب تطبيق الاتفاقية التي تهدف لوقف إطلاق النار وإعلان هدنة دائمة.
ولفت إلى أنه رغم خطاب التحريض والكراهية الذي ظهر مؤخراً في بعض مناطق الجزيرة، وحلب، وأماكن أخرى، فإن التجربة أثبتت قدرة المكونات المختلفة على التعايش المشترك دون مشكلات تُذكر.
وكشف عبدي عن عقد اجتماع مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومدير الاستخبارات، حيث تم الاتفاق على تسريع عملية الدمج وتشكيل لجنتين من الطرفين على مستوى القيادات، وستباشر عملها خلال فترة قصيرة.
وأضاف أن دمج القوات سيتم ضمن ألوية وزارة الدفاع مع الحرص على الحفاظ على جميع المقاتلين الذين شاركوا في مواجهة “الإرهاب” وقدّموا تضحيات كبيرة.
وأشار إلى وجود بعض الإشكاليات المتعلقة بتعيين معاون وزير الدفاع في دمشق، حيث يجري العمل على إعلان ذلك رسمياً.
وأكد أن مؤسسات الإدارة الذاتية القائمة منذ أكثر من 12 عاماً ستحتفظ بمدرائها وأعضائها أثناء دمجها ضمن هيكل الدولة السورية، مع التأكيد على أن الدمج الإداري والمؤسساتي لا يخص المكون الكردي فقط، بل يشمل كافة المؤسسات، مع مراعاة خصوصية المناطق الكردية.
وأضاف أن القوى الأمنية القادمة من دمشق ستعمل على إتمام عملية الدمج، مشيراً إلى تشكيل لجنة مشتركة من القيادات للإشراف على العملية خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن عناصر الأمن ومدراءهم سيحافظون على مواقعهم ضمن هيكلية وزارة الداخلية السورية، وقد بدأ ذلك بالفعل.
وأشار عبدي إلى أن خصوصية المناطق الكردية تعني أن يدير أبناء المنطقة شؤونها، مع الحفاظ على حق القيادات العسكرية المحلية في حماية مناطقهم، وينطبق ذلك على الأساييش وقوى الأمن الأخرى.
وأضاف أن كل مكونات محافظة الحسكة ستشارك في إدارة المحافظة ضمن الهيكلية الجديدة، مع توفير خصوصية للمكون السرياني الآشوري في قراهم ومناطقهم.
وأشاد عبدي بالاجتماع الذي عقد مع الأطراف الدولية في ميونخ، مؤكداً أن الجميع شدد على رفض الحرب والاقتتال وضرورة تطبيق الاتفاقية، مع مراقبة التنفيذ على المستوى الرئاسي.
وحول ملف النازحين، قال عبدي: “موضوع المهجرين في عفرين وسري كانيه وتل أبيض والشيخ مقصود والاشرفية قررنا تشكيل لجنة سيبدأ عملها غدا أو بعد غد لوضع خارطة طريق لعودة المهجرين”.
وأشار إلى أنه “لضمان عودة المهجرين قررنا تشكيل لجنة وتعيين بعض الأشخاص لبحث موضوع العودة ويكونوا مسؤولين في مناطقهم”.
وأوضح الجنرال عبدي أنهم شكلوا لجنة ستباشر عملها غداً لفتح الطرقات واستكمال عملية تبادل الأسرى والكشف عن المفقودين، على أن تُنجز مهامها خلال أسبوع.
وأشار إلى أن قوات الحدود ستتكون من أبناء المنطقة، بما في ذلك كوباني وديرك وتل تمر ومناطق أخرى، مضيفاً أن موظفي الحدود الحاليين سيبقون في مواقعهم مع إضافة لجنة من العاصمة دمشق.
وأكد عبدي أن جميع عناصر الأساييش وقياداتهم سيتم تحويلهم للعمل ضمن وزارة الداخلية السورية، دون الاستعانة بأي عناصر من الخارج في مهام حماية الأمن.
وأوضح أن الهيكلية التنظيمية للأساييش ستشهد بعض التعديلات دون المساس بالأعضاء والقيادات، مع التأكيد على أن إدارة الأمن ستكون حصراً من أبناء المنطقة.
كما تعهد الجنرال بإصدار عفو عام وتبييض السجون، ضمن خطوات تعزيز الاستقرار والثقة في المرحلة المقبلة.
وأضاف أن الأخطاء السابقة ستُدرس لاستخلاص الدروس للمرحلة المقبلة، مؤكداً أن الأولوية حالياً هي المستقبل والعمل من أجله، مع الحرص على ألا يشعر أحد بالإحباط أو يتخذ مواقف سلبية.
————————–
نائب تركي يكشف رؤية أوجلان للمرحلة الثانية في تركيا بعد إلقاء السلاح/ محمد شيخ يوسف
17 فبراير 2026
نقل النائب في البرلمان التركي مدحت سنجار عن مؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان تأكيده أنّ المرحلة الثانية في تركيا هي الاندماج، بعد إلقاء “الكردستاني” سلاحه وحلّ نفسه، ضمن المسار المعروف من قبل الحكومة باسم “مسار تركيا خالية من الإرهاب”. وجاءت تصريحات سنجار لقناة “إيلكه” الخاصة مساء الاثنين، عقب الزيارة الثالثة عشرة التي أجراها وفد الحزب المعروف باسم وفد إمرلي إلى أوجلان أمس. وكان الوفد قد أعلن أنه سيكشف عن تفاصيل الاجتماع في بيان رسمي يوم الأربعاء.
ونقل سنجار عن أوجلان قوله إنّ اجتماع أمس كان “تمهيداً للاندماج الديمقراطي”، ثم شرح ذلك في معرض تقييمه للفترة التي امتدت ستة عشر شهراً من العملية، حيث أكد أوجلان أنّ “المرحلة الأولى انتهت، وتمحورت حول قرار إنهاء الوجود التنظيمي والكفاح المسلح، وكان جوهرها حل حزب العمال الكردستاني وإلقاء السلاح، وهذا قرار استراتيجي”. وقال أوجلان، وفق ما نقل عنه سنجار، إنّ “خطوات مهمة اتخذت خلال المرحلة الأولى، وانتقلنا الآن إلى المرحلة الثانية، وسنناقش الاندماج، وهو أهم قضايا هذه المرحلة، والحوار هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة”.
وكشف سنجار أن العملية الجارية في تركيا كانت البند الرئيسي على جدول الأعمال، لكن التطورات في سورية نوقشت أيضاً، وأن أوجلان كان قد صرّح سابقاً بأنّ مقترحه لحل الأزمة في شمال شرق سورية هو “الاندماج الديمقراطي”، مؤكداً أنه على الرغم من اختلاف مسارات العمل بين البلدين، فإنهما يتفاعلان بشكل متبادل. وفي معرض حديثه عن التطورات في سورية، ذكّر سنجار بأنّ أوجلان في اجتماع 17 يناير/ كانون الثاني الماضي أعرب عن ضرورة وقف الاشتباكات، ولفت الانتباه إلى أهمية حلّ الأزمة عبر التفاوض، موضحاً أنّ أوجلان اعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 10 مارس/ آذار بمثابة الإطار الأساسي للمفاوضات بين الحكومة و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
وفي ما يخص المرحلة الثانية، أفاد سنجار بأنّ رغبة أوجلان في المساهمة بهذه العملية قوية، لكن الأخير لفت إلى الشروط اللازمة لذلك، ونُقل عنه قوله: “سأقوم بدوري في هذا الأمر، لدي القدرة والكفاءة النظرية والعملية، لكن يجب توفير الوسائل اللازمة لتطبيقها عملياً”. كما طالب سنجار بتحسين ظروف أوجلان في محبسه من أجل المرحلة المقبلة، وتحسين ظروف اتصالاته الخارجية.
وعن أسس المرحلة الثانية، قال سنجار إن رؤية أوجلان تقوم على “الجمهورية الديمقراطية، وأساس الجمهورية الديمقراطية هو المواطن الحر، أي المواطن الذي يتاح له التعبير بحرية عن هويته وانتمائه وآرائه، حيث ستكون الهويات والمعتقدات والانتماءات حرة، ولكن كل هذا سيتحقق في إطار وحدة تركيا، وفي شكل اندماج مع الجمهورية الديمقراطية”، مؤكداً أن هذه هي النقاط والمفاهيم الأساسية التي نوقشت في الاجتماع الأخير.
وأضاف سنجار أن “توفير الوسائل اللازمة للأفراد لتنظيم أنفسهم وفقاً لثقافتهم ولغتهم وآرائهم ومعتقداتهم أمر ضروري، وعلى أساس تصان فيه هذه الحريات سيتمكن الأكراد من تنظيم أنفسهم بحرية وفقاً لثقافتهم ولغتهم ومعتقداتهم، وهذا هو أساس الاندماج في جمهورية ديمقراطية، وينطبق على جميع الشعوب والأديان والآراء، وهذه قضية يجب معالجتها في المجال السياسي وبتوافق واسع النطاق”.
وتابع سنجار: “لا نعد قائمة بما يجب فعله، بل نحدد المبادئ الأساسية والإطار والمفاهيم، وهذه أمور بالغة الأهمية. نتحدث الآن عن عملية شاملة تبدأ من الممارسة الإدارية إلى اللوائح القانونية، ثم لاحقاً إلى المسألة الدستورية. وإذا ما انتهى عهد السلاح، فما الذي سيحل محله؟ ولكي تتمكن السياسة من تحمل هذا العبء، لا بد من الحرية والأمن”. كما تطرق إلى مسألة عمل اللجنة البرلمانية لوضع إطار مقترحات تشريعية، متوقعاً أن تقدم تقريرها قبل نهاية الشهر الجاري، وقال في هذا الصدد: “تقرير اللجنة مهم، لكنه يقدم رؤية عامة ولا يعد برنامجاً، ونأمل أن ينشر بتوافق كامل وأن تستكمل مراحله سريعاً”.
وأكمل: “أولى القضايا التي سنواجهها واضحة، وهي الوضع القانوني لمن ألقوا أسلحتهم. نحن نتحدث هنا عن فئة واسعة، ليس فقط من حملوا السلاح، بل هناك من هم في السجون، ومن هم في الخارج، ومن هم في مخيم مخمور بالعراق. كل هؤلاء هم من نتائج النزاع. لقد حان الوقت لمعالجة الأضرار الناجمة عن هذه العملية وإرساء المبادئ الأساسية للتعايش، لذلك يعد القانون الإطاري مهماً، لكن العملية لا تقتصر عليه”. وأكد: “في هذه المرحلة تعد هذه إحدى أهم القضايا. الأنظمة القانونية ضرورية لدمج من ألقوا أسلحتهم، ولكن ما هي التوقعات بشأن قضايا مثل السجناء السياسيين وتعيين الوصاة؟”.
وانطلق “مسار تركيا خالية من الإرهاب” بعد مصافحة بين زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف دولت باهتشلي ونواب حزب ديم الكردي في البرلمان يوم افتتاحه مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ما فتح أجواء سياسية إيجابية قابلتها تصريحات داعمة من الحزبين وبدعم من الرئيس رجب طيب أردوغان. وفي 22 من الشهر نفسه، أطلق باهتشلي دعوة استثنائية غير مسبوقة لأوجلان من أجل توجيه مسلحي حزبه إلى إلقاء السلاح وإلغاء الحزب مقابل الاستفادة من “حق الأمل”، أي العفو عنه.
وفي ضوء دعوة باهتشلي ومباركة أردوغان، وهما الشريكان في “التحالف الجمهوري”، أجرى وفد من حزب ديم 13 لقاء مع أوجلان في محبسه، فيما وجه أوجلان دعوته في 27 فبراير/ شباط 2025 إلى الحزب لحل نفسه وإلقاء سلاحه. وأعلن حزب العمال الكردستاني في مايو/ أيار الماضي حل نفسه وإنهاء الصراع المسلح استجابة لمؤسسه أوجلان، بعد أيام من إعلانه عقد مؤتمره العام بين 5 و7 من الشهر نفسه.
وعلى أثر هذه التطورات، ألقت أول مجموعة من الكردستاني في 11 يوليو/ تموز الماضي سلاحها وأحرقته بشكل رمزي في محافظة السليمانية بإقليم كردستان العراق. كما أعلن الحزب في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي انسحابه من تركيا، وفي 17 نوفمبر/ تشرين الثاني انسحابه من منطقة الزاب الأعلى على الحدود العراقية التركية إلى مناطق أخرى. وينتظر أن يحقق اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية و”قسد” دفعة لتقدم المسار، إذ كانت الحكومة تعد أن اتفاق الاندماج جزء من المسار يتعلق بسورية.
—————————————
===================
تحديث 16 شباط 2026
——————————
لماذا تخلّّت” أميركا عن “قسد” وأي رهانات وتحوّلات؟/ إياد الجعفري
16 فبراير 2026
في نهاية شهرٍ حافلٍ بالتحوّلات النوعية، الميدانية والسياسية، في شمالي سورية وشرقيّها، يصبح من المُغري للمراقب محاولة تفكيك سرّ أحد أهم العوامل التي وفّرت الإمكانية لتحقيق هذه التحوّلات؛ وهو الانكفاء الأميركي عن تثبيت خطوط الاشتباك وخرائط السيطرة بين الحكومة السورية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ذاك التثبيت كان الغطاء لـ”قسد”، ووفّر لها هامشاً واسعاً من المناورة طوال العام الفائت (2025). وهو الهامش الذي تضاءل بصورة دراماتيكية خلال الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني).
كان لهذا “الانكفاء” الأميركي عن تحصين “قسد” وقع الصدمة على قيادات في التنظيم، وعلى نُخب كردية، فوصفه بعضهم بـ”الخيانة”، فيما وصفه محلّلون أكثر حيادية بـ”التخلّي”، لتتعدّد النظريات والتفسيرات حول سببه وسرّ توقيت حدوثه.
شكلان للرعاية الأميركية
في ليل 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وعقب ساعاتٍ من بدء اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية ومقاتلي “قسد” في أطراف حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، تمكّنت وساطة أميركية سريعة من دفع الطرفَين إلى وقف إطلاق النار. وشهد اليوم التالي اجتماعات في دمشق حضرها قادة “قسد” ومسؤولو الحكومة. وجرت المفاوضات بقيادة قائد القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم)، الجنرال براد كوبر، وبمشاركة المبعوث الأميركي توم برّاك. وكانت لافتة طبيعة الرعاية الأميركية الحثيثة لـ”قسد” في تلك الفترة.
مثالاً، كان التدخّل الأميركي ميدانياً وسياسياً مباشراً وسريعاً أيضاً، بغية التهدئة لمنع انفجار العلاقة بين “قسد” والمكوّن العشائري العربي، إثر أحداث قرية كرهوك بريف القامشلي نهاية أكتوبر 2025. وقد اندلعت اشتباكات وتوتّرات جديدة بين مقاتلي الحكومة و”قسد” في مدينة حلب في الأسبوع الأخير من العام 2025، وحظيت كذلك بتدخّلٍ أميركي سريع؛ إذ أجرى فريق الخارجية الأميركية المعني بسورية، والموجود في الأردن، اتصالات مباشرة مع الجانبَين بهدف وقف الاشتباكات. وكان التدخّل الأميركي في كل الأحداث السابقة سريعاً من حيث التوقيت (ساعات بعد بدء الاشتباكات)، وهدفه الإبقاء على خطوط الاشتباك وخرائط السيطرة مستقرّة كما هي، من دون تغيير.
إلّا أن سمات التدخّل الأميركي تغيّرت مع التوتر الميداني التالي، الذي بدأ في 5 الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني). فقد تأخّر التدخّل الأميركي المباشر خمسة أيام، وسبقه إعلان لافت للبيت الأبيض جاء فيه أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعم قيام سورية مستقرّة وموحّدة وذات سيادة، تعيش بسلام داخل أراضيها ومع دول الجوار، معتبراً أن ذلك يشكّل أحد المرتكزات الأساسية لرؤية الإدارة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وهو تصريح يميل إلى كفّة طرف (الحكومة السورية) على حساب الطرف الآخر (قسد) بوضوح.
وفي 10 يناير الماضي، جاء التدخّل الأميركي المباشر بزيارة توم برّاك دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع. وجاءت الزيارة فيما كان الجيش السوري يجهّز لاقتحام حي الشيخ مقصود في حلب، بعد أن أتمّ السيطرة على حيَّي الأشرفية وبني زيد. ولافتٌ أن زيارة برّاك دمشق جاءت بعد بيان مشترك أصدره برفقة وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، جاء فيه تأكيد “دعم الجهود المُستهدِفة تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب السلمي لمسلّحي “قسد” من حلب، وضمان أمن وسلامة جميع المدنيين”، أي أن هدف التدخّل الأميركي، وفق ما يوحي به هذا البيان، تنظيم خروج مقاتلي “قسد” من حلب، وليس توفير مظلّة لتثبيت خطوط الاشتباك التي كانت ما تزال قائمةً لحظة صدور البيان، كما كان يحدث في التدخّلات الأميركية السابقة.
لاحقاً، تسارعت التطوّرات الميدانية بوتيرة أسرع من التحرّكات السياسية، وتهاوت سيطرة “قسد” في نحو أسبوع لتخسر حوالى 80% من المساحات التي كانت تسيطر عليها سابقاً. وخلال هذه التطوّرات الميدانية، لم تبذل القوات الأميركية الموجودة في المنطقة أيّ جهد أو إجراء لدعم “قسد”، أو للجم تقدّم القوات الحكومية ومقاتلي العشائر الموالين لها. واكتفت واشنطن بإدارة مفاوضات هدفها احتواء تداعيات انهيار “قسد” الميداني، وتنظيم مخرج سياسي لها يحفظ حدّاً أدنى من مبرّرات وجودها. فما الذي حدث حتى تغيّرت سمات التدخّل الأميركي لصالح “قسد” خلال ثلاثة أشهر؟
ما بين أكتوبر/ تشرين الأول 2025 ومطلع العام الجاري، مرّت العلاقات بين الحكومة السورية والإدارة الأميركية بثلاثة تطوّرات لافتة. تمثّل الأول في استقبال الشرع في البيت الأبيض ولقائه ترامب، بوصفه أول رئيس سوري يزور العاصمة الأميركية رسمياً، وذلك بعد أيام فقط من شطب اسم الرئيس السوري أحمد الشرع، من لوائح الإرهاب الخاصّة بالأمم المتحدة في تصويت لمجلس الأمن. تلا ذلك التطوّر الثاني، الإعلان رسمياً عن انضمام سورية إلى التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بقيادة الولايات المتحدة. وتمثل التطوّر الثالث في توقيع ترامب قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي تضمّن بند إلغاء قانون قيصر للعقوبات، وذلك بعد مصادقة الكونغرس بمجلسَيه على القانون، وهو ما اعتبره محلّلون أميركيون “إعلان فصل جديد في السياسة الأميركية تجاه سورية”.
لكن محلّلين مقرّبين من “قسد” تجاهلوا التطوّرات السابقة، وركّزوا في تطوّرٍ رابعٍ مختلف، اعتبروه الأساس في التغيّر النوعي في الموقف الأميركي من التنظيم الكردي. ففي 4 يناير الماضي، وبينما كانت المفاوضات بين وفد “قسد” ومسؤولي الحكومة السورية في دمشق تتقدّم باتجاه الاتفاق على آلية دمج مقاتلي التنظيم وكوادره في مؤسّسات الدولة، ووفق رواية شخصيات محسوبة على “قسد”، جرى فضّ الاجتماع بصورة مفاجئة، ورفض مسؤولو الحكومة إصدار بيان بالتطوّرات الإيجابية التي شهدتها المفاوضات، وطلبوا تأجيل ذلك أياماً عدّة. وفي اليوم التالي، كان ممثّلون عن الحكومة السورية يعقدون جولة مفاوضات جديدة مع وفد إسرائيلي، برعاية أميركية، في باريس.
نظرية اتفاق باريس الأمني
قيل وكُتب الكثير عن “اتفاق باريس الأمني” بين الحكومة السورية وإسرائيل. وقد صرّح قياديون في “قسد” أن العملية العسكرية التي شنّها الجيش السوري ضدّ تنظيمهم نالت الضوء الأخضر بموجب هذا “الاتفاق”. لكن هل حدث “اتفاق” فعلاً؟
ظهرت أولى إرهاصات لقاء باريس التفاوضي في لقاء ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025. وقد تعرّض الأخير لضغوط من ترامب لاستئناف التفاوض مع الحكومة السورية. وقد رفع الإسرائيليون سقف التفاوض، وفق تسريبات صحافية، بمقترح إنشاء مناطق أمنية عازلة جنوب غربي دمشق وفرض حظر جوي على الطائرات السورية قرب الحدود، مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي توغّلت فيها فور سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، على أن تحتفظ إسرائيل بمواقع استراتيجية في جبل الشيخ. ولاحقاً رُوّج بكثافة لنظرية أن الشرع قبل بالمطالب الإسرائيلية مقابل ضوء أخضر لـ”الاستفراد” بـ”قسد”. واستند هذا الترويج إلى تسريباتٍ في الصحافة الأميركية أو العبرية.
وفي وقت لاحق، مرّر موقع أكسيوس الأميركي ومصادر صحافية عبرية ما يفيد بأن العقدة الرئيسة في المفاوضات كانت في تمسّك إسرائيل بالبقاء في قمّة جبل الشيخ ضمن أيّ ترتيباتٍ أمنيةٍ مقبلة، وهو ما يناقض نظرية “المنطقة العازلة” التي تشمل كامل الجنوب السوري، ما يؤشّر إلى أن التسريبات كانت تتناول مقترح الطرف الإسرائيلي الذي بدأت منه المفاوضات، لا ما جرى الوصول إليه في نهاية هذه الجولة التفاوضية.
ورسمياً، أصدرت الولايات المتحدة وسورية وإسرائيل بياناً مشتركاً عقب اجتماع باريس أعلنوا فيه إنشاء خلية اتصال متخصّصة تكون منصّةً دائمةً للتنسيق في المجال الاستخباراتي وبغية خفض التصعيد العسكري والتواصل الدبلوماسي واستكشاف الفرص التجارية، بإشراف أميركي مباشر. وأوضح البيان أن هذه الخلية ستستخدم لمعالجة الخلافات على نحوٍ فوري ومنع سوء الفهم. في حين صدر إعلان أكثر تحفظاً من ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي يؤكّد أنه اتُّفق على مواصلة الحوار، مشيراً إلى أولويات إسرائيل الأمنية بمنع التهديدات على حدودها، إلى جانب الحفاظ على أمن الأقلية الدرزية في سورية. وهكذا نقرأ بين سطور الإعلانات الرسمية أنه لا “اتفاق” أمنياً نهائياً عُقد بعد، وأنّ “الاختراق” الذي تحدّث عنه توم برّاك في محادثات باريس كان تأسيس آلية لبناء الثقة بين الطرفَين لا أكثر، وذلك بغرض البناء عليها مستقبلاً في الجولات المقبلة من المفاوضات.
نظرية الضوء الأخضر الإسرائيلي
مرّرت في 21 يناير الماضي وكالة رويترز روايةً استندت إلى مصادر سورية “مطّلعة”، مفادها بأن المسؤولين السوريين في مفاوضات باريس اتهموا إسرائيل بدعم “قسد” في تأخير الاندماج ضمن الدولة السورية. واقترح المسؤولون السوريون، وفق الرواية، عملية محدودة لاستعادة بعض المناطق التي تسيطر عليها “قسد”، ولم يتلقوا أيّ اعتراضات. في الوقت ذاته الذي تلقت فيه الحكومة السورية رسالةً منفصلة من تركيا تفيد بأن واشنطن ستوافق على عملية ضدّ “قسد” إذا جرى ضمان حماية المدنيين الكرد.
نظرية “الضوء الأخضر” الإسرائيلي والأميركي راجت بشدّة، خصوصاً في أوساط النخب الكردية والقيادات المحسوبة على “قسد”. السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، وهو الذي قاد الوفد الإسرائيلي في مفاوضات باريس، ردّ على ما ورد في تقرير “رويترز” بالقول: “دعوني أكون واضحاً جدّاً: بما أنّني كنت حاضراً طوال الاجتماع الثلاثي في باريس، لم تقبل إسرائيل أبداً هجوماً من الجيش السوري على السوريين الكرد. أي ادّعاء بأننا فعلنا ذلك هو كذب”. من الصعب الجزم إن كان السفير الإسرائيلي هو الذي “يكذّب”، أو أن المسؤولين السوريين الذين مرّروا هذه الرواية لـ”رويترز” أرادوا تعزيز حالة فقدان الثقة التي يشعر بها القادة الكرد تجاه أميركا وإسرائيل بصورة تخدم دمشق تفاوضياً معهم. لكن ما يمكن الجزم به هو أن قدرة إسرائيل على الدعم المباشر لـ”قسد” لطالما كانت محدودة؛ إذ إنه، ولأسباب لوجستية ناهيك عن المخاطر الإقليمية على صعيد العلاقة مع تركيا، والأضرار التي يمكن أن تتسبّب بها على صعيد علاقتها المباشرة بالإدارة الأميركية، يصعب على إسرائيل أن تتدخّل مباشرة في شمال وشمال شرق سورية. ويبقى الجنوب السوري هو المجال المتاح لها لوجستياً، وبذريعة حماية أمنها و”الأقلية الدرزية” التي تملك صلات مع “دروز إسرائيل”.
لكن هل يعني ما سبق أنه لم يكن هناك “ضوء أخضر” أميركي لعملية الحكومة السورية ضدّ “قسد”؟
هل “خانت” أميركا “قسد”؟
إحدى أبرز الأصوات الخبيرة بالسياسة الأميركية التي رفضت توصيف “الخيانة” ونسبتها إلى “قسد” هو جيمس جيفري، المبعوث الأميركي الخاص بسورية في ولاية ترامب السابقة (بين 2018 و2020). وهو الذي خبر كواليس السياسة الأميركية حيال “قسد” عن قرب، قال في تصريحات له إنّ المسؤولين الأميركيين لطالما أكّدوا لقادة “قسد” أن علاقتهم مؤقّتة وتكتيكية، وتستند إلى هزيمة “داعش”، وأن واشنطن لم تقدّم للقادة الكرد أيُّ ضمانات سياسية أو عسكرية دائمة. وهي سياسة أكّدها توم برّاك بتصريحه الشهير في 20 يناير الماضي بأن انضمام سورية إلى التحالف الدولي ضدّ “داعش” غيّر جذرياً مبرّرات الشراكة الأميركية مع “قسد”، مشيراً إلى أن الهدف الذي أُنشئت من أجله هذه الشراكة “انتهى إلى حدّ كبير”. لكن هل كان ذلك مفاجأة لقادة “قسد” حقّاً؟
في مارس/ آذار 2019، أعلن ترامب القضاء على “دولة الخلافة” الخاصّة بـ”داعش” بعد السيطرة على آخر معاقلهم في الباغوز بسورية. وفي أكتوبر 2019، أعلن ترامب مقتل زعيم “داعش” أبو بكر البغدادي في غارة أميركية بإدلب. ومن ثم أعلن أمراً بسحب القوات الأميركية من قواعد عسكرية بصورة فُهمت على أنها ضوء أخضر لعملية عسكرية تركية كان جارٍ التحضير لها. ورغم أن ترامب تراجع جزئياً عن قرار الانسحاب، إلّا أن قادة “قسد” كانوا قد تلقّوا الرسالة جيّداً: أن “الحماية” الأميركية لهم غير مستدامة. وقد أعلن قائدهم مظلوم عبدي حينها أنهم ينظرون في الخيارات كلّها، بما في ذلك السعي إلى ترتيبات مع روسيا ونظام الأسد. وهو الاتجاه الذي سلكته “قسد” لاحقاً بالفعل؛ إذ نسجت علاقات تواصل قوية مع روسيا وفتحت قنوات تفاوض مع دمشق في عهد النظام البائد.
درس كردستان العراق
قبل تجربة “قسد” غير مكتملة المعالم مع إدارة ترامب عام 2019، عاش كرد العراق تجربةً أخرى أكثر اكتمالاً. ففي حين أصرّت قيادتهم في كردستان العراق على تنفيذ استفتاء على الاستقلال في سبتمبر/ أيلول 2017، أعلنت واشنطن معارضتها الشديدة لهذا الإجراء. ورغم الشراكة التي تمتدّ عقوداً مع قيادات الإقليم، تركت واشنطن قوات البشمركة “الكردية” وحيدةً في مواجهة هجوم القوات الحكومية العراقية المدعومة من “الحشد الشعبي” للسيطرة على مدينة كركوك المتنازع عليها، ردّاً على استفتاء “الانفصال”. وقد فسّر المحلّلون الموقف الأميركي يومها بأنه مراعاة لحساسية تركيا من إعلان “الانفصال الكردي”، وخشية أن يؤدّي ذلك إلى تقارب تركي – إيراني – روسي أكبر يقلّص من النفوذ الأميركي في المنطقة، ويجعل واشنطن تخسر تأثيرها على النُّخبة الحاكمة في بغداد.
من خلال العرض السابق يتضح لنا أن قادة “قسد” كانوا قد تلقوا أكثر من إشارة تؤكّد أن الدعم الأميركي لهم ليس مطلقاً وليس مستداماً؛ تصريحاً (على ذمة جيمس جيفري) وفعلاً، من خلال سياسات ترامب حيال حلفاء أميركا الكرد في المنطقة في ولايته السابقة. الأمر الذي يدفعنا إلى تقديم نظرية مختلفة عن النظريات التي راجت لتفسير ما حدث من جانب واشنطن حيال “قسد” خلال شهر يناير الماضي.
فواشنطن كانت حريصة على تعزيز قدرة “قسد” التفاوضية مع الحكومة السورية بدمشق منذ توقيع اتفاق مارس (2025)؛ إذ أبقت الغطاء العسكري والسياسي لها قائماً. لكن قادة “قسد” لم يفهموا طبيعة الغاية التكتيكية المؤقتة لهذا “الغطاء” بوصفه دعماً لهم لتحسين شروطهم التفاوضية مع دمشق كي يندمجوا في مؤسّسات الدولة بشروط أفضل. فماطلوا حتى تجاوزوا الموعد النهائي لتنفيذ الاتفاق. وهي مماطلة من الواضح أنها أزعجت الأميركيين أنفسهم. فكان “الضوء الأخضر” الأميركي لحكومة الشرع للقيام بعمل عسكري محدود ومنضبط بغية دفع قادة “قسد” للتفاوض بجدية أكبر. لكن ما حدث أن موازين القوى الحقيقية والمتفاوتة بشدّة انكشفت مع رفع “الغطاء” الأميركي، فانهارت “قسد” في وقت قياسي بصورة صدمت حتى الأميركيين، الذين انشغلوا بالتفاوض على إيجاد مخرج “مُشرّف” لـ”قسد”، ونقل معتقلي “داعش” الخطرين من سورية إلى العراق.
لماذا لم تدعم أميركا “قسد” حتى النهاية؟
إحدى الأجوبة متوافرة في التجارب السابقة التي أشرنا إليها: العلاقة مع تركيا، التي تهم أميركا عموماً وإدارة ترامب خصوصاً، إلى جانب العلاقة مع قوى إقليمية مهمة في نظر الإدارة الأميركية مثل دول الخليج الداعمة لحكومة الشرع. كذلك الرهان على الدول المركزية المستقرّة، كما في الرهان على بغداد أكثر من “كردستان العراق”، ودمشق أكثر من “قسد”.
ومع رحيل نظام الأسد وانتظام الحكومة السورية الجديدة في تحالف متقدّم مع واشنطن، لم يبقَ من قيمة للرهان على “قسد” بصورة تجعلهم يخسرون النفوذ على الحكومة في دمشق. وأبعد من ذلك، فرهان إدارة ترامب على إعادة إعمار سورية بتمويل إقليمي ودولي تستفيد منه الشركات الأميركية يتطلّب جملة شروط، أبرزها استقرار البلاد ووحدتها، ووجود حكومة مركزية يمكن التفاهم معها.
وأبعد من ذلك أيضاً، فالحرب على “الإرهاب السنّي”، وفق المفهوم الأميركي، عبر التعاون مع حكومة ذات خبرة عملية في تفكيك كثير من الحركات الجهادية والفصائل المتشدّدة، يبدو رهاناً معتمداً في واشنطن، خاصّةً أن عيّنات من هذا التعاون قد اختُبرت مخابراتياً في مرحلة “إدلب”. وذلك رغم المخاوف الأمنية وعدم ثقة دوائر استخباراتية وعسكرية أميركية ببعض مراكز القوى والتيارات داخل تركيبة السلطة الراهنة في دمشق.
إلّا أن الرهان الأمني يتكامل في قيمته مع رهانات أميركية أخرى اقتصادية واستراتيجية وسياسية، تجعل من العلاقة مع دمشق أكثر قيمةً وأقلّ كلفةً من علاقة مع تنظيم يحمل أيديولوجية قومية ويسارية متطرّفة، مرفوضة محلياً وإقليمياً على نطاق واسع، كان يسيطر على مساحات شاسعة من الجغرافيا والديموغرافيا غير الصديقة له.
العربي الجديد
——————————
“قسد” بعد تفكيك ملف “داعش”/ سميرة المسالمة
16 فبراير 2026
شكّل ملفّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، منذ بداية تحرير سورية من نظام الأسد، عبئاً مركزياً على العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إذ اعتمدت الأخيرة على ما يشكّله ملفّ معتقلي التنظيم من تهديد أمني لتبرير استمرار الإدارة الذاتية المؤقّتة، والحفاظ على دورها العسكري والإداري، فضلاً عن تبرير الدعم الدولي لبقاء ملفّ “قسد” خارج قوس الحلّ الوطني، ما حمّل الأهالي من السوريين الكرد تبعات تأخير تقديم الخدمات المطلوبة لهم بالتساوي مع المناطق السورية كلّها.
ومع تزايد الأخبار عن بدء حلحلة ملفّ معتقلي “داعش” وتفكيكه واختيار ترحيل أعداد منهم إلى العراق، يبرز سؤال عن مستقبل المهمّات العسكرية لـ”قسد”، وما إذا كانت هذه الخطوة تمثّل نهاية لواحد من أبرز الملفّات التي كانت تستخدمها لتأجيل أو تقييد تنفيذ اتفاقها الكامل مع الحكومة السورية، والعودة بها قوة محلّية مندمجة داخل مؤسّسات الدولة الأمنية والعسكرية والمدنية، أي إنهاء حالة الإدارة الذاتية المنفصلة عن الدولة الأم؟
على مدار سنوات ماضية، انشغلت “قسد” فعلياً بملفّ “داعش”، وفي الوقت نفسه، استخدمته ورقة ضغط سياسية وأمنية على النظام السابق، فاعتمدت عليه في تكريس وضعها قوة أمر واقع في مواجهة جيش الأسد من جهة، وبعض فصائل المعارضة من جهة مقابلة، ولتثبيت شرعيتها أمام المجتمع الدولي، باعتبارها شريكاً أساساً في مكافحة الإرهاب. كما أتاح لها هذا الملفّ الحفاظ على بنية إدارية وعسكرية منفصلة نسبياً عن مؤسّسات الدولة السورية، تحت عنوان “الضرورات الأمنية”.
وبعد التطوّرات التي أعقبت تحرير سورية، وفي ظلّ تأكيد المجتمع الدولي على وحدة أراضيها، والتفاهم السوري – الأميركي بشأن مكافحة الإرهاب، لم يعد بالإمكان الاستمرار في الاعتماد على “قسد” وكيلاً حصرياً في ملفّ محاربة “داعش”. هذا التحوّل فتح الباب أمام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة دور “قسد” قوة محلّية ضمن الخريطة السورية، ودفع باتجاه استحقاق مفصلي يتمثّل في إعادة دمج مناطق الشمال الشرقي بشكل كامل في بنية الدولة السورية، والشروع في تنفيذ بنود الاتفاق الموقَّع في 29 يناير/ كانون الثاني الماضي مع دمشق، من دون أي مبرّرات للتأجيل أو التعطيل.
مثّل الاتفاق المذكور الخطوة الجادّة أمام الحكومة لإعادة نشر مؤسّساتها، وفرض سيطرتها على الموارد والخدمات والمناطق، ودمج الأجهزة الأمنية المحلّية في مؤسّسات الدولة الرسمية، بما يحقّق وحدة الأراضي السورية التي تكفلها الدولة الجديدة، وبدعم شعبي سوري، وسند عربي ودولي.
يتيح الاتفاقُ للأطراف كافّة فرصة لإعادة ترتيب البنية الإدارية والسياسية في تلك المنطقة بشكل كامل، بما يشمل تنظيم الموارد، وتقديم الخدمات العامة، وتطبيق القوانين السورية، وضمان مشاركة المجتمع المحلّي. لا يقتصر النجاح في عملية الدمج على السيطرة الميدانية ودخول مؤسّسات الدولة إلى المنطقة، بل يتطلّب تأسيس إدارة متكاملة متصلة مع المركز، تجعل منها جزءاً من الدولة السورية الموحَّدة، وتؤسّس لاستقرار سياسي واجتماعي مستدام.
من جهة أخرى، يتيح القبول بالاتفاق وتنفيذه توجيه الجهود نحو أولويات جديدة تتعلّق بإعادة الإعمار، وتنشيط الاقتصاد المحلّي، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار. فاستقرار البنية الإدارية والقانونية يشكّل شرطاً لأي عملية تنموية، كما أن إنهاء مظاهر الازدواجية في السلطة يساهم في تقليل المخاطر وتحسين كفاءة إدارة الموارد.
من شأن تجاوز ملفّ “داعش” أن يحمل مهمّاتٍ جديدة لكلّ الأطراف الرسمية والمجتمعية، إضافة إلى مهمة معالجة الوضع الأمني المختلّ الذي كان أحدثه وجود هذا التنظيم في تلك المنطقة، منها معالجة جذور التطرّف، وتعزيز الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وتطبيق سياسات عادلة وشفّافة لضمان عدم عودة أي تنظيم مشابه في المستقبل، إذ إن غياب هذا الجهد قد يؤدّي إلى إعادة إنتاج الفراغ الذي سمح بصعود “داعش” في السابق.
وعليه، من منظور استراتيجي، يمثّل سحب عبء ملفّ معتقلي “داعش” من “قسد” نقطة تحوّل تاريخية، ليس لإزالة العقبة الأمنية فقط، بل لتهيئة الظروف لاندماج كامل للمناطق الشرقية ضمن الدولة السورية، وإطلاق مشاريع تنموية، وتعزيز ثقة السكّان بالدولة ومؤسّساتها، لترسيخ الاستقرار، وإعادة ترتيب المشهدين، السياسي والاجتماعي، بشكل دائم.
العربي الجديد
——————————
التحول البنيوي في الاستراتيجية التركية تجاه سوريا/ طالب الدغيم
2026.02.15
شكّلت الثورة السورية منذ عام 2011 نقطة تحوّل مفصليةً في مسار السياسة الخارجية التركية خلال العقدين الأخيرين. فقد تزامن اندلاعها مع مرحلة صعودٍ إقليميٍّ لأنقرة اتسمت بثقة سياسية واقتصادية مرتفعة، وبمحاولة لإعادة تعريف دورها في محيطها الجيوسياسي القريب. غير أن تحوّل الاحتجاجات السورية إلى نزاع مسلح، ثم إلى ساحةِ صراع دوليّ متعدد المستويات، وضع تركيا أمام حالة استراتيجيةٍ مختلفةٍ جذرياً عن تلك التي سادت مطلع العقد الثاني من الألفية.
أفضى هذا الواقع إلى انتقال تدريجي من مقاربة دبلوماسية داعمة للتغيير السياسي إلى انخراط أمني–عسكري مباشر، ترافق مع إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية. وأصبحت سوريا ساحةً لاختبار قدرة تركيا على الجمع بين الردع العسكري وإدارة النفوذ والمناورة الدبلوماسية ضمن بيئة إقليمية تتسم بتعدد الفاعلين وتضارب المصالح. وقد قال الرئيس رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة: “لن نسمح بقيام ممر إرهابي على حدودنا الجنوبية”. وهذا التعبير الرسمي، الذي تكرر خصوصاً بعد عام 2015، يعكس انتقالاً واضحاً من خطاب سياسي داعم للتغيير إلى خطاب أمني يقوم على منع تشكل تهديد طويل الأمد.
وعليه، لا يمكن تفسير السياسة التركية تجاه سوريا بوصفها سلسلة استجابات ظرفية، بل ينبغي النظر إليها كمسار تراكمي يعكس تفاعل ثلاثة مستويات مترابطةٍ؛ إرثٍ تاريخيٍّ مرتبطٍ بالظروف الجيوسياسية، واعتباراتٍ أمنيةٍ تحكمها معادلات الرغبة في منع التهديدات البنيوية، ورؤيةٍ استشرافيةٍ تسعى إلى تثبيت موقع أنقرة في نظام إقليمي متحوّل.
اتسمت العلاقات التركية – السورية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى بدرجة مرتفعة من عدم الاستقرار البنيوي، نتيجة تراكم نزاعات حدودية وأمنية وهيكلية ارتبطت بمرحلة تشكّل الدولة القُطرية في المشرق. فالحدود بين الدولتين لم تكن حصيلة تطورٍ طبيعيٍّ لعلاقات جوار مستقرة، بل جاءت نتيجة تفاهمات دولية فرضت حدود فصل سياسية على فضاء جغرافي ظلّ متداخلاً إدارياً واقتصادياً واجتماعياً لقرون. وقد ترك ضمّ لواء الإسكندرون إلى تركيا عام 1939 أثراً عميقاً في الوعي السياسي السوري، وتحول إلى أحد رموز الخلاف المستمر بين البلدين.
إلى جانب البعد الحدودي، شكّل ملف تقاسم مياه الفرات مصدراً دائماً للتوتر، خاصةً بعد إطلاق تركيا مشروع جنوب شرقي الأناضول(GAP)، والذي تضمن إنشاء منظومة سدودٍ كبرى أثارت مخاوف سوريةً متكررةً تتعلق بالأمن المائي (Perthes, 1995). ومع انتقال العلاقات إلى مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، دخلت في طور صدام غير مباشر، حين استخدمت دمشق ورقة حزب العمال الكردستاني للضغط على أنقرة، بينما اعتبرت تركيا ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وقد انتهت تلك المرحلة بتوقيع اتفاقية أضنة عام 1998م، والتي أسست لتهدئة أمنية حذرة عبر التزام سوري واضح بمنع أي نشاطٍ معادٍ لتركيا ينطلق من أراضيها.
وقد شهد العقد الأول من الألفية الجديدة تقارباً ملحوظاً تُرجم بارتفاع التبادل التجاري من أقل من 500 مليون دولار عام 2003 إلى نحو 2.5 مليار دولار عام 2010، وإلغاء التأشيرات، وتكثيف التنسيق السياسي. غير أنّ هذا التقارب ظلّ سطحياً من الناحية المؤسسية، لأنه لم يُعالج جذور القلق الأمني المتبادل، بل قام فوق طبقات تاريخية لم تُسوَّ بصورة نهائيةٍ
وعندما اندلعت الثورة السورية، أعادت التطورات الميدانية تفعيل هذا الإرث دفعةً واحدةً. فغياب السلطة المركزية في شمالي سوريا لم يُقرأ في أنقرة كتحولٍ داخليٍّ فحسب، بل كعودةٍ محتملةٍ لفراغٍ أمنيٍّ على حدودها الجنوبية، بما يحمله من تهديداتٍ عابرةٍ للدولة. وبهذا المعنى، لم تكن الأزمة في سوريا حدثاً جديداً في المخيال الاستراتيجي والأمني التركي، بل لحظةً أعادت وصل الحاضر بتاريخٍ من الأزمات، وأسست لإدراكٍ مفاده أن المسألة تتجاوز التقلبات الظرفية لتلامس بنية الأمن القومي الداخلي التركي.
يندرج السلوك التركي تجاه سوريا، في جوهره، ضمن منطقٍ واقعيٍّ يرى أن الدولة تسعى قبل كل شيء إلى حماية بقائها في نظامٍ دوليٍ يتسم بالفوضى وغياب السلطة المركزية. وقد مثّل تفكك الدولة السورية بعد عام 2011 تحدياً مباشراً لهذا البقاء، لا بسبب انهيار نظامٍ سياسيٍّ مجاورٍ فحسب، بل نتيجة صعود فواعل مسلحة غير دولية امتلكت القدرة على إعادة تشكيل البيئة الأمنية على طول الحدود الجنوبية لتركيا. وكانت أبرز هذه التهديدات تمثل في صعود وحدات حماية الشعب، ومن ثم قوات سوريا الديمقراطية، بدعمٍ مباشرٍ من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. ففي الإدراك الاستراتيجي التركي، اعتبر هذا التطور امتداداً إقليمياً للصراع الداخلي مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، بما يهدد بتحويل شمالي سوريا إلى عمقٍ متأزم ودائم لمشروع انفصالي.
في هذا السياق برزت مفاهيم “الأمن الوقائي” و “الواقعية الدفاعية”، والتي تقوم على نقل خطوط المواجهة خارج الحدود وإعادة هندسة المجال الأمني المحيط بالدولة. والعمليات العسكرية التركية المتتالية في الشمال السوري، جاءت ضمن هذا الإطار بوصفها أدواتٍ لإعادة إنتاج توازنٍ قسريٍّ يمنع قيام كيان مسلح معاد مستقر. ولعبت المحددات الجيوسياسية دوراً حاسماً في صياغة القرار التركي. فحدودٌ تتجاوز 900 كيلومتر، وتركيبةٌ إثنيةٌ معقدةٌ في الشمال السوري، جعلت أي فراغٍ أمنيٍّ مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار. كما شكّل التدخل الروسي عام 2015 وتحول إيران إلى فاعلٍ عسكريٍّ مباشرٍ عاملاً إضافياً في إعادة ضبط الحسابات، إذ رأت أنقرة في ذلك اختلالاً في توازن القوى الإقليمي قد يفضي إلى تهميش دورها في شرقي المتوسط وتقليص قدرتها على التأثير في مخرجات التسوية السياسية.
كما أسهمت هجمات تنظيم داعش داخل الأراضي التركية بين عامي 2015 و2017، وتدفّق أكثر من 3.6 ملايين لاجئٍ سوريٍّ، في ترسيخ قناعةٍ بضرورة تبنّي سياسةٍ أمنيةٍ نشطةٍ تتجاوز أدوات إدارة الواقع التقليدي.
ولقد بدأ التدخل التركي المباشر بعملية درع الفرات عام 2016، التي استهدفت إبعاد تنظيم داعش ومنع التواصل الجغرافي بين الكانتونات الكردية. تلتها عملية غصن الزيتون عام 2018، ثم نبع السلام عام 2019، وصولاً إلى درع الربيع في إدلب عام 2020. وقد تميز هذا المسار باستخدامٍ مكثفٍ للطائرات المسيّرة، وتنسيقٍ ميدانيٍّ مع فصائل محلية، وتفاهماتٍ سياسيةٍ مع روسيا (Carnegie Endowment, 2017).. ولم تُقدم هذه العمليات في الخطاب التركي بوصفها توسعاً جغرافياً، وإنما كإجراءات دفاعية لمنع قيام كيان مسلح تعتبره أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني. وهنا يشرح الباحث الأميركي ستيفن والت في نظرية “توازن التهديد” أن الدول تتحرك بناءً على إدراكها للنوايا لا فقط لحجم القوة. وفي الحالة التركية، كان إدراك الارتباط التنظيمي بين وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني هو المحدد المركزي حتى بعد سقوط نظام الأسد، والتسويات التي تم التوافق عليها، وتدخل تركيا في ضياغة حدودها.
لم يكن العامل الاقتصادي في الحسابات التركية تجاه سوريا منفصلاً عن المحددات الأمنية، بل تداخل معها ضمن إطارٍ يمكن وصفه بالاقتصاد السياسي للأمن. فمع اندلاع الثورة السورية، تكبدت المناطق الحدودية التركية خسائر كبيرة نتيجة انهيار التجارة، ولا سيما ولايات غازي عنتاب وهاتاي وكيليس، التي كانت تعتمد بصورةٍ ملحوظةٍ على التبادل التجاري مع الداخل السوري. وتشير تقديرات مراكز بحثٍ تركيةٍ وأوروبيةٍ إلى أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة تجاوزت عشرة مليارات دولار خلال السنوات الأولى من الصراع (Aydıntaşbaş, 2025).
ومع تثبيت مناطق نفوذ في الشمال السوري، اتجهت أنقرة إلى بناء اندماج اقتصادي تدريجي شمل استخدام الليرة التركية، وربط شبكات الكهرباء والاتصالات والخدمات بالبنية التحتية التركية، وفتح المعابر التجارية بصورة منظمة. لم يكن هذا النهج مقدمة لضم سياسي، بل محاولة لخلق تبعية اقتصاديةٍ وظيفية تسهم في تثبيت الواقع الأمني وتقليل كلفة الإدارة المباشرة. فكلما ارتبطت تلك المناطق اقتصادياً بتركيا، تراجعت احتمالات الانهيار الأمني أو الفوضى غير المنضبطة. وبعد سقوط نظام الأسد، أخذت تركيا تنظر إلى مرحلة إعادة الإعمار المستقبلية بوصفها فرصة استراتيجية لتعزيز حضورها الاقتصادي، مستفيدة من خبرة شركاتها في قطاعات البناء والطاقة والبنية التحتية، فضلاً عن دورها في المشاريع العسكرية والأمنية.
إلى جانب الاعتبارات المادية، لعبت المحددات الأيديولوجية والبنائية دوراً مهماً في صياغة السياسة التركية. فقد استُدعي خطاب “العمق الاستراتيجي” في السنوات الأولى للأزمة لإعادة تعريف موقع تركيا بوصفها دولةً ذات امتداد تاريخي وثقافي في محيطها، ومسؤولة عن استقرار بيئتها الإقليمية. وقد أسهم هذا الخطاب في تقديم التدخل ضمن تصور حضاري – أمني يربط بين حماية الحدود وحماية المجال الحيوي للأمة الأوسع.
شكّل صعود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أحد أبرز التحولات في معادلة الشمال السوري منذ عام 2014م. فقد نجحت هذه القوة في تثبيت حضورها بوصفها فاعلاً عسكرياً – أمنياً رئيسياً في شمالي وشرقي سوريا، ومستفيدةً من دورها في الحرب على تنظيم داعش ومن الدعم الأميركي المستمر. وكانت وحدات حماية الشعب (YPG) العمود الفقري لهذه البنية، وهو الأمر الذي منحها ثقلاً يتجاوز كونها قوةً محليةً محدودة التأثير، وغدا تنامي قوتها الملف الأكثر حساسية في الاستراتيجية التركية.
وقد دخل هذا الملف مرحلة جديدة بعد سقوط نظام الأسد وتحرير سوريا، وخصوصاً مع توقيع اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين الحكومة السورية الانتقالية وقائد قسد مظلوم عبدي، والذي نصّ على دمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لقسد ضمن مؤسسات الدولة السورية. وتلقّت أنقرة الاتفاق بترحيب حذر، وعدّته خطوة محتملة لتخفيف المخاطر المرتبطة بوجود قوة مسلحة مستقلة على حدودها، شرط أن يتم التنفيذ بصورة كاملة ودقيقة تفضي إلى إنهاء البنية العسكرية المنفصلة.
غير أنّ تعثر التنفيذ ونهاية المهلة المحددة في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025 دون خطواتٍ حاسمةٍ نحو الدمج الكامل أو تفكيك الهياكل المستقلة، ومع حسم دمشق خياراتها نحو عملية عسكرية من الشيخ مقصود إلى أطراف الحسكة، كان التشبيك والتعاون اللوجستي التركي واضحاً. وتعكس هذه المقاربة رؤية تركية أوسع لسوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، تقوم على ضرورة إعادة بناء دولة مركزية موحدة تحتكر السلاح وتمنع نشوء أي كيان عسكري أو سياسي مستقل على الحدود الجنوبية. ومن هذا المنظور، لم يُعدّ دمج قسد مسألةً إجرائيةً، وإنما مثلت شرطاً لتطبيع استراتيجي مستدام بين أنقرة ودمشق.
مع سقوط نظام بشار الأسد ودخول سوريا مرحلةً انتقاليةً، واجهت تركيا تحدياً مختلفاً عن تحديات السنوات السابقة. فقد انتقلت من التعامل مع فراغٍ أمنيٍّ أو سلطاتِ أمرٍ واقعٍ إلى التعامل مع مركزٍ سياسيٍّ يسعى إلى إعادة بناء الدولة واستعادة سيادتها. في هذا السياق، لم تعد العلاقة التركية–السورية تُختزل في مسألة التدخل أو عدمه، بل في كيفية إعادة تعريف الجوار على أسسٍ جديدةٍ. ومن المنظور التركي، يرتبط أي تطبيعٍ استراتيجيٍّ بقدرة الدولة السورية الجديدة على بسط سيادتها الفعلية ومنع ازدواجية السلاح، ولا سيما في المناطق الحدودية. فالأولوية الأمنية التي حكمت السلوك التركي طوال سنوات الصراع لم تتغير، لكنها أصبحت تُطرح ضمن إطار تفاهمي وعلاقة وثيقة مع دمشق.
وفي المقابل، تحتاج دمشق الجديدة إلى انفتاح إقليمي يعيد دمجها في النظام الدولي ويفتح أمامها مسارات إعادة الإعمار والاستثمار. ويمنح هذا الواقع تركيا هامشاً مهماً للتأثير في مسار الترتيبات الأمنية والاقتصادية المقبلة، سواء عبر المشاركة في مشاريع إعادة البناء أو عبر صياغة تفاهماتٍ أمنيةٍ جديدةٍ تستند إلى مبادئ سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
وهكذا يُظهر المسار الممتد بين عامي 2011 و2026 أن السياسة التركية تجاه سوريا تحوّلت من استجابة ظرفية لضغوط وأزمة إقليمية إلى انخراط بنيوي طويل الأمد. فقد نجحت أنقرة في تحقيق أهداف أمنية بعيدة المدى، وأبرزها تحجيم التهديد الانفصالي الكردي. وخلال المرحلة المقبلة، يُرجّح استمرار سياسة إدارة النفوذ التركي في الشمال. وبرأيي، ستظل العلاقة التركية السورية – رغم كل الثقة المتبادلة في الوقت الراهن – محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين الضرورات الأمنية ومتطلبات الاستقرار والمصالح الاقتصادية، في سياق إقليمي لا يزال في طور التشكل
تلفزيون سوريا
——————————
معضلة دمشق.. سيادة منقوصة أم جوع متمرد؟/ خالد المطلق
تجد سوريا نفسها في مطلع عام 2026 أمام مشهد استثنائي بملامح متناقضة تضع الدولة والمجتمع في عين العاصفة، وبينما تخطو “دولة ما بعد الأسد” خطوات واسعة نحو تثبيت أركان السلطة لا سيما في الشمال الذي ظل لسنوات خارج خارطة السيطرة المركزية، لا يزال المواطن السوري يرزح تحت وطأة تحديات معيشية خانقة تتجاوز مجرد “أزمة اقتصادية” لتصبح مهددًا وجوديًا لاستقرار هذا التحول التاريخي، فالمرحلة الراهنة لم تعد تكتفي بالشعارات السياسية الكبرى بل انتقلت إلى مربع “النتائج الملموسة”، ونحن اليوم أمام معركة مزدوجة ومعقدة تخوضها الحكومة المؤقتة، معركة “الرمزية والسيادة” فوق الخريطة لاستعادة وحدة التراب والمؤسسات، ومعركة “الكرامة والرغيف” فوق المائدة لتثبيت الحاضنة الشعبية، فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى التي لا تحمي أمن الإنسان الغذائي تظل عرضة للانتكاس، واستعادة الجغرافيا لا تكتمل إلا باستعادة الطمأنينة في نفوس الجياع.
يتجاوز ملف الشمال السوري هذا العام فكرة “التهدئة العسكرية” ليدخل في صلب إعادة هندسة الدولة، فالتفاهمات مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الحسكة والقامشلي لا تمثل مجرد بروتوكولات لضبط الحدود، بل هي محاولة لإنهاء حقبة “الدول داخل الدولة”، وبسط السيطرة الإدارية على مناطق شرق الفرات يعني استعادة الحكومة لـ”القلب النابض” لمواردها، والنجاح هنا لا يُقاس برفع العلم فحسب، بل بكفاءة دمج المؤسسات الخدمية والتعليمية والأمنية، فهل تستطيع دمشق تقديم نموذج إداري يستوعب الخصوصيات المحلية في الشرق دون التنازل عن مركزية القرار السيادي؟ هذا هو جوهر التحدي، كما أن استعادة الرئة الاقتصادية من خلال السيطرة على حقول النفط مثل “العمر” و”الرميلان” وسلال القمح في الجزيرة السورية تعني نظريًا إنهاء حالة التبعية للخارج في ملفي الطاقة والغذاء، فاستعادة هذه الموارد هي “رصاصة الرحمة” التي تُطلق على اقتصاد الحرب وبداية تأسيس اقتصاد وطني متكامل، ومن خلال إدارة هذا الملف المعقد تقدم القيادة السورية المؤقتة نفسها للعالم كقوة “استقرار” لا “صراع”، وفي حال أثبتت قدرتها على دمج القوى المحلية ومكافحة فلول التنظيمات المتطرفة ستمنحها الشرعية الوظيفية أمام القوى الإقليمية والدولية، مما يمهد الطريق لرفع العقوبات تدريجيًا أو تخفيفها.
إن معضلة الرغيف هي الأزمة التي لا تنتظر السياسة، فبينما تنشغل الغرف السياسية برسم خرائط السيطرة، يظل “الأمن الغذائي” هو الميدان الذي تخسر فيه الحكومات أو تربح ولاء شعوبها، فالمواطن السوري في 2026 لم يعد يكتفي بالوعود السياسية، بل ينتظر أثرًا ملموسًا في “قفة تسوقه” حيث تواجه الحكومة واقعًا مريرًا يتمثل في “التضخم الموروث”، وحتى مع استعادة الموارد لا يزال سعر الصرف يعاني من ندوب سنوات الحرب، ولا شك أن تآكل القوة الشرائية يجعل من أي تحسن في الإنتاج المحلي غير كافٍ إذا لم يرافقه ضبط صارم للأسواق وحماية للعملة من المضاربات الدولية والمحلية، أما من ناحية الإغاثة إلى الاستدامة فأصبح الجميع يعرف أن سوريا تعيش اليوم “فجوة إغاثية” حرجة، فالمجتمع الدولي بدأ يسحب بساط المعونات المباشرة ليتجه نحو “التعافي المبكر”، وهذا التحول يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لتأمين القمح والمحروقات بتمويل ذاتي، وهو عبء ثقيل في ظل ميزانية منهكة تحاول التوفيق بين الرواتب وإعادة الإعمار، أما ضغط الاستحقاق الشعبي فهناك حالة من “نفاد الصبر” الشعبي، والشارع السوري يرى في عودة حقول النفط والغاز في الشرق “عصا سحرية” يجب أن تُترجم فورًا إلى زيادة ساعات التغذية الكهربائية وانخفاض سعر ربطة الخبز، وهذا الضغط يضع صانع القرار أمام سباق مع الزمن لإثبات أن “السيادة” لها ثمن إيجابي مباشر على جيب المواطن.
ومن خلال هذا التوازن الحرج بين السيادة والرغيف، لا بد من العمل على تنفيذ الكثير من الإجراءات للوصول الى بر الأمان السيادي والمعيشي، وأعتقد أن أهم هذه الإجراءات هو الإصلاح الهيكلي ومحاربة الفساد المستشري، فاستعادة الموارد دون إصلاح مؤسسي قد تؤدي ببساطة إلى نشوء “نخب اقتصادية” جديدة تستفيد من عقود إعادة الإعمار على حساب العامة، ومكافحة الفساد في عام 2026 ليست ترفًا أخلاقيًا بل هي ضرورة تقنية لضمان وصول أموال النفط والقمح إلى مستحقيها ومنع تسربها للخارج، كما تحتاج سوريا إلى تحويل موقعها الجيوسياسي من “ساحة لتصفية الحسابات” إلى “عقدة ربط دولية”، والانفتاح على المحيط العربي والإقليمي (تركيا، العراق، الأردن، دول الخليج) يهدف لتحويل سوريا إلى ممر للتجارة والطاقة، وهذا الانفتاح هو الكفيل بتوفير “العملة الصعبة” اللازمة لتحريك عجلة الإنتاج الصناعي والزراعي المتعثرة.
في المحصلة، إن سوريا في عام 2026 لا تُختبر فقط بمدى قدرتها على رسم حدودها الدولية أو توحيد فصائلها العسكرية تحت علم واحد، بل تُختبر في أشد الاختبارات قسوة وهو مدى قدرتها على إطعام مواطنيها بكرامة وكفاية، والسيادة التي تكتفي بفرض الهيبة الأمنية دون أن تُشبع جائعًا تظل سيادة هشة وناقصة الشرعية، كما أن الرغيف الذي قد يأتي مغموسًا بالتنازل عن الثوابت الوطنية يظل رغيفًا مرًا لا يبني وطنًا مستقلًا. إن العبور نحو “سوريا الجديدة” يتطلب اليوم شجاعة في الإدارة توازي الشجاعة في الميدان، شجاعة تقطع مع إرث الفساد والمركزية المقيتة، وتؤمن بأن حقول النفط في الشرق ليست أرقامًا في الميزانية، بل هي وقود لتدفئة بيوت السوريين ومحرك لأفران خبزهم، ويبقى عام 2026 هو عام “العبور الكبير” والامتحان الصعب لمفهوم الدولة، فإما أن تنجح الحكومة في الموازنة بين هيبة الدولة وتأمين لقمة العيش لترسي أساسًا متينًا لاستقرار مديد، وإما أن يظل الجوع ثغرة ينفذ منها الخلل لتهديد كل ما أُنجز على طاولة السياسة.
———————————
دعوة وفد “قسد” إلى مؤتمر ميونخ.. رسائل أوروبية باتجاهات متعددة/ فراس فحام
2026.02.16
على عكس نسخة عام 2025 من مؤتمر ميونخ المخصص للأمن، والتي اكتفت فيها الجهة المنظمة بدعوة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ليمثل سوريا، شهدت نسخة 2026 حضور وفد عن قيادة سوريا الديمقراطية (قسد)، وأتاح هذا الحضور للوفد عقد لقاءات مهمة، أبرزها مع وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الذي لم يكتف فقط باللقاء مع وزير الخارجية السوري.
التصريحات التي صدرت عن إلهام أحمد مسؤولة العلاقة الخارجية لقسد أكدت أن حضور ممثلي قسد اللقاء مع وزير الخارجية الأميركي ماركو ربيو ضمن وفد مشترك برئاسة وزير الخارجية السوري الشيباني كان بطلب أميركي، بالمقابل فإن وزير الخارجية الألماني عقد لقاءات منفصلة مع الشيباني وعبدي، مما أعطى مؤشرات واضحاً على تباين بالموقفين الأميركي والأوروبي.
تباعد بالمصالح الأوروبية السورية
يصنف مؤتمر ميونخ ضمن أهم الفعاليات حول العالم، التي تساهم في صياغة السياسات الأمنية للدول، وبالتالي فإن حرص المنظمين على إتاحة المجال لقيادة قسد لتنشط ضمن المؤتمر وتعقد لقاءات مهمة لا بد أنه يحمل في طياته رسائل سياسية، خاصة وأن النسخة السابقة تم حصر الدعوات بالجهات الحكومية السورية.
بعيد سقوط نظام الأسد آواخر عام 2024 كانت الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا من أوائل الوافدين إلى دمشق، حيث أوفد البلدان وزراء الخارجية لإجراء مباحثات مع الحكومة السورية الجديدة، ورشح من هذه المباحثات تأكيدات ألمانية وفرنسية على ضرورة إنهاء مهمة القواعد الروسية في سوريا، والسبب واضح وهو خشية الدول الأوروبية من وجود روسيا العسكرية في حوض المتوسط قبالة السواحل الأوروبية.
بعد عام كامل لم يتحقق المأمول أوروبياً في سوريا، بل وجدت فرنسا وألمانيا وباقي الدول الأوروبية الفاعلة نفسها أمام تطور متسارع في علاقات الحكومة السورية الجديدة مع موسكو، وهذا ما أكدت عليه الزيارة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في كانون الثاني/ يناير الماضي، وما تضمنته من ثناء غير مسبوق من الرئيس الشرع على روسيا وتاريخها في التصدي للغزو الخارجي، وقد كانت ألمانيا كما هو معروف من بين الدول التي غزت موسكو.
وقبل هذه الزيارة وبعدها، عقدت لقاءات مكثفة بين وفود عسكرية واستخبارية روسية وسورية، ومن أكبر المؤشرات على تطور منحى التنسيق بين دمشق وموسكو اتخاذ الأخيرة قراراً مؤثراً بتقليص وجودها العسكري في قاعدة القامشلي وعدم تقديم المساندة لقسد خلال تعرضها لحملة عسكرية حكومية سوريا شهر كانون الثاني/ يناير، ومن المتوقع أن تستمر بعض القواعد الروسية في مناطق سيطرة الحكومة السورية، وتقوم بدور استشاري لصالح الجيش السوري الجديد.
رسائل أوربية إلى إدارة ترمب
منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025 كان واضحاً بأنه ينوي خوض مفاوضات مع روسيا من أجل إنهاء الحرب الأوكرانية، وفي آواخر العام المذكور اتخذت الإدارة الأميركية الحالية قراراً بوقف الدعم العسكري عن أوكرانيا، كما أنها تخوض مباحثات مع روسيا بخصوص مصير أوكرانيا دون إشراك الدول الأوروبية.
أيضاً، من غير المتوقع أن تندفع الحكومة السورية الجديدة إلى تطوير علاقاتها مع روسيا دون أن يكون لديها مؤشرات عن رضا ضمني لإدارة ترمب عن هذا المسار، بل قد يكون هذا التغاضي من الإدارة الأميركية عن بقاء النفوذ الروسي في سوريا هو جزء من حوافز من أجل استكمال التفاهمات حول كامل الملفات الأخرى وخاصة حرب أوكرانيا.
نهج إدارة ترامب الحالي تجاه أوروبا دول الدول الأوروبية المؤثرة لتصريحات رافضة لهذا النهج، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تصميم هيكل أمني للقارة الأوروبية بشكل مستقل لمواجهة عدوانية روسيا، كما استنكر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس استبعاد الجانب الأميركي للحفاء الأوروبيين عن مفاوضات تخص أمن القارة، معتبراً أن هذه الخطوة تضعف حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ويبدو أن الدول الأوروبية لن تكتفي فقط برفع الصوت والتصريحات التي تستنكر تعاطي إدارة ترامب معها، بل اتجهت إلى خطوات عملية ومن ضمنها التشويش على جهود الإدارة في سوريا، ومساعيها لتوحيد سوريا وإنجاح دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة، والواضح أنها نجحت بشكل جزئي في هذه المساعي، فقد اتخذت قسد بعد مؤتمر ميونخ عدة خطوات تصعيدية منها إعادة نشر قواتها ضمن مدنية الحسكة ومحيطها بعد تقليص هذا الانتشار عقب توقيع اتفاق 29 يناير 2026 برعاية أميركية، كما عادت المسيرات الشعبية التي ترفع صور عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، رغم التوافق مع الحكومة السورية برعاية أميركية على انسحاب عناصر الحزب من سوريا.
ومن المحتمل أن استضافة مؤتمر ميونخ لوفد قسد بشكل منفصل عن الحكومة السورية لا يقتصر فقط على الرغبة بتوجيه رسائل إلى الحكومة السورية وإدارة ترمب، بل ربما أيضا يرتبط برغبة بعض الدول الفاعلة مثل فرنسا بالحفاظ على نفوذ لها بسوريا من خلال الإبقاء على قوة قسد مستقلة، نظراً لخشيتها من هيمنة الولايات المتحدة ودول إقليمية أخرى على الاستثمارات في مجال الطاقة ضمن سوريا، وقد تتراجع مجدداً عن دعم قسد حال حصلت على مكاسب مهمة.
———————-
صرخة أهل الجزيرة في وجه الحكومة/ عبد القادر العبيد
فبراير 16, 2026
حين تُستعاد سلطة الدولة على إقليم واسع، فإن الاختبار الحقيقي لا يكون في رفع الأعلام ولا في تشغيل المنشآت الإنتاجية، بل في سرعة إعادة انتظام الحياة العامة، وفي قدرة الإدارة على ترجمة السيادة إلى خدمات، والموارد إلى حقوق ملموسة للسكان.
فالإدارة العامة، وفق أصولها المستقرة، تُقاس بترتيب الأولويات، وبحماية الإنسان قبل المورد، وبضمان استمرارية المرافق الأساسية بوصفها التزاماً قانونياً لا يقبل التأجيل. ومن هذا الميزان يمكن قراءة ما يجري في منطقة الجزيرة السورية بعد التحرير، حيث تتسع الفجوة بين تشغيل الثروة وتشغيل الخدمة.
الجزيرة السورية لم تكن نقطة جغرافية معزولة، بل فضاءً عمرانياً متصلاً يمتد بين دير الزور ومحافظة الحسكة لمسافة تبلغ 180 كم. وعلى هذا الامتداد تقع أربع مدن متوسطة الحجم تتوزع بشكل متتابع. تبدأ بمدينة الصور التي تبعد عن دير الزور 50 كم وتتبع لها إدارياً. ثم تأتي مركدة وتبعد عنها 30 كم. بعدها الشدادي التي تبعد عنها 40 كم. ثم العريشة التي تبعد عنها 30 كم، وتبعد مسافة مماثلة عن الحسكة.
أي أن مركدة تتوسط المسافة بين الصور والشدادي، والعريشة تتوسط المسافة بين الشدادي والحسكة. وجميع هذه المدن يشقّها نهر الخابور من المنتصف، وتنتشر على طرفي النهر الممتد حتى الفرات عشرات القرى. ويعيش في هذا الشريط السكاني أكثر من مليون ومئتي ألف نسمة، ظلوا لسنوات طويلة خارج أولويات التخطيط الخدمي رغم أن معظم الثروات النفطية والزراعية السورية تخرج من أرضهم.
وهذا ما جعل المنطقة بيئة خصبة لنمو التنظيمات الإرهابية مثل داعش وقسد، حيث استغلوا حاجة الناس وشعورهم بالمظلومية والتهميش لتحقيق أهداف لم تكن هي ذاتها أهداف أهل المنطقة.
بعد التحرير، توجّه وزراء إلى المنطقة، لكن مسار التحرك التنفيذي تركز على حقول النفط والغاز. جرى فحص الأضرار، واستقدام خبراء، وتجهيز صهاريج النقل منذ اليوم الأول. في المقابل، انقطعت الكهرباء والماء والاتصالات بشكل كامل منذ يوم التحرير الأول. دخلت المدن والقرى في عزلة. تعطل التواصل، وتعذر حتى الاطمئنان الأسري. هذا التباين الصارخ بين تسريع تشغيل المورد وتأخير إعادة الخدمات الأساسية يمثل خللاً واضحاً في ترتيب المصلحة العامة، ويخالف منطق استمرارية المرافق الذي يُعد من ركائز القانون الإداري.
كما سُجّلت حوادث أُوقف فيها فقراء حاولوا الحصول على عبوات نفط للتدفئة، وصودرت الكميات منهم، وتم اعتقال بعضهم. إن تطبيق النظام واجب، غير أن مشروعية الإجراء الإداري لا تُقاس بوجود المخالفة وحده، بل بمدى التزام السلطة بمبدأ التناسب. ومبدأ التناسب يعني أن يكون تدخل الإدارة ضرورياً لتحقيق هدف مشروع، وأن تُستخدم الوسيلة الأخف التي تكفي لتحقيق هذا الهدف، مع مراعاة الظروف الإنسانية المحيطة.
فعندما تكون الخدمات الأساسية متوقفة، ووسائل التدفئة معدومة، تصبح الضرورة المعيشية عنصراً واجب الاعتبار في تقدير الإجراء. إغفال هذا الميزان في القرار التنفيذي يعكس ضعفاً في التقدير الإداري، لا قوة في تطبيق النظام.
إلى وزير الطاقة: إدارة قطاع الطاقة في هذه المنطقة لا يجوز أن تُختزل في إعادة الإنتاج والنقل. النفط والغاز موردان عامان، ووظيفتهما القانونية والتنموية تقتضي أن ينعكس استثمارهما مباشرة على البيئة السكانية المنتجة لهما. لا يستقيم منطق الإدارة أن تُسحب نقطة نفط واحدة بينما تبقى المدن الممتدة على 180 كم بلا كهرباء ولا ماء ولا اتصالات.
التصريح الصادر عن وزير الطاقة بأن غالبية الوظائف في حقول النفط والغاز ومحطات الكهرباء ستكون لأبناء المنطقة يجب أن يتحوّل إلى قرار تنفيذي مُلزم. المعلومات المتداولة تشير إلى اتجاه لتعيين مدراء وموظفين من خارج المحافظة ومن خارج الجزيرة، على أساس الولاء والعلاقات الشخصية والمحسوبيات، تحت ذريعة أن المنطقة تفتقر إلى الخبرات.
هذا التبرير لا يصمد أمام الواقع. الجزيرة تضم مئات المهندسين والجامعيين والمتخصصين في مختلف الاختصاصات، وكثير منهم بلا عمل منذ سنوات. استبعادهم المسبق إما أنه ناتج عن جهل بطبيعة المنطقة وتركيبتها العلمية، أو تجاهل متعمد لهذه الكفاءات لفتح الباب أمام توظيف أهل الولاءات بدلاً من أهل الاستحقاق. هذا مسار شديد الخطورة إدارياً واجتماعياً، ويمس مبدأ العدالة، ويهدد سلامة إدارة المرفق.
المطلوب إجراء مسح مهني شامل، وفتح باب التقديم، واعتماد معايير كفاءة معلنة، ومنح أولوية فعلية لأبناء الجزيرة في كل وظيفة تُقام على أرضهم، واعتماد مبدأ التقييم عن طريق النقاط. ومن يحقق نقاطاً أكثر يكون مقدّماً على غيره. النقاط في هذه الحالة تُحسب على أساس التحصيل العلمي والمؤهلات الأخرى والمهارات واللغات والقدم الوظيفي، وليس على أساس الشخصية التي تزكيه.
إلى وزير الصحة: الواقع الصحي على امتداد هذا الخط الجغرافي واقع هش إلى درجة خطيرة. لا يوجد مستشفى واحد على طول 180 كم يخدم الصور ومركدة والشدادي والعريشة والقرى التابعة لها. البيئة هناك معرضة يومياً لحوادث السير، والإصابات بطلق ناري، ولدغات الأفاعي والعقارب، والإصابات الخطرة الناتجة عن العمل والظروف الأمنية. كثير من هذه الحالات لا يصل إلى المدينة إلا جثة هامدة بسبب عدم وجود رعاية طبية في الوقت المناسب.
ما قُدم حتى الآن هو عشرون جهاز غسيل كلى لمشفى دير الزور، مع تجاهل كامل للجزيرة بدءاً من ريف دير الزور الشمالي وصولاً إلى الحسكة (180 كم). وحتى الأجهزة المقدمة لدير الزور تم تقديمها على شكل مساعدات، لا ضمن خطة تأسيسية. لم يظهر أي برنامج بنيوي لتغطية المنطقة طبياً، وكأن من يعيش في هذا الامتداد السكاني الواسع خارج الحساب الصحي.
في هذا الإطار، فإن المطلوب واضح ومحدد. إنشاء مستشفى متكامل في ناحية الصور وآخر في ناحية الشدادي. إقامة مركزين صحيين متوسطين في مركدة والعريشة لأنهما تتوسطان المسافات بين المدن الأكبر، ولأن حجمهما السكاني أقل نسبياً. على أن تُطوَّر هذه المراكز في مرحلة لاحقة إلى مستشفيات مكتملة. يجب أن تتضمن مستشفيات الصور والشدادي أقسام إسعاف وجراحة وغرف عمليات وعناية مشددة وعلاج أورام، في ضوء التلوث الناتج عن التكرير البدائي للنفط وانتشار الأمراض المرتبطة به.
إلى وزير الاتصالات: البنية التحتية للاتصالات في هذه المنطقة ما زالت تعتمد على خط إنترنت قديم ومهترئ يعود إلى زمن النظام البائد، ولم يجر تطويره لاحقاً. هذا المستوى من الخدمة لا ينسجم مع أبسط معايير العدالة في توزيع المرافق الرقمية. منطقة يعيش فيها أكثر من مليون ومئتي ألف نسمة، وتنتج قسماً كبيراً من ثروة البلاد، يجب أن تحظى بخدمة إنترنت تماثل في سرعتها وكفاءتها الخدمة المتاحة في أي وزارة وفي بيت أي وزير، ونفس مستوى الخدمات المتوفر في دمشق.
لا يمكن القبول ببقاء الجزيرة خارج خطط التطوير الرقمي، بينما تُطرح مشاريع لجعل البلاد مركزاً إقليمياً لتوزيع الإنترنت. فلولا ثروات الجزيرة، لما توفرت البنية التي تقوم عليها الخدمات في المدن الكبرى أساساً. المطلوب خطة عاجلة لتحديث الشبكات، واستبدال الخطوط المتهالكة، ونشر تغطية حديثة، وإدخال إنترنت ثابت عالي السرعة إلى المدن الأربع والقرى التابعة لها.
إن حماية المنطقة واستقرارها لا يتحقق بالحضور الأمني وحده، بل من خلال العدالة في توزيع الخدمات، وتكافؤ الفرص في التوظيف، وربط استثمار الثروة بتحسين حياة السكان.
التنمية الشاملة في الجزيرة السورية تمثل خط الدفاع الأول ضد الانجرار نحو التنظيمات الإرهابية، فهي تمنع نشوء أو نمو تنظيمات مثل داعش أو قسد أو أي مجموعات متطرفة أخرى، وتضمن استقرار المجتمع وحفاظ أهله على أرضهم وكرامتهم. التنمية والإدارة الرشيدة هي الطريق الحقيقي لحماية المنطقة وإحداث تغيير دائم في سلوك الإدارة، بدلاً من تكرار أخطاء الماضي بوجوه جديدة.
—————————
“نريد حكما كرديا تحت أي مسمى”.. وسوريون: عبدي يغرّد خارج السرب
شهدت منصات التواصل السورية جدلا واسعا بعد تداول تصريحات لقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي لوسائل إعلام كردية، قال فيها “نريد حكما كرديا محليا تحت أي مسمى كان، وحماية خصوصية مناطقنا وإدارتها بأنفسنا”.
تصريحات عبدي عن “كيانية سياسية وعسكرية وإدارية” للأكراد في سوريا جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وبدا لكثيرين أنها تغرّد خارج سرب اتفاق الاندماج المعلن يوم 30 يناير/كانون الثاني الماضي، الذي نص على انضواء هذه القوات تحت راية وزارتي الدفاع والداخلية في الدولة السورية.
في حين رأى بعضهم في هذه التصريحات محاولة لـ”مغازلة” العقل الجمعي لمؤيدي قسد، وتؤكد الوقائع والمواقف الدولية من واشنطن إلى باريس أن دمج هذه القوات في إطار مؤسسات الدولة هو المسار الوحيد المقبول والمعترف به، بعيدا عن أي كيانات مستقلة أو صيغ رمادية للحكم.
وقال مغرّدون إنه على مدى السنوات الماضية، قدَّمت قيادة قسد لجمهورها سلسلة طويلة من الوعود السياسية والإدارية لا تملك اليوم القدرة على الوفاء بها. لذلك تبدو تصريحات عبدي أشبه بـ”إبر بنج” موجَّهة إلى القاعدة الشعبية، في ظل عجز واضح عن مصارحتها بحقيقة ما آلت إليه التفاهمات مع دمشق وحلفائها.
وأشار آخرون إلى أن قسد امتلكت فرصة زمنية واسعة لبناء نموذج إدارة محلية وحكم ذاتي مقنع، يثبت جدارتها أمام حلفائها وداعميها، لكنها -بحسب منتقديها- فشلت في تقديم نموذج دولة مؤسسات قادر على الصمود أو على إقناع القوى الدولية باستمراره خارج إطار الدولة المركزية.
وأضاف هؤلاء أن قسد اليوم لا تملك القوة السياسية ولا المجتمعية لمواجهة قاعدتها الكردية بحقيقة الاتفاقات والمسار النهائي الذي تتجه إليه. لذلك تعمل في الفواصل الزمنية بين مراحل تنفيذ الاتفاق على طمأنة هذه القاعدة عبر شعارات ومظاهر “مخدرة” تمهيدا للانتقال إلى المرحلة التالية.
ويقدّم منتقدوها ذلك بوصفه جزءا من “أسلوب متفاهَم عليه” مع الحكومة والجهات الراعية، يقوم على امتصاص الصدمة الشعبية تدريجيا لا أكثر.
ورأى مغرّدون وناشطون في هذا الطرح مؤشرا إلى أن الاتفاق مع دمشق ما زال مليئا بـ”الألغام” وقابلا للانفجار في أي لحظة.
وبحسب هذه القراءة، لا تنحصر الإشكالية في “المصطلحات والعناوين” كما يحاول عبدي أن يوحي، بل في سعي قسد إلى إعادة فتح النقاش بشأن جوهر الاتفاق ومحاولة فرض تصورات جديدة تتعارض مع ما تم التوصل إليه، تحت عنوان “خصوصية المناطق الكردية”.
لكنَّ كثيرين يرون أن زمن المشروعات الرمادية قد انتهى. ففي المؤتمر الأخير بميونخ، تقدَّم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الوفد الرسمي للدولة، في حين حضر كل من مظلوم عبدي وإلهام أحمد تحت المظلة السورية لا خارجها.
هذه الصورة -في نظر مراقبين- ليست مجرد لقطة “بروتوكولية” عابرة، بل هي تعبير عن لحظة سياسية فاصلة، ترسم فيها ملامح المرحلة المقبلة “قسد” بوصفها قوة مندمجة في مؤسسات الدولة لا كيانا موازيا لها.
حسم قائد “قسد” مظلوم عبدي قراره بعدم تولي أي منصب رسمي في الحكومة السورية رغم عرض بعض المناصب عليه، وفق ما أكدته إلهام أحمد الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر من ميونخ.
وأوضحت إلهام أحمد -في حديثها مع برنامج “المسائية” على الجزيرة مباشر- أن عبدي أكد أنه لن يتولى مناصب في الحكومة، مشيرة إلى أنه حسم خياره بهذا الشأن، في وقت تتواصل فيه عملية دمج أجهزة “قسد” في مؤسسات الدولة السورية، وخصوصا في البنية العسكرية.
المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي
———————-
إلهام أحمد: اهتمام دولي عالٍ بدمج ”قسد” في مؤسسات الدولة
الإدارة الذاتية: الاتفاق مع دمشق لا يتضمن نصاً صريحاً لحل مؤسساتنا
قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، إن مستوى الاهتمام الدولي بملف دمج قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية عالٍ جداً، مؤكدة أن هذا المسار يحظى بمتابعة مباشرة من أطراف دولية فاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
وأكدت أحمد، أن قائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي حسم قراره بعدم تولي أي منصب رسمي في الحكومة السورية، رغم تلقيه عروضاً لتولي مناصب مختلفة، مشيرة إلى أنه أكد بشكل قاطع أنه لن يشغل أي موقع حكومي في المرحلة المقبلة، بالتزامن مع استمرار عملية دمج أجهزة “قسد” في مؤسسات الدولة، ولا سيما ضمن البنية العسكرية.
وأوضحت أن تصريحاتها جاءت عقب مشاركتها، إلى جانب مظلوم عبدي ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في لقاء جمعهم بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، حيث جرى بحث تطورات الملف السوري بصورة عامة، ومسار دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري والمؤسسات الرسمية على وجه الخصوص، وفق ما أفادت به قناة “الجزيرة“.
وبيّنت أحمد أن الاجتماع ركز على آليات دمج القوات والمؤسسات الإدارية والخدمية، ووصفت مستوى الاهتمام الدولي بالعملية بأنه مرتفع للغاية، لافتة إلى أن الوفد المشترك الذي ضم ممثلين عن الحكومة السورية و”قسد” عكس حالة توافق سوري لاقت ترحيباً وتشجيعاً من الجانب الأميركي، الذي أبدى استعداده لمتابعة تنفيذ عملية الدمج عن قرب، والمساهمة في تذليل أي عقبات قد تعترضها، سواء على المستوى العسكري أو الأمني، إلى جانب دعم المرحلة اللاحقة المتعلقة بصياغة الدستور.
وفي الشأن الميداني، كشفت إلهام أحمد أن عملية الدمج العسكري بدأت فعلياً، موضحة أنه جرى في محافظة الحسكة سحب القوات من الجبهات من الطرفين وإعادة تموضعها في مواقع متفق عليها، تمهيداً لإدماجها ضمن أطر عسكرية جديدة.
وأضافت أن الاتفاق ينص حالياً على دمج القوات في ثلاثة ألوية في الحسكة ولواء واحد في كوباني، على أن تتبع هذه التشكيلات لوزارة الدفاع السورية.
وأشارت إلى أن مسألة التسمية النهائية لهذه التشكيلات لا تزال مرتبطة بالمحادثات الجارية مع وزارة الدفاع، مؤكدة أن تبادل البيانات والمعلومات الخاصة بالأفراد مستمر ضمن آلية الدمج المعتمدة، كاشفة أن قوات سوريا الديموقراطية قدمت أسماء مرشحين لمنصب معاون وزير الدفاع السوري، وأن النقاش لا يزال مفتوحاً حول هذا الملف.
وفي ما يتعلق بمستقبل الإدارة الذاتية، أوضحت أحمد أن الاتفاق لا يتضمن نصاً صريحاً على حل مؤسساتها، بل يجري بحث إعادة ترتيبها ضمن إطار لا مركزي داخل الدولة السورية، بما يحافظ على دورها الخدمي والإداري.
اقرأ أيضاً: قائد “قسد” يلتقي وزيري خارجية ألمانيا والعراق
وقالت إن المؤسسات الخدمية ستواصل تقديم خدماتها لسكان المنطقة، ولكن ضمن آلية دمج مدني وإداري جديدة لا تزال قيد البحث، مشددة على أن الهدف هو الحفاظ على علاقة لامركزية ضمن إطار الدولة الموحدة.
ورغم الأجواء الإيجابية التي تحدثت عنها، أقرت إلهام أحمد بوجود تحديات تعترض تنفيذ الاتفاق، أبرزها ما وصفته بخطاب تحريضي موجّه يسعى لإذكاء التوتر الكردي العربي، مشيرة إلى أن بعض هذه الخطابات تصدر عن أطراف إقليمية أو عبر وسائل إعلام تتبنى هذا النهج.
وأكدت أن استمرار عملية الدمج يتطلب عقلية جديدة وتشجيعاً مجتمعياً، محذرة من الانجرار وراء دعوات الفتنة التي قد تعرقل المسار السياسي.
وقالت إن العلاقة مع الولايات المتحدة لا تزال جيدة، وهناك تواصل وتنسيق مستمر، ولا سيما في ما يتعلق بمراقبة عملية الدمج، رافضة الحديث عن تراجع الدعم الأميركي، ومعتبرة أن العلاقات لا تقتصر على مؤسسة واحدة، بل تقوم على شبكة أوسع من التواصل.
وأكدت إلهام أحمد أن الإدارة الذاتية تطمح إلى مشاركة حقيقية في صياغة مستقبل سوريا، بما في ذلك التمثيل في اللجنة الدستورية ومؤسسات الدولة المختلفة، داعية الحكومة السورية إلى التعامل مع قوات سوريا الديموقراطية كشريك أساسي في بناء سوريا جديدة تقوم على الاستقرار والتشاركية السياسية.
ويوم الثلاثاء الماضي، أعلنت وزارة الدفاع السورية عن بدء سحب قواتها من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق سوريا، تنفيذاً للاتفاق الشامل الذي أبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، عن هيئة العمليات في وزارة الدفاع قولها إن “قوات الجيش بدأت بالانسحاب من محيط مدينة الحسكة، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الدولة السورية وقسد”، مؤكدة أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في المناطق التي انسحب منها الجيش.
وأضافت الهيئة أن “قسد تلتزم بتطبيق الاتفاق مع الجيش، وتقوم بخطوات إيجابية”، مشيرة إلى أن الجيش السوري يواصل المراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية.
———————
“قسد” تنفذ حملة اعتقالات في الحسكة تطال مدنيين
إدلب – أحمد العقلة
الأحد 2026/02/15
أفاد مصدر خاص لـ”المدن” بأن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفّذت خلال الساعات الماضية حملة اعتقالات طالت عدداً من المدنيين في مناطق متفرقة من محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا، وسط حالة من التوتر والاستياء في أوساط الأهالي.
ووفقاً للمصدر، أقدمت عناصر تابعة لـ”قسد” على اعتقال كل من حسان الدحل وعبيد الدحل في مدينة المالكية (ديريك)، شمال شرقي الحسكة، بذريعة انحدارهما من بلدة تل حميس، وعدم “جواز دخولهما” إلى المدينة، بحسب ما نُقل عن الجهة المنفذة للاعتقال.
كما اعتقلت “قسد” المواطن عبد السلام محمد العبد في مدينة رميلان، بحجة أنه من قرية اليوسفية التي استقبلت عناصر من الأمن العام السوري مؤخراً. وبحسب المعلومات، يعمل العبد في حقول النفط ويقيم في رميلان، ولم يُعرف عنه مشاركته في أي فعاليات أو نشاطات ذات طابع سياسي.
كما تم إبلاغ المواطن تمري الوهاب بضرورة مغادرة مدينة رميلان، رغم أنه عامل مقيم في المنطقة منذ سنوات، ولم يزر قريته الأصلية منذ فترة طويلة، وفقاً للمصدر ذاته.
الشبيبة الثورية
وفي سياق متصل، أقدم عناصر من “الشبيبة الثورية” التابعة لـ”قسد” على إحراق سيارة تعود لأحد المدنيين في حي النشوة الشرقية بمدينة الحسكة، فجر اليوم، دون ورود معلومات إضافية حول ملابسات الحادثة أو الأسباب التي تقف خلفها.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من “قسد” بشأن هذه الإجراءات، في وقت تتصاعد فيه شكاوى الأهالي من تكرار حملات التوقيف والإجراءات الأمنية التي يقولون إنها تستهدف مدنيين على خلفيات مناطقية.
ونهاية الشهر الماضي، توصلت الحكومة السورية “قسد” إلى “اتفاق شامل” لوقف إطلاق النار، بما يشمل بدء مسار سياسي وأمني وعسكري متكامل.
وينص الاتفاق على إيقاف إطلاق نار شامل بين الطرفين، والتفاهم على عملية دمج تدريجية للقوات العسكرية والإدارية، وانسحاب القوات العسكرية من جميع نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي؛ بغية تعزيز الاستقرار.
إضافة إلى بدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إلى جانب تشكيل لواء في بلدة كوباني (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.
كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم
——————————
الداخلية السورية تمهل عناصر “قسد” حتى نهاية فبراير لتسوية أوضاعهم/ عدنان علي
16 فبراير 2026
منحت وزارة الداخلية السورية العناصر المنتسبين سابقاً لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مهلة نهائية لتسوية أوضاعهم، فيما قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد، إن الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات “قسد” لا يتضمّن نصاً صريحاً بحل مؤسسات الإدارة الذاتية. وقالت الداخلية السورية، في تعميم لها نشرته اليوم الاثنين، إن مراكز التسوية في محافظات حلب، وإدلب، ودير الزور، والرقة، ستتوقف عن استقبال طلبات تسوية الأوضاع اعتباراً من مطلع شهر مارس/ آذار المقبل.
وطلب التعميم من جميع المعنيين “المبادرة إلى مراجعة المراكز المختصة في هذه المحافظات قبل انتهاء المهلة المحددة، وذلك لتسوية أوضاعهم والحصول على الوثائق التي تساعدهم في استكمال الإجراءات القانونية سعياً لتعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة عموماً”. إلى ذلك، قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، إن مؤسسات “الإدارة الذاتية” ستستمر في تقديم خدماتها لسكان المنطقة، ولكن ضمن آلية دمج مدني وإداري جديدة قيد البحث، مؤكدة أن الهدف هو الحفاظ على نوع من العلاقة اللامركزية في إطار الدولة الموحدة.
وأضافت أحمد، في مقابلة مع قناة “الجزيرة”، أن عملية الدمج العسكري بدأت بالفعل، موضحة أن محافظة الحسكة شهدت سحب القوات من الجبهات من الطرفين، وإعادة تموضعها في مواقع متفق عليها، تمهيداً لإدماجها ضمن أطر عسكرية جديدة، مشيرة إلى أن الاتفاق ينص على دمج القوات في شكل ثلاثة ألوية في الحسكة، ولواء في عين العرب (كوباني)، على أن تتبع هذه التشكيلات لوزارة الدفاع السورية.
قوات من الأمن السوري قرب السويداء، 11 يوليو 2025 (Getty)
وكشفت أن “قسد” قدّمت أسماء مرشحين لمنصب معاون وزير الدفاع السوري، وأن النقاش لا يزال مستمراً حول هذا الملف، مشيرة إلى أن قائد “قسد” مظلوم عبدي لن يتولى مناصب في الحكومة. وبشأن وجود قيادات من “حزب العمال الكردستاني” ضمن صفوف “قسد”، أوضحت إلهام أحمد أن الملف قيد المتابعة والنقاش مع الجهات المعنية، مؤكدةً أن خطوات ملموسة بدأت بالفعل، من دون الخوض في تفاصيلها.
من جهته، قال عبدي في مقابلة مع قناة “ميديا خبر”، إن “روج آفا” (مناطق الجزيرة السورية) تشهد حالياً مرحلة جديدة، موضحاً أن هذه هي المرة الأولى التي يُعمل فيها على الاعتراف بقيادة “روج آفا”، بما في ذلك القيادة العسكرية. وأضاف عبدي أن هناك توجهاً دولياً للاعتراف بهذه القيادة، وأنهم يعملون على صون حقوق الشعب الكردي. كما أشار إلى أن جميع الأطراف الفاعلة في الملف السوري قد فعّلت علاقاتها معهم، مشدداً على أن المرحلة الجديدة ستترك أثراً إيجابياً على مستقبل المنطقة، وفق تعبيره.
العربي الجديد
——————————
===================
تحديث 14 شباط 2026
——————————
من الفواعل دون الدولة إلى إعادة مركزية السلطة:دلالات انحسار (قسد)في سورية/ يمان زباد
14 شباط/فبراير ,2026
تتناول هذه الورقة دلالات انحسار”قسد” في الشمال والشرق السوري في سياق المرحلة الانتقالية، وتجادل بأن هذا التحول يتجاوز بعده العسكري ليطال بنية السيادة، والعلاقة بين المركز والأطراف، ووظيفة الفواعل المسلحة دون الدولة في المرحلة القادمة. وتبيّن أن تراجع “قسد” أسهم في تفكيك نموذج سيطرتها الذي جمع بين الاحتكار العسكري والاقتصادي والتمثيل القسري للمكوّن الكردي، وأعاد إدراج الشمال الشرقي ضمن معادلة الدولة المركزية.
كما تحلل الورقة ارتدادات هذا التحول على ملفات داخلية أخرى، ولا سيما السويداء والساحل، حيث أضعف سقوط النموذج الأقوى رهانات الفواعل المحلية على اللامركزية المسلحة والتحالفات الهشة. وعلى المستوى الإقليمي، تُظهر الورقة أن انحسار”قسد” قلّص فاعلية استخدام الفواعل دون الدولة كورقة تفاوضية، وأسهم في إعادة توجيه المفاوضات السورية–الإسرائيلية نحو مسار أكثر مباشرة.
وتخلص الورقة إلى أن حسم ملف “قسد” فتح مسارًا جديدًا لإعادة بناء الاستقرار الداخلي، يقوم على استعادة احتكار العنف، وإعادة ضبط الاقتصاد السياسي، والانتقال من إدارة المكونات إلى إدماجها ضمن إطار المواطنة، كما يعكسه المرسوم رقم (13)، بما يجعل نجاح المرحلة المقبلة مرهونًا بتحويل الحسم الميداني إلى شرعية عبر وضع أطر تنفيذية للمرسوم الصادر.
من الفواعل دون الدولة إلى إعادة مركزية السلطة:
دلالات انحسار )قسد( في سورية
تخميل المقالة كاملة
المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة
—————————-
ملف “قسد”: الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة/ عزيز موسى
13 فبراير 2026
منذ الإعلان عن اتفاق 30 كانون الثاني/ يناير بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بدا واضحًا أن الطرفين دخلا مسارًا جديدًا قائمًا على معادلة فرض الوقائع الجديدة. دمشق التي استعادت تدريجيًا السيطرة على معظم الجغرافيا السورية، كانت تنظر إلى الجزيرة السورية باعتبارها الحلقة الأخيرة في استعادة السيادة الكاملة، في المقابل، وجدت “قسد” نفسها أمام تحولات إقليمية ودولية قلّصت هامش المناورة، تحوّلات في أولويات واشنطن باتجاه اعتبار دمشق الشريك الأساسي، ضغوط ووساطات دولية وإقليمية تدفع باتجاه إيجاد صيغة تمنع الذهاب نحو مواجهة عسكرية.
ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن “اندماج تدريجي” إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة تركز على وقف إطلاق النار، نقل إدارة السجون والمنشآت الحيوية إلى دمشق، وتسليم الحقول النفطية والمعابر، إعادة الانتشار، إخضاع العناصر لتدقيق أمني، هذه الخطوات التي تمثل الجانب الأهم لإعادة تعريف وتوزيع السيادة.
أوجه التقدم: ما الذي تغيّر فعلًا؟
أول مؤشرات التقدم تمثلت في تثبيت مستوى مقبول من التهدئة الميدانية وتنفيذ الخطوات الأولى من الاتفاق بتعيين محافظ الحسكة نور الدين أحمد كشخصية تم ترشيحها من قبل قسد، والعميد مروان العلي مديرًا للأمن الداخلي من قبل دمشق، وما تبعها من زيارة لرئيس هيئة العمليات في الجيش السوري العميد حمزة الحميدي التي اقترنت بإجراءات انسحاب قوات الجيش السوري التي كانت تنتشر في الأطراف الشرقية والغربية من الحسكة إلى الشدادي وجبل عبد العزيز، في مقابل انسحاب قوات قسد إلى مواقع عسكرية في ريفي الحسكة الشمالي والغربي.
صحيح أن الهشاشة لا تزال قائمة، لكن تراجع وتيرة الاشتباكات الواسعة أتاح بدء اجتماعات اللجان المشتركة، والبحث في آليات تشكيل الألوية العسكرية الثلاث التي ستتشكل منها قوات “قسد” ضمن فرقة عسكرية وستنتشر في ( الحسكة، القامشلي، المالكية)، هذا التطور ليس تفصيلًا فالتجارب السابقة أثبتت أن أي احتكاك محدود قادر على نسف مسار تفاوضي بأكمله.
ثانيًا ــ بدأ يظهر تحول في مقاربة دمشق للملف الإداري، بدلًا من تفكيك كامل لهياكل الإدارة الذاتية، يجري العمل على استيعابها ضمن منظومة الدولة، مع إعادة تعريف الصلاحيات، هذا النهج البراغماتي يعكس إدراكًا بأن الفراغ الإداري أخطر من بقاء هياكل قائمة معاد تأطيرها.
ثالثًا ــ حمل الاتفاق بعدًا رمزيًا مهمًا في ما يتعلق بالحقوق الثقافية والمدنية، إدراج هذه المسألة في وثيقة رسمية يمنحها صفة تعاقدية، حتى وإن بقيت قابلة للتأويل، في بلد عانى طويلًا من مركزية صارمة، يمثل هذا التحول إشارة يمكن البناء عليها على الرغم من أن ترجمتها العملية ستخضع لاختبار الزمن.
أما الجدل حول تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من قبل “قسد” فيعكس بُعدًا رمزيًا يتجاوز الاستخدام العسكري المباشر، فالسلاح هنا يمثّل علامة احتكار العنف المشروع وليس أداة للقتال فقط، وعند انتقال هذه الأسلحة إلى عهدة الدولة، فإن الرسالة لا تتعلق بميزان قوة ميداني فحسب، بل بإعادة تثبيت مبدأ أن قرار السلم والحرب يعود إلى مركز واحد، في المقابل، تخضع عملية دمج القوات العسكرية و”الأسايش” لترتيبات تتجاوز المسار العملي لتشمل الطابع الإيديولوجي، إذ ارتبطت تلك التشكيلات بالعمليات العسكرية في مواجهة تنظيم “داعش”، الأمن الداخلي، وإدارة السجون لسنوات، وفق منظومة قانونية خاصة به، بالتالي فإن أي مقاربة تتجاهل هذه التعقيدات قد تنتج ازدواجية داخل الجهاز العسكري والأمني نفسه، لذلك تبدو عملية الدمج هنا اختبارًا لقدرة الدولة على استيعاب التنوع دون أن يتحول إلى جزر مغلقة داخل بنيتها.
المعابر والموارد: مفاتيح النفوذ
بالنسبة لتسلم المعابر الحدودية فهو ليس إجراءً إداريًا عاديًا، حيث تمثّل المعابر نقطة تماس بين السيادة والاقتصاد والسياسة الخارجية، إذ لعبت المعابر دورًا مركزيًا في تمويل الإدارة الذاتية وفي نسج علاقات غير مباشرة مع مجموعات إقليمية أهمها “حزب العمال الكردستاني” (PKK)، بالتالي فإنانتقال إدارتها إلى الدولة يعيد رسم حدود النفوذ وخريطة الموارد.
أما إعادة الانتشار على محاور التماس فتبدو للوهلة الأولى خطوة عسكرية، لكنها في الواقع إعادة رسم لخرائط النفوذ الاجتماعي والسياسي، فكل منطقة انتشار ترتبط بشبكات عشائرية، وفاعلين محليين، ومصالح اقتصادية، عندما تنتقل قوة من موقع إلى آخر، فإنها لا تنقل معها السلاح فقط، بل تترك فراغًا أو تخلق توازنًا جديدًا، لذلك فإن خرائط الانتشار الجديدة ستؤثر في معادلات السلطة المحلية بما يتعلق بضمانات الأمن المحلي وحل النزاعات كجزء من التفاصيل اليومية التي تحدد في النهاية صورة الدولة في أعين المواطنين.
مركزية معدّلة أم لامركزية مرنة؟
تدل المؤشرات على أن ما يتشكل ليس عودة كاملة إلى ما قبل 2011، ولا استمرارًا لنموذج الإدارة الذاتية كما كان، بل أقرب إلى صيغة وسط: مركز يحتكر القرار السيادي في الدفاع والحدود والموارد الاستراتيجية، مقابل صلاحيات إدارية وخدمية أوسع للمجالس المحلية ضمن إطار قانوني وطني، هذا بدوره يمهد لمسار يتراوح بين المركزية المعدّلة وفق صيغة تضمن دور دمشق المحوري مع مراعاة لخصوصيات الأطراف، ولامركزية مرنة تذهب باتجاه مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة المناطق والحكم وفق أطر واضحة، حيث ترى “قسد” أن هذا يجب أن يرتبط بضمانات من قوى إقليمية ودولية، بالتالي فإن نجاح هذه الصيغة يتوقف على القدرة على إدارة التنوع بكفاءة.
إن عملية الاندماج تمضي في اتجاه إعادة تثبيت دور الدولة الأساسي بصيغة تبتعد عن سيناريوهات سابقة كان قد تم طرحها سواء من خلال نماذج (التقسيم أو غيرها من الأنماط الأخرى)، لكن مع إدراك لضرورة ترتيبات خاصة في مرحلة انتقالية، غير أن استمرار هذه الخصوصية أو تحولها إلى نموذج دائم سيعتمد على مآلات التفاوض وعلى ميزان الثقة المتبادلة، فإذا أُديرت العملية بعقلية الغلبة، فقد تتحول الترتيبات الحالية إلى مجرد محطة انتقالية نحو مركزية مشددة، أما إذا جرى تثبيت آليات دستورية وقانونية واضحة لتوزيع الصلاحيات والموارد، فقد نشهد نشوء صيغة هجينة من السيادة: دولة واحدة بقرار سيادي موحد، لكن بإدارات محلية أكثر مرونة.
لا يُختزل اندماج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة في عدد أو نوع الأسلحة المسلمة، أو المواقع التي أُعيد الانتشار منها، وإنما بإعادة تعريف للعلاقة بين المركز والأطراف، بين احتكار العنف المشروع وإدارة التنوع الاجتماعي، بين السيادة كحدود مرسومة على الخريطة والسيادة كنظام حياة يومي، وسوريا في هذه المرحلة الدقيقة لا تختبر فقط قدرة طرفين على تنفيذ اتفاق، بل تختبر إمكانية صياغة عقد اجتماعي-سيادي جديد، يتسع لما فرضته سنوات الحرب من وقائع وما شهدته من تناقضات وانقسامات، دون أن يتخلى عن فكرة الدولة الواحدة، فمعيار النجاح لن يكون بعدد البنود المنفذة، بل بقدرة هذا المسار على إنتاج استقرار مستدام يشعر به سكان الحسكة والقامشلي والرقة قبل أن يظهر في بيانات رسمية.
——————————
هل يعيد الاتفاق بين دمشق وقسد نموذج المربعات الأمنية السابقة في محافظة الحسكة؟/ محمد كساح
2026.02.13
في ظل الانسحابات المعلنة للجيش السوري من بعض المناطق مثل الحسكة وخطوط التماس مع قسد بالتوازي مع الاكتفاء بدخول القوات الأمنية إلى المناطق التي تسيطر عليها الأخيرة، تغدو احتمالية عودة نموذج المربعات الأمنية التي كانت مطبقة بين قسد ونظام الأسد المخلوع كبيرة، ما يؤسس لبناء مركزية من شقين: إداري من جهة وأمني من جهة أخرى.
وبدأت قوّات الجيش السوري بالانسحاب من محيط مدينة الحسكة، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الدولة السورية و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد).
وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري في تصريح لوكالة الأنباء السورية “سانا” إن “قوى الأمن الداخلي انتشرت بالمناطق التي انسحب منها الجيش”، مشيرةً إلى أن “قسد تلتزم بتطبيق الاتّفاق مع الجيش، وتقوم بخطوات إيجابية”، موضحةً أنّها تقوم بالمراقبة، والتقييم لتحديد الخطوة التالية.
جيوب أمنية حكومية
وخلال حديث لموقع تلفزيون سوريا يشير الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب العاصي إلى وجود مخاوف من أن ينزلق الاتفاق الشامل بين الحكومة وقسد إلى نسخة معدّلة من نموذج المربعات الأمنية الذي كان مطبقاً بين “قسد” ونظام الأسد، إذا بقي هذا الاتفاق غامضاً، ودون سقف زمني أو مسار سياسي واضح.
ويشرح العاصي فكرة هذه المربعات بوجود مناطق سيطرة غير حكومية (في الحسكة وعين العرب) تخترقها جيوب أمنية حكومية، حتى وإن كانت هذه الجيوب متغيرة وغير ثابتة وربما بعضها غير دائم.
ويلفت العاصي إلى نقاط التشابه بين الاتفاق ونموذج المربعات الأمنية السابقة والتي تشمل التركيز على الترتيبات الأمنية التي تشوبها حالة من الغموض في التفاصيل التنفيذية، وسط تصريحات متباينة من “قسد” والحكومة بشأن آلية الاندماج ومدة بقاء القوات الأمنية ومهامها.
في المقابل، يرى العاصي أن️ هناك نقاط اختلاف بين الحالتين، لكنها لا تلغي التشابه، حيث لا توجد سيطرة أمنية مستقلة للحكومة داخل مربعات محددة في الحسكة أو عين العرب، وكذلك لا يوجد تسليم شامل وفوري للإدارة المدنية، بخلاف حالة المربعات الأمنية التي كانت تقوم على وجود سيطرة أمنية مستقلة، وغياب التنسيق الفعال والحقيقي والذي كانت تنوب عنه في معظم الأحيان الاتصالات عبر الوسطاء.
ويؤكد أنه ليس بالضرورة أن يحصل استنساخ للنموذج إنما محاولة من قسد لدفع الاتفاق ليكون مجرد ترتيبات أمنية وإشغال الحكومة بها لأجل الحفاظ على مكاسبها بما يتيح لها الحفاظ على وجودها الأمني والعسكري والإداري ضمن جميع مؤسسات الدولة في محافظة الحسكة وعين العرب فتنقل بذلك مشروعها ليكون بغطاء حكومي بعدما خسرت غطاء التحالف الدولي وهذا النموذج القائم على إعادة إنتاج كيانها ضمن الدولة سيشكل صعوبة بالغة على الحكومة إذا ما أرادت تفكيكه مستقبلاً.
الاتجاه نحو لا مركزية أمنية وإدارية
من جانبه، يلاحظ المحلل السياسي درويش خليفة حالة الضبابية التي تسود الاتفاق الأخير بين دمشق وقسد، وعدم وضوح التفاصيل التي تتضمنها، الأمر الذي يفتح المجال لكل طرف لتفسير الاتفاق من وجهة نظر مختلفة.
ويشير خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى وجود احتمال كبير لعودة نموذج المربعات الأمنية السابقة في مناطق محددة لا تحوي كثافة كردية كبيرة سنشهد تمركزاً للحكومة السورية فيها، ما يؤدي إلى الانتقال من حالة اللامركزية الإدارية التي كانت تطلب بها قسد إلى لامركزية أمنية أيضاً.
ويلفت إلى أن المنطقة ستشهد سيناريو أمنياً يقوم على هذه اللامركزية، بالتوازي مع التعاون بين الطرفين لتوحيد الجهود والاندماج ضمن مركزيتين عسكرية وأمنية كسيناريو نهائي مرتقب، لكنه غير متاح حالياً نتيجة لغياب الثقة ببن الطرفين بينما المتاح هو العودة إلى المربعات الأمنية كإجراء واقعي وعملي.
ويرى أن حماية هذه اللامركزية ستكون على عاتق قوات الأسايش التي ستنخرط لاحقاً بقوات الأمن العام، ويتوقع أن يتم تعميم نموذج هذه اللامركزية في السويداء وفي كل المحافظات تقريباً، مع توسيع صلاحيات المحافظين، لأن لكل مجتمع سوري خصوصية تختلف عن خصوصية المكونات الأخرى.
وحول الموقف التركي مما يجري لأن أنقرة تعد الدولة الإقليمية المعنية بهذا الاتفاق، يرى خليفة أنها لن تقبل بأي نموذج سوى النموذج المركزي بحيث تسيطر الحكومة السورية أمنياً وعسكرياً على جميع المناطق التي تخضع لإدارة قسد، وعلى رأسها مدن الحسكة والقامشلي.
لكن في المقابل، يتوقع خليفة حصول قبول تركي مبدئي في المرحلة الراهنة بسبب وجود الضامن الأميركي، الذي لا يكتفي بهذا الدور بل يتجاوز إلى رسم الخرائط السورية وصياغة التفاهمات واللقاء مع الأطراف المختلفة.
هل هناك توافق إقليمي على مركزية سوريّة؟
المحلل السياسي عبد الله الحمد، يقدم قراءة مختلفة لآليات تنفيذ الاتفاق مع قسد، مستبعداً عودة نموذج المربعات الأمنية أو التوصل إلى نموذج لامركزية إدارية أو أمنية في بعض المناطق.
ويشير خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى وجود توافق دولي وإقليمي على وصول الحكومة السورية والقوات النظامية إلى جميع الجغرافيا السورية.
ويلفت إلى أن الدول العربية وتركيا لا يمكن أن تسمح بمثل هذا النموذج لأنه يعني وجود جيشين في منطقة جغرافية واحدة تتربع على ثلاثة حدود دول وهي سوريا وتركيا والعراق.
واستناداً إلى ذلك، يؤكد الحمد أن السيناريو النهائي للاتفاق سيكون التوصل إلى نموذج مركزي شامل لكن بطريقة تدريجية، لأن كل أشكال اللامركزية والمحاصصة مرفوضة تماماً.
تلفزيون سوريا
——————————
الجزيرة السورية.. إعادة تركيب النفوذ في مرحلة ما بعد “قسد”
الجمعة 2026/02/13
في مشهدٍ يتصف بالتشابك والتناقض، تمرّ الجزيرة السورية بمرحلة دقيقة من إعادة ترتيب العلاقات والهيكل التنظيمي للفاعلين الأساسيين في المنطقة. لا تبدو التحولات الجارية مرتبطة فقط بحراك تنظيمي داخلي، بل هي انعكاسات متداخلة لضغوط إقليمية، ضبابية في الرؤية الدولية، وانفتاح تكتيكي متدرِّج على دمشق.
وأوضحت مصادر مطلعة لـِ “المدن”، أن عناصر هذا التحول ليست مفاجِئة، بل تم التخطيط لها في جلسات خلف الستار، بين قيادات “قسد”، وأجنحة مدنية، ومنتديات سياسية متصلة بمسار العلاقات مع الحكومة السورية. وتقول المصادر إن هذه الخطوات تكشف عن رغبة في تعديل الواقع من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوى الإقليمية أو الدولية.
في قلب هذا المشهد أربع متغيرات رئيسية: من انسحاب كوادر حزب “العمال” الكردستاني من سوريا، مع الحفاظ على تأثير غير معلن، مروراً بفصل المئات من العناصر العرب ضمن “قسد” في سياق إعادة ضبط هيكلية القوة، وصولاً إلى إعادة هيكلة حزب الاتحاد الديمقراطي وتغيير هويته السياسية، ولكن كان أبرزها قرار حركة المجتمع الديمقراطي (TEV‑DEM) وقف التمويل الشهري للمكوّنات الحزبية، وتداعيات ذلك على المشهد التنظيمي.
حزب “العمال” يعيد تشكيل الحضور
يُعدّ خروج كوادر حزب “العمال” من الأراضي السورية تطوراً استراتيجياً مهمّاً في بناء العلاقات بين “قسد” ومرجعية الحزب. منذ تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، كانت بنية التدريب والمفاهيم التنظيمية مستمدة من أطر فكرية مرتبطة بالحزب. وقد تأثر التنظيم العسكري والمدني داخل المنطقة بتلك التجربة، حتى داخل الإدارات والنخب المحلية. لكن انسحاب كوادر الحزب يشكل تحولاً في طبيعة العلاقة أكثر من كونه فصلًا نهائياً.
الخطوة لا تمحي الإرث التنظيمي للحزب داخل “قسد”، لكنها تُحوّل العلاقة من تواجد ميداني إلى تأثير غير معلن يُمارَس من خلال أطر محلية. وتوضح مصادر “المدن”، أن هذه الخطوة جاءت ضمن “اتفاقات غير رسمية” لضبط التوترات مع دول الجوار، لاسيما تركيا، التي تربط وجود الحزب في سوريا بتهديد مباشر لأمنها القومي.
هذه الخطوة تعكس رغبة في تعزيز قدرة “قسد” على إدارة مناطقها بصيغة أقل ارتباطاً تنظيمياً، وأكثر انفتاحاً على التعامل مع مؤسسات دمشق، من دون التضحية بالخبرات التنظيمية المتراكمة. ومن الناحية السياسية، يُنظر إلى هذا التحول كإجراء تكتيكي، يسمح لـ”قسد” بالتحرك في فضاء سياسي أوسع ضمن البلاد، خصوصاً في ظل تراجع التصعيد الميداني في أجزاء واسعة من المنطقة بعد سنوات من الحرب.
فصل العناصر العرب
في سابقة وصفتها أوساط قيادية داخل “قسد” بأنها “خطوة تنظيمية ضرورية”، تم فصل المئات من المقاتلين والموظفين العرب من بنية القوة. وقد سبقت هذه الخطوة إعداد قوائم يُعتقد أنها مرتبطة بمسار تفاوضي محتمل مع الحكومة السورية.
وتؤكد مصادر المدن أن عملية الفصل جاءت في سياق توجيه داخلي لإعادة فرز البنية القيادية والعسكرية، بهدف تقديم بنية منظمة وأكثر تناسقاً أمام أي حوار سياسي أو إداري مع دمشق.
ووفق المصادر نفسها، فإن التحريك التنظيمي الداخلي يهدف إلى تقديم تشكيلة موحدة في استحقاقات مستقبلية، بعيداً عن التوترات القومية أو الاختلالات التي خَلَقت تباينات في بعض المناطق المختلطة ديموغرافياً. وتضيف المصادر أن هذا “الضبط” استُخدم أيضاً لامتصاص تداعيات انشقاقات سابقة أدت إلى توترات محلية في أوساط السكان العرب والأكراد.
لكن المنتقدين يرون في هذه الخطوة مخاطرة محتملة. فإعادة تشكيل البنية العسكرية عبر تقليص التمثيل العربي قد يعمّق إحساساً بالانفصال أو التهميش في بعض المناطق، وقد يكون لها انعكاسات على العلاقة مع المجتمع المدني في الشرق السوري.
ووفق خبراء في المجتمع المحلي، فإن هذه الخطوة، إن لم تُدَر بحساسية سياسية عالية، قد تفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم الرضى المجتمعي، خصوصاً في مناطق حساسة مثل الحسكة ودير الزور.
حزب الاتحاد إلى مشروع سياسي وطني
في سياق موازٍ، يقود حزب الاتحاد الديمقراطي عملية إعادة هيكلة تمتد إلى تغيير الاسم، مراجعة النظام الداخلي ومراجعة الأدبيات الأساسية التي حدّدت مشروعه السياسي لعقود.
وتقول مصادر المدن، إن هذا التحول ليس شكلياً فقط، بل يرتبط بمحاولة جعل الحزب أكثر استجابة لواقع سياسي داخلي يختلف عن البيئة التي تأسس فيها.
التحول المقترح نحو “حزب سوري وطني”، يضع الحزب في سياق جديد: من كيان يحمل مرجعية أيديولوجية ضيقة نسبياً، إلى فاعل سياسي يكون أكثر انخراطاً، أو قبولاً، في المسار السياسي السوري العريض. وتسعى قيادة الحزب عبر هذه الخطوات، إلى توسيع قاعدة القبول داخلياً، وفتح قنوات تفاوض مع قوى سياسية مختلفة، وصولاً إلى حكومة دمشق إذا ما اتسعت آفاق الحوار السياسي.
الحقيقة أن هذا التحول لا يخلو من تعقيد. إذ إن الحزب سيحتاج إلى توازن دقيق بين الحفاظ على جذوره الفكرية وبين استيعاب انتظارات جمهور أوسع. وهذا يستدعي تغييراً جذرياً في الخطاب التنظيمي، أساليب العمل وحتى في آليات التمثيل السياسي.
وقف التمويل
من بين الإجراءات التي أحدثت ضجة واسعة، قرار حركة المجتمع الديمقراطي وقف التمويل الشهري للأحزاب الـ 35 المنضوية تحت إطارها. هذه الأحزاب، التي تشكّلت في سياق تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، كانت تتلقى دعماً شهرياً يتراوح بين 3 و10 آلاف دولار تبعاً للتنظيم والدور السياسي.
قرار وقف الدعم، الذي أُبلغ لقادة الأحزاب دون كشف آلية بديلة، أثار قلقاً واسعاً داخل المشهد الحزبي، وفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول دوافعه وتداعياته.
تقول مصادر مطلعة إنه لا يمكن حصر القرار في بعد اقتصادي بسيط، بل يرتبط بمحاور إعادة تعريف التحالفات السياسية، وإعادة ترتيب الفاعلين داخل الإدارة الذاتية. ولعل أبرز سؤال يطرح نفسه: هل يشير وقف التمويل إلى أزمة مالية حقيقية تواجه الإدارة الذاتية، أم إلى تحوّل في السياسة الحزبية المحلية؟
البعض يشير إلى أن تراجع الموارد بعد عودة الحكومة السورية للتحكم في بعض مصادر الإيرادات، ساهم في الضغط المالي. لكن محللين سياسيين يرون أن القرار يندرج في سياق أوسع: تقليص الشبكة الحزبية المرتبطة مالياً بالمركز، بهدف زيادة القدرة على القرار الاستراتيجي دون التزامات موسّعة تجاه أطراف قد تعيق الحركة السياسية المستقبلية.
هل تنتهي التعددية التنظيمية في الجزيرة السورية؟
التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل كانت التعددية الحزبية التي نشأت منذ 2014 قائمة على قواعد اجتماعية حقيقية، أم أنها كانت تعتمد في جوهرها على دعم مركزي يضمن استمرارها؟
فإذا كان الدعم المالي هو العمود الفقري الذي يتيح لهذه الأحزاب الاستمرار، فإن قرار إيقافه قد يؤدي إلى زلزال تنظيمي يعيد رسم الخريطة، عبر تراجع بعض الأحزاب، أو توجِّهها للبحث عن مصادر تمويل جديدة، أو إعادة اندماجها في أطر سياسية أكبر.
هذا السيناريو، كما يرى بعض المحللين، قد يخلق تحالفات جديدة، وقد يقوّض بعض الهياكل القائمة. وهو ما سيغير بالضرورة طبيعة التمثيل السياسي في المنطقة.
ضغوط إقليمية ودولية.. ثلاثية تأثير متقاطعة
أي قراءة للمشهد في الجزيرة السورية لا يمكن فصلها عن ثلاثة أقطاب خارجية مؤثرة:
1. أنقرة تراقب عن كثب أي تطور في بنية “قسد”، وترتبط به قضية حزب “العمال”، وتستثمر كل تغيير لصالح سياسات أمنها القومي.
2. دمشق تسعى لاستعادة وجود الدولة، وإن بشكل رمزي أو تدريجي، في مناطق خارجة عن سيطرتها التقليدية منذ 2012.
3. واشنطن تفضّل شريكاً مستقراً، قابل للاستمرار، وأقل إثارة للجدل، وتعمل على تجنب أي قطيعة مع الواقع القائم في المنطقة.
في هذا السياق، ليست التحولات مجرد إعادة ترتيب داخلي، بل مواءمة تكتيكية مع ما يفرضه الواقع الإقليمي والدولي من متغيرات.
إعادة ترتيب المؤسسات… والتحولات مستمرة
ما يجري في الجزيرة السورية، ليس مجرد إعادة ترتيب وظيفي أو تنظيمي. إنه تحول استراتيجي في الفاعل السياسي الداخلي، يستهدف تكييف البنية مع المناخ السياسي الراهن، وإعادة بلورة موقعه في المشهد السوري الشامل.
الانسحاب لا يعني القطيعة، والفصل لا يعني قمع التعددية، وإعادة الهيكلة لا تضمن التحول، ووقف التمويل لا يعني نهاية الحزب أو الإدارة، بل كلها تحولات تتقاطع بهدف واحد: التحوُّل من إدارة أمر واقع عسكري وسياسي إلى القدرة على التفاوض في مشهد عربي–سوري جديد.
النجاح في هذا الطريق مرهون بقدرة القيادة على موازنة الداخل والخارج، والسيطرة على الديناميات المتغيرة، مع الحفاظ على تماسك تنظيمي يضمن استمرار الدور في المرحلة المقبلة.
المدن
——————————
تركيا تهاجم قرارات البرلمان الأوروبي بشأن سوريا
توتر ديبلوماسي بين أنقرة والبرلمان الأوروبي يتصاعد
2026-02-14
اتهمت تركيا، أمس الجمعة، البرلمان الأوروبي باتخاذ مواقف منحازة والتدخل في شؤونها الداخلية، وذلك عقب تصويت أعضائه على قرارين يدعوان القوى الإقليمية، خصوصاً أنقرة، إلى الالتزام بوقف إطلاق النار في سوريا وعدم تنفيذ عمليات عسكرية أو دعم فصائل مسلحة، بحسب ما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، (فرانس برس).
وقالت وزارة الخارجية التركية في بيان إن القرار المتعلق بالأوضاع في شمال شرقي سوريا يتجاهل دور بلادها في دعم الاستقرار وإعادة التعافي، داعية البرلمان إلى فهم الوقائع الميدانية وتطلعات السوريين بدقة أكبر بدلاً من تبني ما وصفته بقرارات غير دقيقة ومتحيزة.
وكان نواب البرلمان الأوروبي قد دعوا، الخميس الماضي، الجهات الفاعلة في المنطقة إلى تجنب أي خطوات قد تنتهك الهدنة، معربين عن قلقهم إزاء تقارير العنف بحق المدنيين في تلك المناطق.
كما رفضت أنقرة قراراً أوروبياً آخر اتهمها بتنفيذ عمليات ترحيل تستهدف مسيحيين وصحافيين أجانب، معتبرة أن هذه المزاعم لا تستند إلى أدلة، ومؤكدة أنه لا يحق لأي جهة خارجية التدخل في الإجراءات القضائية الجارية داخل البلاد.
———————–
بعد سوريا.. أنقرة وبغداد عند تقاطع شمالي العراق/ سمير صالحة
2026.02.14
تتجه الأنظار في أنقرة، بعد تراجع نفوذ ودور “قوات سوريا الديمقراطية” وعناصر “حزب العمال الكردستاني” في شمال شرقي سوريا، نحو شمالي العراق هذه المرة. تعلن القيادات التركية عن اقتراب ساعة الحسم، وأنها جاهزة للتنسيق العسكري والأمني مع بغداد لإغلاق هذا الملف المزمن، فيساء تفسير تصريحات الوزير هاكان فيدان، ويتم استدعاء السفير التركي إلى مبنى الخارجية العراقية طلبًا للتوضيحات.
قد تُقرأ خطوة بغداد هذه على أنها محاولة لاحتواء تداعيات الموقف وضبط إيقاع التوازنات السياسية الداخلية، غير أن ذلك لا يعفي القيادة العراقية من ضرورة التعامل مع ما تقوله أنقرة وترجمته إلى خطوات عملية تُرضي البلدين.
فالتقارير الأمنية التركية على قناعة بأن انتقال عشرات عناصر حزب العمال من سوريا إلى العراق بعد انهيار منظومة “قسد”، قد يحول المنطقة هناك مجددًا إلى ممر جغرافي لهذه العناصر بين جانبي الحدود، ويوفر مساحة نفوذ يمكن أن تستفيد منها أطراف محلية وإقليمية تخطط لاستهداف تركيا.
تتزامن تصريحات فيدان مع مسار سياسي داخل تركيا يقوم على حوار مع عبد الله أوجلان وتفكيك البنية العسكرية لحزب العمال. غير أن أنقرة تجدد التمسك بالمقاربة المعروفة: لا يمكن للمسار الداخلي أن يترسخ ما لم يُستكمل بإغلاق الجبهات المفتوحة في شمالي العراق وسوريا.
في هذا السياق، لا تنفصل الحسابات التركية عن تقديرات تتحدث حول احتمال تفكك البنى التنظيمية للحزب و”قسد”، وظهور مجموعات أكثر تشددًا ترفض الانخراط في أي مسار سياسي جديد. لذلك تبدو أنقرة حريصة على ضبط المشهد خارج حدودها قبل أن تتكرس معادلات يصعب احتواؤها لاحقًا.
ويبرز هنا أن أي تحرك تركي مستقبلي لن يقتصر على الاستفادة من الفراغ التنظيمي، بل سيرتكز على التعامل الدقيق مع انتشار قواعد حزب العمال في شمالي العراق، مما يستدعي التوقف عند محاوره الاستراتيجية.
يُقسَّم الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني في شمالي العراق إلى ثلاثة محاور أساسية: قنديل، ومخمور، وسنجار. وأي تحرك تركي مستقبلي، مهما كانت شدته، لن يكون فعالًا ما لم يُستكمل بالضغط المتزامن على هذه المحاور. سنجار ستكون جزءًا من منظومة أوسع، وليس هدفًا منفردًا.
إشارة وزير الخارجية التركي إلى تعدد لقاءاته مع قيادة الحشد الشعبي، وحديثه عن سيناريو يتزامن فيه تحرك بري عراقي مع غطاء جوي تركي، لم يكونا تفصيلًا عابرًا. هي رسالة باتجاهين: تأكيد أن أنقرة ترى أن الحل يمكن أن يكون عراقيًا إذا توفرت الإرادة، والتلميح إلى أن تجاهل التطورات الحاصلة قد يدفع تركيا إلى خيارات أخرى، طالما بقي أمنها القومي مهددًا.
الرسائل التركية أبعد من أن ترمي الكرة في ملعب العراق وتختبر قياداته؛ فهي تعلن بوضوح أنها جاهزة لعملية مشتركة تحمي حدود وسيادة البلدين.
ما لم يقله فيدان صراحةً، لكنه حاضر في ذهن أنقرة: إذا كانت الحكومة العراقية مستعدة لتحمل عبء ملف محتجزي تنظيم داعش، فهي حتمًا تملك القدرة ذاتها للتعامل مع ملف حزب العمال، الذي يؤثر منذ سنوات في مسار العلاقات التركية–العراقية.
ما لم يتطرق فيدان إلى تفاصيله أيضًا هو دور أربيل والسليمانية كمحورين محليين حاسمين. العملية العسكرية المفترضة ضد قواعد حزب العمال تطول مباشرة التوازنات القائمة داخل إقليم كردستان. الضغط التركي قد يدفع القيادات الكردية إلى إعادة تقييم مواقفها على خط بغداد – أنقرة. المطلوب قد يكون إما التعامل بجدية مع الخيار العسكري، أو المساهمة في فتح الأبواب لتكرار المشهد السوري سياسيًا في شمالي العراق. التحدي مشترك، ولا يعني أنقرة وحدها، بل يطول بغداد والقوى الكردية على طريق إعادة ترتيب الأولويات ورسم الحسابات.
تقدم أنقرة للجانب العراقي فرصة التزامن والتوقيت لإعادة تثبيت سيادة الدولة على مناطق ظلّت خارج الضبط لعقود، والرد لن يكون من خلال استدعاء السفير لطلب توضيحات وتفسيرات. الاحتمال الكبير أن أنقرة لا تسعى إلى عملية عسكرية واسعة النطاق بقدر ما تريد تبديل قواعد وتوازنات التعامل مع الموضوع في الداخل العراقي.
تتعامل تصريحات فيدان بجدية مع حساسية الموقف وردود الفعل المحلية والإقليمية، بما في ذلك واشنطن وطهران، وكذلك قدرة الأطراف الكردية على التكيف مع السيناريوهات المحتملة. رسائله تسير باتجاهين: بغداد اليوم تملك فرصًا سياسية وأمنية أقوى بعد استلامها ملف داعش، ودور الحشد الشعبي لا يمكن أن يتحول من مدافع عن السيادة إلى جدار يقي عناصر حزب العمال باسم إيران أو القيادات الكردية في السليمانية.
وهنا تتجاوز الرسالة حدود بغداد إلى طهران: أي تعديل في معادلة الشمال سيعيد تلقائيًا رسم حدود النفوذ الإقليمي هناك. تدرك طهران حساسية هذا التحول، كما تدرك أن الإصرار على الصيغة القائمة قد يضعها أمام اختبار توازن دقيق مع أنقرة، في لحظة إقليمية لا تحتمل صدامًا مفتوحًا.
في هذا المشهد الإقليمي المعقد، تضع التحركات التركية والحسابات العراقية والإقليمية ملف حزب العمال أمام مفترق طرق حرج، حيث تتشابك المواقف المحلية مع التوازنات الإقليمية الدقيقة، وقد يبرز في الأفق تشكيل خارطة تحالفات جديدة متعددة الاتجاهات.
هدف أنقرة هو تكرار ما جرى في سوريا دون إشعال فتيل توتر ثنائي أو إقليمي. والفرص أمام بغداد وأنقرة متساوية، لكن ما سيحسم المشهد هو المشاركة والتنسيق العسكري والدبلوماسي السريع، وقدرة الأطراف الكردية على التعامل مع سيناريوهات “الممتنع السهل”، بما يحفظ توازن المصالح ويضمن إدارة المخاطر الأمنية والسياسية في شمالي العراق.
يمكن تصور ساحة شمالي العراق كرقعة شطرنج إقليمية، حيث يُحدث كل تحرك سياسي أو عسكري تأثيرًا متسلسلًا على القوى المحلية والإقليمية.
نجاح بغداد وأنقرة في التنسيق السريع سيضمن تثبيت سيادة الدولة، بينما أي تقصير قد يمنح الفرصة لأطراف أخرى تحاول فرض نفسها على منطقة الحدود التركية–العراقية.
المشهد يحتاج إلى قراءة دقيقة لكل خطوة، وإدارة حذرة للمخاطر والمصالح المتشابكة.
——————————
الدمج المؤسساتي في الحسكة.. بين مركزية دمشق وهواجس “الإدارة الذاتية”/ أحمد الكناني
12 فبراير 2026
تشكل قضية اندماج المؤسسات في محافظة الحسكة تحديًا أمنيًا وعسكريًا وإداريًا لدمشق، ولا سيما أن البنية الخاصة في “الإدارة الذاتية” هي أشبه بنظام إداري مصغر يشرف على الجوانب العسكرية والاقتصادية.
وعلى الرغم من التوافقات السياسية والعسكرية، بين الحكومة السورية و”قسد”، إلا أن الدمج المؤسساتي بات هاجسًا كبيرًا بالنسبة للطرفين، إذ يسعى كل طرف للإبقاء على نظامه الإداري في المناطق الكردية، الأمر الذي قد يثير عدة توترات تؤثر في مسار الدمج، خاصة وأن دمشق فرضت مركزيتها في الملفات السيادية بما في ذلك المعابر الحدودية، وملفات الطاقة، والمؤسسات الأمنية والعسكرية.
خلافات على المفهوم
يعتقد الخبير الاقتصادي يونس الكريم بوجود خلاف جوهري بين الطرفين في مفهوم الاندماج، إذ تعتبر “قسد” أن الاندماج تكاملي، مثل إقليم كردستان العراق، وليس انصهارًا كاملًا في الدولة المركزية، الأمر الذي ترفضه دمشق جملة وتفصيلًا، وذلك خوفًا من ظهور حالات مشابهة أو مشجعة في السويداء والساحل، لافتًا إلى وجود تحديات تتصل بجوانب قانونية وتشريعية تتبعها السلطة المركزية، وهي غير مطبقة في المناطق الكردية، لا سيما في السجلات الرسمية والنفوس، ومصدر التشريع “الإسلام”، عدا عن تحديات ملف الطاقة وتوزيع الحصص النفطية وقضايا الجمارك التي لم تحسم حتى اللحظة.
في هذا السياق يشير الباحث الاقتصادي محمد العلبي إلى إجراءات دمج هامة اتخذتها الحكومة السورية في الملفات السيادية وعلى رأسها النفط والغاز والمعابر، والتي انتقلت لإِشراف مركزي، كما جرى تنظيم عمل “مكتب المدفوعات” التابع للإدارة الذاتية، ومع بداية شباط/ فبراير أعاد المكتب ملايين الدولارات إلى شركات الحوالات والصرافة في شمال شرق سوريا، وهي مبالغ كانت مفروضة كتأمينات سابقة. كما تم إعفاؤه رسميًا من مهامه الرقابية والإشرافية على قطاع الصرافة، مع نقل الإشراف تدريجيًا إلى مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية.
ولفت العلبي إلى أن الملف الأمني لا يقل تعقيدًا؛ فدمج قوى الأسايش ضمن وزارة الداخلية يمر عبر مسار تدقيق أمني وإداري ما يجعل نقل الرواتب والميزانيات والوظائف الخدمية إلى الإطار المركزي عملية دقيقة تحتاج تدرُجًا لتفادي فراغ إداري أو ارتباك مؤسساتي يؤثر على التطبيق والاتفاق عمومًا.
وظائف بين الاستيعاب والتسوية القانونية
يوضح الخبير الاقتصادي يونس الكريم وجود مسارات معقدة في عملية دمج الموظفين التابعين للإدارة الذاتية، حيث سيتم تقديم جرد للموظفين وعقودهم وكشف لرواتبهم، وإجراء التسوية القانونية لإدخالهم ضمن قانون العاملين الأساسي، بما في ذلك الملف الأمني والعناصر المتطوعة مع قسد، لافتًا إلى وجود تحديات متعلقة بتجاوزات إدارية ووظيفية ارتكبتها قسد كما دمشق في ملف التعيينات والعقود والرواتب، الأمر الذي قد يثير العديد من الخلافات حول طريقة التعيين، والتي قد تستمر من 5 لـ 8 سنوات.
أما الباحث الاقتصادي العلبي فيعتقد أن دمج الموظفين قائم على مبدأ الاستيعاب لا الإحلال؛ أي تثبيت الموظفين المدنيين العاملين في مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الهياكل الرسمية للدولة مع بقائهم في مواقعهم مرحليًا، بحيث ينتقل العبء المالي للرواتب والمستحقات إلى الخزينة المركزية تدريجيًا، لافتًا إلى أن المعابر الحدودية تمثل نموذجًا انتقاليًا لهذا الترتيب، إذ يستمر حتى الآن الكادر المحلي في العمل مقابل حضور سيادي مركزي في وظائف الجوازات والجمارك، بينما يجري التعامل مع العسكريين عبر صيغ فردية أو ضمن تشكيلات محددة وفق ما نُصّ عليه في الترتيبات الأخيرة.
موظفون أجانب وعقود خارجية
بحسب الخبير الاقتصادي الكريم ثمة عدد كبير من الموظفين الأجانب داخل مؤسسات قسد ومنهم موظفون أكراد من تركيا أو متضامنون مع القضية الكردية أو مكتومو القيد، إضافة إلى وجود مستشارين لشركات دولية، وعليه سيتم التعامل معهم وفقًا للقوانين الناظمة من حيث التدقيق الأمني وترحيل المرتبطين، فيما يبقى للمنظمات الدولية عملها وإعادة تراخيصها اللازمة والربط مع المركز في نشاطاتها.
أما الباحث العلبي فيرى أن ملف العناصر غير السوريين هو بمعظمه متعلق بالبنى العسكرية لقسد، لا المدنية، فالأجانب معظمهم يعملون في السلك العسكري، ونصّت التفاهمات على إخراج القيادات والعناصر الأجنبية خارج سوريا، بينما يُعامل السوريون ضمن آليات الدمج بعد التدقيق الأمني ومنح الأطر القانونية والرتبة المناسبة.
وفيما يتعلق بالعقود والالتزامات الاقتصادية التي أبرمتها الإدارة الذاتية، ولا سيما في قطاع الطاقة، يشير العلبي إلى أنها تنتقل من حيث المبدأ إلى الدولة بصفتها الوريث السيادي، ما يعني مراجعة هذه العقود أو إعادة التفاوض عليها ضمن الإطار القانوني الوطني، مشيرًا إلى أن الإدارة المركزية تتولى الأصول والإيرادات، مع احتمال الإبقاء المؤقت على بعض الترتيبات التشغيلية لضمان استمرارية الإنتاج والخدمات، لكن تحت إشراف دمشق.
الترا سوريا
————————-
ميونخ تجمع دمشق وقسد.. ماذا تحمل صورة الشيباني وعبدي من دلالات؟
فتحَ لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي والقيادية الكردية إلهام أحمد، خلال مشاركتهم على هامش أعمال مؤتمر ميونخ للأمن في ألمانيا، تساؤلاتٍ واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
والتقى الشيباني نظيره وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أمس الجمعة، على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، في اجتماع أكدا فيه وحدة سوريا وتطرقا إلى الاتفاق الأخير مع الأكراد، وفق بيان للخارجية السورية.
وذكرت الخارجية أن اللقاء بحث أبرز التطورات المحلية والإقليمية، مع التأكيد على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، إضافة إلى العلاقات الثنائية، مشيرة إلى أن الجانب الأمريكي أبدى دعمه للحكومة السورية ولـ”اتفاق الاندماج الأخير مع قوات قسد” الذي أعلنه الطرفان في يناير/كانون الثاني، ويقضي بالدمج التدريجي للمؤسسات العسكرية والإدارية للإدارة الذاتية الكردية.
ونشرت الخارجية صورا للقاء يظهر فيها، إلى جانب الشيباني، كلٌّ من قائد قوات قسد مظلوم عبدي والقيادية الكردية إلهام أحمد، خلال مشاركتهما في الاجتماع مع الوفد السوري.
وقال قائد قوات قسد مظلوم عبدي، عبر منصة إكس، “عقدنا اليوم اجتماعا مثمرا للغاية مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، لبحث التقدّم المُحرز في تنفيذ اتفاقية الاندماج”.
وأضاف: “نُعرب عن امتناننا للولايات المتحدة الأمريكية على دورها في تسهيل هذا الاتفاق ودعم مساره، كما نقدّر الجهود الدبلوماسية التي أتاحت لوفدنا المشاركة في مؤتمر ميونخ للأمن بصفة ممثلين عن الدولة السورية في إطارها الوطني الجامع”.
وقد فجّر اللقاء تساؤلاتٍ واسعةً بين السوريين على منصات التواصل حول مستقبل اندماج قوات قسد في الدولة السورية، حيث تباينت آراء المغردين بشأن مشاركة مظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى جانب الوزير الشيباني في مؤتمر ميونخ للأمن.
إعلان
وتساءل بعضهم عن الصفة التي شاركوا بها، معتبرين أن جلوسهم على طاولة واحدة يمثل موقفا سياسيا يحتاج إلى توضيح، خاصة في ظل أحداث دامية شهدها الميدان مؤخرا.
وانتقد مغردون ظهور الشيباني ومظلوم عبدي في حضور وزير الخارجية الأمريكي، معتبرين ذلك مؤشرا على ارتهان القرار السياسي لإملاءات خارجية، ورفضوا ما وصفوه بالسعي إلى شرعية عبر قنوات دولية، مؤكدين أن مستقبل البلاد يجب أن يُبنى بعيدا عن التدخل الأجنبي.
في المقابل، رأى آخرون أن الفيديو المتداول يُظهر مشاركة عبدي وإلهام أحمد ضمن وفد سوري رسمي وتحت مظلة الدولة، وليس بصفة قادة لجهات منفصلة، معتبرين أن مشاركتهم جاءت في إطار جهود الاندماج السياسي والعسكري وصولا إلى دولة سورية موحدة لكل مواطنيها.
وأشار بعض المتابعين إلى أن اللقاءات عكست تقدما في مسار الاتفاق بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، متحدثين عن مؤشرات على توحيد المؤسسات والمعابر وحقول النفط ضمن إدارة الدولة، مقابل خطوات تتعلق بحماية حقوق المكونات المختلفة وتعزيز حضورها الثقافي والسياسي.
كما رأى مغردون أن الحوار السياسي هو السبيل الوحيد لإنقاذ سوريا وإعادة توحيد السوريين، مؤكدين أن المسار التفاوضي يظل بديلا عن استمرار الصراع العسكري.
وذهب آخرون إلى أن مؤتمر ميونخ شهد وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق محتمل بشأن الاندماج والوضع الإداري للمناطق الخاضعة لسيطرة قسد، معتبرين أن ظهور الشخصيات الثلاث معا قد يعكس تقدما نحو إعلان تفاهمات نهائية، تزامنت مع قرارات إدارية مثيرة للجدل.
في حين اعتبر بعض المعلقين أن الاتفاق -إن صح- قد يعيد رسم المشهد السياسي داخل قسد ومؤسسات الدولة، متوقعين أدوارا مستقبلية لشخصيات بارزة ضمن هياكل رسمية.
وشدد آخرون على ضرورة خروج السلطات ببيان واضح وشفاف يشرح تفاصيل أي اتفاق محتمل، بهدف تهدئة حالة الاستقطاب ووقف التحريض المتبادل، وتوضيح مصير المناطق وسكانها وآليات إدارتها مستقبلا.
المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي
————————————-
قسد تستمر بالانسحاب .. و3 ألوية من الأسايش لتأمين المدن
أرتال تابعة لقوى الأسايش تدخل لتسلّم المهام الأمنية وفق الاتفاق مع الحكومة السورية
الرياض – العربية.نت
14 فبراير ,2026
تزامن لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، مع مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، قبيل دخولهما معاً للاجتماع بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن أمس، بتطورات ميدانية.
قائد قسد: بحثنا مع الشيباني وروبيو التقدم في تنفيذ اتفاقية الاندماج
سوريا قائد قسد: بحثنا مع الشيباني وروبيو التقدم في تنفيذ اتفاقية الاندماج
بالعناصر والآليات الثقيلة
فقد انسحبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يوم الجمعة، بعناصرها وآلياتها العسكرية الثقيلة من ريف مدينة القامشلي في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، وأعادت انتشارها داخل قواعد عسكرية، بموجب الاتفاق مع الحكومة السورية.
كما بدأت قوى الأمن الداخلي التابعة لقسد “الأسايش”، بالانتشار في المنطقة لتولي المسؤولية الأمنية الكاملة.
وأظهرت فيديوهات عملية الانسحاب، بما في ذلك عربات “همر”، وآليات مدرعة، وشاحنات مزوّدة برشاشات ثقيلة تحمل رايات وحدات حماية الشعب (YPG)، المكوّن الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، وهي تنقل المقاتلين خارج المنطقة.
في حين ظهرت أرتال تابعة لقوى الأسايش وهي تدخل لتسلّم المهام الأمنية.
3 ألوية لحماية الحدود
بدوره، أفاد قائد في قوى الأسايش، أحمد محمد، أنه وبموجب الاتفاق مع الحكومة السورية، خصصت قوات سوريا الديمقراطية 3 ألوية حصراً لمهام حماية الحدود.
وأضاف أن الأسايش أصبحت مسؤولة عن تأمين المدن والمناطق المحيطة بها، لافتا إلى أنه لن يُسمح لأي قوة أخرى بتولي هذا الدور، خصوصا وأن هذا منصوص عليه بشكل واضح في الاتفاق مع دمشق، وفقا لموقع “Viory”.
اتفاق دمشق و”قسد” يدخل حيز التنفيذ.. النفط والمعابر والمطارات تعود لسيطرة الحكوم
أتى هذا الانسحاب بعد خطوة مماثلة شهدتها محيط مدينة الحسكة، الثلاثاء الماضي، حيث أعادت كل من قوات سوريا الديمقراطية وقوات الجيش انتشارها بموجب الاتفاق ذاته، ما أتاح لقوات الأمن الداخلي التابعة للطرفين تولي مهام الحراسة الأمنية في المنطقة.
سلام حار يشغل السوريين
يذكر أن اتفاقا شاملا تم التوصل إليه في 30 كانون الثاني/يناير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، يهدف إلى دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا، وكذلك في مدينة عين العرب “كوباني”، ضمن مؤسسات الحكومة السورية.
كما نص الاتفاق على تسوية أوضاع الموظفين المدنيين، ومعالجة الحقوق المدنية والتعليمية للمكوّن الكردي، واتخاذ إجراءات تسهّل عودة النازحين بشكل آمن.
A picture is worth a thousand words — a new beginning. pic.twitter.com/71g1ON3NNh
— Ambassador Tom Barrack (@USAMBTurkiye) February 13, 2026
جاء هذا الاتفاق بعدما أطلق الجيش السوري الشهر الماضي، حملة عسكرية سيطر خلالها على عدد من المناطق في شمال شرقي البلاد كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، عقب اشتباكات أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى.
إلى ذلك، أتت هذه التطورات الميدانية بينما التقطت عدسات الكاميرا سلاماً حاراً بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، تخلله ابتسامات، في مشهد غير مسبوق، شغل السوريين إلى حد كبير ما دفع أيضاً المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك إلى التعليق.
ونشر براك على حسابه في إكس مساء أمس الجمعة، صورة جمعت الشيباني وروبيو وعبدي خلال مؤتمر مينيخ للأمن أمس، وعلق كاتباً “صورة بألف كلمة.. بداية جديدة”، في إشارة إلى الاتفاق الذي فتح صفحة جديدة في العلاقات ومساراً نحو سوريا موحدة.
———————
واشنطن تحث الحكومة السورية على “المرونة” تجاه مطالب “قسد”/ محمد كركص
14 فبراير 2026
تقاطعت التصريحات الأميركية والسورية والكردية في مؤتمر ميونخ للأمن حول ملف إدماج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ومستقبل العلاقة بين المركز والمناطق ذات الغالبية الكردية، في وقت كشفت فيه مصادر غربية عن دعم واشنطن مسار الاندماج مع تشجيعها دمشق على المرونة السياسية، بينما شددت الحكومة السورية على وحدة البلاد ومفهوم الشراكة، وأكدت قيادة “قسد” أن النقاشات شملت الضمانات الدولية وخصوصية الشعب الكردي ومستقبل ترتيبات الحكم المحلي.
وقال مسؤول غربي لـ”رويترز”، مساء الجمعة، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الولايات المتحدة راضية عن التقدم المحرز في مسار الاندماج، بعد سحب بعض قواتها من سورية هذا الأسبوع، مشيراً إلى أن واشنطن تحث القيادة السورية على إبداء أكبر قدر ممكن من المرونة تجاه مطالب “قسد”. وأضاف أن النصيحة الأميركية تتمثل في تجنب المواقف المتشددة كبادرة حسن نية، في ظل رغبة في منح الأكراد درجة من الاستقلالية لا تهدد الحاجة الأساسية إلى سلطة مركزية في دمشق.
من جانبه، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في تصريحات لقناة الجزيرة، إن دمج “قسد” في مؤسسات الدولة يسير بشكل جيد، ويتجسد في اللقاءات المشتركة التي عُقدت في ميونخ. وأوضح أنه أكد لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مضي الحكومة السورية في توحيد البلاد ومعالجة آثار الحرب، مشدداً على أن “سورية واحدة موحدة”، وأن الحديث يدور اليوم حول الشراكة لا الانقسام. وأضاف أن المجتمع الكردي مكون أصيل، وأن مرسوم الحقوق المدنية يعالج إشكاليات استمرت عقوداً، لافتاً إلى أن واشنطن دعمت الحكومة السورية ومنحتها “فرصة كبيرة”، مع وجود دعم ملحوظ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. كما أشار إلى أن وزير الخارجية الأميركي أكد دعم وحدة الأراضي السورية وتنمية اقتصادها، وأن واشنطن تريد التعامل مع دولة سورية قوية بمؤسساتها وجيشها.
في المقابل، وصف قائد “قسد” مظلوم عبدي اجتماعه مع روبيو، بحضور وزير الخارجية السوري، بأنه إيجابي، موضحاً أن النقاش تناول قضايا الاندماج ومستقبل سورية وخصوصية الشعب الكردي، إضافة إلى الضمانات الدولية المتعلقة بالاتفاق. وأشار إلى عقد اجتماعات إضافية لمتابعة حماية الاتفاق، لافتاً إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تبدي مقاربة إيجابية تجاه القضية الكردية، وأن وقف إطلاق النار في مناطق شمال شرقي البلاد مستمر رغم وجود بعض المشكلات التي يجري العمل على معالجتها في مناطق روج آفا.
وفي تصريحات أخرى لقناة روداو، قال عبدي إن “الاتفاق ينص على إدارة الكرد لمناطقهم عسكرياً وإدارياً وأمنياً”، مطالباً بـ”إدراج حقوق الأكراد في الدستور السوري”. كما أكد طلب قواته ضمانات من الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن “قسد ستنضم إلى الجيش السوري على شكل ألوية”، وأنه سيعقد لقاءات إضافية في ميونخ. وأضاف أن “رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني قدم دعماً كبيراً وكان متعاوناً في تسهيل مشاركة الوفد الكردي في الاجتماعات
العربي الجديد
————————-
واشنطن تريد سوريا موحدة.. وتحث الشرع على المرونة مع “قسد”
السبت 2026/02/14
أعربت نائبة المندوب الأميركي في مجلس الأمن الدولي تامي بروس، عن ترحيب الولايات المتحدة ودعمها للاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فيما قال مسؤول غربي إن واشنطن حثّت الرئيس السوري أحمد الشرع على التحلي بالمرونة تجاه طلبات “قسد” نحو الاندماج.
بروس: نريد سوريا موحّدة
وقالت بروس، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن الوضع في سوريا، إن بلادها تريد أن تكون سوريا دولة ذات سيادة وموحَّدة تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها، واصفةً اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بين الحكومة السورية و”قسد” بأنه “علامة فارقة في مسيرة البلاد نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار”.
وشددت على أن “الولايات المتحدة ملتزمة بدعم التنفيذ الناجح لهذا الاتفاق، وتواصل العمل عن كثب مع جميع الأطراف لتيسير عملية دمج سلسة، وهي عملية جارية بالفعل”، على حد قولها.
ورحّبت بروس بـ”المرسوم-13″ الصادر عن الشرع بخصوص الأكراد، معربةً عن تطلع واشنطن إلى “تنفيذه بالكامل”، معتبرةً أن “التدابير المفصلة في هذا المرسوم تؤكد أن الأكراد جزء لا يتجزأ من سوريا، وتفتح مسارات لمشاركتهم الكاملة في تشكيل مستقبل آمن ومزدهر”.
وبشأن مكافحة تنظيم “داعش”، حثت المسؤولة الأميركية جميع الدول على الاضطلاع بدورها في “ضمان هزيمة تنظيم داعش”، وذلك من خلال إعادة مواطنيها من مراكز الاحتجاز في سوريا والعراق، ومخيمات النازحين بشمال شرقي سوريا “بمن فيهم الإرهابيون الذين يجب تقديمهم للعدالة سريعاً”.
وشددت على ضرورة “تقديم الدعم لحكومتي سوريا والعراق، لضمان بقاء إرهابيي تنظيم داعش رهن الاحتجاز الآمن، وتقديم كل الدعم اللازم لسوريا لتعزيز قدراتها في مكافحة الإرهاب”.
وشهدت جلسة مجلس الأمن ترحيباً دولياً بالاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، كما أكدت الدول دعمها لعملية الاندماج في الدولة السورية.
خلافات بين الحكومة السورية و”قسد”
في غضون ذلك، قالت وكالة “رويترز”، إن عشرات المسؤولين الحكوميين والأكراد أكدوا أن القضايا الأساسية في الاتفاق لم تتم معالجتها بعد، منها كيفية دمج مقاتلي “قسد”، ومصير أسلحتها الثقيلة والترتيبات الخاصة بمعبر حدودي إلى العراق كان شريان حياة لها.
إلا أن الوكالة أشارت إلى أن تنفيذ الخطوات الأولية للاتفاق يمضي بسلاسة، إذ انتشرت وحدات صغيرة من القوات الحكومية في مدينتين يديرهما الأكراد، وانسحب المقاتلون من الخطوط الأمامية بينما أعلنت دمشق، أمس الجمعة، تعيين محافظ رشّحته “قسد”.
ونقلت عن مسؤول غربي قوله إن واشنطن، التي سحبت بعض قواتها من سوريا هذا الأسبوع، راضية عن التقدم المحرز نحو الاندماج، وحثت الشرع على التحلي بالمرونة قدر الإمكان مع طلبات “قسد”.
وأضاف المسؤول أن نصيحة الولايات المتحدة هي تجنب اتخاذ موقف متشدد في بادرة لحسن النية، إذ إن هناك رغبة في منح الأكراد درجة من الاستقلالية بما لا يشكل تهديداً على الاحتياج الأساسي لسلطة مركزية في دمشق.
وينص الاتفاق على أن تشكل وزارة الدفاع فرقة للشمال الشرقي تدمج قوات “قسد” في ثلاثة ألوية، وكذلك على نشر 15 مركبة أمنية حكومية في كل من مدينتي القامشلي والحسكة اللتين تسيطر عليهما “قسد”، وبدء “دمج قوات الأمن” التابعة لها.
وأشارت الوكالة إلى وجود خلافات على أرض الواقع بتطبيق الاتفاق، إذ قال اثنان من مسؤولي الأمن السوريين إن قوات “قسد” تتهم الحكومة بمحاصرة بلدة عين العرب (كوباني) الكردية، في حين يشعر العرب الذين يعيشون في مناطق “قسد” بالاستياء من استمرار سيطرتها، لا سيما في الحسكة التي لا تسودها عرقية بعينها.
——————————
===================



