النقابات في سوريا.. فرصة الاستقلال والتخلص من التبعية السياسية / عمار عبد اللطيف

مسألة للنقاش.. كيف تتخلص النقابات في سوريا من إرث التبعية
2026-04-09
تبرز اليوم في سوريا حاجة مهمة لإعادة تعريف دور النقابات المهنية والعمالية، بعد عقود طويلة من ارتهانها للسلطة وتحولها من مؤسسات تمثيلية إلى أدوات ضبط وتوجيه. وتعود النقابات إلى واجهة النقاش بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لإعادة بناء المجتمع والدولة على أسس أكثر توازناً وعدالة، وذلك تزامناً مع التحولات السياسية المتسارعة، وفتح المجال العام أمام العمل المدني والسياسي.
وعلى مدى سنوات، ارتبطت النقابات في سوريا ببنية النظام السياسي، وفقدت تدريجياً استقلالها وقدرتها على تمثيل أعضائها، ما أضعف دورها في الدفاع عن الحقوق المهنية والعمالية.
واليوم ومع الحديث عن مرحلة ما بعد سقوط النظام، يبرز سؤال جوهري حول كيفية استعادة هذه النقابات لوظيفتها الأصلية، كأطر مستقلة تعبّر عن مصالح منتسبيها وتسهم في صياغة السياسات العامة؟.
اقرأ أيضاً: سوريا تعزز التعاون العمالي العربي خلال مشاركتها في الدورة الـ104 لمنظمة العمل العربية – 963+
تحرر من إرث التبعية
يقول المحامي السوري أنس دللو إن مرحلة ما بعد سقوط النظام في سوريا تضع النقابات المهنية والعمالية أمام اختبار تاريخي، يتمثل في قدرتها على التحرر من إرث التبعية السياسية وبناء استقلال حقيقي يعيد لها دورها كمؤسسات تمثيلية تدافع عن حقوق أعضائها.
ويوضح دللو في حديث لـ”963+” أن استعادة النقابات كفضاء عام مستقل تتطلب ترسيخ الحريات المدنية والسياسية، بما في ذلك حرية التجمع والتظاهر والإضراب، إلى جانب إجراء إصلاحات تشريعية عميقة تشمل قوانين الانتخابات النقابية وقوانين الجمعيات الموروثة منذ ستينيات القرن الماضي.
ويشير إلى أن تحقيق الاستقلال الفعلي للنقابات لا يكتمل دون ثلاث ركائز أساسية، أولها الاستقلال المالي من خلال فك الارتباط مع التمويل الحكومي والاعتماد على اشتراكات الأعضاء، مع فرض رقابة شفافة على أصول النقابات التي تعرضت لسوء الإدارة أو النهب خلال العقود الماضية.
أما الركيزة الثانية، فتتمثل في الفصل الكامل بين العمل النقابي والعمل الحزبي، بحيث يُمنع فرض القوائم الانتخابية أو تشكيل كيانات موازية، ويُبنى الانتماء النقابي على أساس مهني بحت بعيداً عن الانتماءات السياسية أو الطائفية.
ويشدد على أهمية الركيزة الثالثة، وهي بناء آليات محاسبة داخلية، عبر تشكيل هيئات مستقلة للتحقيق في الانتهاكات السابقة داخل النقابات، وفق معايير العدالة الانتقالية، بعيداً عن منطق الانتقام.
وفي ما يتعلق بالتحديات، يؤكد دللو أن إعادة هيكلة النقابات لتصبح أكثر تمثيلاً وشفافية تصطدم بجملة من العقبات، أبرزها ضعف الثقة المتراكمة نتيجة التجارب السابقة، وافتقار بعض الإدارات الحالية للكفاءة اللازمة لإدارة إصلاحات بنيوية.
ويرى دللو أن نجاح النقابات في استعادة استقلالها سيجعل منها ركيزة أساسية في إعادة بناء الدولة السورية، مشيراً إلى أنها قادرة على لعب دور مدني وسياسي يعزز المشاركة المجتمعية، في ظل بطء إعادة تشكل الحياة الحزبية.
ويخلص إلى أن هذا الدور يمكن أن يتجسد في المشاركة بصياغة قوانين العمل والضمان الاجتماعي، ووضع حد أدنى للأجور يتناسب مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار، إضافة إلى إدارة صناديق تعويض المتضررين من الحرب بشكل مستقل.
تجارب عالمية بالتبعية السياسية
يقول الأكاديمي والباحث السياسي عدي رمضان إن مسألة تحرر النقابات المهنية والعمالية في سوريا من التبعية السياسية لا يمكن فصلها عن التجارب العالمية، مشيراً إلى أن هذه الإشكالية لا تقتصر على سوريا، بل تشمل دولاً كبرى في أوروبا والولايات المتحدة.
ويضيف رمضان أن النقابات المهنية والعمالية، سواء سابقاً أو حالياً، وحتى على المستوى العالمي، تخضع في كثير من الأحيان لنفوذ سياسي غير مباشر، لافتاً إلى أن تجربة العمل النقابي في أوروبا تُظهر أن تحقيق استقلال كامل للنقابات أمر صعب جداً.
ويشير في حديث لـ”963+” إلى أن النقابات في الولايات المتحدة توصف أحياناً بـ”الصفراء”، في دلالة على عملها ضمن إطار متأثر بالسلطة، كما يوضح أن النقابات في أوروبا، رغم تاريخها الطويل، ترتبط بدرجات متفاوتة بالحكومات، سواء كانت يسارية أو يمينية، حيث تميل إلى الاصطفاف مع القوى الحاكمة أو التأثر بها.
ويؤكد رمضان أن هذا الواقع يعكس صعوبة تحقيق استقلال حقيقي للنقابات، مشدداً على أن الحديث عن نقابات مستقلة بالكامل عن التأثير السياسي يصطدم بتحديات بنيوية عميقة تجعل هذا الهدف معقداً.
ويبين أن أبرز التحديات التي تواجه إعادة هيكلة النقابات لتصبح أكثر تمثيلاً وشفافية وديموقراطية تتمثل في سيطرة الحكومات على مقدرات هذه النقابات وإمكاناتها، موضحاً أن النقابات نشأت أساساً لتحقيق العدالة الاجتماعية في مجالات العمل المختلفة.
ويتابع أن النقابات نجحت في أوروبا خلال مراحل تاريخية، خاصة في فترات الصراع الاجتماعي، في تحقيق مكاسب مهمة للعمال، لكنه يشدد على أنه ما إن استقرت الأنظمة السياسية حتى عادت هذه النقابات لتقع ضمن دائرة النفوذ الحكومي، وأن التحديات التي واجهت النقابات الغربية هي نفسها التي ستواجه النقابات السورية، وعلى رأسها تدخل الحكومات وممثليها في إدارتها والتحكم بمواردها.
ويؤكد رمضان أن الدور الذي يمكن أن تلعبه النقابات في إعادة بناء المجتمع يبقى مرتبطاً بمدى استقلالها، موضحاً أنها، في حال ابتعادها عن تأثير الأنظمة، تستطيع أن تؤدي دوراً أساسياً وفاعلاً في الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين وسائر الفئات الكادحة.
ويضيف أن النقابات في هذه الحالة تصبح قادرة على انتقاد القرارات المجحفة بحق هذه الفئات، وتسهم في تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وأن تحقيق هذا المستوى من الاستقلال يظل أمراً صعباً، معتبراً أن وجود نقابة مستقلة بالكامل عن التأثير السياسي قد يجعلها حالة استثنائية على مستوى العالم.
ويختتم رمضان بالقول إن نجاح تجربة كهذه في سوريا، إن تحقق، قد يجعلها نموذجاً فريداً لنقابة قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية بعيداً عن أي تأثير سياسي، مؤكداً أن مستقبل النقابات سيبقى مرهوناً بقدرتها على مواجهة هذه التحديات وتحقيق التوازن بين دورها المهني والضغوط السياسية المحيطة بها.
+963



