كيف تُصنع دولة في خمسة أيام من دون معلم؟/ ثائر الزعزوع

2026.04.07
«نحن تقريبًا شبه دولة». منذ أشهر أثار هذا التصريح العابر لوزير الإعلام السوري موجةً من ردود الأفعال، ففي حين اعتبره «معارضو» السلطة اعترافًا مباشرًا من أحد مسؤوليها الكبار بأنهم لا يقودون دولة، فقد اعتبره مؤيدو السلطة زلة لسان لا يُؤاخذ عليها الوزير، الذي لم يبادر مثلًا إلى توضيح ما كان يقصده لاحقًا.
وسواء أكان ذلك التصريح اعترافًا أم زلة لسان، فأنا شخصيًا أراه منطقيًا، لأن سوريا التي لم نتفق حتى اليوم على صيغة لكتابة اسمها، بتاء مربوطة كما اعتدنا طوال عقود، أم بألف إطلاق كما تشير بعض المصادر التاريخية التي تعيد تسميتها بهذا الاسم إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وإن كان الإعلام الرسمي، وكذا بعض المواقع ووسائل الإعلام، قد انحازت إلى سوريا بألف الإطلاق، إلا أننا ما زلنا نعثر في مقالات وكتابات كثيرة على من يميل إلى كتابتها بتاء مربوطة، وأيًا يكن الشكل الذي كُتبت به، فهذا لن يغير في واقع الحال شيئًا، فهذه الـ«شبه دولة»، ومن خلال تاريخها الحديث، لم تستطع أن تؤسس كيانًا بملامح مكتملة، نتيجة للظروف التاريخية والتقلبات التي لم تمنحها الوقت الكافي لتستقر وتكتشف ذاتها، منذ أن تم رسم حدودها الجغرافية، ثم اختيار نظام للحكم مستورد لم تتح له الفرصة ليكتمل نضوجه، فبعد حقبة الانقلابات التي استقرت على انقلاب قاده الديكتاتور حافظ الأسد، فقدت الجمهورية هويتها، لا السياسية فقط، بل حتى الوطنية، فتحولت وطنيتها إلى مخلوق هجين تم تشكيله ليناسب صورة الحاكم نفسه، بدءًا بالأب وصولًا إلى الابن اللذين حكما «شبه الدولة» مدة تعادل نصف عمرها الحديث بجغرافيتها الحالية، ولم ينشغل كلاهما، ولا من يحيط بهما من «نخبة» إن جاز لنا أن نسميها نخبة، في التأسيس لدولة وطنية، وقد أسهمت شعارات حزب البعث الحاكم في اختلاط الهوية الوطنية مع هوية قومية أكثر اتساعًا، فصارت القومية أهم من الوطنية، وهذا أسهم بشكل أو بآخر في تبديد الدولة، فلم تنشأ فيها أحزاب سياسية وطنية تسعى للتأسيس للدولة، ولكن مجرد أحزاب عابرة للحدود، على غرار حزب البعث وأمته العربية الواحدة، ثم الأحزاب الشيوعية التي كانت تفتح المظلات في دمشق إن أمطرت السماء في موسكو، وكذا الحال بالنسبة لكثير من الأحزاب الأخرى، ومن دون أن ينتقص كلامي هذا من قيمة نضال من ناضلوا، وحاولوا أن يكونوا مؤثرين في واقع لم يكن التأثير فيه مسموحًا، إذ كان المؤثر فقط هو الحاكم الذي اختصر كيان الدولة كلها في شخصه، فرسم لها طريقها، فلم يكن «مجلس الشعب» فيها سوى انعكاس لصورته، وكذا الحال فيما يخص الجيش والجامعة، وصولًا إلى روضات الأطفال، فغابت سوريا وراء صورته، لأننا كلنا، شئنا أم أبينا، كنا «ننتمي لكبريائه»، كما كنا نردد في أناشيدنا المدرسية، وغيرها من أناشيد حقبة زاخرة بالغناء وقصائد المديح، محلية الصنع والمستوردة أيضًا.
إذًا، لم تكن سوريا دولة مستقلة، بل كانت كيانًا تابعًا لـ«فكره» و«كبريائه» و«شموخه»، وإلى آخره من عبارات التمجيد التي أفرغت سوريا من أي محتوى لها، وجعلتها مجرد ظل لا قيمة فعلية له، وبالمحصلة فهي لم تكن دولة، بل شبه دولة انتقلت من الأب إلى الابن «بسلاسة»، فنسف دستورها، وسط تصفيق حاد من أعضاء مجلس الشعب «المنتخبين» من قبل الشعب، لحماية حقوقهم ودستورهم، ذاك الدستور الذي كان قد فصّله الديكتاتور الأب على مقاسه.
وخلافًا لثورات الربيع العربي التي قامت للتخلص من الاستبداد بالدرجة الأولى، فإن الثورة السورية، حتى وهي تستعير شعارات رُفعت في شوارع مدن عربية أخرى، كان هتافها الأكثر وضوحًا بالنسبة لي: «سوريا لنا وما هي لبيت الأسد»، فالثورة أدركت منذ أيامها الأولى أنها قامت لاستعادة سوريا قبل أي شيء، ولذلك فإن السؤال الذي ما زال يتردد منذ سقوط النظام السابق وحتى يومنا هذا: ما هو شكل الدولة التي نريدها؟ واستطرادًا تلك التي نحلم أن تكون عليها سوريا؟ وهو سؤال لم يطرحه المصريون على أنفسهم على سبيل المثال، ولا حتى التونسيون، رغم أن كلا البلدين كانا محكومين بنظامين مستبدين يختلفان من حيث طبيعتهما عن النظام السوري البائد، لكن سقوط ذينك النظامين لم يؤدِّ إلى خلل بنيوي عميق مثل الذي نعانيه، فما هو شكل الدولة التي يريدها السوريون حقًا؟
سوف تتردد بكثرة مصطلحات مثل الديمقراطية، وحكم الشعب، وأهداف الثورة، وبسبب حالة التمزق والتشتت التي عاشتها سوريا قرابة عقد ونصف من عمر الثورة، فإننا نجد أنفسنا مجبرين على ترديد عبارات مثل: «سوريا لكل السوريين»، وسوريا التي نقصدها هي تلك الـ«سوريا» الموحدة التي تضم «سوريات» كانت متناحرة، وكل واحدة منها كانت تسير وفق ما تشاؤه القوة، أو القوى المسيطرة عليها، وتطرح مشاريع وأفكارًا مستقلة ومختلفة عن السوريات الأخرى، بل إن ثمة سوريا جديدة انبثقت بعد سقوط النظام وزوال الحدود بين السوريات المتناحرة، وهذه المرة هي كيان هجين، ينتمي جغرافيًا إلى سوريا، لكنه يبتعد عن كل ما تمثله أو ما تريد أن تمثله، ولست في وارد محاكمة ذلك الكيان وسرد وقائع وظروف تشكّله التي باتت معروفة للقاصي والداني، ولكن هذا كله يعيدنا إلى نقطة البداية، تلك الجملة العابرة التي قالها وزير الإعلام: «تقريبًا شبه دولة»، وهو ما كرره أكثر من مرة الرئيس الشرع وهو يؤكد «أننا نحاول بناء دولة»، وصحيح أنه بالغ مؤخرًا في تفاؤله خلال زيارته إلى ألمانيا حين قال إننا لا نريد أن ننطلق من الصفر، لكن الحقيقة تقول إننا وصلنا أخيرًا إلى النقطة صفر، وربما ستبدأ سوريا تخطو خطوة إلى الأمام، وإن كان أحمد شوقي قال مرة: «تؤخذ الدنيا غلابًا»، فإن الغلاب هنا هو عمل جاد ومستمر لبناء دولة، لأن المطالب لا تأتي بالتمني. فلا الديمقراطية تقدر أن تهبط في سلة من السماء، ولا يمكن أن تجود بها السلطة إن لم تكن مطلبًا شعبيًا، ولا الحرية تُمنح «مكرمة»، بل تُنتزع انتزاعًا، ولعل السوريين، الذين قدموا مليون شهيد في سبيل حريتهم، أكثر الناس دراية بذلك.
لم تكن سوريا، بألف إطلاق أو تاء مربوطة، دولة، وربما هي أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر مرة أخرى لتصير دولة، لكن المناكفة وانتظار معجزات من هنا وهناك لم تصنع دولًا من قبل، بل إنها لا تصلح حتى لصناعة طبق عجة يأكله جائع في مخيم، ما زال ينتظر أن تلتفت إليه «الدولة» فتهدم الخيمة وتبني له بيتًا، قبل أن يقتلع الطوفان المخيم بمن فيه.
تلفزيون سوريا



