تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عن اللحظة السورية القلقة/ بشير البكر

21 فبراير 2026

نعيش في سورية حالةً قلِقةً جدّاً بعد سقوط نظام بشّار الأسد ووصول فصائل عسكرية إلى الحكم. وكلُّ من يتأمّل أو يتوغّل قليلاً في تفاصيل الوضع الراهن، يلاحظ قدراً مهمّاً من الارتباك والتخبّط واختلال المعايير وغياب الشفافية والوضوح. والسبب وراء ذلك يكمن في الظرف الاستثنائي الناجم من أعوام النزاع الأهلي خلال الثورة، وما لحق بالبلاد من دمار وتهجير واسع شمل نحو 15 مليون، وسقوط أكثر من مليون قتيل، وفقدان آثار عشرات الآلاف المخفيين قسراً، مع ملاحظة أن عاماً واحداً لا يكفي لطيّ صفحةٍ عمرها أكثر من نصف قرن حافلة بالعنف الذي سلّطه حكم عائلة الأسد على ملايين السوريين. ولدينا تركة ثقيلة لا تزال تلقي بظلالها القاسية، منها تداعيات مجازر حماة وحلب ومعتقلو تدمر وصيدنايا.

بدأنا الخروج من النفق يوم سقوط بشّار الأسد، ولأن الزمن دار دورةً كاملةً شعر معظم السوريين بأن ولادة سورية الحقيقية حصلت في فجر 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، لكنّ لحظة الفرح التاريخي تلك لم تُترجم ذاتها، فسرعان ما أخذت تتفرّع إلى حساسيات متضاربة، يتغذّى بعضها من الآخر، وتصبُّ جميعها في مجرى واحد، يتعمّق كل يوم تبعاً للتطوّرات التي تشهدها البلاد، مع العلم أن القسم الأكبر منها يرجع في مصدره إلى الانهيارات الكبرى التي شهدتها سورية خلال حكم الأسدَين (الأب والابن)، ولذا تبدو أكثر لحظات القلق خطورةً تلك التي تتمثّل في الثأر، وهو ملفّ معقّد ليس من السهل تفكيكه خلال فترة وجيرة، ومن ذلك على سبيل المثال ملفّ المخفيّين قسراً خلال عهد الأسد الابن.

ترى منظمات حقوقية وإنسانية محلّية ودولية أن العدالة الانتقالية هي الطريق الوحيدة كي تتجاوز سورية هذا الكابوس الثقيل، وتعبيد الطريق نحو مصالحة أهلية تقوم على أساس الإنصاف والمحاسبة وجبر الضرر، لتجاوز التراكمات الطائفية الثقيلة. ومن دون ذلك تبقى العقدة على حالها، وقد تتحوّل مع مرور الوقت (بفعل عوامل داخلية وخارجية) إلى حقول ألغام تنفجّر في فترات لاحقة. وإذا لم تُعالج هذه القضية بسرعة، لن يحصل أيُّ تقدّم في الملفّات الأخرى، وخصوصاً لجهة تحقيق السلم الأهلي، ومداواة آثار الجراح الدامية في الساحل والسويداء.

من بين ما تشهد سورية قلق الوضع، وعدم استقراره في محافظة الحسكة، التي لا تزال تحت سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، بعد أن تمكّنت العشائر وقوات الدولة من استعادة محافظتَي الرّقة ودير الزور. وتشكّل الحسكة عقدةً رئيسةً بسبب تمترس حزب العمال الكردستاني (التركي) فيها. ويبدو واضحاً أنه يريد تحويلها إلى ساحة مواجهة، وحرب أهلية بين العرب والأكراد. ولا تبشّر تصرّفات “قسد” بأن الاتفاق الذي جرى التوصّل إليه من أجل اندماجها في الدولة سيطبّق في القريب العاجل، بل ما يحصل هو العكس، إذ تستمرّ اعتقالات الناشطين العرب، ورفض تسليم المؤسّسات الأساسية، كمطار القامشلي، والمعابر الحسّاسة، ومنها “سيمالكا” الذي يشكّل ممرّها إلى إقليم كردستان العراق. وهناك نقطة ذات أهمية خاصّة، تتمثّل في أن ممثّلي “قسد” في المباحثات مع الدولة يصرّون على مطلبين: اعتبار تنظيمهم يمثّل أكراد سورية، ومعاملة الكرد على نحو خاص، مع منحهم سلطة القرار في المحافظة، لأنّها من منظورهم ذات أغلبية كردية، وهذا غير صحيح. وحتى لو صحّ، فإن تجربة إقليم كردستان العراق غير قابلة للتعميم في سورية. وعلى هذا الأساس، دخل الموقف في حالة من المراوحة تشبه اتفاق 10 مارس (2025)، بسبب مماطلة قادة “قسد”، الذين ظلّوا يراهنون على كسب مزيد من الوقت حتى تفجّر الوضع عسكرياً. وقد يؤدّي الاحتقان الحالي إلى العودة إلى الحرب لطي ملفّ “قسد”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى