سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوار

أستاذ العلوم السياسية الدكتور إحسان الخطيب : موقع سوريا الجغرافي هو مدخل لإحياء دورها القادم

كيف تستطيع سوريا أن تلعب دوراً في خرائط التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد

عمار زيدان

2026-04-10

يتجدد النقاش في ظل التحولات المتسارعة وإعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، حول الأدوار الجيوسياسية للدول ذات المواقع الاستراتيجية. فالعالم اليوم يتجه نحو بناء ممرات اقتصادية جديدة، وإعادة توزيع مراكز الثقل التجاري والطاقة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بدائل أكثر أماناً واستقراراً لطرق النقل التقليدية، سواء عبر البحار أو المضائق الحيوية.

ويبرز موقع سوريا الجغرافي كعنصر محوري في أي تصور مستقبلي لشبكات الربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. فهذا الموقع الذي كان تاريخياً جزءاً أساسياً من طرق التجارة القديمة، وفي مقدمتها طريق الحرير، يمنحها إمكانية نظرية للعودة إلى لعب دور الوسيط في حركة البضائع والطاقة. غير أن هذا الدور لم يعد يعتمد على الجغرافيا وحدها، بل أصبح مرتبطاً بمجموعة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية، إضافة إلى مستوى البنية التحتية والاندماج في النظام الاقتصادي العالمي.

لقد مرّت سوريا خلال العقود الماضية بتحديات سياسية عميقة أثّرت على قدرتها في الحفاظ على موقعها كممر تجاري ولوجستي فعال، سواء في ما يتعلق بخطوط نقل الطاقة أو شبكات التجارة الإقليمية. ومع ذلك، فإن المتغيرات الإقليمية والدولية الحالية، بما فيها إعادة رسم التحالفات الاقتصادية، وتزايد الاهتمام بمشاريع الربط الإقليمي، تفتح المجال أمام إعادة تقييم دور سوريا المحتمل في هذه المنظومات.

وفي المقابل، فإن الحديث عن بدائل لمضيق هرمز كشرايين للطاقة، أو عن ممرات اقتصادية جديدة تربط بين مناطق الإنتاج والأسواق، يسلط الضوء مجدداً على أهمية الموقع السوري كحلقة وصل محتملة بين الشرق وشرق المتوسط. كما أن التوجهات العالمية نحو تعزيز الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد السريعة، تطرح تساؤلات حول إمكانية أن تتحول سوريا إلى ممر استراتيجي يربط بين مناطق الإنتاج الزراعي والأسواق الاستهلاكية في المنطقة.

ويأتي هذا الحوار لـ”963+” مع الأستاذ في العلوم السياسية الدكتور إحسان الخطيب ليفتح مجموعة من الأسئلة الأساسية حول مستقبل سوريا في ظل هذه التحولات: كيف يمكن أن تستعيد دورها التاريخي على طريق الحرير؟ وما موقعها في مسارات الطاقة الجديدة؟ وما التحديات والخطوات العملية المطلوبة لتحقيق ذلك؟.

وفي ما يلي الحوار كاملاً:

كيف يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي على طريق الحرير في ظل المشاريع الاقتصادية العالمية الجديدة؟

سوريا تاريخياً لها دور مهم في التجارة العالمية، ويُعد موقعها الجغرافي عنصراً أساسياً يمكن أن يساعدها على استعادة هذا الدور. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التحول إلى دولة طبيعية، وهو ما لم تكن عليه لفترة طويلة.

يتطلب هذا التحول إقامة علاقات طبيعية مع محيطها، وتحديث القوانين والتشريعات، إلى جانب إطلاق عملية سياسية مستقرة. كما يستدعي الأمر تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، وتقوية روابطها مع بقية الدول الفاعلة على الساحة الدولية.

وبالنسبة لقطاع النفط كان موقع سوريا تاريخياً مهماً جداً. وكما طُرح في السؤال حول بدائل مضيق هرمز لنقل الطاقة، فقد كانت خطوط الأنابيب تمر عبر الأراضي السورية. لكن العوامل السياسية هي التي أعاقت هذا الدور، سواء فيما يتعلق بملف إسرائيل أو العراق، إضافة إلى طبيعة النظام في العراق آنذاك، وعلاقة سوريا به في تلك الفترة.

لذلك، يبقى الموقع الجغرافي لسوريا عاملاً مهماً للغاية في أي حديث عن بدائل لمضيق هرمز ومسارات نقل الطاقة.

مع الحديث عن بدائل لمضيق هرمز كشرايين للطاقة، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في مسارات نقل الطاقة الإقليمية؟

تستطيع سوريا أن تلعب أدواراً عديدة، من بينها الإسهام بوضوح في تحقيق الأمن الغذائي بين مناطق مختلفة في المنطقة. ويُعد الاستقرار العامل الأهم في هذا السياق، إذ إن تحقيق الاستقرار في سوريا هو الأساس، وهي تتجه بالفعل نحو ذلك.

كما أن هذا الاستقرار يمهد الطريق أمامها لتصبح دولة نموذجية في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، فإن بناء الثقة مع المحيط الإقليمي والدولي يُعدّ أمرًا ضرورياً، من خلال طمأنة الأطراف المختلفة بأن هناك نظاماً ودولة جديدة يمكن التعامل معهما، وأنه لن تكون هناك تغييرات مفاجئة في القوانين أو في الوضع السياسي.

ما مدى إمكانية تحول سوريا إلى ممر سريع للأمن الغذائي يربط بين مناطق الإنتاج والأسواق في المنطقة؟

سوريا لديها مقومات حقيقية تؤهلها للتحول إلى ممر سريع للأمن الغذائي يربط بين مناطق الإنتاج والأسواق في المنطقة، بفضل موقعها الجغرافي وامتدادها بين بيئات زراعية وتجارية متنوعة. إلا أن تحقيق هذا الدور يتوقف على عدة عوامل، أبرزها استعادة الاستقرار، وتطوير البنية التحتية للنقل والتخزين، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.

كما يتطلب الأمر تعاوناً إقليمياً يضمن انسيابية حركة السلع وتخفيف القيود السياسية. وفي حال توفرت هذه الشروط، يمكن لسوريا أن تلعب دورًا محورياً في تسهيل تدفق الغذاء، وتقليل كلفة النقل، وتعزيز الأمن الغذائي في المنطقة بشكل ملحوظ.

كيف تنعكس مشاريع الممر الاقتصادي العالمي على موقع سوريا الجغرافي وإمكاناتها المستقبلية؟

بالنسبة لانعكاس تسريع وتيرة الانفتاح والتواصل مع العالم على موقع سوريا الجغرافي وإمكاناتها المستقبلية، يبقى الأساس هو هذا الموقع الاستراتيجي. فهو عنصر محوري في تحديد دورها، خاصة كما ورد في السؤال حول قضية المضائق وخلق بدائل لنقل الطاقة.

سوريا دولة غنية وتملك إمكانيات كبيرة، لكن هذه الإمكانات تكتسب قيمتها الحقيقية من موقعها الجغرافي الذي يمنحها دورًا مهمًا في الربط بين المناطق والأسواق المختلفة.

هل يمكن أن يشكل موقع سوريا جسراً بين الحجاز وشرق المتوسط ضمن شبكات التجارة والطاقة الجديدة؟

يُعد موقع سوريا جسراً استراتيجياً يربط بين الحجاز والشرق والوسط، ضمن شبكات التجارة والطاقة الجديدة التي تشهد تحولات متسارعة. ومع هذه التغيرات، تبرز أمام سوريا فرص حقيقية لاستعادة دورها الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد.

وشكلت سوريا نقطة محورية في مسارات نقل النفط وخطوط الطاقة، إلا أن العوامل السياسية والصراعات الإقليمية كانت السبب في تعطيل هذا الدور وتعقيده لسنوات طويلة. ورغم ذلك، لا تزال المقومات الأساسية قائمة، ما يتيح لها إمكانية العودة إلى لعب دور فاعل في هذا المجال.

كما أن التحولات الجارية في المنطقة، سواء على مستوى الطاقة أو التجارة، تفتح المجال أمام سوريا للاستفادة من التحديات الجديدة وتحويلها إلى فرص. ويظل نجاح ذلك مرهونًا بالاستقرار الداخلي، وتعزيز العلاقات الإقليمية والدولية، بما يعيد ترسيخ موقعها كحلقة وصل أساسية في المنطقة.

ما التحديات السياسية والاقتصادية التي قد تواجه أي مشروع لإحياء الدور اللوجستي والتجاري لسوريا؟

تواجه أي محاولة لإحياء الدور اللوجستي والتجاري لسوريا جملة من التحديات السياسية والاقتصادية المعقدة. فنجاح هذا المسار يتطلب استثمارات كبيرة في إعادة بناء البنية التحتية، من طرق وموانئ وخطوط نقل، إلى جانب تحديث البيئة القانونية والإدارية لجذب المستثمرين.

سياسياً، تبقى التعقيدات الإقليمية عاملاً حاسماً، إذ إن موقع سوريا كممر ترانزيت يعتمد أساساً على مستوى التفاهم والاتفاق مع الدول المجاورة. وأي خلافات سياسية قد تعرقل هذا الدور أو تحد من فاعليته. وقد أظهرت التجارب التاريخية ذلك بوضوح، كما في الخلافات بين النظامين في سوريا والعراق سابقاً، والتي أثّرت بشكل مباشر على حركة النقل والتجارة بين البلدين.

مع ذلك، تبرز اليوم مؤشرات تدعو إلى التفاؤل، في ظل متغيرات إقليمية وانفتاح محتمل يتيح إعادة بناء العلاقات وتعزيز التعاون الاقتصادي. وإذا ما ترافقت هذه التطورات مع استقرار داخلي وإصلاحات حقيقية، فقد تتمكن سوريا من استعادة موقعها كمحور لوجستي مهم في المنطقة.

ماهي الخطوات العملية التي ينبغي اتخاذها كي تصبح سوريا جزءاً فاعلاً من الممرات الاقتصادية الدولية الجديدة؟

تتمثل الخطوات العملية التي ينبغي اتخاذها لكي تصبح سوريا جزءاً فاعلاً في المنظومة الاقتصادية الدولية الجديدة في مجموعة من المسارات المتكاملة. في مقدمتها، العمل على بناء بنية تحتية حديثة تشمل شبكات النقل والطاقة والاتصالات، بما يواكب متطلبات التجارة العالمية. كما يُعد تحديث القوانين والتشريعات أمرًا أساسيًا لتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، وتعزيز الشفافية والاستقرار القانوني.

إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تمتين العلاقات مع الدول الفاعلة إقليميًا ودولياً، بما يسهم في فتح الأسواق وتعزيز فرص التعاون الاقتصادي. ويبقى الاستقرار العامل الأكثر حسماً، إذ يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه جميع هذه الخطوات، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.

وفي هذا السياق، تشير المؤشرات إلى توجه واضح نحو تعزيز الاستقرار الداخلي، والانفتاح على المحيط الإقليمي، وهو ما يعزز فرص نجاح هذه المسارات. لذلك، تبدو هناك أسباب واقعية للتفاؤل بإمكانية استعادة سوريا دورها في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى