تطور الاقتصاد السوري تحديث 08 نيسان 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
————————————-
تجديث 08 نيسان 2026
—————————-
هل حققت سوريا فعلاً أول فائض منذ 1990؟ وما الذي تخفيه أرقام موازنة 2025؟/ مازن الشاهين
فائض بـ46 مليون دولار بعد 35 عاماً من العجز: خطوة مفصلية أم تحسن ظرفي؟
2026-04-08
في لحظة وُصفت بأنها تحول لافت في مسار المالية العامة، برز الإعلان عن تحقيق فائض مالي أولي للمرة الأولى منذ عقود بوصفه إشارة رمزية على نهاية مرحلة طويلة من العجز، وبدء خطاب جديد قائم على الإفصاح والشفافية. غير أن القراءة التحليلية للأرقام تكشف أن هذا التحسن لا يمكن فصله عن طفرة غير مسبوقة في الإيرادات، مدفوعة بتحسن إجراءات التحصيل وضبط الهدر وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى جانب إعادة هيكلة بعض بنود الدعم واستقرار نسبي في سعر الصرف، ما يشير إلى تحسن في النشاط الاقتصادي لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول طبيعة هذا التحسن وحدوده.
وفي المقابل، تفتح القفزة الضخمة المستهدفة في موازنة العام المقبل باباً واسعاً للنقاش حول الاستدامة والواقعية، مع اتساع فجوة التمويل واعتماد كبير على عائدات النفط والغاز والتمويل الخارجي. وبين التفاؤل بالحراك المالي والتحفظ على مصادر الإيرادات وهيكل الإنفاق، تتقاطع التقديرات عند حقيقة واحدة: أن قيمة الفائض تتجاوز حجمه الرقمي، لكنها تظل اختباراً مبكراً لمسار طويل يتطلب إصلاحات عميقة وشفافية أوسع لضمان تحوله إلى تعافٍ اقتصادي ملموس.
وأعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية، في خطوة وصفها بـ”تأكيد لنهج الشفافية”، عن نتائج الأداء المالي للموازنة العامة لعام 2025، كاشفاً أن سوريا حققت فائضاً مالياً أولياً قدره 46 مليون دولار، هو الأول من نوعه منذ عام 1990، أي منذ خمسة وثلاثين عاماً متواصلة من العجز.
وجاء هذا الإعلان في مرحلة انتقالية دقيقة تمر بها البلاد، مما يجعل قراءته النقدية ضرورة اقتصادية لا رفاهية تحليلية.
غير أن الفائض البالغ 5 مليارات ليرة سورية جديدة، ما يعادل نحو 46 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي، لكن خلف هذه الأرقام، تبرز أسئلة جوهرية: هل يعكس هذا الفائض تحسناً حقيقياً في الاقتصاد السوري؟ وهل هو انعكاس حقيقي لتعافٍ هيكلي؟ أم أنه نتيجة عوامل مؤقتة أو محاسبية وثمرةٌ لعوامل استثنائية؟ وكيف تتناسب أرقام 2025 مع الطموح الضخم لموازنة 2026 التي تُضاعف الإنفاق ثلاثة أضعاف دفعةً واحدة؟ وهل موازنة 2026 القفزية قابلة للتحقق؟
الرواتب والجمارك: ثنائي التحكم بموازنة 2025.. نمو سريع وترشيد للإنفاق
يقول الخبير المالي محمد الحسين في تصريحات لـ”963+” أنه وفقاً للموجز المالي الذي نشره وزير المالية في إطار “نهج الشفافية”، بلغ إجمالي الإنفاق العام 3.447 مليار دولار بزيادة 45.7% مقارنة بعام 2024، بينما قفزت الإيرادات بشكل حاد إلى 3.493 مليار دولار، مسجلة نمواً بلغ 120.2% خلال عام واحد، ويشير هذا التفاوت الكبير في معدلات النمو إلى أن تحسن الإيرادات لم يكن مجرد نتيجة لزيادة الإنفاق، بل يعكس تعافياً أوسع في النشاط الاقتصادي، كما كشف الموجز المالي عن هيكل واضح للإنفاق والإيرادات، حيث استحوذت الأجور والرواتب على 41% من إجمالي الإنفاق، مما يعكس أولوية الحكومة في دعم الاستقرار الاجتماعي وتحسين مستويات المعيشة، أما على جانب الإيرادات، ساهمت الرسوم الجمركية بنحو 39%، وهو ما أرجعته الوزارة إلى تحسن النشاط الاقتصادي وجهود ضبط الفساد والحد من التهريب، وتشير هذه النسبة إلى أن الاقتصاد بدأ يستعيد عافيته في حركة التجارة والاستيراد.
ويرى الحسين أن هذا التحسن يعود إلى عدة عوامل أهمها: إعادة هيكلة بعض الدعم وتحويله إلى دعم نقدي مباشر للفئات الأضعف، وتحسين إجراءات التحصيل الضريبي وتقليص فجوات التهرب، وتحسن نسبي في النشاط التجاري بسبب استقرار سعر صرف الليرة الجديدة.
ويبين الحسين أن سوريا تتجه نحو قفزة هائلة في الإنفاق العام خلال العام الحالي، حيث كشف الوزير أن موازنة 2026 تستهدف إنفاقاً قياسياً يبلغ 10.516 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق 2025، مع تركيز غير مسبوق على البنود الاجتماعية والاستثمارية، وتستند هذه الطفرة إلى توقعات بارتفاع الإيرادات إلى 8.716 مليار دولار، مدعومة بشكل رئيسي بعودة قطاع الطاقة، فوفقاً للموجز، تشكل إيرادات النفط والغاز 28% من إجمالي إيرادات 2026، وهي نسبة تعكس تأكيد الوزير على أن “النفط والغاز يدخلان بكامل الموازنة” بعد انفراج العقوبات الدولية.
ويشير الحسين إلى أنه ورغم التفاؤل، تبقى أمام الحكومة تحديات جوهرية، فالإنفاق المتوقع لعام 2026 (10.516 مليار دولار) يفوق الإيرادات المتوقعة (8.716 مليار دولار)، مما يخلق فجوة تمويلية تقدر بنحو 1.8 مليار دولار، وهي فجوة يتوقع أن يتم تغطيتها عبر مزيج من التمويل الخارجي والإصلاحات الضريبية والاستثمارات الجديدة.
ويختم الحسين يحمل فائض 46 مليون دولار قيمة رمزية أكبر من قيمته الرقمية، إذ ينهي عقوداً من العجز ويرسم مساراً جديداً للإدارة المالية في سوريا. لكن التحدي الحقيقي لا يزال قائماً في تحقيق طموحات موازنة 2026، التي تتطلب تنفيذاً صارماً للإصلاحات الهيكلية وجذباً فعلياً للاستثمارات الأجنبية لتحويل هذا الزخم المالي إلى تعافٍ اقتصادي مستدام وملموس يعود بالنفع على المواطن السوري.
هيكل الإيرادات: طفرة الرسوم الجمركية وأسئلة الاستدامة.. قراءة خلف الأرقام
بالمقابل يرى الأكاديمي والخبير المالي عبدالناصر الفهد في تصريحات لـ”963+” أن تُشكّل الإيرادات القادمة بزيادة 120.2% دفعةً واحدة ظاهرةً تستحق التوقف المطوّل، فوفق بيانات الوزير، استحوذت الرسوم الجمركية وحدها على 39% من مجمل إيرادات الموازنة، وهو رقم مرتفع بكل المقاييس المقارنة، ويعكس اعتماداً شبه هيكلي على الواردات في تمويل الدولة، بدلاً من الإنتاج والقيمة المضافة المحلية.
ويتساءل هل الرسوم الجمركية ارتفاع مؤقت أم تحول هيكلي؟ مضيفاً: فقد أرجع الوزير برنية هذا الارتفاع الكبير إلى عاملين: تحسّن النشاط الاقتصادي العام، وجهود ضبط الفساد على المنافذ الجمركية، وكلا العاملين له دلالة مزدوجة، فإذا كان الفساد يستنزف الإيرادات في المراحل السابقة، فإن إصلاحه يعني أن الأرقام الحالية أقرب إلى الحقيقة من الأرقام السابقة، وليس بالضرورة أن الاقتصاد ذاته قد نما بهذا المعدل، أي بمعنى آخر: جزء من الزيادة هو استعادةٌ لإيرادات كانت مُهرَّبة من خزينة الدولة، لا إيرادات جديدة.
ويؤكد الفهد أن هذا التمييز ضروري لأن النوع الأول من الإيرادات -استعادة المسرَّب- له سقف طبيعي يُوقف عنده، في حين أن النوع الثاني -نمو الاقتصاد- هو الذي يضمن استدامة الإيرادات مستقبلاً، وغياب التمييز الرسمي بين المصدرين في البيانات الحكومية يُصعّب التقييم الموضوعي.
مشيراً إلى أن مصادر الإيرادات الرئيسية 2025 هي الرسوم الجمركية 39% وهي المصدر الأول للإيرادات، وهناك إيرادات ضريبية ومتنوعة 61% تشمل الضرائب والرسوم.
هيكل الإنفاق: حصة الأجور وأزمة الاستثمار
يتابع الفهد أنه على جانب الإنفاق، كشفت أرقام الوزير أن بند الأجور والرواتب استحوذ على 41% من إجمالي الإنفاق العام البالغ 3.447 مليار دولار، وهذه النسبة تُجسّد إحدى أعمق أزمات المالية العامة في سوريا: ضخامة كتلة الأجور الحكومية على حساب الإنفاق الاستثماري والتطويري، وبالحساب المباشر، يعني ذلك أن نحو 1.41 مليار دولار ذهبت إلى الرواتب في عام 2025، وهذا الرقم مقارنةً بمستويات أجور القطاع العام السوري الفعلية، يُشير إلى كتلة وظيفية ضخمة جداً، مما يطرح تساؤلات جدية حول كفاءة الجهاز الإداري وإمكانية ترشيقه دون إحداث اضطرابات اجتماعية.
ويتساءل الفهد عن القطاعات الاستثمارية: وأين ذهب 59% المتبقي؟ حيث لم تُقدّم البيانات المعلنة تفصيلاً وافياً للإنفاق خارج بند الأجور، والسؤال المشروع هو: كم من هذه النسبة ذهب للإنفاق التشغيلي (وقود، صيانة، مستلزمات)، وكم للاستثمار الفعلي في البنية التحتية والخدمات؟ غياب هذا التفصيل يُضعف الشفافية التي رفعها الوزير شعاراً للإفصاح، كما 41% من الإنفاق تذهب للأجور: فهل تُبقي هذه النسبة مساحةً كافية للاستثمار الحقيقي؟
ويقدم الفهد قراءة نقدية في دلالة الفائض: وما وراء الأرقام، حيث إن الإفصاح عن فائض مالي لأول مرة منذ 1990 هو بلا شك حدثٌ ذو قيمة رمزية عالية، ويُمثّل نقطة تحوّل في الخطاب الرسمي نحو المحاسبة والشفافية، غير أن الفحص التحليلي يفرض تحفظات منهجية عدة: أولها أن الفائض لا يعني بالضرورة صحة مالية شاملة، فهو مؤشر يُحسب قبل احتساب خدمة الدين العام، وفي غياب البيانات الكاملة حول الدين الخارجي والداخلي السوري وكلفة خدمته، يبقى هذا الفائض ناقصاً من الناحية التحليلية.
والتحفظ الثاني هو عامل الصرف يُعقّد المقارنة، فالتحويل بين الليرة السورية الجديدة والدولار يخضع لتقلبات حادة، وما يبدو فائضاً بالليرة قد يتآكل بشكل مختلف عند القياس بمعايير القوة الشرائية أو بسعر صرف السوق، والتحفظ الثالث هو سياق المرحلة الانتقالية، إن جزءاً من تراجع العجز مقارنةً بعام 2024 (من 2.7% إلى الفائض) قد يعكس انكماشاً في بعض مدفوعات الدولة أو تأجيل التزامات، لا توسعاً حقيقياً في القاعدة الإنتاجية، أي أن الفائض الأولي لا يعكس الصورة الكاملة: خدمة الدين والتزامات مؤجلة بحاجة إلى إفصاح مستقل.
ويشير الفهد إلى أن الأرقام الواردة في موازنة 2026 تنقل النقاش إلى مستوى مختلف كلياً، فالإنفاق المقدّر بـ10.516 مليار دولار يمثّل أكثر من ثلاثة أضعاف ما أُنفق عام 2025، في حين تُقدَّر الإيرادات بـ8.716 مليار دولار، مما يعني عجزاً مخططاً له يبلغ نحو 1.8 مليار دولار، أي ما يقارب 17% من الإنفاق المستهدف.
ويوضح أن النفط والغاز الورقة الرابحة الجديدة حيث تستمد موازنة 2026 جزءاً كبيراً من ثقتها من إدراج عائدات النفط والغاز بالكامل في الموازنة، وهو مصدر يُقدَّر بـ28% من إجمالي الإيرادات المستهدفة أي ما يعادل نحو 2.44 مليار دولار، وهذا يعني أن تحقيق الإيرادات مرهونٌ إلى حد بعيد بمسار إنتاج النفط والغاز وأسعاره العالمية، وكلاهما يخضع لمتغيرات خارجة عن سيطرة الحكومة السورية، ويبقى السؤال: ما حجم الاحتياطيات المؤكدة؟ وما المسار الزمني للإنتاج؟ وهل البنية التحتية النفطية مؤهلة للعمل بالطاقة المستهدفة؟ الإجابات على هذه الأسئلة لم ترد في الإفصاح الرسمي، مما يجعل الرقم طموحياً أكثر منه تشغيلياً في المرحلة الراهنة.
أما العجز المخطط، فإن مصادر التمويل مجهولة، والفجوة بين الإنفاق والإيرادات المقدرة لعام 2026 تبلغ 1.8 مليار دولار، وهذا العجز يحتاج إلى تمويل حتمي، سواء من قروض داخلية أو خارجية أو منح، والغياب الكامل لتفاصيل مصادر هذا التمويل في الإعلان الرسمي يُشكّل ثغرة شفافية جوهرية، لأن طريقة تمويل العجز تحدد في نهاية المطاف تكلفته على الاقتصاد والمواطن.
ويتابع الفهد إلى أن الوزير برنية أشار أن موازنة 2026 ستُركّز على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، وهذا التوجه -إن تحقق- يمثّل تحولاً إيجابياً نحو الاقتصاد التنموي، غير أن الإطار الزمني والأولويات القطاعية وآليات المتابعة والرقابة لم تُحدَّد علنياً، وهي العناصر التي تُفرّق بين التوجه الحقيقي والخطاب الإعلامي.
ويختم الفهد يبقى المواطن السوري -لا سيما الفئات الأكثر هشاشة- المعيار الحقيقي لنجاح أي موازنة، فالفائض المُعلن لن يلمسه المواطن مباشرةً، إلا إذا ترجم إلى تحسين خدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وإلى أجور تواكب التضخم، وإلى بيئة اقتصادية تحفّز الاستثمار الخاص وتوليد فرص العمل.
اقرأ أيضاً: سوريا: فرض سلفة ضريبية بنسبة 2% على المستوردين وإلزامهم ببراءة ذمة مالية – 963+
الإنفاق الاجتماعي والاستثماري في 2026
مدير سابق في وزارة المالية “فضل عدم ذكر اسمه” طرح عبر “963+” عشرة أسئلة يُمكن إجمالها بجملة من الأسئلة الجوهرية التي يحق للرأي العام السوري أن يطرحها على وزارة المالية ويتوقع إجابات موثقة عليها:
ما هو الحجم الحقيقي للدين العام السوري (داخلي وخارجي)، وما كلفة خدمته السنوية؟
كم نسبة الزيادة في الإيرادات الجمركية مصدرها ضبط الفساد، وكم منها نمو اقتصادي فعلي؟
ما الاحتياطيات النفطية المؤكدة التي تستند إليها مستهدفات 2026 التي تبلغ 2.44 مليار دولار؟
من أين سيُموَّل العجز المقدر بـ1.8 مليار دولار لعام 2026؟
ما آليات الرقابة على الإنفاق الاستثماري وضمان عدم تسرّبه للفساد؟
كيف يتوزع الإنفاق الاستثماري على القطاعات (صحة، تعليم، بنية تحتية، طاقة)؟
ما مدى واقعية مضاعفة الإيرادات بنسبة 149.5% في عام واحد؟
هل تمت مراجعة مستقلة للأرقام المُعلنة من جهة رقابية محايدة؟
ما تفاصيل الإنفاق الاجتماعي المُخطط، وما الفئات المستهدفة؟
كيف تتعامل الموازنة مع الدولار الموازي وتداعياته على القدرة الشرائية؟
ويضيف أن الشفافية مسار لا حدث ويُحسب للوزارة جرأة الإفصاح عن أرقام كانت طي الكتمان لسنوات، وهي في حد ذاتها خطوة لا يمكن الاستهانة بها في سياق سوري يرزح تحت إرث ثقيل من الغموض المالي، غير أن الشفافية الحقيقية ليست حدثاً إعلامياً واحداً، بل هي مسار مستدام يشمل نشر البيانات التفصيلية، والتدقيق المستقل، والمراجعة البرلمانية، والانفتاح على الأسئلة النقدية، والرقم التاريخي -فائض بعد 35 عاماً من العجز- يستحق الإشادة إذا ثبتت صحته ومنهجية احتسابه، لكنه يستحق أيضاً المساءلة إذا كان يخفي التزامات مؤجلة أو يبالغ في تقدير إيرادات هشة.
+963
——————————
“تفاهم” سوري-أردني-تركي لـ”تفعيل ممر الشرق الأوسط”
يشمل التعاون في النقل البري والبحري والسككي
وقّع وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا، اليوم الثلاثاء 7 نيسان، مذكرة تفاهم ثلاثية تهدف إلى تطوير قطاعات النقل والربط اللوجستي بين الدول الثلاث، وذلك عقب اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة الذي عُقد في عمان بالأردن.
تتضمن مذكرة التفاهم بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) إنشاء إطار مؤسسي وفني للتعاون المشترك في النقل البري والبحري والسككي، وتشكيل لجان وفرق عمل مشتركة، وتطوير خطط قطاعية موحدة، لضمان تنسيق الجهود وتوحيد الإجراءات بين الدول الثلاث.
كما ركزت المذكرة على تحويل هذا التعاون إلى مشاريع تنفيذية مدعومة بالرقمنة والاستثمار، عبر تبسيط الأنظمة وتطبيق الحلول الذكية، ومتابعة الأداء وبناء القدرات لضمان الاستدامة، بحسب (سانا).
ووفق بنود المذكرة، سيشمل التعاون تعزيز الربط السككي الإقليمي عبر تشكيل لجنة فنية ثلاثية لمتابعة التنفيذ، وتطوير النقل البري والبحري والسككي، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل حركة الشحن والركاب، وتبسيط الإجراءات الحدودية، بما يسهم في رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز التبادل التجاري ودعم الترانزيت بين الدول الثلاث حسب ما نقلته (سانا).
خارطة طريق لثلاث سنوات
وزير النقل السوري يعرب بدر، أكد في تصريح لوكالة “سانا”، أن مذكرة التفاهم تتضمن “خارطة طريق واضحة تحدد الأنشطة المطلوب تنفيذها على مستوى مؤسسات النقل في الدول الثلاث، ضمن برنامج زمني للمتابعة يمتد لثلاث سنوات”.
وأشار بدر، إلى أن هذه الخارطة “تمثل التزامًا عمليًا بتحويل الحدود إلى جسور للتنمية والتكامل”، مؤكدًا أن “تفعيل ممر الشرق الأوسط” عبر هذه الدول “سيحدث تحولًا نوعيًا في المشهد الاقتصادي الإقليمي”.
الربط السككي و”الحديدي الحجازي”
بيّن وزير النقل السوري أن تشكيل اللجنة الثلاثية للنقل السككي “يسهم في تشخيص الوضع الراهن لخطوط السكك الحديدية، ودراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع القائمة، ووضع دراسات جديدة للمشاريع المستقبلية”، مشيرًا إلى أن سوريا “تكفلت بإعداد الخارطة الأولية لوضع الربط السككي بين البلدان تمهيدًا لمناقشتها بشكل مشترك”.
وأضاف بدر أن توقيع المذكرة يضع الأساس لانطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها مشروع الخط الحديدي الحجازي، بما يعزز حركة نقل البضائع والركاب وفق معايير حديثة، لافتًا إلى أن التعاون الفني سيسهم في “استكمال الوصلات المفقودة وتأهيل البنية التحتية، بما يضمن انسيابية الحركة السككية من الأناضول وصولًا إلى ميناء العقبة والخليج العربي”.
رؤية سوريا 2026
الوزير بدر، أكد أن رؤية وزارة النقل السورية لعام 2026، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة:
تسهيل حركة الترانزيت عبر مواءمة الرسوم وتبسيط الإجراءات الحدودية.
تعزيز التكامل اللوجستي من خلال ربط الموانئ بالعمق العربي.
تبني حلول النقل الذكية لدعم التحول الرقمي ورفع تنافسية الممرات التجارية.
وأضاف أن الاجتماع يشكّل “محطة استراتيجية” لترجمة التفاهمات الفنية إلى خطوات تنفيذية، و”يعكس إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الطابع البروتوكولي، نحو بناء شراكة إقليمية قائمة على المصالح المشتركة”.
الأردن… نموذج متقدم لقطاع النقل
بدوره، قال وزير النقل الأردني نضال القطامين، بحسب ما نقلته قناة “رؤيا” الأردنية الرسمية، إن هذه الخطوة “تمثل نقلة نوعية نحو بناء نموذج متقدم للنقل قائم على التكامل وسلاسل إمداد مرنة وعالية الكفاءة، قادرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية”.
وأضاف أن الأردن يضع قطاع النقل والخدمات اللوجستية في صميم رؤية التحديث الاقتصادي، من خلال تطوير النقل متعدد الوسائط، وإنشاء مراكز لوجستية، وتحديث المعابر الحدودية، وتبني الحلول الرقمية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
ممر الشمال–الجنوب.. أثر اقتصادي مضاعف
أكد وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو، بحسب ما نقلت عنه وكالة “سانا”، أن “تشغيل ممر الشمال–الجنوب سيُحدث أثرًا اقتصاديًا مضاعفًا، من خلال زيادة إمكانات التصدير وعائدات الترانزيت، وتنشيط الموانئ وتوسيع الأسواق، وفتح آفاق جديدة أمام حركة الشحن”.
وفي تصريحات إضافية نقلها موقع “الوقائع الإخباري” الأردني، قال أورال أوغلو، إن “العلاقات بين الدول الثلاث تتجاوز البعد الجغرافي، وتشكل محورًا استراتيجيًا لتعزيز التجارة والتنمية الإقليمية”، مضيفًا أن “الآلية الثلاثية التي أُنشئت مؤخرًا تمثل منصة عملية لتطوير قطاع النقل في المنطقة”، مع توجيه الجهود لتعزيز التعاون الميداني من خلال زيارات فنية و”ربط المنطقة بممرات أوسع تمتد نحو شبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى وأوروبا”.
وشدد الوزير التركي على ضرورة تطوير وتكامل البنية التحتية للنقل البري والسككي، لما لذلك من أثر في رفع كفاءة النقل وخفض التكاليف ودعم التجارة، خاصة في ظل التوجه العالمي نحو تقليل الانبعاثات الكربونية، مشيرًا إلى الدور المحوري لميناء العقبة في ربط حركة البضائع بين الشمال والبحر الأحمر.
استكمال خط سكة الحجاز
يُذكر أن هذا الاجتماع الوزاري الثلاثي جاء في أعقاب سلسلة من الاجتماعات بين اللجان الفنية المشتركة بين الدول الثلاث، وكان وفد ثلاثي سوري– أردني– تركي عقد اجتماعًا بالعاصمة الأردنية عمّان، بحسب ما نقلته وكالة “الأناضول” التركية، الثلاثاء 23 من أيلول 2025، لبحث سبل تعزيز التعاون الإقليمي في قطاع النقل، وتفعيل حركة الترانزيت والربط السككي.
أورال أوغلو قال إن قرارات “مهمة” اتخذت حينها خلال الاجتماع الفني لوزراء النقل في الدول الثلاث.
ودعا معاون وزير النقل لشؤون النقل البري، محمد عمر رحال، حينها إلى تفعيل مشاريع الربط البري والسككي، وخاصة خط سكة حديد الحجاز، وتذليل العقبات أمام حركة الترانزيت والعمل على تطوير البنية التحتية.
وأضاف أورال أوغلو أن الأردن سيبحث الإمكانيات الفنية لصيانة وإصلاح وتشغيل القاطرات، مع إمكانية تشغيل قاطراته الخاصة على الخط حتى دمشق.
وأكد الوزير التركي أن الاجتماع الثلاثي أفضى أيضًا إلى اتفاق على استئناف النقل البري بين تركيا والأردن مرورًا بسوريا بعد انقطاع دام 13 عامًا، بسبب الحرب في سوريا.
وذكر أورال أوغلو أنه طرح خلال المباحثات مشاريع لفتح ممرات نقل جديدة تربط تركيا بالبحر الأحمر عبر ميناء العقبة، وإجراء دراسات فنية مشتركة لتسهيل وصول سوريا والأردن إلى الممرات الدولية عبر الأراضي التركية.
ويعتبر خط الحجاز الحديدي سكة حديد تاريخية أنشأها العثمانيون أوائل القرن الـ20، وكان الهدف منها ربط دمشق بالمدينة المنورة، مرورًا بعدد من المدن والبلدات في سوريا والأردن والسعودية، لتسهيل سفر الحجاج إلى الحجاز.
وتبلورت فكرة هذا الخط عام 1900، وبدأت أعمال تشييده في أيلول من العام نفسه، وانتهت عام 1908.
لا يزال الخط عاملًا في الأراضي الأردنية حتى اليوم، بينما تعطلت رحلاته إلى سوريا نتيجة الأحداث التي مرت بها خلال الثورة السورية.
عنب بلدي
————————–
عوامل متداخلة تضغط على الحركة التجارية في الحسكة
تشهد أسواق مدينة الحسكة في شمال شرقي سوريا حالة من الركود الملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تراجع الإقبال على الشراء وازدياد شكاوى التجار من ضعف الحركة، وهو ما يعزوه عاملون في السوق ومواطنون إلى جملة من الأسباب المتداخلة، أبرزها ارتفاع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وتوزع مناطق السيطرة بين المدينة وريفها، إلى جانب تداعيات الأزمة الإقليمية التي أثّرت على سلاسل الإمداد والتجارة.
وبحسب جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في سوق المدينة المركزي، بدت المحال التجارية أقل ازدحامًا مقارنة بالفترات السابقة، مع تراجع واضح في حركة البيع، لا سيما في محال المواد الغذائية والألبسة، التي عادة ما تشهد نشاطًا مستمرًا.
ارتفاع سعر الصرف يربك السوق
أحمد الحسن صاحب محل لبيع المواد الغذائية في وسط المدينة، قال لعنب بلدي، إن التغيرات الأخيرة في سعر صرف الليرة السورية انعكست بشكل مباشر على الأسعار، وأدت إلى حالة من التردد لدى الزبائن.
وأضاف، “عندما يرتفع سعر الليرة أمام الدولار، من المفترض أن تنخفض الأسعار، لكن ما يحدث فعليًا هو العكس في كثير من الأحيان، بسبب عدم استقرار السوق وتخوّف التجار من الخسارة، ما يدفعهم إلى تثبيت الأسعار أو حتى رفعها بشكل احترازي”.
وأشار إلى أن “الموردين أنفسهم لا يلتزمون بتسعيرة واضحة، بل يبيعون وفق توقعاتهم للسوق، وهذا ينعكس على التاجر الصغير الذي يجد نفسه مضطرًا لتحميل الفارق على المستهلك”.
من جهته، قال محمد العلي وهو صاحب محل ألبسة في سوق المدينة، لعنب بلدي، إن الركود الحالي يُعد الأسوأ منذ بداية العام، مؤكدًا أن “الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار دون الشراء، وغالبًا ما يغادرون بعد المقارنة”.
وأضاف، “الناس أصبحوا يخشون من إنفاق المال في ظل عدم وضوح الوضع الاقتصادي، خاصة أن الأسعار تتغير بسرعة، والدخل لا يواكب هذه التغيرات”.
أسعار صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي شهدت تقلبات حادة خلال الأيام القليلة الماضية، إذ سجلت ارتفاعًا ملحوظًا لتصل إلى نحو 12800 ليرة للدولار الواحد، بعد أن كانت دون حاجز 12 ألف ليرة، قبل أن تعاود الانخفاض مع افتتاح تداولات اليوم، الأربعاء 8 من نيسان، مدفوعة بإعلان هدنة بين الولايات المتحدة وإيران.
خلال فترة الارتفاع، عمد تجار الجملة في أسواق الحسكة إلى رفع أسعار المواد، ما انعكس مباشرة على أسعارها لدى تجار المفرّق، وبالتالي على المستهلك النهائي.
في المقابل، لم تشهد الأسعار أي انخفاض يُذكر مع تراجع سعر الصرف، وهو ما أثار استياء واسعًا لدى المستهلكين، إلى جانب تذمر عدد من تجار المفرّق الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين ارتفاع تكلفة الشراء وضغط الزبائن.
تراجع القدرة الشرائية
يعكس تراجع الإقبال في الأسواق حالة أوسع من انخفاض القدرة الشرائية لدى السكان، وهو ما أكده عدد من السكان.
قال أحد سكان المدينة، وهو موظف حكومي يُدعى حسين الخلف، إنه أصبح يشتري فقط الاحتياجات الأساسية، متجنبًا أي مصاريف إضافية، موضحًا أن “الراتب لم يعد يكفي لأكثر من نصف الشهر، والأسعار في ارتفاع مستمر، حتى مع تحسن سعر الصرف”.
وأضاف، “كنا نأمل أن يؤدي تحسن الليرة خلال الساعات الأخيرة إلى انخفاض الأسعار، لكن ما حدث هو العكس، وهذا جعلنا نفقد الثقة في السوق”.
في السياق نفسه، قالت وضحة قدور من سكان الحسكة، إنها خفّضت مشترياتها إلى الحد الأدنى، مضيفة أن “الأسعار غير مستقرة، وكل يوم هناك تسعيرة جديدة، وهذا يربكنا كعائلات”.
وبحسب وضحة، فإنه ارتفاع الأسعار شمل حتى المواد الأساسية مثل السكر والزيت، و”لم نعد قادرين على تخزينها كما في السابق”.
اختلاف السيطرة يزيد التعقيد
إلى جانب العوامل الاقتصادية، يلعب الواقع الأمني والجغرافي دورًا مهمًا في التأثير على حركة الأسواق، إذ تخضع مدينة الحسكة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في حين يسيطر الجيش السوري على أجزاء من الريف المحيط، ما يخلق حالة من الانقسام تؤثر على تنقل السكان.
وقال أحد أصحاب المحال (تحفظ على نشر اسمه لأسباب أمنية)، إن “جزءًا كبيرًا من الزبائن كانوا يأتون من الريف، لكن في الفترة الأخيرة تراجع حضورهم بشكل واضح، بسبب مخاوف أمنية”.
وأوضح أن “الكثير من سكان الريف يتجنبون الدخول إلى المدينة خوفًا من التعرض لمساءلات أو ملاحقات، خاصة مع اختلاف الجهات المسيطرة، وهذا أثر بشكل مباشر على حجم المبيعات”.
من جهته، أشار أحد الزبائن القادمين من ريف الحسكة، عبد الكريم ع.، إلى أنه بات يتردد كثيرًا قبل التوجه إلى المدينة، موضحًا أن “الوضع الأمني غير مريح، وهذا يجعلنا نفكر مرتين قبل النزول للتسوق”.
وأضاف، “نحاول الاعتماد على المحال في القرى، رغم أن أسعارها أعلى أحيانًا، لكننا نتجنب المخاطر”.
اضطراب الإمدادات بفعل الأزمة الإقليمية
يرى الخبير الاقتصادي سامر العلي، أن ما يحدث في أسواق الحسكة لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، مشيرًا إلى أن التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط، لا سيما الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، كان لها تأثير غير مباشر على الأسواق المحلية.
وأوضح أن “هذه التطورات أدت إلى اضطراب في طرق التجارة، ما تسبب في تأخير وصول البضائع وارتفاع تكاليف النقل”.
وأضاف أن “ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب المخاطر الأمنية، انعكس على أسعار السلع في الأسواق السورية، بما فيها الحسكة”.
وأشار إلى أن “التجار يلجؤون في مثل هذه الظروف إلى رفع الأسعار كإجراء احترازي، تحسبًا لأي انقطاع في الإمدادات أو ارتفاع إضافي في التكاليف”.
تداخل العوامل يفاقم الأزمة
بحسب الخبير، فإن الأزمة الحالية هي نتيجة تداخل عدة عوامل، وليس سببًا واحدًا فقط، موضحًا أن “اضطراب سعر صرف الليرة ينعكس سلبًا على الأسعار بسبب غياب الاستقرار، ووجود توقعات متضاربة لدى التجار”.
وأضاف أن “الانقسام الجغرافي بين مناطق السيطرة يعوق حركة التجارة الداخلية، ويحد من تدفق الزبائن، خاصة من الريف إلى المدينة”.
وأكد أن “العامل الإقليمي زاد من تعقيد المشهد، حيث أدى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، ما انعكس بدوره على الأسعار النهائية”.
حلول غائبة وتوقعات ضبابية
في ظل هذه المعطيات، تبدو الحلول محدودة، خاصة مع غياب تدخلات فعالة لضبط الأسعار أو دعم السوق.
وقال التاجر خالد الدرويش، إن “الرقابة شبه غائبة، وكل تاجر يحدد سعره وفق تقديره، وهذا يخلق فوضى في السوق”.
وأضاف، “نحتاج إلى استقرار في سعر الصرف، وضبط في الأسعار، إضافة إلى تسهيل حركة التنقل بين الريف والمدينة”.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أن “تحسن الوضع يتطلب معالجة شاملة، تشمل استقرار سعر الصرف، وتحسين بيئة التجارة، وتقليل القيود على التنقل”.
وأضاف أن “أي تحسن في أحد هذه العوامل دون الآخر لن يكون كافيًا لإعادة النشاط إلى الأسواق”.
بين الحذر والانتظار
في المحصلة، يعيش سوق الحسكة حالة من الترقب والحذر، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب، بينما يواصل السكان تقليص نفقاتهم، ويبحث التجار عن سبل للبقاء في سوق تتزايد فيه التحديات.
ويبدو أن استمرار هذه الحالة مرهون بتطورات داخلية وإقليمية، قد تعيد رسم ملامح السوق، أو تعمّق أزمته، في وقت يترقب فيه الجميع انفراجة تعيد الحياة إلى الأسواق وتخفف الأعباء عن السكان.
عنب بلدي
—————————-
=====================
تحديث 07 نيسان 2026
——————————
اجتماع ظروف كارثية: تداعيات الحرب مع إيران تهدّد الاقتصاد السوري
سوريا غير مهيّأة للتعامل مع أي اضطراب قد يطال هامشها الإقليمي الضيّق أصلاً للتجارة والاستثمار. كما أنّ تأثيرها السياسي الهشّ الذي أبقاها صامدة حتى الآن، مهدّد بالتآكل في ظلّ التقلبات الحاصلة في المنطقة.
من أوائل الجمل التي يصادفها المرء في كتب الجغرافيا السورية تلك العبارة التي تؤكّد أنّ سوريا «تتمتّع» بموقع إستراتيجي. على مدى عقود، سخر السوريون من هذا التعبير تحديداً. فالموقع إستراتيجي بلا شك، لكنّ الحديث عن كونه باعثاً على المتعة مسألة أخرى تماماً. فمنذ الاستقلال عام 1946، كان موقع سوريا في الغالب يعرّضها لطموحات الآخرين وهواجسهم أكثر ممّا وفّر لها ميزة اقتصادية ثابتة.
هذا التناقض يعود اليوم ليظهر بوضوح متزايد. وينبغي فهم تداعيات أي حرب تشمل إيران من خلال هذا المنظار الجغرافي. فلن تقتصر انعكاساتها على سوريا على الضغوط الاقتصادية الكلية المألوفة، من ارتفاع الأسعار وتجدّد ضغوط التضخّم وتجميد تدفّقات الاستثمار التي لا تزال متردّدة أصلاً. فهذه كلّها تداعيات حقيقية ومؤلمة، لكنّها لا تمثّل سوى الأعراض السطحية لهشاشة بنيوية أعمق.
ارتفاع التضخّم وتباطؤ الاستثمار
تُقدَّر واردات عام 2025 بأنّها بلغت ما لا يقل عن ثمانية أضعاف الصادرات. وفي الوقت نفسه، تعتمد مقاربة الحكومة للتعافي بدرجة كبيرة على استثمارات مموّلة من الخارج. وحتى الآن، كانت الدول الخليجية المصدر الرئيسي لمذكّرات التفاهم والعقود، ومن بين أبرز الاتفاقات تعهّدات بقيمة 7 مليارات دولار لقطاع الكهرباء، و4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق. وهذا الاعتماد المزدوج، على الأسواق الخارجية لتأمين السلع وعلى الشركاء الخارجيين لتوفير الاستثمارات، يجعل سوريا شديدة الهشاشة أمام الصدمات الخارجية.
وتشير التقديرات إلى أنّ الحرب مع إيران قد تؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد بنسبة 30 في المئة، نتيجة زيادة أسعار النفط وكلفة الشحن وكلفة التأمين. واستناداً إلى ما أظهرته تجارب في بلدان أخرى من أنّ كلّ زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار الواردات ترفع تضخّم أسعار المستهلك بنحو 3 في المئة، فإنّ ذلك قد يضيف نحو 9 في المئة إلى معدّل التضخّم، والأثر الأشدّ على الغذاء والطاقة والسلع الاستهلاكية الأساسية.
وبالتوازي مع ذلك، من المتوقّع أن يتباطأ الاستثمار. فالدول الخليجية مرشّحة لإعطاء الأولوية للاستقرار الداخلي وتقليص انكشافها على البيئات عالية المخاطر. ومن شأن تأخير لعام واحد ضمن دورة استثمارية تمتد لخمس سنوات أن يُترجم إلى تراجع يقارب 20 في المئة في تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتوقّعة إلى سوريا. وفي هذا العام وحده، قد يؤدّي الأثر الإجمالي لارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة التضخم وتراجع الاستثمار إلى خفض نمو الناتج المحلّي الإجمالي السوري بنحو 5 في المئة، بافتراض ثبات العوامل الأخرى.
ومن المرجّح أيضاً أن يتدهور الوضع المالي. فضعف الاستهلاك وتراجع الاستثمار سيؤدّيان مباشرة إلى إضعاف تحصيل الضرائب والرسوم. وتشير معطيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أنّ انخفاض الاستهلاك بنسبة 10 في المئة يؤدّي إلى تراجع الإيرادات الضريبية بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المئة. وفي ظلّ هذه الضغوط مجتمعة، قد تشهد سوريا تراجعاً في الإيرادات العامة الحقيقية بنسبة تراوح بين 5 و10 في المئة، حتى مع تزايد احتياجاتها إلى الإنفاق.
من سيتدخّل؟
ما سيحدّد ما إذا كانت سوريا قادرة على الصمود في وجه الآثار القاسية لهذا الصراع لا يقتصر على حجم الصدمة نفسها، بل يشمل أيضاً الجهة التي ستبقى مستعدّة لإنقاذ البلاد. فهل لا تزال سوريا قادرة على تأمين الاستثمارات الكبيرة التي وعدت بها دول مجلس التعاون الخليجي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تستطيع فعلاً توجيهها على نحو يخدم الاستقرار الاقتصادي ورفاه السكان؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل توجد مصادر بديلة للاستثمار؟ ثمّ إذا خرجت إيران من الحرب منفتحة على الأعمال، فهل ستبقى سوريا مهمّة بالنسبة إلى المستثمرين، حتى أولئك الذين ينجذبون إلى الأسواق عالية المخاطر وعالية العائد؟ أم أنّهم سيوجّهون أموالهم إلى إيران بدلاً منها؟
هذه الأسئلة بعيدة كل البعد عن أن تكون بلاغية. فإلى جانب الأصول العامة المقومة بأقل من قيمتها والامتيازات الكبرى وفرص الاستثمار الاستخراجي، ليس واضحاً ما الذي تقدّمه سوريا حالياً للمستثمرين. ولا يعود ذلك إلى العقوبات أو السياسة أو انعدام الأمن فحسب، بل أيضاً إلى غياب التقدّم من جانب الحكومة في استعادة القاعدة الصناعية الإنتاجية وتعزيز سيادة القانون.
وتنسحب أسئلة مماثلة على التجارة أيضاً. فهل ستستورد سوريا التضخّم من تركيا، أكبر مصدر لوارداتها، في وقت يُتوقّع فيه أن تتلقّى تركيا نفسها ضربة اقتصادية قاسية، وهي التي تكافح أصلاً لتحقيق الاستقرار لليرة في ظل ارتفاع التضخّم وزيادة أسعار النفط؟
ويطرح لبنان مخاوف مماثلة. فسوريا ولبنان يواجهان مشكلات عديدة، كما أنّ اقتصاديهما متداخلان بعمق. ولعلّ من أبرز الأمثلة على هذا الترابط الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية التي بدأت عام 2019، وأسهمت في انهيار الليرة السورية، وكانت لها تداعيات كارثية أوسع على الاقتصاد السوري.
أمّا العراق، وهو أحد أهم وجهات الصادرات السورية، فليس أقل عرضة لهذه الهشاشة. إذ تتصاعد التوتّرات الأمنية بين بغداد وطهران بوتيرة سريعة، بما ينطوي على خطر اضطراب أوسع نطاقاً.
وبحسب المكتب المركزي للإحصاء في سوريا، كان لبنان والعراق والسعودية أكبر وجهات الصادرات السورية في عام 2023، بقيم بلغت 237,7 مليون دولار، و232,7 مليون دولار، و183,1 مليون دولار على التوالي، لتشكّل مجتمعة أكثر من 35 في المئة من إجمالي الصادرات. وتكشف خريطة الصادرات السورية عن تركّز شديد، ما يترك البلاد شديدة الانكشاف أمام الاضطرابات الإقليمية.
التحوّلات الجيوسياسية قد تفتح نوافذ أيضاً، لكن…
لم تؤثّر التحولات الجيوسياسية الكبرى في سوريا على نحو واحد أو متجانس. ففي بعض الأحيان، فرضت ضغوطاً شديدة؛ وفي أحيان أخرى، فتحت هوامش جديدة. ففي أعقاب حرب الخليج الأولى (بين 1990 و1991)، قدّمت دول مجلس التعاون الخليجي دعماً مالياً كبيراً في وقت كانت فيه سوريا تحت ضغط هائل نتيجة انخراطها في الحرب الأهلية اللبنانية والعقوبات الدولية. أمّا انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان آنذاك الشريك التجاري الرئيسي لسوريا، فكان أشدّ إرباكاً، إذ وجّه ضربة قاسية إلى أجزاء من الصناعة السورية. غير أنّه في أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، أتاح انفتاح أسواق بديلة في أوروبا، وبدرجة أقل في الولايات المتحدة، فرصاً جديدة. وكان من بين المستفيدين المعارض السوري رياض سيف، الذي كان ينتج ملابس «أديداس» الرياضية الموسومة بعبارة «صنع في سوريا» للأسواق الأوروبية.
المشكلة اليوم هي أنّ سوريا تدخل هذه الأزمة الإقليمية من دون أن تكون قد أعادت بناء ما يكفي من قاعدتها الإنتاجية بما يسمح لها بالاستفادة من أي انفتاحات جديدة. فهي بحاجة إلى إنتاج محلّي أقوى لتقليص الاعتماد على الاستيراد والحدّ من العجز التجاري، وإلى مصادر أكثر تنوّعاً للاستثمار الأجنبي، وسلاسل قيمة محلّية أكثر متانة. كما أنّ تعزيز الإنتاج المحلّي على نحو أكبر من شأنه أن يخفّف الضغوط التضخّمية. وقد يساعد أيضاً بناء احتياطات إستراتيجية من السلع الأساسية، مثل الغذاء والوقود، في الحدّ من أثر الصدمات الخارجية مستقبلاً.
وإلّا فمصير سوريا أن تواجه عاصفة كارثية.
هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.
سوريا المتجددة
———————————
لنتحدّث عن المساعدات: المساعدات الغربية عامل قوة حاسم في سوريا
يُفاقم تشديد القيود على موازنات الدول الخليجية، في أعقاب أي حرب مع إيران، من قتامة المشهد السوري، في وقت تسعى فيه دمشق إلى التحرر من الارتهان للمساعدات الخارجية. وفي ظلّ ذلك، تجد الجهات المانحة والأمم المتحدة والحكومة السورية نفسها أمام حوار أكثر إلحاحاً.
شدّد الرئيس أحمد الشرع في كلمة ألقاها عقب صلاة العيد، فإنّ سوريا تمضي قدماً في طريق التنمية وإعادة الإعمار. غير أنّ ذلك، شأنه شأن كثير من الأمور، مسألة تتعلّق بوجهة النظر. فقد وضع نظام الأسد المفلس تماماً سقف التوقّعات عند مستوى متدنٍ للغاية، وعلى الرغم من بعض التقدّم، لا يزال أكثر من 16 مليون سوري يعتمدون على المساعدات، وفق إحصائيات الأمم المتّحدة، ومن المرجّح أن يظلّوا كذلك لسنوات مقبلة. لذلك، سيتصدّر المانحون الغربيون المشهد في تحمّل الكلفة.
يُقدَّم الجزء الأكبر من المساعدات الغربية عبر الأمم المتّحدة، التي تؤدّي عملياً دور الوسيط في إيصال المساعدات، أو بالأحرى مجموعة من الوسطاء المتنافسين يعملون تحت مظلة الأمم المتحدة. وطالما ظلّ نظام الأسد هو الحكومة المعترف بها، فإنّ المبادئ الإنسانية كانت تقتضي إبقاء مستوى الانخراط مع الدولة عند أدنى حدّ ممكن. وكانت الأمم المتّحدة تُجري تقييمات الاحتياجات وتحدّد الأولويات وتنسق خطط الاستجابة، فيما كانت المنظمات غير الحكومية تضطلع إلى حدّ كبير بمهام التنفيذ. غير أنّ هذا الترتيب قوّضه نظام الأسد، الذي أجبر الجهات المنفّذة على «الشراكة» مع الهلال الأحمر العربي السوري أو الأمانة السورية للتنمية، وكلاهما كان يُديرهما المحسوبين عليه. كما قوّضته أيضاً أطراف داخل المجتمع الإنساني، التي انخرطت مع حكومة الأسد بأكثر مما تقتضيه الضرورة، إمّا بدافع المصلحة التجارية أو ضمان تسهيل الوصول، بحسب اختلاف التعريفات؛ وكذلك بعض الحكومات المانحة التي أبدت ميلاً نحو فكرة التطبيع وشجعت على التعاون لصناعة وقائع إنسانية يمكن ترجمتها لاحقاً إلى مكاسب سياسية.
وفي الوقت الراهن، وبعد سقوط الأسد وتولّي حكومة جديدة السلطة، فقد انتقل النقاش سريعاً من المساعدات المنقذة للحياة والتعافي المبكر الذي تقوده المنظمات غير الحكومية، إلى آفاق التنمية وإعادة الإعمار تحت مظلّة الدولة. ويُعزى ذلك، من جهة، إلى إعادة تقديم سوريا كساحة ما بعد الصراع، وهو توصيف تحرص السلطات الجديدة في دمشق على ترسيخه لأنّه يعزّز شرعيّتها. ومن جهة أخرى، فإنّ مسارَي التنمية وإعادة الإعمار يضعان الحكومة، بطبيعة الحال، في موقع القيادة والسيطرة. وبعد سنوات اختطف فيها نظام الأسد بنية المساعدات وسمحت خلالها الأمم المتّحدة لنفسها بأن تُختطف، تنظر الحكومة الجديدة بريبة بالغة إلى الأمم المتحدة وتنأى بنفسها عنها. لكن، كما يتّضح أكثر فأكثر، فإنّ الطرفين بحاجة أحدهما إلى الآخر: فوكالات الأمم المتّحدة تريد دوراً واستمرارية العمل، فيما تحتاج الحكومة إلى دعم دولي.
بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي
وفي هذا السياق، يبرز «بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي» الصادر عن الحكومة السورية، الذي حُرّر في صيغته النهائية في آذار/مارس. وتحدّد هذه الوثيقة المجالات التي ينبغي أن تتركّز عليها المساعدات وآليّات إيصالها، فيما تتوقّع الحكومة أن ينعكس هذا الإطار بوضوح في إستراتيجيات الشركاء الدوليين وخطط عملهم ومقترحاتهم التمويلية. ويُفترض أن تتوافق التدخلات مع أربعة مجالات ذات أولوية: إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية واستئناف تقديم الخدمات الأساسية وبناء القدرة الاجتماعية والاقتصادية على الصمود، ودعم «الأنظمة الأساسية»؛ أيّ مؤسّسات الدولة والإدارة العامة. والرسالة هنا واضحة وصريحة: يجب أن تذهب المساعدات في اتجاه تعزيز الدولة.
عند إعداد هذه الخطة، لعلّ السلطات الجديدة في دمشق استلهمت ممارسة مألوفة لدى الأمم المتّحدة في سوريا، تتمثّل في طمس الحدود بين المساعدات الإنسانية والمساعدات التنموية تفادياً لتقييد الصلاحيات والمهام. وفي إطار وصفها بـ«التعافي» و«مرحلة انتقالية نحو التنمية المستدامة»، تدمج الخطة هذين المسارين في بوتقة واحدة، على الرغم من التباين الجوهري في السياقات السياسية التي يعملان ضمنها، والقواعد المميزة التي يُفترض أن تحكمهما. وعملياً، ينطوي ذلك على خطر إخضاع المبادئ الإنسانية لهدف تعزيز الدولة، وفق التعريف الذي تضعه دمشق. فإذا تبنّت الدولة هذه المبادئ بالكامل، بما في ذلك تركيزها على حقوق الإنسان والتزامها بالبرمجة القائمة على الاحتياجات، فلا إشكال في ذلك؛ غير أنّ المبادئ الإنسانية وُضعت أساساً لأنّ مثل هذا التوافق نادر الحدوث.
المساعدات هي مصدر قوة
بينما تُعدّ خطة الحكومة موجّهة من الدولة التي تنفّذها، كما هو متوقّع، فإنّها ترسم صورة لدولة لا وجود لها بعد. فسوريا لا تزال بلداً مجزّأ، ولا تزال مؤسّسات الدولة قيد التكوين، كما تفتقر الحكومة إلى الشرعية الانتخابية. وفي ظلّ هذه الظروف، تظلّ المساعدات الدولية، الإنسانية منها والتنموية، مورداً أساسياً في عملية مستمرّة لتكريس السلطة وترسيخها. ويبقى سؤالاً مفتوحاً ما إذا كانت الجهات المانحة مستعدّة للتخلّي عن التقييمات المستقلّة وآليّات التنفيذ الخاصة بها في مثل هذا السياق.
وتنصّ الخطة كذلك على إنشاء «إدارة التعاون الدولي» ضمن وزارة الخارجية والمغتربين لتكون المنصّة الوطنية الوحيدة لتنسيق جميع أشكال المساعدات الدولية. وبينما ينسجم هذا النهج المركزي مع نموذج تقوده الدولة، فإنّ الفاعلين في المجال الإنساني ينسّقون عادة مع سلطات الدولة مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلاليتهم التشغيلية، وغالباً ما يتم ذلك عبر هياكل مثل فريق الأمم المتّحدة القطري، أو من خلال آليّات تمويل أخرى غير أممية مثل «Aid Fund for Syria» (صندوق المساعدات لسوريا). وتفيد مصادر في دمشق إنّ وزير الخارجية أسعد الشيباني يعمل على إحكام السيطرة على ملف المساعدات بهدف تعزيز موقعه داخل بنية السلطة التي تقودها هيئة تحرير الشام. وبحسب ما يُتداول، فإنّ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التي تترأسها هند قبوات، غير راضية عن هذا التركيز للصلاحيات وإمكانية الوصول إلى الجهات المانحة، ويُقال إنّ هذا التوتّر هو أحد الأسباب التي قد تدفعها إلى مغادرة منصبها.
الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام
لحسن الحظ، التزمت الأطراف الفاعلة جميعها رسمياً بما يُعرف بالترابط بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام، أو ما يعرف بالـHDP Nexus. فالإطار الحكومي يسلّط الضوء عليه، وكذلك تفعل إستراتيجيات الأمم المتّحدة ووثائق الجهات المانحة. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، «آليّة استجابة الترابط»، وينفذها مكتب الأمم المتّحدة لخدمات المشاريع. ويهدف هذا البرنامج الممتد لأربع سنوات، والبالغة قيمته 31,5 مليون يورو، إلى «الحدّ من مواطن الهشاشة وتعزيز صمود المجتمعات المحلّية» من خلال التعافي الاجتماعي والاقتصادي والحوكمة المحلّية وتنمية القدرات والبنية التحتية. وقد أُدمجت الشراكة مع السلطات السورية في صلب تصميم البرنامج؛ غير أنّ شكل هذه الشراكة على أرض الواقع لا يزال غير واضح. وعادة ما يلتزم مكتب الأمم المتّحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) بأولويات الجهات المانحة. فهل سيتضمن البرنامج دفع رواتب لموظفي الحكومة؟ وهل سيسترشد بتحليل المخاطر السياسية والصراع؟
وأفاد مسؤول أممي لمجلّة سوريا المتجدّدة: «بصراحة، ثمة شبه انعدام كامل للتنسيق بين وكالات الأمم المتّحدة. فالمبادرات التي يطلقها مكتب الأمم المتّحدة لخدمات المشاريع وغيره لا تندرج ضمن إستراتيجية متماسكة وموحدة».
للأسف، لا يزال هذا الترابط بين العمل الإنساني والتنموي وبناء السلام يعاني المشكلات المألوفة نفسها. فهو يبدو جيداً من حيث الصياغة، ويؤدّي الغرض في وثائق الإستراتيجيات، لكن لا يوجد اتفاق يُذكر بشأن كيفية تطبيقه فعلياً على أرض الواقع. أمّا ركيزته المتعلّقة بـ«بناء السلام»، فقد جرى اختزالها إلى تصوّرات فضفاضة عن الاستقرار المحلّي والقدرة على الصمود وتقديم الخدمات. وهو يتجاهل الأسئلة السياسية الجوهرية: كيف تعيد المساعدات صياغة علاقات القوة بين الحكومة والمجتمع؛ وكيف تُعزّز نفوذ النخب الرسمية وغير الرسمية؛ ومن الذي تخلع عليه ثوب الشرعية، ومن الذي تجرّده منها. وباختصار: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى المرحلة الانتقالية في سوريا.
وأفاد نائب المبعوث الخاص كلاوديو كوردوني (علماً بأنّ الأمم المتّحدة لم تعيّن مبعوثاً خاصاً جديداً خلفاً للمبعوث غير بيدرسون منذ مغادرته منصبه في تشرين الأول/أكتوبر 2025) لمجلّة سوريا المتجدّدة إنّ «ركيزة السلام في ترابط العمل الإنساني والتنمية والسلام في سوريا، من منظور مكتب المبعوث الخاص، تتجاوز جهود الاستقرار المحلّي أو تقديم الخدمات. فهي تشمل تقاسم الموارد، وبوجه عام، الشروط الأوسع اللازمة للحدّ من الصراعات أو منعها، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم تسوية سياسية مستدامة». وأضاف أنّ «جهود فريق الأمم المتّحدة القطري ومكتب المبعوث الخاص متكاملة وتتقاسم الأهداف نفسها، والمتمثّلة في إنجاح مرحلة انتقالية تعود بالنفع على جميع السوريين».
هذه طموحات جديرة بالتقدير، غير أنّ نقلها من مستوى الخطاب إلى حيّز التنفيذ يتطلّب تحليلاً جاداً للمخاطر السياسية والصراع وآليّات لإدارة المخاطر وأهدافاً محدّدة بوضوح، فضلاً عن الإرادة اللازمة للتحرّك. ففي عهد الأسد، كان القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن هو المرجعية الحاكمة، بتركيزه على انتقال شامل وجامع وانتخابات بإشراف الأمم المتّحدة وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب. أمّا اليوم، بات لزاماً على الجهات المانحة أن توضح ما إذا كانت هذه المبادئ لا تزال توجّه انخراطها وما إذا كانت تنسجم مع السياسة السورية الرسمية وما إذا كانت مستعدة لطرح هذه المسألة على جدول أعمال مجلس الأمن. وقد يكون من المغري تأجيل هذا النقاش. لكن حتى لو جرى فهم ترابط العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام في حدّه الأدنى، أيّ باعتباره مجرّد تحسين للتنسيق بين الوكالات، فإنّه يظلّ بحاجة إلى إطار سياسي يوضح الأهداف والأدوار والخطوط الحمراء. ومن دون ذلك، لن تكون الأمم المتّحدة في سوريا أكثر من مجرّد مجموعة متنافسة من الوسطاء، لها سجل يبعث على القلق في مجالات التنسيق واستخدام الموارد والاستقلالية.
هل يكون مكتب المبعوث الخاص هو طوق النجاة؟
بموجب قرار مجلس الأمن 2254، يضطلع مكتب المبعوث الخاص بدور مهم في المضي قدماً في دفع النقاشات المتعلّقة بالترابط بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام. غير أنّ كلاوديو كوردوني قدّم، في 17 آذار/مارس، إحاطة أمام مجلس الأمن بنبرة كان يمكن، لو أنّ متدرباً مشاكساً استبدل شعار الأمم المتّحدة بشعار وزارة الخارجية السورية، ألا تثير كثيراً من الانتباه. فقد اختلفت اللغة والمضمون بوضوح عن الإحاطات السابقة التي قدّمتها نجاة رشدي وغير بيدرسون، وذلك رغم أنّ لجنة التحقيق التابعة للأمم المتّحدة نفسها كانت قد أفادت باستمرار انتهاكات جسيمة في مناطق متعدّدة من سوريا، بما في ذلك عمليات قتل خارج نطاق القضاء واعتقالات تعسفية وعنف جنسي ومصادرة ممتلكات. ومع ذلك، اختزل كوردوني كل هذه الانتهاكات في إحاطتة في صياغة مهذبة ومنمّقة تحدّثت عن «مخاوف مستمرة» تقابلها «خطوات إيجابية».
قد يكون مفهوماً أنّ كوردوني يسعى إلى بناء علاقة عمل إيجابية مع دمشق، في وقت يحاول فيه المكتب تأمين انتقاله إلى العاصمة السورية. فالمزاج العام يبدو بالفعل أقرب إلى «لِنَطوِِ صفحة الماضي»، وهذا يخلق ميلاً جاذباً نحو التفاؤل. لكن مهمّة الركيزة السياسية في الأمم المتّحدة ليست أن تكون متفائلة، بل أن تكون حكماً موثوقاً. وإذا كانت الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة تفضّل مكتباً للمبعوث الخاص يكتفي بتجميل الواقع بدل الانخراط في تحليل الصراع وممارسة الدبلوماسية الصعبة، بما في ذلك ما يتعلّق بالمساعدات، فربما يجدر بها عندئذ إغلاق المكتب وتوفير موازنته السنوية التي تقارب 15 مليون دولار.
إمكانات غير مُستغَلّة
تتقلّص موازنات المساعدات العالمية، ويزداد عدد الجهات المانحة التي تصرّح بوضوح متزايد بأنّ المساعدات ينبغي أن تخدم مصالحها الوطنية. وإذا كانت المساعدات تنتقل من كونها أداة ضمنية للدبلوماسية إلى أداة صريحة لها، فإنّ ذلك يشكّل حجّة قوية لإصلاح بنية المساعدات. وفي ظلّ الوضع الراهن، يفتقر المشهد الحالي إلى الرؤية المنهجية في خضمّ هذه الفوضى، فيما يبقى قدر كبير من النفوذ الغربي غير مستغلّ، رغم أنّه يمكن توظيفه لصون العمليات المنقذة للحياة والقائمة على المبادئ، مع مواءمتها في الوقت نفسه مع جهود تنموية أكثر توجيهاً من الناحية الاستراتيجية.
ومن المهم الإشارة إلى أنّ السلطات الجديدة ليست وافداً جديداً على منظومة المساعدات. فقد أفرزت سنوات الحكم في إدلب نخبة من المسؤولين الذين راكموا خبرة عملية مباشرة في إدارة المساعدات والتعامل مع الأطراف الدولية الفاعلة، وغالباً من موقع المتلقّي. وتُعدّ هذه الخبرة سلاحاً ذا حدين. فهي تتيح للإدارة الحالية القدرة على تشكيل النظام بما يخدم مصالحها. لكنها قد تشكّل، في الوقت نفسه، أساساً لشراكة أكثر فاعليةً. وأي المسارين سيتغلّب في النهاية سيتوقّف على طبيعة الحوافز، وعلى ما إذا كانت الجهات المانحة مستعدّة لاستخدام ما تملكه من نفوذ قوي.
سوريا المتجددة
——————————
الحماية الاجتماعية… كلفة أم استثمار في الاستقرار؟/ جمعة حجازي
07 ابريل 2026
تُعبّر الحماية الاجتماعية عن الكيفية التي توزّع بها المجتمعات مخاطر الحياة الاقتصادية بين الدولة والسوق والأفراد، وهي بذلك انعكاس مباشر للفلسفة الاقتصادية السائدة وطبيعة العقد الاجتماعي. ففي النماذج الليبرالية، حيث يُنظر إلى السوق بوصفه الآلية الأساسية للتخصيص، تُختزل الحماية الاجتماعية في شبكات أمان محدودة تستهدف الفئات الأشد فقراً، ويُفترض أن يكون العمل المأجور والقدرة على الاندماج في السوق المصدر الرئيسي للأمن الاجتماعي. أما في نماذج دولة الرفاه، فتُعاد صياغة الحماية الاجتماعية بوصفها حقاً مواطنياً وأداة لتقاسم المخاطر، وتضطلع الدولة بدور مركزي في توفير التأمينات الاجتماعية والخدمات العامة، باعتبارها استثماراً في الاستقرار الاجتماعي والإنتاجية ورأس المال البشري. في المقابل، اندمجت الحماية الاجتماعية في الأنظمة الاشتراكية والتخطيطية ضمن بنية الدولة نفسها، عبر التشغيل والدعم الشامل للأسعار والخدمات، ما وفّر مظلة واسعة شكلياً، لكنه غالباً افتقر إلى الكفاءة والاستدامة واعتمد على توزيع ريعي أكثر من اعتماده على الحقوق أو النمو الإنتاجي.
فلسفة الحماية الاجتماعية في سورية ومكوناتها
تَشكّلت الحماية الاجتماعية في سورية تاريخياً بوصفها جزءاً عضوياً من فلسفة الحكم لا من منظومة الحقوق، أي باعتبارها أداة لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر من كونها التزاماً قانونياً قائماً على المواطنة والمساءلة. فمنذ منتصف القرن العشرين، قامت هذه الفلسفة على منطق الرعاية الريعية: الدولة تتكفّل بتأمين الحد الأدنى من شروط العيش عبر الدعم الشامل والخدمات العامة، مقابل الاستقرار السياسي والامتثال الاجتماعي. ومع إقرار القانون رقم 92 لعام 1959، الذي أسّس لنظام التأمينات الاجتماعية، تبلورت الحماية ضمن إطار مؤسسي يقوم على أربعة مكونات رئيسية مترابطة ولكن غير متكاملة: أولاً الدعم السلعي والخدمي (الخبز، الطاقة، المياه، التعليم، الصحة) الذي اتسم بالشمول وغياب الاستهداف؛ تضمنت: دعم الأسعار للمواد التموينية والطاقة والمياه؛ برامج توليد الدخل المحدودة عبر المشاريع الصغيرة؛ تحويلات نقدية وعينية مباشرة بدأت مع الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية عام 2011؛ ونظام التأمينات الاجتماعي الإجباري ذي الطابع الشبه التعاوني، الذي يغطي إصابات العمل والشيخوخة والعجز والوفاة، لكنه لا يغطي البطالة أو الصحة الشاملة ويعاني ضعف التغطية في القطاع غير المنظم. ثانياً التأمينات الاجتماعية بدأ نظاماً طوعياً حديثاً عام 2006، حيث بلغ عدد المستفيدين حوالي مائة ألف مؤمن عام 2010 (0.4% من السكان) بسبب ضعف الوعي والدخل. الإلزامية ذات الشمول المحدود، والمقتصرة عملياً على العاملين في القطاع المنظم؛ ثالثاً الخدمات الاجتماعية العامة قدمت الدولة خدمات كالتعليم العام والرعاية الصحية الأساسية مجاناً، وخدمات مدعومة مثل المياه والكهرباء والاتصالات، بوصفها حقوقاً مكفولة دستورياً لجميع المواطنين. الخدمات المقدّمة بوصفها حقوقاً دستورية شكلية غير مميِّزة بين الفقراء والأغنياء؛ رابعاً نظمه قانونان رئيسيان: نظام العاملين الأساسي في الدولة (رقم 50 لعام 2004) وقانون العمل رقم 17 لعام 2010، وتضمن قضايا الدخل وظروف العمل والإنصاف الاجتماعي. سوق العمل بوصفه الركيزة المفترضة للحماية، لكنه ظل الحلقة الأضعف بسبب تدني الأجور وغياب سياسات العمل اللائق. هذه الفلسفة جعلت الحماية الاجتماعية أداة لإعادة توزيع الريع وشراء الشرعية، لا أداة لإعادة توزيع الدخل أو الاستثمار في رأس المال البشري، وهو ما أسّس لتناقض بنيوي ظل كامناً عقوداً.
من الرعاية الريعية إلى التحول المفاهيمي
حتى مطلع الألفية الثالثة، استمر نموذج الحماية الاجتماعية بوصفه امتداداً لدولة الرعاية السلطوية، مع توسّع كمي في الدعم والخدمات من دون تطوير نوعي في الفلسفة أو الأدوات. قبيل عام 2010، بدت المؤشرات الاجتماعية مستقرة نسبياً: بلغت نسبة السكان تحت خط الفقر الشديد نحو 8.5%، وسُجّل معدل بطالة بحدود 8.6%، فيما تجاوز الإنفاق على التعليم 18% من إجمالي الإنفاق العام، وبلغ الإنفاق على الصحة قرابة 5%. غير أن هذا الاستقرار أخفى هشاشة بنيوية تمثلت في محدودية شمول التأمينات الاجتماعية (نحو مليوني مؤمَّن فقط) مقابل اقتصاد غير منظم تجاوز 30% من حجم الاقتصاد، وفي اعتماد مفرط على الدعم السلعي، حيث راوحت نسبة دعم مياه الشرب بين 47% و63% من التكلفة.
شكّلت الخطة الخمسية العاشرة (2006– 2010) نقطة انعطاف مفاهيمية مهمة، إذ تبنّت الدولة لأول مرة مفهوم “اقتصاد السوق الاجتماعي”، وسعت نظرياً إلى إعادة صياغة فلسفة الحماية الاجتماعية عبر الربط بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية، واعتماد سياسات مناصرة للفقراء، وإدخال شبكات أمان اجتماعي موجهة، والتعهد بتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل القطاع غير المنظم. غير أن هذا التحول بقي في معظمه تحولاً محدوداً؛ إذ تقدّم تحرير الأسعار والانفتاح الاقتصادي بوتيرة أسرع من بناء بدائل حماية فعّالة، وبقي الدعم الشامل قائماً، بينما لم تتبلور أدوات استهداف حقيقية ولا إصلاحات مؤسسية عميقة. وهكذا، دخلت سورية عام 2011 وهي في حالة انتقال غير مكتمل: فلسفة حماية اجتماعية قديمة آخذة في التآكل، وأخرى جديدة لم تولد بعد.
سردية الانهيار والتحوّل إلى البقاء
لم تكن الحرب التي اندلعت عام 2011 مجرد صدمة ظرفية للحماية الاجتماعية، بل لحظة كشف عن هشاشتها البنيوية وتحولها الوظيفي. فمع تدمير البنى التحتية وتقلّص الناتج المحلي وتفتت الجغرافيا الاقتصادية، انهار الإطار الذي كانت تستند إليه دولة الرعاية السلطوية، وتحولت الحماية الاجتماعية من منظومة – ولو ناقصة – لإدارة المخاطر إلى آلية إسعافية لإدارة البقاء. في هذا السياق، لم تعد مؤشرات الفقر والبطالة مجرد أرقام، بل علامات على تفكك العقد الاجتماعي ذاته؛ إذ قفز الفقر الشديد من 8.5% قبل الحرب إلى نحو 58% بحلول 2023، ما يعني أن الفقر لم يعد حالة استثنائية بل أصبح القاعدة الاجتماعية الجديدة. وبالمثل، عكست قفزة البطالة إلى 48.4% عام 2015، ثم تراجعها الشكلي إلى 23.6% عام 2023، انتقال سوق العمل من فضاء العمل اللائق إلى فضاء العمل القسري والهش، حيث تحل الاستراتيجيات الفردية للبقاء – عمالة الأطفال، عمل النساء غير المنظم، الهجرة – محل أي حماية مؤسّسية.
في مواجهة هذا الانهيار، أعادت الدولة تفعيل أداتها التقليدية: الدعم، لا بوصفه سياسة اجتماعية بقدر ما هو أداة احتواء سياسي واجتماعي. فبلغ الدعم ذروته عام 2013 ليصل إلى نحو 70% من الموازنة العامة، وبلغ دعم الخبز وحده 347.24 مليار ليرة سورية، وشكّل الدعم بمختلف أشكاله قرابة 40% من الموازنة في ذروة الأزمة. غير أن هذا التوسع الكمي أخفى تراجعاً نوعياً حاداً؛ إذ تآكلت القيمة الحقيقية للدعم بفعل التضخم وانهيار سعر الصرف، وتحول من شبكة أمان إلى مساهمة رمزية في تأمين الحد الأدنى من البقاء. في الوقت نفسه، أعادت الحرب تشكيل بنية التأمينات الاجتماعية نفسها: فارتفاع نسبة المستفيدين إلى المسجلين من 27.6% إلى 51.5% لم يكن تعبيراً عن توسع التغطية، بل عن شيخوخة قسرية للنظام وزيادة حالات العجز والوفاة، أي تحوله من تأمين مرتبط بالعمل إلى شبكة أمان للمتقاعدين والمعاقين وضحايا النزاع. وعلى مستوى الخدمات الأساسية، جسّد انهيار الاستثمار في التعليم (3.23% عام 2022)، والصحة (0.77% في العام نفسه)، والمياه (1.70%)، انتقال الدولة من الاستثمار في المستقبل إلى إنفاق طارئ على الحاضر، بما يرسّخ اقتصاد البقاء ويقوّض أي تعافٍ طويل الأمد.
مستقبل الحماية الاجتماعية
نجاح الحماية الاجتماعية في سورية في مرحلة ما بعد التحرير لن يُقاس بحجم الإنفاق وحده، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وحماية الأجور الحقيقية، وضمان حد أدنى من الدخل، ومنع إعادة إنتاج الفقر البنيوي الذي كشفت عنه سنوات الحرب. وبهذا المعنى، فإن الحماية الاجتماعية في ظل الاقتصاد الحر الرأسمالي ليست نقيضاً للنمو، بل شرطٌ ضروريٌّ له، وجزءٌ من عقد اجتماعي جديد يؤسّس لدولة حديثة قائمة على المواطنة والعدالة الاجتماعية.
العربي الجديد
————————–
المرأة السورية: شريك فاعل في التنمية وقوة داعمة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي/ روز هلال
المرأة السورية.. شريك في التنمية وركيزة في ترسيخ الاستقرار المجتمعي
2026-04-06
في المشهد السوري المثقل بتداعيات سنوات طويلة من الأزمات، لم يعد الحديث عن التعافي الاقتصادي ممكناً دون التوقف عند التحولات العميقة في أدوار الفاعلين داخل المجتمع، وفي مقدمتهم المرأة. فمع تراجع البنى التقليدية للاقتصاد وازدياد الضغوط المعيشية، وجدت النساء أنفسهن في قلب المعادلة الاقتصادية، ليس بوصفهن خياراً مكملاً، بل كقوة دافعة لإعادة تشكيل أنماط الإنتاج والتكيّف مع الواقع الجديد. هذا التحول لا يعكس فقط استجابة ظرفية، بل يشير إلى إعادة تعريف دور المرأة كفاعل اقتصادي يمتلك القدرة على الابتكار والمساهمة في بناء مسارات أكثر استدامة للتعافي.
وفي هذا السياق، أكدت عضو لجنة سيدات الأعمال في غرفة صناعة دمشق وريفها، ميساء دهمان أن دور المرأة السورية لم يعد محصوراً بالإطار الاجتماعي، بل بات يمتد ليشمل الاقتصاد المحلي بشكل فاعل. وأوضحت أن مشاركة المرأة أصبحت ضرورة استراتيجية في ظل التوجه نحو الانفتاح الاقتصادي، متجاوزة كونها مجرد مطلب حقوقي.
وأضافت دهمان في تصريح لوكالة السورية الرسمية “سانا” أن مرحلة التعافي الاقتصادي أبرزت المرأة كقوة عاملة قادرة على الصمود، حيث لعبت دوراً واضحاً في إدارة المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، وحققت نجاحات ملحوظة في إدارة الاقتصاد المنزلي والورش الحرفية، مشيرة إلى أن المرأة في العديد من الحالات أصبحت المعيل الأساسي للأسرة وصاحبة القرار الاقتصادي داخلها.
وأوضحت دهمان أن المرأة لم تعد مجرد عنصر مشارك في الاقتصاد، بل أصبحت حاضرة بقوة في صياغة القرار الاقتصادي، حيث تعمل على تطوير سياسات وقوانين تحقق التوازن بين متطلبات الأسرة والعمل، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي.
بدورها، أكدت عضو لجنة سيدات الأعمال في غرفة تجارة دمشق ريما العمري أن المرأة السورية أثبتت خلال سنوات الحرب قدرتها على تحمل المسؤوليات، مشيرة إلى أن الاستثمار في المرأة يعد وسيلة فعالة لمكافحة الفقر ودعم الاقتصاد الوطني.
وأضافت العمري أن مشاركة المرأة في سوق العمل تسهم في توسيع قاعدة الإنتاج ورفع الكفاءة الاقتصادية، وخاصة مع تزايد دور المرأة المعيلة التي تشكل دعامة أساسية لاستقرار الأسرة والمجتمع.
المرأة السورية تعزز حضورها في سوق العمل رغم التحديات
تؤكد الدكتورة مرام حمصي، الحاصلة على دكتوراه في الاقتصاد الدولي، لـ”963+” أن مشاركة المرأة السورية في الاقتصاد باتت أكثر تعقيداً وتنوعاً في ظل الظروف التي فرضتها سنوات النزاع، مشيرة إلى أن العديد من النساء اضطررن لدخول سوق العمل لتعويض غياب المعيل أو نتيجة التدهور الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتوضح حمصي أن النساء يشكلن ما يقارب نصف المجتمع السوري، إلا أنهن لا يزلن يواجهن تحديات كبيرة تعيق اندماجهن الكامل في سوق العمل، وتلفت إلى أن أبرز هذه التحديات يتمثل في القيود الاجتماعية المرتبطة بالعادات والتقاليد، والتي تحد من خيارات المرأة المهنية ولا تتوافق أحياناً مع طموحاتها.
وتضيف أن غياب الاستقرار الوظيفي يشكل عائقاً رئيسياً، خاصة في القطاع الخاص، حيث تفتقر الكثير من فرص العمل إلى عقود واضحة تضمن حقوق المرأة، فضلاً عن وجود شروط تمييزية في بعض المؤسسات، مثل اشتراط عدم الزواج أو الإنجاب، ما يضع المرأة تحت ضغط دائم وخوف من فقدان عملها.
وتبين حمصي أن هذه الظروف تسهم في تكريس عدم تكافؤ الفرص، حيث لا تزال بعض المهن تُصنف ضمن إطار “ذكوري”، ويتم تفضيل الرجال فيها بغض النظر عن كفاءة النساء، الأمر الذي يحدّ من فرص تقدم المرأة في العديد من المجالات.
وفي المقابل، تشير إلى أن الأزمة الاقتصادية ساهمت في كسر بعض القيود الاجتماعية، ما أتاح فرصاً أكبر أمام النساء للانخراط في سوق العمل والمساهمة في دعم أسرهن.
وتلفت إلى وجود فرص واعدة يمكن للمرأة الاستفادة منها، خاصة في ظل الحديث عن مشاريع إعادة الإعمار، حيث تلعب المشاريع الصغيرة والمتوسطة دوراً مهماً في دعم الاقتصاد، إلى جانب أهمية توفير برامج تدريبية وفرص تمويل من قبل المنظمات المحلية والدولية، بما في ذلك دعم العمل عن بعد والعمل المنزلي.
وتشدد حمصي في ختام حديثها على أن إرادة المرأة السورية ووعيها بأهمية دورها الاقتصادي يمثلان حجر الأساس في عملية التمكين، مؤكدة أن تعزيز مشاركة المرأة في الاقتصاد ينعكس إيجاباً على الأسرة والمجتمع ككل.
العادات والتقاليد كحاجز أمام مشاركة المرأة الاقتصادية
من جانبها تقول سمر علي، الأخصائية في علم الاجتماع بجامعة دمشق، لـ”963+” إن العادات والتقاليد ما تزال تلعب دوراً محورياً في الحد من مشاركة المرأة اقتصادياً.
وتوضح أنها تعمل عبر منظومة مترابطة من الآليات الاجتماعية، مثل فرض توقعات تقليدية على أدوار النساء، وقيود على الحركة والاختلاط، إلى جانب تعرّض المرأة للّوم المجتمعي عند العمل، وتبرير التمييز في الأجور أو إنهاء الخدمة عند الزواج أو الحمل، فضلاً عن الخوف من التحرش في ظل ضعف الحماية.
وتبين علي أن هذه القيود تنعكس على شكل عوائق مباشرة، منها حصر النساء في أنواع محددة من العمل ورفض عملهن خارج المنزل، إضافة إلى صعوبة التنقل والوصول إلى فرص العمل بسبب القيود الاجتماعية أو مخاوف الأسرة.
وتشير إلى أن الضغط المجتمعي الذي يضع “الأولوية للمنزل” يقلص من وقت المرأة وفرصها المهنية، إلى جانب التحيّز في التوظيف والترقية الذي يفضّل الرجال حتى مع تساوي المؤهلات.
وتضيف أن الوصمة المرتبطة باستقلال المرأة المالي، وتراجع فرص التعليم والتدريب في بعض الحالات، يساهمان أيضاً في إضعاف مشاركتها الاقتصادية، فضلاً عن ضعف الإبلاغ عن حالات التحرش والعنف نتيجة ثقافة “الستر” السائدة.
الوصمة الاجتماعية وضعف الحماية يعمّقان التحديات
وفيما يتعلق بسبل المعالجة، تشدد علي على أهمية خلق بيئة عمل أكثر أماناً وإنصافاً، عبر تعزيز الحماية القانونية وتفعيل آليات الشكوى الآمنة والسرية، وضمان التحقيق والمساءلة في حالات التحرش والتمييز داعيةً إلى تطبيق قوانين العمل بشكل عملي، بما يضمن المساواة في الأجور وشروط العمل، إلى جانب اعتماد سياسات واضحة لمكافحة التحرش داخل المؤسسات.
وتؤكد على ضرورة دعم النساء في التوفيق بين العمل ومسؤوليات الرعاية، من خلال توفير خدمات رعاية الأطفال أو تسهيل الوصول إليها، وإقرار أنماط عمل مرنة دون أن تتحول إلى عبء إضافي على المرأة، إضافة إلى إجازات أمومة وأبوة فعالة.
وتلفت علي إلى أهمية التمكين الاقتصادي للنساء عبر تسهيل الوصول إلى التدريب والتمويل، وإطلاق برامج توظيف حقيقية تستهدف النساء، بالتوازي مع العمل على إحداث تغيير ثقافي تدريجي من خلال التعليم والإعلام، وإبراز نماذج نسائية ناجحة. وتختم بالتأكيد على دور القطاع الخاص في دعم هذه الجهود، عبر تقديم حوافز واعتماد معايير “منشآت صديقة للمرأة” تسهم في تعزيز مشاركتها الاقتصادية.
+963
——————————
عندما تُلقي الحكومات فشلها الذريع على الحرب/ مصطفى عبد السلام
06 ابريل 2026
الاقتصادات القوية هي من تحمي نفسها ومعها المواطن أمام أي صدمات طارئة وصراعات عنيفة، سواء كانت خارجية أو داخلية، صدمات من عينة حروب، مخاطر جيوسياسية واقتصادية وأمنية، زلازل وبراكين وجفاف وتضخم مستورد وغيرها.
فعقب وقوع الصدمة مباشرة تسارع حكوماتها بإعادة ترتيب الأولويات، سواء على مستوى التقشف وترشيد الإنفاق العام وإعادة ضبطه ومعه النظر في مخصصات الموازنة العامة للدولة والمشروعات الممولة.
يكون تركيزها الأول منصبا على حماية الطبقات الفقيرة والهشة والعمالة الموسمية، ودعم استقرار الأسواق وسلاسل التوريد، وتلبية احتياجات الدولة الرئيسية من سلع ومود خام وسلع وسيطة، مع ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكارات.
تدعم تلك الحكومات أيضاً الأسواق المتضررة من الصدمات، خاصة المرتبطة مباشرة بالمواطن، مثل أسواق الأغذية والوقود والطاقة والسكن والعلاج، وتضخ فيها سيولة نقدية ودعم إضافي، وتخفض فواتير النفع العام.
تمنح مزايا مالية وتيسيرات للمتضررين من الصدمات سواء كان مستهلك أو أنشطة اقتصادية وخدمية، وتخفض الضرائب والرسوم خاصة المتعلقة بالسلع التي زاد سعرها بسبب الصدمات الخارجية، وتمنح بنوكها فرصة للمتعثرين لجدولة مديونياتهم المتأخرة.
أما الاقتصادات الهشة التي تقودها حكومات فاشلة فهي لا تصمد كثيرا أمام أي صدمة، تهتز بشدة عقب وقوع الخطر وربما قبل وقوعه، ترتبك بشكل واضح في إدارة الأزمة وهندسة الصراع الطارئ. تسارع بإصدار قرارات عشوائية وغير مدروسة تؤثر سلبا على المواطن والأنشطة الاقتصادية المختلفة. تصدر بيانات متلاحقة بهدف تخويف المواطن وابتزازه لا بهدف طمأنته ودعمه.
يكون همهما الأول هو انتزاع مزيد من الأموال من جيب المواطن لصالح موازنة الدولة والانفاق على المشروعات التي لا علاقة لها بالمواطن، ولذا فإن أول ما تفكر فيه هو زيادة أسعار مشتقات الوقود، ورفع فواتير الطاقة من بنزين وسولار وغاز، ومعها زيادة أسعار المواصلات العامة والخدمات من كهرباء ومياه، ورفع الرسوم والضرائب.
تصاعد الدخان من منشأة في إيران استهدفت بهجمات. 1 مارس 2026 (فاطمة بهرامي/الأناضول)
موقف
ماذا لو استمرت الحرب شهراً إضافياً؟
أهم ما يشغل تلك الحكومات أيضا هو استكمال المشروعات الكبرى التي تحظي بدعم سياسي وشو إعلامي، ولذا لا تجيد صناعة الفرصة بل تجيد اضاعتها، تفكيرها قاصر ولا تؤمن بدراسات الجدوى أو التفكير المستقبلي، همهما الأول هو إدارة الأزمة بشكل يومي، وممارسة سياسة ترهيب المواطن وتخويفه من الغد والسلطة القائمة.
والنتيجة أن صدمة مثل الحرب على إيران تربك المشهد بأكمله داخل تلك الاقتصادات الهشة، مثلاً نشهد تهاوي سريع في أسعار العملة المحلية، وهروب الأموال الساخنة من أدوات الدين والبورصات وأسواق المال، وقفزة في أسعار السلع داخل الأسواق المرتبكة التي قد تشهد اختناقات في بعض السلع الحيوية ونشاطاً ملحوظاً للاحتكارات وصائدي الصفقات وسماسرة الحروب.
كذلك يتعمق الركود التضخمي ويتراجع معدل النمو داخل الاقتصاد، مع ضغوط إضافية على القطاعات الإنتاجية، بل إن تلك الحكومات ترى في الحرب فرصة ذهبية لزيادة الإيرادات العامة، وتبرير فشلها في إدارة الاقتصاد وموارد الدولة وهدر المال العام، وتمرير أي خطة تقشفية سواء كان متفق عليها مسبقا مع المؤسسات الدولية الدائنة مثل صندوق النقد وغيره، أو طارئة في صالح الحكومة.
وبدلاً من أن تخفف تلك الحكومات الضغوط الشديدة على المواطن، وتوفر لقمة عيش للفقراء بسعر مناسب، وفرصة عمل للعاطلين، تمارس دور سمسار الحرب الذي يحقق مكاسب ضخمة من الكوارث أي كان طبيعتها، وتهرب من مسؤوليتها الاجتماعية تحت زعم أن البلد في حالة حرب، وعلى الجميع أن يتحمل لأننا، وحسب روايتها، في حالة حرب.
العربي الجديد
——————————-
وفرة الأمطار في الجزيرة السورية: حين تتحول النعمة إلى اختبار قاسٍ للأمن الغذائي/ آفين علو
الجزيرة السورية بين وفرة الأمطار وأزمات الإنتاج: موسم واعد يتحول إلى تحديات للزراعة والأمن الغذائي
2026-04-07
بعد سنوات طويلة من الجفاف القاسي، جاء هذا الموسم محمّلاً بأمطار غزيرة أعادت الأمل إلى سهول الجزيرة السورية. امتلأت التربة بالماء، واخضرت الحقول التي ظنّها المزارعون قد ماتت إلى الأبد، وعادت الحياة إلى أراضٍ أنهكتها الحرب والإهمال. في تلك اللحظة، بدا المشهد وكأنه بداية تعافٍ طال انتظاره، خصوصاً مع اندفاع الفلاحين نحو توسيع رقعة زراعة القمح والشعير، بوصفهما عماد الأمن الغذائي في البلاد.
غير أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، فمع استمرار الهطولات المطرية بوتيرة مرتفعة، بدأت ملامح أزمة جديدة تتشكل، تحوّلت الوفرة إلى عبء ثقيل، ووجد المزارعون أنفسهم في مواجهة تحديات معقدة لم يكونوا مستعدين لها. لم يعد الجفاف هو العدو الوحيد، بل ظهرت مشاكل أكثر تعقيداً: أمراض فطرية تنتشر بسرعة، أعشاب ضارة تكتسح الحقول، وتكاليف إنتاج تتصاعد بشكل غير مسبوق في ظل اقتصاد منهك.
تربة مشبعة وأمراض تتكاثر بصمت
في مناطق واسعة من الحسكة والرقة ودير الزور، تجاوز معدل الهطولات المطرية 350 ملم، وهو رقم مرتفع قياساً بالمواسم السابقة، ورغم أن هذه الكمية تبدو مثالية نظرياً، فإن استمرار الأمطار لفترات طويلة أدى إلى تشبّع التربة بالمياه، ما تسبب في ضعف تهوية الجذور، خصوصاً في الأراضي المنخفضة.
هذه البيئة الرطبة شكّلت حاضنة مثالية لانتشار الأمراض الفطرية، وعلى رأسها الصدأ الأصفر، والبياض الدقيقي، وتعفن الجذور، وتشير تقديرات مهندسين زراعيين محليين إلى أن نسبة الإصابة بهذه الأمراض ارتفعت بنحو 40% مقارنة بالمواسم المعتدلة، وهو رقم يعكس حجم الخطر الذي يهدد المحصول.
إلى جانب ذلك، شهدت الحقول انتشاراً كثيفاً للأعشاب الضارة، التي تنافس النباتات المزروعة على الماء والعناصر الغذائية، وتؤدي إلى تراجع واضح في الإنتاجية.
حين يضمر النبات
يجسّد الحاج صالح الهنداوي، وهو مزارع من ريف الرقة (منطقة تل أبيض)، هذا التحول المؤلم في علاقة الفلاح مع المطر، قائلاً لـ”963+”: “كثرة الأمطار تسبب العفن والفطور، بالمحصلة النبات يضمر. فدائما كان في تنافس بيننا على الإنتاج الجيد، وكان الإنتاج ستين وسبعين كيسا للهكتار الواحد. ولكن السنة في ضرر بسبب الأمطار الكثيفة، بالإضافة إلى غلاء الأسمدة، كنا نأخذ طن السماد بـ 450 دولارا واليوم 750 دولارا، وكل هذه الأمور تسببت في خسارة محصول الزراعة. لأنه نتيجة الأمطار غرق النبات بالماء ونقص الأكسجين، وبالتالي يضمر الحبة ورداءة نوعية الإنتاج وقلة وصدأ. وبالتالي إذا كان هكتار الأرض ينتج خمسين كيسا، حاليا صارت تنتج 25 كيسا”.
ويضيف واصفاً المأزق اليومي: “المشكلة ليست في المطر، المشكلة إننا غير قادرين أن نسيطر حتى على الأعشاب. كل يوم تتضاعف، والعلاج غالي وخارج حدود طاقاتنا”.
تكشف هذه الشهادة بوضوح كيف تحوّلت الأمطار من عنصر إنقاذ إلى عامل ضغط إضافي، في ظل غياب أدوات المواجهة الفعالة.
تكلفة الإنتاج: معادلة خاسرة
إذا كانت الطبيعة قد فرضت تحدياتها، فإن الاقتصاد زادها قسوة. فقد شهدت مستلزمات الإنتاج الزراعي ارتفاعات حادة خلال السنوات الأخيرة: “ارتفعت أسعار الأسمدة بأكثر من 300% منذ عام 2020. قفزت أسعار المبيدات بنسبة تتراوح بين 150% و200%. تضاعفت تكاليف الحراثة والنقل نتيجة ارتفاع أسعار الوقود”.
وبحسب تقديرات محلية، فإن تجهيز هكتار واحد من القمح يتطلب اليوم أكثر من مليوني ليرة سورية، مقارنة بنحو 700 ألف ليرة فقط قبل سنوات قليلة.
المزارع إبراهيم بيجو من ريف القامشلي يشرح هذا الواقع قائلاً لـ”963+”: “غلاء السماد أجبر أغلبنا أن يقلل الكمية المستخدمة. أنا شخصيا لم أستطع رش الأرض بالشكل المطلوب. البعض يستخدم 50 كيلو، والبعض 80 للهكتار الواحد، والسبب أنه 20 كيلو سماد سائل بـ 65 دولارا! فمن يستطيع رشها وفق الكمية المطلوبة؟”.
ولا تبدأ الأزمة عند الحصاد، بل منذ اللحظة الأولى للزراعة. فضعف جودة البذار المتوفرة في الأسواق أدى إلى انخفاض ملحوظ في نسب الإنبات. في بعض المناطق، لم تتجاوز هذه النسبة 30%، مقارنة بالمعدل الطبيعي الذي يتراوح بين 70% و90%.
هذا التراجع ينعكس مباشرة على الكثافة النباتية في الحقول، ما يقلل من فرص تحقيق إنتاج جيد، حتى في حال تحسن بقية الظروف.
مدخلات مغشوشة.. وخسائر مضاعفة
إلى جانب الغلاء، يواجه المزارعون مشكلة لا تقل خطورة، تتمثل في انتشار المبيدات والأسمدة منخفضة الجودة أو المغشوشة، في ظل غياب الرقابة الفعالة على الأسواق.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 30% من هذه المدخلات قد تكون غير مطابقة للمواصفات، ما يعني أن جزءاً كبيراً من تكاليف الإنتاج يضيع دون تحقيق فائدة حقيقية، بل وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.
يقول جان عثمان، وهو مزارع من ريف عامودا لـ”963+”: “هطلت أمطار غزيرة وكان الجو غائما معظم الوقت، لكن القمح لم ينمو كما كنا نتوقع. نحن في الشهر الرابع ولا يزال قصيرا وضعيفا، لم نستطع استخدام الكمية المناسبة من السماد، وانتشرت الأعشاب مثل الخردل وغطت المحاصيل، وظهرت ديدان أتلفت أجزاء واسعة من الحقول”.
أرقام الإنتاج: تراجع حاد ومقلق
تعكس البيانات المتوفرة حجم التراجع الذي شهده القطاع الزراعي في سوريا خلال السنوات الماضية. فقد انخفض إنتاج القمح من نحو 4.1 ملايين طن قبل عام 2011 إلى ما يقارب 1.15 مليون طن في موسم 2025، أي بتراجع يقارب 70%.
وفي محافظة الحسكة، التي تعد من أهم مناطق الإنتاج، تراجع الإنتاج من 805 آلاف طن إلى أقل من 210 آلاف طن، كما تقلصت المساحات المزروعة من أكثر من 1.5 مليون هكتار إلى أقل من 800 ألف هكتار.
ورغم أن هذه الأرقام متداولة في تقارير محلية، إلا أنها تبقى تقديرية في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة ومحدثة.
ولا يمكن فصل أزمة هذا الموسم عن آثار السنوات السابقة. فقد شهدت الفترة بين 2020 و2024 موجات جفاف قاسية، أدت إلى تدمير مساحات واسعة من القمح البعل، وتسببت في خسائر كبيرة للمزارعين.
تُقدّر بعض المصادر أن نسبة الخسائر في هذا النوع من الزراعة بلغت مستويات مرتفعة جداً، ما أدى إلى استنزاف مدخرات الفلاحين، وجعلهم غير قادرين على الاستثمار بالشكل الكافي في الموسم الحالي، حتى مع تحسن الظروف المناخية.
ويعاني القطاع الزراعي، سواء في مناطق الإدارة الذاتية أو تلك الخاضعة للحكومة السورية المؤقتة، من ضعف واضح في الرقابة على الأسواق، وغياب سياسات دعم فعالة.
هذا الواقع يسمح بانتشار المنتجات الرديئة، ويفتح المجال أمام ارتفاع الأسعار بشكل غير منضبط، في وقت يفتقر فيه المزارعون إلى أي ضمانات حقيقية، سواء من حيث تأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، أو تسويق محاصيلهم بأسعار عادلة.
الخبير الاقتصادي مهيب صالحة يوضح الصورة الأوسع قائلاً لـ”963+”: “القطاع الزراعي يساهم بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وازدادت أهميته بعد تراجع قطاعات أخرى بسبب الحرب. تراجع الإنتاج المحلي أجبر سوريا على استيراد أكثر من 1.5 مليون طن من القمح سنويا، بعد أن كانت دولة مصدرة صافية. استمرار هذا النزيف يعني كارثة أمن غذائي حقيقية”.
قرارات مؤجلة.. ومستقبل مقلق
في ظل هذه التحديات المتراكمة، يجد المزارع نفسه عاجزاً عن اتخاذ قرار واضح بشأن المستقبل. وتشير تقديرات ميدانية إلى أن نحو 25% من المزارعين يفكرون جدياً في تقليص المساحات المزروعة في المواسم المقبلة، إذا استمرت الظروف الحالية.
هذا التوجه، في حال تحققه، قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من تراجع الإنتاج وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على اقتصاد يعاني أصلاً من أزمات عميقة.
وتكشف تجربة هذا الموسم حقيقة أساسية: المشكلة لا تكمن في كمية الأمطار بحد ذاتها، بل في غياب منظومة متكاملة لإدارة القطاع الزراعي.
فبين ضعف الدعم الحكومي، وانهيار القدرة الشرائية، وفوضى الأسواق، وتراجع الإرشاد الزراعي، يجد الفلاح نفسه وحيداً في مواجهة تحديات تفوق قدرته. وهكذا، تتحول نعمة المطر إلى عبء، ويتحوّل الموسم الواعد إلى اختبار قاسٍ.
الجزيرة السورية، التي طالما عُرفت بأنها سلة غذاء البلاد، تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما تدخل جدي لإصلاح القطاع الزراعي، يعيد التوازن ويحمي المنتجين، أو استمرار التراجع بما يهدد ما تبقى من مقومات الاكتفاء الذاتي.
في النهاية، تبدو المعركة الحقيقية أبعد من تقلبات الطقس. إنها معركة مع السياسات، ومع غياب التخطيط، ومع اقتصاد لم يعد يحتمل مزيداً من الانهيار. وفي ظل هذا الواقع، يبقى الخاسر الأكبر هو الإنسان والغذاء والمستقبل.
+963
——————————
إنهاء عقد مع شركة سعودية لتطوير فندق “البوابات السبع” بدمشق
أنهت وزارة السياحة السورية العقد المبرم مع مع شركة سعودية لإعادة تطوير وتأهيل واستثمار فندق البوابات السبع (الشيراتون سابقًا) بدمشق.
وقالت الوزارة، اليوم الاثنين، 6 من نيسان، إنها توصلت إلى اتفاق ودي مع شركة “لوبارك كونكورد” (Le Park Concord) السعودية لفسخ العقد الموقع معها، وبالتراضي نتيجة مخالفتها لمعظم بنود هذا العقد، وفقًا لما نقلته الوكالة السورية للأنباء (سانا).
وكانت وزارة السياحة وقعت في 27 من تموز 2025، اتفاقية مبدئية مع شركة “لوبارك كونكورد” السعودية للاستثمار السياحي، تهدف إلى إعادة تأهيل وتطوير واستثمار عدد من المنشآت السياحية في سوريا، وإشادة منشآت جديدة جاذبة للترفيه، بما فيها إعادة تأهيل فندق البوابات السبع “الشيراتون سابقًا” في العاصمة دمشق.
وتحاول عنب بلدي التواصل مع شركة “لوبارك كونكورد” السعودية للاستيضاح بشكل أكبر على حقيقة ما جرى، وتوضيح رأي المستثمر السعودي.
“السياحة”: الشركة تعترف بتقصيرها
قالت وزارة السياحة في رسالة موزعة على الإعلام، تلقت عنب بلدي نسخة منها: بادرنا انطلاقًا من حرصنا على العلاقات الودية مع الشركات الاستثمارية جميعها وخصوصًا العربية والأجنبية، إلى توقيع اتفاق ودي في 18 من كانون الأول الماضي، لإنهاء العقد بالتراضي مع شركة “Le Park Concord” السعودية، تضمن :
اعتراف الشركة بتقصيرها عن الوفاء بالتزاماتها.
إقرارها بصحة الإجراءات الخاص بإنهاء العقد أصولًا.
إعادة التأمينات النهائية المقدمة من الشركة أصولًا وفق قرار الوزارة رقم /1646/ تاريخ 21 من الشهر ذاته.
وأوضحت الوزارة أن هذا الإجراء جاء عقب كتب عدة أرسلت من قبل الوزارة إلى الشركة نتيجة مخالفتها معظم البنود العقدية، وذلك عملًا بأحكام المادة 21 من العقد المبرم والمتضمنة (حالات فسخ العقد).
وتضمنت المخالفات، حسب وزارة السياحة السورية:
مخالفة المدة الزمنية لتقديم التأمينات والمحددة بـ/15/ يومًا من تاريخ توقيع العقد وفق المادة /13/ من العقد، حيث تم تقديمها بتاريخ 16 من تشرين الأول الماضي.
لم يتم تنفيذ غرفة وجناح نموذجيين خلال مدة شهرين من تاريخ توقيع العقد وحتى تاريخه ليصار إلى اعتمادهما من قبل وزارة السياحة والموافقة على المباشرة بالتنفيذ، وذلك وفق المادة /15/ البند رقم /1/ من العقد آنف الذكر.
مخالفة المدة الزمنية لتقديم البرنامج الزمني والمحددة بمدة أقصاها شهر من توقيع العقد والمصادقة عليه وفق نص المادة رقم /15/ الفقرة /12/ من العقد، حيث تم تقديمه بتاريخ 29 من تشرين الأول الماضي.
لم يتم إعلام الوزارة حتى تاريخ 30 من تشرين الثاني الماضي، بما يثبت تعاقد الشركة مع شركة مقاولات ذات خبرة هندسية وتقديم بيانات متعلقة بأعمالها وإنجازاتها وفق المادة /15/ الفقرة /15/ من العقد، كما لم تقدم كشفًا بنكيًا ماليًا يثبت الملاءة المالية للشركة، صادرًا عن أحد المصارف العاملة في سوريا.
“لن نسمح باستغلال أموال الدولة”
البيان الصادر عن وزارة السياحة السورية بخصوص فسخ العقد مع الشركة السعودية آنفة الذكر، حمل (عبارات وإشارات غامضة)، حيث قالت إنها قدمت خبراتها وساعدت الشركة المستثمرة بتصميم رؤية للفندق لإعادة تأهيله، وتم الاتفاق عليها مع دراسة الجدوى الاقتصادية قبل التوقيع، ليتم إبرام عقد الاستثمار بتاريخ 20 آب 2025.
وأكدت الوزارة دعمها الكامل لكل المستثمرين الجادين بالعمل في سوريا، مشددة على عدم السماح باستغلال أموال الدولة لمصالح شخصية، انطلاقًا من شفافيتها المطلقة بالتعامل مع المستثمرين كافة، بالتنسيق مع هيئة الاستثمار كجهة معنية للاستثمار في سوريا.
ما هي شركة “لوبارك كونكورد”؟
تعرف “لوبارك كونكورد” (Le Park Concord) عن نفسها عبر “لينكد إن“، بأنها تقوم بتشغيل “سلسلة من فنادق 4 نجوم و3 نجوم والمنتجعات الفاخرة”، وتعمل في المملكة العربية السعودية، ومركزها منطقة العليّا بالرياض.
مصادر إعلامية، تشير إلى أن الرئيس التنفيذي للشركة هو فايز الغضيّب، ويُذكر أيضًا اسم فياض طلال العنزي، كمدير تنفيذي في بعض الإعلانات المتعلقة باتفاقيات تطوير الفنادق.
عنب بلدي
——————————-
====================
تحديث 06 نيسان 2026
——————————
سباق على الممرات… سوريا تطرح نفسها بوابة الطاقة الجديدة/ ناظم عيد
الاثنين 2026/04/06
تعكف السلطات الاقتصادية في سوريا حالياً على بلورة “حقيبة استثمارية” متكاملة، ترتكز على خاصيّة الجغرافيا والميزات التي تتراوح بين النسبي والمطلق في الإطار الإقليمي بمشهده واسع الطيف.
وإن كانت الضرورات التي حتّمتها الحرب الإيرانية قد أيقظت جوار سوريا إلى حساسية الموقع “الدسم” لدى جارتهم الباحثة عن شركاء موثوقين في استثمار الفُرص.. فإن لدى دمشق “بنك فُرص” تم إعداده بعناية قبل الحرب المستعرة في المنطقة.. يبدو جاذباً بكل المعايير، وينطوي على مشاريع عملاقة تأخذ بعين الاعتبار ربط الخليج بأوروبا عبر إقليم مرن سريع الاستجابة، مركزه سوريا وإن بعمق تركي.
فالوفد الاقتصادي السوري رفيع المستوى الذي أعلنت دمشق مسبقاً عن زيارته لأنقرة اليوم، على موعد مع تفاهمات تصب في صلب الرؤية السورية الجديدة للشراكات الإقليمية الواعدة.
أجندة متفائلة
قبل فترة قصيرة كشف مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة القاضي، عن سلسلة مشاريع قيد الدراسة، تركز على تعزيز الدور الاقتصادي والجيوسياسي لسوريا والمنطقة العربية.
وتعكس تحولات أوسع في رؤية إعادة دمج سوريا ضمن شبكة المصالح الإقليمية والدولية، تعتمد على شبكة نقل عابرة للحدود تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية.
شريان مرن ورشيق
القاضي تحدث عن دراسات ووجهة أمل في الواقع، تبدو غاية في الأهمية لجهة مروحتها الواسعة، تبدأ بإنشاء خط قطار سريع يربط السعودية بسوريا مروراً بالأردن، بسرعة تتراوح بين 200 و300 كيلومتر في الساعة، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى مدينة الحديثة.
ويتعدى مثل هذا المشروع في أهميته ما يتعلق بقطاع النقل، نظراً للتحول الذي سيُحدثه في طبيعة الربط الاقتصادي بين دول المنطقة، حيث يعيد إحياء فكرة الممرات البرية السريعة كبديل جزئي عن النقل البحري، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.
ويفتح الربط المقترح المجال لدمج الشبكة مع السكك الحديدية التركية، بما يعيد طرح فكرة إحياء خط الحجاز ولكن بتقنيات حديثة تتناسب مع متطلبات السرعة والتجارة المعاصرة، وهو ما يعزز من فرص تحويل سوريا إلى عقدة لوجستية إقليمية.
إعادة إحياء خطوط الطاقة
في السردية المتفائلة المتداولة والمنسوبة إلى مستشار وزير الاقتصاد السوري، تتصدر فكرة إعادة إحياء خطوط النفط.. من “التابلاين” إلى كركوك–بانياس، ضمن المشاريع المطروحة، ويبرز تعديل مسار خط أنابيب “التابلاين”، الذي يمتد بطول 1664 كيلومتراً، ليتم نقل النفط من شمال شرق السعودية إلى موانئ بانياس أو اللاذقية بدلاً من صيدا، عبر خط حديث قادر على ضخ ما يصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً.
وبمقاربة هذه الفكرة على ضوء تغير خارطة طرق التجارة وإمدادات الطاقة العالمية بعد “أزمة هرمز” وإعادة توجيه تدفقات الطاقة نحو البحر المتوسط.. سيكون من الطبيعي أن يكون لسوريا دوراً محورياً كممر تصدير رئيسي، يقلل من الاعتماد على المسارات التقليدية.
أولى خطوات التنفيذ
التطورات الأخيرة على مستوى إطلاق وتسيير إمدادات النفط العراقي عبر سوريا.. كانت ترجمة مباشرة لما يجري التخطيط له في أروقة الحكومة السورية بخصوص إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، مع رفع طاقته الاستيعابية من 300 ألف برميل يوميًا إلى نحو مليون برميل يومياً باستخدام أنابيب حديثة، ما يعزز قدرة العراق التصديرية عبر الأراضي السورية، أي مورد مالي جديد وهام لسوريا.
وهناك مقترحات لمد خط أنابيب جديد يربط العراق بالموانئ السورية، بما يوسع خيارات بغداد التصديرية في ظل محدودية قدرات ميناء الفاو.
استراتيجية الغاز والهيدروجين
تشمل الرؤية التي أفصح عنها المستشار القاضي.. قطاع الغاز، ليعود الحديث مجدداً عن مشروع مد خط الغاز القطري عبر السعودية والأردن إلى سوريا، ومن ثم إلى تركيا وأوروبا، في مشروع طُرح منذ عام 2008، ويكتسب اليوم زخماً جديداً في ظل تغيرات المشهد الإقليمي.
ويقوم المشروع على ربط حقل الشمال المشترك بين قطر وإيران بالأسواق الأوروبية، عبر بنية أنابيب تمر بالأراضي السورية، ما يضع دمشق في قلب معادلة إمدادات الغاز إلى أوروبا.
كما تبرز خطط لمد خط أنابيب لنقل الهيدروجين من السعودية إلى أوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا، في إطار رؤية تستهدف تحويل المملكة إلى أكبر منتج للهيدروجين عالمياً بحلول عام 2035، بطاقة تصل إلى أربعة ملايين طن سنوياً.
سلاسل الإمداد الغذائي
لا تقتصر المشاريع على الطاقة والنقل، بل تمتد إلى الأمن الغذائي، من خلال طرح فكرة “ممر الأمن الغذائي السريع” بين السعودية وسوريا، والذي يقوم على إنشاء خط سكة حديد سريع لنقل المنتجات الغذائية والبضائع بسرعة تتجاوز 200 كيلومتر في الساعة.
ينطلق هذا الممر من مدينة عرعر شمال السعودية باتجاه المدن السورية، بما يسمح بنقل السلع الطازجة خلال ساعات، ويعالج هشاشة سلاسل الإمداد التي تعتمد بشكل كبير على النقل البحري، خاصة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
سوريا كمحور
يرى القاضي أن الاستثمار في هذه المشاريع سيؤثر بشكل كبير على الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة لعقود قادمة، خاصة إذا تم إدراجها ضمن أولويات التنمية في دول الخليج.
والبعد الأوسع لهذه المشاريع يتمثل في إمكانية تكاملها مع الممر الاقتصادي “الهندي–الأوروبي”، بحيث يصبح المسار السوري–السعودي جزءاً من شبكة تجارة عالمية تمتد من الهند عبر الخليج إلى أوروبا مروراً بسوريا وموانئها على البحر المتوسط.
كل ما سبق يعيد إحياء الدور التاريخي لسوريا كمحور رئيسي على طريق الحرير.
ميزة وامتياز
غير بعيد عن الأجندة المتفائلة التي أعلنها مستشار وزير الاقتصاد والصناعة السوري.. يلفت الخبير الاقتصادي الدكتور فاخر قربي، إلى تميز سورية بموقع جغرافي استراتيجي وفريد كونها تشكل حلقة الوصل بين آسيا والساحل المتوسطي جعل منها مركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية عبر أنابيب نقل النفط والغاز من العراق وإيران عبر سوريا إلى الموانئ، مما يسهم في تطوير البنية التحتية للموانئ (طرطوس واللاذقية) والسكك الحديدية ويعزز الإيرادات من رسوم العبور (الترانزيت) والاستثمار في مشاريع النقل.
فبرأي د. قربي في حديثه مع “المدن” يمكن توظيف الموقع الجغرافي السوري عبر عدة سبل. أولها، تحويل سوريا إلى ممر لطاقة استغلال الموقع الجغرافي كمعبر طبيعي لأنابيب النفط والغاز من دول الجوار (العراق، إيران) إلى موانئ البحر المتوسط مما يوفر عوائد مالية ضخمة عبر رسوم العبور (الترانزيت).
والثاني، إعادة تفعيل وتحديث أنابيب النفط عبر إصلاح وتطوير شبكات خطوط الأنابيب القائمة والقديمة التي تربط حقول النفط في شرق سوريا (دير الزور، الحسكة) بمصفاتي حمص وبانياس وربطها مع شبكات الدول المجاورة.
والثالث، تطوير الموانئ السورية (طرطوس واللاذقية) عبر تحويل موانئ سوريا إلى مراكز لوجستية رئيسية للشحن البحري وتصدير نفط المنطقة وتحسين خدمات التفريغ والشحن لجذب المزيد من السفن التجارية.
أما الرابع، فهو استغلال البادية السورية كممر بري من خلال تأهيل البنية التحتية للطرق السريعة والسكك الحديدية التي تمر عبر البادية السورية لربط العراق والأردن والسعودية بتركيا ولبنان مما يعزز قطاع الخدمات اللوجستية.
وخامساً، الاستثمار في خطوط الطاقة الدولية من خلال تعزيز المشاريع المشتركة لتمرير خطوط الغاز والنفط عبر الأراضي السورية باتجاه أوروبا مما يمنح سوريا دوراً حيوياً في خريطة الطاقة الإقليمية.
البنية الأهم
يوضح الخبير قربي، أنه لابد من تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية (الترانزيت).
من خلال تحديث الموانئ، أي تعزيز القدرة الاستيعابية لموانئ طرطوس واللاذقية لتكون بوابة رئيسية لدول الجوار خاصة العراق.
وتطوير شبكات النقل البري والسككي عبر إعادة تأهيل الطرق الدولية وسكك الحديد التي تربط تركيا، العراق، الأردن، ولبنان، لضمان انسياب البضائع..
والاهتمام بالمناطق اللوجستية في البادية وإنشاء مناطق شحن وتخزين وتخليص جمركي في البادية السورية تخدم كمركز ربط دولي.
ويضيف: سوريا بامتلاكها موانئ اللاذقية وطرطوس جعل منها بوابة إستراتيجية للتجارة بين آسيا ، أوروبا، وأفريقيا لتوظيفه مالياً.
مركز الترانزيت الأكبر
يوضح الخبير الاقتصادي أنه يتوجب تحويل الموانئ لمراكز ترانزيت، وتحديث البنية التحتية، وتفعيل المناطق الحرة، مما يُحوّلها إلى عقدة عبور إقليمية (ترانزيت) تربط الخليج بتركيا وأوروبا.
حيث يمكن توظيف الموانئ والموقع الجغرافي من خلال تحويل الموانئ لمراكز ترانزيت تجاري، قادرة على استقبال سفن الشحن الضخمة وزيادة قدرتها الاستيعابية، مما يجعلها نقطة انطلاق للبضائع نحو العراق، الأردن، وتركيا.
وتطوير البنية التحتية للنقل وتحديث شبكات السكك الحديدية والطرق السريعة لربط الموانئ بالمعابر الحدودية الشرقية والجنوبية مما يقلل كلفة ووقت النقل والاستيراد والتصدير.
وتفعيل المناطق الحرة والمناطق الصناعية، استثمار المناطق الحرة في الساحل لجذب الاستثمارات الأجنبية وتشغيل اليد العاملة الوطنية مما يوفر موارد مالية من الرسوم والخدمات اللوجستية.
وتحديث منظومة الجمارك والمرافئ وتبني تقنيات حديثة في الموانئ (النافذة الواحدة، الأتمتة) لتسريع إنجاز المعاملات.
لكن كل هذا ـ برأي قربي ـ يواجه واقع من التحديات يتطلب بذل جهوداً وطنية استثنائية حيث أن تعظيم هذه الموارد يتطلب استقراراً سياسياً و أمنياً وتجاوز العقوبات الاقتصادية الدولية التي تحد من حركة التبادل التجاري والخدمات البنكية المرتبطة بها.
كما يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة ومعالجة قضايا السيطرة على حقول النفط في شمال شرق البلاد.
المدن
——————-
إعادة رسم خرائط الطاقة.. وخوارزميات الفرص السورية لدعم مسارات التعافي والنهوض/ فؤاد الوادي
أبريل 6, 2026
بدأت قوافل النفط العراقية تعبر الأراضي السورية لأول مرة منذ عقود، تمهيدا لتصديره عبر ميناء بانياس على البحر المتوسط، وسط تصاعد حدة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يعد شريان الطاقة العالمية.
وقد وضعت هذه التطورات العالم أمام تحديات كبيرة لإعادة رسم خرائط الطاقة، من خلال البحث عن طرائق بديلة لمواجهة هذه الأزمة المستدامة والمتدحرجة حتى إشعار آخر، في ضوء استمرار الحرب وغياب أي آفاق للحل. لكن في المقابل، ربما تشكل هذه التطورات الطارئة فرصة استثنائية لسوريا الخارجة للتو من تحت وطأة عقود من الاستبداد والفساد والحرب، التي أدت إلى الانهيار الاقتصادي نتيجة تدمير النظام المخلوع لركائز الدولة، ولكل مظاهر ومقومات الحياة والمعيشة للسوريين.
خيارات مستدامة لإيجاد مسارات بديلة
ويؤكد الباحث الاقتصادي الدكتور عبد الحكيم المصري، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن الحرب الدائرة على مشارف منطقة الخليج بين أميركا و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبرغم تداعياتها الاقتصادية الخطيرة على المنطقة والعالم، فإنها تشكل فرصة تاريخية للعالم عموما، ولسوريا على وجه الخصوص، كونها تضع الجميع أمام اللجوء إلى خيارات مستدامة لإيجاد مسارات وطرق بديلة عن تلك الممرات المهددة في كل لحظة، والتي باتت تستخدم للابتزاز والضغط السياسي من قبل إيران على الدول العربية في منطقة الخليج.
وتحدث الدكتور المصري عن أن أهمية استثمار سوريا في الخيارات البديلة للمنطقة والعالم تأتي من أهمية هذا المضيق الذي يعبر من خلاله أكثر من 20 بالمئة من صادرات العالم من النفط، وهو ما يوجب على الدولة تهيئة كل الظروف المناسبة، وخصوصا خلق بيئة آمنة ومستقرة، لدعم هذه الخيارات والبدائل، التي بدأت تتجسد بصورة أصغر بعد مرور قوافل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط.
وقال المصري: “إن خطوة نقل النفط العراقي عبر سوريا سوف تكون لها آثار اقتصادية على المدى القريب والبعيد، لعل أبرزها دعم مسار التعافي وتعزيز ودفع عجلة التنمية، على اعتبار أنها سوف تنعش الخزينة العامة، وتفتح المجال أمام فرص عمل جديدة، كما أن هذه الخطوة سوف تشجع على جذب الاستثمارات ورجال الأعمال، وكذلك ترسخ ركائز بيئة الاستثمار التي لا تزال هشة نظرا للظروف الصعبة التي تجتاح العالم نتيجة الحروب”.
وبحسب باحثين اقتصاديين، فإن سوريا ستجني فوائد مباشرة من هذه الخطوة، حيث تقدر عوائد رسوم العبور والموانئ والتفريغ بنحو 150 إلى 200 مليون دولار سنويا، كما أن الفائدة الأكبر لدمشق من هذه الخطوة تكمن في إمكانية الحصول على حصص من النفط أو المشتقات بأسعار تفضيلية لسد العجز المحلي، حيث تحتاج سوريا إلى نحو 220,000 برميل يوميا، بينما لا يتجاوز الإنتاج الحالي 50,000 برميل.
الدور المحوري والموقع الاستراتيجي
وبدأت، الأربعاء الماضي، أولى قوافل الفيول العراقي بالدخول إلى الأراضي السورية عبر منفذ التنف باتجاه مصفاة بانياس، تمهيدا لتصديره إلى الأسواق العالمية، في إطار التأكيد على دور سوريا المحوري الإقليمي وموقعها الاستراتيجي بوصفها بوابة حيوية على البحر المتوسط.
وتعليقا على ذلك، قال وزير الطاقة محمد البشير، مؤكدا أهمية الدور الاستراتيجي لسوريا في تحقيق الأمن الطاقي: “من الحدود السورية – العراقية وصولا إلى النواقل البحرية في بانياس.. سوريا تعود لتكون “بوصلة العبور” ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة الإقليمية”، مضيفا أن هذه الخطوة تعزز مصالحنا الوطنية، وتدفع بعجلة التكامل الاقتصادي العربي نحو آفاق أوسع.
أما وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، فقد شدد بدوره على ضرورة الاستمرار في هذا التعاون وبشكل مستدام، وأنه لن يكون مرتبطا بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشددا على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.
وبدورها، أكدت الشركة السورية للبترول، عبر قناتها على تلغرام، أنه مع تتابع وصول القوافل، ستباشر الفرق الفنية في الشركة السورية للبترول عمليات تفريغ الفيول في خزاناتها تمهيدا لنقله إلى مصب بانياس النفطي وتحميله على النواقل البحرية المخصصة للتصدير، ضمن مسار يعكس جاهزية البنية التحتية السورية وكفاءة كوادرها في إدارة عمليات العبور وفق أعلى المعايير.
وأكدت الشركة التزامها بتعزيز هذا الدور الاستراتيجي بما يخدم المصالح الوطنية، ويدعم استقرار أسواق الطاقة في المنطقة، مع استمرارها في توفير بدائل موثوقة في ظل المتغيرات الراهنة.
وأوضح مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد، في تصريح لـ”سانا”، أن القافلة الأولى ضمت 299 صهريجا، في خطوة تعكس استعادة سوريا دورها الحيوي ممرا إقليميا للطاقة، وتعزيز حضورها في معادلة الأمن الطاقي الإقليمية.
وأشار شيخ أحمد إلى أنه مع وصول القوافل، ستباشر الفرق الفنية في الشركة عمليات التفريغ في المكان المخصص، تمهيدا لتحميل الفيول على النواقل البحرية المخصصة للتصدير إلى وجهتها النهائية، ضمن مسار يثبت كفاءة كوادرها في إدارة عمليات العبور وفق أعلى المعايير الدولية.
كما لفت إلى أن تدفق هذه الكميات الكبيرة يسهم بشكل مباشر في تنمية الاقتصاد الوطني عبر تنشيط حركة الترانزيت، ورفد خزينة الدولة بإيرادات مجزية تدفع بعجلة النمو نحو آفاق أوسع، ويؤكد أهمية الموقع الاستراتيجي لسوريا بوصفها بوابة رئيسية وحيوية على البحر المتوسط لنقل النفط ومشتقاته من دول الجوار إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وأكد شيخ أحمد أن نجاح هذا التنسيق اللوجستي عالي المستوى يعكس قوة إدارة السياسة النفطية السورية وقدرتها على بناء شراكات استراتيجية، حيث تعد هذه القافلة حجر الزاوية لمرحلة قادمة ستشهد توسعا كبيرا وتمهد الطريق لتصدير مواد بترولية متنوعة من المنافذ البرية إلى البوابة الدولية من خلال الموانئ السورية.
وكان مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية مازن علوش قد أعلن يوم أمس الثلاثاء عن إعادة افتتاح منفذ التنف – الوليد الحدودي بين سوريا والعراق، وذلك في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
سوريا رئة الاقتصاد العراقي
وفي مطلع الشهر الجاري، أعلنت وزارة النفط العراقية وشركة تسويق النفط العراقية “سومو” بدء تصدير “النفط الأسود” والنفط الخام عبر الشاحنات برا، انطلاقا من معبر الوليد الحدودي.
وكشف المدير العام لشركة “سومو” عن توقيع عقود لتوريد نحو 50,000 برميل يوميا من خام البصرة، مع خطط لزيادتها تدريجيا لتصل إلى 150,000 برميل يوميا عبر تشغيل نحو 800 شاحنة. وتنطلق القوافل من حديثة في العراق، وصولا إلى مصفاة وميناء بانياس السوري.
وبالمقابل، يعتبر العراق هذا المنفذ بمثابة “رئة” للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بنسبة 92 بالمئة على النفط لتأمين رواتب 8 ملايين موظف، أي بتكلفة 5 مليارات دولار شهريا، كما أن الجغرافيا السورية – العراقية المشتركة تسمح بتحويل سوريا إلى “عقدة طاقة عالمية” تربط الخليج بالبحر المتوسط.
وتلوح في الأفق أربعة مشاريع استراتيجية قد تحول وجه المنطقة، هي خط التابلين، وخط كركوك – بانياس النفطي، وخط الغاز القطري الذي قد يمد ذراعا إلى بانياس لتصدير الغاز المسال، والقطار السريع الذي يربط السعودية بشمال سوريا وصولا إلى أوروبا.
ويدشن عبور النفط العراقي للأراضي السورية مرحلة جيو اقتصادية جديدة، حيث تفرض الضرورة الاقتصادية نفسها على الحسابات السياسية المعقدة، وهو ما يطرح أسئلة عن إمكانية تحويل هذا “الحل الإسعافي” إلى تحالف استراتيجي مستدام.
وفي الخامس والعشرين من آذار الماضي، أعلنت وزارة النفط العراقية إعداد دراسة لإنشاء خط أنابيب نفطي جديد يمتد من ميناء البصرة إلى ميناء بانياس غربي سوريا، في خطوة تهدف إلى تعزيز مرونة صادرات النفط وتنويع منافذ التصدير.
وقال وكيل الوزارة، باسم محمد خضير، إن الخط الحالي غير صالح للعمل، مشيرا إلى أن الوزارة تدرس تنفيذ مشروع أوسع ينطلق من البصرة مع إمكانية التفرع نحو كل من سوريا والأردن.
وبحسب وكالة الأنباء العراقية “واع”، أوضح خضير أن المشروع ما يزال في مرحلة إدارة التصاميم، مبينا أن تنفيذه يتطلب تخصيصات مالية كبيرة لتغطية كلفة إنشاء الأنبوب والمحطات الوسيطة والمستودعات.
وأضاف خضير أن المشروع يستهدف تحقيق مرونة في تزويد المصافي بين جنوب العراق وشماله، فضلا عن تمكين نقل نفط الجنوب إلى الشمال في حال حدوث أي طارئ في مضيق هرمز، مشيرا إلى أن تصنيع الأنبوب سيتم بواسطة شركة عراقية في الجنوب، على أن يتم استيراد المواد الأولية، مع الالتزام بالمواصفات العالمية في التنفيذ.
وأكد أن الوزارة تعتزم طرح المشروع أمام الشركات عبر دعوات تنافسية لتنفيذه، لافتا إلى أن خطط الوزارة تشمل أيضا تطوير منظومة التصدير الجنوبية، وتأهيل منظومة التصدير الشمالية عبر ميناء جيهان وصولا إلى بانياس على البحر الأبيض المتوسط.
وبين خضير أن الخيارات التصديرية قد تمتد إلى ميناء العقبة في الأردن عند الحاجة، إلى جانب إمكانية إنشاء خطوط نقل إضافية عبر الحوضيات نحو تركيا والأردن وسوريا، لافتا إلى أن الوزارة بصدد الإعلان للشركات الناقلة والمشترين عبر شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، المسؤولة عن تصدير النفط الخام.
وقبل ذلك بأيام، قال وزير النفط العراقي حيان عبد الغني إن العراق ينقل نحو 200 ألف برميل من النفط يوميا عبر مستودعات النفط، من خلال مسارات تمر عبر تركيا وسوريا والأردن.
تفعيل حركة العبور التجاري
وفي وقت سابق، افتتح رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا قتيبة بدوي، بمشاركة رئيس هيئة المنافذ الحدودية في العراق عمر عدنان الوائلي، الخميس، منفذ التنف – الوليد الحدودي بين البلدين، في إطار تعزيز التعاون الثنائي وتفعيل حركة العبور التجاري وترانزيت البضائع.
وقالت الهيئة إن الافتتاح شهد جولة ميدانية مشتركة داخل المنفذ، اطلع خلالها الجانبان على جاهزية البنية التحتية والإجراءات التشغيلية، إضافة إلى متابعة تدفق قوافل الصهاريج وحركة شاحنات الترانزيت، بما يعكس بدء مرحلة جديدة من التنسيق الميداني بين الجهات المعنية في البلدين.
وأكد الجانبان أهمية هذا المنفذ الحيوي في دعم حركة التبادل التجاري وتأمين انسيابية عبور البضائع والطاقة، مشددين على استمرار التنسيق لتطوير آليات العمل وتذليل العقبات التي قد تعترض حركة النقل، بما يعزز التكامل الاقتصادي بين سوريا والعراق ويرفع كفاءة الممرات البرية الإقليمية.
ويعد افتتاح منفذ التنف – الوليد خطوة استراتيجية ضمن جهود الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لتفعيل المنافذ الحدودية ورفع جاهزيتها، بما يواكب متطلبات المرحلة ويعزز دور سوريا ممرا رئيسيا لحركة الترانزيت في المنطقة، وفق الهيئة.
وكانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قد أعلنت في وقت سابق أن وفدا من رئاسة الهيئة أجرى جولة ميدانية للاطلاع على جاهزية منفذ اليعربية – ربيعة، تمهيدا لاستكمال تفعيل العمل فيه مطلع شهر أيار القادم، إلى جانب متابعة واقع منفذ سيمالكا – فيشخابور، في إطار استكمال الإجراءات اللازمة لإدخاله ضمن منظومة عمل الهيئة، مؤكدة أن هذه الخطوات تشكل محطة مهمة في تعزيز الربط الاقتصادي بين البلدين وتفعيل خطوط التجارة والطاقة بما يدعم حركة التبادل التجاري ويعزز فرص التكامل الاقتصادي خلال المرحلة القادمة.
وتتمتع سوريا بموقع استراتيجي يربط بين قارات العالم الثلاث، وهو ما يجعلها ممرا بريا وبحريا حيويا للتجارة وسلاسل الإمداد العالمية والإقليمية، إضافة إلى أن موقعها على البحر المتوسط يسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية، في حين تربط برا بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج. وهذا ما يفرض عليها الاستفادة من خوارزميات هذه الظروف الاستثنائية وقراءتها جيدا، والاستثمار في إمكانية تحويلها إلى فرص مستدامة لدعم النهوض والتعافي السريع، ولا سيما مع الوضع الأمني المستقر بعد الاتفاق مع “قسد”، والذي يقابله انفتاح عالمي على سوريا، وبحث في مشاريع حقيقية لدعم الاقتصاد السوري.
الثورة السورية
——————————
ثلاثة أشهر على بدء الاستبدال.. حضور لافت للعملة السورية القديمة
خبيران يفسران الأسباب
رغم إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، في آذار الماضي، استبدال نحو 35% من أصل 41 تريليون ليرة سورية (كتلة نقدية قديمة)، أي أكثر من 14 تريليون ليرة قديمة، في المرحلة الأولى التي شملت استبدال فئتي خمسة آلاف وألفي ليرة سورية قديمة، فإن هاتين الفئتين، وبعد مضي ثلاثة أشهر على إطلاق عملية الاستبدال التي بدأت مطلع كانون الثاني الماضي، ما زالتا منتشرتين بكثرة في الأسواق والمحال التجارية والوسط التجاري في ساحة المحافظة بدمشق، وفقًا لما رصده مراسل عنب بلدي.
وترافق إعلان المركزي المثير للجدل، مع تمديد مهلة الاستبدال لشهرين إضافيين حتى نهاية أيار المقبل، في محاولة لاحتواء التحديات اللوجستية، وضمان وصول العملية إلى مختلف المناطق في سوريا، ولكن غياب الندوات والمحاضرات والفعاليات التوعوية بضرورة استبدال العملة السورية القديمة، وتداول الجديدة يطرح العديد من التساؤلات، ويعكس حالة من عدم الجدية بالاستبدال.
في هذا السياق، يقدّم الخبير الاقتصادي والأكاديمي السوري الدكتور محمد فقيه، قراءة تحليلية لهذه الظاهرة، موضحًا الأسباب الكامنة وراء استمرار تداول الفئات النقدية الكبيرة القديمة، والعوامل التي تعيق نجاح عملية الاستبدال، إضافة إلى التحديات الأوسع المرتبطة بسعر الصرف والثقة النقدية.
غياب التوعية يربك استبدال العملة في سوريا
ضعف الإقبال على استبدال العملة في سوريا لا يرتبط فقط بالعوامل الاقتصادية، بل يتأثر أيضًا بغياب واضح لحملات التوعية الموجهة للمواطنين، بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فقيه، مشيرًا إلى أنه حتى الآن، لم تُرافق عملية استبدال العملة حملات إعلامية كافية تشرح آليات التنفيذ، والمواعيد النهائية، وأهمية الالتزام بها، ما ترك شريحة واسعة من الناس في حالة من الغموض والتردد.
وقال فقيه، إن هذا القصور يظهر جليًا في غياب الإعلانات المنظمة عبر وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وعدم استخدام الرسائل النصية للهواتف المحمولة كأداة مباشرة للوصول إلى المواطنين، كما لم تُفعّل الندوات التوعوية في غرف التجارة والصناعة أو على مستوى المحافظات، وهي أدوات كان يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في توضيح الإجراءات وطمأنة الفعاليات الاقتصادية.
ويرى أن غياب هذه الجهود التوعوية يضعف الثقة بالعملية النقدية برمتها، ويعزز من سلوك الانتظار أو التردد لدى المواطنين، بل ويدفع البعض إلى الاستمرار في تداول العملة القديمة أو اللجوء إلى قنوات غير رسمية، ما يعوق تحقيق أهداف الاستبدال ويزيد من تعقيد المشهد النقدي.
وكان الحصرية أعلن، في آب 2025، قبل أربعة أشهر من بدء استبدال العملة، أن المصرف المركزي سيطلق حملة توعية شاملة لتعريف المواطنين بآليات الاستبدال وخطواتها، وأن كل مواطن سيتمكن من تسجيل مبالغ الاستبدال مسبقًا بما يتيح له السحب دون تأخير، وشدد على أن المصرف يراهن على وعي المواطن وثقته بالمؤسسات الوطنية، وفق ما نقلته الوكالة السورية للأنباء (سانا) عنه.
التعايش النقدي ونقص السيولة يكرّسان حضور الفئات الكبيرة
استمرار تداول فئتي 5000 و2000 ليرة سورية، يعود بالدرجة الأولى، وفق ما يرى الدكتور محمد فقيه، إلى وجود فترة تعايش بين العملتين القديمة والجديدة، في ظل عدم سحب الكتلة النقدية القديمة بشكل كامل رغم تمديد مهلة الاستبدال، وهذا الواقع خلق حالة انتقالية غير مكتملة، أبقت الفئات الكبيرة في دائرة التداول.
وأشار إلى أن النقص الواضح في الفئات الأصغر مثل 1000 و500 ليرة، رغم عدم بدء استبدالها، يعكس أزمة سيولة حقيقية في الأسواق، وهذا النقص يدفع المتعاملين إلى الاعتماد على الفئات الأكبر لتلبية احتياجاتهم اليومية.
كما أن التمديد الإضافي لفترة الاستبدال ساهم في تعزيز استمرار هذه الفئات، خاصة أنها تمثل القيم الأعلى بين العملات القديمة، ما يجعلها أكثر ملاءمة في ظل ارتفاع الأسعار.
وبالتالي، فإن الجمع بين التعايش النقدي ونقص السيولة يفسّر إلى حد كبير بقاء الفئات الكبيرة كأداة رئيسة في المعاملات اليومية.
وأصدر حاكم مصرف سوريا المركزي، في بداية آذار الماضي، قرارين بـ”استبدال الفئات التالية من جميع الإصدارات القديمة، وهي فئة 500 ليرة سورية، وفئة 200 ليرة سورية، وفئة 100 ليرة سورية، وفئة 50 ليرة سورية، وذلك ضمن المهل المحددة قانونًا”، و”تمديد أجل الاستبدال المنصوص عليه وفق الأحكام النافذة، وذلك لمدة 60 يومًا تبدأ من 1 من نيسان”.
صرافة غير رسمية تعرقل الاستبدال
قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فقيه، إن هناك تحديات اقتصادية وسياسية تعوق عملية سحب العملات القديمة من الأسواق، أبرزها غياب فروع المصارف وشركات الصرافة المرخصة في بعض المناطق، خاصة في الشمال الشرقي مثل دير الزور والرقة والحسكة.
وهذا الغياب يدفع المواطنين إلى اللجوء للصرافة غير الرسمية، التي لا تزال تتعامل بالفئات النقدية القديمة، ما يبطئ من وتيرة الاستبدال ويُبقي هذه العملات في التداول، وحتى في المناطق التي كانت خاضعة سابقًا لسيطرة الحكومة، تنتشر مكاتب الصرافة غير الرسمية بشكل واسع، خاصة في الأرياف، مقارنة بالمؤسسات المالية الرسمية.
وكل هذه العوامل تخلق بيئة غير مواتية لتنفيذ سياسة نقدية مركزية، وتُظهر أن التحدي لا يقتصر على القرار، بل يمتد إلى البنية المؤسسية والتنفيذية على الأرض.
ويقلل التوسع في ترخيص شركات الصرافة من السوق السوداء ويزيد من الشفافية، إذا ترافق برقابة فعالة، بحسب ما أكده خبير الإدارة المالية والتدقيق البنكي الدكتور علي محمد، في حديث سابق إلى عنب بلدي، حيث يُعتبر أحد الأهداف الرئيسة من الترخيص، وذلك يعني أن الكتلة النقدية المتمثلة بالقطع الأجنبي ستكون موزعة بين عدد أكبر من الشركات، مما يقلل من هيمنة الشركات الكبرى على السوق.
وهو ذاته ما أشار إليه الأكاديمي المختص بالاقتصاد المالي والنقدي الدكتور ياسر المشعل، بأن الشركات المرخصة الجديدة يمكن أن تقلص من السوق السوداء، وزيادتها ضرورة اقتصادية، لكن فقط إذا قدمت أسعار صرف مرنة قريبة من السوق غير الرسمية وسهّلت إجراءات التصريف، مركزًا على أن سوء الرقابة يمكن أن يخلق ثغرات للاستغلال والفساد.
استبدال العملة خطوة شكلية دون إصلاحات
أكد الخبير الاقتصادي فقيه أن عملية استبدال العملة لا تُعد حلًا كافيًا لمعالجة التضخم أو إصلاح الاقتصاد السوري، بل هي إجراء نقدي شكلي يندرج ضمن إدارة الكتلة النقدية، دون أن يمس الأسباب البنيوية للأزمة.
فالتضخم في سوريا، بحسب فقيه، مرتبط بعوامل أعمق مثل ضعف الإنتاج، وتشوه الأسعار، وهشاشة النظام المصرفي، واتساع السوق الموازية، وهي مشكلات لا يمكن حلها بمجرد تغيير شكل العملة.
كما أن حذف الأصفار من العملة قد يسهل العمليات الحسابية، لكنه لا يزيد من القوة الشرائية، ولا يخلق إنتاجًا جديدًا، بل قد يؤدي إلى ضغوط نفسية في الأسواق، وفي حال غياب الثقة العامة والسياسات الواضحة، قد ترتفع وتيرة الطلب على الدولار، ما يفاقم من تراجع قيمة الليرة بدلًا من دعمها.
وأشار فقيه إلى أن ارتفاع سعر الصرف، خاصة عندما يتجاوز 12 ألف ليرة للدولار، يضغط بشكل مباشر على تداول العملة المحلية، ويدفع الأفراد والتجار إلى تسعير السلع بسرعة والاحتفاظ بالنقد الأقوى.
هذا الواقع يجعل عملية استبدال العملة أكثر حساسية، إذ إن أي ارتباك في السياسة النقدية أو في عمليات السحب قد يدفع إلى الاحتفاظ بالنقد القديم أو التحول إلى الدولار كمرجع للتسعير، ويؤكد أن تراجع قيمة الليرة يضعف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، ما يؤدي إلى انتشار ظاهرة التسعير المزدوج أو الضمني بالدولار، حتى في المعاملات التي تتم بالليرة.
وخلص فقيه إلى أن نجاح عملية الاستبدال لا يرتبط بشكل العملة، بل بثقة الأفراد في استقرارها، وهو ما يتطلب سياسات نقدية قوية، وضبطًا للسيولة، واستقرارًا في سعر الصرف، خاصة أن ضعف الليرة يعزز من استمرار تداول الفئات الكبيرة القديمة التي تسهّل المعاملات في بيئة غير مستقرة.
ستة أسباب تفسر غياب العملة الجديدة
يعدد الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمود عبد الكريم، ستة أسباب رئيسة لضعف انتشار العملة الجديدة تتمثل بـ:
الاكتناز بسبب عدم اليقين.
التوزيع غير المتوازن للعملة الجديدة بين المناطق.
احتفاظ التجار بالنقد الجديد تحسبًا لصعوبة الحصول عليه لاحقًا.
قيود السحب التي تعوق انتقال الأموال إلى قطاع الأعمال.
ضعف وسائل الدفع غير النقدي، ما يزيد الطلب على الكاش.
ذاكرة التضخم الطويلة التي تدفع السوق إلى سلوك حذر ومبالغ فيه.
هذه العوامل مجتمعة تفسر استمرار تداول الفئات القديمة مثل 5000 و2000 ليرة، رغم بدء عملية الاستبدال منذ بداية عام 2026.
وأكد عبد الكريم أن الحل لا يكمن فقط في الرقابة، بل في خطة متكاملة تشمل جدول ضخ واضحًا، وتوسيع قنوات الاستبدال، وتوفير سيولة للتجارة، وتعزيز وسائل الدفع الإلكتروني، لاستعادة الثقة وتحسين دوران النقد في السوق.غياب الوضوح يفاقم أزمة السيولة.
ويرى الدكتور محمود عبد الكريم، أن غياب جدول زمني واضح لعملية الضخ النقدي يزيد من فقدان الثقة لدى المواطنين، ويعزز سلوك الاكتناز، وهو سلوك اقتصادي قابل للقياس وليس مجرد عامل نفسي، فعندما لا يعرف المودع متى يمكنه الوصول إلى أمواله، تتحول هذه الأموال إلى رصيد غير سائل، ما يدفع الناس للاحتفاظ بالنقد خارج المصارف فور حصولهم عليه.
هذا الواقع يؤدي إلى انخفاض الإيداعات وارتفاع السحوبات، ما يضع الفروع المصرفية في حالة عجز عن تلبية الطلب، حتى لو لم تتغير الكتلة النقدية الإجمالية، وبحسب عبد الكريم، فإن تقارير اقتصادية وثقت هذا النمط، حيث أدت القيود على السحب والخوف من عدم القدرة على الوصول إلى الأموال إلى عزوف الناس عن الإيداع.
وفي ضوء ما طرحه الخبيران، يتضح أن نجاح عملية استبدال العملة في سوريا لا يتحقق بإجراء نقدي منفرد، بل يتطلب أولًا تعزيز حملات التوعية عبر الإعلام والرسائل المباشرة والفعاليات الاقتصادية لرفع وعي المواطنين، مرورًا بوضع خطة واضحة وجدول زمني معلن لعملية الضخ والسحب النقدي، وتوسيع قنوات الاستبدال في جميع المناطق، وصولًا إلى معالجة جذور الأزمة وضبط التضخم، وتعزيز استقلالية المصرف المركزي، وتحسين إدارة السيولة، وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، بما يرسّخ الثقة بالعملة الجديدة ويضمن انتقالًا سلسًا ومستدامًا في السوق النقدي.
عنب بلدي
———————
عبر سوريا إلى الخليج.. ماذا يعني تفعيل مسار الشحن البري التركي وما حدوده؟/ حمزة خضر
2026.04.06
أعاد إعلان وزير التجارة التركي عمر بولات تأمين تأشيرات عبور لسائقي الشاحنات التجارية البرية الدولية من السعودية لمدة 15 يوماً، وتسليط الضوء على إمكان وصول الشاحنات التركية إلى سوريا والأردن والسعودية ودول الخليج خلال 3 إلى 4 أيام، طرح مسار النقل البري عبر سوريا بوصفه أحد البدائل التي تتحرك أنقرة لتفعيله في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة.
وبحسب ما نقلته وكالة “الأناضول” عن بولات، فإن هذه الخطوة جاءت “نتيجة لإغلاق مضيق هرمز”، وبعد “اتصالات مكثفة مع الحكومة السعودية”، في وقت قال فيه أيضاً إن صادرات تركيا إلى دول الخليج تراجعت في آذار الفائت بنسبة 36.5 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، مرجعاً ذلك إلى التوترات في المنطقة.
وتعزز هذا الربط تصريحات أحدث لبولات، أكد فيها أن الحكومة التركية “تبذل جهوداً كبيرة” للعمل على بدائل لمضيق هرمز، معلناً عن خمسة مسارات مختلفة، بينها المسار البري عبر سوريا، إلى جانب مسار بري آخر عبر العراق، وممر عُمان، والنقل المركب، ومسار رأس الرجاء الصالح عبر أفريقيا. حيث أن أنقرة لا تقدم الطريق السوري بوصفه خياراً منفرداً، بل باعتباره أحد البدائل الرسمية التي تسعى إلى استخدامها للتخفيف من أثر تعطل مضيق هرمز على تجارتها مع الخليج.
المسار لم يبدأ اليوم
تقول خبيرة الشحن الدولي ليلى خضرة، إنهم “منذ أربع أشهر تقريباً” يرسلون “شحنات من تركيا إلى دول الخليج عبر سوريا”، موضحة أن “السيارات التركية تدفع رسوم عبور عند دخولها الأراضي السورية، بقدر 2 إلى 3 دولار على الطون، يعني ما يقارب من 125 دولاراً على الشاحنة الواحدة”.
وتوضح خضرة في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن الشاحنات التركية “لم تكن تحصل سابقاً على موافقة سعودية للعبور باتجاه دول الخليج”، ولذلك كانت البضائع تُنقل بنظام المبادلة عند الحدود الأردنية السعودية، حيث تُفرغ من الشاحنات التركية إلى شاحنات خليجية تتابع الرحلة نحو السعودية ودول الخليج العربي.
وترى خضرة أن التغيير الأهم في الترتيب الجديد يتمثل في الاستغناء عن هذه العملية، وتقول: “قرار إبقاء البضائع بسيارة الشحن نفسها والسماح بالذهاب إلى دول الخليج دون مبادلة في سوريا أو الأردن هو قرار صحيح”، موضحة أن “نقل البضائع من سيارة لأخرى تضيف تكاليف كبيرة على هذه العملية، ويمكن أن تلحق الضرر بالبضائع أثناء المناولة”.
وأشارت أيضاً إلى أن هذا التغيير ساهم في تسريع العملية، إذ باتت الحمولة تصل إلى الدول الخليجية خلال “7 أيام أو أقل”، مع الإشارة إلى أن المدة تختلف بحسب المدينة التركية المصدّرة والدولة الخليجية المستوردة.
وفي هذا السياق، يقدم الجانب السوري الرسمي صورة أوضح عن الإجراءات الجارية لتثبيت هذا المسار. إذ قال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، إن الهيئة تعمل، “في إطار الترتيبات الجارية لتفعيل مسار نقل الصادرات التركية إلى دول الخليج عبر الأراضي السورية”، على اتخاذ “حزمة من الإجراءات التنظيمية واللوجستية، بما يضمن انسيابية حركة الشحن ورفع كفاءة العبور”.
وأضاف علوش أن هذه الإجراءات تشمل “تبسيط وتوحيد إجراءات العبور الجمركي، واعتماد نظام الترانزيت المنظّم، إلى جانب التنسيق المباشر مع الجانب التركي ودول المقصد”، بما يضمن “تسريع حركة الشاحنات وتقليل زمن الانتظار على المعابر الحدودية”. كما أشار إلى العمل على “تعزيز الجاهزية التشغيلية للكوادر العاملة في المنافذ، وتوسيع نطاق العمل على مدار الساعة لاستيعاب الزيادة المتوقعة في حركة الشحن”.
هرمز يعيد إحياء مشاريع قديمة
لكن تسريع العبور لا يعني بالضرورة أن النقل البري أصبح الخيار الأرخص. فخضرة تؤكد أن الشحن البري “أسرع من البحري، إلا أنه أكثر تكلفة”، قبل أن تضيف أن التوترات الراهنة والحرب في المنطقة وارتفاع أسعار المحروقات رفعت أيضاً كلفة النقل البحري. وبناء على ذلك، لا تبدو المفاضلة الحالية بين البر والبحر قائمة فقط على معيار السعر، بل أيضاً على معيار المخاطر والسرعة والقدرة على ضمان وصول البضاعة في وقت أقصر.
هذا التوصيف يلتقي جزئياً مع قراءة الباحث السياسي والاقتصادي في مركز جسور للدراسات، عبد الوهاب العاصي، الذي يرى أن التحول الحالي “من الممكن أن يكون طويل الأمد، لكن بشروط”.
ويقول العاصي خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن “إغلاق مضيق هرمز أعطى فرصة لاستئناف مشاريع قديمة في ظروف وبنية تحتية غير مناسبة وغير مكتملة”، موضحاً أن “سوريا تُعد جزءاً من مشروع الممر التجاري الذي كانت تعمل عليه تركيا لجعلها ممراً لها نحو العالم العربي”.
ويضيف أن تركيا “سعت عبر اتفاق خفض التصعيد مع روسيا وإيران عام 2017 لتفعيل خطوط النقل التجاري عبر سوريا بإنشاء ممرات آمنة في محيط الطرق الدولية M4 وM5 لكنه فشل”. وبهذا المعنى، فإن ما يجري اليوم ليس، وفق العاصي، مشروعاً جديداً بالكامل، بل إعادة تفعيل لفكرة قديمة دفعت الظروف الحالية إلى إحيائها.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما أعلنه بولات عن وجود أكثر من مسار بديل، من بينها الطريق عبر العراق الذي يبدأ من معبر خابور ويتجه نحو الكويت، ما يعني أن تفعيل المسار السوري لا يعكس بالضرورة استبعاداً للمسار العراقي، بل توجهاً تركياً إلى توزيع المخاطر وتوسيع البدائل البرية والبحرية في آن واحد.
ممر فُعّل قبل اكتمال شروطه
وبحسب العاصي، فإن المسار الجاري تفعيله اليوم لا يقوم على بنية مكتملة، إذ يقول إن المشروع “لا يقتصر على الطرق البرية، بل يشمل إنشاء سكك حديد وموانئ جافة”، وكان يحتاج إلى “بيئة آمنة ومستقرة بشكل كامل وبيئة قانونية وتشريعية وبنية تحتية جاهزة”، وهي شروط يرى أنها لا تزال غير متوفرة في الوضع الحالي “باستثناء وجود استقرار هش”.
ومن هنا، فإن الحديث عن مسار طويل الأمد لا يمكن فصله، وفق قراءة عاصي، عن مدى قدرة الأطراف المعنية على استكمال المتطلبات اللوجستية والتشريعية والأمنية التي تسمح بتحويل المرور الحالي إلى ممر مستدام.
وفي ما يخص الجاهزية الحالية، قال علوش إن “المنافذ والطرق البرية في وضعها الحالي قادرة على استيعاب حركة الترانزيت، خاصة مع إعادة تفعيل عدد من المنافذ الحيوية”، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المرحلة المقبلة “تتطلب تطويراً إضافياً يشمل رفع كفاءة الطرق الدولية، وتوسعة ساحات المعابر، وتعزيز الخدمات اللوجستية المرتبطة بقطاع النقل، بما يتواكب مع التحول المتوقع في حجم الحركة التجارية”.
ورغم ذلك، لا يستبعد العاصي أن يكتسب هذا المسار صفة أكثر استقراراً في المستقبل، إذ يقول إن “هناك فرصة لتعزيز الاستقرار وتهيئة البيئة التشريعية للمضي قدماً بتحويل سوريا في ظل الظروف الراهنة من ممر مؤقت إلى ممر مستدام وطويل الأمد”.
لكن هذا الاحتمال، بحسب العاصي، لا ينطبق على كل أنواع التجارة، إذ يلفت إلى أن استمرار هذا المسار “سيكون مقتصراً فقط على السلع والبضائع السريعة التي لا تتلف بسرعة أو السلع الباهظة الثمن”، لأن “النقل البحري يبقى أرخص مقارنة مع النقل البري”.
ويضيف أن “المسافة بين تركيا والخليج مروراً بسوريا تحتاج إلى 4 إلى 5 أيام بينما النقل البحري يحتاج أسبوعين على الأقل”، ما يعني أن أفضلية الطريق البري تتركز أساساً في عامل الوقت، لا في انخفاض الكلفة.
مؤشرات موازية على تجهيز البنية اللوجستية
تكتسب هذه القراءة أهمية إضافية مع وجود معطيات منشورة سابقاً عن مشاريع لوجستية في سوريا. فقد بحثت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية مع شركة “Bomako” التركية فرص التعاون في تطوير المناطق الحرة، بما في ذلك إنشاء وتطوير المنطقة الحرة في إدلب وفق معايير فنية حديثة، بالتوازي مع إقامة ميناء جاف داخلها.
وقالت الهيئة إن المشروع المقترح “يسهم في دعم البيئة الاستثمارية وتنشيط الحركة التجارية”، وإنه “يوفر بنية تحتية متطورة تواكب متطلبات المرحلة المقبلة وتفتح آفاقاً جديدة أمام المستثمرين والتجار”.
كما كانت الهيئة قد وقعت في منتصف كانون الثاني الماضي اتفاقية مع شركة تركية لإدخال صناعة السفن إلى سوريا، بهدف إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس. وهذه المشاريع لا تكفي وحدها للقول إن الممر البري الحالي سيتحول إلى مسار دائم، لكنها تشير إلى وجود توجه معلن لتطوير بنى مرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية.
كما يمكن قراءة تفعيل المسار الجديد في سياق أوسع يتصل بتنامي حركة التجارة البرية عبر سوريا مع دول الجوار. فبحسب بيانات غرفة تجارة عمّان، بلغ حجم التبادل التجاري بين الأردن وسوريا 334 مليون دينار في عام 2025، مقارنة بـ116 مليون دينار في 2024، وهو ارتفاع رُبط باستعادة حركة الشحن والنقل عبر المعابر الحدودية وزيادة الطلب على المنتجات الأردنية في السوق السورية.
كذلك توقعت غرفة تجارة عمّان استمرار نمو التجارة خلال عام 2026 مع تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والصناعة والنقل. ولا يثبت هذا الرقم بطبيعة الحال نجاح المسار التركي الخليجي بحد ذاته، لكنه يقدّم مؤشراً على أن عبور البضائع عبر الأراضي السورية لم يعد معطلاً كما كان في مراحل سابقة، وأن بيئة النقل البري الإقليمي تشهد نشاطاً متزايداً.
وفي توصيفه للأهمية الاستراتيجية لهذا المسار، قال علوش إنه يمثل “فرصة استراتيجية لتعزيز موقع سوريا كممر إقليمي للتجارة بين آسيا وأوروبا والخليج، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الممرات البحرية”، معتبراً أن ذلك “يعيد إحياء الدور الجغرافي لسوريا كمحور ربط بري في المنطقة”.
وأضاف أن هذا المسار يتطلب “الاستمرار في تحسين بيئة النقل، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، بما يضمن استدامة هذا المسار وتحويله إلى خيار طويل الأمد”.
استدامة غير محسومة
يمكن القول إن ما يجري اليوم هو تفعيل عملي لمسار شحن بري عبر سوريا كان قائماً بصيغة محدودة، لكنه اكتسب زخماً جديداً بعد تسهيل عبور الشاحنات التركية باتجاه الخليج من دون مبادلة على الحدود.
وهذا التفعيل يستند إلى خمسة معطيات واضحة، أولها ما أعلنه بولات عن ارتباط الترتيب الجديد بتداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الصادرات التركية إلى الخليج، وثانيها إدراج الطريق السوري ضمن خمسة مسارات بديلة أعلنتها أنقرة للتعامل مع الأزمة، وثالثها ما أكدته خضرة عن وجود تغيير فعلي في آلية النقل يخفف من التكاليف والمخاطر المرتبطة بالمبادلة، ورابعها ما طرحه العاصي حول إعادة إحياء مشروع قديم ما يزال يعمل ضمن بيئة غير مكتملة، وخامسها ما كشفه علوش من وجود ترتيبات تنظيمية ولوجستية سورية لتفعيل المسار ورفع كفاءة العبور.
أما ما إذا كان هذا المسار سيتحول إلى ممر طويل الأمد، فالأقرب إلى الدقة هو القول إن الطريق اكتسب اليوم وظيفة عملية ومهمة في ظل الظرف الإقليمي الحالي، لكنه لا يزال يعمل ضمن بيئة غير مكتملة من حيث البنية التحتية والاستقرار والإطار القانوني، ما يجعل مستقبله مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على تثبيت ما بدأ الآن كحل عملي تحت ضغط التوترات، وتحويله لاحقاً إلى مسار تجاري أكثر رسوخاً.
وفي هذا الإطار، لخص علوش الموقف بقوله إنه “يمكن النظر إلى هذا المسار ليس فقط كحل ظرفي فرضته التطورات الراهنة، بل كفرصة قابلة للتحول إلى ممر تجاري مستدام، في حال تم الاستثمار فيه وتطويره بالشكل الأمثل”.
——————————
سوريا توقع عقدا مع أديس السعودية لرفع إنتاج الغاز
وقعت الشركة السورية للبترول عقدا تنفيذيا مع شركة أديس السعودية لتطوير عدد من حقول الغاز في البلاد، ضمن خطة تستهدف رفع الإنتاج وتعزيز أمن الطاقة.
وقالت الشركة في بيان إن العقد يشمل تنفيذ أعمال صيانة وتطوير للآبار القائمة، إلى جانب حفر آبار استكشافية جديدة باستخدام تقنيات حديثة تهدف إلى تحسين كفاءة الإنتاج وتوطين الخبرات الفنية، متوقعة زيادة تدريجية في إنتاج الغاز تصل إلى 25% خلال الأشهر الـ6 الأولى من بدء التنفيذ، على أن ترتفع إلى أكثر من 50% بحلول نهاية العام، ما من شأنه دعم استقرار الإمدادات وتعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد السوري.
تستهدف سوريا رفع إنتاج الغاز إلى نحو 15 مليون متر مكعب يوميا بنهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7 ملايين متر مكعب حاليا.
ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مدير إدارة الاتصال المؤسساتي صفوان شيخ أحمد، قوله إن الاتفاق يمثل “انعطافا استراتيجيا” في مسار تطوير قطاع الطاقة، وإنه يتجاوز كونه تعاونا فنيا ليشكل خطوة نحو تعزيز السيادة الطاقية وتطوير الموارد الطبيعية.
توسع في الاستكشاف
لا يقتصر المشروع، حسب شيخ أحمد، على رفع كفاءة الحقول الحالية في محيط حمص، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستكشاف النوعي، بما يتيح اكتشاف حقول غازية إضافية وزيادة الإنتاج مستقبلا.
ورأى أن الشراكة السورية السعودية تمثل “نموذجا للتكامل الاقتصادي الإقليمي” يجمع بين الخبرات التقنية المتقدمة والإرادة المحلية، بهدف تحقيق “قفزة في معدلات الإنتاج خلال فترة زمنية قصيرة”، وفق قوله.
وتراهن الحكومة السورية على قطاع الغاز كأحد محركات التعافي الاقتصادي، في ظل الحاجة إلى تأمين إمدادات مستقرة للصناعة وتخفيف الأعباء المالية، خاصة مع التحديات التي تواجه قطاع الطاقة.
يأتي الاتفاق في إطار انتقال الشركة من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ العملي، عبر شراكات مع شركات تمتلك خبرات واسعة في تطوير حقول النفط والغاز على المستوى الدولي.
إعلان
المصدر: الصحافة السورية
——————————
====================
تحديث 03 نيسان 2026
——————————
كيف تحوّلت أزمة هرمز إلى فرصة وجودية لدمشق؟/ مازن الشاهين
انهارت حركة الناقلات في مضيق هرمز بأكثر من 90% خلال أيام، وقفزت أسعار النفط إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل.
2026-04-03
في خضمّ أشرس أزمة طاقة يشهدها العالم منذ عقود، وبينما تترنّح ناقلات النفط خارج مضيق هرمز المحاصَر بالألغام والتهديدات الإيرانية، يطلّ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك بمقترح قد يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية: “ينبغي إيجاد بدائل لمضيق هرمز والبحر الأحمر ويمكن لسوريا أن تلعب دوراً عبر الأنابيب، والفصل القادم من سوريا يعتمد على الطاقة بوصفها محركاً للتعافي والاستثمار والاندماج الإقليمي”. إذاً سوريا ليست ضحيةَ الحرب وحسب، بل يمكن أن تكون إيجابيتها، ولكن لماذا سوريا تحديداً؟
في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة على إيران في إطار ما عُرف بـ”عملية الغضب الملحمي”، كان الرد الإيراني فورياً وكاسحاً: إغلاق مضيق هرمز، أضيق نقطة عبور في العالم وأكثرها حساسية، والتي تمرّ عبرها نحو 20 مليون برميل نفط يومياً تمثّل ما يقارب 20% من إجمالي تجارة النفط البحرية العالمية.
وانهارت حركة الناقلات في المضيق بأكثر من 90% خلال أيام، وقفزت أسعار النفط إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل، وبات أكثر من 150 ناقلة راسيةً خارج المضيق، عاجزةً عن المضيّ أو التراجع، أعلنت دول آسيوية كبرى – الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان – حالة تأهب قصوى في احتياطياتها الاستراتيجية، وفي خضمّ الأزمة، لم يكن براك يُدير ملف العقوبات أو المفاوضات السياسية فحسب. كان يعمل على شيء أكبر: إعادة تأهيل سوريا ممراً استراتيجياً للطاقة.
ويرى المحلل السياسي اللبناني ربيع الخولي في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن “توم براك ليس مبعوثاً عادياً، فالرجل الذي تولّى منصب سفير واشنطن في أنقرة ومبعوثها الخاص إلى دمشق في آنٍ واحد، يجمع بين خيوط ثلاث ملفات محورية في المنطقة: تركيا الرابطة البرية للطاقة، وسوريا العبور المحتمل، والعراق المنبع النفطي المحاصَر، وحين أعلنت بغداد وأربيل اتفاقهما على استئناف تصدير النفط العراقي عبر خط أنابيب كركوك-جيهان باتجاه الميناء التركي، سارع براك إلى نشر تغريدة ديبلوماسية نادراً ما تصدر بهذه الدفء: “شكراً جزيلاً لأربيل وبغداد على عملهما للتوصل إلى هذه الاتفاقية في هذا الوقت الحرج لاستئناف صادرات الطاقة وتحسين الرخاء في المنطقة”.
ويضيف الخولي: “لكن الأهم مما قاله براك هو ما بدأ يتشكّل خلف الكواليس: توجيه المسارات البرية للطاقة عبر الأراضي السورية، بعد أن أثبتت الأزمة أن البحار وحدها لم تعد ضماناً كافياً، وسوريا تحديداً يمكن أن تكون حاضرة بقوة بسبب الجغرافيا، ولكن الطريق طويل، والرهانات كبيرة، والعقبات حقيقية، وسوريا التي تحتاج إلى إعادة بناء كل شيء – من الكهرباء إلى الثقة – لن تتحوّل إلى بوابة طاقة بتصريح مبعوث أميركي، بل تحتاج إلى قرار استراتيجي سوري صافٍ، وإرادة إقليمية حقيقية، وسلام مستدام لا هدنة مؤقتة، وسوريا أمام فرصة تاريخية، لكنها لن تصنع المعجزات وحدها”.
تفاؤل حذر وتهديد يقلب الطاولة
وفي السياق ذاته، يكشف الخبير الاقتصادي العراقي الدكتور رشيد الراوي في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن العراق يدرس نقل ما بين 100,000 و200,000 برميل يومياً عبر مسارات برية تمرّ بسوريا والأردن، وهو رقم متواضع في المعطيات الراهنة، لكنه يُمثّل انطلاقةً لبنية تحتية ستبدو ضرورة وجودية بعد سنوات.
ويضيف أن سوريا تمتلك ما لا تمتلكه معظم دول المنطقة: موقعاً يجمع بين البر والبحر، فهي تتقاطع مع العراق شرقاً، وتطلّ على البحر المتوسط غرباً عبر ميناءَي طرطوس وبانياس، وهذا بالضبط ما يجعلها “الحلقة المفقودة” في أي ممر طاقة بري يصل الخليج بأوروبا، وخط بانياس – كركوك التاريخي، الذي كان يضخّ النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية قبل أن تتوقف عمليات ضخّه في أعقاب حرب الخليج، بات اليوم موضع دراسة جادة لإعادة التشغيل، كما يجري النقاش حول إمكانية مدّ فرع لخط الغاز القطري المقترح – الذي كان أحد محاور الخلاف قبيل الحرب السورية – عبر الأراضي السورية باتجاه تركيا فأوروبا.
ويحذر الراوي من الإفراط في حدود الطموح، مشيراً إلى “عقبات لا يمكن تجاهلها رغم حماسة المبعوث الأميركي فهي لا تلغي ثقل التحديات، فسوريا تخرج من حرب مدمّرة استمرّت أربعة عشر عاماً، وبنيتها التحتية منهكة، ومؤسساتها غير مكتملة، وخط الانتشار الأمني لا يزال هشّاً في مناطق عدة، والأهم أن قرارات الاستثمار بهذا الحجم تستلزم ضمانات قانونية وسياسية طويلة الأمد لا تستطيع أي حكومة انتقالية منحها وحدها، ويُضاف إلى ذلك أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لجميع البدائل المتاحة حالياً لمضيق هرمز – بما فيها خطوط السعودية والإمارات وخط سوميد المصري – لا تتجاوز نصف ما يمرّ عادةً عبر المضيق، وهذا يعني أن سوريا ليست حلاً سريعاً، بل رهان استراتيجي على المدى البعيد”.
ويشدد الراوي أيضاً من استعجال وضع سوريا في مواجهة مع إيران من خلال أنابيب الطاقة ذاتها، فالجغرافيا لا تعطي الأمان وحدها، وأي خط أنابيب يعبر سوريا سيكون هدفاً محتملاً لأطراف لا تريد لهذا المشروع النجاح.
ويضيف الراوي أن أي مشروع بهذا الحجم يتطلّب توافق إقليمياً بين دول متعددة المصالح والتوجهات: العراق الذي لا يزال يُرتّب علاقته مع إيران وتركيا، وقطر التي تنظر بعين قلقة إلى أي مشروع غازي قد يُقلّص نفوذها، وتركيا التي تريد أن تبقى هي البوابة الحصرية نحو أوروبا، فضلاً عن إسرائيل التي يُروَّج لتطبيع علاقتها مع دمشق كأحد مفاتيح هذا المشروع.
وفي نفس السياق نقلت وكالة الأنباء العراقية أمس عن وكيل وزارة النفط باسم محمد خضير قوله إن خط كركوك – بانياس غير صالح للعمل حاليا، ولدينا دراسة لإنشاء خط جديد من العراق إلى بانياس، وأن المشروع في طور إعداد التصاميم وتنفيذها، ويتطلب توفير مبالغ مالية كبيرة لإنشاء الأنبوب ومحطاته الوسطية ومستودعاته.
براك والرؤية الأشمل: سوريا جسراً حضارياً لا مجرد خط أنابيب
خبير الطاقة المهندس سفيان الطه يرى في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن الأزمة كشفت “فرصة استراتيجية غير مسبوقة لجعل سوريا بوابة الطاقة العربية نحو أوروبا، تجمع بين خطوط النفط الخليجي وغاز قطر ونفط كركوك وغاز بانياس في منصة تصدير موحدة، وهناك وعي واضح بأن الفرصة تاريخية، لكن ثمة أيضاً إدراك بأن سوريا لا تريد أن تتحوّل من ساحة حرب إلى “بقرة حلوب” لمصالح الآخرين دون استثمار حقيقي في بنيتها التحتية ومواطنيها.
ويضيف أنه وبقراءة متأنية لخطاب براك المتراكم عبر اتصالاته وتصريحاته منذ توليه ملف سوريا، تتضح رؤية استراتيجية تتجاوز النفط وحده، ففي كلمته الشهيرة خلال “حوار المنامة” دعا إلى “الاندماج لا العزلة” لسوريا، وفي مؤتمر صحيفة جيروزاليم بوست في ديسمبر 2025 تحدّث عن “ربط القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والبحر المتوسط عبر تركيا وإسرائيل” معتبراً إيران “العائق الوحيد” أمام هذا التحول، وبالتالي “ربط القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والمتوسط عبر تركيا سيُحوّل التجارة الإقليمية، وإيران هي العائق الوحيد”.
ويشير الطه إلى أنه حين مدح براك الاتفاقية التاريخية بين شركة شيفرون الأميركية والحكومة السورية لاستكشاف الغاز البحري في فبراير 2026، كان يضع حجر الأساس لمسار مختلف تماماً: سوريا كمنتجٍ للطاقة لا فقط ممرٍّ لها.
ويؤكد أن المشهد الأوسع هو منافسة ممرات وصراع نفوذ، فالمشهد لا يخلو من تنافس حاد، فبينما يُروّج براك لمحور سوريا-تركيا-أوروبا، ثمة مشروع موازٍ تسعى إليه إسرائيل يقوم على ضخّ النفط السعودي من ينبع عبر الأردن إلى ميناء إيلات، ومنه عبر الأنبوب القديم المدفون منذ السبعينيات إلى البحر المتوسط – متجاوزاً سوريا وتركيا معاً، وفي المقابل، تقود قطر وتركيا مشروعاً مختلفاً يُركّز على الممرات البرية للبيانات الرقمية عبر العراق وسوريا وصولاً إلى أوروبا، بما يُعزّز موقعهما كممرَّين لا غنى عنهما في اقتصاد العصر الرقمي، وهناك ستة مشاريع متنافسة مدعومة من السعودية وقطر والإمارات تتسابق لبناء ممرات بيانات برية نحو أوروبا عبر سوريا والعراق وأفريقيا الشرقية، وهذا التشابك بين الطاقة والبيانات والجغرافيا السياسية يضع سوريا في موقع فريد، فهي مطلوبة من الجميع، لكنها لم تنتهِ بعد من ترتيب بيتها الداخلي.
ويختم الطه: “لم يُصبح مضيق هرمز مجرد نقطة عبور بحرية، إنه اليوم مرآة لهشاشة النظام الطاقوي العالمي بأسره. وفي هذه المرآة، تبدو سوريا – لأول مرة منذ عقود – شريكاً لا مشكلة، وتوم براك يراهن على هذا التحوّل، وديبلوماسيته تجمع بشكل غير مسبوق بين خيوط الملف السوري والتركي والعراقي والإسرائيلي، وإذا ما نجحت الحكومة السورية في استثمار هذه اللحظة النادرة – بالاستثمارات الخليجية الضخمة، واتفاقيات الغاز مع شيفرون، وتطبيع العلاقات مع محيطها – فقد تجد نفسها بعد سنوات في قلب شبكة طاقة إقليمية لا يمكن الاستغناء عنها.
+963
——————————
====================
تحديث 02 نيسان 2026
——————————
سوريا… ممر اقتصادي أعادته حرب إيران/ تشارلز ليستر
تشهد انخفاضا في العنف بنسبة 73 في المئة أواخر 2025
01 أبريل 2026
دفعت العمليات العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل شهر بالشرق الأوسط إلى أتون صراع مرير، عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية على ما لا يقل عن 12 دولة في أنحاء المنطقة.
وإلى جانب آلاف القتلى الذين سقطوا جراء العمليات الأميركية-الإسرائيلية في إيران ولبنان والعراق، قُتل ما لا يقل عن 37 شخصا في الاعتداءات الإيرانية على الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت والبحرين وقطر وتركيا وإقليم كردستان العراق.
كذلك أحدثت الضربات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج، وإغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، ارتدادات اقتصادية عالمية حذر خبراء بارزون من أنها قد “تدفع الاقتصاد العالمي إلى انحدار حاد نحو ركود عميق”.
في خضم هذا الصراع الإقليمي الواسع، سجلت سوريا، على نحو لافت، أكثر أشهرها استقرارا منذ 15 عاما. لم تكن العملية الانتقالية السورية، بعد نحو 14 عاما من النزاع الأهلي، سلمية تماما، وقد أعادت موجتان قصيرتان لكنهما شديدتا الدموية من العنف في الساحل وفي محافظة السويداء الجنوبية التذكير بمدى هشاشة هذه المرحلة. ومع ذلك، ظل الاتجاه العام يميل إلى مزيد من الاستقرار.
وبحسب بيانات جمعتها منصة “سيريا ويكلي” (Syria Weekly)، تراجع العنف القاتل في سوريا بنسبة 30 في المئة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025، ثم هبط بنسبة 73 في المئة في الثلث الأخير من العام. وعلى الرغم من فترة وجيزة من القتال في شمال شرقي سوريا خلال يناير 2026، سجل شهرا فبراير/شباط ومارس/آذار 2026 أدنى مستويات متتالية للعنف على الإطلاق، إذ شهد مارس سقوط 23 قتيلا فقط في أعمال عنف مباشرة. ويقل هذا الرقم بنسبة 60 في المئة عن المستوى القياسي المتدني المسجل في فبراير 2026، حين بلغ عدد القتلى 58، كما يقل بنسبة 94 في المئة عن المتوسط الشهري البالغ 356 قتيلا في مرحلة ما بعد الأسد.
وعلى الصعيد الداخلي، كان غياب أي تكرار للعنف الكارثي الذي ضرب الساحل والسويداء في 2025 العامل الأبرز في تعزيز الاستقرار العام في سوريا. ويضاف إلى ذلك أن عنف الجماعات الأهلية وعمليات الاغتيال المستهدفة، وهما العامل الأكثر ثباتا وتأثيرا في العنف القاتل خلال 2025، بمتوسط بلغ 75 حالة وفاة شهريا، تراجعا حتى الآن في 2026 بنسبة 87 في المئة، ليهبط المتوسط إلى 10 وفيات شهريا بين يناير ومارس.
ومع أن تنظيم “داعش” لا يزال يمثل تحديا داخليا مزمنا، فإنه تلقى ضربة كبيرة منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وقياسا إلى عام 2024، انخفضت هجمات التنظيم في 2025 بنسبة 50 في المئة، فيما تراجعت الخسائر الناجمة عنها بنسبة 76 في المئة. وحتى الآن في 2026، تراجعت هجمات التنظيم بنسبة إضافية بلغت 26 في المئة، وانخفض عدد الضحايا بنسبة 13 في المئة أخرى. كما يتجلى مسار الاستقرار السوري بوضوح على المستوى الجغرافي في نماذج مثل الساحل، الذي انتقل من كونه المنطقة الأكثر اضطرابا في سوريا خلال النصف الأول من 2025 إلى المنطقة الأكثر استقرارا بصورة منتظمة في النصف الثاني من العام نفسه. وقد استمر هذا الاتجاه الإيجابي في 2026، إذ تراجع العنف في اللاذقية وطرطوس بنسبة إضافية بلغت 71 في المئة مقارنة بالفترة الممتدة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2025.
ومع أن الطريق لا يزال طويلا أمام سوريا، وأن التحديات الداخلية الجسيمة ما زالت قائمة، فإن الاستقرار التدريجي الذي تشهده يمثل تطورا مشجعا للغاية، لسوريا وشعبها أولا، وللشرق الأوسط والعالم على نطاق أوسع أيضا. فعلى مدى سنوات طويلة، لم تصدّر سوريا إلى جوارها سوى الإرهاب والتهديدات والجريمة المنظمة والفساد، بما رسخ المقولة الشائعة: “ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا”. أما احتمال أن يرسخ الانتقال السوري أقدامه ويكتب له النجاح، فيحمل وعدا بأن يقلب دلالة هذه العبارة رأسا على عقب، فتغدو سوريا مصدرا للاستقرار والازدهار والترابط.
هذه هي الرواية التي تطرحها سوريا في مرحلتها الانتقالية. وعلى الرغم من التحديات الواضحة التي تحيط بالبلاد وبالتحول الجاري فيها، فقد حظيت هذه الرواية بتأييد أطراف كثيرة، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والشرق الأوسط والصين. ومع دخول الحرب في الشرق الأوسط شهرها الثاني، تزداد هذه الرؤية رسوخا من الناحية الاقتصادية أيضا.
ومنذ ربيع 2025، قدمت سوريا نفسها مفتاحا لفتح مسارات أكثر موثوقية وكفاءة ومباشرة للربط بين آسيا وأوروبا، سواء في التجارة أو الطاقة أو الاتصالات أو غيرها. وقبل اندلاع الصراع الإقليمي الراهن، كان مضيق هرمز والبحر الأحمر يبدوان مسارين يزدادان هشاشة وبطئا والتفافا بالنسبة إلى حركة التبادل العالمي. أما اليوم، ومع امتداد النزاع إلى هذين الممرين نفسيهما، فقد برزا نقطتي اختناق لم تعودا قابلتين للاستدامة استراتيجياً بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
وقد وجدت محاولة سوريا تقديم نفسها حلا لمشكلة اقتصادية إقليمية وعالمية مزمنة تتكشف ملامحها بوضوح متزايد، وجدت داعما مبكرا في السعودية، التي أبرمت بالفعل عقودا بمليارات الدولارات لوضع سوريا في قلب ثورة إقليمية في قطاع الاتصالات. وفي إطار دعم ما سمته الحكومة السورية “مشروع سيلك لينك”، ستمتد كابلات الألياف الضوئية من أسبانيا عبر البحر المتوسط، من خلال “كابل ميدوسا” المتعاقد عليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم تعبر الأراضي السورية وصولا إلى الخليج وآسيا. وعند اكتمال المشروع، سيخفض “سيلك لينك” زمن انتقال الإنترنت في أنحاء المنطقة بمقدار يتراوح بين 30 و40 ميلي ثانية، بما يفتح الباب أمام فرص في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتداول المالي والطب الروبوتي عن بُعد، وهي مجالات يصعب عمليا تطويرها بالسرعات التي تتيحها حاليا الكابلات المارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
ولا يقتصر هذا التوجه على قطاع الاتصالات وحده. فقد بذلت إدارة ترمب الأميركية أيضا جهدا كبيرا لتقديم سوريا كمركز مستقبلي، أو ممر عبور، لتدفقات الطاقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا، بما يتيح تجاوز المسارات البحرية الأقل كفاءة، والأعلى كلفة في كثير من الأحيان، والأكثر عرضة للمخاطر. وخلال عام 2025 وحده، أفضت الجهود المدعومة أميركياً لإحياء قطاع الطاقة السوري إلى عقود استثمارية بقيمة 28 مليار دولار، بمشاركة بعض أكبر الشركات العالمية في تلك المحادثات، ومنها “شيفرون”، و”كونوكو فيليبس”، و”توتال”، و”قطر للطاقة”، و”إيني”، و”أديس القابضة”، و”طاقة”، و”دانة غاز”.
ومنذ سقوط الأسد، دخل الخدمة خط أنابيب جديد بين أذربيجان وتركيا وحلب، فيما تتواصل المحادثات لإحياء أو إنشاء خط أنابيب الغاز القطري-التركي، وخط الغاز العربي، وخط أنابيب كركوك بانياس، وجميعها تمتد إلى سوريا وعبرها في اتجاه الأسواق الأوروبية. وإذا كتب لهذه المشاريع أن ترى النور، فإنها ستحدث تحولا في أسواق الطاقة الإقليمية، وستسهم في معالجة المعضلات العالمية الخانقة الناجمة عن الاعتماد على مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر. كذلك تعهدت الحكومة العراقية بتصدير 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهريا عبر المسارات البرية التي تمر بسوريا طوال صيف 2026.
ومع أن مسار الاستقرار في سوريا بات واضحا، فإن البلاد لا تزال هشة، كما يواجه انتقالها السياسي عددا كبيرا من التحديات الداخلية والخارجية. وإذا كان عام 2025 قد شهد استثمارا سياسيا كبيرا من الحكومة الانتقالية، ونجاحا في ترسيخ شرعية سوريا على الساحة الدولية، فإن عام 2026 سيكون عام اختبار للتحديات الداخلية المرتبطة بالاقتصاد، وبمدى تماسك مجتمعها المتنوع ووحدته. كذلك فإن الأسئلة المعلقة حول العدالة الانتقالية، والحاجة إلى توسيع قاعدة التمثيل في الحكم، إلى جانب تشكيل برلمان، ونجاح دمج الشمال الشرقي، ستحدد جميعها ما إذا كان الاستقرار سيواصل تقدمه.
وتواجه سوريا أيضا أكبر تهديد من الذخائر غير المنفجرة في العالم، وهو خطر يهدد الأرواح ويعرقل التعافي الاقتصادي في آن، وأكثر ما يتركز ذلك في المناطق الريفية. ومنذ سقوط الأسد، قُتل أكثر من 700 شخص في نحو 850 حادثا ناجما عن هذه الذخائر، ومعظمها ألغام أرضية. وقد بذلت الحكومة السورية جهودا حثيثة لمعالجة هذه المعضلة، بالتعاون مع منظمات غير حكومية. ومن خلال حملات التوعية العامة، وجهود إزالة الألغام على المستوى المحلي، تراجع أثر الذخائر غير المنفجرة تدريجيا خلال عام 2025، إذ قُتل 329 شخصا في الربع الأول، و154 في الربع الثاني، و87 في الربع الثالث، و56 في الربع الرابع. غير أن الربع الأول من عام 2026 شهد ارتفاعا جديدا في حوادث هذه الذخائر، مع مقتل 81 سورياً إضافياً، بما يؤكد الحاجة إلى دعم دولي كبير.
كما يحتاج تعافي سوريا واستقرارها إلى قدر من الاستقرار الإقليمي والدولي. وحتى الآن، بقيت سوريا بعيدة إلى حد كبير عن الأعمال العدائية الجارية في المنطقة، باستثناء أربع هجمات بطائرات مسيرة نفذتها جماعات موالية لإيران انطلاقا من العراق المجاور، وقصف مدفعي واحد شنه “حزب الله” من لبنان، دون أن يسفر أي منها عن خسائر بشرية. إلا أن الارتدادات الأوسع للصراع الإقليمي ستفضي حتما إلى تقييد وتيرة الاستثمار أو إبطائها، كما ستحد من قدرة المستثمرين الدوليين على زيارة دمشق لاستكشاف الفرص الجديدة. ويتيح موقع سوريا في قلب الشرق الأوسط فرصا اقتصادية واسعة، لكنه يعني أيضا أن مطار دمشق الدولي ظل مغلقا طوال شهر كامل.
ومع أن طبيعة السلطات الانتقالية في سوريا ما زالت مصدر قلق لكثيرين، فإن احتمال أن تصبح سوريا نقطة ارتكاز في الترابط الاقتصادي الإقليمي والازدهار المشترك هو ما حشد خلف دمشق طيفا واسعا من الأطراف الإقليمية والدولية. ولكي يتحول هذا التصور إلى واقع، يتعين على الحكومة الانتقالية السورية أن تتجاوز كماً كبيراً من العقبات الداخلية، وأن تضطلع بمسؤوليات جسيمة. كما ستؤدي القرارات التي سيتخذها المجتمع الدولي دورا حاسما في تحديد مدى واقعية هذا الأفق السوري. ومن هذه الزاوية، ربما يكون الصراع الإقليمي قد أظهر بوضوح أكبر المزايا المحتملة التي تنطوي عليها الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية التي تطرحها سوريا على العالم، غير أن استمرار الحرب زمنا طويلا قد يجعل تحقيق هذه الرؤية أقل احتمالا.
المجلة
——————————–
بريطانيا تختبر الاستثمار في سوريا.. هل تبدأ مرحلة تمويل إعادة الإعمار؟
2026.04.01
لا تقتصر زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة المتحدة على الملفات السياسية والأمنية، بل تفتح مدخلاً لنقاش اقتصادي يتقدم بهدوء في خلفية المشهد، فإلى جانب قضايا الهجرة وأمن الحدود، يبرز ملف الاستثمار وإعادة الإعمار كأحد المحاور التي تحاول دمشق ولندن اختبارها في هذه المرحلة.
وفي إطار زيارته إلى لندن، عقد الشرع، برفقة وزير الخارجية والوفد الوزاري المرافق، لقاءً مع ممثلين عن كبرى الشركات البريطانية ورجال أعمال بريطانيين وسوريين، في خطوة تعكس حضور الملف الاقتصادي والاستثماري ضمن أجندة الزيارة.
وفي هذا السياق، برزت تقارير نقلتها مصادر صحفية سورية وبريطانية، عن توجه الحكومة البريطانية لتفعيل أدوات “تمويل الصادرات” عبر وكالة “UKEF” الحكومية، بهدف دعم الشركات البريطانية الراغبة في دخول السوق السورية.
وتأتي الزيارة في وقت تُبدي فيه شركات بريطانية اهتماماً بالاستثمار في سوريا، إلا أنها lا تزال مترددة، رغم رفع العقوبات الأميركية والبريطانية العام الماضي، بسبب المخاوف الأمنية، وفق ما ذكرت صحيفة “ذا ناشيونال”.
هيئة الاستثمار السورية تتحرك في لندن لجذب المستثمرين
في موازاة الحديث عن انفتاح اقتصادي محتمل، تكشف تحركات هيئة الاستثمار السورية عن محاولة نشطة لتسويق السوق السورية أمام المستثمرين في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، سوريين كانوا أم أجانب، مستفيدة من قانون الاستثمار الجديد والإصلاحات الإدارية الجارية.
ويعوّل المدير العام للهيئة، طلال الهلالي، على هذه التعديلات لإعادة تقديم سوريا كوجهة استثمارية، مشيراً إلى أن العمل لا يقتصر على النصوص القانونية، بل يشمل تحديث آليات العمل داخل المؤسسة نفسها.
وخلال زيارة أجراها إلى العاصمة البريطانية سبقت زيارة الرئيس الشرع، عقد الهلالي لقاءات مع رجال أعمال سوريين مقيمين في بريطانيا، إلى جانب ممثلين عن بنوك وشركات إنشاءات، كما التقى وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني.
وركزت لقاءات الهلالي على تشجيع ما وصفه بـ”الدخول المبكر” إلى السوق السورية، داعياً رجال الأعمال السوريين في الخارج إلى الاستثمار في المرحلة الحالية رغم التحديات، بدل انتظار تحسن البنية التحتية والخدمات بشكل كامل.
ماذا يعني “تمويل الصادرات”؟
ولا تعتبر أداة “تمويل الصادرات” في المملكة المتحدة مجرد دعم مالي أو تقني، بل هي آلية سياسية اقتصادية تسمح للحكومة بفتح الأسواق الخارجية أمام شركاتها، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في بيئات غير مستقرة.
ويمكن النظر إلى استخدامها في الحالة السورية إلى أن المملكة المتحدة تدرس، ولو تدريجياً، الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل في إعادة تشكيل الاقتصاد السوري.
أين تتجه شهية الشركات البريطانية؟
وتعكس القطاعات المطروحة أمام المستثمرين أولويات إعادة الأعمار، فضلاً عن طبيعة المصالح الغربية، ومدى قابليتها للتمويل عبر أدوات مثل “UKEF”، التي تفضل المشاريع الكبيرة ذات العوائد الطويلة الأمد.
ومن أبرز هذه القطاعات:
الطاقة: من إنتاج الكهرباء إلى إعادة تأهيل الشبكات.
النقل: طرق، وسكك حديد، ومشاريع لوجستية.
المطارات: تحديث البنية التحتية وربط سوريا إقليمياً.
الخدمات الحضرية: المياه، والصرف الصحي، وإدارة المدن.
ويفتح دخول شركات بريطانية إلى هذه المجالات في سوريا الباب أمام نمط جديد من الشراكات، حيث تتقاطع الاستثمارات البريطانية مع استثمارات سبق أن أعلنتها دول مثل قطر والسعودية، ما يخلق مشهداً تنافسياً على إعادة الإعمار.
ويأتي ذلك في وقت تراهن فيه الحكومة السورية على قانون الاستثمار الجديد كأداة جذب، عبر تقديم حوافز تشمل إعفاءات ضريبية واسعة، والسماح بالملكية الأجنبية الكاملة، إلى جانب وعود بتبسيط الإجراءات وتقليل تدخل الجهات الحكومية.
مخاطر أمنية ومالية وإدارية
وعلى الرغم من هذا الانفتاح، ما تزال البيئة الاستثمارية في سوريا تحمل قدراً عالياً من المخاطر، فالفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي تبقى أحد أبرز التحديات، خصوصاً في ما يتعلق بحماية المستثمرين، وشفافية الإجراءات، واستقلالية المؤسسات.
كما أن مسألة العقوبات لم تحسم بالكامل، وهو ما يضع الشركات الغربية أمام فرص كبيرة مقابل مخاطر قانونية ومالية، في حين قد تخفف أدوات التمويل الحكومية مثل “UKEF” جزءاً من هذه المخاطر، لكنها لا تلغيها.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن استقرار البيئة الأمنية والإدارية يبقى شرطاً أساسياً لأي استثمار طويل الأمد، وهو شرط ما يزال قيد الاختبار في العديد من المناطق.
تلفزيون سوريا
——————————
بين هرمز والمتوسط: كيف تعيد سوريا تسويق وزنها الجغرافي؟/ هبا أحمد
أبريل 2, 2026
لم تعد الملاذات الآمنة تقليدية، أي مرتبطة بالأدوات المعروفة من الذهب والسندات والأسهم وما إلى ذلك، بل تخطتها إلى ما يمكن اعتباره ملاذات غير تقليدية مرتبطة بالموقع الجغرافي. فعلى أثر الحرب الأميركية “الإسرائيلية” على إيران، تعود الجغرافيا مرة أخرى لتكون فاعلا أساسيا في تحديد الاتجاهات الاقتصادية الدولية الجديدة.
ومن الموقع الجغرافي تعيد سوريا صياغة دورها كفاعل لا غنى عنه راهنا ومستقبلا، مستفيدة من اللحظة الدولية البالغة الخطورة، لتكون، ولتضع نفسها، في مقدمة الخطوط التجارية الإقليمية البديلة للخطوط التقليدية التي اعتادها العالم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتستفيد من ذلك في مرحلة البناء الاقتصادي وبناء الدولة.
وتتمتع سوريا بموقع استراتيجي يربط بين قارات العالم الثلاث، مما يجعلها ممرا بريا وبحريا حيويا للتجارة وسلاسل الإمداد العالمية والإقليمية، إضافة إلى أن موقع سواحلها على البحر الأبيض المتوسط يسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية، في حين تربط برا بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج، وبالتالي يفرض موقعها ممرا إجباريا محتملا للطاقة والبضائع.
وفي ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وتأثيرها على خطوط الإمداد والطاقة وسلاسل التوريد، بدأ الإقليم، ومن ضمنه سوريا، التفكير في خطوط بديلة وإعادة إحياء مشاريع قديمة تعثر معظمها بفعل الأحداث التي غيرت وجه المنطقة خلال العقد الماضي، لكن السؤال المطروح اليوم هو: إلى أي مدى يمكن أن تعوض هذه المشاريع ما يفقد مع استمرار الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز والتهديدات المحيطة بمضيق باب المندب؟ وماذا عن المدد الزمنية لإعادة إحياء هذه المشاريع والتكاليف المرتبطة بها؟
سوريا والفرص الاقتصادية
مما لا شك فيه أن الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز يفتح أمام سوريا مجموعة من الفرص الاقتصادية التي يمكن استغلالها لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى محركات للنمو والتعافي، والتي تستند بشكل أساسي إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا وإمكاناتها في التحول إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي.
لكن عند الحديث عن سوريا، وهي الخارجة لتوها من حرب خلفت أضرارا هائلة في البنى التحتية كافة، وعلى وجه الخصوص المتعلقة بخطوط الإنتاج والطاقة، تصبح الأسئلة أكثر إلحاحا، وتغدو الحاجة إلى طرحها والإجابة عنها بدقة وموضوعية أكبر، بما يتماشى مع معطيات الواقع التي يتداخل فيها الأمني مع السياسي والاقتصادي، والإقليمي والدولي، مع إعادة التشبيك مع العالم وصياغة تحالفات وعلاقات جديدة.
وأمنيا، إلى حد ما، وفي الكثير من المواضيع الأمنية، تخطت سوريا أشواطا لا بأس بها، ولا سيما بعد الاتفاق مع “قسد”. وسياسيا، تشهد سوريا حركة سياسية ودبلوماسية نشطة وواسعة باتجاهين: العالم باتجاه سوريا، والأخيرة باتجاه العالم، وكان آخرها زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى كل من ألمانيا وبريطانيا، والاجتماعات التي شهدتها الزيارتان، والاتفاقيات التي تم التوصل إليها في مجالات عدة، بمعنى أن الأرضية السياسية والدولية باتت مهيأة لسوريا لتستعيد دورها.
إلا أنه اقتصاديا، وعند الحديث عن إعادة إحياء مشاريع قديمة مرتبطة بسلاسل التوريد والإمداد والطاقة، يجب التوقف لبحث مدى واقعيتها، أقله راهنا، إذ لا يزال الوضع الاقتصادي السوري هشا، فمثل هذه المشاريع والخطوط البديلة التي يتم الحديث عنها راهنا على خلفية الحرب تحتاج إلى مبالغ تصل إلى مليارات الدولارات، وهنا الحديث عن السكك الحديدية وسلاسلها؛ إلا أن الربط البري يبقى الأنجع.
وبطبيعة الحال، فإن ما سبق ذكره، بقدر ما يقدم توصيفا للواقع، إلا أنه لا يقلل من أهمية موقع سوريا، وأنها مرشحة لتكون أحد المسارات البديلة ضمن سلاسل الإمداد والتوريد في سياق إعادة تشكيل وتعريف الجغرافيا الاقتصادية للعالم، كما أن هذه المرحلة، على خطورتها الإقليمية والدولية، تعد من أفضل المراحل لإعادة إنتاج صيغ وعلاقات وخطوط اقتصادية إقليمية ودولية.
سوريا كملاذ آمن
في زيارته إلى ألمانيا، أكد الرئيس الشرع، خلال مشاركته في اجتماع طاولة مستديرة مع عدد من ممثلي الشركات الألمانية في وزارة الخارجية الألمانية في برلين، أن سوريا، بفضل موقعها الاستراتيجي، تشكل ملاذا آمنا لسلاسل توريد الطاقة، وتوفر فرصا استثمارية واعدة، مؤكدا في الوقت ذاته امتلاكها مخزونا كبيرا من الموارد البشرية المؤهلة، ما يعزز جاذبية بيئة الاستثمار فيها.
ويتزامن كلام الرئيس الشرع مع الرؤية الاقتصادية حول مبادرة البحار الأربعة التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السوري أسامة قاضي لـ”الشرق الأوسط”، وهي عبارة عن خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط “التابلاين” التاريخي، بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية إلى منصة لوجستية عالمية تربط ثلاث قارات.
وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يوميا بعيدا عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالميا، كما تهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة “الابتزاز الجيوسياسي” المرتبط بمرور أكثر من 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.
وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية، ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخما استثنائيا بوصفها بدائل مستدامة.
الجغرافيا نقطة انطلاق
يرى الدكتور باسل سعيد علي، عضو الهيئة التدريسية في قسم التمويل والمصارف بكلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق، ومدير المعهد الإحصائي سابقا، أن سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار، بل إلى إعادة تعريف نفسها اقتصاديا.
ويطرح الدكتور علي السؤال التالي: لماذا تملك سوريا فرصة جغرافية استثنائية؟ ويجيب: تقع سوريا في قلب المشرق، وتربط بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وشرق المتوسط، ما يجعلها مؤهلة لتكون ممر عبور إقليميا للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية. كما أن امتلاكها شريطا ساحليا على المتوسط يبلغ نحو 183 كيلومترا يضيف بعدا بحريا مهما يمكن استثماره في الموانئ والمناطق الحرة والخدمات البحرية. وهذه الميزة الجغرافية لا تعني بالضرورة ازدهارا تلقائيا، لكنها تعني أن سوريا تمتلك ما يسمى في الاقتصاد “الأصل المكاني” الذي يمكن تحويله إلى قيمة مضافة إذا توفرت السياسات الصحيحة.
وتشير التوقعات والأبحاث الاقتصادية إلى أنه، وفي مراحل مختلفة من تطور الحالة الاقتصادية في سوريا، ارتفع دور النقل والترانزيت إلى ما بين 10 و15 في المئة من النشاط الاقتصادي الجديد في مرحلة التعافي، مع إمكان نمو حركة البضائع عبر الممرات البرية بنسبة 30 إلى 50 في المئة خلال السنوات الأولى من الاستقرار، وإمكانية خفض كلفة النقل الإقليمي بنسبة 15 إلى 20 في المئة إذا تحسنت المعابر والطرق.
في أي قطاعات يمكن أن تظهر الفرصة الاقتصادية؟
يوضح عضو الهيئة التدريسية أن أهم القطاعات التي يمكن أن تستفيد من الجغرافيا السورية هي النقل واللوجستيات، والساحل والمرافئ، والزراعة، والصناعات الغذائية، ثم الطاقة وإعادة الإعمار. فكل قطاع من هذه القطاعات يرتبط مباشرة بموقع سوريا ومواردها وتوزيعها السكاني.
وفي النقل واللوجستيات يمكن لسوريا، في حال استقرار المعابر والطرق الدولية، أن تتحول إلى منصة عبور بين الداخل العربي وشرق المتوسط. وفي السيناريو الإيجابي، قد يشكل قطاع النقل والخدمات اللوجستية ما بين 10 و15 في المئة من النشاط الاقتصادي الجديد. كما يمكن أن ترتفع حركة الترانزيت البري بنسبة 30 إلى 50 في المئة خلال السنوات الأولى من الاستقرار، مع خفض كلفة النقل الإقليمي بنحو 15 إلى 20 في المئة إذا تحسنت البنية الطرقية والمعابر.
وبين الدكتور علي، في هذا السياق، أهمية الساحل السوري، فالساحل ليس مجرد شريط جغرافي، بل يمكن أن يتحول إلى منصة استثمارية بحرية. فالمرافئ، والمناطق الحرة، والسياحة الساحلية، والصناعات المرتبطة بالنقل البحري، كلها فرص قابلة للنمو إذا توفر الاستقرار.
وفي قطاع الزراعة والصناعة الغذائية، تمتلك سوريا قاعدة زراعية يمكن إعادة بنائها بسرعة نسبية مقارنة بقطاعات أخرى. وإذا جرى الاستثمار في الري والتخزين والتصنيع الغذائي، يمكن لهذه القطاعات أن تتحول إلى رافعة أساسية للتشغيل والأمن الغذائي. فمن الممكن أن ينمو الإنتاج الزراعي بنسبة 10 إلى 15 في المئة سنويا في المراحل الأولى من التعافي، كما يمكن أن تنخفض فاتورة استيراد الغذاء بنسبة 20 إلى 30 في المئة خلال 3 إلى 5 سنوات. كما أن نمو الصناعات الغذائية قد يصل إلى 15 في المئة سنويا إذا توفر التمويل والاستقرار.
هل يمكن اعتبار سوريا ملاذا آمنا؟
تشير الأرقام والتوقعات إلى أنه، وفي حال النجاح في توفير البيئة اللازمة، فإننا سنشهد تدفق استثمارات أولية بين 1 و3 مليارات دولار سنويا في السيناريو المتحفظ، ووصول التدفقات إلى 5 مليارات دولار أو أكثر سنويا إذا توفرت الضمانات القانونية والمالية، ونمو قطاعات العقار والطاقة والاتصالات واللوجستيات بأسرع وتيرة في حال تحسن بيئة الأعمال، ونموا اقتصاديا سنويا بين 5 و10 في المئة في السيناريو المتوسط إذا بدأت إصلاحات حقيقية، مع إمكانية الوصول إلى 12 في المئة أو أكثر في السيناريو المتفائل مع تدفقات استثمارية واسعة، وتراجعا تدريجيا في التضخم إلى نطاق 20 إلى 40 في المئة خلال المرحلة الانتقالية إذا نجحت السياسة النقدية.
وحول واقعية أن تتحول سوريا إلى ملاذ آمن، لفت الدكتور علي إلى أن الكلام واقعي من حيث الإمكانات؛ أي إن سوريا تملك المقومات الجغرافية والاقتصادية التي تسمح لها بأن تصبح بيئة جذب واستقرار.
وبالتالي، إذا تحقق ذلك، فإن سوريا لن تكون مجرد دولة خارجة من الأزمة، بل يمكن أن تصبح نقطة ارتكاز اقتصادية في شرق المتوسط. فسوريا تملك موقعا جغرافيا استثنائيا يؤهلها لأن تصبح ملاذا اقتصاديا. وفي السيناريو الإيجابي، يمكن أن تنمو قطاعات النقل والزراعة والساحل والخدمات بمعدلات بين 10 و15 في المئة، وأن تجذب استثمارات بمليارات الدولارات، لكن كل ذلك يبقى مشروطا بإصلاحات حقيقية لا شكلية.
سوريا والإقليم بمعناه الأوسع
وفي السياق، وربطا بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا وموقع سوريا الجيواستراتيجي الذي يعاد صياغته، ذكر المستشار والخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن هاتين الزيارتين تشكلان منعطفا استراتيجيا في مسار العلاقات السورية الأوروبية ككل، حيث تسعى سوريا إلى الانتهاء من مرحلة التثبيت السياسي للولوج إلى مرحلة الاندماج الاقتصادي في الفضاء الأوروبي.
ويقول عربش في تصريح لـ”الثورة السورية”: “بالتالي تعكس هذه الزيارة المزدوجة توجها أوروبيا بأن سوريا لم تعد مجرد ساحة أزمات، بل بدأت تعيد اكتشاف موقعها الجيواستراتيجي الأصيل كحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وعمق القارة الآسيوية. وفي هذه الجغرافيا، تتزاحم الشركات الأوروبية للاستثمار ليس فقط في سوريا كبلد يحتاج إلى كل شيء لإعادة الإعمار، بل في الإقليم بمعناه الواسع، حيث تتداخل سلاسل التوريد والممرات اللوجستية”.
وبين عربش أن زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا كانت فرصة لسبر شراكات استراتيجية في الطاقة وإعادة الإعمار، إذ شهدت توقيع مذكرات تفاهم مع شركات ألمانية كبرى، في مقدمتها “سيمنس” (Siemens) لتطوير شبكات الطاقة، و”كناوف” (Knauf) في قطاع مواد البناء والتشييد.
أما زيارة بريطانيا، حسب الخبير الاقتصادي، فهي خطوة تمثل امتدادا طبيعيا للزخم الذي بدأ في برلين، لكنها تحمل أبعادا جيوستراتيجية إضافية، مما يشير إلى تنسيق أوروبي متزايد حول الملف السوري، مع خصوصية بريطانيا ببعدها المالي والاستثماري العالمي.
فإعادة التواصل مع المستثمرين الألمان والبريطانيين تمثل نقلة نوعية من مرحلتين: مرحلة إعادة الإعمار الفوري، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في قطاعات التشييد والبنية التحتية في خلق فرص عمل سريعة وتحفيز الطلب المحلي، ومرحلة التحول الهيكلي، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في الطاقة والخدمات اللوجستية في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد السوري ليكون أكثر تنوعا وأقل اعتمادا على الاستيراد.
مركزية سوريا في معادلات الاستقرار
وذكر عربش أن الاستثمارات الأوروبية في قطاع الطاقة وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ثم قطاع الخدمات اللوجستية والنقل، خاصة في ضوء التداول بمشاريع أنابيب نقل النفط والغاز العراقي والقطري عبر سوريا بطاقة قد تصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا، وتكرير مليون برميل، على سبيل المثال، لا تقتصر منافعها على سوريا فقط، بل تمتد لتشمل أوروبا التي تبحث عن مصادر طاقة بديلة. وبالتالي، فإن البعد الاستراتيجي المتمثل في سوريا كممر للطاقة والتجارة موجود على طاولة المباحثات في لندن.
وفي المحصلة، وفي خضم المتغيرات الإقليمية والدولية، تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا أكثر من مجرد لقاءات دبلوماسية، إنها لحظة إعادة اكتشاف لمركزية سوريا في معادلات الاستقرار والربط الإقليمي. فمع نتائج الحرب، بعد أن تضع أوزارها، يمكن أن تجعل من سوريا الممر البري الحيوي الذي يعيد تعريف الربط بين الشرق والغرب.
ومع استمرار الحرب في بعض جبهات المنطقة، يظل الرهان على أن الاستقرار المستدام والسلام هما المدخل الحقيقي لتحقيق المصالح الاقتصادية الكبرى، وأن سوريا، بموقعها الفريد، قادرة على أن تكون جسرا لا حاجزا، وممرا لا ساحة صراع.
الثورة السورية
——————————
زيادة الرواتب في سوريا وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي/ يحيى السيد عمر
أبريل 2, 2026
زيادة الرواتب والأجور في سوريا تُمثّل خطوة اقتصادية واجتماعية مُهمة في ظل التحديات المعيشية التي يواجهها السوريون، وذلك بهدف تحسين مستوى الدخل وتعويض جزء من التراجع في القدرة الشرائية للأُسر، ما يعكس توجُّه الدولة نحو تعزيز الاستقرار المالي والاجتماعي.
الزيادة تُتيح للموظفين تغطية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والسكن والطاقة والخدمات اليومية بشكل أفضل نسبيًّا، وهو ما يُخفِّف الضغوط المالية ويمنح الأُسَر شعورًا بالاستقرار والأمان، فالتحسُّن لا يشمل الموظفين فقط، ولكن أيضًا الأُسَر التي يعولونها؛ حيث يُمكنهم الموازنة بين المصاريف الضرورية والإنفاق على جوانب أخرى تُحسِّن جودة حياتهم اليومية.
كما أن ارتفاع الرواتب يؤدي إلى تحفيز الدورة الاقتصادية، فزيادة دَخل الأُسَر تعني زيادة الإنفاق على السلع والخدمات الأساسية، وهو ما يمنح الأسواق دَفْعة، ويُنعِش حركة التجارة ويُحفّز التجار والمؤسسات التجارية على تحسين جودة منتجاتهم وزيادة الإنتاج، وبالتالي خَلْق فرص جديدة لبعض العاملين في الأسواق، كما يُسهم في دوران أكبر للأموال، مما يُعزّز النشاط الاقتصادي بشكل عام.
يُسهم رفع الأجور في تخفيف الضغوط المعيشية عن الأُسَر؛ من خلال تعزيز القدرة الشرائية، وتحسين مستوى الدخل، مما يمنح المواطنين شعورًا بالراحة والاطمئنان في مواجهة تكاليف الحياة اليومية. كما تُوفّر زيادة الرواتب فرصة لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي؛ حيث يمكن استثمار هذا التحسُّن في دعم النشاط الاقتصادي وتشجيع السياسات التي تهدف إلى تطوير الخدمات وتحسين جودة حياة المواطنين، مع الاستمرار في متابعة العوامل الاقتصادية لضمان الاستفادة المستدامة للجميع.
مع ذلك، تحمل زيادة الرواتب آثارًا سلبية على الاقتصاد؛ أبرزها: زيادة معدلات التضخم، فالضخ النقدي الكبير في الأسواق وزيادة الطلب يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام، خاصةً في ظل ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد. وبالتالي فإن ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والطاقة والخدمات الأساسية يجعل جزءًا من الدخل الإضافي مخصصًا لتغطية هذه النفقات. زيادة الرواتب بهذا الشكل قد تفقد جزءًا من قيمتها الفعلية مع استمرار ارتفاع الأسعار، وهو ما يَحُدّ من التأثير الإيجابي للزيادة على القدرة الشرائية.
الأثر السلبي للتضخم يمتدّ إلى الفئات غير المستفيدة من الزيادة؛ مثل العاملين في القطاع الخاص وغير الموظفين. هؤلاء سيواجهون ارتفاعًا في الأسعار دون أيّ زيادة في الدخل، ما يزيد الضغوط على حياتهم اليومية ويَحُدّ من قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية. كما أن أنماط الإنفاق لهذه الأُسَر تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الدخل يُخصَّص للضروريات فقط، مع تراجُع القدرة على الإنفاق على احتياجات إضافية. هذا الوضع يظهر التفاوت في استفادة شرائح المجتمع، ويؤكد الحاجة إلى سياسات مالية أكثر شمولًا لضمان توازن اقتصادي واجتماعي.
جانب آخر مُهِمّ يتعلَّق بسعر صرف العملة السورية، فضخّ سيولة نقدية إضافية يؤدي إلى ضغوط على قيمة العملة، ما قد يُسبّب تراجعًا نسبيًّا في سعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية. هذا الانخفاض يُضيف عبئًا على أُسَر غير الموظفين، ويُؤثر على القدرة الشرائية، مما يزيد التحديات الاقتصادية، ويؤكد أهمية إدارة هذه الزيادة ضمن إطار مالي متوازن يَحُدّ من آثار التضخم والتقلبات في العُملة.
عدم شمول المتقاعدين بالزيادة يُمثّل تحديًا إضافيًّا؛ إذ تُعدّ هذه الفئة أساسية ضمن المجتمع، وتعتمد على دخل ثابت من المعاشات. تجاهُلهم في هذه الزيادة يخلق فجوة واضحة بين الفئات المستفيدة وغير المستفيدة؛ إذ لا تتحسن قُدرتهم الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة. هذا الوضع يعكس تفاوتًا في الاستفادة ويُؤثّر على استقرار هذه الفئة اجتماعيًّا ومعيشيًّا، ما يُبرز أهمية سياسات أوسع تشمل جميع الفئات الأساسية لضمان تحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي.
أمام هذه التحديات المحتمَلة فإن الموظفين في القطاع العام سيكونون قادرين جزئيًّا على مواجهة الآثار السلبية للزيادة، بينما تبقى فئات أخرى خارج نطاق الاستفادة غير قادرة على معالجتها، ما يزيد من الضغوط اليومية ويَحُدّ من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية. هذه الفجوة تظهر الحاجة إلى سياسات مالية شاملة تضمن استفادة جميع الفئات، وتُقلِّل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وتُعزّز التماسك الاجتماعي.
من ناحية أخرى، يُشكّل رفع الأجور ضغطًا مباشرًا على الموازنة العامة، خاصةً في اقتصاد محدود الإيرادات مثل سوريا؛ حيث تعتمد الدولة بدرجة كبيرة على موارد ضعيفة وغير مستقرة. فزيادة بند الرواتب تعني تلقائيًّا ارتفاع الإنفاق الحكومي دون وجود مصادر تمويل موازية، ما يُؤدّي إلى اتساع العجز المالي. وفي ظل هذا الواقع، تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة: إما اللجوء إلى الاستدانة، أو تمويل العجز عبر طباعة النقود بما يُفاقم التضخم، أو تقليص الإنفاق على قطاعات حيوية مثل الدعم والخدمات العامة. وفي جميع الحالات، يتحول رفع الأجور من إجراء اجتماعي داعم إلى عبء مالي قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي إذا لم يرافقه إصلاح في الإيرادات وتعزيز للإنتاج.
الأمر المهم، يتمثل في قدرة الحكومة على تأمين موارد الميزانية المخصَّصة للرواتب دون اللجوء لسياسات اقتصادية قد تؤدي إلى زيادة الأعباء، كرفع أسعار الكهرباء والطاقة والخدمات، وبالتالي فإن السلطات تحتاج إلى تخطيط مسبق ومنظم لاستدامة الآثار الإيجابية وتدبير مواردها عبر القطاعات الإنتاجية، وتحسين الإنتاج المحلي لتلبية الطلب المتزايد، ما يُقلّل الاعتماد على الاستيراد، ويضمن استفادة الأُسَر بشكل حقيقي من الزيادة على المدى الطويل.
لضمان استفادة الأُسَر بشكل كامل من زيادة الرواتب ومُعالَجة أيّ آثار سلبية مُحتمَلة؛ يمكن أن يكون لتعزيز الإنتاج المحلي دور مُهِمّ؛ بحيث يقابل ارتفاع الطلب الناتج عن تحسُّن الدخل زيادة في العرض، بما يحمي السوق من التضخم، ويُوفّر فُرَص عمل إضافية، ويُعزّز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.
في النهاية، زيادة الرواتب في سوريا خطوة مُهمّة لتحسين دخل الموظفين، وتحفيز النشاط الاقتصادي والاجتماعي، كما تُعزّز القدرة الشرائية لبعض الفئات وتُشجّع الاستهلاك وتُحرّك السوق المحلية. لكنها تأتي ضمن بيئة اقتصادية تتأثر بعوامل متعددة؛ أبرزها: ارتفاع الأسعار وضعف الإنتاج المحلي، وعدم شمول المتقاعدين وفئات أخرى.
التوازن بين هذه العوامل يُحدّد الأثر النهائي للزيادة، ويجعل الحفاظ على قيمة الدخل الفعلية الهدف الأساسي لضمان انعكاس التحسُّن الرقمي في الرواتب على الحياة اليومية بشكل ملموس ومستقر.
الثورة السورية
—————————-
معاريف: تنافس بين مشروعين لنقل الطاقة من الخليج لأوروبا أحدهما عبر سوريا وتركيا
2026.03.31
كشفت صحيفة “معاريف” العبرية، عن طرح مقترحات ومشاريع إقليمية تهدف إلى نقل الطاقة عبر مسارات برية بديلة، في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في المنطقة، تشمل المرور عبر سوريا وتركيا وصولاً إلى أوروبا.
وبحسب التقرير، تأتي هذه الطروحات في سياق المخاوف المرتبطة بإمكانية تعطل الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما مضيقي هرمز وباب المندب، اللذان يمر عبرهما جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية. إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 21 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يعادل 25% من تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، في حين يمر عبر باب المندب نحو 8.8 ملايين برميل يومياً وأكثر من 10% من التجارة البحرية العالمية.
وفي هذا السياق، أشار التقرير الذي أعده الضابط الإسرائيلي “أميت ياغور” إلى أن إغلاق هذه الممرات قد يدفع إلى تسريع البحث عن بدائل برية، رغم أن إغلاق باب المندب لا يعادل في تأثيره إغلاق مضيق هرمز، حيث يمكن للسفن الالتفاف حول إفريقيا مع زيادة التكاليف الزمنية والمالية.
مشروع سوري تركي يصل الخليج بأوروبا
ونقل التقرير عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله: إن سوريا، بفضل موقعها الاستراتيجي، يمكن أن تشكّل ملاذاً آمناً لسلاسل الإمداد في حال حدوث اضطرابات في البحر الأحمر أو مضيق هرمز.
كما أشار التقرير إلى إعلان وزير النقل التركي عن التوصل إلى اتفاقيات بين تركيا والعراق وقطر والإمارات بشأن نموذج تمويل مشروع يربط الخليج العربي بأوروبا عبر تركيا، مع الحاجة إلى استكمال الإغلاق المالي قبل بدء التنفيذ.
تكشف هذه التصريحات، التي لا شك لدي في أنها منسقة، عن مؤامرة تُحاك في الخفاء في محاولة لاستغلال تداعيات الحرب الإسرائيلية ضد إيران الآن، وفق الصحيفة.
وأوضح التقرير أن هذه المشاريع تتقاطع مع مبادرات أوسع مثل مشروع “IMEC” (الممر الهندي – الشرق الأوسط بما يشمل إسرائيل – أوروبا)، الذي يهدف إلى إنشاء ممر بري يربط الخليج بأوروبا عبر البنية التحتية للنقل والطاقة، بما يشمل خطوط سكك حديدية وشبكات لنقل النفط والغاز والهيدروجين والألياف الضوئية.
وفي جانب متصل، أشار التقرير إلى أن محاولة الحوثيين إغلاق مضيق باب المندب بالصواريخ، على نحوٍ متناقض، ستُسهم في الواقع في تسهيل المعركة في اليوم التالي.
ويُعدّ خط أنابيب النفط السعودي (خط أنابيب الشرق والغرب) أهم أصول المملكة العربية السعودية الاستراتيجية لتجاوز الحصار المفروض على الطاقة. وفي حال فرض حصار مزدوج على المضائق (هرمز وباب المندب)، سيتحول المشروع الجديد من جسر لوجستي إلى شريان حياة عالمي، إذ يسمح للمملكة بتصدير النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة من دون المرور عبر مضيق هرمز.
يمتد خط الأنابيب لمسافة 1200 كيلومتر تقريبًا من حقول بقيق النفطية شرقًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ومن هناك، يمكن للناقلات الإبحار شمالًا إلى قناة السويس أو تفريغ النفط في خط أنابيب سوميد في مصر، الذي ينقله إلى البحر الأبيض المتوسط.
522222
توضح الخريطة تنافس مشروعين رئيسيين: مبادرة الحزام والطريق (BRI) بقيادة الصين، وتمتد عبر الصين وآسيا الوسطى إلى تركيا وأوروبا. ومشروع IMEC المدعوم غربياً، يربط الهند بدول الخليج (السعودية والإمارات) ثم الأردن وإسرائيل وصولاً إلى أوروبا، مع طرح مسار بديل عبر العراق وسوريا وتركيا.
كيف يقيم الاحتلال الإسرائيلي ذلك؟
من وجهة نظر “إسرائيل” والولايات المتحدة، يتيح مدّ البنية التحتية من ينبع شمالًا باتجاه إيلات تدفقًا مباشرًا إلى قطاع غزة، مما يُنشئ طريقًا بريًا كاملًا من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، ومنه إلى أوروبا (في هذه المرحلة، لا يمكن لخط أنابيب النفط أن يحل محل مضيق هرمز، إذ ينقل حوالي 30% من حجم النفط هناك).
كما تهدف الخطة إلى إضافة بنية تحتية موازية لنقل الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين والألياف الضوئية بكميات تجارية.
هذا هو بالضبط ما يتناوله مشروع IMEC، أي تجاوز الطرق البحرية والمعابر باستخدام طريق بري عبر الأراضي السعودية. ويبدو أن إغلاق مضيق باب المندب سيؤكد أهمية المشروع لدول الخليج، وسيضيف إليه دولاً أخرى، وسيسرّع وتيرته بشكل كبير. إنها البنية التحتية التي تسعى إليها الولايات المتحدة وإسرائيل (حرفياً) لإرساء النظام الإقليمي الجديد.
من جهة أخرى، هناك تركيا. فالتصريحات التي أدلى بها الرئيس السوري ووزير النقل التركي في بداية المقال خلال الأيام القليلة الماضية توضح بجلاء وجهتها – فهي تسعى إلى استقطاب دول المنطقة لدعم مدّ البنية التحتية شمالاً عبر الأردن إلى سوريا، ومنها إلى تركيا لتكون بوابة أوروبا. كل ذلك مع تجاهل “إسرائيل” عمداً، ومنعها من أن تصبح بوابة أوروبا.
إن تصريح دونالد ترمب الأخير بشأن السعودية، ودعوته لولي العهد قائلاً: “حان الوقت”، يهدفان بالدرجة الأولى إلى ربط البنية التحتية. يرى ترمب أن التطبيع الرسمي بمنزلة “الموافقة” التي ستُمكّن من تحويل مشاريع السكك الحديدية والبنية التحتية البرية من مجرد مشاريع تخطيطية إلى واقع ملموس، وهو يضغط على السعودية لتفضيل الممر الغربي (IMEC) على الاستثمارات في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. أما تصريحه بأن ولي العهد “ينحاز” إليه، فيُقصد به إرسال إشارة إلى بكين بأن دول الخليج تقف إلى جانب الولايات المتحدة.
تلفزيون سوريا
——————————
خبيران يشرحان أسباب تنامي “اقتصاد الظل” في سوريا/
يشهد “اقتصاد الظل” في سوريا توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تحول إلى أحد المكونات الأساسية في المشهد الاقتصادي، وبات هذا الاقتصاد يستقطب شريحة واسعة من الأفراد والأنشطة التي تعمل خارج القنوات الرسمية.
وفي ظل تعقيدات الواقع الاقتصادي، يبرز “اقتصاد الظل” كخيار فرضته الظروف المعيشية، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات متزايدة أمام جهود ضبط السوق وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
ومع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على الضبط والتنظيم، واتساع الفجوة بين التشريعات والواقع، برز هذا الاقتصاد كمساحة موازية تستوعب شريحة واسعة من الفاعلين، إلى الشبكات الاقتصادية غير الرسمية.
يتضخم في البيئات التي تعقد الإجراءات
يتضمن “اقتصاد الظل” أو ما يعرف بـ”الاقتصاد الخفي” مجموعة واسعة من الأنشطة، بدءًا من العمل الاقتصادي غير الرسمي وتجارة السلع المهربة، وصولًا إلى الأسواق السوداء التي تنشط في غياب الرقابة.
يمثّل تعريف “اقتصاد الظل” مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعته في سوريا، خاصة مع تداخله مع أنماط أخرى من النشاط غير الرسمي، كما أن تفسير استمراره رغم التحولات الاقتصادية التي طرأت على الاقتصاد السوري، وتحويله من اقتصاد موجه اشتراكي لاقتصاد السوق الحر، يسلّط الضوء على عمق العوامل التي تغذّيه.
وهنا، يقدّم الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، توصيفًا دقيقًا لـ”اقتصاد الظل”، معتبرًا أنه يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية المشروعة التي تُمارس خارج الإطار القانوني، سواء عبر عدم التسجيل الرسمي أو التهرب الجزئي من الالتزامات الضريبية.
ويشير إلى أن هذه الظاهرة لا ترتبط بمرحلة سياسية بعينها، بل هي موجودة في مختلف الاقتصادات، لكنها تتضخم في البيئات التي تتسم بتعقيد الإجراءات وضعف الحوافز.
ويشرح أن استمرارية “اقتصاد الظل” في سوريا تعود إلى غياب بيئة تنظيمية مشجعة، حيث يواجه الأفراد صعوبات في التسجيل الرسمي، سواء من حيث التكاليف أو الإجراءات أو غياب الفوائد المباشرة.
وبالتالي، يفضّل كثيرون البقاء خارج المنظومة الرسمية، حتى وإن كانوا يمارسون أعمالًا مشروعة، بحسب الخبير الاقتصادي.
لم يعد خيارًا بل ضرورة
من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، بين توسّع “اقتصاد الظل” والخلل البنيوي في الاقتصاد السوري، موضحًا أن تراجع دور المؤسسات الرسمية خلال السنوات الماضية خلق فراغًا تنظيميًا، تم ملؤه بأنشطة غير رسمية.
ويضيف أن هذا الاقتصاد لم يعد خيارًا بقدر ما أصبح ضرورة معيشية، إذ تعتمد عليه شريحة واسعة من الأسر لتأمين دخلها، في ظل محدودية الفرص ضمن الاقتصاد الرسمي.
ويرى أن هذا الواقع يجعل من الصعب تقليصه دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية.
من يدير “اقتصاد الظل” اليوم؟
تحوّل الفاعلين في “اقتصاد الظل” يعكس تغيّر موازين القوى الاقتصادية، ويعطي مؤشرًا على طبيعة المتحكمين في النشاط غير الرسمي، خاصة وأنه كان مرتبطًا قبل سقوط النظام السابق، برجال الأعمال المقربين من الأسد وبعض عناصر نظامه، ولكن اليوم، يبرز التساؤل، بسقوط النظام السابق ورجاله، من يدير هذا الاقتصاد؟
يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، أن إدارة “اقتصاد الظل” أصبحت أكثر تشتتًا، حيث لم تعد مقتصرة على فئات محددة، بل تشمل مهنيين وأفرادًا يعملون بشكل مستقل خارج الإطار القانوني.
ويؤكد أن هذا النمط من العمل يعكس غياب الحوافز للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، وليس بالضرورة وجود نية للتهرب، بل هو خيار اقتصادي مرتبط بالكلفة والعائد.
في المقابل، يشير الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن إدارة هذا الاقتصاد باتت بيد شبكات غير رسمية متنوعة، تشمل رجال أعمال محليين، وعلاقات اقتصادية بديلة، وحتى مجموعات تستفيد من غياب الرقابة.
ويحذّر من أن هذا التحول يعقّد عملية التنظيم، إذ لم يعد بالإمكان التعامل مع اقتصاد الظل ككيان موحّد، بل كمنظومة متشعبة تتداخل فيها المصالح والفاعلون.
“اقتصاد الظل” في ظل اقتصاد السوق الحر
يثير وجود “اقتصاد ظل” في بيئة يرجح الخبراء والاقتصاديون على أنها سوق حر، رغم نفي الحكومة، تساؤلات حول كفاءة النظام الاقتصادي وعلاقة النظامين الاقتصاديين ببعضهما.
ويُعرف اقتصاد السوق الحر بأنه النظام القائم على حرية الأفراد بأي نشاط اقتصادي، ويبنى على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
وتختلف آراء الأوساط الاقتصادية حول هوية الاقتصاد السوري اليوم، سواء كانت تعتمد اقتصاد السوق الحر أم الاقتصاد الموجه، أم اقتصاد بهوية هجينة، مع استمرار الأزمات الاقتصادية التي تعوق بناء الاقتصاد وتعافيه وتحديد هوية واضحة له.
يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، أن طبيعة النظام الاقتصادي، سواء كان حرًا أو موجهًا، لا تحدد بحد ذاتها حجم اقتصاد الظل، بل إن العامل الحاسم هو سهولة الإجراءات ووضوح القوانين، ومدى قدرة الأفراد على الامتثال لها.
بينما يركز الدكتور عبد الرحمن على أن وجود “اقتصاد ظل” واسع ضمن اقتصاد سوق حر يخلق اختلالًا في التنافس، حيث تتمتع الأنشطة غير الرسمية بميزة انخفاض التكاليف، ما يضعف قدرة القطاع المنظم على المنافسة.
العلاقة بين السوق السوداء و”اقتصاد الظل”
السوق السوداء تُعدّ من أكثر مظاهر الاقتصاد غير الرسمي إثارة للجدل، ويكمن التحدي في فهم دوافعها، لا سيما في البيئات التي تعاني من اختلالات في العرض والطلب.
وتعتبر السوق السوداء أحد ملامح “اقتصاد الظل”، رغم وجود فروق اقتصادية بين النوعين، بحسب خبراء الاقتصاد، إلا أنهما يعدان وجهين لعملة واحدة هدفها واحد.
هناك فرق جوهري بين الاثنين، بحسب الخبير محمد الحلاق، “إذ إن اقتصاد الظل يشمل أنشطة مشروعة غير مسجلة، بينما السوق السوداء تقوم على أنشطة غير قانونية، وبالتالي لا يمكن اعتبارهما كيانًا واحدًا”.
ويشدد على أن هذه السوق تعمل في الخفاء، ولا يمكن تقنينها أو إخضاعها للضرائب، ما يجعلها ظاهرة مختلفة جذريًا عن الأنشطة غير المسجلة لكنها مشروعة.
في المقابل، الدكتور عبد الرحمن محمد، ينظر إلى السوق السوداء من زاوية وظيفية، معتبرًا أنها تمثل استجابة مباشرة لاختلالات السوق، حيث تظهر عندما تعجز القنوات الرسمية عن تلبية الطلب.
ويشرح أن نقص السلع، وارتفاع الأسعار، والقيود على الاستيراد، كلها عوامل تدفع الأفراد للجوء إلى هذه السوق، ما يمنحها دورًا عمليًا في تلبية الاحتياجات، رغم طابعها غير الرسمي.
ويخلص إلى أن الواقع السوري أوجد تداخلًا بينهما، حيث تتقاطع القنوات غير الرسمية لتشكّل منظومة اقتصادية موازية، يعتمد عليها الأفراد في تلبية احتياجاتهم، ما يجعل الفصل النظري بينهما أقل وضوحًا على أرض الواقع.
تداعيات على الاقتصاد
رغم أن أنشطة “اقتصاد الظل” قد توفر بعض الاحتياجات، فإن لها تداعيات على المستوى الاقتصادي، فـ”اقتصاد الظل” ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو أزمة مركبة تهدد تحسين الاقتصاد الوطني وتطوره.
يشير الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، إلى أن اتساع “اقتصاد الظل” يؤدي إلى خلل في توزيع الأعباء الضريبية، حيث تتحمل فئة محدودة الجزء الأكبر من الإيرادات، ما يضعف العدالة ويؤثر على استدامة المالية العامة.
كما يلفت إلى أن وجود نسبة محدودة من “اقتصاد الظل” قد يكون مقبولًا، لكن تضخّمه يعوق الأداء الاقتصادي.
يوافقه الرأي، الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، ويعتبر أن هذه الظاهرة تضعف المؤسسات، وتزيد من الفساد، وتحدّ من قدرة الدولة على التخطيط، فضلًا عن تأثيرها السلبي على الاستقرار السعري والنمو الاقتصادي.
متطلبات المعالجة والإصلاح
معالجة “اقتصاد الظل” تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الإصلاح المؤسسي والتحفيز الاقتصادي، بحسب خبراء الاقتصاد.
الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، يركز على أهمية تبسيط الإجراءات، وتقديم حوافز ملموسة مثل الضمانات الاجتماعية، بما يشجع الأفراد على التسجيل الرسمي، إلى جانب فرض رقابة فعالة.
في المقابل، يشدد الدكتور عبد الرحمن على ضرورة إصلاح شامل يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويعزز كفاءة المؤسسات، ويخلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الأنشطة غير الرسمية.
عنب بلدي
——————————
“تجارة دمشق” تعترض على رسوم أردنية على المنتجات السورية
أصدرت غرفة تجارة دمشق، اليوم الخميس 2 نيسان، بيانًا توضيحيًا علّقت فيه على القرار الأردني رقم “34” لعام 2026 الذي سمح بدخول منتجات سورية كانت محظورة سابقًا، مقابل فرض رسوم حماية على سلع محددة.
واعتبرت الغرفة أن الرسوم المفروضة “مرتفعة جدًا”، مما يحد بشكل واضح من القدرة التنافسية للصادرات السورية.
جاء البيان الذي نشرته الغرفة عبر معرفاتها ردًا على القرار الذي أقرّته وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية أمس الأربعاء، والذي ألغى قيودًا سابقة على استيراد سلع سورية كانت سارية منذ أعوام 2019 و2020 و2021 و2025، مقابل فرض رسوم حماية جمركية على قائمة محددة من المستوردات، تستهدف قطاعي الصناعات الغذائية والمنسوجات بشكل خاص.
رسوم مرتفعة تحد من المنافسة
أوضحت غرفة تجارة دمشق أن رسوم الحماية التي فرضها الجانب الأردني “مرتفعة جدًا”، الأمر الذي قالت إنه “يحدّ بشكل واضح من القدرة التنافسية للصادرات السورية ويؤثر على إمكانية دخولها إلى السوق الأردنية بالشكل الذي يحقق الأهداف المرجوة من تنشيط التبادل التجاري”.
وشددت الغرفة على أن رؤيتها الثابتة “تقوم على دعم مبادئ التجارة الحرة والعادلة، وتخفيف القيود الجمركية والإجراءات المعيقة لحركة السلع، بما يسهم في تعزيز انسياب التجارة بين الأسواق ويدعم النمو الاقتصادي المشترك”.
متابعة مستمرة مع الجانب الأردني
ستواصل غرفة تجارة دمشق متابعة هذا الملف مع الجهات المعنية في المملكة الأردنية “عبر القنوات الرسمية واللقاءات الاقتصادية، بهدف الوصول إلى صيغة متوازنة تحقق تبادلًا تجاريًا عادلًا ومستدامًا بين البلدين الشقيقين”، بحسب البيان.
وأكدت الغرفة التزامها “بالعمل والتنسيق المستمر لدعم المصدرين السوريين وتيسير وصول المنتجات الوطنية إلى الأسواق الخارجية، بما يعزز حضورها التنافسي إقليميًا ودوليًا”.
القرار الأردني.. إلغاء قيود وفرض رسوم
كانت وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية قد أصدرت القرار رقم “34” لعام 2026، استنادًا إلى كتاب رئاسة الوزراء وتوصيات لجنة التحديث الاقتصادي والتنمية، بحسب ما نقله موقع “رؤيا نيوز” الأردني.
وقضى القرار بإلغاء عدد من القرارات السابقة التي كانت تقيد استيراد سلع سورية، والصادرة في أعوام 2019 و2020 و2021 و2025.
في مقابل رفع تلك القيود، فرض القرار رسوم حماية جمركية على قائمة محددة من المستوردات ذات المنشأ السوري، تستهدف بشكل خاص قطاعي الصناعات الغذائية والمنسوجات، بهدف حماية المنتج الوطني الأردني وتحقيق التوازن في السوق المحلية.
قفزة في التبادل التجاري بين البلدين
يشهد حجم التبادل التجاري بين سوريا والأردن ارتفاعًا غير مسبوق، فوفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة في الأردن (نقلتها وكالة الأنباء الأردنية “بترا“)، ارتفعت الصادرات الأردنية إلى سوريا إلى 217.5 مليون دولار أمريكي، مقارنة بـ45 مليون دولار للفترة ذاتها من العام الماضي.
كما سجلت المستوردات الأردنية من سوريا ارتفاعًا إلى نحو 90 مليون دولار، مقابل 52.5 مليون دولار، بنسبة نمو بلغت 71.4%، ليبلغ إجمالي التبادل التجاري بين البلدين 330 مليون دولار، مقارنة بـ97.5 مليون دولار خلال الفترة المقابلة من العام الماضي.
تحول في آلية النقل الحدودية
شهدت الحدود السورية الأردنية مؤخرًا اتفاقًا على آلية عبور متبادل مشروط، تقضي بسماح الشاحنات السورية التي تحمل بضائع ذات منشأ سوري فقط بالدخول إلى الأراضي الأردنية، والسماح للشاحنات الأردنية التي تحمل بضائع ذات منشأ أردني فقط بالدخول إلى الداخل السوري، دون إجراء “المناقلة” (نقل البضائع بين الشاحنات) على الحدود، بهدف تسهيل حركة نقل البضائع وتسريع وصولها إلى الأسواق.
يُذكر أن غرفة تجارة دمشق كانت قد وصفت القرار الأردني أمس بأنه “خطوة إيجابية” لكنها اعتبرت الرسوم المفروضة “عالية جداً”، وهو ما أعادت التأكيد عليه في بيانها التوضيحي الصادر اليوم.
——————————
لتسهيل سحب الرواتب وتحويل الأموال.. التجاري السوري يوسّع خدماته باتفاق جديد
2026.03.31
وقع المصرف التجاري السوري، اليوم الثلاثاء، اتفاقية تعاون مع شركة “الفؤاد” للحوالات المالية، بهدف توسيع نطاق الخدمات المقدمة للمواطنين، وتسهيلاً للحصول على مستحقاتهم المالية.
وبين المصرف في منشور على “فيس بوك” أنه بموجب الاتفاقية، أصبح بإمكان حاملي بطاقات الدفع الإلكتروني الصادرة عنه، تنفيذ عدد من العمليات المالية عبر مراكز شركة “الفؤاد” المنتشرة في مختلف المحافظات، ما يسهم في توسيع نقاط تقديم الخدمة، وتسهيل وصول المواطنين إليها.
وأشار إلى أن الخدمة تتضمن :
سحب الرواتب والمستحقات المالية من مراكز شركة الفؤاد المعتمدة
إيداع الأموال وتحويلها مباشرة إلى حساب البطاقة
تعزيز التغطية الجغرافية للخدمة، ولا سيما في المحافظات الشمالية، بما يتيح للمواطنين في هذه المناطق الاستفادة من الخدمات المصرفية بسهولة أكبر.
اتفاقيات سابقة
وفي شهر شباط الماضي، أعلن المصرف التجاري السوري، إطلاق خدمة جديدة بالتعاون مع شركة “شخاشيرو” للحوالات المالية، تتيح لحاملي بطاقات الدفع الإلكتروني تنفيذ عدد من العمليات المالية، عبر فروع الشركة في مختلف المحافظات، بهدف تسهيل الخدمات المصرفية.
وسبق أن دعا المصرف التجاري السوري، في شهر أيلول الماضي، المتقاعدين الراغبين بالاستفادة من خدمة السحب عبر شركة “الهرم” للحوالات المالية إلى مراجعة فروعه من أجل تحديث بياناتهم الشخصية، وخاصة رقم الهاتف المحمول.
وأوضح المصرف في بيان أن الخطوة تأتي تمهيداً لتمكين المتقاعدين من تَسلُّم رواتبهم مباشرة من مراكز شركة “الهرم”، من دون الحاجة للعودة إلى الصرافات الآلية.
رفع سقف السحب اليومي
في شهر كانون الثاني الفائت، رفع المصرف التجاري السوري سقف السحب اليومي من الصرافات الآلية إلى 20 ألف ليرة سورية من العملة الجديدة، ما يعادل مليوني ليرة بالعملة القديمة، موضحاً أنّ ذلك جاء استناداً إلى توجيهات مصرف سوريا المركزي، وفي إطار تسهيل حصول العاملين والمتقاعدين على مستحقاتهم المالية.
—————————-
الأمم المتحدة تحذر من تداعيات الحرب على الاقتصادات العربية
أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقريرًا حول خسائر اقتصادات المنطقة العربية جراء الصراع العسكري الدائر في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها في المنطقة من جهة أخرى.
وتوقع التقرير الصادر اليوم، الثلاثاء 31 من آذار، أن تتكبد الاقتصادات العربية خسائر تتراوح بين 3.7 و6.0% من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي، ما يشكل خسارة تتراوح قيمتها بين 120 و194 مليار دولار أمريكي.
وأوضحت الأمم المتحدة أن الخسائر المتوقعة تتجاوز إجمالي النمو للناتج المحلي الإجمالي الذي حققته المنطقة في عام 2025.
وحذرت من أن الخسائر ستترافق مع ارتفاعات في معدلات البطالة بنسبة تناهز 4%، بما يعادل فقدان 3.6 مليون وظيفة، وهو ما يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة خلال عام 2025.
وأشار التقرير إلى أن هذه الانتكاسات الاقتصادية ستدفع ما يصل إلى أربعة ملايين من سكان المنطقة إلى براثن الفقر، أغلبيتهم في منطقة بلاد الشام والبلدان العربية الأقل نموًا.
تداعيات متفاوتة
أوضح التقرير أن تداعيات الحرب ليست متجانسة بين جميع دول المنطقة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ نظرًا للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية.
وبيّن أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي، تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق، حيث يؤدي التعرض الشديد لاضطرابات التجارة وتقلبات أسواق الطاقة إلى حدوث تراجعات كبيرة في مستويات الناتج والاستثمار والتجارة.
وتوقع التقرير أن تخسر هاتان المنطقتان الفرعيتان ما نسبته 5.2 إلى 8.5% و5.2 إلى 8.7% من ناتجهما المحلي الإجمالي، على التوالي، بينما تظل التداعيات معتدلة في شمال إفريقيا.
ونوه إلى ارتفاع معدلات الفقر في منطقة المشرق العربي بنسبة 5%، مما سيدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75% من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.
جرس إنذار
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري قال، إن الأزمة تدق جرس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري.
وأضاف أن حرب الشرق الأوسط تمثل نقطة تحول مهمة في المسار التنموي للمنطقة، مبيّنًا أن نتائج التقرير تبرز الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصاد، بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات.
ونوه الدردري إلى ضرورة توسيع القواعد الإنتاجية وتأمين النظم التجارية واللوجستية وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، للحد من التعرض للصدمات والنزاعات.
تأثيرات الحرب على الاقتصاد السوري
قال الباحث والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، في حديث سابق لعنب بلدي، إن بقاء سوريا خارج المواجهة العسكرية المباشرة، لا يمنع تأثرها اقتصاديًا عبر ثلاث قنوات رئيسة شملت:
ـ ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
ـ اضطراب التجارة وسلاسل الإمداد.
ـ تراجع الاستثمارات والمساعدات الخارجية، خصوصًا من دول الخليج التي تشكل مصدرًا أساسيًا للتمويل والاستثمار في سوريا.
أما الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، فقال إن انعكاس الحرب الإيرانية- الإسرائيلية على سوريا يمكن توصيفه اقتصاديًا بأنه “تأثير تراكمي لصدمة خارجية على اقتصاد هش”.
ويشاطر عبد الرحمن فيف في رأيه، بأن سوريا ليست طرفًا مباشرًا في الحرب بقدر ما هي ساحة تتأثر بنتائجها، مشبهًا الاقتصاد السوري بمريض يعاني مرضًا مزمنًا ثم يتعرض لصدمة جديدة تعطل وظائفه الحيوية.
——————————
====================



