تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

عندما تكون الإنجازات الخارجية في خدمة المصالح الداخلية/ نوار نجمة

مارس 24, 2026

حين تستمع إلى حديث السيد الرئيس بمناسبة عيد الفطر المبارك تلاحظ بوضوح الاهتمام الآخذ في الازدياد بمسألة البناء الداخلي للدولة والمجتمع بعد الإنجازات الكبيرة التي تحققت خلال العام الماضي على صعيد ترسيخ الاستقرار ومواجهة التحديات الأمنية وحل المشاكل العالقة مع الإقليم والمجتمع الدولي وقضية العقوبات التي كانت تعيق أي عملية تنموية.

هذه الإنجازات هي باكورة نشوء الأمم، وقد أتاحت تحصين الدولة السورية مما يمكن اعتباره أكبر تحدٍ إقليمي منذ حرب الخليج الثانية، حيث يستطيع المراقب للحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية أن يدرك بوضوح أهمية وحكمة السياسة الخارجية السورية خلال الخمسة عشر شهراً الماضية، والتي أتاحت فرصة ذهبية لسوريا لتكون البقعة الجغرافية الهادئة والمستقرة في المنطقة دون أن تتخلى عن اعتباراتها الأخلاقية والوطنية في دعم الدول العربية الشقيقة تجاه العدوان الهمجي الذي تتعرض له منذ عدة أسابيع، حيث شكلت سوريا رافعة معنوية مهمة تجاه أي خطة مستقبلية للتعاون والتنسيق العربي.

ويمكن لأي متابع للشأن السوري أن يلحظ بوضوح أن سياسة الرئيس الشرع تعتمد على نقطتين أساسيتين وهما الرؤية الواضحة والعمل لتحقيق هذه الرؤية بعيداً عن الضجيج، معتمداً دائماً على سياسة الرد بالإنجاز.

الواقعية والعملية في مقابل الشعبوية هي سلاح العقل البشري الهادئ عبر العصور وهو الذي يتعامل مع الوقت بوصفه أحد عناصر السياسة الأكثر فعالية.

حديث السيد الرئيس أحمد الشرع وما رافقه من قرارات اقتصادية تتعلق برفع المستوى المعيشي لموظفي الدولة وإقرار موازنة هادئة يحتل فيها قطاع الخدمات والتعليم والصحة حيزًا كبيرًا، يشير إلى بدء الاستفادة من الإنجازات الخارجية على الصعيد الداخلي، وخاصة بعد التطور والتقدم الكبير على صعيد بناء مؤسسات الجيش وقوى الأمن والقضاء في وزارات الدفاع والداخلية والعدل.

كما يظهر بوضوح إدراكه لمسألة تأخر انعقاد مجلس الشعب ورؤيته الموضوعية حول أهمية مشاركة محافظات المنطقة الشرقية في تكوين هذا المجلس، حفاظًا على شرعية ومصداقية قرارات المجلس وتشريعاته.

كما أن التصور الذي أوضحه لشكل ومهام مجلس الشعب يرسل رسالة واضحة إلى أن هذا المجلس سيلعب دوره الحقيقي كسلطة تشريعية في البلاد، بعيدًا تمامًا عن الذكريات السيئة للدور الذي لعبه في الفترات الماضية، وخاصة أن أعضاء مجلس الشعب المنتخبين بمعظمهم من خلفية وطنية وثورية تمتلك الكفاءة الكافية للعب هذا الدور.

بناء دولة تخرج لتوها من حقبة من القهر والاستبداد والظلم و التهالك الاقتصادي والاجتماعي مسألة لا يمكن أن تتم بعيدًا عن عامل الوقت الذي يكون ضروريًا في حالات البناء ومن الصعب تجاوزه، ولكن حجم الإنجاز بالمقارنة مع عامل الوقت يعتبر استثنائيًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

لطالما استغل النظام البائد الظروف الداخلية في البلاد لخدمة مصالحه الخارجية، الأمر الذي يأخذ اتجاهًا معاكسًا الآن من خلال استثمار الإنجازات الخارجية في خدمة الاستقرار والتنمية الداخلية.

رفع المستوى المعيشي للمواطنين يعتبر حجر الأساس في مسألة إعادة توزيع الدخل القومي بشكل عادل ومسائل أخرى في غاية الأهمية كالعدالة والخدمات الاجتماعية واستفادة السوريين العادلة من الثروات والناتج المحلي.

زيادة الإنفاق العام من خلال إقرار زيادة في الموازنة دون اللجوء إلى الاقتراض المكشوف من المصرف المركزي يشير إلى زيادة ملموسة في الإيرادات العامة للدولة، الأمر الذي يعود بالدرجة الأولى إلى تراجع نسب الفساد وتنظيم إنتاجية الدولة وحسن تحصيل الرسوم وعدالتها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الأهمية التي يجب إيلاؤها في المراحل القادمة لمسألة الخدمات والتعليم والصحة والقطاع الزراعي، وأخص هنا القطاع الزراعي، لأنه ومن خلال جولاتنا في اللجنة العليا للانتخابات على كل المحافظات السورية، وخاصة الرقة ومناطق شمال سوريا وجنوبها، أدركت أهمية هذا القطاع في الاقتصاد السوري ونسبة المواطنين الكبيرة التي يتعلق تحسن دخلها بتطوره، وخاصة أن سوريا ربما تحتاج إلى نهضة زراعية تكنولوجية حقيقية لكي يتم استغلال هذه الثروة الكبيرة من المساحات القابلة للزراعة، بالإضافة للخبرات الكبيرة لدى السوريين في مجال الثروة الزراعية والحيوانية، وفي خضم التطور العالمي الكبير الذي يؤدي إلى زيادة الطلب الكبيرة على المواد الغذائية والمواد الأولية للصناعة.

تطوير القطاع الزراعي له أهميته الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط لأن له أسواقاً خارجية كبيرة في المنطقة مما يساعد في تحسين الميزان التجاري السوري بما يتعلق بالتبادل الخارجي.

السياسة ليست ردات فعل، لأنه في لحظة تَغلب ردة الفعل على الفعل تختفي السياسة وتبرز الشعبوية. الشعبوية والتي ربما ترفع من درجة حرارة الأحداث إلا انها في النهاية تحرق الحدث. وأحياناً يكون الصمت أبلغ من الكلام وعدم التعليق هو الرأي بحد ذاته فتبرز الحكمة على حساب التهور.

الشفافية التي يتمتع بها الرئيس الشرع في مناقشة الأوضاع الداخلية والخارجية للبلاد في كل لقاء خاص أو عام تشير إلى مستوى الثقة والتشاركية التي يمتلكها وتجعله قادراً على توقع الأحداث واستخلاص النتائج منها. وكما يقول أحد كبار السياسيين الفرنسيين اميل دوجيراردان: “السياسة والحكم هو أن تتوقع”.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى