لوحات بيكاسو.. كنز فني عالمي عالق في إيران

24 مارس 2026
يتفقد موظفو متحف طهران للفن المعاصر لوحة بيكاسو “نافذة مفتوحة على شارع بنتييفر في باريس”، أيلول/سبتمبر 1993 (جيتي)
في واحدة من أكثر المفارقات إثارة في عالم الفن، تقبع مجموعة لوحات تُعد من أعظم أعمال بابلو بيكاسو داخل إيران، بعيدة عن أعين العالم، رغم قيمتها الفنية والتاريخية الهائلة.
فمجموعة “The Painter and His Model” ليست مجرد عمل فني، بل قطع محورية في تطور الفن الحديث، ارتبط مصيرها بتقلبات السياسة والنفط والحروب.
إرث نفطي يتحول إلى كنز فني
تعود قصة هذه اللوحات إلى سبعينيات القرن الماضي، حين أدى حظر النفط الذي فرضته منظمة أوبك عام 1973 إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط. هذا التحول الاقتصادي منح إيران ثروة مفاجئة، استُثمر جزء منها في شراء أعمال فنية نادرة.
تقبع مجموعة لوحات تُعد من أعظم أعمال بابلو بيكاسو داخل إيران، بعيدة عن أعين العالم، رغم قيمتها الفنية والتاريخية الهائلة
في تلك الفترة، لم تعد نيويورك مركز سوق الفن العالمي، بل تحولت الأنظار إلى الشرق الأوسط، حيث أصبحت طهران قادرة على اقتناء روائع كبار الفنانين، ومن بينها هذه المجموعة التي بقيت مملوكة لإيران منذ ذلك الحين.
تحفة فنية لا تُرى
رُسمت المجموعة عام 1927، وتُعد من أهم أعمال بيكاسو في مرحلته السريالية. ويرى مؤرخون فنيون أنها شكلت خطوة أساسية مهدت لولادة رائعته الأشهر غيرنيكا، التي جسدت مآسي الحرب والقصف.
ورغم هذه الأهمية، تُوصف اللوحات بأنها “أهم عمل فني في العالم لا يمكن رؤيته”، إذ بقيت لسنوات طويلة بعيدة عن العرض العام، ما حرم الباحثين والجمهور من دراستها عن قرب.
فرح بهلوي.. مهندسة المشروع الثقافي
وصلت المجموعة إلى طهران بفضل فرح بهلوي، زوجة شاه إيران، التي سعت إلى تحويل بلادها إلى قوة ثقافية عالمية. أسست متحف طهران للفن المعاصر، وجمعت فيه أعمالًا نادرة من القرن العشرين.
بميزانية تراوحت بين 25 و30 مليون دولار آنذاك، تمكنت من بناء مجموعة فنية تُقدّر قيمتها اليوم بمليارات الدولارات، في استثمار يُعد من أنجح الصفقات الثقافية في التاريخ.
فرصة ضائعة للغرب
في عام 1977، تمكنت بهلوي من شراء المجموعة من تاجر الفن السويسري إرنست بيلير، في وقت كانت فيه مؤسسات فنية كبرى مثل متحف الفن الحديث تعاني من صعوبات مالية بعد أزمة ديون نيويورك.
وحسب وكالة “بلومبيرغ”، وُصفت المجموعة لاحقًا بأنها “الفرصة التي ضاعت” على المتحف الأميركي، إذ كان من الممكن أن تُعرض إلى جانب أعمال أيقونية أخرى، ما كان سيمنحها مكانة مركزية في تاريخ الفن الحديث.
الثورة والحفظ تحت الأرض
بعد الثورة الإيرانية عام 1979، توقفت إيران عن شراء الأعمال الفنية، وتعرضت بعض القطع للتخريب. لكن المفارقة أن النظام الجديد حافظ على معظم المجموعة، مخزنًا إياها في أقبية متحف طهران. ورغم التوترات السياسية، ظل يُنظر إلى الفن كجسر محتمل بين إيران والغرب، وهو ما سمح أحيانًا بإعارة بعض الأعمال لمعارض خارجية.
لم تُعرض اللوحات علنًا لعقود، حتى ظهرت لفترة وجيزة في زيورخ عام 2010، في معرض أعاد تقديم أعمال بيكاسو. كانت تلك المرة الأولى التي يشاهدها فيها الجمهور منذ نحو 78 عامًا.
وفي عام 2025، عادت للظهور في معرض “بيكاسو في طهران”، الذي استقطب عشرات الآلاف من الزوار خلال أيام قليلة.
فن تحت تهديد الحرب
اليوم ومع تصاعد التوترات والحروب في المنطقة، تكتسب اللوحات بُعدًا رمزيًا جديدًا. فهي عمل فني يجسد العنف والاضطراب، ويقبع في مدينة تعيش ظروفًا مشابهة لما صوّره بيكاسو في لوحته الشهيرة “غيرنيكا”.
وبينما تبقى اللوحة محفوظة في طهران، يظل مصيرها ومصير غيرها من الكنوز الفنية مرتبطًا بتقلبات السياسة والصراع، في مشهد يعكس كيف يمكن للفن أن يصبح شاهدًا صامتًا على التاريخ، وضحية محتملة له في الوقت نفسه.
كم عدد لوحات بيكاسو المتواجد في إيران؟
أقامت إيران في نيسان/أبريل 2025 معرضًا بعنوان “بيكاسو في طهران”، وقتها احتضن المعرض عبر مجموعة متحف طهران للفن المعاصر، واحدة من أهم مجموعات بابلو بيكاسو خارج الغرب، إذ ضمت نحو 66 عملًا تعكس مختلف مراحل تطوره الفني. أبرز ما ضمّه المعرض 26 مطبوعة نادرة من سلسلة “La Tauromaquia” (فن مصارعة الثيران)، التي أُنجزت عام 1957.



