“سورية في القرن الثامن عشر”: مشاهدات رحّالة فرنسي/ أوس يعقوب

10 أبريل 2026
يقول المستشرق والمؤرِّخ والرحّالة الفرنسي قسطنطين فرانسوا فولني (1757-1820م)، في مقدّمة كتابه “رحلة فولني إلى مصر وسورية” في سنوات 1783 و1784 و1785م، إنّه قرّر زيارة الشرق لاكتشاف “سورية ومصر اللتين وُلدت فيهما معظم الأفكار التي تشكّل محور حياتنا اليوم”.
هذا الكتاب الذي يقع في 632 صفحة، ترجمه عن الفرنسية المترجم الأردني عصام محمد الشحادات، وفاز بـ”جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة” فرع (الرحلة المترجمة)، في دورتها الثالثة والعشرين (2024-2025م)، والتي يمنحها سنويًّا “المركز العربي للأدب الجغرافي – ارتياد الآفاق” في أبوظبي ولندن، لأفضل الأعمال المحقّقة والمكتوبة في أدب الرحلة. وككلّ عام تصدر الأعمال الفائزة والمنوَّه بها عن “دار السويدي” في دولة الإمارات العربية، في سلاسل “ارتياد الآفاق” للرحلة المُحقّقة، والرحلة المعاصرة “سندباد الجديد”، ودراسات أدب الرحلة بالتعاون مع “المؤسّسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت.
أمّا “أدب اليوميات” و”الرحلة المترجمة”، ومنها كتاب “رحلة إلى مصر وسورية”، الذي نستعرض جزءًا منه في هذه المقالة، فتُنشر بالتعاون مع “دار المتوسط” في ميلانو. والجزء الذي يعنينا هنا يقتصر على رحلة فولني إلى سورية.
رصد المنطقة وسكّانها ووصف أحوالهم
فولني، واسمه الكامل “قسطنطين فرانسوا شاسبوف دي لاجيرودي” كونت فولني، والمعروف اختصارًا باسم “فولني” وهو دمج بين كلمتَي فولتير وفيرني، عُرف عنه أنّه كان مقرّبًا من نابليون بونابرت، أوّل إمبراطور لفرنسا بعد الثورة الفرنسية عام 1789م، وقائد الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام (1798-1801م)، والذي عرض على فولني تسلّم وزارة الداخلية، ولكنّ الأخير رفض وفضّل أن يظلّ “سيناتور فوق العادة”. وبحسب مصادر تاريخية، فإنّ بونابرت اعترف أنّ مقالات فولني وكتابه “رحلة إلى مصر وسورية” أوحت له بفكرة غزو مصر وسورية.
في عام 1783م بدأت رحلة فولني إلى الشرق، الذي لطالما استهوى سحرُه المستشرقين والرحّالة الأجانب منذ القرون المسيحية الأولى بسبب قداسة المكان. وكانت القاهرة أوّل محطّة في رحلته لمصر وبرّ الشام تحديدًا، والتي استغرقت قرابة العامَين وأربعة أشهر ما بين (1783 و1785م)، فمكث في قاهرة العزّ نحو سبعة أشهر ولكنّه لاقى صعوبات جمّة في التنقّل فيها ولم يستطع العثور على الدعم الكافي لتعلّم اللغة العربيّة، فقرّر التوجّه إلى لبنان، وهناك بذل جهدًا كبيرًا في تعلّم العربية خلال إقامته لمدّة ثمانية أشهر، وسط أبناء الطائفة الدرزية في ديرٍ عربي.
يوضّح فولني في مقدّمة كتابه، أنّ أسباب اختياره للسفر إلى مصر وسورية ولبنان وفلسطين، من دون غيرها من البلاد، جاءت بعد أن ورِث مالًا يؤهّله للقيام برحلة استكشافية. يقول: “بداية، كثيرًا ما وجدتُ أنّ بعض النساء من الرحّالات قمنَ برحلاتهنّ في أعقاب ميراث عائلي، وسافر غيرهم من الرجال في بعثات مموّلة من أثرياء أو ملوك أو خلفاء أو سلاطين، ويؤكّد هذا من دون شكّ أنّ المال عصب كلّ شيء في الحياة، بما في ذلك المساعي المعرفية والعلمية”.
وتشي المقدّمة وتعلّمه للعربية برغبته في التعرّف على المنطقة وسكّانها ومعرفة أحوالهم وطرق معيشتهم، وكذلك لإكمال الخرائط، مبيّنًا أنّه سيتحاشى شيطنة السكّان أو الوقوع في غرامهم للحفاظ على الموضوعية، ويحاول إغفال الحوادث الشخصية معه أو مع الآخرين لأنّه يرى أنّ “الرحلات ملك التاريخ لا الرواية”.
وكما يقول فولني في مقدّمة كتابه، فإنّه تردّد في البداية بين شدّ الرحال إلى “أميركا المولودة حديثًا والمتوحّشين”، على حدّ وصفه، والمقصود هنا (سكّان أميركا الأصليّين أو الهنود الحمر)، وبين الاتّجاه إلى مصر وسورية قبل أن يستقرّ على الخيار الأخير نظرًا لأنّ الشرق الأدنى -كما يرى- يحتلّ مكانًا بالغ الأهميّة من النواحي الدينية والفكرية والتاريخية بالنسبة لأوروبا.
ووفقًا لمصادر تاريخية فقد صدر كتاب فولني “رحلة إلى مصر وسورية” قبل الثورة الفرنسية بعدّة أعوام، إذ تعود الطبعة الأولى باللغة الفرنسية إلى عام 1787م. وقد حقّق الكتاب حين صدوره رواجًا عظيمًا ممّا شجّع دور النشر على إعادة إصداره مع الإضافات والتنقيح وترجمته إلى الإنكليزيّة. أمّا عربيًّا فقد صدرت طبعتان منه في نفس العام (1949م)، الأولى بمدينة بيروت، وعنوانها “ثلاثة أعوام في مصر وبرّ الشام”، بترجمة أنجزها اللبناني إدوار البستاني، والثانية بمدينة صيدا، حملت عنوان “سورية ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر: كما وصفها أحد مشاهير الغربيين”، ترجمة وتحقيق الرحّالة والمؤرِّخ الأرمني حبيب السيوفي، وهذه الطبعة اقتصرت على رحلة فولني إلى البرّ الشامي.
يمكن اعتبار هذا الكتاب من الكتب الغربية التي تنتمي إلى ما يُطلق عليه “أدب السفر الأوروبي” (أو أدب الرحلة الأوروبية). وتذكر المصادر أنّ نابليون بونابرت تعرّف على فولني أثناء رحلة قام بها الأخير ذات يوم إلى كورسيكا (مسقط رأس الإمبراطور الفرنسي). وبحسب تلك المصادر، فقد استفاد نابليون كثيرًا من المعلومات التي احتواها الكتاب، في حملته على مصر والشام عام 1798م. وجاء على لسان الجنرال “بيرتيه” أحد قادة الحملة الفرنسية: “إنّ كتاب فولني كان دليل الفرنسيين الأمين، وهو وحده الذي لم يغشّهم”. ويُقال إنّ نابليون حمَل هذا الكتاب معه في حملته تلك، وإنّه عُثر على نسخة منه بعد رحيله في مكتبته في جزيرة سانت هيلينا، التي تقع في جنوب المحيط الأطلسي، وهي تتبع لبريطانيا، وتعود شهرتها إلى نفي نابليون إليها منذ عام 1815م وبقائه فيها حتّى وفاته عام 1821م.
وقد تسبّب تاريخ صدور كتاب رحلة فولني أوّل مرّة، قبل حوالي إحدى عشرة سنة من بداية حملة نابليون إلى مصر، بجدل حول غايات المؤلّف من وضع كتابه هذا. ومن المرجّح أنّ هذه الرحلة كانت بتمويل من وزير الخارجية الفرنسي في حينه، الكونت دي فيرجين، بحسب ما أشارت بعض المراجع.
لقد وضع فولني أهدافًا لرحلته تتضمّن القول إنّ غايته هي استكشاف ما إذا كانت الأخلاق والذهنيات التي تشكّلت منذ سالف العصور لا تزال كما هي على حالها، والنظر إلى ما سمّاه سطوة الحكام والسلاطين وتأثيرات المناخ على أخلاق الناس وأفكارهم، ومعرفة وفهم “ما كانت عليه البلاد في الأيام الغابرة بالاستناد إلى واقعها الحاضر”.
يقدّم فولني في مؤلَّفه معلومات غزيرة عن جغرافية المدن والبلدات التي زارها خلال رحلته، وعن المظاهر الطبيعية والحالة السياسية والطوائف الدينية وأحوالها الراهنة – خلال العهد العثماني في القرن الثامن عشر–، وقد سجّل ملاحظاته حول البلاد مناخيًّا وجغرافيًّا وأخلاقيًّا وحضاريًّا ومدنيًّا، موليًا عناية خاصّة للأقليات والبدو الرُّحَّل، ففي تلك الفترة، كانت الشعوب القاطنة في هذه الجغرافيا تُعرَّف وفقًا لخصائصها الإثنية أو المذهبية، كالمسلمين، والمسيحيين، والدروز، والعلويين، والإسماعيليين، والكُرد، والأيزيديين، وغيرهم. وكانت السلطات العثمانية تغيّر في أحيان عدّة أسماء التقسيمات الإدارية للولايات، وكذلك مساحة كلّ ولاية.
استخدم فولني التسمية الجغرافية “سورية”، للحديث عن فضاء مكاني بدون حدود، تقطنه شعوب منقسمة، وتنتمي لهويات لا جامع بينها سوى التنكّر لما هو خارجها.
ورأى أنّ “السوريين يعاملون بعضهم كأعداء، ويتمايزون وفقًا لتصنيفات متعارضة، تضعهم في حالة حرب دائمة”. وأنّ “الدين كان آلية تحكّم، يشتغل كروحية سياسية للجماعات الأهلية، وديناميك عاطفي قابل للتوظيف العسكري من قبل الفئة المهيمنة على السلطة”. و”استخدمه العثمانيون والصفويون من خلال تحويل الكيانات المذهبية إلى تقسيمات اجتماعية، وطوّفوا هذه الكيانات سياسيًّا”.
عن مدينة دمشق وأسعد باشا العظم وحلب “ألطف مدن بلاد الشام”
يتحدّث فولني في كتابه عن أخبار رحلته إلى سورية بإسهاب، ويولي ولايتَي حلب ودمشق أهمّية كبرى (1)، وعن حدود ولاية دمشق يذكر أنّها “هي الأخيرة من ولايات سورية الأربع، فإنّها تشمل الجانب الشرقي بمعظمه، وهو الذي يقع في الشمال ما بين ’معرّة النعمان’ على طريق حلب، ومدينة ’الخليل’ في الجنوب الشرقي لفلسطين، ويتبع خطّ حدوده غربًا ’جبال العلويين’. فلبنان الشرقي، فالشطر الأعلى لمجرى نهر الأردن، مكتنفًا ’نابلس’ و’القدس’، و’الجليل’، ثمّ يمرّ شرقًا بالبادية، متوغّلًا فيها، بيد أنّه في الغالب لا يتجاوز إلّا يسيرًا الجبال المارّ ذكرها، ما عدا جهات ’تدمر’ الواقعة على خمسة أيام منها”.
ويصف الرحّالة الفرنسي الكثير من الأماكن الخلّابة في ولاية دمشق، مبتدئًا من مدينة دمشق ذاتها، وهي عاصمة الولاية، ويسمّيها العرب “الشام”، أمّا اسمها القديم (دمشق) فلم يكن يعرفه سوى أصحاب تقاويم البلدان، والعرب لا يذكرونها إلّا بالثناء والإطراء على تناظر بساتينها واخضرار حدائقها ووفرة ثمارها وكثرة غدرانها وصفاء مياهها، وما من مدينة تضاهيها من حيث غزارة مياهها وكثرة سواقيها، “وهي تُعَدّ من حيث الموقع أجمل مدائن تركيا قاطبة، ولكنّ هواءها ليس في غاية النقاوة”. وهي أكثر مدن سورية تعرّضًا لغزوات البدو، ولكنّها من حيث العمران أحسن وضعًا من باقي الولايات، إذ لا يتمّ عزل ولاتها بتواتر، كما باقي الولايات، وفي القرن الثامن عشر تولّاها ولاة من أسرة العظم لمدّة خمسين سنة، وآخرهم أسعد باشا العظم، الذي ظلّ واليًا على دمشق لمدّة 15 سنة، “قام خلالها بأعمال لا تُعَدّ ولا تُحدّ… ومنها وضعه نظامًا للجند ردعهم من خلاله عن التعدّي على الفلاحين وأملاكهم”.
وكثيرة هي القصص التي يذكرها فولني عن واليها أسعد باشا العظم، والتي قلّما نجدها في أدبيات رحلات الرحّالة المعاصرين، كقصّة طريقة إقالته ثمّ قتله خنقًا في حمّام سيواس، الذي يقع في وسط مدينة سيواس التركية، بينما المعروف أنّه أُعدم عام 1758م في أنقرة وهو في طريقه إلى منفاه، بعد صراع مع السلطات العثمانية.
وعن التربة في ولاية دمشق ومحاصيلها الزراعية، يذكر أنّ سهل حوران وسهل العاصي يضمّان أخصب الأراضي، وهي تنتج محاصيل متنوّعة كالحنطة والشعير والذرة والسمسم والقطن.
أمّا حلب فرأى فيها فولني “ألطف مدن بلاد الشام وأنظفها وأحسنها بناءً”، “فمن أين تلَجُها تعجبك مآذنها العديدة وقبَب مساجدها البيضاء المستديرة فتريح ناظريك من رؤية السهل الأغبر الممل والمحيط بها”. وعن مساحة حلب يقول: إنّه لا يتفوّق عليها في الاتّساع سوى مدينتَي القسطنطينية والقاهرة وربّما إزمير إلى حدٍّ ما. ويخبرنا أنّ عدد سكّانها يبلغ حوالي مائتَي ألف نسمة. لافتًا النظر إلى أنّ “السكّان المسلمين والمسيحيين في حلب يُعتبرون من الأكثر تحضّرًا في مجمل الإمبراطورية العثمانية”، وأنّ “التجار الأوروبيين لا يتمتّعون في أيّ مكان آخر سوى في حلب بهذه الحرّية والاحترام من الناس”.
وعن طبيعة حلب ومناخها يقول: “الهواء في حلب جاف جدًّا ونشط، ومع ذلك فهو صحّي جدًّا ومفيد لمن لم يكن لديه صدر ضعيف، ومع هذا فإنّ المدينة وضواحيها كانت ضحية لوباء يُسمّى القوباء أو (الحبّة الحلبية)، وهي تبدأ ببثور ملتهبة في منطقة الوجه، ثمّ تتحوّل إلى قُرَح بحجم الظفر، وتمتدّ مدّة هذه البثور في حالة التقرّح إلى ما يقارب العام، وتترك بعدها آثارًا لا تُمحى في الوجه، وهي من العلامات الفارقة في وجوه سكّان حلب”.
وعن أنطاكية، المدينة الثانية في ولاية حلب، يذكر أنّ “هذه المدينة كانت مشهورة بفخامتها وغنى أهلها، أمّا اليوم فهي ليست أكثر من قرية كبيرة مهجورة بيوتها من طين وتبن، دروبها ضيّقة موحلة تجعل الأمر حفلًا للبؤس والفوضى، تنتشر بيوتها على الضفة الجنوبية لنهر العاصي، في نهاية جسر متهالك، وهي محمية من الجنوب بجبل متّصل بالسور القديم، المسافة بين المدينة الحالية والجبل تقريبًا مائتا (سقف) وهذه المسافة مزروعة بالحدائق والركام غير المفيد”.
ويشير فولني في مؤلَّفه هذا، إلى كثرة المدن المهجورة والقرى الخرائب في عموم سورية، وأنّ عدد سكّانها تراجع كثيرًا خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. إلّا أنّه يرى أنّ سورية من أكثر الأماكن في العالم ملاءمة للسكن، ولكنّها تفتقر إلى الحدائق الخضراء البهيجة التي تتميّز بها بعض البلدان الأوروبية، “ولولا الخراب الذي جلبه عليها ابن آدم لكَسَت الغاباتُ معظم أنحائها”.
هامش:
1- بعدما فتح السلطان سليم الأوّل سورية، بانتزاعها من يد المماليك، جعلها أربع ولايات، من بينها ولايتَا حلب ودمشق، فضمّت “ولاية دمشق” عشرة سناجق (مدن كبرى)، أهمّها: مدينة دمشق، ومدن تدمر، وغزّة، ونابلس، وبيروت، وصيدا، التي أصبحت مستقلّة عام 1660م لمراقبة جبل لبنان. أمّا “ولاية حلب” فضمّت تسعة سناجق (مدن كبرى، فيها 3200 قرية)، تتبع لها كلّ المدن الشمالية، ما عدا: عينتاب (غازي عنتاب حاليًّا) التي كانت تتبع لمدينة مرعش جنوب تركيا.
عنوان الكتاب: رحلة فولني إلى مصر وسورية المؤلف: قسطنطين فرانسوا فولني المترجم: عصام محمد الشحادات
ضفة ثالثة



