سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الاعتراف بالتنوع السوري: من أخطاء الماضي إلى رؤية المستقبل/ بسام القوتلي

فبراير 8, 2026

يقول الفيلسوف الروماني شيشرون إن البشرية تكرر ستة أخطاء عبر القرون، وهي أخطاء لا تزال حاضرة في حياتنا اليومية، بل وفي طريقة تعاملنا مع قضايانا الوطنية.

هذه الأخطاء هي: الاعتقاد بأن المكاسب الشخصية تتحقق بسحق الآخرين، القلق بشأن ما لا يمكن تغييره، الإصرار على أن بعض الأمور مستحيلة لأنها لم تتحقق سابقاً، رفض وضع التفضيلات التافهة جانباً، إهمال تنمية العقل وصقله، محاولة إجبار الآخرين على الإيمان والعيش كما نفعل نحن.

إذا تأملنا واقعنا السوري، نجد أن هذه الأخطاء الستة تتجلى بوضوح في تعاملنا مع قضية التنوع السوري، وهو تنوع عرقي وديني وثقافي كان دائماً جزءاً من هوية سوريا، لكنه تحول في العقود الأخيرة إلى مصدر صراع وخوف بدل أن يكون مصدر غنى وقوة.

كثيرون يعتقدون أن الدفاع عن الهوية يعني إلغاء هوية الآخر أو تهميشها. نخشى من تعليم لغات غير العربية، أو من جعل بعضها رسمية في الدوائر الحكومية، أو حتى من الاحتفال بأعياد الآخرين. نبالغ في إبراز هويتنا في المجال العام، ونحاول إخراج الهويات الأخرى منه، وكأن المجال العام ملك لفئة واحدة.

نركز على أخطاء الآخرين ونستخدمها لتبرير أخطائنا، بينما التغيير الحقيقي يبدأ من تعديل سلوكنا نحن. لا يمكننا التحكم في مخاوف الآخرين، لكن يمكننا التحكم في طريقة تعاملنا معهم.

نسمع كثيراً أن “الإنسان لا يتغير” أو أن “الحوار مستحيل”. هذه قناعة خاطئة؛ فالتاريخ مليء بأمثلة شعوب تجاوزت صراعاتها عبر الحوار والتفاهم. الإصرار على الاستحالة يغلق الباب أمام أي حل.

نركز على وضع قوانين وضوابط لا تغير شيئاً من الواقع، ولكنها تشعر الآخرين بأنهم مهمشون وبالتالي تعطل بناء الدولة السورية. فكلمة عربية في اسم سوريا لا يجعل سوريا أكثر عروبة مما هي عليه، والإصرار على أن الرئيس يجب أن يكون مسلماً يتعامل مع “خطر” غير واقعي بأن تنتخب الأغلبية المسلمة رئيساً غير مسلم، لكن الإصرار على هذه التفاصيل يضر ويؤخر بناء سوريا لمصلحة الجميع بما فيهم الأغلبية.

نتمسك بما اعتدنا عليه ونرفض التعلم من تجارب الآخرين. قبل سفري إلى كندا، كنت أعتقد أن وجود سور حول المدارس أمر طبيعي لحماية الطلاب. هناك اكتشفت أن معظم المدارس بلا أسوار، وأن الطلاب لا يهربون وهم بأمان. هذا المثال البسيط يوضح كيف يمكن أن تكون قناعاتنا مجرد عادات لا ضرورة لها. لماذا لا نتعلم من تجارب الآخرين بدل تكرار أخطائنا؟

لن نصل إلى مجتمع يرتدي فيه الجميع نفس الملابس ويؤمن بنفس الأفكار. المطلوب هو البحث عن قواسم مشتركة تضمن مصالح الجميع، لا فرض التماثل القسري الذي يولد الانفجار. السؤال هنا: كيف نصل إلى قواسم مشتركة دنيا تضمن مصالحنا جميعاً من دون الإصرار على أن نتماثل بكل شيء”

إن الاعتراف بالتنوع السوري ليس مجرد خيار سياسي أو اجتماعي آخر، بل هو ضرورة وجودية لبقاء الدولة السورية موحدة وقادرة على النهوض من أزماتها. التنوع ليس تهديداً، بل هو مصدر قوة إذا أحسنا إدارته. فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي حاولت فرض التماثل الكامل انتهت إلى الانقسام، بينما تلك التي احتضنت اختلافاتها تحولت إلى نماذج ناجحة في الاستقرار والازدهار.

سوريا ليست لوحة بلون واحد، بل لوحة متعددة الألوان من الثقافات واللغات والمعتقدات التي شكلت عبر آلاف السنين هوية غنية وفريدة. إن محاولة طمس هذا التنوع لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصدع، أما الاعتراف والاحتفاء به فسيخلق شعوراً بالانتماء لدى الجميع، ويعيد الثقة بين المواطن والدولة.

لا نحتاج إلى انتظار اتفاقيات سياسية داخلية أو ضغوط خارجية لنبدأ هذه الخطوة. الاعتراف بالتنوع يبدأ من خطابنا اليومي، من مناهجنا التعليمية، من قوانيننا التي تساوي بين الجميع، ومن إعلامنا الذي يعكس صورة سوريا الحقيقية بكل ألوانها. عندما يشعر كل مواطن أن هويته مصونة، وأنه شريك في صياغة المستقبل، ستضعف كل الأصوات التي تتاجر بالخوف والانقسام.

فلنجعل من سوريا أماً حنوناً تحتضن أبناءها جميعاً، لا تفرق بينهم في الدين أو العرق أو اللغة، بل ترى في اختلافهم جمالاً وقوة. هذه ليست مجرد أمنية شاعرية، بل هي الطريق الوحيد لبناء دولة حديثة، عادلة، ومستقرة. فالتنوع ليس عبئاً نحمله، بل هو الجسر الذي نعبر به إلى مستقبل أفضل.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى