المجال العام في مرحلة حساسة.. المطالب المشروعة ومخاطر الاستثمار في التوتر/ مها سلطان

أبريل 15, 2026
تندرج الدعوات المتداولة تحت عنوان “قانون وكرامة” ضمن لحظة انتقالية شديدة الحساسية تعيشها البلاد، وهي لحظة تتقاطع فيها المطالب المعيشية والحقوقية مع هشاشة البيئة العامة، وشدة التفاعل الرقمي، واحتمالات استغلال أي مساحة توتر لدفع المشهد نحو مزيد من الارتباك. ويظهر أن هذه القضية ما تزال تتحرك أساسا داخل المجالين الإعلامي والرقمي، وأن أثرها الميداني بقي محدودا وغير محسوم حتى الآن، في وقت تتسع فيه دائرة الجدل، وتتقدم فيه السخرية والاستقطاب على النقاش الهادئ القائم على المعلومات والوقائع.
ويرتبط التحدي المركزي بطبيعة المناخ العام الذي تتحرك فيه هذه الدعوات، لأن كل خطاب يلامس القانون والكرامة والحقوق المدنية يمتلك قدرة كبيرة على اجتذاب التعاطف والتفاعل، وهي قدرة تفتح المجال أمام إعادة التفسير والتضخيم، والنقل من الإطار المطلبي إلى ساحات أكثر اشتباكا. وفي هذا السياق، فإن مخاوف واضحة تتعلق بقابلية الاستغلال السياسي والإعلامي، وباحتمال أن يقود التفاعل الحاد على المنصات إلى توتر رقمي ينعكس على المجال العام، كما يشار إلى أن تعدد الجهات الداعية من دون إطار موحد يوسع مساحة الالتباس في الرسائل والأهداف.
وتستدعي هذه اللحظة معالجة رصينة تعلي من قيمة استقرار الدولة وتماسك المجتمع، وتستخدم لغة هادئة قادرة على الفصل بين المطالب المعيشية المشروعة وبين محاولات الاستثمار الخارجي أو السياسي أو الإعلامي في ظرف انتقالي دقيق. وتزداد أهمية هذا المسار في ضوء معطيات الرصد الرقمي، التي كشفت استقطابا شبه متوازن مع أفضلية طفيفة للخطاب الرافض أو الداعم للاستقرار، إذ بلغت نسبة هذا الاتجاه 48 بالمئة مقابل 42 بالمئة للخطاب المؤيد للاعتصام، مع 10 بالمئة من المواقف المحايدة، ضمن عينة شملت ثماني منصات وثماني مواد ورقما تقريبيا يتجاوز 6.9 مليون متابع. كما يتبين أن المنصات الأكبر تميل إلى تضخيم خطاب الرفض أو السخرية، ويتجمع الخطاب المؤيد في صفحات أصغر ذات طابع حقوقي أو مدني، بما يؤكد أن المعركة الأساسية ما تزال معركة تأطير وتفسير وتوجيه للنقاش العام داخل المجال الرقمي والمؤسسي.
الرصد الرقمي
وكانت وزارة الإعلام السورية قد أصدرت في أواخر آذار الماضي تقريرا يرصد حملات التضليل الرقمي المرتبطة بأحداث السقيلبية، في سياق التوجه الرسمي لمراقبة الفضاء الرقمي وتحليل الخطاب المتداول فيه، حيث باتت المعلومات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأزمات الداخلية تشكل مجالا واسعا غير قابل للضبط والحصر، بما يعمق هذه الأزمات طولا وعرضا.
وحاول التقرير، الذي ركز على تتبع آلاف المنشورات والتغريدات المرتبطة بأحداث السقيلبية، أن يقدم رواية مبنية على تحليل البيانات الرقمية، مؤكدا وجود حملة منظمة أسهمت في تضخيم الحدث وتحويله من شجار محلي محدود إلى قضية ذات بعد طائفي، عبر تداول روايات غير دقيقة وانتشار “هاشتاغات” تحريضية في زمن قياسي يمكن تحديده بالساعات، بل بالدقائق حتى.
وصحيح أن تقرير وزارة الإعلام جاء على خلفية أحداث السقيلبية، إلا أن اعتماده نهجا للقياس والتحليل والعمل يمثل خطوة في غاية الأهمية والإلحاح، في ظل تضاعف سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي ودورها الذي يكاد يتحول إلى دور حصري في تشكيل الرأي العام في سوريا، خاصة في القضايا الحساسة اجتماعيا ودينيا. وليس خافيا أن منشورا واحدا فقط، أو مقطع فيديو غير موثق أو مجتزأ أو مشكلا بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن يشعل خلال ساعات فقط أزمة تتسع وتنتشر، دون أن يكون أي أحد معنيا بالتدقيق والتحقق، وهذا ما يجب التركيز عليه نتيجة وهدفا عند إصدار تقارير الرصد الرقمي، بحيث يكون التحرك فوريا ضمن فريق عمل يتم تشكيله لهذا الهدف تحديدا، فريق يتحرك في الفضاء الرقمي بسرعة أكبر من حملات التضليل، ويرصد ويتابع ويرد بالتوضيح والتوثيق.
بمعنى فريق يكشف الحملات والأخبار المضللة ويعمل على تحليل آليات انتشارها ومصادرها وأنماط الخطاب المستخدمة، ما يسهم في الحد من التوترات المجتمعية ومنع تصاعد الخطاب التحريضي، خصوصا في المناطق التي تحمل حساسية دينية أو اجتماعية.
كذلك فإن نشر تقارير الرصد الإلكتروني التي تلاحق حملات التضليل يؤسس الأرضية الصحيحة لمنظومة إعلامية اجتماعية وسياسية قائمة على البيانات، بدلا من البناء على الأدوات التقليدية والروايات العامة، وهذه خطوة مهمة وبارزة تحسب لوزارة الإعلام السورية.
حساسية الدعوات المطلبية
لماذا تصبح الدعوات المطلبية أكثر حساسية في المرحلة الانتقالية؟ في الإجابة المبدئية عن هذا السؤال، ترى الباحثة الاجتماعية غدران نجم، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن المسألة محكومة بخصوصية المرحلة الانتقالية، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وتحديدا بضعف الأطر المؤسسية وعدم استقرار التوقعات الاجتماعية، ما يجعل أي مطلب مشروع قابلا للتحول إلى أداة ضغط غير منضبطة. مثلا، في تجارب مشابهة لدول مجاورة مثل تونس بعد عام 2011، تحولت احتجاجات معيشية محدودة إلى أزمات سياسية بسبب غياب قنوات التفاوض المؤسسية. والحساسية هنا ليست في المطلب، بل في الفراغ الذي يسمح بتوسيعه.
ومن جهة أخرى، في علم الاجتماع السياسي، تعرف هذه المرحلة بتوقعات ما بعد الاستقرار، وفق الباحثة نجم، حيث إن المجتمع الذي يخرج من أزمة يمتلك سقف توقعات مرتفعا: كرامة، وقانونا، ورفاها. وهذا طبيعي، لكن الخطورة تكمن في أن المحركين لهذه المطالب قد لا يكونون هم المستفيدين منها، فالمطالب هنا تتحول من حاجة اجتماعية إلى رأسمال سياسي يعرض في سوق التجاذبات الدولية أو المحلية.
ومن جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي أمجد إسماعيل الآغا، في حديث لـ”الثورة السورية”، أنه لا بد من التأكيد أولا على أن المرحلة الانتقالية في سوريا تتطلب تحليلا دقيقا يفصل بين المطالب المشروعة ومخاطر الاستغلال والاستثمار في التوتير.
وأي دعوة تحمل عناوين مثل القانون والكرامة والحقوق تجد تربة خصبة في لحظة الضيق المعيشي، لكن حساسية المرحلة تجعلها أيضا قابلة للاختراق والتسييس وإعادة التوظيف. والفكرة هنا أن المشكلة ليست في المفردات بحد ذاتها، إنما في التوقيت والسياق والجهات التي قد تستثمر فيها. والتحدي الانتقالي يتمثل في كيفية تحول المفردات الحقوقية مثل “القانون والكرامة” إلى أدوات تسييس في سياق هشاشة مؤسسية، حيث يصبح التوقيت أداة للاختراق الخارجي أو الداخلي دون التشكيك في جوهر المطالب.
ويضيف الآغا أن هذا التمييز يحمي النقاش العام من الانهيار، لكنه في الوقت نفسه قد يحوله إلى استقطاب يعيق بناء الدولة، مشددا على ضرورة السياقية في أي تعبير جماعي. ومثال واقعي على ذلك أن دعوات لتحسين الرواتب في دمشق، في أعقاب توحيد البلاد في كانون الأول 2024، تحولت إلى حملات سياسية عبر منصات خارجية، ما أدى إلى توترات أمنية غير مبررة.
الفجوة الرقمية – الميدانية
فعليا، نحن نعيش عصر البروباغندا الرقمية الإعلامية، وسوسيولوجيا هناك فرق بين الجمهور الحقيقي والجمهور الافتراضي المتخيل الذي تخلقه الخوارزميات، حيث يكون هناك تضخيم للحدث رقميا بهدف خلق حالة من إيهام المترددين بأن الشارع يغلي، مما قد يدفعهم إلى النزول فعليا إلى الشوارع، فالحدث الرقمي هنا مصنع للواقع وليس ناقلا له، وفق الباحثة نجم التي تضيف: على سبيل المثال، قد يكون هناك اعتصام يضم بضع مئات من الناس، لكن التغطية الرقمية تجعله يبدو كحراك جماهيري عارم، الأمر الذي يخلق فجوة ويعطي انطباعا خاطئا لدى صناع القرار والرأي العام، ويدفع باتجاه قرارات أو ردود فعل غير متناسبة مع الحجم الميداني الحقيقي.
وما يظهره الرصد الرقمي يوضح كيف أن الحدث ما يزال أكبر في الفضاء الإعلامي والرقمي منه في الشارع، وأن التغطية قد تتجاوز حجم الحضور الفعلي، وعليه فإن جزءا كبيرا من التأثير المتوقع هو تأثير تصوري ونفسي وإعلامي، وليس بالضرورة تحولا ميدانيا واسعا. ويوضح الآغا كيف أن الفضاء الافتراضي يضخم التأثير النفسي ليصبح أداة ضغط دون دعم ميداني حقيقي، مما يعرض الاستقرار لمخاطر التصورات الخاطئة. وهذا يحتم ضرورة العمل على تحقيق رصد متوازن يفصل بين الإعلامي والواقعي لتجنب الانهيار الاجتماعي. ومثال ذلك أن حملة “قانون وكرامة” على “فيسبوك” جمعت ملايين التفاعلات في آذار الماضي، لكن الحضور الميداني في حلب لم يتجاوز آلافا، مما سمح بتضخيمها إعلاميا.
أما عن تشكيل بيئة الاستقطاب وكيف يتم ذلك، ووفق أي معايير، لناحية الأشخاص والمؤثرين، أو لناحية الخطاب والأخلاقيات؟
إن تحول كل قضية إلى ساحة استقطاب أخلاقي، حيث يصبح الخلاف حول رواتب الموظفين أو خدمات الدولة وكأنه اختبار ولاء، أمر مربك. والخطر الحقيقي، وفق الباحثة نجم، ليس في وجود مؤيد ومعارض، بل في صعود أو طفو الطبقة الساخرة التي لا تريد حلا، بل تريد استمرار الضجيج لأنها تعيش عليه إعلاميا أو سياسيا أو نفسيا.
وإن ما يجعل الخطاب الساخر ينتشر بقوة هو كونه أسهل من التحليل والتمعن، لكنه عمليا يقتل إمكانية الحوار. فهو خطير لأنه يعمل على تمييع القضايا الجادة وتسخيفها، فتضيع الحقوق وسط عبارات التهكم، ما يفقد المطلب قدسيته ويحول الدولة والمجتمع إلى مادة للتداول والفرجة، إن صح التعبير. وبالتأكيد، هذا يفكك الروابط الاجتماعية العميقة لصالح الفوضى والضوضاء، وقد يكون من المناسب للخروج من هذا المأزق القيام بإدارة المنصات الرقمية بحكمة، عبر خلق غرف نقاش هادئة وتشجيع المؤثرين الجادين على المشاركة، بل وتدريب الناشطين والإعلاميين على خطاب يعترف بالألم ولا يحوله إلى سلاح.
فعلى سبيل المثال، في قضية الاحتجاج على فواتير الكهرباء، بدلا من الدخول في جدال ساخر، لماذا لا يتم تشكيل لجنة لدراسة الوضع بجدية؟ بمعنى أنه حتى لو كان الحل جزئيا، فإن وجود قناة حوار فعلية يقلص مساحة السخرية والتخوين بشكل كبير.
وعمليا، لا ينقسم المشهد فقط بين مؤيد ومعارض، بل بين ديناميكية ثلاثية: حقوقي، واستقراري، وساخر، تحول النقاش إلى فوضى عاطفية، وفق الآغا، حيث تغذي السخرية الجدلية الاستقطاب لصالح جهات تستثمر الالتباس. والرؤية هنا عميقة في ربط ذلك بالضعف الرقمي، مع التحذير من فقدان السيطرة على السرد العام. ومثال ذلك أن أزمة الخدمات في دمشق في كانون الثاني الماضي شهدت انتشار فيديوهات ساخرة عن “الكرامة” تحولت إلى اتهامات بالتخوين، مقسمة المجتمع بين مؤيدي الدولة ومدافعي الحقوق، وهذا ما يسهل على أي طرف خارجي أو داخلي استثمار الفوضى المعنوية، وليس الموقف في حد ذاته.
فصل المطالب عن الاستثمار
تؤكد الباحثة نجم أن مؤسسات الدولة هي الضامن الوحيد والأقوى للحقوق، ومع أن الاستقرار شرط ضروري، إلا أنه غير كاف للكرامة، ولنا في بعض التجارب التاريخية عبرة، مثل مصر بعد عام 2013، حيث إن الوقائع أظهرت أن الاستقرار الأمني دون مسارات مؤسسية واضحة لحل المطالب يؤدي إلى كرامة شكلية ثم إلى انفجار لاحق، والعكس صحيح أيضا، فالفوضى تدمر الكرامة. وقد يكون الحل في القدرة على احتواء التغيير دون انهيار. وببساطة، الاستقرار هو كالوعاء الذي يصب فيه الإصلاح.
أما الآغا، فيرى أن المؤسسات الشفافة وحدها تحمي الحقوق في مرحلة إعادة البناء، وفي تجاوز الثنائية الشائعة بين الدولة والشعب. وهذا يقدم إطارا انتقاليا يجمع بين الحماية والإصلاح. ومثال ذلك إنشاء لجان رقابية قانونية في عام 2025 منعت التصعيد خلال الاحتجاجات التي خرجت في المنطقة الساحلية لعدة أيام، محققة الكرامة عبر القنوات الرسمية بدلا من الشارع، أي منع السقوط في ثنائية: إما الدولة وإما الناس.
إن تحصين المطالب يبدأ بوعي أصحابها بضرورة عدم السماح لأي طرف ثالث بركوب الموجة، فعلى سبيل المثال، كثيرا ما كانت هناك مطالب معيشية حقيقية، لكن بعض الأطراف السياسية حاولت تحويلها إلى مشروع سياسي أوسع. والشفافية مطلوبة، والوضوح أيضا. ويجب أن تكون هناك آليات للتعبير لا تخلط بين المطلب المحلي الحقيقي والإطار العام، وفق رأي الباحثة نجم، في حين يرى الآغا أن التركيز يجب أن يكون على مسألة أن المطالب ليست جميعها موضع شك، لكن أي حدث مفتوح في المرحلة الحالية يجذب بطبيعته أطرافا تريد توسيع الشقوق أو خلق حراك بأي شكل. لذلك، المطلوب ليس مهاجمة العنوان المعيشي، بل الحذر من الجهات التي تعيش على تضخيم التوتر وتحويله إلى مسار سياسي أو إعلامي أكبر من حجمه، وعندما يتعلق الأمر بتحليل مسارات الرصد الرقمي فإن الاهتمام يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قابلية الاستغلال والتضخيم. ومثال ذلك مطالب عمال النفط في دير الزور، التي أعيد توظيفها في عام 2026 من قبل إعلام إيراني للتشكيك في التوحيد السوري.
لماذا يجب أن تكون الدولة هي الإطار لا الطرف؟
هذا هو جوهر العقد الاجتماعي، فالدولة هنا، كما تؤكد نجم، هي الحكم الذي يحمي الملعب وليست لاعبا يصارع الجمهور. ونجاح مؤسسات الدولة يكون بتحويل الاحتجاج إلى ملفات تفاوض، لا إلى مواجهات.
وعندما يتم تصوير الدولة بوصفها مساحة شاملة لا طرفا في نزاع أو اشتباك، فإن ذلك يعزز فعالية المعالجة عبر القنوات الرسمية، أي مؤسسات الدولة، ويمنع الفوضى، وتاليا يعزز الثقة المؤسسية، كما يرى الآغا. ومثال ذلك حوار الدولة مع نقابات حمص في عام 2025 حول الرواتب، وكانت النتيجة تحويل التوتر إلى إصلاحات دون اعتصامات.
والمعركة الحقيقية هي على تفسير الحدث. وقدرة الدولة والمجتمع المدني المتماسك الواعي على تأطير الحدث، أيا كان، بوصفه حراكا مدنيا منضبطا هي التي تحدد نتائجه، بمعنى أنه إذا نجح الإعلام المعادي في وصف “وقفة” معينة كتمرد، فقد نجح في عزلها عن سياقها الطبيعي. ومن ينجح في فرض تفسيره هو من يحدد مسار التطور، كما تؤكد الباحثة نجم.
والمنصات الكبرى لا تنقل الحدث فقط، بل تسهم في تشكيل مزاج عام حوله، سواء عبر التشكيك أو السخرية أو التضخيم. لذلك، فإن المعركة ليست على الوقفات المطلبية وحدها، بل على معناها: هل تفهم كمطلب اجتماعي محدود؟ أم كبداية تصعيد؟ أم كاختبار لصلابة الدولة؟ أم كفرصة لإرباكها؟ وهنا تكمن القيمة التفسيرية للمادة، وفق الآغا. ومثال ذلك تغطية بعض الوقفات الاحتجاجية في دمشق وتحويلها إلى تهديد للاستقرار لتعزيز سرد خارجي.
السيناريو الأخطر
ترى الباحثة نجم أن الخطاب المطلوب ثلاثي الأبعاد: الاعتراف بأن هناك مشكلة، وتحديد مسار الحل عبر المؤسسة المعنية، والحماية أو الاستقرار الذي يسمح بالحل. وتضيف: إن الخطاب الذي يقر بالصعوبات المعيشية ثم يربط الحل بالمؤسسة هو الخطاب الوحيد القادر على بناء الثقة في المرحلة الانتقالية.
في حين يرى الآغا أن المطلوب ليس خطاب تخوين، ولا خطاب تعبئة، ولا خطاب إنكار للمشكلات، بل خطاب متوازن يجمع بين الاعتراف بالضغوط والتأكيد على الاستقرار والحلول المؤسسية، بديلا عن التعبئة العاطفية. وهذا نموذج عملي لإدارة الأزمات عبر وضوح الرسائل وخفض التوتر ومواجهة التضخيم وفصل الحقوقي عن السياسي المنفلت. ومثال واقعي على ذلك بيان حكومي في شباط الماضي اعترف بارتفاع الأسعار وأعلن دعما فوريا، ما خفض التوتر الرقمي بنسبة 30 بالمئة.
وأخطر مرحلة هي ما بعد الحدث، وتورد الباحثة نجم مثالا على ذلك اعتصامات التحرير في بغداد عام 2019، التي انتهت آنذاك ميدانيا، لكن السرديات استمرت لسنوات في المحاكم والمنصات والكتب، ما أعاد إنتاج الانقسام. لذلك، فإن التعامل مع اليوم التالي بخطط إعلامية وقانونية وخدمية أهم من التعامل مع يوم الاعتصام. أي إن التركيز يجب أن ينصب على الاستقطاب اللاحق، حيث يستثمر “اليوم التالي” في إطالة الضجيج عبر السرديات. ويمكن رسم المسار كالتالي: من تفاعل رقمي متصاعد إلى استقطاب حاد، ثم تغطية يوم الحدث، ثم تراجع تدريجي للزخم. والنقطة الأساس هنا هي أن هذا المسار يتيح التحذير من أن بعض الجهات قد لا يكون هدفها الحدث نفسه، بل استثماره في اليوم التالي: في التأويل، وفي السرديات، وفي إعادة تدوير الانقسام، وفي إطالة عمر الضجيج. ومثال واقعي على ذلك أنه بعد اعتصام دمشق في تشرين الثاني الماضي 2025، ركزت بعض وسائل الإعلام على حالة “قمع” لإعادة إشعال الجدل في الشارع السوري.
الأفضل والأكثر جدوى هو خلق مساحات آمنة للتعبير تدريجيا، مثل مجالس الحوار المحلي، أو لجان الأحياء، أو منصات رقمية مدارة، وترى الباحثة نجم أن المجال العام في سوريا حاليا يشبه البناء في مرحلة التصلب، أي إن اهتزازا قويا قد يؤدي إلى تصدعات دائمة، والنجاح في هذه المرحلة يقاس بمدى قدرتنا، كشعب ومؤسسات دولة، على تحويل الطاقة الاحتجاجية والنقدية إلى إصلاح داخل قنوات الدولة، بدلا من تركها تتسرب إلى الشارع حيث يصعب التحكم في مساراتها أو نتائجها.
الثورة السورية



