تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريامحطات

التعاون الدولي في سوريا.. من يدير الملف ومن يضع الأولويات؟/ داني البعاج

 

2026.04.09

في الدول التي تعرف ماذا تريد من مؤسساتها، لا تختلط وظيفة من يتفاوض مع الخارج بوظيفة من يضع أولويات الداخل. هناك من ينسّق، وهناك من يخطّط، وهناك من ينفّذ. تبدو هذه بديهية إدارية، لكنها، في لحظات التحوّل وإعادة بناء الدولة، تصبح بديهية ثمينة، لأن كلفة التفريط بها لا تظهر فورًا، بل تتكشف لاحقًا في صورة تعثر، وتداخل صلاحيات، وضبابية مسؤوليات، وارتباك في القرار العام.

من هنا، تكتسب الخطوة التي قامت بها وزارة الخارجية السورية أهمية خاصة عبر إعداد مشروع دليل إجرائي لإدارة التعاون الدولي، وطرحه للتداول مع الوزارات والجهات المعنية قبل اعتماده بصيغته النهائية. فمجرد فتح النص للنقاش قبل إقراره يُحسب للوزارة، لأنه يتيح المراجعة والتصويب وتدارك ما ينبغي تداركه. لكن ما يستحق النقاش هنا لا يتعلق فقط بجودة الصياغة أو ترتيب الإجراءات، بل بالسؤال الأعمق الذي يطرحه المشروع، من حيث يدري أو لا يدري: هل نحن بصدد تنظيم ملف التعاون الدولي، أم بصدد توسيع دور إدارة داخل وزارة إلى الحد الذي يجعلها تقوم عمليًا مقام مؤسسة أوسع وأعلى؟

التعاون الدولي، في الحالة السورية، ليس مجرد ملف فني، إنه، في جوهره، باب من أبواب السياسة العامة. فمن خلاله تمر العلاقة مع المانحين، والشراكات مع المنظمات الدولية، والبرامج التي تمس التعافي والخدمات والتنمية. لكن هذا كله لا يسبق سؤالًا أبسط فحسب، بل يفترضه: من يحدد الأولويات الوطنية أصلًا؟ من يقدّر الفجوات؟ من يصوغ الإطار العام للتعافي والتنمية؟ من ينتج المؤشرات والتقارير المرجعية التي يُفترض أن تستند إليها الدولة في قراراتها؟

إذا كان المقصود أن تضطلع وزارة الخارجية بدور التفاوض مع الشركاء، وإدارة قنوات التعاون، وتنسيق الاتفاقيات، وتعبئة الموارد الخارجية، وضمان اتساقها مع السياسات الوطنية المعتمدة، فذلك أمر مفهوم وطبيعي، بل وضروري. فهذا هو المجال الذي تملك فيه الوزارة ميزة مؤسسية واضحة: العلاقات الخارجية، والدبلوماسية، والتفاوض، والتمثيل، وبناء الجسور مع الأطراف الدولية.

لكن حين يتسع الدور، كما يوحي به الاتجاه العام للمشروع، ليشمل جمع الاحتياجات والفجوات، والمساهمة في إعداد وثائق التعافي والتنمية، وربط التمويل بالأولويات، وتطوير البيانات والتحليلات اللازمة لصنع القرار، ومتابعة التنفيذ وتقييم الأثر، فهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي الالتفاف عليه: هل نتحدث بعد ذلك عن إدارة داخل وزارة، أم عن هيئة تخطيط وتعاون دولي بصيغة أخرى؟

هذا ليس اعتراضًا على الخارجية، بل على تحميلها ما ليس من طبيعتها. لأن الوزارة، مهما كانت كفاءتها، ليست، بحكم وظيفتها الأصلية، مؤسسة تخطيط اقتصادي وتنموي عام. وإذا جرى دفعها في هذا الاتجاه، فإننا لا نكون فقط قد وسّعنا اختصاص إدارة صغيرة، بل نكون أيضًا قد فتحنا الباب أمام خلط مؤسسي بين مستويين مختلفين: مستوى التنسيق الخارجي، ومستوى التخطيط الوطني.

وقد يكون من المشروع، هنا، أن يُطرح سؤال آخر: هل يكفي الدمج الإداري كي نقول إن المشكلة حُلّت؟ هل اختفاء هيئة مستقلة، أو تراجع دورها، يمكن تعويضه ببساطة عبر نقل الوظيفة إلى داخل وزارة قائمة؟ أم أن بعض الوظائف، بحكم طبيعتها، لا تعيش إلا ضمن مؤسسات أوسع، تتصل بالاقتصاد والمالية والإحصاء والإدارة المحلية والوزارات القطاعية، وتملك شرعية أفقية على مستوى الدولة كلها؟

ما يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا أن أي توسع في دور إدارة التعاون الدولي داخل الخارجية لن يبقى أثره محصورًا داخل الوزارة نفسها. فالمسألة تتعلق أيضًا بما سيبقى للوزارات الأخرى، وللمحافظات، وللجهات المختصة بالتخطيط والاستثمار والإحصاء والمالية العامة. ماذا عن الوزارة القطاعية التي تعرف حاجاتها أكثر من غيرها؟ ماذا عن المحافظة التي يُفترض أن تكون شريكًا في تحديد الأولويات لا مجرد حلقة إحالة؟ ماذا عن الجهة التي ينبغي أن تنتج المؤشرات الاقتصادية والتنموية الوطنية بوصفها مرجعية عامة للدولة؟

كلما تمركزت الوظائف في نقطة واحدة، ازداد الالتباس: من يخطط؟ من ينسّق؟ من يقرر؟ من يتابع؟ ومن يُحاسب إذا تعثرت السياسات أو اختلت الأولويات؟ وفي الدول، لا تقل خطورة غموض المسؤولية عن خطورة ضعف الموارد.

    ربما لهذا السبب، لا ينبغي التعامل مع مشروع الدليل باعتباره مجرد نص إداري ينتظر الإقرار، بل باعتباره فرصة لاختبار سؤال أكبر: كيف تريد سوريا أن تدير التنمية والتعاون الدولي في المرحلة المقبلة؟

في التجربة السورية السابقة، وبصرف النظر عن تقييم الأداء، كان هناك منطق مؤسسي مختلف: التعاون الدولي كان جزءًا من منظومة التخطيط، لا بديلًا عنها. أي أن الدولة تحدد أولوياتها، وتضع خططها، ثم تتعامل مع الخارج من موقع من يعرف ما يريد. أما الخشية اليوم، فهي من أن تصبح قناة التعاون الدولي هي نفسها البوابة التي يُعاد عبرها تعريف الأولويات الوطنية، وأن تتحول إدارة التنسيق، بالتدريج، إلى ما يشبه مركزًا فوق قطاعي يعلو على من يُفترض أنهم أصحاب المعرفة القطاعية والمحلية.

لهذا، لا يبدو النقاش حول مشروع الدليل نقاشًا تقنيًا فقط، بل مناسبة ضرورية لإعادة تثبيت الحدود بين الوظائف. المطلوب ليس التراجع عن تنظيم التعاون الدولي، بل العكس: المطلوب إنجاح هذا التنظيم عبر وضعه في مكانه الصحيح. أن تكون وزارة الخارجية هي الذراع الدبلوماسية والتنموية للدولة في الخارج: تفاوض وتنسّق، وتدير الاتفاقيات، وتحشد الموارد، وتتابع الالتزامات، وتؤمّن اتساق الدعم الخارجي مع الأولويات الوطنية المعتمدة. أما إعداد الخطط الوطنية، والبرامج التأشيرية، والتقارير والمؤشرات الاقتصادية والتنموية، وتقدير الفجوات، وترتيب الأولويات بين القطاعات والمناطق، فذلك ينبغي أن يبقى من اختصاص جهة وطنية أعلى، واضحة الصفة والاختصاص، سواء كانت هيئة مستقلة، أو مجلسًا أعلى، أو وزارة تخطيط وتنمية وتعاون دولي.

والأمر نفسه ينطبق على الوزارات والمحافظات، التي يجب ألا تُختزل إلى جهات تنفيذ أو إحالة، بل ينبغي أن تبقى شريكة في تحديد الاحتياجات، وصياغة الأولويات، ومتابعة النتائج. فالتنمية لا تُدار من المركز وحده، ولا تُختصر في التفاوض مع الخارج، بل تبدأ من الداخل، من مؤسسات تعرف واقعها، وحاجاتها، وحدودها، وفرصها.

ربما لهذا السبب، لا ينبغي التعامل مع مشروع الدليل باعتباره مجرد نص إداري ينتظر الإقرار، بل باعتباره فرصة لاختبار سؤال أكبر: كيف تريد سوريا أن تدير التنمية والتعاون الدولي في المرحلة المقبلة؟ عبر إدارة تتسع حتى تكاد تحلّ محل المؤسسة؟ أم عبر مؤسسات تتكامل، فيعرف كل منها حدوده وقوته ودوره؟

في هذا السؤال، على الأرجح، تكمن قيمة النقاش كله.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى