حين نفكر في الديكتاتور وننسى الناس: لا يمكن فهم الأنظمة السلطوية بالتحديق في رأسها فقط/ مقدام البربور

18-02-2026
تستهوي نماذجُ التفكير الجاهزة كثيراً من الباحثين والكتّاب والمهتمين بالعلوم السياسية، فيعملون على تجريد الواقع وتقسيمه إلى طرفين: حاكمٌ يمسك بالسلطة ومحكومون راضون أو ناقمون. تمنح هذه المقاربات شعوراً بالطمأنينة، لأنها تعطي إطاراً نظرياً يبدو قادراً على تنظيم فوضى السياسة، لكنها تُقدّم صورة مُبسَّطة لواقع مُتعدد الطبقات، مليء بالتفاصيل والانفعالات والمصالح التي لا تتسع لها الفرضيات المُسبقة. وتظهر محدودية هذه المقاربات بشكل أوضح في المجتمعات التي خرجت من مراحل صراع وعنف، إذ لا تختفي السلطة في هذه السياقات بل تُغيّر أدواتها، ولا يتراجع القمع بقدر ما يُعاد توزيعه في اللغة وفي الصمت، وفي إعادة تحديد ما يُمكن قوله وما يُفضَّلُ السكوت عنه. هنا، لا تكون العلاقة بين الحاكم والناس علاقة مواجهة دائمة، بل علاقة تطبيع تدريجي مع واقع يُقدَّم بوصفه أقلَّ كلفة من الفوضى.
لا يكمنُ الإشكالُ في نماذج التفكير هذه بحدّ ذاتها، فهي أدوات مفيدة حينَ تُستخدَم بوصفها عتبات للتفكير لا بدائل عن التجربة الحيّة، لكن المشكلة تبدأ عندما يجري التعامل معها كما لو أنها تُمثّل حركة الناس، ودوافعهم ومخاوفهم وطرائقهم في التكيُّف وتاريخَهم القريب والبعيد. عندها تُصبح السلطوية مجرّد صندوق أسود يُعاد إنتاجه في كل سياق، وتضيع التفاصيل التي تجعل الأنظمة تتشابه من جهة وتختلف جذرياً من جهة أخرى، فإن ما يغيب عن التحليل هو النَفَسُ الإنساني الذي يعطي للسياسة معنىً أكثر التصاقاً بالواقع.
إذن، المشكلة هي أنّ نماذج التفكير هذه تنطلق من افتراضات لا تشبه الحياة اليومية، منها مثلاً افتراضُ أنّ الحاكم لا يشغل باله إلا بالبقاء وكأن الحُكْم مهمة منفصلة عن المجتمع وتعقيداته، وكذلك افتراض أنّ المواطنين يقضون وقتهم في التفكير بالسلطة وتغييرها وكأنهم يعيشون حياة سياسية بحتة، في حين أن البشر في الواقع يعيشون أولويات بسيطة كالعيش والصحة والتعليم والعلاقات والبحث عن قدر من الاستقرار.
ولأنه لا أحد يحتجّ طوال الوقت أو ينصاع طوال الوقت، فإن هناك مساحة رمادية يعيش فيها أغلب الناس، لكنها نادراً ما تجد مكاناً في التحليلات السياسية. في مجتمعات أنهكها الخوف وعدم اليقين، تتحوّلُ السياسة إلى عبء نفسي، ويصبح الانشغال بتأمين العيش والاستقرار اليومي أولوية تتقدّمُ على أي تفكير في السلطة أو مُساءَلتها.
يؤدي هذا التبسيط أيضاً إلى سوء فهم عميق للمجتمعات الخاضعة لحكم أنظمة سلطوية، إذ تُقدَّم كما لو أنها ضحية دائمة للدعاية، أو كما لو أن أي تأييد للنظام لا بد أن يكون مزيفاً أو ناتجاً عن خوف، فالصحيح أنّ الأنظمة غير الديمقراطية تستخدم الدعاية بكثافة، لكن الناس ليسوا كائنات ساذجة، ففي كثير من الأحيان تَكسبُ الأنظمة قدراً من الشرعية لأسباب تتعلق بتحسين الخدمات أو تعزيز الشعور الوطني أو احتواء الانقسامات، فليست كل سردية رسمية كذبة، وليست كل قناعة شعبية نابعةً من الخوف وحده.
الدعاية في الأنظمة السلطوية ليست ضجيجاً مباشراً بل ضباباً يُعيد ترتيبَ ما يمكن التفكير فيه، فالفكرة التي لا تُقال أو تُناقش في الفضاء العام تتحول مع الوقت إلى فكرة غير موجودة أصلاً، والرقابة هنا ليست حذفَ النصوص بل قد تكون منعاً لاحتمالات التفكير قبل أن تولد، لذلك فإن نقد الدعاية يحتاج إلى حسٍّ واقعي وعميق، لا إلى تصورات مُبسَّطة عن غسل الأدمغة أو أدوات نظرية بدائية. في هذا السياق، لا تعمل الدعاية بالضرورة بوصفها خطاباً كاذباً، بل تعمل بوصفها آلية لإعادة تعريف السياسة نفسها، بحيث تُقدَّم القرارات بوصفها إجراءات تقنية لا خيارات سياسية، بينما يُعاد تأطير الاستقرار باعتباره قيمة أخلاقية لا يجوز المساس بها، وكلُّ ما لا يُناقش علناً لا يعود محظوراً فقط، بل يتحوّل تدريجياً إلى ما يبدو غير قابل للتفكير فيه أصلاً. هكذا، تُدار السلطة عبر تقليص مساحة ما هو ممكن لا عبر فرض الطاعة المباشرة.
ويبقى الصمت أحد أكثر الظواهر إرباكاً في الحياة السلطوية، فالصمت ليس غياب الكلام، بل أسلوب حياة يتكيّفُ فيه الناس مع اللغة المطلوبة، يقولون ما يجب قوله، ويؤجِّلون آراءَهم الحقيقية إلى المساحات الآمنة. تعلمُ السلطة أن جزءاً كبيراً من الكلام العلني مُجاملةٌ أو اتقاءٌ للشر، لكنها لا تعرف حجمه الحقيقي أو اللحظة التي قد يتحول فيها التذمّر الصامت إلى انفجار، والمواطنون بدورهم لا يعرفون بدقة حدود المسموح، فيعيشون على حافة منطقة ضبابية تمتد بين الخوف والاعتياد، وهي المنطقة التي تربك الباحثين أكثر من أي شيء آخر.
لا يعكس هذا الصمت فراغاً في الوعي بل يعكس معرفةً بحدود الكلام، وباللغة المطلوبة في الفضاء العام، حيث يتعلّمُ الناس ما يُقال لا لأنهم يصدقونه بل لأنهم يعرفون كلفته. الصمت هنا ليس سلوكاً سلبياً، بقدر ما هو استراتيجية اجتماعية مُتعلَّمة، تُنتِجها بنية الخوف وتُعيد إنتاجها يومياً.
أمّا ما قد يغيب كلياً عند بعض نماذج التفكير السياسي السائدة فهو أنّ السلطة ليست آلة، وأن الحاكم السلطوي ليس روبوتاً بل هو بشر تعصف به المخاوف، يشكُّ في المحيطين به، يتابع تنافُسات داخل عائلته ومؤسساته، ويخشى الانهيار وقد يفكر فيه أكثر مما يفكر فيه أي معارض. تفسّرُ هذه الهواجس جزءاً كبيراً من القرارات في الواقع، فكثيرٌ من الأنظمة التي انهارت في السنوات الأخيرة لم تسقط نتيجة انتفاضات كاسحة أو مؤامرات شاملة، بل بفعل تراكمات صغيرة مثل تراجع القدرة على شراء الولاءات، تفكك الشبكات الزبائنية، أو احتقان اجتماعي طويل كان يتراكم تحت السطح. هذه التفاصيل جزءٌ جوهريٌ من السياسة الحقيقية.
ويزداد سوء الفهم حين يُكتفى بالوثائق الرسمية والخطابات دون الاقتراب من حياة الناس، فيُنظَر إلى العيش تحت الدكتاتورية كحالة استثنائية خارج المنطق الإنساني، بينما يعرف من يعيشون داخلها أنّ الحياة تستمر، فالمدارس تفتح والأسواق تعمل والأسر تبحث عن حلول يومية والناس يطوّرون أساليبهم الخاصة للتكيّف. الحياة لا تُلغى تحت السلطة القمعية، بل تتخذ شكلاً آخر، أكثر تعقيداً وأكثر عرضة لسوء القراءة من الخارج، ذلك أن السياسة تُدفَع إلى الهامش، وتُختزَل في لغة عامة حذرة، فيما يتعلّم الناس التكيُّفَ مع واقع لا يُناقَش بقدر ما يُدار بالصمت.
السلطوية ليست لغزاً رياضياً يحتاج إلى معادلة تُحَلّ، بل شبكة معقّدة من العلاقات اللامتكافئة التي تُعاد صياغتها يومياً، وما لم ننظر إلى هذه الشبكة من موقع الناس الذين يعيشون داخلها، سنبقى أسرى نماذج تفكير تُرضي المنشغلين بالسياسة أكثر ممّا تُساعد على شرح الواقع، فالنماذج النظرية تُصبح فعّالة فقط عندما تتواضع، عندما تعترف بأنها مجرد أدوات، وأن الحياة اليومية هي الامتحان الحقيقي لقدرتها على تفسير العالم لا العكس. وحين نقترب من هذه التفاصيل، يَظهرُ لنا أن فهم الأنظمة السلطوية لا يتمّ من خلال مراقبة رأس الحاكم وحده، بل بفهم الحياة اليومية للناس، فالسياسة تجربة بشرية واسعة تتداخل فيها الطاعة بالمقاومة، والخوف بالرغبة.
العالمُ أكبر من أي إطار نظري، ودائماً هناك حياة كاملة تُعَاش خلف الجدران، وعندما نراها بوضوح يُصبح فهم السياسة أقل سهولة لكنه أكثر صدقاً واتساعاً، باعتبار أن الصمت في كثير من الحالات ليس علامة خضوع بقدر ما هو نتيجة إرهاق اجتماعي عميق، ومحاولة فردية وجماعية للنجاة داخل واقع ضيّق الخيارات. الصمت لا يعني القبول، بل تأجيل الصدام في سياق لا يملك فيه الأفراد ترف المواجهة الدائمة.
موقع الجمهورية



