اعتصام “قانون وكرامة” في دمشق -مقالات مختارة-

لماذا نشكر الأمن العام؟/ غسان المفلح
أبريل 22, 2026
في الاعتصام الذي تم في دمشق بتاريخ 17 نيسان الجاري حدثت أمور كثيرة يمكن الحديث والكتابة عنها. أولاً وقبل كل شيء الشكر للأمن العام الذي حمى الاعتصام. عنوان لا يمكن النظر إليه خارج السياق الانتقالي السوري. لا يمكن النظر إليه خارج ما كان يحدث في سوريا طيلة 60 عاما. لا يمكن النظر إليه خارج 14 عاما من الثورة وما جرى فيها من كل أنواع الإبادة والمجازر والتهجير والقتل الممنهج والعشوائي.
هذه بنية نظام أسدي حكم سوريا ستة عقود. كثر ممن كانوا في الاعتصام شكروا الأمن العام. ومثلهم من كان يحاول التشكيك بدور الأمن العام. ومثلهم من يعتقد أن القصة خوف من المجتمع الدولي والتصوير، كما علق لي أحد الأصدقاء من باب الطرفة. قلت له: جيد طالما بدأ الأمن العام يحسب حساب الصورة والمجتمع الدولي، هذا أمر مبشر.
محاولة قيام نوع من التواصل السوري مع مؤسسات القوة في البلد في سياقنا أمر لا بد منه. رغم ما يقال عن أحادية التمثيل الديني والطائفي فيها. هذا أمر نقاشه مهم لكن في سياق آخر. يحاول المستوى السياسي الناشئ حالياً، موالياً أو معارضاً، إيجاد تقليد في التعامل مع هذا الأمر، مع مؤسسات جديدة. إشعارهم أنهم أولاد بلد وأولاد ثورة. أرادت الحرية والكرامة لكل السوريين دون استثناء.
هذا ليس كلاماً رومانسياً أو انشائياً، بل هو محاولة لبناء تقليد يجب أن يتم العمل عليه. لنتكلم بصراحة ودون مواربة، السلطة أعلنت عن قبول متطوعين في أجهزتها الأمنية. كان من الطبيعي أن تكون الاستجابة محكومة بالسياق الذي تحدثت عنه أعلاه. لم يكن هنالك بشكل عام إقبال على التطوع، بوصفها فرصة عمل أيضاً، إلا من أبناء الأكثرية السنية، الذين كانوا في المخيمات والمدن المدمرة، لماذا؟ هذا أيضاً له علاقة في تفاصيل المرحلة الانتقالية وما سبقها.
نلاحظ أيضاً أنه بعد اتفاق السلطة وقسد، بات هنالك أمنا عاماً كردياً سورياً. أليس هذا الجزء جوهرياً في السياق الانتقالي؟ كما تم في جرمانا مثلاً تشكيل أمن عاما من أبناء المدينة الأصليين، وفي السويداء قبلها.
في المحصلة، نحن أمام أحوال انتقالية، تحتاج لطريقة تعامل مختلفة. الشكر متعلق أيضاً بإيصال رسالة لهم، أن يفتحوا أعينهم على معارضة للسلطة تشكرهم. هنالك من سيرد: كما فعلوا أهلنا في داريا ببداية الثورة عندما حملوا الورود للجيش، وبعدها تم إطلاق النار وتدمير المدينة. هذا صحيح، لكننا هنا أمام وضعية جديدة، تفاصيل جديدة، ومعارضة جديدة تريد أن تبني إرثاً جديداً.
في الاعتصام الأخير مثلاً: هنالك من المعتصمين من شكر الأمن العام، وهنالك من اعتبر شكرهم خيانة. لن أتحدث عمن هم خارج الاعتصام. هذا انقسام واضح وعادي في السياق السوري. تماماً كمن رفع يافطة بإسقاط السلطة الحالية عبر إعادة القرار 2254 إلى البلد. وهنالك من ركز على المطالب المعيشية وهنالك من ركز على الحوكمة والقوننة للمجال العام. انضباط الأمن العام لم يميز بين هذه العناوين.
ما حدث في الاعتصام مؤشر إيجابي في أن البلد في طريقها للتعافي. ليس كما رأت بعض مجاميع السلطة او بعض المستقلين، بأنها نشاطات ذات أجندة. كل نشاط هو في سياق أجندة. هذه بلدنا وهي محمولة على وضع خارجي. ما لفت نظري أكثر في الحقيقة، ودليل التعافي هذا هو قلة عدد الحضور في التظاهرة المواجهة للاعتصام من جهة، وهذه القلة رفعت علم التوحيد. منهم من كان جاهزاً للعنف، والأمن العام منعه. كما حدثت استفزازات من بعض المعتصمين، الذين هم فلول للأسدية فعلاٍ حتى اللحظة.
الأمن العام يعرفهم بالاسم ولم يقترب منهم. المشكلة ليست في شكر أو عدم شكر الأمن العام، المشكلة في تعدد التوجهات سواء داخل المعارضة أو داخل السلطة. يعني هنالك من حضر ويؤيد مثلاً رفع العلم الإسرائيلي في السويداء، وهنالك من رفضه رفضاً واضحاً. السؤال ما هي الاستراتيجية التي تقوم عليها هذه المعارضة الجديدة؟ هل هي استراتيجية موحدة؟ هنالك مروحة بين إسقاط السلطة وبين تحقيق مطالب. رغم هذه المروحة، كان أداء السلطة ممثلاً بالأمن العام وبالتغطية الرسمية للاعتصام إيجابياً أتمنى ألا يتم خرقه في نشاطات قادمة للمعارضة.
هذه النشاطات لن تتوقف لعدة أسباب؛ أهمها أن أهل البلد متعبون، والوضع الاقتصادي، وفوضى التصريحات الحكومية، وقرارات بعض مسؤوليها. لهذا من الضروري أن يعمل الأمن العام على عدم تكرار خروج أية تظاهرة في سياق شارع ضد شارع. إذا كانت السلطة معنية بالتعافي الحقيقي للبلد. بل العكس يجب فتح حوارات جماعية بين وفود من كل الأطراف، وعلنية أيضاً. كما حدث على هامش الاعتصام.
بقي أن نختم هذه العجالة بالقول: السلطة الانتقالية في بلد منهكة متعبة، مثل سوريا أمامها عدة مهام أهمها:
تهيئة البنية السياسية والقانونية تحت بند مؤقت ودستور مؤقت، تكون اللبنة الأولى لعقد اجتماعي جديد. ينتج على إثره انتخابات عامة على كل مواقع السلطة في البلد. هذه أولوية الأولويات. والمهمة الثانية تتعلق بتأمين البشر المتضررين، وتأمين الخدمات بناء على القوانين الموجودة، ريثما تتم إقامة البنية السياسية القانونية الجديدة. وليس مهمتها مثلاً فتح ملف الأوقاف أو التعديات السابقة كما حدث في الرقة مثلاً.. الخ.
للأسف، هنالك مجاميع مصلحية، في السلطة وحولها، تحرك ملفات تعود عليها بالنفع الانتهازي في ظل فوضى المرحلة، وهذا ليس من حقها، بأي حال. لكل هذه الأسباب شكرت الأمن العام، وأتمنى ألا يحدث ما يعكر هذا الأمر.
الثورة السورية
—————————–
“احتجاج المحافظة”.. لماذا هذه الشيطنة والاستباحة؟/ فيصل علوش
20 أبريل 2026
كان من اللافت جدًا الهجوم المنظم الذي تعرض له اعتصام “قانون وكرامة – بدنا نعيش”، الذي تمت الدعوة إليه بمناسبة عيد الجلاء، حيث كان ثمة سعيٌ وإصرار مسبقان، من قبل شخصيات وجهات موالية للسلطة، على “شيطنة” الداعين إليه، كتمهيد للاعتداء على المشاركين المحتملين به، حتى قبل حصوله، متجاهلين حق السوريين في التظاهر السلمي، وضرورة أن يكون عملهم موجهًا نحو صون كرامات السوريين، وليس استباحتها والدوس عليها.
وعليه، لم يكن مفاجئًا أن تتواجد مجموعات (أهلية) مناهضة للاعتصام في ساحة المحافظة، منحت نفسها صلاحية القيام بمهمة إفشال الاعتصام وفضّه بشتى الوسائل؛ سواء عبر “تأديب” المحتجين والإساءة إليهم سبًّا وشتمًا بألفاظ نابية، وتوجيه اتهامات لهم بالتبعية للنظام السابق، أو العمالة للخارج، أم عبر الاستفزاز والبلطجة وافتعال العراك للاعتداء على بعضهم، قبل وصول القوى الأمنية متأخرة، ليجري تقديمها كقوة فصل بين الطرفين، وحماية المتظاهرين السلميين.
المفارقة المؤلمة هنا هي أن السلطة فعلت ذلك كلّه في مواجهة اعتصام حمل مطالب معيشية وخدمية فقط، فما بالنا لو كان الاعتصام سياسيًا، ويرفع مطالب تتعلق بقضايا المشاركة السياسية، أو التعددية الحزبية والديمقراطية، والحق في الانتخابات وتداول السلطة، مثلًا؟
غياب النقاش العام
وهكذا، لم تخضع المطالب التي تضمنتها الدعوة إلى الاعتصام إلى أي نقاش يتعلق بمحتواها، وبضروراتها الاقتصادية والمعيشية، (أو عدمها)، مثلما لم تخضع في الأساس الخطوات الاقتصادية التي تتخذها السلطة، أو تزمع أن تفعلها، (من قبيل تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي، والتوجه نحو الخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام، بما في ذلك المشافي والمنشآت التعليمية.. الخ)، إلى أي نقاش عام أيضًا، في وقت يرزح فيه أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر؟ ولا يوجد فيه حتى الآن مجلس تشريعي ليضطلع بمهمة نقاش وطرح الإجراءات القانونية الأكثر صوابًا وعدلًا التي يُفترض اتخاذها تجاه هذه القضايا، وثمة جدل قانوني كبير بأن مثل هذه الخطوات (المصيرية بالنسبة لكثير من المواطنين)، ليست في الأصل من اختصاص وصلاحيات سلطة انتقالية، مهمتها الرئيسة هي انجاز عملية الانتقال السياسي في سوريا، وليس تغيير النهج الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
وعوضًا عن إفساح المجال أمام نقاش تلك القضايا، والتساؤل حول مطالب الاعتصام، وهل هي محقة أم لا؟ فقد لجأت السلطات إلى شخصيات ومجموعات “منفلتة”، (ولكن كلهم محسوبون عليها طبعًا، بعضهم شيوخ دين، أو ممن يشغلون مواقع مسؤولية في السلطة، فضلًا عن “المؤثرين” المطبلين للحكومة في السراء والضراء)، لتتولى عملية التجييش والتحريض ضد من يقف خلف الاعتصام، الذين كان يقال تارة أنهم؛ “أناس مجهولون”، وتارة أخرى بأنهم “فلول” مرتبطون بأجندات خارجية، (منها “صهيو أميركية”)، ومن ثم توزيع تهم العمالة والتخوين عليهم، وصولاً إلى التهديد بقتلهم.
وكلها ممارسات تذكر بما كان يفعله أزلام وشبيحة العهد البائد، مستعيدة ذات المصطلحات والعبارات التي تنتمي إلى قاموسه أيضًا، وذلك بهدف كسر حق الاحتجاج والتظاهر من أساسه، وجعل حتى المطالبة بقضايا مطلبية ومعيشية مغامرة محفوفة بالمخاطر، على النحو الذي يكرّس الانقسام المجتمعي ويخلق “جدران فصل” بين السوريين، ويقوّض أيّ مساحةٍ للالتقاء والعمل المشترك بينهم.
وفي إطار ذلك، تعرض بعض المحتجين، إلى عملية افتراء وتشويه لتاريخهم النضالي والأخلاقي، بما يشبه عملية “اغتيال معنوي” لهم، علمًا أنهم كانوا إما من نشطاء الثورة (2011)، أو من المعتقلين السابقين، الذين تعرضوا للظلم والسجن لسنوات طويلة، ولديهم خبرة وباع طويل في العمل السياسي والاهتمام بالشأن العام، ومن حقهم أن يكونوا الآن مشاركين في إدارة البلد، وليسوا مقصيين وضحايا لقرارات سياسية واقتصادية واجتماعية ارتجالية ومتعسفة!
“المظلومية” المشتركة للسوريين
ولكن، لعلّ أصحاب الأمر في السلطة يدركون في قرارة أنفسهم التدهور الملحوظ في أوضاع قطاعات واسعة من البشر، وارتفاع أعباء الحياة والخدمات الأساسية عليهم، (وخصوصًا رفع تعرفة الكهرباء، وهذه هم من أقدموا عليها، ولا يمكنهم إلقاء المسؤولية فيها على “التركة” الثقيلة للحكم البائد)، ما يجعل شعار “بدنا نعيش” يأخذ بعدًا حياتيًا مباشرًا يرتبط بأوجاع الناس، وحقها في المطالبة بالعيش الكريم. وهو ما قد تخشاه السلطة، بالفعل، لأنه أمر يعني أغلبية السوريين، بمعنى أن “الأغلبية” هنا قد يعاد تعريفها والتعامل معها بدلالة الظلم، أو “المظلومية” المشتركة الواقعة على هؤلاء، وضرورة العمل، تاليًا، في سبيل توحيدهم حول المطالب الحياتية المباشرة، بغض النظر عن انتماءاتهم المناطقية أو المذهبية، ومواقفهم السياسية؛ الحالية أو السابقة، أو محاولات تقسيمهم إلى مواطنين أصلاء وفلول، كما يود أن يفعل بعض من في السلطة على الأقل.
والحال، فإن الوقائع الحاصلة تكشف عن اتساع الفجوة بين السلطة الجديدة وقطاعات واسعة من المجتمع، أو لنقل أنها تكشف عن هوّة عميقة بين بنية السلطة القائمة وتطلعات المشروع المجتمعي العابر للاصطفافات والانتماءات ما دون الوطنية.
فالدولة يُفترض أن تقوم على العدل والقانون، وعلى الشرعية والكفاءة، وبما يتعارض مع كل أشكال الاستبداد، الذي يبدو اليوم وكأن ثمة محاولات حثيثة لإعادة تدويره وإنتاجه، تحت مقولات ويافطات عديدة؛ (مثل “من يحرر يقرر”، و”الخطيفة” لا تسأل منقذها إلى أين يأخذها.. الخ)، إضافة إلى العمل الدؤوب الجاري لإعادة تدوير الفساد وانتاجه، وصناعة شبكات جديدة منه تحت يافطات وعناوين مختلفة، منها الخصخصة وبيع أصول ومؤسسات الدولة.
وقد جاء الاعتصام الأخير، الذي أراد أن يقول: “بدنا نعيش بكرامة وعدل وقانون”، للاعتراض على هذه السياسات والمحاولات الجارية لإعادة انتاج الفساد وتغوّل السلطة، وتكريس الولاء على حساب الكفاءة، وفي المحصلة إعادة تدوير الحكم الشمولي الذي قاد البلاد إلى الكوارث وحافة الانهيار. فالدولة القوية لا تبنى إلا على الشرعية المستدامة، وهذه لا تتحصّل بدورها إلا في الاعتماد على التنوع والتعددية، وليس على اللون أو النمط الواحد، بما يتطلبه ذلك من حاجة ماسة إلى فتح المجال العام أمام القوى الحيّة في المجتمع للمساهمة في صنع القرار وتحمل المسؤولية الوطنية.
وهذا يعني، في المبتدأ والمنتهى، الحاجة الماسة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، يمنح السوريين كافة القناعة بأن الدولة كيان سياسي يتسع للجميع، ويمكنه أن يضطلع بترميم التمزقات الحاصلة في نسيجنا الوطني، وعلى نحو يضمن الأمن والاستقرار والنمو والازدهار للجميع أيضًا، بعيدًا عن صدمات النماذج الجامدة، ووصفات الغرور الأحمق وتجارب الإخفاق المحقق، بأمثلتها العديدة!
—————————–
دمشق… التسامح مع المحتجين لا يكفي/ حايد حايد
سيتوقف الكثير على طريقة تعامل السلطات السورية مع هذا الضغط: هل يُستوعب ويُحتوى، أم يُواجَه بالقمع؟
22 أبريل 2026
خرج عشرات السوريين إلى شوارع دمشق يوم الجمعة، مطالبين بتخفيف وطأة التدهور الاقتصادي، وبمراجعة سياسات يقولون إنها تزيد مشقة الحياة اليومية يوما بعد يوم.
وتعمد المحتجون عدم إعطاء تحركهم أي طابع سياسي، وحصروا مطالبهم في شؤون معيشية واضحة ومباشرة، تفاديا لأي ردود فعل عنيفة. غير أن الاعتصام تعرّض لهجوم خاطف من مؤيدين للحكومة، اتهموا منظميه بأنهم من فلول نظام الأسد السابق. وسارعت قوات الأمن إلى احتواء التوتر، فضربت طوقا لحماية المحتجين.
لا تنبع أهمية هذه الحادثة من الاحتجاج في حد ذاته، بل من ملامح أوسع تكشفها عن المشهد السياسي السوري في هذه المرحلة: احتجاجات صغيرة تتكرر على نحو متزايد تحت ضغط الضائقة الاقتصادية، وجهاز أمني يبدو أكثر ميلا إلى احتواء العنف مما كان عليه في السابق، لكنه ما زال عاجزا عن الحيلولة دونه، فضلا عن نزعة متنامية داخل بعض دوائر النظام السياسي وشرائح من المجتمع إلى النظر حتى إلى أشكال المعارضة المحدودة باعتبارها تهديدا وجوديا.
ولا يتعلق الأمر بمصير هذه الاحتجاجات وحده، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل تستطيع السلطات السورية فتح حيز سياسي يتيح للمواطنين التعبير عن مظالمهم من دون خوف؟
سبل العيش لا السياسة
وعيا بخطورة تصويرهم خصوما للسلطة، حرص المنظمون على تقديم الاحتجاج باعتباره تحركا مطلبيا ذا طابع اقتصادي لا سياسي، مؤكدين أنه لا يرتبط بأي حزب أو فصيل. وصاغوا مطالبهم بلغة معيشية مباشرة، تمحورت حول الغلاء، وجمود الأجور، ومخاوف خصخصة الخدمات العامة، وتآكل أشكال الحماية الأساسية.
أما المقترحات التي طرحوها فجاءت محددة وعملية، من قبيل ربط الأجور بمعدلات التضخم، وإعادة النظر في التعريفات، وتجميد زيادات الأسعار إلى أن تلحق بها المداخيل، ووقف خصخصة أجزاء من القطاع العام.
واللافت أن هذا الاحتجاج لم يكن حادثة معزولة، بل جاء تعبيرا عن نمط آخذ في التشكل في أنحاء سوريا المختلفة: تحركات صغيرة ومحلية تدفعها أعباء الحياة اليومية أكثر مما تحركها الشعارات الأيديولوجية. وتدل هذه الاحتجاجات على أن كثيرا من السوريين ما زالوا يسعون إلى مخاطبة الدولة لا إلى رفضها، وما زالوا ينظرون إلى الحشد العام بوصفه وسيلة للضغط من أجل التصحيح وليس القطيعة.
لكن هذا الحرص في تأطير الاحتجاج لم يوفر لهم حماية تذكر. فقد تجمع مؤيدون للحكومة في الساحة لترهيب المشاركين، ووصموهم بأنهم من بقايا النظام السابق. وسرعان ما تصاعد التوتر إلى اشتباكات أسفرت عن إصابة عدد من الأشخاص.
عكس سلوك قوات الأمن تحولا لافتا، وإن ظل تحولا منقوصا. فبدلا من المضي في تفريق الاحتجاج، تدخلت للفصل بين الطرفين وأقامت طوقا لحماية المتظاهرين، وهي خطوة رأى فيها كثيرون إشارة إلى قدر أكبر من التسامح مع احتجاج منظم.
غير أن هذه الاستجابة بدت متأخرة وغير مكتملة. فقبل انطلاق الاحتجاج، كانت منصات التواصل الاجتماعي تعج بدعوات إلى حشد مضاد، شملت مناشدات صريحة لمواجهة المتظاهرين في المكان نفسه. ومع ذلك، لم تبادر قوات الأمن إلى الانتشار مبكرا على نحو يكفي لاحتواء العنف ومنع اشتعاله.
وتفيد شهادات المحتجين، التي تدعمها مقاطع مصورة، بأن مؤيدين للحكومة شرعوا في الهتاف ومحاولات الترهيب قبل أن تتطور الأمور إلى اعتداءات. ولم تتحرك قوات الأمن على نحو حاسم إلا بعد تعرض المحتجين لهجوم جسدي.
ولم يقتصر الخلل على جانب الوقاية، بل امتد إلى المساءلة أيضا. إذ لم ترد أي تقارير عن توقيف المعتدين. وهكذا نجحت السلطات في تطويق التصعيد، وهو أمر لا يستهان به، لكنها أخفقت في ضمان سلامة من مارسوا حقهم في التجمع. ويكشف هذا الموقف الوسطي عن تحول تحكمه القيود: فالدولة تبدو أميل إلى السماح بالاحتجاج، لكنها ما زالت عاجزة عن حمايته بشكل قاطع.
وتغذي هذه الضبابية دينامية ثالثة أشد خطرا، تتمثل في التعبئة المضادة. فالعداء الذي أبداه بعض مؤيدي الحكومة لم يكن عفويا بالكامل، إذ قوبلت الدعوات إلى التظاهر بانتقادات من مسؤولين وشخصيات نافذة مقربة من السلطات. وكانت الرسالة واحدة وواضحة: قد تكون المطالب مفهومة، لكن الاحتجاجات في هذه المرحلة قد تضعف الدولة وتفتح الباب أمام خصومها.
وأتاحت هذه السردية غطاء لأن يذهب بعض المؤيدين إلى أبعد من ذلك، فاتهموا المتظاهرين بالولاء للنظام السابق، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى التحريض على العنف. وهنا مكمن الخطر. فمن جهة، من الطبيعي القول إن التحديات التي تواجهها سوريا هائلة، ومن الضروري ضبط سقف التوقعات. لكن من جهة أخرى، لا يمكن قبول التعامل حتى مع احتجاج محدود قائم على مطالب واضحة بوصفه تهديدا مباشرا للسلطات الانتقالية.
ويكشف هذا الرفض عن مشكلة أعمق، إذ يوحي بأن بعض الأوساط السياسية والاجتماعية في سوريا ما زالت تنظر إلى الاعتراض بوصفه مرادفا لقلة الولاء. ولا يقتصر أثر هذه النظرة على نزع الشرعية عن مظالم حقيقية، بل يهيئ أيضا بيئة خصبة للعنف، كما أظهرت هذه الحادثة.
سيتوقف كسر هذه الدينامية إلى حد كبير على موقف الحكومة. فإذا أرادت السلطات توجيه هذه الأشكال الناشئة من الاحتجاج نحو انخراط بنّاء، فعليها أن تتجاوز مجرد التسامح السلبي. ويقتضي ذلك أن تبعث برسالة واضحة مفادها أن مثل هذه المظاهرات مشروعة وليست تهديدا، وأن مؤيدي الحكومة لا يملكون أي حق في مواجهة المشاركين أو ترهيبهم.
ولا يتعلق الأمر بالسيطرة وحدها، بل بالمصداقية أيضا. فالناس يصبحون أقدر على تحمل المشقة حين يشعرون بأن لهم مكانا في القرارات التي تمس حياتهم، وبأنهم يفهمون المقايضات التي تنطوي عليها تلك القرارات. ويغدو الصبر مستداما حين تُشرح السياسات بوضوح، وتُدار التوقعات بواقعية، وتستند الوعود إلى جداول زمنية موثوقة.
ومن دون هذا الوضوح، ستظل الضبابية وصفة للتصعيد. فإذا عجزت الحكومة عن تحديد ما يعد اعتراضا مقبولا، سيسارع آخرون إلى فرض تلك الحدود بأنفسهم، وغالبا بمنطق الإكراه.
وما جرى في ساحة يوسف العظمة يسلط الضوء على ما هو على المحك. فحتى إن لم تكن سوريا على أعتاب انتفاضة واسعة، فإنها تدخل مرحلة تتكاثر فيها الاحتجاجات المحدودة والمتكررة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية.
وسيتوقف الكثير على طريقة التعامل مع هذا الضغط: هل يُستوعب ويُحتوى، أم يُواجَه بالقمع؟ فهذا الخيار لن يرسم مسار هذه الاحتجاجات فحسب، بل سيحدد أيضا الأفق الأوسع لإعادة بناء مساحة سياسية تتيح للمواطنين الانخراط من دون خوف من الانتقام.
المجلة
———————————
“اعتصام 17 نيسان”: الشارع مساحة احتجاج أم عقاب؟/ نوار جبور
21.04.2026
السلطة السورية الجديدة تعيش أيضاً على تركتين: تركة الاحتجاج ضد الأسد الذي ما زالت ذاكرته حاضرة لدى السوريين، وكانت نتائجها القتل المباشر. التركة الثانية هي الاحتجاجات ضد “هيئة تحرير الشام” قبل سقوط نظام الأسد بأشهر، والتي كانت تطالب بإسقاط الجولاني، والتي واجهتها السلطة الجديدة في دمشق، بالتقنيات ذاتها، شارع ضد شارع، حملات تخوين.
كان اعتصام 17 نيسان/ إبريل أول إشارة واضحة ومركبة إلى مواجهة السلطة الجديدة في دمشق ومحاججتها كسلطة مسؤولة عن “تأمين حياة” السوريين، لا “تسهيل قتلهم” كما في مجازر الساحل والسويداء. الاحتجاج الخدميّ جاء لإعادة طرح سؤال سياسي في المكان الأخطر، الشارع، بعيداً عن صراعات “الجيوش الإلكترونيّة” وبروباغندا مذكرات التفاهم والمشاريع البليونية.
كان اعتصاماً مطلبياً تحت عنوان “القانون والكرامة”، وتمحورت نقاطه حول تفاصيل كثيرة: الكهرباء، الفساد، والحقوق المعيشية. وأهميته الأكبر هي تذكير السلطة بوجود مجتمع ما يزيح ظهورها الوحيد، بأركانها ومسؤوليها وتحيزاتهم وبذلاتهم و”عقابهم”، وأيضاً ما يظهر من عجرفة كبيرة في إدارتهم للشأن السوري.
الدعوات إلى الاعتصام تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. طيف واسع من السوريين داخل سوريا وخارجها دعوا إلى الوقوف في ساحة المحافظة، حيث تمثال يوسف العظمة. رمزية المكان، تتجاوز تاريخ الاستقلال وأحد أبطاله، بل ترتبط بالراهن نفسه، محافظة دمشق، ذات المشاريع الخُلبيّة.
استجابت للاعتصام فئات مثقّفة وناشطة في المجالين السياسي والمدني، ومحتجون يعانون من إجحاف هائل على مستوى التعويض وملفات العدالة الانتقالية المبعثرة، ومعتقلون سابقون إبان نظام الأسد يعون تماماً ضرورة العمل السياسي، وفئات من الطبقة الوسطى، وشخصيات يمكن القول إنها كانت جزءاً من بروباغندا النظام السابق، لكن ما جعل الجميع في المكان ذاته، هو المطالب الخدمية، وعدم “بيع سوريا وخصخصتها”.
الاستقطاب الذي ظهر قبل يوم واحد فقط، بدا مرعباً لمن استعدّ للمشاركة، بخاصة أن مواجهة التهديدات تحمل عبئاً نفسياً وإنهاكاً اجتماعياً لدى السوريين من مواجهة العنف. إذ نشط مؤيدو السلطة إلكترونياً، وبدأت حملات التخوين، والرهبة التي أحاطت بالاعتصام لم تأت من التهديد نفسه فقط، بل من كونه أعاد تذكير السوريين بأن الشارع لا يزال، في وعيهم العميق، مكاناً محتملاً للعقاب أكثر مما هو مكان لإبراز الحقوق والمطالبة بها.
السلطة السورية الجديدة تعيش أيضاً على تركتين: تركة الاحتجاج ضد الأسد الذي ما زالت ذاكرته حاضرة لدى السوريين، وكانت نتائجها القتل المباشر. التركة الثانية هي الاحتجاجات ضد “هيئة تحرير الشام” قبل سقوط نظام الأسد بأشهر، والتي كانت تطالب بإسقاط الجولاني، والتي واجهتها السلطة الجديدة في دمشق، بالتقنيات ذاتها، شارع ضد شارع، حملات تخوين.
الخوف من هذه التركات لم يهدد المحتجّين، إذ لعبت السلطة دور الوسيط، “حامي حرية التعبير والاحتجاج”، لكن الشارع كمكان جغرافي لم يخسر دوره “السوريّ” كمكان للعقاب والالتباس والإهانة، لا لإبراز الحقوق أو المطالبة بها، ولا لدفع السلطة إلى إفساح المجال للمشاركة في الحكم.
هل يتحمّل الشارع “اعتصاماً”؟
التهديد والوعيد تجاه المعتصمين لم يأتيا بوصفهما سجالاً سياسياً، إذ لم يكن هناك أي رد على المطالب المنتظر طرحها، ولا أي نقاش لها من منطلق معية سياسية تشاركية، بل أتيا بوصفهما وعيداً عنيفاً، أي خارج السياسي تماماً: أمنياً وشوارعياً، بلغة شارع منتفخة تظن نفسها سياسية فقط لأنها تظهر عبر السوشال ميديا.
كان الحديث كله تهديداً بالرصاص، والسلاح، والتعبئة المباشرة، والرد بأخلاق الانتصار على سقوط النظام الأسدي. هذا إن لم نتحدث عن شيخ ظهر أمام السيف الدمشقي، متهماً المنظمين والمشاركين بتأييد المشروع الصهيو – أميركي، ذلك المصطلح الثمانيني الذي لم يؤدِّه شيء، الموروث من خطاب الإسلاميين، والذي لا يفسر شيئاً بقدر ما يبتلع الوقائع داخل صورة عدو مختار دوماً بوصفه عدواً للإسلاميين، على رغم جلوس رأس النظام السوري مع الأميركي، والمفاوضات مع الإسرائيلي. وظهر أيضاً مسلح سوري في حمص يعرّف عن نفسه عاملاً في وزارة الداخلية، ويتحدث بلغة تحريضية وهو يصوّر السلاح الذي يريد به قتل المعتصمين، مع تداول اتهامات له بأدوار تعبوية في مجازر الساحل.
لكن الخلل لم يكن في العنف الذي أحاط بالاعتصام فقط، بل أيضاً في بنية الدعوة نفسها. فالدعوة افترضت، على نحو إرادوي، أن مجرد وجود الرغبة في الاحتجاج وصحة المطالب يكفيان لوجود ساحة سياسية قابلة للاستجابة، ومجال عام قادر على تلقّي مطلب حقوقي بوصفه حقاً قابلاً للنقاش. بينما أظهر الواقع أن البنى الأهلية والوسائط الاجتماعية والسياسية التي تجعل من الاعتراض فعلاً متماسكاً، لا تزال ضعيفة أو مفككة أو مفقرة أو مهملة.
وهذا الإفقار لا يصيب التنظيم فقط، بل يؤثر أيضاً في بنية الأمل والرغبة والقدرة على التكيف أمام سلطة غير مدركة أصلاً لضرورة الفعل السياسي وأهميته. كذلك، لا تزال قوالب لغوية جاهزة تزيح المعنى السياسي إلى معنى آخر. لذلك بدا الاعتصام، من هذه الزاوية، وكأنه فعل احتجاجي متقدم على شروطه الاجتماعية والسياسية أيضاً، لأن الدولة بحد ذاتها ترى في الاحتجاج والاعتصام ما هو دون السياسي، وما لا يرتقي أخلاقياً ليكون سياسياً، وهذا خطير. لا لأن المطالب خاطئة، بل لأن المجال الذي يُفترض أن يحملها لم يُبنَ بعد بما يكفي، ولأن السلطة تتحكم به لكي تزيحه وتعيد تعريفه.
لكن هذا التقدم على الشروط لم يكن فقط تقدماً على ضعف البنى الأهلية عموماً، بل أيضاً على ساحة مشبعة بطريقة مُريبة وُمخيفة مسبقاً بقوالب أمنية وأخلاقية جاهزة، لا تستقبل المحتج من جهة مطلبه، بل من جهة الشبهة التي يمكن إلصاقها به.
وكأن “الأبد” لا يزال حاضراً!
هناك مهمة باتت رمزياً وسياسياً في حالة توهّج دائم، وصارت قالباً لتفسير كل شيء داخل الحدث السوري. هناك إدامة لا تنتهي، ولا يعود ممكناً معها فهم الاتهام نفسه على نحو محدد، والمقصود هنا تهمة “الفلول”، أي وجود امتداد لنظام الأسد في المجتمع السوري. ولا تزال الساحة السياسية عالقة في طبيعة المهمات الأمنية التي نفذتها السلطة، بحيث أُبقي”الفلول” لا كملف ينتهي أو يمكن إغلاقه، بل كقالب إدراكي ومعنوي دائم، يُعاد عبره تفسير كل اعتراض جديد ونزع شرعيته قبل أن يدخل حيز السياسة، كأن الفلول والانفصالين بخسارتهم المعركة انتقلوا إلى الشارع، ما لم نتحدث عن آفة حقيقية في عدم تصديق سقوط الأسد، أو اعتبار الأسد وسلطته وداعميه ذوي توجه سياسي. وهكذا لم يعد “الفلول” توصيفاً لحالة محددة، بل صار بنية اتهام جاهزة، يُردّ إليه كل رافض، ويُعاد عبره سحب الاعتراض من المجال السياسي إلى المجال الأمني والأخلاقي معاً.
السلطة تسيطر على المناخ العام عبر اللغة، وعبر التهديد بالفزعة، والتي تحولت مهماتها إلى مهمات رمزية وسياسية،أي إلى اللغة التي رافقتها. هناك عالم جاهز ووحيد لفهم معارضة النظام: الفلول، والانفصالي، والأقلوي. الشكل الذي دافع عنه السلاح واشتبك معه بوصفه حقيقة، بات مع الوقت فكرةً سياسية قائمة بذاتها.
صارت اللغة، التي يُفترض ألا تقتل، تنسخ ما فعلته البارودة، وتعيد توزيعه على المعتصم والمحتجّ، وحتى على المتحالف مع النظام نفسه. لم تعد اللغة مجالاً للفهم، بل أداة لتثبيت عالم مغلق، تُسحب فيه الوقائع من تعددها، ويُردّ كل اختلاف إلى اسم جاهز، وكل اعتراض إلى شبهة. وهنا لا تعود المشكلة في أن اللغة تهاجم المحتجّ فقط، بل إنه يسقط فيها، وتنتزع منه إمكان الظهور بوصفه فاعلاً سياسياً أو فاعلاً ممكناً لأن يقول. إذ يصبح مضطراً، قبل أن يتكلم، إلى نفي التهمة عن نفسه، لا إلى عرض مطلبه. وبذلك تنجح السلطة في نقل أي اعتراض من حيز السياسة إلى حيز الدفاع عن الذات، أي من النقاش إلى الشبهة، ومن الحق إلى البراءة.
وما زاد المشهد برمّته سوءاً أن بعض المقاطع صُوّرت كأنها دليل عافية وحوار. الأمن العام يقف بين متشابكين أو راغبين في الاشتباك، وسيارة ترغب في الدهس، وحوارات قيل فيها إن الديمقراطية شرك، وإن السلطة حررتنا، وإن من يريد البناء عليه أن ينتظر، فيما تم الالتفات إلى كل مشاكل السلطة بوصفها أسباباً كافية لتعليق النقد. لكن هذا كله لا يكشف قوة جمهور السلطة، بل هشاشته التي يمكن رؤيتها في كل شارع سوري. فالبعد الدفاعي الفوضوي لموالي السلطة الأشداء لا يصدر عن ثقة سياسية، بل عن حاجة متزايدة إلى التبرير.
وكلما اهتزت الشرعية، ارتفعت الحاجة إلى الامتنان القسري، وإلى تخفيض الاعتراض من حق إلى سوء توقيت وسوء استخدام. هناك تصور مثالي أبرزته الكاميرات التي هبطت نحو ساحة الاعتصام، واستغلته السلطة جيداً، حتى صار الجميع وكيلاً لأيديولوجيا صناعة رأي عام، لا طرفاً في فعل سياسي، حرية لا تُنتج شيئاً. فالصحافة تترك الفظائع اليومية: الإفقار، الإفلاس، الاستبداد الناعم، والعزلة عن السياسة، وتتجه بدلاً من ذلك إلى تفتيت ساحة اعتصام تُحارب بالرصاص والوعيد، فيما تلتزم وزارتا الداخلية والإعلام الصمت. لم تكن كل كاميرا هناك سوى محاولة لتدوير المشهد وتأصيل فوضوي لأرشفة الحدث، لا لتكثيف السياسة.
صنع الإعلام اشتغالاً جماعياً على الصورة، لا على معنى الظهور نفسه وخطورة مظاهره أمنياً، ولا على تأخره السياسي وقسوته. لذلك لا يمكن الحديث عن حرية إعلام في سوريا، بل عن حرية هزيلة للتصوير. كأن الحدث يغدو قوة لمجرد أنه صُوِّر وأُرشف. أما هذا الاستهلاك كله، فليس إعلاماً في مجتمع طبيعي، بل إدارة بصرية لفعل سياسي أُفرغ من معناه، والأهم رسم خطوطه بين متحاربين.
درج
——————————————
وقفة 17 نيسان في دمشق وما بعدها/ حسان الأسود
22 ابريل 2026
قبل أيام من ذكرى الجلاء الفرنسي عن سورية في 17 إبريل/ نيسان 2026، دعت مجموعة من النشطاء السوريين إلى اعتصام في ساحة يوسف العظمة المعروفة في دمشق العاصمة بساحة المحافظة. جاءت الدعوة تحت شعار “بدنا نعيش” و”اعتصام قانون وكرامة”، ونشرت المجموعة لهذه الدعوة بيانًا ذكرت فيه مطالبها العشرة، ولولا ضيق المساحة المخصصة للمقالة لكنّا أوردناها هنا. تميز حضور المشاركين والمشاركات بالاعتصام بالتنوّع العمري والجندري والديني والطائفي والمناطقي وحتى السياسي، بينما بالمقابل اقتصر حضور المعارضين للوقفة، الذين تجمّعوا في الساحة نفسها، بناءً على تحشيدٍ مسبق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على جمهور من صغار السن نسبيًا ومن خلفية دينية محددة ومن دون أي حضور نسائي بشكل مطلق.
رحّبت قوى سياسية ومدنية سورية وشخصيات مستقلّة كثيرة بهذه الدعوة ودعمتها، كما ساهمت في نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وروّجتها عبر بيانات ومنشورات مقروءة ومسموعة ومصوّرة. في المقابل، تعرّضت الدعوة لحملة مناهضة شبه ممنهجة، قامت بها مجموعات ممن يوصفون بأنهم مشايخ دين وشخصيات عامّة ومؤثرون وصفحات ذات انتشار واسع في الفضاء الافتراضي العام. استهدفت الحملة الداعين إلى الاعتصام والمشاركين فيه، بل طاولت كل من تعاطف معهم وأيدهم. وجّه القائمون على الحملة، كلّ من موقعه، للداعين إلى الاعتصام وللمشاركين فيه، اتهامات بالعمالة لجهات خارجية أو داخلية معارضة للسلطة، وتعرّضوا لمنظمي الاعتصام بالتخوين والتشكيك بخلفياتهم ونياتهم والتوقيت الذي دعوا إلى الاعتصام فيه، رغم أنّ التوقيت يحمل دلالات إجماع وطني لا يتزعزع بالنظر إلى أنه توقيت الاحتفال بذكرى جلاء جنود المستعمر الفرنسي عن أرض الوطن السوري. وصل الأمر في بعض أفراد هذه الحملة المناهضة للاعتصام إلى الدعوة الصريحة والمباشرة للقتل والإيذاء الجسدي للمشاركين فيه. كما لم تتوقف الحملة عند ذلك، بل تابع القائمون عليها مهمّة الاغتيال المعنوي لبعض المشاركين في الاعتصام من خلال اختلاق حوادث ووقائع غير صحيحة ونسبتها لهم، أو من خلال تشويه سمعتهم بتلفيق أمور ومواقف لهم لم يقوموا بها.
أكثر من ذلك، يرى المتابع بشيء من التدقيق، استخدام مبدأ المغالطات المنطقية من الجهات التي وقفت ضدّ هذا الاعتصام. فلم يتمّ التطرّق في الأغلب الأعمّ للمطالب العشرة المرفوعة تحت شعار الاعتصام، بل بدأت عمليات الشخصنة المنصبّة على الداعين إليه والمشاركين فيه. كذلك يجري افتعال مشكلات ثانوية والتركيز عليها لحرف الناس عن الاهتمام بالمشكلات الأساسية والجوهرية التي من أجلها تم تنظيم الوقفة الاحتجاجية.
وتعاملت السلطة بشيء من المسؤولية عندما أرسلت عناصر من قوات الأمن لحفظ النظام وحماية المعتصمين. لكنّ تفاعل السلطة لم يكن متناسبًا مع الحدث، سواء من حيث التوقيت أو الإجراءات أو أعداد القوات المكلفة بالحماية. فالدعوة إلى الاعتصام، وإن كانت لم تؤيّد بترخيص من السلطة لأنّ القائمين عليها لم يتقدموا بطلب ذلك، إلا أنها كانت معلنة ومنشورة ومحدّدة التاريخ والساعة والمكان. مما كان يفترض أن تستعد وزارة الداخلية لها وتسبق المعتصمين إلى ساحة يوسف العظمة وتنظّم الفعالية بشكل مسبق. لو قامت بذلك لمنعت أساسًا تجمّع أعداد من مناهضي الاعتصام، ولحالت دون تهجّم بعضهم عليهم واعتداءاتهم بالضرب والشتم وتمزيق اللافتات وتكسير الجوالات وتصوير المعتصمين بما يفيد ترهيبهم لمنعهم من الاستمرار، أو لدفعهم إلى التفكير بالعواقب لاحقًا على مشاركتهم. كذلك لم تمنع السلطات المحرّضين على الاعتصام من التمادي في أفعالهم، ولم تلاحق أيًا منهم، رغم وضوح الكراهية في خطابهم والعنف في سلوك البعض الآخر منهم بما يخالف القوانين الجزائية النافذة، وبما يتعارض مع الإعلان الدستوري والتزامات سورية بالمعاهدات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والتي تضمنها هذا الإعلان وأقرّ بها.
تؤشر التفاعلات مع الاعتصام على وجود انقسامات عمودية وأفقية في المجتمع السوري، كما تدلّ على انعدام ثقةٍ متزايدٍ بين أفراد المجتمع، وتثير تساؤلات جمّة عن أسباب هذا التضاد في المواقف والتباين في وجهات النظر. فرغم أنّ المطالب العشرة للمعتصمين تلامس أهمّ المواضيع في الساحة السورية، ورغم أنّها كانت جزءًا رئيسًا وأساسيًّا من مطالب الثورة السورية، إلا أننا رأينا كثيرين محسوبين على هذه الثورة يقفون ضدّها ويعارضونها! ربما يعود هذا إلى الخلط المتعمّد أو المسكوت عنه بين الدولة والسلطة، والمساواة بين معارضة السلطة والخروج على الدولة في نظر بعضهم، رغمّ أن هؤلاء أنفسهم كانوا يفرّقون بينهما عندما كانوا يعارضون النظام البائد، وكانوا يتهمونه بأنّه احتكر الدولة وجيّرها لمصلحته، بينما لا يمانعون هذا في الوقت الراهن!
كثيرون من هؤلاء يتغنّون بعدم قمع السلطة هذا الاعتصام، وكأنّ لها في ذلك منّة على السوريين! هذه النظرة المنحازة، والمنحرفة في الوقت نفسه، عن ضمير الثورة المستقيم والإنسانية السليم، هي شيء معقّد لا يمكن فهم كنهه بدقّة، وإن كان يمكن التخمين في بعض أسبابه. الخوف على الدولة الجديدة من الانهيار، الخوف على وحدة البلاد من التمزّق، الخشية من عودة الحكم الأقلوي الدموي… وكلها مخاوفٌ مشروعة. لكنّ ما يجعلها مشروعة هو نفسه ما يجب أن يجعل سلوك الخائفين منها مُنصبًّا على منع تحققها، وهذا لا يكون بالتغاضي عن سلوكٍ سياسي بات من الواضح أنّه يعبّد الطريق للوصول إليها وإعادة إنتاجها عبر استفراد مجموعة صغيرة بالسلطة وبالتالي بالدولة كلها.
في المقابل، يؤسّس هذا الاعتصام لحالة جديدة من الحراكين، السياسي والمجتمعي، فلم تنفع حملات الترهيب في منع الناس من المشاركة فيه، كما لم تمنع من الدعوة إلى وقفات واعتصامات جديدة في مدن أخرى، مثل التي يزمع إجراؤها في حلب، وربّما في غيرها من المدن والمحافظات. يدرك كثيرون أنّ المرحلة الانتقالية لا تنفصل عمّا يليها، بل هي تؤسّس له من حيث تثبيت دعائم حكم رشيد يقوم على مبادئ العدل والمساواة والمواطنة الكاملة وسيادة القانون، أو على إعادة إنتاج نمط الحكم الذي أدّى إلى الثورة جرّاء احتكار أزلامه الفضاء العام والسلطة والثروات. لذلك لا يقتصر التحرك من الناس على المطالبة بالقضايا المعيشية على أهميتها، بل على المستقبل الذي ينتظره الجميع بأمل كبير أن يتحقّق في حياتهم لا بعد موتهم.
سيمضي المجتمع السوري نحو مزيد من الوقفات والاعتصامات والتحركات المشابهة ما دامت سبل ممارسة الحقوق مغلقة أمامهم. فطالما كان البرلمان غير مشكّل بطريقة تضمن أوسع تمثيل لشرائح الشعب، وطالما كان القضاء جزءًا من السلطة، لا حكمًا عليها وعلى تصرّفاتها، وطالما كانت الأحزاب مغيبة، ولا يوجد قوانين تنظّم العمل السياسي، وطالما وجد من يحتكر التوجيه السياسي لمؤسسات الدولة وللنقابات والاتحادات والمجتمع المدني بكل تفرّعاته، وطالما بقينا على نهج تقديس الأفراد وتنزيه السلطة عن الخطأ والخطايا، فإنّ السبيل الوحيد للتعبير عن المصالح المتعارضة وللمطالبة بالحقوق المهدورة سيبقى هو الاحتجاج عبر الاعتصامات والوقفات، وربّما المظاهرات لاحقًا، وربما أعمال العنف مستقبلًا. أهمّ ما يميّز هذه الأشكال حتى اللحظة سلميتها ومدنيتها وتحضرها أمام الهجمة التي تعرّضت لها، وهذا قد لا يدوم إذا لم تتنبه السلطة إلى ما حصل، وإذا لم تُعد التفكير في النهج المتبع. فهل من آذان صاغية؟
العربي الجديد
——————————–
صراع الساحات/ عبسي سميسم
19 ابريل 2026
كشفت الاحتجاجات التي شهدتها دمشق، أول من أمس الجمعة، العديد من الاحتياجات والمطالب التي ينشدها السوريون من الحكومة، سواء على المستوى السياسي أو الخدمي أو الاقتصادي، بعد أن مر وقت كافٍ بنظرهم كي يتلمسوا نتائج الوعود التي أطلقتها الإدارة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، في ما يتعلق بتحسين واقعهم المعيشي والخدمي وعودة النشاط السياسي في البلاد.
ولعل أحد أهم أسباب تلك الاحتجاجات هو تراجع الواقع المعيشي والقدرة الشرائية لدى غالبية السوريين بدل تحسنها، يضاف إليه القرارات الاقتصادية المجحفة بحقهم والتي تستنزف المواطن بالدرجة الأولى. فرغم الزيادات المتلاحقة في أجور العاملين بالدولة والتي تعدت الـ300% إلا أن رفع الدعم عن معظم السلع والخدمات وارتفاع الأسعار بنسب فاقت هذه الزيادات، أدى إلى ارتفاع مستويات الفقر. وعلى سبيل المثال ارتفع سعر ربطة الخبز نحو عشرة أضعاف منذ سقوط نظام الأسد. ومما زاد من سوء الوضع المعيشي رفع أسعار الكهرباء والاتصالات بنسب تفوق قدرة المواطن لدرجة أصبحت فيها فاتورة الكهرباء، رغم انقطاعها المتكرر، تساوي أكثر من ثلث راتب الموظف الحكومي، كما أن رفع الدعم جزئياً عن قطاع الصحة زاد أيضاً من أعباء الاستشفاء.
يعني ذلك أن الحكومة بدأت بتطبيق سياسات اقتصاد سوق متوحش بدءاً من الشق الذي يبدأ برفع الدعم عن السلع والخدمات المرتبطة بحياة السكان، قبل أن تستقطب استثمارات ومشاريع تحسن من واقعهم المعيشي. وعلى الصعيد السياسي لا يزال غياب مجلس الشعب هو السبب الأهم وراء توقف الحياة السياسية وبروز المطالب التي تدعو إلى تفعيل الحياة السياسية في البلاد، كون كل تلك المطالب ترتبط بانعقاد هذا المجلس لناحية سن جميع القوانين المرتبطة بتحسين الحياة السياسية من قانون أحزاب وقانون إعلام وتشريعات تنظم عمل المجتمع المدني.
أما على مستوى تنظيم هذا الاحتجاج وتعاطي السلطات معه، فقد كان الاحتجاج منظماً ويحمل طابعاً سلمياً، فيما اقتصرت معظم مطالبه على الجانب الخدمي والاقتصادي مع بعض اللافتات التي تحمل مطالب سياسية. وكان تعاطي قوات حفظ الأمن مع تلك الاحتجاجات بطريقة حضارية، إذ حضرت قوات الأمن لحماية المحتجين ومنع الاعتداء عليهم من بعض مؤيدي السلطة الذين حضروا واحتلوا ساحة المحافظة التي كانت مقررة كساحة للاحتجاج، وبدأوا بترديد الشعارات المؤيدة للسلطة والتي تخوّن المحتجين وتتهمهم بالعمالة لنظام الأسد.
ورغم حضور عدد كبير من عناصر مكافحة الشغب وتشكيلهم حاجزاً بين المحتجين ومؤيدي السلطة، ورغم إعطاء هؤلاء العناصر ظهورهم للمحتجين ما يؤشر على أن مهمتهم هي حمايتهم وليس الاعتداء عليهم، إلا أن السلطة تتحمل المسؤولية عن السماح أو السكوت عن خروج مؤيدين لها لتخريب أي احتجاج واتهام من يقومون به بالعمالة. فمن شأن هذه التصرفات أن تؤدي إلى صراع ساحات قد يفضي إلى حوادث عنف، وفي حال خروجه عن السيطرة قد يؤدي إلى فلتان أمني قد لا تتمكن السلطة من السيطرة عليه.
العربي الجديد
———————————–
المشكلة ليست في الشارع/ سيلفا كورية
أبريل 19, 2026
لم يختبر الشعب السوري الشارع إلا بالمسيرات “العفوية” المؤيدة وهتافات بالروح بالدم، كانت الشوارع لأكثر من خمسين عام هي ملكاً للأب القائد، نخرج إليها متى يشاء ونعود منها بعد أن نؤدي فروض الطاعة. لهذا، حين نزل إليه السوريون لأول مرة ، لم يكن ذلك احتجاجاً عابراً.
منذ اندلاع ثورة البوعزيزي كنا جميعاً نسأل السؤال ذاته: متى وكيف ومن سيجرؤ على امتلاك الشارع؟ لأن ذلك كان فعل ضرورة وإعلان وجود أعدنا معه تعريف العلاقة مع المكان والوطن والذات. لم يكن الشارع الوسيلة الوحيدة المتاحة فقط، بل الغاية، وحين تمت مواجهة الشعب الأعزل بالدبابات والاعتقال وهراوات الشبيحة أصبح النزول للشارع فعل خلاص وتحدياً، وبالضرورة صار يعني أن الشعب يريد إسقاط النظام.
دفع الثائرون ثمن امتلاك هذا الشارع دماً باهظاً، ومع كل يوم تظاهر جديد كان يتحول إلى مسرح جرائم يرتكبها نظام الأسد على الهواء مباشرة، ساحة إعدام جماعي يراقبها المجتمع الدولي بصمت. أن تكون “ابن الشارع” يومها فأنت مندس وعميل وإرهابي وعرعوري وصهيوأمريكي وجرثومة وغيرها من الصفات التي تجردك من الإنسانية وتبيح لأفرع الاعتقال حرية التصرف بك. يومها كان كثيرون يطالبون بتدخل الجيش لتطهير البلاد وزرعها بطاطا.
لم يختبر السوريون الشارع يوماً كفضاء عام حيادي ومتاح للجميع، بل كان دائماً ساحة صراع. ومع عسكرة الثورة وتفكك الجغرافيا، وسنوات المأساة صار لدينا بدل الشارع الواحد شوارع متقابلة فيها خنادق وسواتر وبنادق، لكل منها روايته، وهتافه، وخوفه العميق من الآخر.
السوريون جميعهم، الثائرون منهم والرماديون والصامتون القدامى والجدد، جميعنا للأسف حرمنا -بفعل عقود من الاستبداد والتصحر السياسي- من تطوير أدوات ضغط يملكها اغلب البشر في الدول العادية جداً: عمل نقابي مستقل، تنظيمات مدنية فاعلة، إعلام مهني قادر على التعبير عن مطالب الشارع بدلاً من النزول إليه، أحزاب وشبكات ضغط تستطيع تحويل الهموم إلى برامج قابلة للتفاوض. هذه الأدوات هي التي تمنح الشارع امتداده الطبيعي، وتحمي المجتمع من أي لحظة انفجار، لأن كل قمع أو كبت أو غياب عدالة اجتماعية سيتحول حتماً مع الوقت إلى غضب.
إن ما تستجيب له الحكومات، الذكية منها لا المستبدة، ليس الصوت المرتفع لعشرات أو مئات أو حتى ألوف المحتجين، بل القدرة على تنظيم هذا الصوت، وتمثيله، واستمراره. يدرك كثير من السوريين، بمختلف مواقعهم، أن الاكتفاء بالشارع -سواء كان معارضاً أو مؤيداً- لن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الحلقة ذاتها: انقسام، تخوين، وتبادل للاتهامات وصراع يتجدد، ففي غياب الفعل السياسي والاجتماعي المنظم سنبقى ندور في ذات الدائرة التي ندور في فلكها منذ استقلالنا الأول.
مطالب السوريين اليوم السياسية منها والمعيشية واضحة وبسيطة وملحة ولا تحتمل التأجيل أو التجاهل أو التعالي، ولا يعيبها الاستثمار بها من أي جهة كانت، ولا بد للحكومة من التوقف عندها والتعامل معها بجدية وفتح صمام الأمان وقنوات الحوار الفعالة وتطمين السوريين جميعهم.
فالمزاج العام مؤشراته لا تحتاج إلى مزيد من الشرح والتوضيح.. الكل غاضب، ولكل أسبابه. تملك الحكومة مفاتيح الحل وقادرة عليه، على الأقل هذا ما توحي به التصريحات الرسمية للمسؤولين، فإلى متى الانتظار؟
الثورة السورية
——————————
احتجاجاتُ دمشق… في وقتها/ رانيا مصطفى
20 ابريل 2026
نظّم ناشطون سوريون في ساحة يوسف العظمة (المحافظة) في دمشق “اعتصام قانون وكرامة”، يوم الجمعة الماضي الذي صادف ذكرى جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية. ورغم رمزية الذكرى والمكان، اقتصرت الاحتجاجات التي أعلنها المنظّمون على مطالب اجتماعية واقتصادية تندِّد بتردّي الأوضاع المعيشية، وسياسات الحكومة المتمثّلة في رفع أسعار الكهرباء والذهاب إلى خصخصات في قطاعَي التعليم والصحّة، والتسويات المشبوهة مع مرتبطين بنظام الأسد، وضدَّ الفساد والاحتكارات وتقديم الولاء على الكفاءة في مؤسّسات الدولة، وتوغّل المشايخ في وزارات الدولة. أمّا المطالب السياسية فكانت بسقف منخفض، واقتصرت على المطالبة بعقد مؤتمر وطني عام. ولم تحضر المسألة الوطنية بقوة في الاعتصام، خصوصاً التنديد بالتوغّلات والتدخّلات الإسرائيلية اليومية في الجنوب السوري، عدا عن هتافٍ ردَّده المعتصمون ضدَّ دولة الاحتلال، وبالمثل، نَدَرَ التنديد بأشكال التدخّلات الأخرى، التركية والأميركية وغيرها.
اختار المنظّمون للاعتصام مطالبَ منخفضة السقف تجنّباً لاستفزاز أنصار السلطة المتوقَّع، إذ اعترف بعضهم بأحقّية مطالب الاعتصام وأنّها تشمل معظم السوريين، مع رفضهم توقيتها. مؤيّدو السلطة أولئك، احتشدوا في الساحة انتظاراً للاعتصام، مجيَّشين ومعبَّئِين ضدّ المعترضين على سياسات السلطة، وأنّ الدعوة إلى الاعتصام مشبوهة، وراءها فلول النظام البائد، ما دفع بعض أولئك الأنصار إلى شتم المعتصمين وضرب بعضهم. وكان لافتاً دور كتيبة حفظ النظام في حماية المعتصمين، وقد أعطوا ظهرهم للمحتجّين لصدّ هجمات مؤيّدي السلطة. لبّى الدعوة إلى الاعتصام مئاتٌ من مشارب اجتماعية مختلفة، مع حضور شبابي لافت؛ إلّا أنه يمكن القول إنّ طابعاً نخبوياً غلب عليها من جهة، إذ تحلّى المعتصمون بانضباط عالٍ رغم استفزازات المهاجمين، ومن جهة ثانية، كان لافتاً ثقل مشاركة معارضي نظام الأسد، خلال الثورة وقبلَها، ما أسقط كلَّ روايات التحريض والتلفيق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي حاولت تشويه الاعتصام، وأفقد أولئك المحرِّضين كثيراً من المصداقية، ومنهم مقرّبون من دوائر السلطة.
ويحسب لوزارة الداخلية موقفُها الحيادي في الساحة وحمايتُها المعتصمين، ويحسب لمنظِّمي الاعتصام والمشاركين فيه نجاحُهم في كسب تأييدٍ واسع، حتى من بعض مؤيّدي السلطة المتضرّرين من سياساتها الاقتصادية الاجتماعية؛ وهنا كان لتخفيض سقف المطالب ومحاولة حصرها في رفض القرارات الإفقارية الصادرة أخيراً دورٌ كبير في كسب هذا التأييد. وقد جاء “اعتصام قانون وكرامة” في توقيت حسّاس، وتنبيهاً للسلطة بألا تتغوّل بسياساتها على الشعب الذي ترزح غالبيتُه العظمى تحت خطّ الفقر، ويعاني النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية. ومنذ بداية العام، تصاعدت الاحتجاجات المطلبية في قطاعات عدّة، ضدّ رفع تسعيرة الكهرباء، وضدّ احتكار قطاع المحروقات، وضدّ القرارات التي تقيّد عمل شاحنات النقل البرّي، وإضرابٌ لسائقي سيّارات الأجرة احتجاجاً على فوضى التطبيقات الإلكترونية التي تشغِّل السيارات الخاصّة، واعتراض ضدّ قرار إخلاء سوق المناخلية للحرفيين في دمشق، وضدّ استمرار العمل بالمرسوم 66 حول إحداث منطقتَي ماروتا وباسيليا سيتي التنظيميَّتن، وامتعاضٌ كبير في حيَّي جوبر والقابون المهدَّمَين ضدّ مشاريع تطوير عقاري مماثلة لا يشارك أهالي المنطقة في إقرارها لمصلحتهم، واحتجاجات على فصل الموظّفين والاستغناء عن الخبرات، وتحويل آخرين إلى نظام العقود السنوية، وعدم إعادة المفصولين بسبب معارضتهم للنظام، وهناك احتجاجات مرضى السرطان على غلاء العلاج بعد أن كان مجّانياً، فضلاً عن غلاء الأدوية عموماً، وتردّي أوضاع المشافي الحكومية، وانتشار مرض الجرب بين كوادرها، وصولاً إلى إعلان الحكومة نيّتها تخصيصها، إلى جانب قطاع التعليم، ما يعني حرمان الفقراء السوريين من أبسط الحقوق.
لم تشارك شرائح واسعة من أولئك المتضرّرين في اعتصام يوم الجمعة الماضي خشيةً من التخوين والتجييش والإساءة المعنوية، خاصّةً التي تستهدف النساء. إلا أنّ بوادر الاحتقان في دمشق، وباقي المحافظات، بدأت تتشكّل، وقد تتدحرج مثل كرة الثلج، وتُحدث انفجارات اجتماعية يصعب احتواؤها. لا يرغب السوريون في العودة إلى الشارع، ولا البدء بثورة جديدة، وهم منهكون من تجربة 2011، ومآلاتها من حرب وقتل وتهجير؛ إلا أنّ غياب قنوات التواصل الرسمية مع السلطة، وعدم القدرة على المشاركة في صنع القرار الذي يمثّل مصالحهم، سيدفع إلى هذا الانفجار مجدَّداً.
يحتكر قادة هيئة تحرير الشام معظم القرارات المصيرية، ويرفضون مشاركة الشعب في صنعها، اعتقاداً منهم أنّهم يملكون الوصفة التي تمكّنهم من الحكم وإخضاع الشعب. هذا الانغلاق السياسي، وضعف الخبرات، وعدم اجتماع الحكومة لوضع الخطط، والفشل في وضع استراتيجية اقتصادية واضحة، ستقود إلى الفشل، لأنّ السلطة راهنت على رفع العقوبات، وتدفّق الاستثمارات والأموال، واعتقدت أنّ المجتمع الدولي سيقوم بدور إسعافي للاحتياجات الأساسية، كما كان عليه الوضع خلال فترة حكمهم إدلب. يتبيّن اليوم أنّ هذا الرهان خاسرٌ في ظلّ نقص الموارد، خصوصاً مع استمرار الحرب الإقليمية التي لا يمكن أن تكون سورية بمنأىً عنها. تحتاج السلطة إلى مورد لتمويل أجهزتها وموظّفيها، وقد دفع نقص الموارد بها إلى الإسراع في تسويات مالية غير شفّافة مع رجالات النظام البائد، وإلى البحث عمّا في جيوب المواطنين من أموال عبر خصخصة الكهرباء والصحّة والتعليم، والبحث في سجلّات الوقف العثماني عن العقارات التي يستفيد منها رهط كبير من السوريين في دمشق.
هذا الوضع السوري المزري يجعل من الصعب على سلطة دمشق المؤقّتة، وعلى أيّ سلطةٍ بديلةٍ منها، أن تدّعي امتلاكها حلّاً فوقياً، أبوياً، للنهوض بالواقع السوري، ومنعه من مزيد من التدهور، وهو ما تقدّمه السلطة على لسان رئيسها، أحمد الشرع، في خطبةٍ في المسجد الأموي حين قال “أطيعوني”، وعلى لسان قادتها كلّهم، حتى أصغر موظّفٍ، بأن اصبروا وأعطونا الوقت. وهو وقت تهدره السلطة من دون أن تطلق مشروعاً وطنياً ينقذ البلاد يقوم على التشاركية مع الشعب عبر المؤسّسات الديمقراطية، وفي رأسها النقابات والاتحادات والمجالس المحلّية والبلديات التي عطّلت بسياسة التعيين على أساس الولاء، بدلاً من الانتخابات، وأن تكون ممثِّلة للشعب، وبدلاً من قنواتٍ رسمية تشارك في مجمل عملية البناء المؤسّسي، عبر المسح والتخطيط واتخاذ القرارات، وفي مقدّمها تقييد استيراد المنتجات الأجنبية، وتبنّي الدولة دعم الزراعة والصناعات التحويلية، التي من المتوقّع انتعاشُها سريعاً، وإطلاق عملية تنمية اقتصادية، تترافق مع إصلاح مؤسّسي في قطاعات المال والنقد والقضاء، وصون حرّية الإعلام والشفافية، بما يضمن عودة الأموال السورية من الخارج وتوظيفها في الاستثمار الداخلي.
في ظلّ التوغّلات الإسرائيلية المستمرّة، والتدمير الإسرائيلي للقدرات العسكرية السورية، وسيطرتها على الأجواء، تبدو سلطة دمشق منفصلةً عن الواقع مع استمرار الانقسامات الاجتماعية وصفةً تدعم مشروع في الحكم. ففي مواجهة احتجاجات الشعب، يُضخَّم خطر المشاريع الانفصالية والأقليات وعودة النظام القديم، ويُحشد معظم السوريين خلف السلطة على أساس طائفي في ظلّ تخوين المعترضين. إذا استمرّت هذه وصفةً للحكم، فمصيرها الفشل.
العربي الجديد
—————————
شارع ضد شارع: تفويض العنف وإعادة إنتاج الخوف/ رامي العاشق
20 أبريل 2026
لم يعد خافيًا أن السلطة الانتقالية في سوريا تستخدم بشكلٍ ممنهج سياسة “شارع ضد شارع”، أي تحريك فئات شعبيّة ضد أخرى. منذ الأيام الأولى، وحتى قبل مؤتمر النصر والحوار الوطني والإعلان الدستوري، كان واضحًا أن هذه السلطة ستعتمد على جمهور لا يمانع ممارسة العنف، بل على العكس، يفتخر ويتغنّى به. سواء أكان لفظيًا أو جسديًا أو قانونيًا أو افتراضيًا، طالما يتم توجيه هذا العنف ضد الآخر، ولا يمانع الاعتداء على الحريّات ما دامت حريّات الآخرين.
ليس جمهور السلطة فقط من لا يمانع ممارسة العنف، بل نستطيع القول إن مجموعة من الجماهير المختلفة لا تمانع ذلك، بمعنى أن رفض العنف غير مبدئي، إنما نرفضه حين يكون مسلّطًا علينا، ونتجاهله أو نباركه أو نمارسه حين يكون على غيرنا.
ولا يمكن إغفال أن هذا الجمهور وصل إلى هذا بعد عقود من التجهيل والظلم والقهر، وورث هويّات تشكّلت عبر العنف، وحدودًا رُسمتْ بالعنف، وتغيّرت بالعنف، لذلك لا يمكن رؤية قابلية الناس للعنف بشكل سطحي وقطعي أبيض أو أسود.
لكن ما يجب الانتباه إليه هو أن السلطات غالبًا ما تستثمر العنف والألم والاحتقان سياسيًا، وتبني سرديّة بقائها واستمرارها وتوسعها على هذا الألم وعلى شيطنة الآخر. صعود الشعبويّة واليمين المتطرف حول العالم هو أيضًا أحد تجليّات هندسة العنف واستثمار الهيجان والألم. النازية والفاشية في القرن الماضي لا تنفصلان عنه أيضًا.
ارتبطت ظاهرة “شارع ضد شارع” بالسلطة الانتقاليّة في سوريا منذ اليوم الأول، وحتى قبل أن تسمّى بالانتقاليّة، حينها كانت تُدعى حكومة البشير – الذي أصبح وزيرًا للطاقة في الحكومة الانتقالية – الحكومة المؤقتة. منذ أول اعتصام نسائي في ساحة الأمويّين في جمعة النصر يوم 20.12.2024، حيث تجمّعت مجموعة من النساء اللواتي رفضن تصريحات عبيدة أرناؤوط، المتحدث باسم السلطة حينها، المنحازة جندريًا.
تعرّض تجمعهنّ الصامت إلى اعتداءات لفظيّة وتخوين من مجموعة من الناس الذين اتهموهنّ مباشرةً بالصمت أيام الأسد في محاولة لنزع شرعيّة مطالبهنّ، ولم يتوقّف الأمر عند اتهامهنّ بالفلوليّة، إنما اقترن الهجوم بشعارات تمجّد قائد معركة ردع العدوان حينها بشكل استباقي، ولكن الأكثر دهشة كان رفع شعار “حكومة البشير تمثلني”. الحكومة المؤقتة التي تغيّرت لاحقًا، والتي كانت مهمتها تسيير الأعمال لمدة 90 يومًا، كان لها جمهور يقول إنها تمثله، جاهز للنزول لإخراس أي صوت آخر!
بعد أقلّ من ثلاثة أشهر، في التاسع من آذار/مارس 2025 كنّا أمام تجلٍّ آخر لسياسة شارع ضد شارع حين هجم حشود من مؤيدي السلطة على تجمع سلميّ في المرجة، وصاروا يهتفون “هاها هيي هيي .. هاي الدولة سنيّة”. اعتدوا على معتصمين بالضرب والشتائم، وفضّوا الاعتصام بالقوّة.
في الثامن عشر من تموز/يوليو تكرر الأمر مع اعتصام “دم السوري على السوري حرام” أمام البرلمان بالسيوف والعصي والشتائم، وكانت العادة في الأمثلة السابقة ألا يفعل الأمن العام شيئًا، بل يترك الناس لمصائرهم.
الأمر الذي سيتغيّر قليلًا في اعتصام “قانون – كرامة” في السابع عشر من نيسان/أبريل 2026، حيث سنرى قوات حفظ النظام مع الأمن العام تقف فاصلًا بين الشارعين. أما خارج العاصمة، فقد تبلور الأمر بشكل أكثر دمويّة: في النفير العام خلال مجازر الساحل والسويداء، في الفزعات، وفي الخطاب الفخور بهذه الأعمال.
لا يمكن فهم السماح بتظاهراتٍ مضادة في المكان والزمان نفسيهما على أنه ارتباك أمني أو قلة خبرة إدارية، بل هو سلوك سلطوي نمطي، تكرّر بوصفه تقنية للسيطرة. “شارعٌ ضد شارع” ليست فوضى عارضة، إنما هو هندسةٌ للعنف، تُمارسها السلطة حين تريد أن تُخضع المجتمع لنفسه، وأن تجعل الخوف ينتج ذاته بذاته. وحين نتحدّث عن هندسة العنف نعني أنّها تديره وتسيطر عليه وتسمح به أو تمنعه حتى حين يبدو على شكل انفلات أو فوضى.
سياسة “شارع ضد شارع” تضع الخصوم أمام حبكة من العنف، وتصبح السلطة هي من يحميهم من شرّ جمهورها، فتكتسب الأفضلية وتصبح لها اليد العليا، ولكنها تترك الباب مواربًا مهدّدةً: أنا من يحميكم من هؤلاء، وأنا ضمانكم، فإن رحلت، “سيأكلونكم بلا ملح”.
في “شارع ضد شارع” لا تظهر السلطة باعتبارها الجلاد المباشر، إنما الحكم الحكيم بين قوّتين متصارعتين، وبذلك، يتحوّل أمر بديهيّ وبسيط مثل أداء عنصر أمن لواجبه المهني الذي يحصل على مرتّبه مقابله، وهو أن يحفظ الأمن ويحمي المواطن، إلى إنجاز يستحق الثناء والتقديس والفخر. وتعود السلطة إلى احتكار الاهتمام والأضواء من جديد، فلا تعود مطالب الشارع المحقّة هي الحدث الرئيسي، إنّما كيف تصرّفت السلطة بحكمة، فتحصد الأوسمة وشهادات التقدير.
من جهة أخرى، إن سياسة “شارع ضد شارع” لا تعمل فقط عبر الصدام، بل عبر إخافة من لا يريد الصدام أيضًا. فهناك تيار ثالث صامت لم يشارك بعد، ربّما يريد المشاركة؛ سيسيطر عليه الخوف حين يرى أنه لا يواجه سلطة وحسب، إنّما جمهورًا لا يمكن التنبؤ بردات فعله. خطورتها أنها تنقل الخوف من كونه موجّهًا ضد السلطة، إلى خوف متبادل بين الناس أنفسهم، وتدفع بالفضاء العام نحو الانكماش والانسحاب. لا تعود السلطة بحاجة إلى أن تحكم بالقوة؛ يكفي أن تترك الخوف يعمل نيابةً عنها.
في التاريخ السوري الحديث، لم تكن سياسة “شارع ضد شارع” حكرًا على السلطة الحالية، فقد مارسها قبلها نظام الأسد حين أطلق العنان لميليشيات موالية له لتهجم على المتظاهرين، كما مارستها تنظيمات مثل داعش في مناطق سيطرتها، ومن يمارسها اليوم يعيد إنتاج منطق مشابه، وإن اختلفت الشعارات والأدوات. وليس بالضرورة أن تكون هذه الممارسة بالنزول إلى الشارع وضرب الناس وسحلهم، فالهجوم الإلكتروني الممنهج لتشويه سمعة المعارضين من جيوش إلكترونيّة، وفبركةِ لافتاتٍ لأيّ اعتصام خارج سياق التطبيل، والتزوير، جميعها كانت ممارسات عانى منها ناشطو الثورة ضد الأسد.
اعتماد هذه السياسة يعكس هشاشة عميقة لا ينبغي أن تكون لدى سلطة تحمل على عاتقها التخلص من إرث الأسدية والانتقال إلى بناء الدولة. فوحدها السلطة التي لا تستطيع أن تحكم بالعقد تحكم بالانقسام؛ والتي تفشل في إنتاج شرعية سياسية، تنتج عداوة وجودية بين مواطنيها. وتتحوّل السياسة من إدارة للاختلاف إلى إدارة للخوف، ومن عقدٍ بين المواطنين إلى هدنة هشّة بينهم. ولا تعود السلطة بحاجة إلى أن تفرض نفسها، لأن المجتمع نفسه يتكفّل بإعادة إنتاج شروط السيطرة.
الترا سوريا
———————————–
ما لم يُناقش حول “اعتصام 17 نيسان” في سوريا/ إياد الجعفري
الأحد 2026/04/19
حرفت نخب وشخصيات محسوبة على السلطة في دمشق، بنجاح، النقاش الذي كان من المفترض أن يدور حول شعارات “اعتصام 17 نيسان”، بعيداً عن مضمونها. فتحول النقاش إلى حيز: هل كان هذا “الاعتصام” مطيّة لـ”الفلول”، أم لا؟، وذلك بدلاً من أن يذهب النقاش إلى حيز: هل يستطيع السوريون تحمّل الكلفة الاقتصادية- الاجتماعية للتحوّل السريع نحو “اقتصاد السوق الحرّ”؟
في نقاش مع صديق، دافع عن نموذج التحول وكلفته، وضرب مثلاً، التجربة البولندية، بوصفها “معجزة”، في هذا السياق، قال في معرض دفاعه هذا، إن الكلفة كانت أن “يأكل بعض البولنديين من الزبالة”. بوصفها كلفة مؤقتة، أدت لاحقاً –بعد أكثر من عقد- إلى تحقيق واحد من أنجح نماذج التحوّل من الاقتصاد الاشتراكي المخطط إلى اقتصاد السوق الحرّ. وهنا السؤال: هل يستطيع السوريون اليوم تحمّل الكلفة التي دفعت بلداً أوروبياً، لم يكن مدمراً، ولم يكن 90% من شعبه يرزح تحت خط الفقر، يوم قرر الانتقال إلى “السوق الحرّ”، ورغم ذلك، اضطر بعض من شعبه إلى “الأكل من الزبالة”؟ المقارنة مع التجربة البولندية، في الحالة السورية الراهنة، غير موفقة.
ونحن هنا، لا نناقش من زاوية “يسارية” رافضة لفكر التحوّل نحو الاقتصاد الحرّ. لكن نناقش قدرة السوريين على التحمّل، من دون أن تؤدي الكلفة الباهظة إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية قد لا تنجو منها البلاد. فـ “الخلطة” المعتمدة عادةً، في تجارب التحوّل الجذري والسريع نحو “اقتصاد السوق الحرّ”، تُطبق في سوريا، الآن. تحرير للأسعار، خصخصة، خفض للدعم الحكومي، وتحرير للتجارة. والأهم، تشديد للسياسات النقدية. وفي كل التجارب التي طبّقت هذه “الخلطة”، كانت السمات الرئيسة لسنوات التحوّل الأولى، ارتفاع حاد في البطالة ومعدلات الفقر، مرفقة باضطرابات اجتماعية. وفي جميع تلك التجارب، لم يبدأ التحوّل من لحظة كان فيها الفقر بتلك المعدلات الموجودة في سوريا. ورغم ذلك، كثير من تلك التجارب فرملت سرعتها في التحوّل خشية خروج الواقع الاجتماعي، عن السيطرة.
لذا، تبدو الحاجة ملحة اليوم، لنقاش هادئ، وتخصصي، حول التكتيك الأمثل لتحقيق التحوّل الاقتصادي بسوريا، بأقل كلفة ممكنة، بصورة تسمح بعدم خروج المشهد الشعبي عن السيطرة، جراء التدهور المعيشي المتسارع. نقاش تخصصي، بعيداً عن وسائل التواصل، ومؤثرييها الشعبويين، عشّاق “اللايك”، أياً كان الثمن.
وبدلاً من الانشغال بـ”جنس” الداعين لـ”اعتصام 17 نيسان”، هل هم “شياطين” أم “ملائكة”؟ لنفكر مثلاً بطاولة مستديرة من الخبراء المحليين المشهود لهم، من مختلف المشارب، يُدعوَن برعاية رسمية، للنقاش حول كلفة التحوّل الاقتصادي، وسبله المثلى، في الحالة السورية، وصولاً إلى الخروج بتوصيات تخصصية قابلة للتنفيذ. ولتكن الأسئلة المطروحة للحوار من قبيل: هل تتحمّل سوريا التبني السريع لآليات السوق، بهدف تعزيز التنافسية لجذب الاستثمارات الخارجية؟ وإن كان ذلك: ما الأدوات التي يمكن اعتمادها للحد من الآثار الاجتماعية لهذا “التبني”؟
وبدلاً من من نموذج “الصدمة” السريع، المُعتمد الآن، وصولاً إلى “جس نبض” الشارع، باحتمال “خصخصة” الصحة والتعليم، أليس من الأَوْلى نقاش نماذج أخرى للتحوّل، أقل كلفة من الناحية الاجتماعية؟ ولدينا في ذلك، نموذج التحوّل الصيني، مثلاً. انتقال بطيء، مسيطر عليه، وتدريجي، لا يتسبب بخضّات كبرى في معيشة الناس. ويركّز على الإنتاج –بدأ في الحالة الصينية من قطاع الزراعة-، بدل القطاعات ذات الربحية الأسرع للمستثمرين –الخدمات والتجارة والعقارات-، والتي تحقق أرقام نمو لا تنعكس تنمية متوازنة. ولنا في تجربة حكم الأسد الابن، في العشرية الأولى من القرن الحالي، أكبر درس على هذا الصعيد. من المفترض أننا لم ننسى نتائجه بعد!
والأهم من كل ما سبق، هل ينجح تحوّل اقتصادي سريع، وصادم، بأداء سلطوي، يخلو من الشفافية، وتكتنفه الكثير من مؤشرات المحسوبية والبعد العائلي للتوظيف الحكومي، مرفقاً بإنفاق جلّي على كماليات المسؤولين، من سيارات فخمة ومكاتب فارهة؟!
وإن كانت قضية تسعيرة الكهرباء، الدافع الرئيس لكل هذا التدهور المتسارع بشعبية السلطة الراهنة، ألم يحن بعد أوان مراجعة هذا القرار والاستراتيجية التي تكتنفه؟ لنطرح مثلاً السؤال التالي: هل السوريّ ذو الدخل المحدود يفضّل كهرباء حكومية لـ24 ساعة في اليوم، إن كان عاجزاً عن دفع فاتورتها، على كهرباء مقننة بشكل معقول، يستطيع دفع فاتورتها؟! هل تسعير سلع وخدمات أساسية بصورة جاذبة للمستثمر الخارجي، مناسبة في الحالة السورية الراهنة، مع قدرة شرائية منهارة لأغلب السوريين؟!
أسئلة كثيرة كان من المفترض أن يقود “اعتصام 17 نيسان” إلى طرحها للنقاش، والدفع نحو حوار تخصصي – وطني، جامع، عن سبل الانتقال المثلى، بدلاً من تجييش نخب ومؤثري سوشال ميديا، لتعميق الاستقطابات المتجذرة أساساً في المجتمع، كي ينحرف النقاش بعيداً عن هذا السبب الجوهري، الذي يقف وراء خشية السلطة من حشد كبير كان محتملاً في “اعتصام 17 نيسان”. فهي تعلم جيداً أن سياسة التحوّل السريع المعتمدة الآن، هي غير شعبية. لكنها تريد الذهاب أبعد، بسياسة “التجريب”. وصولاً ربما إلى حافة الهاوية!
المدن
——————————–
تمرين سوري/ معن البياري
21 ابريل 2026
ليس موضوعاً أن عدد السوريين المعتصمين يوم الجمعة الماضي في دمشق كانوا نحو 700، فقد كان في الوسع أن يكونوا أكثر، لو أن التجييش الذي سبق تجمّعهم الاحتجاجي كان أقلّ تشنيعاً، ولم يتماد في لغته التحريضية. غير أن هذا يحسُنُ أن يكون تفصيلاً، وإنْ له أهميّتُه بالطبع في قراءة اللحظة السورية الراهنة، فضلاً عن أن تعمّد متظاهرين آخرين، عملوا على أن يكونوا في الساحة نفسها، للتشويش على الاعتصام، بزعم إن المحتجين تحت عنوان “قانون وكرامة” مسنودون من فلول الأسد، وضد الدولة السورية، وغير هذه وتلك من ادّعاءاتٍ تشبيحيّةٍ مرفوضة. ليس الموضوع هنا ولا هناك، وإنما في أن عناوين الاعتصام وقضاياه لا يجهر بها فقط من تقاطروا إلى ساحة الشهيد يوسف العظمة غاضبين، يُطالبون السلطة بإصلاح نفسها، والمضيّ في مشروع يلبّي تطلعات العموم السوري في عيشٍ كريمٍ وعدالةٍ اجتماعيةٍ وحقوقٍ في فرص العمل، وإنما يتحدّث عنها قطاعٌ عريضٌ من الشعب المجروح، الذي أفزعنا بخصوصه برنامج الأغذية العالمي، الشهر الماضي (مارس/ آذار)، بأن غالبيته الساحقة لا تزال غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية، وأن 6.4 ملايين شخص منه يحتاجون مساعدات غذائية يومية للبقاء على قيد الحياة، ونحو أربعة ملايين يعتمدون على الخبز المدعوم مصدراً أساسياً للغذاء.
كان مأمولاً أن تكون أجواء الاعتصام السلمي المشروع، بلافتاته الاحتجاجية ذات المضامين الملحّة، هادئة، فلا يُلاقيه بالحدّة والتربّص مناصرون للسلطة، يتوهّمون اصحاب الأصوات الإصلاحية والمعارضة خصوماً لهم وللدولة. وليس من تعالمٍ على أحد أن ينكتب هنا إن في وُسع اصحاب الاجتهاد المخالف أن يتجمّعوا، ويُعلنوا، في أي صيغةٍ تحت سقف القانون، ما يشاءون، على أن يغادروا فرضياتهم عن خيانة الآخرين وارتباطهم بأجنداتٍ خارجية، لم يجد أحد المشايخ حرجاً في قوله إنها صهيوأميركية.
الأنفع والأكثر وجوباً أن تدرك السلطة أن ثمّة ما هو مقلق، يدفع سوريين عديدين إلى مزاولة حق الغضب… الغلاء يتّسع، والفقر على حاله، وإذا صحّ أن 80% من السوريين تحت خط الفقر، بمعايير دولية، فهذا، مع غيره من أحوال، يفترضُ استنفاراً في أوراشٍ عمليةٍ وإجرائيةٍ وتنفيذية، تنشط في ابتكار كل الوسائل التي تُساعد في إنقاذ هؤلاء السوريين، فالذي تبدّى أن الاستعراضات الإعلامية، أو الدعائية المظهرية، وكذا المشروعات الآجلة التي لا معالم توضح تفاصيلها، غالباً، بانَ، في أزيد من عام، أنها لا تسعف في تخفيف معاناة كثيرين في جغرافيا سورية يتسع فيها البلاء والعوز والفقر ونقصان الخدمات.
ولمّا كانت القناعة بأن الأحمال على أكتاف السلطة الراهنة ثقيلةٌ وكبيرة، وموروثةٌ من عهدٍ ساقط، لم يكن يقيم اعتباراً لكرامة السوري وعيشه، فإن هذا مدعاة إلى تفهّم كل الصعوبات التي تحيط بالعمل الحكومي، وبالإكراهات الضاغطة أمام محدودية الإمكانات وضيق الخيارات ونقصان الموارد والعوائد، وسريان عقوباتٍ خارجيةٍ معلومة، فضلاً عن مناخ أمني في مناطق سورية غير قليلة قد لا يبدو مطمئناً تماماً. لمّا كانت القناعة هذه، وهي صحيحةٌ على غير محمل، إلا أنها لا تُزيح قناعةً يبدو أن ثمة إهمالاً في التذكير الواجب بها، وموجزُها أن أي سلطةٍ تتقدّم لقيادة أي مسؤولياتٍ ومهمّاتٍ يُفترض فيها أن تدرك تفاصيل الممكنات والوقائع أمامها، وأن تجترح اجتهاداتٍ وابتكاراتٍ خلاقة، مؤكّدٌ أنها تحتاج أدمغة كفاءاتٍ قديرةٍ ومبدعة، ومؤهلة لتقديم مشوراتها وصياغة خرائط ومسارات عملٍ إنقاذية، ليست من نوع رفع أجور الكهرباء ورفع أسعار هذه السلع وتلك، ولا من نوع بيع مستشفياتٍ حكوميةٍ إلى القطاع الخاص، فهذه صيغٌ، كما مثيلاتٌ لها، تزيد من التأزّم الاجتماعي، وترفع وتيرة الحنق والغضب.
لنقل إن اعتصام ساحة يوسف العظمة كان تمريناً سوريّاً مُضافاً إلى سابقه في باب توما، قبل أسابيع، احتجاجاً على قرار ما سمّي تنظيم بيع المشروبات الكحولية، ومن المتوقّع أن تشهد ساحاتٌ وميادينُ أخرى في المحافظات السورية مظاهراتٍ أخرى، ساخطةٍ على الغلاء وعلى ما يراه ناشطون تضييقاً يحدُث على حرّياتٍ عامة، وعلى محسوبياتٍ ومظاهر فسادٍ بات الصوت في التأشير إليها عالياً، ما سيعني أن تمارين السوريين على استعادة حضورهم في المجال العام في بلدهم مرشّحة لتفتح آفاقاً لتنشيط المجتمع الأهلي. وذلك كله، بالضرورة، لصالح سورية، ولإنقاذ الدولة بقيادتها الحالية من فشلٍ لا أحد يريده.
العربي الجديد
————————-
من وقف وراء “الحملة” على “اعتصام 17 نيسان”؟/ إياد الجعفري
2026.04.19
ستبدو صياغة السؤال أعلاه، مستفزة وغير موضوعية، بالنسبة للكثيرين. لكن دعونا نفكّر بصوت مرتفع، بالاحتمالين الناتجين عن طرحه. وتفرعات وتبعات كل منهما. فالسؤال سيطرح اتجاهين في الإجابة. الأول يقول بأنها كانت حملة منظّمة وموجّهة من جانب أطراف مرتبطة بالسلطة الحاكمة في دمشق. والاتجاه الثاني، يقول بأنها لم تكن “حملة”، بل موقفاً جمعياً لشريحة واسعة من النخب والشرائح الثورية، التي نظرت بعين الارتياب تجاه الاعتصام المشار إليه.
لنبدأ بالاتجاه الأول للنقاش. وهو يدفعنا إلى تفرعٍ وحيد، مفاده، أن السلطة الحاكمة نجحت عبر توجيه نخب من مثقفين وإعلاميين وساسة ثورة العام 2011، في شيطنة الداعين والمنظّمين لاعتصام 17 نيسان. وحققت جملة أهداف، أبرزها، تخويف الناس من المشاركة الواسعة في الاعتصام. فمنظّمو الاعتصام بنوا على مطالب معيشية واقتصادية وسياسية، من الصعب عدم الاتفاق معها، وعلى نطاق واسع، في أوساط غالبية السوريين، الموجودين في الداخل. باستثناء المستفيدين من السلطة الراهنة والمرتبطين بها.
لذا، يبدو أن صنّاع القرار الأمني والسياسي بهذا الخصوص، خافوا أن تحدث مشاركة شعبية واسعة النطاق، فتشوّه القناعة الرائجة في الداخل وفي الخارج، أن السلطة تحظى بشعبية كبيرة. خاصة في “الوسط السنّي”. وهو “الوسط” الذي كان من المحتمل أن يشارك بكثافة، نظراً لأن شعارات ومطالب الاعتصام المعيشية والاقتصادية، مسّته بصورة مباشرة. وهكذا تحقق الهدف الرئيس للسلطة. وكانت النخب المشاركة في عملية الشيطنة والتشويه الممنهج، عن إدراك ووعي، أو عن جهل وانسياق، أدوات للسلطة، في ذلك. وقد سجّلت السلطة في الوقت نفسه، مكسباً آخر في رصيدها، عبر تقديم عناصر حفظ نظام مدرّبين، ولأول مرة منذ سقوط النظام البائد، ظهروا بحرفية نوعية من حيث اللباس والأدوات وطريقة العمل. وقد ظهروا بمظهر الحامي للمعتصمين المعارضين للسلطة ذاتها.
وبذلك أرسلت السلطة رسالتين للخارج الذي يهمها كثيراً: نحن ملتزمون بعدم سلوك طريق نظام الأسد ذاته في التعامل مع المعارضة. والرسالة الثانية، والأهم: نحن من يحمي المعارضين ويضبط جمهور السلطة الذي ظهرت عيّنة منه في الاعتصام، في معظمها، راغبة في الاستفزاز والعدوانية، وترفع شعارات ولافتات “دينية”، لا تجمع كل السوريين.
وفق هذه القراءة، خرجت السلطة بمرابح آنية. لكن تبعات هذه اللعبة مستقبلاً، قد تتحول تدريجياً إلى مسار يشبه ذاك الذي حدث في باكورة تظاهرات الثورة عام 2011. حينما نجحت سلطة الأسد البائدة في تحييد والقضاء على الساسة والنخب المنظَّمة القادرة على خلق حراك مدني سلمي. والتي كان يمكن لها أن تدخل في حوار بنّاء مع السلطة حينها، للوصول إلى تسوية داخلية، تختم الحراك الثوري في ذلك الحين، بصورة أفضل بكثير من المسار الآخر الذي ذهب باتجاهه. فسلطة الأسد دفعت الحراك نحو نمط الفزعة والتجمعات المناطقية، وحثّته حثّاً على التسلّح، ولاحقاً، على الأسلمة، في سياق خطتها، للقضاء عليه.
قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة وتتحول إلى “حرب أهلية”، عجزت سلطة الأسد عن حسمها لصالحها، فاستدعت أولاً، “حزب الله”، ثم ميليشيات إيران، وأخيراً، روسيا. ونعرف لاحقاً، كلفة هذا الاستدعاء، وكيف عجزت سلطة الأسد عن التخلص منه، ودفعت أثمان انخراطه، خاصة من الجانب الإيراني. فكان سقوطها المدوّي في “ردع العدوان”، كنتيجة نهائية لهذا المسار. مسار بدأ بتحييد الساسة والنخب المثقفة والمنظَّمة، وانتهى بسقوط النظام بقبضة إحدى القوى “الجهادية”، ذاتها، التي راهن نظام الأسد قبل عقد ونصف، على أن يكون إخراجها من “القمقم”، مدخلاً لشيطنة الثورة وإفقادها زخم الدعم والتعاطف الدولي معها.
أية سلطة، من الطبيعي أن تبحث عن سبل تحقيق المكاسب لصالح المحسوبين عليها. ومن الطبيعي في الوقت نفسه، أن توازن ذلك مع الحاجة للاستدامة، عبر إيجاد تسويات مع القوى المحلية، غير المحسوبة عليها. والقوى المثقفة والمنظَّمة، أفضل بمرات، من الانخراط بصفقات مع فصائل مسلحة نظيرة. لأن كلفة مطالب الصنف الأول، أقل من كلفة مطالب الصنف الثاني. لذا، إن كانت الحملة على اعتصام “17 نيسان”، ترتيباً من جانب السلطة الحاكمة بدمشق، فهي كسبت بالمدى القريب. وستخسر في المدى البعيد، إن استمرت بالنهج ذاته، ولم تفتح باباً للحراك السياسي والمدني، وتقبلت الحوار والمساومة وتقديم التنازلات.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن السلطة لم تنظّم هذه “الحملة”، وأنها كانت أشبه برجع الصدى وتوسعه، بين شرائح محددة من النخب المثقفة المحسوبة على ثورة 2011، والتي ترى في حكم هذه السلطة مكسباً وتمثيلاً لها. والتي تتراوح دوافعها، بين حساسية طائفية، أو مكاسب وعلاقات شخصية مع أروقة السلطة، وتزلفاً لها، أو خشية حقيقية من تجربة “الانقلاب على مرسي” في مصر، عام 2013، وقناعة فعلية بأن منظّمي هذا الاعتصام، من “الفلول” ومن المحسوبين على قوى قد تهدد استقرار ووحدة سوريا، ومكاسب الانتصار الذي حدث كنتيجة تراكمية لتضحيات الثوار، في لحظة 8 كانون الأول 2024.
وهنا لن نناقش موقف الطائفيين والانتهازيين المستفيدين من السلطة أو الراغبين بالاستفادة منها، وهم كثر، حتى ضمن نخب ثورية عملت لأكثر من عقد ونصف وقدمت تضحيات في سبيل انتصار الثورة، وتعتقد أن من حقها اليوم أن تقبض المكافأة، من دون أن تتعلّم شيئاً من تجربتها، عن كلفة احتكار مكوّن محدد أو فئات محددة لمكاسب الحكم. لكننا سنناقش هواجس الفئة الثالثة، التي تعيش هوس تجربة مرسي في مصر. فمن انقلب على مرسي عام 2013، هو مؤسسة الجيش، التي لم تُحل ولم تُفكك بعد ثورة كانون الثاني 2011. وهي مؤسسة قوية وراسخة. وهي الحاكم الفعلي للبلاد منذ العام 1952. هذه المؤسسة تجاوبت مع ثورة 2011، بأن أطاحت برأس هرمها، ودخلت في مناورة مع الثوار ونخبهم السياسية، قبل أن تنهي المناورة بانقلاب 2013. الحالة السورية اليوم مختلفة تماماً. لم يعد هناك “مؤسسة”. وفكرة انقلاب “الفلول”، وهمٌ غير واقعي. حتى مع أحداث الساحل في آذار 2025، ولو فرضنا أن التمرد المسلح الذي افتتح تلك الأحداث، كان يمكن أن يُكتب له النجاح حينها، فنجاحه سيكون قاصراً بمنطقة الساحل، وسيكون مؤقتاً، على الأرجح، بسبب اختلال موازين القوى الكبير. فنظام الأسد سقط في نهاية 2024، لأن معادلات دعمه الخارجية، ومواقف القوى الإقليمية منه، تغيرت. تلك المعادلات لو لم تكن موجودة، لكان قد سقط في العام 2012 أو 2013. أو حتى قبيل التدخل الروسي عام 2015، حينما بشّرت الصحافة الأميركية حينها، بانهيار قريب له.
الهوس بتجربة مرسي في مصر، غير صحي، وغير موفق. والأخطر، أن يكون ذاك الهوس سبباً في كبت مسار لتشكيل حراك سياسي قادر على إنضاج الحياة السياسية في سوريا، بصورة تتيح أن يكون لدينا معارضة، قادرة على التفاوض مع السلطة ومساومتها، وتحصيل التنازلات منها. كي لا ننتكس ببساطة، إلى حكم شمولي مستبد، قد يحكمنا عقوداً أخرى.
ونختم للتوضيح. لسنا من المراهنين على إسقاط السلطة الراهنة، لأن إسقاطها كارثة على سوريا، اليوم. رهاننا أن نتجه نحو وضع صحي، سياسياً، لا تنفرد فيه سلطة بالحكم المطلق، لأن نتائج ذلك، هي ذاتها، التي أدت لثورة 2011، وتبعاتها الكارثية التالية لها.
تلفزيون سوريا
——————-
تشخيص الأخطاء/ فوّاز حداد
21 ابريل 2026
تكاد العلاقة بين السلطة والنقد في المرحلة الانتقالية تصبح علاقة مصيرية، لا مجرد ترف مطلبي أو سياسي. فهذه الفترة، بحكم هشاشتها، ذات حدين، تفتح الباب أمام احتمالات متناقضة: بناء مؤسسات فاعلة، أو انزلاق نحو فساد يُمأسس أنماطا من سوء الإدارة. لهذا يبدو الانتقاد ضرورة لا غنى عنها، وشرطاً من شروط حماية المسار نحو الدولة، بينما الصمت يتيح للفساد أن ينمو. إن السؤال الأهم لا يتعلق بشرعية النقد، بل بطبيعته: متى يكون النقد صحياً؟ ومتى يتحول إلى عامل تشويش أو إضعاف؟
الانتقاد الصحي يبدأ من صلته بالواقع. أي من قدرته على ملامسة ما يجري فعلاً، لا ما يُراد له أن يكون أو ما يُخشى أن يكون. فالنقد الأكثر واقعية، حين تتقاطع التجربة اليومية مع التحولات السياسية، فتتملك الأفراد حساسية أعلى تجاه تفاصيل المعيشة: لماذا تتعطل الخدمات؟ ماذا عن ارتفاع الأسعار، وغلاء الكهرباء؟ كيف تُتخذ القرارات، وأين تظهر بوادر الفساد؟ هذه التساؤلات المباشرة تمنح النقد ثقلاً نوعياً، لأنه لا يعتمد على الانطباعات أو الإشاعات، بل على معايشة ملموسة. وغالبا، حينما يصدر النقد من داخل البلد، لا من خارجه، يتسم بالوعي، ويكون أقرب إلى تشخيص العلل منه إلى الاكتفاء بتوجيه الاتهامات من بعد.
أفضلية الداخل لا تعني العصمة. فالقرب من الحدث قد يدفع أحياناً إلى التعميم أو التسرع في الحكم، خاصة تحت ضغط الإحباط أو الخوف المقيم من تفاقم الفساد وسيطرته، لا يخفي إشكاليته، فالنقد الذي يبالغ لا يكذب بالضرورة، لكنه يعيد ترتيب الوقائع بطريقة يبدو فيها الاستثناء وكأنه القاعدة، والخلل مؤشراً على الانهيار. هذا النوع من الخطاب، رغم أنه قد ينطلق من حرص حقيقي، يفتقر إلى ما يضعف قدرته على الإقناع.
المبالغة في النقد تحمل مفارقة لافتة: فهي تسعى إلى لفت الانتباه، لكنها قد تفقد الثقة. حين تتكرر الاتهامات نفسها، ويجري تداولها عشرات المرات ويجري تشخيص الأخطاء على أنها: فساد شامل، فشل كامل، انعدام أي أفق، فقدان الأمل… ما يدعو المتلقي إلى التشكيك فيها، فإذا كان البلد على وشك الانفجار، والهاوية علي بعد خطوة، ولا رجاء على الإطلاق، وعبث أية محاولة على الإصلاح، والبلد في حالة تصدع… أولاً وأخيراً، هذا هو الواقع، الأسوأ أن هذا الخطاب يمنح السلطة ذريعة جاهزة لتجاهل النقد كله، باعتباره يخالف الواقع، باعتباره مبالغاً فيه أو مسيساً، ويتعمد تجاهل الحقيقة.
مقاربة الواقع، ليس في تبرير الاتهام أو الخطأ، وإنما التفريق بين خلل أساسي وخلل عابر، بين سياسة السلطة أو تصرف فردي، بين فساد ممنهج وممارسات ناتجة عن ضعف الخبرة أو قلة الكفاءة. هذا التفريق هو ما يمنح النقد قوته، لأنه يحوله إلى معرفة قابلة للاستخدام. فالسلطة قد تتجاهل الاتهامات المرسلة كيفما اتفق، لكنها تجد صعوبة أكبر في تجاهل نقد محدد، مدعوم بأمثلة وسياقات.
النقد الصحي لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يلمّح إلى أفق. ليس بالضرورة أن يقدم حلولاً جاهزة، لكنه يفتح المجال للتفكير: كيف يمكن تصحيح المسار؟ ما البدائل الممكنة؟ ما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟ بهذا المعنى، يصبح النقد جزءاً من عملية البناء، لا إعلان فشل مبكر، ولا التلويح بفشل دائم.
إن معيار صحة النقد لا يكمن في شدته، بل في البرهنة على صحته. فالنقد الحاد قد يكون ضرورياً حين يلامس جوهر الخلل، لكنه يفقد قيمته وتأثيره حين يتحول إلى اتهام بلا دليل. إن انفصال خطاب النقد عن الواقع، يمنح السلطة ذريعة لرفض أي مساءلة، بحجة أن كل الانتقادات مفبركة.
العربي الجديد
——————————–
اعتصام دمشق.. مطالب معيشية وقوات الأمن تفصل بين المحتجّين ومؤيدين للحكومة/ عبسي سميسم و محمد كركص
17 ابريل 2026
أصدرت المجموعة المنظمة لاعتصام “قانون وكرامة” في العاصمة السورية دمشق، مساء اليوم الجمعة، بياناً أعربت فيه عن شكرها لكل السوريين والسوريات الذين لبّوا الدعوة وشاركوا في الوقفة الاحتجاجية، إلى جانب كل من ساهم في تنظيمها أو دعمها.
وأكد البيان أن مطالب المعتصمين “لا تزال قائمة”، مشدداً على أن “المشاركين سيواصلون مراقبة أي قرارات قد تمسّ الأوضاع المعيشية للسوريين أو تتعلق بأصول الدولة، في ظل ما وصفوه بتدهور مستمر في الظروف الاقتصادية والاجتماعية”.
وفي سياق متصل، اتهمت المجموعة المنظمة جهات وصفتها بـ”بعض المجموعات” بتنفيذ هجوم على الاعتصام، مشيرة إلى أن هذه الجهات حاولت الاعتداء على المشاركين السلميين بأساليب “بعيدة عن القيم الوطنية”. ولفت البيان إلى أن الاعتداء أسفر عن وقوع عدد من الإصابات، معتبراً أن ما جرى كان نتيجة مباشرة لما وصفه بـ”حملات تحريض” سبقت تنظيم الوقفة.
وأضاف البيان أن الاعتداءات لم تقتصر على الاشتباك الجسدي، بل تضمنت، بحسب روايته، محاولة دعس المعتصمين بواسطة سيارة لاحقت الحشود، في مشهد اعتبرته المجموعة دليلاً على “عنف مفرط” ورغبة في إلحاق الأذى بالمحتجين الذين يطالبون بحقوقهم القانونية.
وأعلنت المجموعة أن فريقاً يحمل اسم “العدالة للجميع”، وبالتنسيق مع عدد من الحقوقيين والقانونيين، بدأ اتخاذ إجراءات قانونية لملاحقة كل من تورط في الاعتداءات الجسدية أو في التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وكان مئات السوريين قد تجمعوا، في وقت سابق اليوم، في ساحة يوسف العظمة بالعاصمة دمشق تلبية لدعوة أطلقها ناشطون ومنظمات مجتمع مدني للاحتجاج على تردي الأوضاع المعيشية في البلاد، فيما احتشد في المكان آخرون ممن اعتبروا أنفسهم مدافعين عن الدولة والحكومة السورية. واحتشد المعتصمون تحت شعار “قانون وكرامة”، وذلك للمطالبة بإصلاحات معيشية واقتصادية وسياسية، في ظل تدهور الأوضاع وارتفاع تكاليف الحياة.
وقبل اكتمال وصول المعتصمين، كان هناك عشرات الأشخاص من المناهضين للتجمع، والذين يتهمون المعتصمين بأنهم من فلول نظام بشار الأسد البائد، ورددوا هتافات ضدهم، فيما حضر بعضهم بسيارات احتشدت في المكان المخصص للاعتصام في محاولة كما يبدو لإعاقة الحركة في المكان. وفي بعض المراحل حصل اشتباك محدود بين الطرفين، ما أدى لإصابة شخص بجروح، فيما تعرضت الإعلامية ميريلا أبو شنب لاعتداء من جانب أحد الأشخاص خلال قيامها ببث مباشر لمجريات اعتصام دمشق متهما إياها بأنها من الفلول.
وقد سارعت قوات الأمن الموجودة في المكان إلى الفصل بين “الجمهورين” ومنع أي احتكاك بينهما، ولم تسجل أية حالات اعتقال. واستقى “العربي الجديد” آراء العديد من المشاركين، لاسيما لسؤالهم عن أسباب المشاركة ومن هي الجهات المنظمة للاعتصام، إذ أفاد هؤلاء بأن أبرز الجهات المنظمة هي “الجبهة الليبرالية في التل” (منطقة التل قرب دمشق) و”منتدى مسار” الذي يقوده الناشط السياسي وليد البني، ومجموعة ناشطين من التيار المدني منهم “تجمع شباب صيدنايا”.
وقالت سحر إبراهيم وهي موظفة في وزارة الاتصالات إن “كل شخص شارك في مظاهرات 2011 (بداية الثورة السورية) يجب أن يعتصم اليوم، لأن الثورة لم تحقق أهدافها بعد”. وعن مطالب المعتصمين قالت إبراهيم “الأهم أن يكون لدينا دستور دائم ومجلس شعب يمثل الناس حتى لا يضطروا للنزول إلى الشارع في كل مرة”، معربة عن أملها ألا تتكرر “ممارسات النظام السابق في مواجهة المتظاهرين من ناحية زج شارع في مواجهة شارع”.
وأوضحت أن “المعتصمين اليوم جاؤوا من أجل الدفاع عن لقمة عيشهم وضد خصخصة المشافي وضد الفساد في البلد”، معتبرة أن “الذين يقفون في وجهنا اليوم يؤذون الدولة ولا يفيدونها”. وأضافت: “نحن لسنا ضد الدولة. نستنكر الشتائم والتهجم على المعتصمين الذين حضروا ليقولوا: نحن شعب تعبنا من الفقر والجوع ولسنا ضد الدولة”.
وقالت منور أحمد إن “شيطنة الاعتصام هي وصمة عار في جبين من يفعل ذلك”، مؤكدة “حق الجميع في التعبير عن رأيهم وهذا ما قامت لأجله الثورة أساساً”. أما عمر العميري وهو من أبناء محافظة دير الزور، فقال إنه يشارك في الاعصام احتجاجاً على الوضع المعيشي. وأضاف: “أنا مشلول وراتبي التقاعدي لا يكفيني. ولدي عدد من أفراد أسرتي وضعهم الصحي سيئ. هذا البنطلون الذي أرتديه موجود عندي من قبل 2011. راتبي 950 ألف ليرة (أقل من 100 دولار) لا أستطيع شراء بنطال أو دجاجة”.
بدورها، قالت كاتي نعشي إنها “ضد الظلم وضد الإجراءات والممارسات غير المدروسة. نحن مع الفقير ومع الدولة وضد الانتماءات الضيقة الدينية أو الطائفية او العشائرية. نريد مؤتمرا وطنيا عاما لكل السوريين”. وكان لافتاً رفع راية التوحيد في الساحة، رغم دعوة المعتصمين الى عدم رفع أية راية إلا العلم السوري.
وكان البيان الصادر عن منظمي اعتصام دمشق تحدث عن 20 مطلباً، تتناول مختلف الجوانب الاقتصادية والخدمية والسياسية، حيث شدد على ضرورة وقف أي زيادات جديدة في الأسعار والرسوم والتعرفات قبل تصحيح الأجور، وربط الرواتب والمعاشات بسلة معيشية واقعية ومؤشر أسعار شفاف. ودعا البيان إلى ضرورة إعادة النظر فوراً في تعرفة الكهرباء والمياه والمحروقات والنقل والاتصالات بما يراعي القدرة الشرائية للمواطن، ومكافحة الاحتكار ومنع التلاعب بالأسعار، وحماية المواطن من فوضى التسعير وجشع السوق.
وأضاف البيان أن من بين المطالب حماية الخدمات العامة الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والخبز بوصفها حقوقاً لا سلعاً، ورفض خصخصتها أو بيعها دون دراسة ومحاسبة وشفافية، إلى جانب ضمان جودة العلاج والتعليم والعمل الكريم عبر تحسين رواتب الكوادر الصحية والتعليمية، وتخفيف كلفة التعليم، ودعم الإنتاج المحلي والمهن الحرة والحرف الصغيرة والمتوسطة.
ولفت البيان إلى أهمية اعتماد الكفاءة والنزاهة في التعيين والترقية، ووقف المحسوبيات، وبناء شبكة حماية اجتماعية عادلة لأصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين وكبار السن والأسر الأشد هشاشة، مع التأكيد على عدم التعدي على الحريات الفردية والعامة والحقوق الدستورية. كما دعا البيان إلى التراجع عما سماه “القرارات التنظيمية الجائرة والتمييزية، وتعيين المسؤولين على أساس الكفاءة، وانتخاب مجالس محلية تمثل مصالح المواطنين مع رفع صلاحياتها”.
وأشار البيان إلى ضرورة النظر في حالات التسريح التعسفي لموظفي القطاع العام، والتراجع عن قرارات إخلاء المحال والعقارات التي تضر بالتجار والحرفيين، ورفض الاستيلاء على الأراضي والعقارات. وأكد البيان أهمية التزام دور الحكومة الانتقالية في تفعيل مسار العدالة الانتقالية والتجهيز لعملية الانتقال السياسي، واعتماد الشفافية في اتخاذ القرارات، وإجراء انتخابات حرة للنقابات والغرف الاقتصادية، وبناء قضاء مستقل ونزيه وشفاف، إلى جانب دعم المستثمرين والصناعيين والحرفيين والتجار السوريين.
العربي الجديد
———————————-
اعتصام في دمشق وتمرين على: معارضة وشبيحة مجدداً/ عمر قدور
السبت 2026/04/18
تأخر الأمن العام حتى أتى للفصل بين المتظاهرين ومسيرة موالية، وكانت الكاميرات قبل قدومه قد نقلت مشاهد كثيرة، منها ما يُذكّر بمظاهرات الثورة الأولى، عندما كان شبيحة الأسد يهاجمون المتظاهرين، فيردّون بهتاف: واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد. ومن سخرية القدر أن يردده متظاهرو اليوم وهم يتعرّضون للاعتداءات، ومنها أيضاً أن تُقابل هتافاتهم ومطالبهم بهتاف: قائدنا إلى الأبد.. سيدنا محمد. وأن يُستخدم الهتاف الأخير على نحو مسفّ يذكّر بهتاف مماثل للشبيحة القدامى الذين كانوا يهتفون للأبد الأسدي. أيضاً، في أحد التسجيلات الواردة من ساحة يوسف العظمة، يهاجم أحد الموالين رافعي اللافتات من المتظاهرين بلهجة يقلّد فيها لهجة أهل الساحل، على سبيل السخرية، وإلى جانبه شخص يقول عن المتظاهرين إنهم بلا كرامة.
بعد مجيء الأمن العام للفصل بين الطرفين حاول رافعو أعلام هيئة تحرير الشام الحاكمة الاعتداء جسدياً على المتظاهرين، وقبله حصل على الأقل اعتداءان جسديان موثّقان بالكاميرات، واحد منهما تعرضت له صحفية كانت تبثّ مباشرة من الساحة، وانقطع البث مع سماع صوت شخص يتطاول عليها لفظياً، وظهور صورة أخيرة اعتباطية توحي بفقدانها التحكم بالكاميرا. ولئن قام عناصر الأمن بواجبهم بعد مجيئهم، فالمسؤولية تقع على قيادتهم في التأخر، إذ كان موعد التظاهرة مُعلناً منذ نحو أسبوعين، وكان يُفترض بوزارة الداخلية التواجد قبل موعد التجمع بساعة على الأقل، لا بعده بساعة. أما الحديث عن شارع مقابل شارع فلا يستقيم ضمن المعنى المقبول، لأن قيام مجموعة مضادة باحتلال المكان المعلن للتظاهرة والاعتداء على المتظاهرين لهما تسمية مختلفة.
ما حدث في ساحة يوسف العظمة لا يمتّ للعفوية بأدنى صلة، فالدعوة إلى الاعتصام معروفة، والمطالب التي سيرفعها المتظاهرون معلنة أيضاً على صفحة فيسبوك باسم الاعتصام، وهي بمجملها مطالب غير سياسية، يختصرها شعار “بدنا نعيش” بدلالاته المباشرة. لكن ذلك لم يمنع التحريض المسبق على التظاهرة، وقد تصاعد على نحو ملفت “لا يمتّ للعفوية بأدنى صلة أيضاً” في الأيام الثلاثة الأخيرة.
المحرِّضون ادّعوا أن التظاهرة هي لفلول الأسد، بالرغم من أن تطبيق العدالة الانتقالية واحدٌ من المطالب العشرين المذكورة في الدعوة إلى الاعتصام، بينما ينص واحد آخر منها على إعادة موظفي القطاع العام المسرَّحين ممن “لم يتورّطوا في جرائم النظام البائد”، وهذه الصياغة المنقولة حرفياً واضحة في الإشارة إلى جرائم الأسد ومجرميه، ولا يُنتظر صدورها عن فلول حسب ادّعاءات موالي السلطة. إلا أن الأخيرين بقوا مصرّين على اتهاماتهم، وصاروا يتحدّثون عن المطالب “المحقة”، بوصفها حقاً يُراد به باطل، وهذه صيغة أخرى تكررت على صفحات المحرِّضين على المتظاهرين ووصفهم بالفلول.
نعرف على نحو شخصي نساءً ورجالاً بين المتظاهرين ممن ليسوا فلولاً، بل كانوا طوال الوقت من أنصار الثورة على الأسد، والبعض منهن ومنهم قضى سنوات طويلة في معتقلاته. وإذا نحّينا جانباً ما نعرفه على نحو شخصي، لا يجوز تحت أي اعتبار تأثيم المتظاهرين، ومحاسبتهم على نوايا لم يعلنوها هم في أي وقت، وعلى ميول سياسية لا ينسبوها لأنفسهم إطلاقاً.
وإذا مضينا إلى الآخر؛ أي مع ادّعاء كونهم فلولاً؛ فإما أن يكونوا مذنبين، ومكانهم هو القضاء، وتقديمهم له مسؤولية السلطة. أو أنهم لم يرتكبوا جرماً يقتضي محاكمتهم، وبالتالي لهم جميع حقوق المواطنة، بما فيها حق التظاهر المطلبي أو السياسي، من دون أن يُقابلوا بتحريض مبطّن بالعنف. فمن المعلوم أن اتهام الفلول، منذ آذار 2025، صار له مغزىً شديد الوضوح لجهة استباحة المتهمين، ومن وقتها صار الاتهام يُستخدم اعتباطياً لترهيب كل مَن تسوّل له نفسه إبداء رأي لا يروق لجماعة الموالاة.
في حده الأدنى، المُراد من الاتهام هو تجريد المتهمين من أية أحقّية سياسية، وليست بعيدة مظاهرة باب توما التي احتج فيها المتظاهرون على قرارات لمحافظة دمشق تمسّ الحريات الشخصية، فحينها انطلقت الماكينة ذاتها لوصمهم بالفلول والسكرجية. وفي كل مناسبة تُخترع الأعذار لمنع أي تحرك يعترض على أداء السلطة، مع أن ما يُطرَح من قبل المعترضين يتوقف عند مطالب معيشية، وأخرى تنتقد الفساد والمحسوبيات في أداء السلطة، ويحضر غالباً انتقاد تدوير شخصيات من النظام السابق ضمن السلطة الحالية، وعدم الشروع في برنامج جاد للعدالة الانتقالية. باختصار، لم تُطرح في كافة التظاهرات حتى الآن مطالب تذهب إلى بنية السلطة الحاكمة، أو إلى النظام السياسي، بالرغم من أن البلد في مرحلة انتقالية يُفترض أن تضع هذا الاستحقاق ضمن الاهتمام الشعبي العريض.
وخارج مناسبات الاعتراض القليلة، لا يتوقف موالو السلطة على التلويح بأمرين، أولهما الدعم الدولي الواسع الذي تحظى به، بما في ذلك الدعم الروسي. وثانيهما التلويح بشعبيتها في الداخل، ولدى جمهور الأكثرية السنية تحديداً. والجمع بين الأمرين يُفترض أن يجعل الموالين في حالة رضا واسترخاء، فلا يشعرون بالقلق والخوف من تحركات لا تشكّل خطراً على السلطة، لا داخلياً ولا خارجياً. إن بضعة آلاف من المعارضين ليسوا رقماً يُذكر مقابل ما يُروَّج عن رسوخ السلطة، إلا إذا كانت شيطنة المعارضين تهدف إلى الإبقاء على صوت الموالين فقط، وهذا هو الاستبداد بصريح العبارة.
المخجل والمزري، على صعيد العقل قبل الأخلاق، أن يطالب مَن يزعمون بأنهم من ثوار الأمس بأن يصمت بعض محتجي اليوم لأنهم صمتوا يوماً على جرائم الأسد. فهذا أولاً يطعن بسردية التحرير التي يتغنّون بها، ويطعن بفكرة الثورات عبر التاريخ، الثورات التي تكون نتائجها للجميع. وإذا تذكرنا أن ثلثي السوريين كانوا تحت حكم الأسد، فهذا يعني ببساطة تجريدهم من أحقيتهم السياسية، وإقامة نظام فصل عنصري يُحرمون فيه من حقوقهم، ولو أنه نظام فصل في الإطار المعنوي لا القانوني.
لقد قيل من قبل إن الثورة كاشفة، لكن الموروث الشعبي يقول أيضاً إن السلطة كاشفة، فالنهم إليها كاشف، والتوحّش في ممارستها كاشف. ولا مبالغة في أن اعتصام دمشق نجح أكثر بكثير مما أراد المنظّمون، نجح إذ كان مناسبة ليكشف عن تبادل الأدوار، على نحو كان من العسير تخيّله قبل سنة ونصف.
المدن
——————————–
ضغوط معيشية خانقة في سوريا… والغضب يتجه نحو الشارع/ بثينة عوض
السبت 2026/04/18
لم يكن الشعار الذي ردّده محتجون أمام مبنى محافظة دمشق، “بدنا ناكل.. بدنا نعيش”، مجرد هتاف عابر في لحظة غضب، بل بدا أشبه بصرخة تختصر وجعاً يومياً يعيشه ملايين السوريين. كلمات قليلة، لكنها حملت في طياتها ثقل سنوات من التدهور الاقتصادي، والعجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة. ومع انتهاء الوقفة الاحتجاجية، بدأت دعوات جديدة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي للخروج في مقبل الأيام تحت الشعار ذاته، في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة السخط الشعبي. وتحول الضيق المعيشي إلى قضية تتجاوز الشكوى الفردية نحو غضب جماعي يتجه إلى الشارع.
في بلد أنهكته الحرب، واستنزفته سنوات الانهيار المالي والخدمي، لم تعد الأزمة تُقاس فقط بعدد البيوت المهدمة أو أعداد النازحين، بل أصبحت تُقاس بما هو أكثر قسوة: القدرة على شراء الخبز، دفع فاتورة الكهرباء، تأمين أجرة الطريق إلى العمل، شراء الدواء، أو مجرد الصمود حتى نهاية الشهر من دون ديون.
هنا، لم تعد المعاناة حدثاً استثنائياً، بل تحولت إلى تفاصيل يومية ترافق السوريين من الصباح حتى الليل.
واقع اقتصادي صعب
بينما تنشغل الحكومة الجديدة بتوقيع اتفاقيات استثمارية، وإطلاق وعود اقتصادية، وتعزيز علاقاتها الخارجية، يعيش السوريون في الداخل واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية قسوة منذ عقود، بل إن كثيرين يرونها أشد وطأة من سنوات الحرب نفسها، حين كانت المساعدات والتحويلات الخارجية تخفف جزءاً من العبء.
الأسعار ترتفع بوتيرة متسارعة تكاد تكون يومية، في حين تبقى الرواتب والأجور عند مستويات متدنية فقدت قيمتها الفعلية أمام موجات الغلاء المتلاحقة. ومع كل زيادة جديدة، تتراجع القدرة الشرائية للأسر، ويتحول الاستهلاك من اختيار إلى حسابات قاسية تقوم على الاستغناء والتقشف. كثير من العائلات باتت تحذف من موائدها مواد أساسية، وتعيد ترتيب أولوياتها وفق سؤال واحد: ما الذي يمكن تأجيله هذا الشهر؟
أصوات من الداخل
أحمد، وهو موظف حكومي، يقول إن الراتب لم يعد مصدر أمان كما كان يفترض، بل أصبح تذكيراً شهرياً بحجم الفجوة بين الدخل والحاجة. ويضيف: “نقبض شهر وشهر لا، وحتى عندما نقبض، الراتب لا يكفي أسبوعاً. فقط خبز وبعض المواد الغذائية. الكهرباء والمياه والإنترنت والمواصلات ارتفعت فجأة… صرنا نعيش بالدين”.
كلمات أحمد تختصر حال آلاف مواطنيه الذين باتت رواتبهم عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ما يدفع كثيرين للاستدانة أو البحث عن أعمال إضافية للبقاء.
أما أم سمير، وهي ربة منزل، فتصف كيف دخل الغلاء إلى مطبخ الأسرة السورية، وغير عاداتها الغذائية قسراً: “كل يوم الأسعار ترتفع، حتى الطبخة البسيطة صارت مكلفة. صرنا نختصر بالأكل لنكمل الشهر”.
حديثها يكشف كيف تحولت إدارة المنزل إلى معركة يومية مع الأسعار، حيث لم يعد السؤال ماذا نطبخ، بل ماذا يمكننا أن نشتري أصلاً.
ويقول سامر، وهو عامل يومي، إن الأزمة لا تقف عند غلاء الأسعار، بل تبدأ من غياب فرص العمل نفسها: “إذا اشتغلنا يوم منأكل يوم، المشكلة أن الشغل قليل، والمواصلات غالية، يعني تعبنا يذهب هدراً.
بالنسبة لعمال المياومة، باتت المعادلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى يوم بلا عمل يعني يومًا بلا دخل، ويوم العمل نفسه قد لا يكفي لتغطية كلفة التنقل والطعام.
الكهرباء تتحول إلى رفاهية
لا تزال أزمة الكهرباء واحدة من أكثر الأزمات حضوراً وإرهاقاً في حياة السوريين، إذ لم تعد مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى عبء يومي يطال تفاصيل المعيشة والعمل والدراسة، ساعات التقنين الطويلة، والانقطاعات غير المنتظمة، دفعت كثيراً من الأسر إلى البحث عن بدائل مكلفة مثل الأمبيرات الخاصة أو البطاريات والطاقة البديلة، في وقت تعجز فيه دخول معظم العائلات عن تحمّل هذه النفقات الإضافية.
في كثير من المناطق، بات توفر الكهرباء حدثاً استثنائياً، فيما أصبح غيابها هو القاعدة، ومع كل انقطاع، تتعطل الأعمال المنزلية، وتتضرر المهن الصغيرة، وتزداد معاناة الطلاب والمرضى وكبار السن.
تيسير، من صحنايا، يصف هذا الواقع بقوله: “ندفع مبالغ كبيرة للأمبيرات، ومع ذلك لا يوجد تحسن حقيقي. وحتى عندما تأتي الكهرباء، تكون كلفتها مرتفعة جداً”.
ويعكس حديثه شعوراً عاماً لدى كثير من السوريين بأنهم يدفعون أكثر مقابل خدمة أقل، في معادلة تستنزف دخلهم وتضيف عبئاً جديداً إلى قائمة الأعباء المتراكمة.
الغاز… طوابير تعود من جديد
أزمة الغاز عادت لتفرض نفسها بقوة على المشهد اليومي، بعدما ظن كثيرون أنها تراجعت نسبياً، صعوبة الحصول على أسطوانات الغاز المنزلي، وفترات الانتظار الطويلة، وعودة الطوابير أمام مراكز التوزيع، كلها مشاهد تعيد إلى الأذهان سنوات الأزمات السابقة.
ولا تتوقف المعاناة عند الندرة فقط، بل تمتد إلى الأسعار المرتفعة في السوق غير الرسمية، حيث يجد كثير من المواطنين أنفسهم مضطرين للشراء بأسعار تفوق قدرتهم، لأن الغاز لم يعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل حاجة أساسية للطهي والتدفئة.
إحدى السيدات تقول: “رجعت الطوابير والمشاكل، ورجع البيع بالسوق السوداء. سعر الأسطوانة الرسمية ارتفع كثيراً، أما بالسعر الحر فقد يتجاوز قدرة أغلب العائلات”.
وتعكس هذه الشهادة حالة من القلق المتزايد داخل البيوت السورية، حيث أصبح تأمين أسطوانة غاز تحدياً شهرياً جديداً يضاف إلى تحديات الغذاء والدواء والإيجار.
الإيجارات… نكبة تتكرر كل شهر
في وقت تتآكل فيه الرواتب بفعل التضخم، يواصل ملف الإيجارات الضغط بقسوة على الأسر السورية، خاصة في دمشق وريفها، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة معظم العاملين، ومع غياب رقابة فعلية على السوق العقارية، تحولت الإيجارات إلى كابوس شهري يهدد الاستقرار الاجتماعي ويستنزف القسم الأكبر من دخل الأسر.
الشباب المقبلون على الزواج، والعائلات النازحة، والموظفون محدودو الدخل، جميعهم يواجهون سوقاً مفتوحاً على الأسعار المرتفعة والشروط القاسية، في ظل ندرة البدائل السكنية المناسبة.
شاب يعمل في صيانة الإلكترونيات ويستأجر منزلاً في جديدة عرطوز يقول: “راتبي كله يذهب للإيجار، أضطر للعمل الإضافي في نقل الأثاث أو التحميل حتى أؤمن الطعام وبعض الحاجات”.
ثم يضيف ساخراً بمرارة” “في سوريا يجب أن تعمل طوال اليوم لتأكل نصف سندويشة”.
كلماته تختصر شعور شريحة واسعة من الشباب الذين لم يعد العمل بالنسبة لهم طريقًا لتحسين الحياة، بل مجرد محاولة مستمرة للبقاء وتجنب السقوط في العجز الكامل.
نصف الراتب على المواصلات
أدت الزيادات المتكررة في أسعار الوقود إلى ارتفاع كبير في أجور النقل، لتتحول المواصلات من خدمة يومية عادية إلى عبء مالي يثقل كاهل العاملين والطلاب على حد سواء، وبالنسبة لكثير من السوريين، لم تعد المشكلة في تدني الرواتب فقط، بل في أن جزءاً كبيراً منها يُستهلك قبل الوصول إلى مكان العمل أو الجامعة.
رحلة الذهاب والإياب اليومية أصبحت حساباً مرهقاً، يدفع بعض الموظفين إلى تقليص تنقلاتهم، أو المشي لمسافات طويلة، أو التفكير جدياً بترك أعمالهم لأن كلفة الوصول باتت تلتهم مردود الوظيفة نفسها.
أحد الموظفين في شركة خاصة يوضح حجم المفارقة بقوله: “نصف راتبي يذهب للمواصلات، والنصف الثاني للخبز والدواء. أحياناً أفكر بالاستقالة لأن العمل لم يعد مجدياً”.
ويكشف هذا الحديث أزمة أعمق، حيث لم يعد العمل ضماناً للاستقرار، بل بات في بعض الحالات عبئاً إضافياً يستهلك الدخل والجهد معاً.
الإنترنت… ضرورة بسعر مرتفع
حتى الإنترنت، الذي أصبح من أساسيات الحياة الحديثة، لم يسلم من الأزمة الاقتصادية، ففي وقت باتت فيه الشبكة ضرورة للعمل، والتعليم، والتواصل، والحصول على الخدمات، يشتكي السوريون من ارتفاع التكاليف مقابل خدمة ضعيفة ومتقطعة.
بالنسبة للطلاب والعاملين عن بُعد وأصحاب الأعمال الصغيرة، لم يعد الإنترنت رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل وسيلة أساسية للاستمرار. ومع ذلك، تبقى جودته محدودة وأسعاره مرتفعة قياسًا بمستويات الدخل.
طالبة جامعية تقول: “الإنترنت ضروري للدراسة، لكن الخدمة ضعيفة جداً وتكاليفها مرتفعة”.
وتعكس هذه الشهادة واقع جيل كامل يجد نفسه مضطرًا لدفع مبالغ إضافية من أجل الوصول إلى التعليم، وسط بنية خدمية لا تواكب الاحتياجات المتزايدة.
الطبابة والتعليم… أحلام تتراجع
لا تتوقف الأزمة عند الغذاء والطاقة والمواصلات، بل تمتد إلى قطاعات كانت تمثل لعقود صمام أمان اجتماعياً، مثل التعليم والعلاج، فمع تراجع مستوى الخدمات العامة وارتفاع التكاليف، يشعر كثير من السوريين أن ما كان حقاً مكتسباً أصبح اليوم امتيازاً لا يقدر عليه الجميع.
يتحدث مواطنون عن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية، وارتفاع أسعار الأدوية والتحاليل، وتراجع الخدمات في عدد من المشافي الحكومية، ما يدفع المرضى إلى خيارات مكلفة أو مؤجلة قد تهدد حياتهم.
ويقول أحد المواطنين: “كان علاج السرطان مجانياً… اليوم لا تستطيع إدخال مريض إلى المستشفى قبل الدفع”…. خصوصاً بعد قرار خصخصة المستشفى والجامعة.
أما في قطاع التعليم، فتزداد الأعباء على الأسر مع تكاليف النقل والقرطاسية والدروس الخاصة، ما يجعل استمرار الأبناء في الدراسة تحدياً مالياً حقيقياً. ومع تزايد هذه الضغوط، يشعر كثيرون أن التعليم المجاني والطبابة الحكومية يتحولان تدريجياً إلى ذكريات من زمن مضى.
من المعاناة إلى الدعوة للاحتجاج
مع تراكم الأزمات وتراجع القدرة على الاحتمال، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة مفتوحة للتعبير عن الغضب الشعبي، ومنصة لتبادل الشكاوى والدعوة إلى التحرك في الشارع.
ويرى مراقبون أن الدعوات المتزايدة للاحتجاج تعكس حالة احتقان اجتماعي آخذة في الاتساع، وفجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التعافي، وبين واقع معيشي يزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
ويحذر هؤلاء من أن استمرار الأزمة من دون إجراءات ملموسة وسريعة لتحسين حياة الناس قد يدفع نحو مزيد من التوتر، خصوصاً في ظل شعور شرائح واسعة بأن الأعباء تتفاقم بينما الحلول غائبة.
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في احتجاج على ارتفاع الأسعار أو نقص الخدمات، بل هو صرخة مجتمع يعيش تحت ضغط يومي متواصل، ويصارع من أجل البقاء بحده الأدنى.
ولهذا لم يعد شعار “بدنا ناكل.. بدنا نعيش” مجرد هتاف في ساحة أو دعوة على وسائل التواصل، بل أصبح توصيفاً صادقاً لحياة ملايين السوريين الذين يبحثون، قبل أي شيء آخر، عن لقمة كريمة وحياة مستقرة وحد أدنى من الأمان.
المدن
———————————
دمشق.. منظمو اعتصام “قانون وكرامة” يرفضون حملات التخوين
رفض الناشطون الداعون إلى اعتصام “قانون وكرامة” غدًا الجمعة، في دمشق، حملات التخوين وتصنيفهم على أنهم مؤيدون لنظام الأسد أو لأطراف أخرى في سوريا.
وذكرت الصفحة الرسمية لاعتصام “قانون وكرامة” اليوم، الخميس 16 من نيسان، أنه مع بدء الدعوة للاعتصام في ساحة الشهيد يوسف العظمة بدمشق، لوحظ حراكًا مجتمعيًا واسعًا وجدلًا صحيًا بين مؤيدين ومعارضين لفكرة الاعتصام.
وأضافت الصفحة في بيان، أن هذا الحوار والاختلاف في الآراء يعتبر مكسبًا وطنيًا ونجاحًا أوليًا تحقق حتى قبل أن بدء الاعتصام على الأرض.
ومع ذلك، وبالتوازي مع هذا التفاعل الإيجابي، بحسب البيان، تم رصد حملات تخوين وافتراءات تسعى لتشويه غايات هذا التحرك. وبناء عليه، أوضحت النقاط التالية:
الاعتصام يُنظم من قبل شباب سوريين داخل البلاد، يعيشون همومها وتفاصيلها اليومية، ويُعتبر تحركًا عفويًا بعيدًا عن أي تأثير خارجي، تحت عناوين عريضة “قانون وكرامة” والشعار الأساسي “بدنا نعيش”.
الدعوة مفتوحة لكل لجميع السوريين بغض النظر عن المواقف السياسية أو القناعات الشخصية، وتشمل أيضًا الجمهور المؤيد للسلطة الذي يرى في القرارات الاقتصادية الأخيرة، ولا سيما رفع أسعار الكهرباء، ظلمًا لا يمكن الصمت عنه، فالوجع واحد، والمطالبة بحق العيش بكرامة هي حق للجميع.
رفضت الصفحة تهمة “فلول النظام السابق”، مشددة على أن مطالبها تتعدى رحيل سلطة الأسد البائدة إلى الدعوة لتغيير السياسات والممارسات التي عذبت السوريين لعقود، وما زال بعضها مستمرًا حتى اللحظة.
كما تم التأكيد على أن المصدر الرسمي الوحيد لهذا التحرك هو الصفحة المعتمدة على “فيسبوك”، وأن المنظمين غير مسؤولين عن أي صفحات أخرى أو شعارات قد تروج باسمهم.
كما جددت الدعوة لكل المتضررين من السياسات الجائرة للمشاركة في الاعتصام، مشددة على ضرورة التمسك بأعلى درجات السلمية والرقي في التعبير، والحفاظ على الممتلكات العامة ونظافة مكان الاعتصام، والالتزام التام بالتعليمات التنظيمية للاعتصام.
مطالب الاعتصام
أصدرت الناشطون والمنظمون لاعتصام “قانون وكرامة” في دمشق، بيانًا أوضحوا فيه جملة من المطالب الأساسية والملحّة للاعتصام:
التزام السلطات الانتقالية بمهامها وصلاحياتها في قيادة العملية الانتقالية، والعمل على تهيئة عملية انتقال سياسي حقيقية قائمة على حوار وطني جامع للوصول إلى الانتخابات، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الجرائم، وإطلاق المحاسبة غير القضائية ضمن الإدارات العامة بدلًا من التسريح التعسفي.
رفض إعادة إنتاج النظام البائد وتعويم شخصياته وإلغاء التسويات مع رجاله الذين ساهموا في مقتلة الشعب السوري، والتوقف عن تعويم فلول الأسد وتسليمهم مناصب رسمية.
توسيع المشاركة السياسية من خلال انتخابات حرة للمجالس المحلية والنقابات، وتفعيل دور الأحزاب ورفض احتكار السلطة من قبل أي جهة.
تطبيق الحوكمة الرشيدة من خلال اعتماد الكفاءة والنزاهة والشفافية وإيقاف فوضى التعيينات والصلاحيات، ومكافحة الفساد، وضمان قضاء مستقل وشفاف وعادل.
تحقيق العدالة المعيشية عبر وقف رفع الأسعار قبل تصحيح الأجور، وضبط الأسواق، ومكافحة الاحتكار، وربط الرواتب بمستوى المعيشة.
حماية الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم) باعتبارها حقوقًا عامة، وضمان الوصول العادل إليها دون خصخصتها.
إنصاف المتضررين اجتماعيًا وحماية الحقوق عبر دعم المتقاعدين، ودعم الفئات الأكثر هشاشة كالنساء، والأطفال المشردين، وأهالي الضحايا والناجين.
دعم التجار والصناعيين والحرفيين والمياومين وأصحاب المهن الحرة وعدم التعدي على أرزاقهم وعقاراتهم وممتلكاتهم.
إيقاف خطط إعادة الإعمار والاستثمار التي تسلب حقوق الأهالي والمهجرين بالشراكة مع الذين كانوا شركاء في تهجيرهم وضمان عودة آمنة وكريمة للمهجرين.
صون الحقوق والحريات بما يشمل حرية التعبير والتجمع، وتجريم خطاب الكراهية والانقسام وتعزيز الوحدة المجتمعية برفض الطائفية والتمييز، ومراجعة القوانين التمييزية بين أي فئة مجتمعية وأخرى.
جدل في مواقع التواصل
وأثارت الدعوات جدلًا واسعًا على مواقع التواصل، بين من يرى أن الدعوات مدفوعة من الخارج، ومن فرقاء سياسيين وعسكريين في سوريا، من أبرزهم فلول النظام السابق، أو أنصار الشيخ حكمت الهجري في السويداء، أو “قوات سوريا الديمقراطية”.
بينما يراها فريق آخر تعبر عن مطالب معيشية وحقوقية محقة، تتقاطع مع أهداف الثورة السورية التي انطلقت عام 2011.
وزاد الجدل دعوات من ناشطين مؤيدين للنظام السابق لدعم هذا الحراك، بينما اشترك أيضًا ناشطون معروفون بمعارضتهم لنظام الأسد.
وأجرت عنب بلدي استطلاعًا للرأي حول الدعوات التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمشاركة في الوقفة، وتباينت مواقف السوريين حولها بين الدعم والرفض.
عنب بلدي
—————————
اعتصام “قانون وكرامة”.. السلطة وجمهورها أمام اختبار الحريات العامة
17 أبريل 2026
تشهد العاصمة دمشق حالة من الجدل المحتدم على منصات التواصل الاجتماعي، تزامنًا مع الدعوات المتزايدة لتنظيم اعتصام مدني اليوم الجمعة في ساحة الشهيد يوسف العظمة، تحت شعار “قانون وكرامة–بدنا نعيش”.
زوبينما يرى منظمو الاعتصام أن المطالب تعبر عن هموم معيشية وحقوقية مشروعة، يواجه الحراك حملة تسخيف واتهامات بالخلفيات السياسية والأجندات الخارجية.
واتهم البعض الجهات المنظمة بأنها مدفوعة من الخارج أو مرتبطة بـ”فلول النظام السابق”، أو أنصار الشيخ حكمت الهجري في السويداء، أو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). وزاد الجدل دعوات من ناشطين مؤيدين للنظام السابق لدعم هذا الحراك، بينما اشترك أيضًا ناشطون معروفون بمعارضتهم لنظام الأسد.
ووصل الأمر ببعض داعمي السلطة إلى تهديد كل من يريد الخروج بالقتل، حيث نشر عنصر أمن من محافظة حمص مقطع فيديو يستعرض فيه أسلحته ويهدد بقتل كل من يشارك في الاعتصام.
كما خرج عضو اللجنة الانتخابية، الشيخ عبد الرحمن كوكي، بتصريحات حادة وصف فيها الاعتصامات بأنها خيانة، قائلًا إن هذه الدعوات لا شك أنها مرتبطة بأجندات خارجية، منها أجندات صهيو-أميركية، معتبرًا أن كل من يشارك فيها أو يتعاطف معها أو يدعمها فهو خائن وعميل.
ومن جانبه، اتهم الشيخ مطيع البطين، المتحدث السابق باسم المجلس الإسلامي السوري، الداعين إلى الاعتصام بأنهم “ينفذون أجندات خارجية ويستهدفون البلد”. وأضاف البطين أن “أكثر الذين يقفون وراء الاعتصام لديهم مشكلة مع الإسلام السني، وليست مع الرئيس أو القانون أو العدالة”.
بدوره، كشف الصحفي إياد شربجي، عبر صفحته على “فيسبوك”، عن معلومات حصرية وردته من مصدر مقرب من السلطة، مفادها أن وزارة الداخلية تولي حماية اعتصام اليوم أولوية قصوى وتأخذ مسؤولية تأمينه “بأقصى درجات الجدية”.
وبحسب شربجي، فإن قوات الداخلية، وبالتعاون مع بعض وحدات الجيش، ستتخذ كامل الإجراءات اللازمة لضمان تأمين مكان الاعتصام وحماية المشاركين فيه مهما بلغ عددهم. كما تعهدت الوزارة بمنع أي محاولات قد تستهدف عرقلة حرية المعتصمين أو التعدي عليهم.
في المقابل، رفض القائمون على الاعتصام حملات التخوين والافتراءات، مؤكدين في بيان رسمي أن الاعتصام ينظم من قبل شباب سوريين داخل البلاد، يعيشون همومها وتفاصيلها اليومية، ويعتبر تحركًا عفويًا بعيدًا عن أي تأثير خارجي.
وشددوا على أن الدعوة مفتوحة لجميع السوريين بغض النظر عن المواقف السياسية أو القناعات الشخصية، وتشمل أيضًا الجمهور المؤيد للسلطة الذي يرى في القرارات الاقتصادية الأخيرة ظلمًا لا يمكن الصمت عنه، معتبرين أن الوجع واحد والمطالبة بحق العيش بكرامة حق للجميع.
ورفض المنظمون تهمة “فلول النظام السابق”، مؤكدين أن مطالبهم تتعدى رحيل سلطة الأسد البائدة إلى الدعوة لتغيير السياسات والممارسات التي عذبت السوريين لعقود، وما زال بعضها مستمرًا حتى اللحظة. وجددوا الدعوة لكل المتضررين من السياسات الجائرة للمشاركة في الاعتصام، مشددين على ضرورة التمسك بأعلى درجات السلمية والرقي في التعبير، والحفاظ على الممتلكات العامة ونظافة مكان الاعتصام.
وتتنوع مطالب الاعتصام بين معيشية وسياسية، إذ تطالب الجهات المنظمة السلطات الانتقالية بالالتزام بمهامها وصلاحياتها في قيادة العملية الانتقالية، والعمل على تهيئة عملية انتقال سياسي حقيقية قائمة على حوار وطني جامع، إلى جانب رفض إعادة إنتاج النظام السابق وتعويم شخصياته، وتوسيع المشاركة السياسية عبر انتخابات حرة، وتحقيق العدالة المعيشية عبر ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار، وحماية الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وإنصاف المتضررين اجتماعيًا.
وفي السياق، أعلنت منظمة “العدالة للجميع” الحقوقية نيتها مراقبة الحدث ميدانيًا، حيث أوضح رئيس المنظمة إياد شربجي أن فريقًا من المحامين والصحافيين سيتولى رصد مجريات الاعتصام وتوثيق أي تجاوز من أي طرف، سواء صدر عن المشاركين أو عن الجهة المكلفة بحماية حق التظاهر.
ويأتي الاعتصام في ظل تدهور الأوضاع المعيشية خلال الشهرين الأخيرين، مع تراجع القدرة الشرائية وعودة أزمات مثل الغاز المنزلي وارتفاع كلفة خدمات أساسية كالكهرباء، وذلك بالتزامن مع ذكرى الجلاء، ما يمنح الحراك دلالة خاصة.
ويرى مراقبون أن هذا الاعتصام، في حال الاستجابة له، سيشكل اختبارًا جديدًا للأجهزة الأمنية، التي سبق أن نجحت في احتواء توترات سابقة، ليتجاوز السؤال حدود حجم المشاركة إلى مدى استعداد الشارع لاحتضان هذا النوع من الاعتراض، وما إذا كانت السلطة ستتعامل معه كحق سياسي مشروع أم كتهديد ينبغي احتواؤه.
عنب بلدي
———————————
من “بدنا نعيش” إلى سؤال الدولة/ محمد نزال
أبريل 19, 2026
في ظل التحولات السياسية التي أعقبت فشل مشاريع الانفصال في أكثر من منطقة برزت موجة جديدة من الحراك عبر أدوات مختلفة تمثلت في الدعوة إلى اعتصام يتخذ طابعاً معيشياً في ظاهره، لكنه يعكس في جوهره موقفاً سياسياً رافضاً للدولة الجديدة، ويسعى للتموضع خارج أطرها.
يرفع هذا الحراك شعار “بدنا نعيش”، إذ يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع الواقع المعيشي للناس، وقد سبق هذا التحرك جهد تعبوي واضح، استثمر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة (تسييس الاقتصادي) لتوسيع دائرة الغضب الشعبي وتوجيهه نحو مسار محدد.
يمكن فهم هذه الحالة ضمن سياق المرحلة الانتقالية، وهي الفترة التي تتسم عادة بعدم الاستقرار وغياب التوازن بين الحراك السياسي وقدرة المؤسسات على ضبطه، حيث تشير الأدبيات السياسية إلى أن اتساع المشاركة العامة في فترات التحول غالباً ما يتقدم على تطور البنية المؤسسية، ما يخلق فجوة بين الحراك المجتمعي وآليات التنظيم والضبط. كما يذهب بعض المفكرين إلى أن غياب قواعد مستقرة وواضحة لإدارة التنافس السياسي يجعل المؤسسات أقل قدرة على احتواء الفاعلين الجدد وتنظيم العلاقة بينهم داخل إطار الدولة.
والمراحل الانتقالية غالباً ما تترافق مع أزمة في الشرعية، حيث تتعدد الجهات التي تدعي تمثيل الشارع، ما يفتح الباب أمام صراعات داخلية وأحياناً أمام محاولات من قوى سابقة للعودة إلى المشهد بطرق غير مباشرة، مستفيدة من حالة السيولة وضعف الحسم المؤسسي.
أما على صعيد الحياة الحزبية، فإن التعددية دون وجود قواعد واضحة قد يؤدي إلى حالة من الفوضى السياسية، حيث يتم الانتقال من تنافس منظم إلى صراع مفتوح على المجال العام، وفي هذا الإطار تؤكد أدبيات التحول الديمقراطي أن نجاح أي انتقال سياسي يرتبط بقدرة المؤسسات على ضبط قواعد المنافسة السياسية وتثبيتها، بحيث تبقى ضمن أطر الدولة لا خارجها أو ضدها، وإلا تحولت التعددية إلى عامل إنهاك بدل أن تكون عامل استقرار.
وفي الجانب الاقتصادي، تبدو التحديات أكثر تعقيداً، خاصة في حالات الانتقال من اقتصاد احتكاري/ اشتراكي أو موجه إلى اقتصاد سوق، إذ إن تحرير الأسعار وفتح الأسواق في المدى القصير قد يؤدي إلى ضغوط معيشية ملموسة، مثل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما قد يغذي موجات احتجاج اجتماعي جديدة.
تشير بعض الأدبيات الاقتصادية إلى أن سياسات التحرير السريع دون وجود شبكات حماية اجتماعية فعالة قد تؤدي إلى اختلالات حادة تعمق التفاوت الاجتماعي بدل تقليصه، كما تؤكد مقاربات الاقتصاد المؤسسي أن فعالية السوق لا تنفصل عن قوة المؤسسات المنظمة له، سواء في حماية الحقوق أو ضبط المنافسة أو منع الاحتكار.
بناء على ذلك، فإن التحدي يكمن في أن ترك المجال العام دون تنظيم واضح قد يؤدي إلى حالة من السيولة السياسية تتعدد فيها القوى والاتجاهات دون إطار جامع، ما يرهق مؤسسات الدولة ويضعف قدرتها على الاستجابة وصناعة القرار.
لذلك، تصبح الحاجة ملحة لوضع تصور واضح لإدارة المرحلة الانتقالية يقوم على موازنة الانفتاح السياسي مع وجود ضوابط تنظيمية، والتمهل قبل إطلاق الحياة الحزبية، وتعزيز جاهزية مؤسسات الدولة، إلى جانب اعتماد سياسات اقتصادية تدريجية تراعي الواقع المعيشي. ووضوح المسار في هذه المرحلة لا يقل أهمية عن القرارات نفسها، لأنه العامل الأساسي في تقليل كلفة التحول وضمان استقراره على المدى المتوسط والبعيد.
الثورة السورية
————————————-
“احتجاج المحافظة”.. لماذا هذه الشيطنة والاستباحة؟/ فيصل علوش
20 أبريل 2026
كان من اللافت جدًا الهجوم المنظم الذي تعرض له اعتصام “قانون وكرامة – بدنا نعيش”، الذي تمت الدعوة إليه بمناسبة عيد الجلاء، حيث كان ثمة سعيٌ وإصرار مسبقان، من قبل شخصيات وجهات موالية للسلطة، على “شيطنة” الداعين إليه، كتمهيد للاعتداء على المشاركين المحتملين به، حتى قبل حصوله، متجاهلين حق السوريين في التظاهر السلمي، وضرورة أن يكون عملهم موجهًا نحو صون كرامات السوريين، وليس استباحتها والدوس عليها.
وعليه، لم يكن مفاجئًا أن تتواجد مجموعات (أهلية) مناهضة للاعتصام في ساحة المحافظة، منحت نفسها صلاحية القيام بمهمة إفشال الاعتصام وفضّه بشتى الوسائل؛ سواء عبر “تأديب” المحتجين والإساءة إليهم سبًّا وشتمًا بألفاظ نابية، وتوجيه اتهامات لهم بالتبعية للنظام السابق، أو العمالة للخارج، أم عبر الاستفزاز والبلطجة وافتعال العراك للاعتداء على بعضهم، قبل وصول القوى الأمنية متأخرة، ليجري تقديمها كقوة فصل بين الطرفين، وحماية المتظاهرين السلميين.
المفارقة المؤلمة هنا هي أن السلطة فعلت ذلك كلّه في مواجهة اعتصام حمل مطالب معيشية وخدمية فقط، فما بالنا لو كان الاعتصام سياسيًا، ويرفع مطالب تتعلق بقضايا المشاركة السياسية، أو التعددية الحزبية والديمقراطية، والحق في الانتخابات وتداول السلطة، مثلًا؟
غياب النقاش العام
وهكذا، لم تخضع المطالب التي تضمنتها الدعوة إلى الاعتصام إلى أي نقاش يتعلق بمحتواها، وبضروراتها الاقتصادية والمعيشية، (أو عدمها)، مثلما لم تخضع في الأساس الخطوات الاقتصادية التي تتخذها السلطة، أو تزمع أن تفعلها، (من قبيل تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي، والتوجه نحو الخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام، بما في ذلك المشافي والمنشآت التعليمية.. الخ)، إلى أي نقاش عام أيضًا، في وقت يرزح فيه أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر؟ ولا يوجد فيه حتى الآن مجلس تشريعي ليضطلع بمهمة نقاش وطرح الإجراءات القانونية الأكثر صوابًا وعدلًا التي يُفترض اتخاذها تجاه هذه القضايا، وثمة جدل قانوني كبير بأن مثل هذه الخطوات (المصيرية بالنسبة لكثير من المواطنين)، ليست في الأصل من اختصاص وصلاحيات سلطة انتقالية، مهمتها الرئيسة هي انجاز عملية الانتقال السياسي في سوريا، وليس تغيير النهج الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
وعوضًا عن إفساح المجال أمام نقاش تلك القضايا، والتساؤل حول مطالب الاعتصام، وهل هي محقة أم لا؟ فقد لجأت السلطات إلى شخصيات ومجموعات “منفلتة”، (ولكن كلهم محسوبون عليها طبعًا، بعضهم شيوخ دين، أو ممن يشغلون مواقع مسؤولية في السلطة، فضلًا عن “المؤثرين” المطبلين للحكومة في السراء والضراء)، لتتولى عملية التجييش والتحريض ضد من يقف خلف الاعتصام، الذين كان يقال تارة أنهم؛ “أناس مجهولون”، وتارة أخرى بأنهم “فلول” مرتبطون بأجندات خارجية، (منها “صهيو أميركية”)، ومن ثم توزيع تهم العمالة والتخوين عليهم، وصولاً إلى التهديد بقتلهم.
وكلها ممارسات تذكر بما كان يفعله أزلام وشبيحة العهد البائد، مستعيدة ذات المصطلحات والعبارات التي تنتمي إلى قاموسه أيضًا، وذلك بهدف كسر حق الاحتجاج والتظاهر من أساسه، وجعل حتى المطالبة بقضايا مطلبية ومعيشية مغامرة محفوفة بالمخاطر، على النحو الذي يكرّس الانقسام المجتمعي ويخلق “جدران فصل” بين السوريين، ويقوّض أيّ مساحةٍ للالتقاء والعمل المشترك بينهم.
وفي إطار ذلك، تعرض بعض المحتجين، إلى عملية افتراء وتشويه لتاريخهم النضالي والأخلاقي، بما يشبه عملية “اغتيال معنوي” لهم، علمًا أنهم كانوا إما من نشطاء الثورة (2011)، أو من المعتقلين السابقين، الذين تعرضوا للظلم والسجن لسنوات طويلة، ولديهم خبرة وباع طويل في العمل السياسي والاهتمام بالشأن العام، ومن حقهم أن يكونوا الآن مشاركين في إدارة البلد، وليسوا مقصيين وضحايا لقرارات سياسية واقتصادية واجتماعية ارتجالية ومتعسفة!
“المظلومية” المشتركة للسوريين
ولكن، لعلّ أصحاب الأمر في السلطة يدركون في قرارة أنفسهم التدهور الملحوظ في أوضاع قطاعات واسعة من البشر، وارتفاع أعباء الحياة والخدمات الأساسية عليهم، (وخصوصًا رفع تعرفة الكهرباء، وهذه هم من أقدموا عليها، ولا يمكنهم إلقاء المسؤولية فيها على “التركة” الثقيلة للحكم البائد)، ما يجعل شعار “بدنا نعيش” يأخذ بعدًا حياتيًا مباشرًا يرتبط بأوجاع الناس، وحقها في المطالبة بالعيش الكريم. وهو ما قد تخشاه السلطة، بالفعل، لأنه أمر يعني أغلبية السوريين، بمعنى أن “الأغلبية” هنا قد يعاد تعريفها والتعامل معها بدلالة الظلم، أو “المظلومية” المشتركة الواقعة على هؤلاء، وضرورة العمل، تاليًا، في سبيل توحيدهم حول المطالب الحياتية المباشرة، بغض النظر عن انتماءاتهم المناطقية أو المذهبية، ومواقفهم السياسية؛ الحالية أو السابقة، أو محاولات تقسيمهم إلى مواطنين أصلاء وفلول، كما يود أن يفعل بعض من في السلطة على الأقل.
والحال، فإن الوقائع الحاصلة تكشف عن اتساع الفجوة بين السلطة الجديدة وقطاعات واسعة من المجتمع، أو لنقل أنها تكشف عن هوّة عميقة بين بنية السلطة القائمة وتطلعات المشروع المجتمعي العابر للاصطفافات والانتماءات ما دون الوطنية.
فالدولة يُفترض أن تقوم على العدل والقانون، وعلى الشرعية والكفاءة، وبما يتعارض مع كل أشكال الاستبداد، الذي يبدو اليوم وكأن ثمة محاولات حثيثة لإعادة تدويره وإنتاجه، تحت مقولات ويافطات عديدة؛ (مثل “من يحرر يقرر”، و”الخطيفة” لا تسأل منقذها إلى أين يأخذها.. الخ)، إضافة إلى العمل الدؤوب الجاري لإعادة تدوير الفساد وانتاجه، وصناعة شبكات جديدة منه تحت يافطات وعناوين مختلفة، منها الخصخصة وبيع أصول ومؤسسات الدولة.
وقد جاء الاعتصام الأخير، الذي أراد أن يقول: “بدنا نعيش بكرامة وعدل وقانون”، للاعتراض على هذه السياسات والمحاولات الجارية لإعادة انتاج الفساد وتغوّل السلطة، وتكريس الولاء على حساب الكفاءة، وفي المحصلة إعادة تدوير الحكم الشمولي الذي قاد البلاد إلى الكوارث وحافة الانهيار. فالدولة القوية لا تبنى إلا على الشرعية المستدامة، وهذه لا تتحصّل بدورها إلا في الاعتماد على التنوع والتعددية، وليس على اللون أو النمط الواحد، بما يتطلبه ذلك من حاجة ماسة إلى فتح المجال العام أمام القوى الحيّة في المجتمع للمساهمة في صنع القرار وتحمل المسؤولية الوطنية.
وهذا يعني، في المبتدأ والمنتهى، الحاجة الماسة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، يمنح السوريين كافة القناعة بأن الدولة كيان سياسي يتسع للجميع، ويمكنه أن يضطلع بترميم التمزقات الحاصلة في نسيجنا الوطني، وعلى نحو يضمن الأمن والاستقرار والنمو والازدهار للجميع أيضًا، بعيدًا عن صدمات النماذج الجامدة، ووصفات الغرور الأحمق وتجارب الإخفاق المحقق، بأمثلتها العديدة!
الترا سوريا
——————————-
حاجة السوريين إلى الحلول/ عبد الباسط سيدا
2026.04.21
الوضع السوري الداخلي ليس على ما يُرام. ما لم نعترف، والسلطة في المقدمة، بهذه الحقيقية المُرّة الساطعة التي نشهدها جميعاً على أرض الواقع، لن نتمكن من الانتقال إلى مرحلة التشخيص والبحث عن الحلول. فالمريض ما لم يقرّ بمرضه لن يبحث عن العلاج، ولن يحصل على العلاج المناسب.
وهذه المشكلة الكبرى يعاني منها المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية بدرجات أكبر من المرضى الآخرين؛ فيصبحون بفعل ذلك، ومن دون إرادتهم، سبباً لمعاناة كبرى تتفاقم مع الوقت، وتتراكم نتائجها السلبية فتصبح عملية معالجتها أصعب وأعقد، ونتائجها أخطر وأشد. معاناة تصيبهم أولاً، وتشمل ذويهم ومجتمعهم.
أجواء الاستقطاب والإحباط والشعور بالخذلان، وهستريا الشعارات والفتاوى، واستسهال التخوين والتكفير تحت مختلف المسميات الاستفزازية تهيمن على السوريين بكل أسف؛ ويُضاف إلى ذلك تنامي النزعات الانتهازية والمصلحية والأنانية، وهي النزعات التي تتجسد غالباً في تكويعات والتفافات دورانية. هذه الأجواء تعطّل العقول، فتصبح المزاجية والغرائز والهواجس المبنية على الأحكام النمطية المسبقة هي الأساس في اطلاق الإتهامات واتخاذ المواقف؛ وكل ذلك يقطع الطريق أمام الحوارات الهادئة التي من شأنها مدّ الجسور لا بناء الجدران بين المتحاورين، والتركيز على المشتركات، حوارات من المفروض أن تكون أهدافها: تشخيص طبيعة المشكلات، والوصول إلى توافقات بشان الحلول، وتحديد الآليات الواقعية لتنفيذ ما تم التوافق عليه.
أما الوعود التبشيرية، والمهرجانات الاستعراضية، ومذكّرات التفاهم الخاصة بالمشاريع الاستثمارية الكبرى التي لم تر النور بعد؛ فقد كانت تعزز التفاؤل لدى السوريين، وتتوافق مع فرحتهم العارمة بالنصر، والخلاص من حكم سلطة آل الأسد الفاسد المستبد المفسد الذي أرهق البلاد والعباد على مدى أكثر من نصف قرن؛ ولكن كل تلك الوعود والمهرجانات ومشاريع الاستثمارات، لم تتمكن حتى الآن من تأمين مقومات الحد الأدنى للعيش الكريم لغالبية السوريين الذين يعيشون دون حد الفقر وفق المؤشرات المتعارف عليها دولياً. لا بل تعمقت مأساة هؤلاء، واتسع نطاقها بفعل استمرارية انسداد الآفاق أمام الباحثين عن العمل خاصة في الوسط الشبابي، وارتفاع الأسعار، ورفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية في غياب وجود شبكة أمان مجتمعية، كان من شانها ضمان الحدّ الأدنى من حاجات الناس الأساسية: الطعام والدواء والكساء والآجار والخدمات.
والغريب اللافت حتى الآن هو عدم وجود قنوات اتصال شرعية علنية مفتوحة بسلاسة بين إدارة الرئيس الشرع والقوى السياسية والمجتمعية السورية؛ قنوات كان من شأنها معالجة الكثير من المشكلات قبل تفاقمها، وتحولّها إلى محرّكات تدفع بالناس نحو رفع الصوت في الشارع، وذلك نتيجة شعورهم بعدم استعداد السلطة لسماع آرائهم التي تعرض في اللقاءات والندوات ضمن القاعات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
وما يضفي المزيد من القتامة على ما يجري هو غياب الوضوح والشفافية في الخطط والبرامج التي تقول الإدارة بأنها تسير وفقها. قد تكون مثل هذه الخطط موجودة بالفعل، ولكن سيكون من المفيد أن يطلع عليها المواطنون، بل من حقهم أن يتمكنوا من ذلك.
فهناك حديث حول خصصة قطاعات حيوية مثل الصحة، وعودة إلى القوانين والتدابير العثمانية، وقرارات يتخذها هذا المحافظ أو ذاك، وتعيينات تثير الكثير من التساؤلات والاستفسارات، وتصريحات غير موفقة لهذا المسؤول أو ذاك، وتوضيحات تضفي المزيد من الغموض على اللوحة التي تحتاج أصلاً إلى المزيد من الضوء ليتمكن المرء من رؤيتها بوضوح، ويستوعب أبعادها ودلالاتها.
وكل ذلك يُربك المتفائلين بحذر من الواقعيين، ويُحرج حتى المتفائلين المتشددين؛ ويشتّت الطاقات، ويكرّس الاستقطاب، ويزيد الشكوك. فتنتنشر الشائعات في اجواء الغموض المهيمنة على موضوعات حيوية تهم غالبية السوريين. وتتضاءل الثقة بما يُعلن من خلال القنوات الرسمية، وتصبح القنوات الخاصة مصدر المعلومات لصفوة معينة، بينما تُصبح التخمينات والتكهّنات والحيرة والتوجسّات من نصيب عامة الشعب.
هذه الوضعية لا تبشّر بالخير رغم كل التطمينات والتسويغات؛ بل تُنذر بالفوضى والاضطراب. لذلك هناك حاجة ماسة لإدارة الأمور بالمزيد من الحكمة والاستيعاب واحترام موقف الآخر المختلف؛ وتبديد هواجسه بعقود مكتوبة مطمئنة؛ وتعزيز الثقة باجراءات عملية جدية على أرض الواقع لا مجرد مجاملات ينتهي مفعولها مع انتهاء اللقاءات أو المقابلات؛ وعدم اصدار القرارات التي تثير الخلافات والامتعاض بين السوريين. فهناك الكثير من الأمور والقضايا لا يمكن لجهة معينة بمفردها أن تبتّ فيها خاصة في المرحلة الانتقالية، بل هي تحتاج إلى حوار وطني، وتوافق بين السوريين عبر ممثليهم من الفعاليات السياسية والمجتمعية.
وضمن هذا السياق لا بد من التوقف عند الاعتصام الشعبي الذي كان قبل أيام في ساحة يوسف العظمة أمام مبنى محافظة دمشق، وهو الاعتصام الذي جمع طيفا من السوريين تجاوز الانتماءات المجتمعية والتوجهات السياسية، كما جمع بين مختلف الأجيال من الجنسين. فرغم الحجم المتواضع للمعتصمين، وما تعرضوا له من هجمات فيزيائية وسيبرانية، إلا أنه أثار الانتباه والاهتمام في الداخل السوري وعلى الصعيد الاعلامي خارج سوريا. لا نعلم من هي الجهة أو الجهات التي دعت إلى الاعتصام، ولكن الشعارات التي رفعت في الاعتصام واللقاءات التي تمت مع بعض المشاركين فيه، لاقت تعاطفاً لدى معظم السوريين الذي يشعرون بالوجع ويحتارون بشأن وسيلة التعبير عنه. فلا أحزاب علنية مرخّصة، ولا نقابات ومنظمات مجتمع مدني كان من شأنها أن تؤدي دور مانع الاصطدامات، أو كان في استطاعتها أن تقوم بوظيفة الكوابح التي تقلل من مخاطر التباعد بين الحكومة والشعب، وهيمنة مشاعر الاغتراب والتهميش والقهر في أوساط الأخير؛ هذا
إلى جانب امكانية مشاركتها في عمليات توعية الناس، وشرح أبعاد التحديات، والإسهام في عمليات تأمين الخدمات والاحتياجات الاسعافية.
هناك تفاوت واقعي مشروع بين السوريين على صعيد رؤيتهم لحاضر سوريا ومستقبلها؛ والحل لن يكون بفرض تصور معين على الأخرين، وإنما بالحوار وإدارة التباين بالحكمة وبعد النظر، والبحث عن حلول الوسط لن ترضي الجميع ولكنها ستجمعهم، وستمكّنهم من تجاوز تعقيدات المرحلة الانتقالية ومفاجآتها بأقل الخسائر التي يُخشى منها، وأفضل النتائج الممكنة. والحوار لا يمكن أن يتم من دون وجود إرادة جادة من جانب الإدارة للانتفاح على جميع السوريين، وعدم الاكتفاء بالموالين ومن هم في حكمهم.
اعتصام ساحة يوسف العظمة، الذي تزامن مع الذكرى الـ 80 جلاء المستعمر الفرنسي عن البلاد، لم يكن الأول ولن يكون، على الأغلب، الأخير، خاصة إذا استمرت المقاربات الحالية لهموم السوريين على حالها من دون أي تغيير نحو الأفضل. والاعتصامات أو حتى التظاهرات لا تمثل كارثة بذاتها؛ وإنما الكارثة ستكون حينما يستمر التجاهل من جانب الحكومة لهموم الناس، وتتواصل مختلف أساليب التجييش اللاعقلاني.
الأمور بين السوريين لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، وامكانيات المعالجة موجودة. فحتى الآن لا توجد في سوريا جهة منظمة أو في طور التنظيم، لها سند شعبي ملموس، تدعو إلى اسقاط الإدارة، بل ما يستنتج من المعطيات والمواقف والحوارات البينية، هو أن الجميع يرى في الرئيس الشرع الشخص القادر على قيادة وإدارة المرحلة الانتقالية كما ينبغي من خلال الالتزام بمهام وصلاحيات المرحلة الانتقالية، واعتماد خارطة طريق واضحة مع جدول زمني، وذلك بهدف قطع الطريق أمام االإشاعات والمخاوف.
فالمرحلة الانتقالية العامة التي حُدد إطارها الزمني بخمس سنوات من المفروض أن تكون جملة مراحل انتقالية فرعية، مراحل تتفاعل نتائجها وتتكامل، حتى يتم الوصول إلى بر الأمان بفضل انتخابات تشريعية عامة ينبثق عنها مجلس نواب وحكومة يستمدان شرعيتهما من الشعب.
تواجه سوريا على المستويين الداخلي والإقليمي تحدّيات كبيرة وجدية ، ولا يمكن في أي حال من الأحوال تامين المقومات المطلوبة للتعامل العقلاني الوطني معها من دون مجتمع متفاهم متماسك، مجتمع لا يشكو ناسه من جوع ومرض، ولا يعانون من ظلم وظلام.
تلفزيون سوريا
—————————
================================



