تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

دولة الـِAI/ يعرب العيسى

24 فبراير 2026

يحلو لأبناء جيلي السخرية من علاقة الأجيال اللاحقة بالتكنولوجيا، ومن التعلّق المرضي بها، والإفراط في الاعتماد عليها، أو ما نظنّه إفراطاً.

يحاول بعضنا مواكبتها بقدر ما يستطيع، يطلب من أبنائه أن يعلموه، أن يضيفوا له تطبيقاً، أن يفتحوا له حساباً، أن يقرصنوا فيلماً، أو يجوّدوا نصاً.

لكن، ولنعترف، فهذه السخرية والتبرّؤ من اللهاث وراءها، يخفي في داخله شعوراً بالتقصير، وقلقاً من أن يفوتنا قطار العصر. فنحن ندرك أن الاعتماد على الذهن للتفكير، وعلى الورقة والقلم للكتابة بات شيئاً من الماضي، ومنظر واحدنا يمسك بقلم، ويحكّ رأسه وينظر إلى السماء، ثم يعود إلى الورقة ويكتب سطراً، يجعلنا نشبه أولئك الحرفيين الذين يلبسونهم ملابس تراثية ويضعونهم مع النول أو عجلة الغضار في المعارض والمتاحف ليلتقط السيّاح صور سيلفي بجانبهم.

في الأشهر الأخيرة، بدأت خطط الحكومة (السورية) لبعض القطاعات تخرج إلى العلن، وصارت بيانات السلطة وتصريحاتها أكثر كثافة وتواتراً، وكثير من أعمال الوزارات صارت علنية، أو تتسرب بطريقةٍ ما.

ومع تعرّفنا على طريقة تفكير الوزارات والمؤسّسات ودوائر السلطة، يمكن لجيلي الآن أن يتنفّس الصعداء، فتنمّرنا على الأجيال الأصغر في مكانه ولا يخالف قواعد الصوابية السائدة في العالم، وما كنّا نظنه إفراطاً في التعويل على التكنولوجيا، تبيّن أنه إفراط بالفعل، وأننا كنّا محقين، ولا داعي لنخجل من أقلام الحبر، وفناجين القهوة ومنافض السجائر الممتلئة قرب الكومبيوتر. فكثير مما يصدر عن المؤسّسات الرسمية كتبه الذكاء الاصطناعي، وبعضه مكتوب جواباً عن سؤال واحد بسيط ومباشر، مثل: اكتب لي خطة لتطوير قطاع التعليم. اكتب بياناً للرد على الفيديو الذي في هذا الرابط. كيفية ترميم المشافي المتضرّرة. حملة إعلانية لحث الشباب على الخلق الحميد. ما هي تجربة رواندا في العدالة الانتقالية؟ خطة برامجية. توضيح للرأي العام عن تأخّر رواتب المعلمين ويكون لطيفاً.

يتحدّث الجميع أن جيلاً من الشباب يقود معظم مفاصل القرار في القطاعات الحكومية، وهناك من يتحدث عن نقص الخبرة الفاقع في كثير من هذه المفاصل، ويخفف آخرون من فداحة ذلك بالقول إنه جيل عصري، يمتلك مهارات التعامل مع التكنولوجيا والتقنيات الحديثة.

ربما يكون هذا صحيحاً للوهلة الأولى، لكن ما نراه من نتائج وما يصل إلينا من منتجات ونتائج، يدلّ أنها مهارات السطح الأول، إذ لا تستحق لقب مهارة عصرية، تلك التي تقف عند تنزيل تطبيق “شات جي بي تي” أو “كوبايلوت” أو “جيميني” على الموبايل، وفتحه حين يطلب المدير المباشر مهمة ما، وكتابة سؤال ساذج، ونسخ الإجابة ورشقها في الفضاء العام، أو في مسار اتخاذ القرار.

وقد وصلت الحالة ببعض المسؤولين أنهم صاروا ينشرون بياناتهم أو خططهم الاستراتيجية وقد بقي في نهايتها عبارة: هل تريد يا أبا حارثة أن أعدّ لك جدولاً تفصيلياً بالميزانية أم ألخّص لك تجربة تشيلي في هذا القطاع؟

الخراب الذي ورثناه يحتاج إلى أفكار أشبه بالمعجزة كي تخرجنا منه، ويحتاج إلى عقول تعرف رائحة زواريب الحارات، لا إلى عقول تسأل خوارزمية ليس في مادتها الأولية أي ذرة من سورية، وتظن جوابها معرفة.

قد تكون معرفة، لكنّها أسوأ أنواع المعرفة، لأنّها، إن صح القول، معرفة يعرفها أيٌّ كان. في بلد يحتاج إلى أن يرفس الصناديق كلها. 

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى