النشر بصفته جنسًا أدبيًا/ محمود عبد الغني

8 أبريل 2026
على امتداد ثلاثين سنة من النشر، تكونت لديّ فكرة معينة عن ناشر الكتب، وأيضًا عن أصحاب المكتبات. والذين نشروا كتبي، مع ما يرافق ذلك من لقاءات ومراسلات، تكونت معهم صداقات فورية دامت أمدًا طويلًا. والأمر نفسه ينطبق على بعض أصحاب المكتبات الذين باعوا لي كتبًا أو أوصوني بقراءة أخرى لم أكن أعرفها فأصبحت رفيقًا مدى الحياة. إلى هؤلاء، إلى ذكراهم المجيدة أقدم هذا المقال، وإلى الناشرين المناقضين لهم، خصوصًا الذين يُوصَفون بذاكرة بطيئة التطور، والذين يحتاجون إلى تطبيقات فورية لنصائح ناشريْن فرنسييْن قدّما تجربتهما، مع ما يرافقها من حكمة ونصائح، في دراسة عنوانها “النشر باعتباره جنسًا أدبيًا”. ففي زمنٍ تُتيح فيه الشبكات الاجتماعية تكوين صداقاتٍ فورية، يجب على الناشر أن يجعل نفسه متوازنًا، مؤمنًا بشكل الكتب وجوهرها، وبقوة المؤلفين في كل الأزمنة. والنقد الذي يُمكن توجيهه لناشر الكتب، في الوقت الحالي تحديدًا (أي في هذه الأيام)، هو أنه غير قادرٍ على بيع الوقت اللازم لقراءة الكتب، إلى جانب كتبه التي يطبعها. كما هي النصيحة الشهيرة التي أسداها الناشر والكاتب الفرنسي فانسان بيانتي لبائعي الكتب.
الحديث عن النشر لا بدّ أن يكون دقيقًا، نظرًا لما يتميز به الموضوع من تعقيد، رغم بداهته الظاهرة. إن نشر الكتب فنّ، رغم أن الناس والمهنيين يتحدثون عنه بدون تسميات إضافية، فهذا الأمر ظل موضوعًا للتفكير من حيث المفهوم نفسه، لأنه يبدو مليئًا بسوء الفهم. يُصيغ روبرتو كالاسو وإيزابيل شيكاغليني في دراستهما أسئلة تمهيدية في غاية الأهمية: “إذا سألت أحدهم: ما هي دار النشر؟ فالإجابة المعتادة، والأكثر منطقية، هي: إنها فرع ثانوي من الصناعة يسعى فيه المرء إلى جني المال من خلال نشر الكتب. وكيف ينبغي أن تكون دار النشر الجيدة؟ دار النشر الجيدة، إن جاز التعبير، هي التي يُفترض بها أن تنشر، قدر الإمكان، كتبًا جيدة فقط. أي، باختصار، كتبًا يفخر بها الناشر، لا يخجل منها. من هذا المنظور، لن يكون لمثل هذه الدار قيمة اقتصادية تُذكر. فنشر الكتب الجيدة لم يُثرِ أحدًا قط”.
يمكن إضافة سؤال آخر متولد عن الأسئلة السابقة: هل الكتب الجيدة، كما يتوهم البعض، هي فقط القادرة على تحقيق الربح للناشر؟ إننا حين نتجول في المكتبات، أو حين نتصفح كاتالوغات دور النشر نجد، وهذه هي المفاجأة، أن الكتب متفاوتة القيمة. وهذه حقيقة أخرى غير ساطعة، لكن يعرفها المهنيون: إن دار النشر لا يمكن أن تحقق ربحًا حقيقيًا إلا إذا طغت الكتب الأخرى متفاوتة الجودة على الكتب الجيدة. وعندما تطغى الكتب الجيدة على الكتب الأخرى، يسهل أن تغرق في بحر من الكتب الجيدة، وبالتالي تختفي تمامًا. معنى ذلك أن الكتب الجيدة تختفي، أو تُباع حسب تعبير السوق، وإذا اكتفى بها الناشر، وبالتالي بيعت، فإنها تختفي، وباختفائها يختفي الناشر. لسبب بسيط، أن الناشر لا يمكنه أن يُثرى مثلما يُثرى البائعون الذين يعرضون المياه المعدنية أو أجهزة الكمبيوتر أو الأكياس البلاستيكية للبيع في السوق.
نرى عبر تاريخ النشر أن مجموعة من الأثرياء بدّدوا ثرواتهم في النشر، فتأففوا ويئسوا وغادروا الميدان. تُرى لماذا أفلسوا فيما غيرهم يُثرى؟ إن النشر يكون بالإثبات أنه أسرع الطرق لتبديد الثروات الطائلة. يجب التذكير دومًا بهذه الحقيقة. في هذه الحالة، حالة إفلاس البعض، يكون الناشر الذي لا ينشر سوى الكتب الجيدة شبيهًا بالمقامر، أو من يصنع أدوات مطبخ ورقية مثل الملاعق أو السكاكين. إن ذلك يُعتبر من الطرق الفعالة لإهدار الثروات. لو اكتفى الناشرون بنشر الكتب الجيدة فقط لأفلس الجميع. من هنا لا بدّ من طرح هذا السؤال الذي صاغه ر. كالاسو وإ. شيكاغليني: كيف اجتذبت مهنة النشر هذا العدد الكبير من الناس لقرون، وكيف لا تزال تُعتبر جذابة، بل وغامضة إلى حدّ ما، حتى يومنا هذا؟
يطمع بعض كبار رجال الأعمال إلى أن يصبحوا ناشرين، وغالبًا ما يحصلون على ذلك بدفع مبالغ باهظة. لهذا نعثر في كتاب “النشر باعتباره جنسًا أدبيًا” تعبيرات ساخرة من قبيل: “يُعد لقب الناشر من أكثر الألقاب التي لو كان بإمكان هؤلاء الادّعاء بأنهم ينشرون الخضروات المجمدة بدلًا من إنتاجها، لكانوا في غاية السعادة. نستنتج من ذلك أن النشر، إلى جانب كونه فرعًا من فروع الأعمال، لطالما ارتبط بمسألة المكانة الاجتماعية، لأنه نوع من الأعمال التي تُعتبر فنًا أيضًا. فن بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو فن خطير بلا شك لأن المال ضروري لممارسته”. من هذا المنظور، يمكن أن نقول إن مهنة النشر لم تتغير إلا قليلًا منذ زمن غوتنبرغ.
مع ذلك، إذا نظرنا إلى تاريخ النشر، عبر خمسة قرون من النشر، محاولين اعتبار النشر فنًا، فإننا نواجه على الفور العديد من المفارقات والأسئلة. أولها: ما هي المعايير التي يمكننا من خلالها الحكم على عظمة الناشر؟ في هذه النقطة “لا توجد ببليوغرافيا”. لا يمكننا الحكم على عظمة الناشر وأهميته من خلال قائمة منشوراته. إنه وهم أن يعتقد أي ناشر أنه سينال احترام الكتّاب والوسط الثقافي لمجرد توفره على ببليوغرافيا ضخمة. يمكننا قراءة دراسات معمقة ودقيقة للغاية حول أعمال بعض الناشرين، لكن من النادر جدًا أن نجد تقييمًا لعظمتهم من خلال القوائم، على عكس ما يحدث مع الكُتّاب أو الرسامين. هذه نقطة مهمة. الكاتب تُقدَّر عظمته من خلال إنتاجاته الكثيرة، والرسامون من خلال المعارض الكثيرة التي أقاموها.
إذًا، ما الذي يُشكّل عظمة الناشر؟ حاول صاحبا الدراسة المذكورة الإجابة عن هذا السؤال الصعب من خلال أمثلة. المثال الأول، وربما الأكثر بلاغة، يعيدنا إلى أصول النشر. مع اختراع المطبعة، حدثت ظاهرة ستتكرر مع ظهور التصوير الفوتوغرافي. يبدو أننا تعرفنا على هذه الاختراعات على يد روادٍ حققوا تميزًا لا يُضاهى. إذا أردت فهم جوهر التصوير الفوتوغرافي، فما عليك سوى دراسة أعمال المصور والرسام الفرنسي فيلكس تورماشون (1820-1910) المعروف في تاريخ الفن بـ”نادار”، مثلًا. إذا أردت أن تفهم ما يمكن أن تكون عليه دار نشر عظيمة، فما عليك سوى إلقاء نظرة على الكتب التي طبعها الناشر الإيطالي في عصر النهضة ألدو مانوتسيو، في البندقية. وفي النشر العربي لا بد من وضع تاريخ للنشر منذ تأسيس مطبعة “بولاق” في مصر سنة 1821، والتي يتكرر اسمها مع طبعات “ألف ليلة وليلة”، وصولًا إلى مجموعة دور النشر في مصر مع بداية القرن العشرين، وفي بيروت مع تكرّس النشر كفن بالغ الاكتمال والفنية، مع نموذج دار الآداب التي أسسها سهيل إدريس سنة 1956 بعد صدور مجلة “الآداب”.
عبر كل هذا التاريخ الطويل، لا بد من أن نضع في الاعتبار تصور دار نشر من منظور شكلي. وهنا، يُفهم مصطلح “الشكل” بعدة طرق. أولًا، يُعد الشكل حاسمًا في اختيار وتسلسل العناوين المراد نشرها. لكن الشكل يشمل أيضًا النصوص المصاحبة للكتب، أي الطريقة التي يُقدَّم بها الكتاب نفسه ككيان مادي. فهو يتضمن الغلاف، والتصميم الجرافيكي، والتخطيط، وأنواع الخطوط، والورق. “اعتاد ألدو مانوتسيو نفسه أن يُضفي على هذه النصوص التمهيدية القصيرة شكل الرسائل، التي تُعدّ بمثابة النواة الأولى ليس فقط لجميع المقدمات والتهيئة والخواتيم الحديثة، بل أيضًا لجميع عبارات التهنئة على الغلاف الخلفي، وعبارات بائعي الكتب، والإعلانات في عصرنا الحالي. كانت هذه أولى الدلائل على أن جميع الكتب التي تنشرها دار نشر معينة يُمكن اعتبارها حلقات في سلسلة واحدة، أو حلقات في سلسلة من الكتب، أو أجزاء من كتاب واحد مُكوّن من جميع الكتب التي نشرتها تلك الدار” (روبرتو كالاسو وإيزابيل شيكاغليني).
لا شكّ في أن سؤالًا سيتبادر إلى الذهن، سؤال يمكن صياغته كالتالي: “حسنًا، كل هذا جذاب وينتمي إلى أمجاد عصر النهضة الإيطالية، ولكن ما علاقته بنا ودور النشر اليوم، وسط الذين يغرقون في بحر متزايد من أقراص CD-ROM والمواقع الإلكترونية والكتب الإلكترونية وأقراص DVD، ناهيك عن التداخلات المعقدة بين كل هذه الأجهزة؟”. يطلب منا المؤلفان أن نتحلى ببعض الصبر لمتابعة عدة لحظات أخرى، في محاولة للإجابة على هذا السؤال باستخدام بعض الأمثلة الأخرى. “في الواقع، لو قلنا لك بدون تردد، في رأينا، إن على الناشر الجيد اليوم أن يحاول ببساطة أن يحذو حذو ألدو مانوتسيو في البندقية في بداية القرن السادس عشر، لظننتَ أننا نمزح، لكننا لن نفعل. لذا سنتحدث عن ناشر من القرن العشرين لنوضح لك تحديدًا أنه تصرف بهذه الطريقة، حتى وإن كان ذلك في سياق مختلف تمامًا. كان اسمه كورت وولف. كان شابًا ألمانيًا أنيقًا وثريًا، لكن ليس بثراء فاحش. أراد نشر أعمال كتّاب جدد ذوي جودة أدبية عالية. فابتكر لهم مجموعة من الكتب الصغيرة غير المألوفة، ذات التنسيق الرأسي، بعنوان “يوم القيامة” (Der Jüngste Tag)، وهو عنوان يبدو مناسبًا جدًا اليوم لمجموعة كتب ظهرت، بحكم القدر، في ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى. إذا ألقيت نظرة على هذه الكتب السوداء الرقيقة ذات الغلاف البسيط، والملصقات عليها كما في دفاتر المدرسة، فقد تفكر: “هكذا يجب أن يبدو كتاب لكافكا”. وبالفعل، نُشرت العديد من قصص كافكا القصيرة في هذه المجموعة. من بينها “المسخ”، عام 1917، بغلاف أزرق أنيق وإطار أسود. في ذلك الوقت، كان كافكا كاتبًا شابًا مغمورًا ومتكتمًا للغاية. لكن، من خلال قراءة الرسائل التي كتبها كورت وولف إليه، ستدرك على الفور من خلال أسلوبه الرائع واهتمامه الدقيق أن الناشر كان يعرف جيدًا من هو مراسله”.
نستخلص من هذا النص المقتطف من الدراسة أن على الناشر، بالإضافة إلى التصور الشكلي الذي كان ينير طريق الناشر الشاب كورت وولف، خلق شيء غير مألوف. في حالة ك. وولف هنا، كان غير المألوف هو سلسلة “يوم القيامة”، ثم معرفة الكاتب الذي يراسله، وهو هنا فرانز كافكا الشاب. ولفظة “معرفة” لها دلالة الوصول إلى جوهر عمل المؤلف وتقدير عمله وموهبته. في غياب ذلك لن يجد الناشر طريقه إلى النجاح (حالة بعض الناشرين العرب، لا يعرفون الكتّاب الذين يتعاملون معهم، وهنا لا بدّ من الاقتداء بخطى سهيل إدريس الذي كان يعرف معرفة جوهرية عمل الكتّاب الذين ينشر لهم، ويقدّر موهبتهم. وهكذا استمرت الدار حتى بعد موته).
يعود صاحبا الدراسة إلى نموذج آخر هو عالم الإناسة الفرنسي كلود ليفي شتراوس. قبل نحو أربعين عامًا، اقترح شتراوس أن ننظر إلى أحد الأنشطة الأساسية للبشرية، ألا وهو ابتكار الأساطير، باعتباره شكلًا خاصًا من أشكال التجميع. فالأساطير، في نهاية المطاف، تتألف من عناصر جاهزة، كثير منها مستوحى من أساطير أخرى. وهنا، أقترح بتواضع أن ننظر أيضًا إلى فن النشر كشكل من أشكال التجميع. تخيّل دار نشر كنص واحد لا يتكون فقط من جميع الكتب التي نشرتها، بل أيضًا من جميع عناصرها الأخرى، كالأغلفة، والأغلفة الخلفية، والإعلانات، وعدد النسخ المطبوعة والمباعة، أو الطبعات المختلفة للكتاب نفسه.
إذا تخيلنا دار نشر بهذه الطريقة، سنجد أنفسنا منغمسين في عالم فريد من نوعه، قد نعتبره عملًا أدبيًا بحد ذاته، ينتمي إلى نوع أدبي محدد. نوع أدبي يفتخر بروائعه الحديثة. “على سبيل المثال، ممتلكات غاليمار الشاسعة، الممتدة من غابات ومستنقعات سيري نوار المظلمة إلى هضاب بلياد العالية، وتشمل أيضًا العديد من البلدات الريفية الجميلة أو الوجهات السياحية التي تشبه أحيانًا قرى بوتيمكين المصنوعة من الورق المعجن، والتي لم تُبنَ في هذه الحالة لزيارة كاترين العظيمة، بل لموسم جوائز أدبية”. إننا نعلم جيدًا أنه عندما تتطور دار نشر بهذه الطريقة، فإنها تكتسب طابعًا إمبراطوريًا. وهكذا، يتردد اسم غاليمار حتى في أقصى المناطق النائية حيث تزدهر اللغة الفرنسية.
من خلال النظر إلى دور النشر من هذا المنظور، قد يتضح أحد أكثر جوانب هذه المهنة غموضًا: لماذا يرفض الناشر كتابًا معينًا؟ لأنه يدرك أن نشره أشبه بإدخال شخصية شريرة في رواية، شخصية تُهدد بزعزعة توازنها أو تشويهها. أما النقطة الثانية فتتعلق بالمال وعدد النسخ المطبوعة: باتباع هذا المنطق، نجد أنفسنا مضطرين للتفكير في أن القدرة على جعل كتب معينة تُقرأ (أو على الأقل تُباع) عنصر أساسي في جودة دار النشر. إن السوق، أو العلاقة مع ذلك الكيان المجهول والغامض الذي نسميه “الجمهور”، هي المحنة الأولى للناشر، بالمعنى التقليدي للكلمة: اختبار قاسٍ قد يُبدد أموالًا طائلة. مع ذلك، يمكن تعريف النشر بأنه “نوع أدبي هجين متعدد الوسائط”. وهو كذلك بلا شك. أما بالنسبة للاندماج مع وسائل الإعلام الأخرى، فقد أصبح أمرًا مفروغًا منه. ومع ذلك، يبقى النشر، كلعبة، هو نفسه اللعبة القديمة التي لعبها ألدو مانوتسيو.
ضفة ثالثة



