تاريخ

قصة القرار 299.. اقتطاع الأقضية الأربعة وإلحاقها بلبنان الكبير سنة 1920/ فارس الذهبي

 

2026.03.27

تُعدّ حادثة إلحاق الأقضية الأربعة بلبنان الكبير في صيف 1920 من أكثر لحظات إعادة تشكيل المشرق حساسية بعد سقوط الدولة العثمانية. والمقصود هنا بعلبك، ومعلّقة زحلة، وراشيا، وحاصبيا. ولم يكن هذا الإلحاق نتيجة لاحقة لإعلان لبنان الكبير، بل كان خطوة سابقة له وممهّدة له قانونيًا وإداريًا.

ففي 3 آب 1920 صدر القرار رقم 299، ثم تبعته في 31 آب قرارات إعادة الترتيب الإقليمي والإداري، وفي 1 أيلول أُعلن قيام دولة لبنان الكبير في بيروت. ويكتسب هذا التسلسل أهمية خاصة، لأنه يبيّن أن ضم الأقضية كان جزءًا من عملية تأسيس الدولة الجديدة.

صدر القرار 299 عن الجنرال هنري غورو، الذي كان، وفق الوثائق الأرشيفية الفرنسية، المفوض السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان، والقائد العام لجيش المشرق في آنٍ واحد. وتُظهر فهارس أرشيفه الدبلوماسي أنه أُرسل من قبل كليمنصو بهذه الصفة، وأنه وصل إلى بيروت في تشرين الثاني 1919 ليمارس سلطة سياسية وعسكرية مباشرة باسم الحكومة الفرنسية. لذلك، فإن القرار 299 صدر عن رأس السلطة الفرنسية العليا المفروضة على الإقليم.

أما الجهة التي خوّلته إصدار هذا القرار، فهي الحكومة الفرنسية نفسها عبر مؤسسة المفوضية العليا، لا سلطة انتدابية دولية مكتملة بالشكل الذي استقر لاحقًا. فالنصوص الأرشيفية الفرنسية تصف المفوض السامي بأنه “الممثل المباشر للحكومة الفرنسية” في الأراضي الموضوعة تحت الإدارة الفرنسية، مع صلاحيات سياسية ومدنية وإدارية واسعة.

غير أنه من الضروري التنبيه إلى أن قرارات آب 1920 سبقت اكتمال صك الانتداب على سوريا ولبنان بصيغته النهائية. لذلك، فإن الدقة تقتضي القول إن القرار 299 استند عمليًا إلى سلطة المفوض السامي المعيّن من فرنسا، وإلى واقع السيطرة العسكرية الفرنسية بعد ميسلون، أكثر مما استند إلى شرعية انتدابية دولية مكتملة النفاذ في ذلك التاريخ.

تكشف الدراسة القانونية المنشورة في Revue du droit public أن القرار 299 كان أول حلقة في سلسلة تأسيسية متكاملة. إذ تذكر هذه الدراسة أن غورو بدأ عمله التأسيسي بهذا القرار في 3 آب 1920، ثم أتبع ذلك بالقرار 318 في 31 آب لتحديد أراضي “دولة لبنان الكبير”، ثم أعقبه بقرارات أخرى لإزالة البنى الإدارية العثمانية السابقة، قبل أن يصدر القرار 336 في 1 أيلول 1920 لتنظيم الإدارة الجديدة.

وبهذا المعنى، كان القرار 299 فعل اقتطاع وإلحاق أولي، بينما جاء القرار 318 لإضفاء الصيغة السياسية النهائية على الكيان الجديد.

غير أن الأهمية الكبرى في قراءة هذه الحادثة تظهر في طريقة تأويلها ضمن الصراع على معنى الكيان نفسه. وهنا تكتسب دراسة “كارلا إدّه” أهميتها الخاصة. إذ تؤكد إدّه أن قيام لبنان الكبير سنة 1920 “ليس مكتوبًا بهذه الصيغة” لا في سايكس-بيكو، ولا حتى في الخطط الفرنسية الأولى في خريف 1918، بل هو نتاج تفاعل معقد بين طموح فرنسي للهيمنة على سوريا، ومطالب كيانية لبنانية، ومشروع وحدوي سوري مضاد، فضلًا عن محاولات فعلية للتوفيق بين هذه المشاريع.

وتتضح هذه الفكرة أكثر حين تُظهر إدّه أن فرنسا نفسها لم تكن، في المرحلة الأولى، منخرطة منذ البداية في مشروع “لبنان كبير مستقل” بصيغة نهائية. فهي تشير إلى أن ممثلي فرنسا المحليين كانوا، في أوائل عام 1919، يتحدثون عن “مستقبل سوريا” و”الوحدة السورية” و”سوريا الجديدة”، ولم يتبنّوا علنًا منذ البداية مطلب “لبنان الكبير المستقل”.

كما تبيّن أن الفرنسيين استخدموا المطالب الكيانية اللبنانية ورقة تفاوض في مواجهة التيار الوحدوي السوري، وأنهم شجعوا أحيانًا صيغًا توفيقية تسمح بقيام لبنان موسّع داخل فدرالية سورية. بل إن كارلا إدّه تذكر صراحة وجود محاولات تفاوضية لبنانية–سورية حول صيغة “لبنان الكبير الذاتي داخل الفدرالية السورية”، قبل أن تفشل هذه المحاولات.

من هنا يكتسب القرار 299 معناه السياسي الحقيقي؛ إذ شكّل لحظة انتقال من منطق التردد والمساومة إلى منطق الحسم الفرنسي. وتقول إدّه إن أول فعل واضح لغورو في هذا الاتجاه كان، في 3 آب، ربط البقاع وحاصبيا–راشيا بلبنان، ثم في 31 آب إنشاء دولة لبنان الكبير إلى جانب دولتي دمشق وحلب.

وتربط إدّه هذا التحول بحاجة فرنسا إلى توجيه لفتة قوية تجاه حلفائها المحليين، وخصوصًا المسيحيين وأنصار الكيانية اللبنانية، بهدف تجديد الثقة بالتحالف الفرنسي بعد مرحلة طويلة من الالتباس والمساومة. فخلق لبنان الكبير، في هذا المعنى، كان إعادة تثبيت لتحالف سياسي محلي تحت المظلة الفرنسية.

أما ردود الفعل على هذه العملية، فتبدو—بحسب إدّه وتقرير لجنة كينغ–كرين—أكثر تعقيدًا بكثير من السرديات المدرسية اللاحقة. فقد لاحظت لجنة كينغ–كرين، أثناء جولتها سنة 1919، أن البقاع كان أول موضع واجهت فيه صراعًا بين مؤيدين ومعارضين للإلحاق بلبنان الكبير.

وتذكر إدّه، استنادًا إلى مصادر فرنسية، أن بعض مخاتير القرى “المسيحية والشيعية” في بعلبك أعلنوا لمبعوثي اللجنة رغبتهم في الانضمام إلى لبنان بمساعدة فرنسا. لكن هذا لم يكن سوى جزء من الصورة، إذ يشير التقرير نفسه إلى وجود عرائض تطالب ببقاء وادي البقاع ضمن منطقة دمشق، ما يدل على أن المناطق المعنية لم تكن ذات موقف موحد، وأن الإلحاق لم يكن تعبيرًا عن إجماع محلي.

وتُظهر أرقام لجنة كينغ–كرين هذا الانقسام بوضوح؛ إذ سُجّلت 1062 عريضة احتجاج على قيام “لبنان كبير مستقل”، كما أن 33 وفدًا لبنانيًا، ضمّ مسلمين ومسيحيين، طالبوا بحكم ذاتي للبنان داخل دولة سوريا، خوفًا من المستقبل الاقتصادي للبنان المنفصل.

وفي المقابل، وُجدت عرائض تؤيد لبنان الكبير المستقل تحت الحماية الفرنسية. كما يذكر التقرير أن 11 عريضة شددت خصوصًا على ضرورة ضم البقاع إلى لبنان الكبير، في حين طالبت 8 عرائض ببقائه ضمن منطقة دمشق. وتكشف هذه الأرقام بجلاء أن الساحة كانت منقسمة، وأن فرنسا حسمت النزاع بقرار فوقي لا بتوافق محلي.

وتذهب إدّه إلى أبعد من ذلك حين تصف البنية الاجتماعية والسياسية لهذا الانقسام؛ إذ ترى أن الدعوة إلى لبنان كبير مستقل تحت فرنسا كانت تُطرح أساسًا من جماعات مسيحية، في حين أن غالبية الجماعات المسلمة—السنية والشيعية والدروز—كانت تدافع عن برنامج دمشق، أي عن السيادة والوحدة السورية.

ومع ذلك، تؤكد أن المشهد لم يكن ثنائيًا صلبًا؛ فالأرثوذكس في بيروت وطرابلس وصور وبعلبك وحاصبيا–راشيا كانوا منقسمين، كما بقيت بعض صيغ التسوية بين الاستقلال اللبناني والوحدة السورية مطروحة حتى قبيل الحسم الفرنسي. وهذا التحليل مهم لأنه يحرر الحادثة من القراءة الطائفية المبسطة، ويعيدها إلى سياقها السياسي بوصفها صراع مشاريع.

وكانت معركة ميسلون في 24 تموز/يوليو 1920 اللحظة التي جعلت هذا الحسم ممكنًا. فقبلها كان المشروع السوري الفيَصلي، على ما فيه من ضعف، لا يزال إطارًا يمكن التفاوض معه أو عليه. أما بعد هزيمته، فقد أصبح غورو قادرًا على إعادة رسم الخريطة عبر قرارات إدارية وسياسية صادرة عن المفوضية العليا في بيروت.

ولهذا، لا يمكن فصل القرار 299 عن سقوط دمشق الفيصلية؛ فالاقتطاع لم يحدث في فراغ، بل جاء في لحظة انهيار البديل السياسي الذي كان يطالب بوحدة سوريا ويعارض فصل هذه المناطق عنها.

وخلاصة الأمر أن القرار 299 فعل اقتطاع سياسي وقانوني أصدره هنري غورو بصفته المفوض السامي والقائد العام لجيش المشرق، مستندًا إلى سلطة المفوضية العليا الفرنسية وإلى واقع الاحتلال بعد ميسلون. وقد مهّد هذا القرار مباشرةً للقرار 318 ولإعلان لبنان الكبير.

وفي قراءة كارلا إدّه، تُفهم هذه الواقعة لا بوصفها حتمية تاريخية، بل باعتبارها نتيجة صراع بين مشروعين محليين متنافسين، حسمته فرنسا لمصلحة حلفائها عندما انتقلت من المساومة إلى فرض الأمر الواقع.

وتبقى ردود الفعل المعاصرة، كما تكشفها لجنة كينغ–كرين ودراسة إدّه، شاهدًا على أن الأقضية الأربعة لم تُلحق بلبنان في مناخ إجماع، بل في فضاء منقسم، انتهى فيه القرار إلى الجهة التي امتلكت القوة.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى