في الخواء السوري والتدريب على السياسة/ حمزة رستناوي

أبريل 9, 2026
عموماً، لا تخلو جلسات السوريين في الداخل والمَهجر من أحاديث سياسية قد تكون سبباً للاختلاف والاصطفافات فيما بينهم، ومن الشائع أن تكون انحيازاتهم السياسية مُوجهة بالخلفيات القومية والدينية – الطائفية، وبالتالي فإن اهتمام السوريين بالسياسة غالباً لا يعكس وعياً سياسياً قائماً على ترتيب الأولويات الوطنية والمصلحة العامة ومشاريع سياسية عملية، بل يتجسّد في دفاعهم عن مشاعرهم وهوياتهم الفئوية في مقابل الهويات الفئوية للسوريين الآخرين.
في المدينة التي أعيش بها في كندا لا يمكن الحديث عن جالية سورية واحدة مُنظمة رغم أن عدد السوريين فيها ربما يقارب البضعة آلاف. لا يوجد كيان أو جمعية سياسية أو ثقافية واحدة تجمع السوريين المُغتربين بناء على انتمائهم الوطني بصفتهم سوريين فقط! بل هناك تجمعات أهلية تتمحور حول شخصيات ومؤسسات دينية إسلامية سنية مرتبطة بالمساجد أو مسيحية مرتبطة بالكنائس أو تجمعات أهلية أصغر كردية أو درزية أو علوية لا أكثر!
نحن كسوريون -ربّما- نتكلّم كثيراً في السياسة ونفتقر بشدة للوعي السياسي، القضية أكثر تعقيداً من تفسيرها فقط بوجود سلطة استبدادية أسدية حكمت سوريا لما يقارب النصف قرن. ملايين السوريين يعيشون في بلدان ديمقراطية لا تمنعهم من التعبير وحرية التجمع والتنظيم والعمل السياسي والثقافي، ومع ذلك لم تشهد المُغتربات السورية ظواهر سياسية وثقافية سورية مهمة ذات تأثير وأثر مُتناسب مع حجم الوجود السوري كمّا ونوعاً.
فالقضية مُعقدة يتداخل فيها السياسي بالثقافي بالاجتماعي – النفسي، وهنا قد تلعب السفارات السورية وجمعيات الصداقة في المغتربات دوراً مهماً في تنظيم وتعزيز العمل الثقافي – الاجتماعي للجاليات السورية.
ضمن حلقة بحث ونقاش لابنتي (طالبة الصف التاسع المتوسط)، كان المطلوب اختيار دولة ذات نظام حكم ديمقراطي، وكذلك اختيار دولة أخرى ذات نظام حكم استبدادي مع تحديد نوعه، هل هو استبداد عسكري أم شمولي أم ملكي مطلق، مع شرح الأسباب ومعايير التصنيف!
بالمقابل، يُلاحظ ضعف حضور علم السياسة ضمن العلوم الإنسانية في المناهج الدراسية سواء في المرحلة الثانوية أو التعليم الجامعي في سوريا والبلاد العربية عموماً. من الأهمية بمكان تدريس مقرر علم السياسة بشكل علمي غير مؤدلج، بعيداً عن الأدلجة القومية الاشتراكية في المرحلة الأسدية، أو الأدلجة السلفية الإسلامية في المرحلة الراهنة.
كما أن تدريس مقرر السياسة يجب أن يأخذ شكل ورشات عمل ومناقشات وحلقات بحث، بعيداً عن الأسلوب الحفظي التلقيني السائد. وهنا نستحضر هذا الاقتباس الطويل نسبياً لعبد الرحمن الكواكبي من كتابه “طبائع الاستبداد”:
“المستبدُّ لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوّم اللسان وأكثرها هزلٌ وهذيان يضيع به الزمان. وكذلك لا يخاف المستبدُّ من العلوم الدينية المُتعلِّقة بالمَعاد، المُختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنّها لا ترفع غباوةً ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهّى بها المتهوِّسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذٍ يأمن المستبدُّ منهم كما يُؤمن شرُّ السّكران إذا خمر”.
ويضيف: “ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم”.
السياسة كالرياضة، بحاجة لتدريب مُتدرِّج منذ الصغر، وتمهيد السياسة يتطلب تدريباً ثقافياً – سلوكياً حول تقبل التنوع والاختلاف والمُساومة. كمواطن سوري، هل أتيح لي التدريب على ممارسة السياسة، ابتداء من لجان المدرسة والجامعة وصولاً إلى البلدية ومجالس النقابات ومن ثم انتخابات برلمان وطني؟!
العمل السياسي هو أتستراد باتجاهين، يتيح للإنسان الدخول والخروج منه بسلاسة، وينبغي أن يكون مفتوحاً ومرناً. ينبغي أن يتحول العمل السياسي إلى وظيفة تشبه أي عمل آخر، فهو من جنس الخدمة العمومية، وهذا يتطلب وجود حياة سياسية ديمقراطية تمنح الفرصة لمشاركة عموم الناس بناء على كفاءاتهم وشعبية حضورهم ، وليس بناء على درجة ولائهم أو قراباتهم من مسؤول حكومي كبير على سبيل المثال!
في الأنظمة الديمقراطية، دائماً يوجد مساحة للتمييز بين السلطة الحاكمة والدولة ككيان اعتباري بما يشمله من مؤسسات وقوانين. يمكنك أن تنتقد الرئيس أو فساد الحكومة أو سياساتها التي تراها خاطئة من دون التعرض لمضايقات واعتقال من قبل الحكومة، وهذا ما سوف ينعكس تلقائياً تمييزاً في ذهن المواطن ما بين الدولة والحكومة وهي حالة صحية لا تنتقص من قيمة الدولة التي تنتمي إليها، لا بل تمدّها بأسباب الحصانة والقوة.
إن معارضة الحكومة لا تعني معارضة الدولة التي تنتمي إليها. بينما في الحالة السورية ومُشابهاتها نجد أن حدود الفصل ما بين معارضة الحكومة ومعارضة الدولة مُلتبسة. عند حدوث أي توتر أو صراع داخلي سرعان ما تتخلّى غالب المُعارضات -والتي غالبا ما تأخذ شكلاً فئوياً- عن الهوية الوطنية وتناصر أعداء الدولة والوطن السوري!
ومن مظاهر ذلك رفض رفع العلم السوري والتعريف عن نفسها خارج إطار الوطنية السورية! إنّ مفهوم الوطن والدولة السورية مازال هشاً، وهذا ما يحتاج إلى درجة كبيرة من التعقل السياسي عبر صيرورة تاريخية بطيئة تراكمية. نحن أمام ثنائية تعيق الفهم والعمل السياسي، ثنائية مُدمّرة إما أن أكون أنا / نحن الدولة! وإما أن أكون أنا / نحن أعداء للدولة! ما نَحتاجه هو نمط من التفكير النسبي بدلالة المُشتركات الاجتماعية والثقافية ومصالح الضرورات الحياتية!
سوريا متنوعة، كغيرها من دول العالم، يمكن النظر إلى هذا التنوع كمشكلة، كما يمكن النظر إليه كنعمة وفسيفساء جميلة. لعب الإرث الأسدي السابق دوراً كبيرا في تخريب الوطنية السورية والنسيج الاجتماعي السوري، وهذا قد يحتاج حقيقة إلى عقود من العمل المخلص في ظل وجود إطار تنظيمي – مؤسساتي واضح بحماية قانونية وحكومية.
إن إدارة التنوع السوري هو أساساً مسؤولية الرئاسة والحكومة الحالية، لكونها تملك السلطة والصلاحيات لتحقيق ذلك، ولكن قبل ذلك ينبغي الاتفاق على مبدأ أساسي وبسيط: كيف نفصل بين مؤسسات الدولة والسلطة الحاكمة مُمثلة بأشخاصها؟
الثورة السورية



