تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

متى كانت سوريا سُنّيّة حقاً؟/ عمر قدور

 

الثلاثاء 2026/03/31

أعلنت الكنائس الكبرى في سوريا تعليق احتفالات عيد الفصح، والاكتفاء بالصلوات في الكنائس، وانتشرت قوات من الأمن في محيط الكنائس لحمايتها، في مظهر يُنبئ بالحال المتردّي. الخوف على الكنائس ليس من أية جهة تُصنَّف معادية أو مناوئة للسلطة، الخوف هو من حاضنة السلطة نفسها؛ من أولئك الذين رفعوا أعلام هيئة تحرير الشام (الحاكمة) في مظاهراتهم الداعمة منع المشروبات الكحولية، واصفين إياها بـِ “أم الخبائث”. ثم أعقبها هجوم على بلدة السقيلبية ذات الأغلبية المسيحية، من قبل شبان أتوا من بلدة سنّية مجاورة، لم ينفع التبرير له بكونه شجاراً محلياً.

ولا ينفع اللف والدوران على ما هو شائع بين السوريين، فالنظرة إلى السلطة هي أنها تمثّل السُنّة، علماً أنها نظرة مشتركة لدى مناصريها ومناوئيها. السلطة نفسها ساهمت بتعزيزها، لا بسبب الأيديولوجيا السلفية السنية التي تعتنقها فحسب، وإنما أيضاً لكونها سلطة أتت على النحو المعروف، والشعبية التي نالتها من دورها في إسقاط الأسد لا تعطيها شرعية بقدر الشرعية المنتَظرة. إذ تقدّم نفسها ممثّلاً للأكثرية المذهبية السنية. لذا، منذ إسقاط الأسد، دأب مسؤولوها على الحديث عن “المكوّنات”، والنظر إلى السوريين كجماعات طائفية، من أجل تثبيت تمثيلهم السُنّة أولاً وأخيراً.

في التبرير للدفع بأحقية السُنّة، يُسترجع نظام الأسد بوصفها نظاماً علوياً، ومن يرجع إلى مدارس هيئة تحرير الشام في إدلب يرى تلك الدعاية التي تصوّره نظاماً “نصيرياً” للحضّ على قتاله لأسباب طائفية وتكفيرية، من دون أدنى اكتراث بأسباب الثورة عليه. المثقفون، من خارج الهيئة، الملتحقون بها بعد استلامها السلطة يسترجعون على نحو خاص تعبير الراحل صادق جلال العظم: العلوية السياسية. وهو من “السقطات الفكرية” للراحل، لا لطائفية التعبير، وإنما لتهافت القياس إذ يحيل للتشبيه بالمارونية السياسية، وشتّان بين أيديولوجيا المارونية السياسية التي ترى أحقيتها بالتأسيس للكيان اللبناني، وكان لها منظّرون عديدون من خارج السلطة بمستواها المباشر، وبين المستوى الطائفي الذي استثمر فيه الأسد، وانهار في لحظة انهياره.

لم يحكم الأسد بوصفه علوياً، بل واظب في العلن على نفي هذا التميز عنه، مثلما لم يشجّع على إبراز مظاهر التميّز لدى العلويين. بينما، على صعيد الظاهر نفسه، قدّمت السلطة الحالية نفسها بوصفها سلطة سُنّية، استَرجعت الحكم من نظام علوي. وهي، حسبما نعلم، المرة الأولى التي يحكم فيها العرب السُنّة سوريا بوصفه عرباً سُنّة، لا كنتيجة طبيعية لكونهم الأكثرية فيها. صحيح أن الوجه الطائفي ظهر في مناسبات سابقة قديمة، أشهرها المجازر الطائفية عام 1860، إلا أن تلك الأحداث كانت تحت الحكم العثماني وبدء تفسّخه، ولم تكن سوريا الحديثة بحدودها الحالية قد وجدت بعد.

بعد الاستقلال، ينظر البعض إلى أديب الشيشكلي كرئيس طائفي، وقد تباهى به طائفيون معاصرون بأثر رجعي، لأنه ضرب الجبلين (الدرزي والعلَوي). الشيشكلي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري، ولم يكن مفوَّضاً من سُنّة سوريا، بل كان قد أطاح نخبة سُنية حاكمة، ليستمر في الرئاسة حوالى ستة شهور لا غير، في دلالة على افتقاده الشعبية والشرعية معاً. وقد كُتب الكثير عن العقد التالي على الانسحاب التام للفرنسيين، ومن ما يمكن وصفه بقلق التأسيس للكيان السوري، ولا يوجد بين الكثير إشاراتٌ إلى أيديولوجيا سُنية ناشئة للتأصيل للكيان السوري، وحتى الشيشكلي لم يكن صاحباً لمثل هذا التوجه الفكري.

في الفترة ذاتها كان استحضار المثال الأموي مغايراً تماماً لاستحضاره سُنّيّاً كما فعلت السلطة الحالية وأتباعها، فالاستحضار القديم يركز على عروبة الأمويين، وإن كان لا يغفل ضمناً علاقة الأمويين الطيبة بالشوام المسيحيين، والنموذج السياسي الذي قدّمه عام الجماعة، ومنه اشتُقّت تسمية “أهل السنة والجماعة”، وهي بمثابة الرمز السياسي الذي استخدمه كثر للدلالة على المعنى الاستيعابي للأكثرية السنية.

وإذا تحرّينا الدقة، فالاستثمار الحالي في الانتماء السني يغفل ذلك البعد الاستيعابي، ويستخدم الأغلبية (من الغلَبة) بدلاً من الأكثرية التي هي معطىً عددي. فالنصر السُني، وفق السردية الجديدة، يجعل السنة أغلبية بالقوة، لا تلك الأغلبية الآتية من المفهوم المعاصر لصناديق الاقتراع. واحد من الفروقات الأساسية في كون الأغلبية المعاصرة أغلبيةً سياسية، متحصّلة بصناديق الاقتراع على أساس سياسي لا مذهبي ولا عرقي. الأهم أن الأغلبية المعاصرة لا تنتقص من الحقوق الأساسية للأقلية، فتبقى الحقوق متساوية للجميع، ويترتّب على الأغلبية أن تحفظ للأقلية كل الحقوق التي تمكّنها من التحوّل إلى أغلبية لاحقاً.

بتعبير بسيط، لا يوجد في الدولة المعاصرة: أهل ذمة. سواء استُخدم التعبير صراحةً، أو عُمل بموجبه من دون الجهر به. وحديث المكونات الذي لم يتوقف عنه الحكم الجديد في سوريا يصبّ بين بين، فهو يوحي بتعبير أهل الذمة مواربةً، ويعمل بموجبه مواربة أيضاً. وبعد أكثر من خمسة عشر شهراً خابت توقعات الذي ظنوا أنها فورة سُنية احتفالية، سرعان ما ستنقضي مع البهجة العارمة بإسقاط الأسد. ومنهم مَن راهن على عودة السنة، تحديداً السلطة السنية، إلى الموقع الأكثري التاريخي بعد احتفالاتها بالنصر.

والحديث عن موقع أكثري بالمفهوم التاريخي منبوذ اليوم من معظم المتضررين من “الأغلبية السنية”، لكن التنوع الديموغرافي يقول كلاماً معتدلاً عن الموقع الأكثري، إذا اعتمدنا الأرقام المتداولة قبل الثورة والحرب. الأرقام السابقة هي حصيلة تعايش طويل الأمد في هذه الجغرافيا، وبالتأكيد لم يكن الأمر دائماً على ما يرام، خصوصاً عندما تقتضي المصالح صراعاً عنيفاً، إلا أنه بالتأكيد أيضاً لم يكن صراعاً إبادياً، لأن وعي المصالح لدى الأكثرية جعلها أقرب إلى “أهل الجماعة”.

اليوم تُصنع أغلبية مغايرة لما كانت عليه الأكثرية، وجزء من صناعتها زرعُ المخاوف في نفوس أبنائها من فقدان السلطة مجدداً، وكأن السلطة معبودة لذاتها حتى إذا لم تكن أكثرية السنّة شريكةً فيها. المؤشرات الظاهرة تقول إن السلطة نجحت في استقطاب السنة، مثلما نجحت في زرع الخوف لدى جميع “الأقليات” بلا استثناء ذي وزن. صاحبَ النجاحَ الاستمرارُ في عسكرة السُنّة، وعدم اتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية جاذبة للاستثمار، ما يُبقي الصراع ضارياً على موارد شحيحة، وعلى السلطة التي تحتكر الشطر الأعظم من الموارد.

لقد أشيع أن تعليق احتفالات الكنائس، بداعي الخوف، لم يحدث منذ طوشة 1860. وإذا صحّ ذلك، يكون التذكير واجباً بأن تلك الأحداث كان لها أثر تأسيسي مديد، مثلما قد يكون للاستثمار الطائفي الراهن أثر مديد أيضاً. قد لا ينجح مطوّلاً اصطناع السُنة في أوساط السُنّة أنفسهم، لكن الوقائع قد تسبق استيقاظهم على الكارثة. 

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى