عام على حكومة «الهيئة»: ما الذي تركته الهيئات المستقلة المرتبطة بالرئاسة للوزارات؟

02-04-2026
في 29 آذار (مارس) 2025 شُكِّلت الحكومة الانتقالية السورية دون رئاسة مجلس وزراء، وبقي منصب رئيس الحكومة شاغراً، بينما تولّت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية برئاسة ماهر الشرع، شقيق الرئيس، عملياً مهمة التنسيق والعقدة المركزية بين الوزارات. خلال عام واحد فقط، أُحدِثت سلسلة هيئات وشركات عامة مستقلة مالياً وإدارياً، ترتبط بالرئاسة أو أمانتها العامة، وتسحب من صلاحية الوزارات ملفات حيوية: الشراء والتوريد، المنافذ والجمارك، الطيران المدني، الاستثمار، التخطيط والإحصاء، والطاقة. يُعيَّنُ رؤساء هذه الهيئات بمراسيم رئاسية مباشرة، بحيث تبقى كل مفاصل المال والحركة والموارد في يد رأس السلطة التنفيذية، مهما تغيرت الوزارات ومهما تغير الوزراء.
الهيئة العامة للإمداد والتوريد (المرسوم 63 لعام 2026)
أُحدثت هذه الهيئة في آذار (مارس) 2026 كهيئة عامة مستقلة مالياً وإدارياً، وُضِع على عاتقها تأمين احتياجات الجهات العامة كلها من السلع والخدمات وتوحيد إجراءات الشراء الحكومي. لا ترتبط الهيئة الإداري بحسب مرسوم إحداثها بوزارة بعينها، بل بالأمانة العامة لرئاسة الجمهورية مباشرة، يعني ذلك أن أي وزارة تريد شراء قمح أو دواء أو محروقات أو تجهيزات كبرى تزيد قيمتها عن 5 ملايين ليرة سورية (جديدة) للتعاقد الداخلي و10 ملايين ليرة سورية (جديدة) للتعاقد الخارجي، ستجد نفسها أمام بوابة مركزية واحدة تخضع للرئاسة. أي أنه بدلاً من تعدد مراكز التفاوض والتعاقد في الوزارات، ومن ثم الرقابة، تصبح توريدات المؤسسات الكبيرة في يد جهة واحدة، يُعيَّن مديرها العام ومجلس إدارتها بمرسوم رئاسي بناء على اقتراح الأمين العام للرئاسة.
الهيئة العامة للمنافذ والجمارك (المرسوم 244 لعام 2025)
ينص المرسوم 244 على توحيد المرجعية الإدارية والفنية للمنافذ البرية والبحرية والمناطق الحرة والجمارك في كيان واحد، مرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، مع شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري تام، ويسمى رئيسها «بمرسوم بدرجة وزير». وبذلك تُسحَب من وزارة المالية الإدارة الفعلية للجمارك، ومن وزارة النقل إدارة المرافئ والمعابر، ومن وزارة الاقتصاد جزء مهم من تأثيرها على التجارة الخارجية.
هذا النموذج ليس سورياً خالصاً؛ فدول عديدة في مراحل إعادة البناء أو «التحديث الاقتصادي» لجأت إلى توحيد إدارة المعابر والجمارك في هيئة واحدة، لكن الهيئة هنا مرتبطة بالرئاسة مباشرةً لا بالحكومة، التي لم يعد لها رئاسة مجلس وزراء.
الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي والشركة السورية القابضة للطيران (المراسيم 213 و214 لعام 2025)
ينص المرسوم 213 لعام 2025 على أن الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي تحلان محلَّ المؤسسة العامة للطيران المدني ومديرية شؤون النقل الجوي في وزارة النقل، بكل حقوقهما والتزاماتهما، بما فيها العقود والاتفاقيات الدولية، ويرتبط رئيس الهيئة بالرئاسة لا بوزارة النقل، ورئيسها يسمى بمرسوم رئاسي أيضاً ويتمتع بمرتبة وزير.
بالتوازي، صدر المرسوم الرئاسي 214 القاضي بإحداث الشركة السورية القابضة للطيران لتحل محل مؤسسة الخطوط الجوية السورية، مع فصل وظيفة التنظيم (بيد الهيئة) عن التشغيل (بيد الشركة القابضة). النتيجة أن قطاع الطيران خرج عملياً من ولاية وزارة النقل، وأصبح بين هيئة مستقلة وشركة قابضة، كلاهما خارج البنية الوزارية.
هيئة الاستثمار والصندوق السيادي والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية (المراسيم 114 و113 و115 لعام 2025)
في صيف 2025، جاءت ثلاثة مراسيم متتالية لتعيد رسم هيكل إدارة الاقتصاد السوري. المرسوم 114 عدّلَ قانون الاستثمار ورفع من مكانة هيئة الاستثمار لتصبح «الذراع التنفيذي المباشر» لقانون الاستثمار، مع ربطها برئاسة الجمهورية بدلاً من وزير الاقتصاد. المرسوم 113 أحدثَ الصندوق السيادي بوصفه ذراعاً تمويلية واستثمارية للمشاريع الكبرى. ثم المرسوم 115 شكّل َالمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية برئاسة رئيس الجمهورية نفسه.
بهذا المثلث: هيئة الاستثمار، الصندوق السيادي، المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية؛ صار القرار الاستثماري الكبير خارج الوزارات: هيئة الاستثمار تمنح الإجازات وتخصص الأراضي من أملاك الدولة، الصندوق السيادي يمول المشاريع ويدخل شريكاً فيها، والمجلس الأعلى يرسم السياسة العليا ويبت في التوجهات. تقلّصت مساحة القرار الاستثماري في وزارات الصناعة والسياحة والزراعة وغيرها، لصالح غرفة قرار ضيقة مرتبطة بالرئاسة مباشرة.
هيئة التخطيط والإحصاء (المرسوم 18 لعام 2025)
في 17 أيار (مايو) 2025، تم إحداث هيئة التخطيط والإحصاء بمرسوم رئاسي، كتحويل وإعادة تسمية للهيئة العامة للتخطيط والتعاون الدولي، مع إلحاق التعاون الدولي بوزارة الخارجية وربط التخطيط والإحصاء بالأمانة العامة لرئاسة الجمهورية. لاحقاً، تم إتباع المكتب المركزي للإحصاء للهيئة الجديدة، بعد أن كان مرتبطاً برئاسة مجلس الوزراء، التي لم يعد لها وجود.
بهذا تم دمج التخطيط الكلي مع إنتاج البيانات الرسمية في جهة واحدة مرتبطة بالرئاسة، لنصبح أمام جهة واحدة تشرف على جمع البيانات وتضع الخطط على أساسها وتعمل على تنفيذ أغلب الخطط، وتبقى للوزارات أدوار هامشية.
جميع الهيئات المذكورة أعلاه تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وترتبط برئاسة الجمهورية أو أمانتها العامة، ويتم تعيين رؤسائها بمراسيم أو قرارات من رئيس الجمهورية.
تُضعِفُ هذه الهيئات استقلالية الوزارات ودورها في هيكل السلطة التنفيذية بشدة، وترتبط كلها بمركز صنع قرار واحد، في غياب أي آليات رقابة موثوقة ومستقلة.
شركات الطاقة الجديدة: الكهرباء والبترول
في قطاع الطاقة تم إحداث الشركة السورية للبترول، وإذا كانت تتمتع بالاستقلال المالي والإداري شأنها شأن الهيئات أعلاه، إلا أنها هي لا تتمتع باستقلال تام عن وزارة الطاقة لأن وزير الطاقة يرأس مجلس إدارتها، لكن رئيسها التنفيذي يُعَّينُ بمرسوم رئاسي من خارج السلم الوظيفي للوزارة. ونُقلت إلى ولاية الشركة السورية للبترول مؤسسات عديدة كانت تابعة لوزارة النفط، ما يحوّل الوزارة تدريجياً إلى إطار تنظيمي ورقابي أكثر منها إطاراً تنفيذياً مباشراً في القطاع النفطي.
تُقدَّم هذه الإجراءات بوصفها جزءاً من إعادة بناء المؤسسات وتحسين كفاءتها، بينما ترسم في الواقع مركز ثقل جديداً حول الأمانة العامة ورئاسة الجمهورية، بحيث تبقى مفاصل المال والحركة والموارد في يد دائرة ضيقة مهما تعاقب الوزراء والوزارات.
موقع الجمهورية



