الأوقاف السورية والأرشيف العثماني يفتحان أخطر ملفات الملكية -مقالات مختارة-

سوريا ليست للبيع/ غزوان قرنفل
لم تعد سوريا جزءًا من السلطنة العثمانية منذ أكثر من قرن، ولم يعد لتلك السلطنة وجود أصلًا منذ انهيارها وتأسيس الجمهورية التركية عام 1923، ومع ذلك، نشهد اليوم محاولات مقلقة لإحياء أرشيف تاريخي مضى عليه الزمن، واستخدامه كأداة قانونية للطعن في ملكيات مستقرة وثابتة ومحمية بموجب قوانين سورية نافذة منذ تأسيس الدولة الحديثة.
إن هذا التوجه لا يمكن اعتباره مجرد اجتهاد إداري أو قانوني، بل هو انزلاق خطير نحو تقويض أسس الاستقرار القانوني وفتح أبواب نزاعات لا نهاية لها، تسعى وزارة الأوقاف السورية في سياق هذه المحاولات، للتنقيب في الأرشيف العثماني بحثًا عن وثائق قديمة تسعى لاستخدامها في تأسيس دعاوى ملكية وقفية على عقارات كثيرة في دمشق وحلب، وهي عقارات جارية في ملكية أصحابها الحاليين إرثًا أو شراء من أصحابها الأوائل بموجب سندات ملكية رسمية ثابتة ومثبتة وفق القانون السوري، وبشكل خاص قانون السجل العقاري الصادر عام 1926، الذي شكّل منذ صدوره المرجع النهائي والقطعي في تحديد الملكية العقارية التي لا تسجل في السجل العقاري إلا بعد سلسلة طويلة من الإجراءات، تبدأ بعمليات التحديد والتحرير ثم بعد انتهائها يعلن عن مدة شهر يحق خلالها لكل مدعٍ بحق أن يتقدم باعتراض على ما دوّن في محضر التحديد والتحرير، يلي ذلك الفصل بالاعتراضات من قبل القاضي العقاري، ويكون قراره قابلًا للاستئناف، وبعد صدور القرار النهائي ترسَل المحاضر لتسجيلها في السجل العقاري، لكن مع ذلك يحق لكل متضرر أو مدعٍ بحق فوّت هذه المراحل أن يقيم دعوى فسخ تسجيل خلال مهلة سنتين من تاريخ تسجيل المحاضر في السجل العقاري، بل أكثر من ذلك، منح القانون أيضًا فرصة أخيرة ونهائية لكل متضرر أن يقيم دعوى تعويض إن اعتقد أنه فوّت فرصة استعادة حقه المزعوم وذلك خلال مهلة 15 سنة تلي تاريخ انتهاء مهلة السنتين.
من ركائز الدولة الحديثة أنها تقوم على مبدأ السيادة القانونية، وعلى استمرارية القوانين والمؤسسات واستقرار المعاملات، لا على استحضار أرشيفات تاريخية منقرضة لم يعد أصحابها يستخدموها كمرجعية قانونية ذات أثر، بهدف الاتكاء عليها لتغيير مراكز قانونية استقرت عبر عقود طويلة، مما سيفتح أبوابًا واسعة للنزاعات القضائية والاجتماعية، لأن كل ملكية عقارية قد تصبح عندئذ عرضة للطعن بصحتها، وكل مواطن قد يجد نفسه فجأة مطالبًا بإثبات حقه في ملك يملكه منذ عشرات السنين، وربما منذ أجيال، وهذا لا يهدد فقط الاستقرار القانوني، بل يقوّض أيضًا أسس الاستقرار الاجتماعي الذي يبحث عنه السوريون “بالسراج والفتيلة” كما يقال، ويزرع الشك في نفوس الناس تجاه مؤسسات الدولة، فهل من المعقول أو المقبول أن تسعى وزارة سورية لإثبات ملكية مفترضة لها منذ ما قبل قيام الدولة السورية نفسها وباستخدام أرشيف دولة لم يعد لها وجود!
إن السكوت على هذا العبث يشكل سابقة خطيرة، لأنه يقوّض مبدأ استقرار الملكية الذي يعد إحدى أهم ركائز أي نظام قانوني حديث، فلا يمكن بناء اقتصاد، ولا جذب استثمارات، ولا تحقيق تنمية، في ظل بيئة قانونية غير مستقرة، حيث يمكن الطعن في الملكيات بناء على وثائق تاريخية تعود إلى قرون مضت.
إن القانون الوحيد الواجب التطبيق والذي يمكن لوزارة الأوقاف البحث عن ممتلكاتها المفترضة بين نصوصه هو القانون السوري وحده، وبشكل خاص قانون السجل العقاري لعام 1926 الذي لا يزال يشكّل المرجعية التأسيسية والأساسية في تحديد الملكية، وأي محاولة لتجاوزه أو الالتفاف عليه تعني عمليًا نسف أحد أهم أعمدة الدولة القانونية، فالسجل العقاري ليس مجرد أرشيف، بل هو ضمانة للحقوق، وأساس للثقة بين المواطنين وبين المواطن والدولة.
فلتعلم وزارة الأوقاف ومطبّليها أن سوريا ليست أرضًا سائبة، ولا سلعة قابلة للمساومة أو إعادة التوزيع وفق قراءات انتقائية لأرشيف سابق على نشوء الدولة السورية نفسها، وأن هراء التصريحات الصادرة عن الوزارة والتي تسببت بلغط فتح أبوابًا للتقول والقلق، لم يكن ثمة حاجة إليه أصلًا، خصوصًا أن تركيا لم تزعم أن لها مالًا وقفيًا ضمن سوريا، كما أنها لا تستطيع أصلًا المطالبة به حتى لو رغبت، لأن اتفاقية “لوزان” التي وقعتها تركيا عام 1923، والتي تعتبر مؤسسة للجمهورية التركية الحديثة، ألزمتها بالتنازل عن جميع الأراضي التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية والتي صارت خارج حدود الجمهورية التركية الحديثة، وبالتالي فأموال وعقارات الأوقاف داخل الأراضي السورية هي ملك خالص للدولة السورية.
نعم هناك ضمن سياق آخر خارج نطاق الأملاك الوقفية، أملاك لأتراك ضمن سوريا جرى التحفظ عليها ومنع التصرف بها، وكذلك هناك أملاك لسوريين ضمن تركيا جرى التحفظ عليها ومنع ملاكها من التصرف بها منذ ستينيات القرن الماضي على خلفيات نزاعات حدودية وسياسية بين البلدين، وأزعم أن الفرصة متاحة اليوم لحل هذه المشكلة بإنصاف، ولكن هذا الأمر مختلف عن موضوع الأملاك الوقفية التي هي أملاك سورية خالصة ولا يجوز الخلط بين الأمرين.
سوريا دولة ذات سيادة لها قوانينها ومؤسساتها، وستبقى كذلك رغم كل عبث السلطة، وأي محاولة لبيعها في سوق الغنائم الذي يهيم به الإسلامويون، أو لتفكيك أسسها القانونية، هي في جوهرها اعتداء على مستقبلها، وعلى حقوق أبنائها الذين لن يتهاونوا أمام جريمة تشرع السلطة علنًا بارتكابها.
عنب بلدي
——————————
الأرشيف العثماني والعقارات الوقفية… نزاع أم تصحيح؟/ ميسون محمد
21 ابريل 2026
يعود ملفّ العقارات الوقفية في سورية إلى الواجهة، على خلفية توجّه وزارة الأوقاف إلى الاعتماد على السجلات العثمانية في تدقيق ملكية عقارات تقع، بشكل أساسي، في مراكز حيوية بمدينتي دمشق وحلب. ولا يقف هذا الطرح عند حدود مراجعة وثائق تاريخية، بل يفتح احتمال إعادة توصيف عقارات يتعامل معها أصحابها اليوم كملكيات مسجّلة منذ عقود. وهذا يطرح سؤالاً مباشراً: هل يمكن إعادة النظر في ملكيات مستقرة قانونياً، وعلى أي أساس يتم ذلك؟
ينطلق هذا التوجّه من فكرة أن بعض العقارات قد تكون في الأصل أوقافاً مسجَّلة أو مثبتة في سجلات قديمة، ثم انتقلت لاحقاً، عبر البيع أو الإرث، إلى أفراد أصبحوا يتصرّفون بها كأملاك خاصة. وبحسب ما يُطرح، فإن وزارة الأوقاف تسعى إلى إعادة التحقّق من التسلسل التاريخي لانتقال الملكية، تمهيداً لتثبيت صفة الوقف حيثما ثبت ذلك، وما يترتّب عليه من إعادة تنظيم العلاقة مع الشاغلين، سواء عبر الإبقاء عليهم بعقود إيجار، أو إعادة ضبط شروط الانتفاع وفق أسعار السوق.
غير أن الإشكالية لا تتوقف عند حدود التنظيم الإداري للأوقاف، بل تبدأ فعلياً عند لحظة اصطدام هذا التوجّه مع طبيعة النظام العقاري القائم. فالمسألة هنا لا تتعلق بسجلّ تاريخي فقط، بل بمراكز قانونية نشأت واستقرّت عبر سلسلة من التصرّفات القانونية المسجَّلة رسمياً، وأصبحت جزءاً من بنية الملكية المعترف بها قانوناً. وبالتالي، تضعنا إعادة فتح هذا الملف أمام تساؤل أساسي: هل يمكن لوثيقة تاريخية أن تعيد إنتاج مركز قانوني جرى تجاوزه واستبداله ضمن نظام تسجيل جديد؟
في هذا السياق، يبرز التعارض بين نظام الوقف، بوصفه يقوم على حبس الأصل وتقييد التصرّف به، ونظام الملكية العقارية، الذي يقوم على التسجيل العلني وحماية الحقوق المكتسبة. فبينما يمنح الوقف صفة دائمة للعين ويقيّد تداولها، يقوم السجلّ العقاري على مبدأ الاستقرار والثقة في البيانات المسجّلة، بحيث تصبح الملكية المسجّلة مرجعاً نهائياً للعلاقة القانونية بالعقار.
جذور التشريع العقاري
تشكّل نظام الملكية العقارية في سورية بصورة أساسية خلال فترة الانتداب الفرنسي، حيث جرى ترسيخ قواعد التسجيل العقاري عبر القرار رقم 186 لعام 1926، وقانون الملكية العقارية رقم 39 لعام 1930، وهي قواعد ما زالت تشكّل الإطار الناظم للملكية. وبموجب هذا البناء القانوني، أُعيد تنظيم السجلات العقارية بشكل نهائي، بحيث أصبح السجلّ العقاري المرجع الحاسم في إثبات الملكية، لا الوثائق السابقة عليه. كما أن النظام القانوني الحالي ورث البنية الإدارية العثمانية، ثم أعاد تثبيت الملكيات ضمن صيغة حديثة قائمة على التسجيل النهائي، ما يجعل العلاقة بين الوثائق التاريخية والسجلّ العقاري علاقة إثبات تاريخي، لا إنشاءً لحق جديد. ويترتّب على ذلك أن العودة إلى دفاتر قديمة أو اعتمادها بشكل مستقل عن السجلّ العقاري يُعد مساراً خاطئاً، لأنه يمسّ فكرة الاستقرار القانوني التي يقوم عليها النظام العقاري المعاصر.
وعلى المستوى العملي، تحويل العقار من ملكية خاصة إلى وقف، أو إعادة توصيفه بما يؤدّي إلى تحويل المالك إلى مستأجر، يثير إشكالات تتعلق باستقرار التعاملات العقارية، وقابلية السوق العقاري للتنبؤ، إضافة إلى ما قد يترتّب عليه من نزاعات واسعة بين الأفراد والجهات الإدارية، خاصة في ظل اختلاف مصادر الإثبات بين الوثائق التاريخية والسجلات الحديثة.
استقرار الملكية العقارية
هنا تحديداً، تظهر الحاجة إلى ضبط هذا الملف ضمن إطار قانوني واضح، يحدّد طبيعة القوّة القانونية للوثائق التاريخية، وحدود استخدامها كقرائن، ومدى خضوعها للتدقيق القضائي، بدلاً من أن تتحوّل إلى أدوات لإعادة تشكيل الملكيات بشكل إداري مباشر.
ليست العبرة في القانون العقاري السوري بالأصل التاريخي المجرّد، وإنما بالوضع القانوني الذي استقر بعد إجراءات التحديد والتحرير وإصدار قرار القاضي العقاري. فبموجب هذا النظام، لا يُعتدّ بأي حق سابق — بما في ذلك الحقوق الوقفية — إذا لم يُثَر خلال مراحل التحديد والتحرير، ولم يُعترض عليه من قبل الجهة المعنية. وفي حال عدم إقامة دعوى خلال المدة القانونية المقرّرة، فإن الحق يفقد إمكانية التمسّك به تجاه الغير.
والسجلّ العقاري، بعد استكمال إجراءاته وتمرير مدد الطعن القانونية، تترتّب عليه قوّة ثبوتية حاسمة، بحيث تصبح القيود المسجّلة نهائية وواجبة الاحترام، ولا يجوز المساس بها بدعوى حق سابق، أياً كان مصدره، وإنما ينحصر الحق، إن وُجد ضرر، في المطالبة بالتعويض خلال المدة القانونية المحدّدة.
وفي حال وجود وقف ثابت ومسجَّل أصولاً باسم جهة الأوقاف، يتم التعامل معه ضمن الأطر القانونية الخاصة بالأوقاف، التي تتيح نظام الاستبدال أو إعادة التنظيم وفق القانون، من دون أن يعني هذا تلقائياً اعتبار جميع العقارات محلّ النزاع أوقافاً، لمجرّد وجود إشارات تاريخية غير مثبتة ضمن السجلّ النهائي.
وبذلك، يخلص هذا التفسير إلى أن الحسم في مثل هذه النزاعات لا يقوم على الوثائق التاريخية وحدها، بل على قوّة القيود النهائية في السجلّ العقاري، باعتبارها المصدر الحاسم للحق بعد استكمال المدد القانونية للطعن.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمجرّد مراجعة تاريخية للأوقاف، بل باختبار مباشر لقدرة النظام القانوني على التوفيق بين استعادة حقوق محتملة قديمة، وحماية استقرار الملكيات الراهنة، فالمعادلة هنا ليست تقنية فقط، بل تمسّ جوهر الثقة بالمنظومة العقارية نفسها، وحدود تدخّل الإدارة في مواجهة حجّية السجلّ العقاري.
العربي الجديد
——————————–
الأوقاف السورية والأرشيف العثماني يفتحان أخطر ملفات الملكية/ بثينة عوض
الخميس 2026/04/16
في عام 2015 أنجزتُ تحقيقاً صحفياً تناول الأملاك التابعة لوزارة الأوقاف والمسجّلة بصفة “وقف”، وخلال العمل على الملف، حصلتُ يومها على معلومات موثقة تشير إلى أن أربعة عقارات تابعة للوزارة جرى تحويلها إلى ملاهٍ ليلية، ولا سيما في المنطقة المحاذية لـ فندق سميراميس قرب جسر الثورة في دمشق، والذي تبيّن لي لاحقاً أن العقار المقام عليه كان مصنفاً بدوره ضمن أملاك الوقف.
ذلك الخيط قادني إلى مسار أوسع بكثير البحث في خريطة الملكية العقارية للأوقاف، لأكتشف أن مساحات واسعة من العاصمة دمشق تقع بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن أملاك وقفية أو كانت كذلك تاريخياً.
نُشر التحقيق حينها، لكن الرد لم يكن عبر الشفافية أو فتح ملفات الفساد، بل عبر ملاحقتنا قضائياً من قبل الوزارة التي كانت غارقة آنذاك في شبكات النفوذ والفساد. وأُغلق الملف كما أُغلقت ملفات كثيرة في تلك المرحلة، ليبقى السؤال معلّقاً حتى اليوم كم من أملاك الوقف تحوّل إلى باب للنفوذ، وكم منها ما زال ينتظر من يكشف حقيقته؟
بعد الحرب
اليوم، وفي بلد خرج من حرب طاحنة أنهكت البشر والحجر، وتبدّلت فيه الخرائط السكانية والعمرانية، لا تبدو معركة المستقبل في سوريا محصورة بالسلاح أو السياسة أو إعادة الإعمار فحسب، بل تمتد إلى سؤال أشد عمقاً وخطورة من يملك الأرض؟ ومن يملك السوق، والبيت الدمشقي القديم، والبستان، والخان، والعقار القائم في قلب المدن التاريخية؟
هنا يعود ملف الوقف إلى الواجهة، لكن هذه المرة بثوب أكثر تعقيداً وحساسية، بعدما تحوّل من قضية إدارية هامشية إلى ملف يمسّ الثروة والهوية والعدالة الاجتماعية معاً.
أوساط قانونية وتاريخية واقتصادية تتحدث عن إمكانية الاستناد إلى السجلات العثمانية المحفوظة في تركيا لإعادة تثبيت ملكيات مفقودة، أو حسم نزاعات تتعلق بعقارات وأوقاف داخل سوريا، وما يبدو للوهلة الأولى شأناً أرشيفياً أو تقنياً، قد يتحول عملياً إلى واحد من أخطر الملفات التي ستواجه أي دولة سورية مقبلة.
وبعد سقوط النظام السابق، بدأت وزارة الأوقاف السورية تتحرك ــ وفق تصريحات رسمية ــ للحصول على نسخ من الأرشيف العثماني المتعلق بالأوقاف السورية، في خطوة أثارت مخاوف واسعة، لأن فتح تلك الدفاتر القديمة قد يطال ملكية آلاف العقارات في دمشق وحلب.
وثائق عمرها أكثر من قرن قد تتحول فجأة إلى أداة قانونية لإعادة تعريف الملكية الحديثة، وفرض وقائع جديدة على السكان الحاليين، لتبدأ معركة من نوع آخر: معركة الأرض والذاكرة والحق المكتسب.
صدمة في سوق الحميدية
يسود الشارع الدمشقي حالة من القلق المتصاعد بعد تداول معلومات عن إجراءات محتملة لإخلاء تدريجي لمحال تجارية في سوق الحميدية وغيره من الأسواق الأثرية، بذريعة أن أجزاء واسعة من هذه العقارات تعود تاريخياً إلى الوقف العثماني.
وإذا صحّت هذه الإجراءات، فإنها لا تعني مجرد نزاع عقاري عابر، بل تهدد أرزاق آلاف العائلات التي ارتبطت أعمالها بهذه الأسواق منذ عقود طويلة، كما تمسّ أحد أهم الرموز التجارية والتراثية في قلب العاصمة السورية.
فالمساس بسوق الحميدية لا يُقرأ كملف قانوني فحسب، بل كتغيير جذري في هوية دمشق الاقتصادية والتاريخية، وضرب لذاكرة المدينة التي تشكّلت حول أسواقها القديمة وحرفها التقليدية.
وبحسب تصريحات نُسبت إلى مسؤولين في وزارة الأوقاف، فإن عدداً من العقارات الوقفية جرى بيعها خلال عهد النظام السابق إلى أشخاص مقرّبين منه بأسعار زهيدة، ثم سُجّلت بأسماء المشترين في السجلات العقارية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1960 و2018.
وهذا يضع المالك الحالي حسن النية أمام معادلة قاسية: إما التحول إلى مستأجر لدى الأوقاف، أو مواجهة الإخلاء الكامل، رغم أنه اشترى بموجب أوراق رسمية وسجلات نافذة.
وفي مدن مثل دمشق، لا تبقى القضية قانونية فقط، بل تتحول إلى ملف اقتصادي هائل، لأن كثيراً من العقارات المختلف عليها تقع في مناطق ذات قيمة استثنائية سياحياً وتجارياً وتراثياً.
بيت عربي واحد مرمم في موقع مميز قد يساوي ثروة، فكيف إذا كان الحديث يدور عن حارات كاملة، أو أسواق تاريخية، أو مجمعات تجارية مترامية في قلب المدينة.
وثيقة وقف واحدة قد تغيّر وضع محل تجاري مؤجر منذ خمسين عاماً، أو تنسف تسلسل ملكية توارثته عائلات جيلاً بعد جيل، ولهذا يصطدم أي حديث عن “استعادة الحقوق” بسؤال جوهري: أي حقوق نقصد؟ حقوق الماضي البعيد أم حقوق الواقع القائم؟
أما في حلب، فتبدو المسألة أكثر حساسية وتعقيداً، فالمدينة التاريخية قامت لقرون على شبكة واسعة من الأسواق والخانات والورش والعقارات الوقفية، ومع الدمار الكبير الذي أصابها خلال الحرب، يصبح سؤال الأصل القانوني للأبنية جزءاً من معركة إعادة الإعمار نفسها.
من يرمم؟ من يستثمر؟ من يملك؟ من يستحق التعويض؟ ومن يملك حق التأجير؟
كثير من هذه الأسئلة قد يقود، في نهاية المطاف، إلى دفاتر صفراء عمرها أكثر من مئة عام، لكنها قد ترسم مستقبل مدن بأكملها.
الكنائس والأديرة: الملف الصامت
أوقاف الكنائس والمؤسسات المسيحية أقل حضوراً في الإعلام، لكنها لا تقل حساسية أو أهمية عن غيرها، فهناك عقارات وأراضٍ تاريخية تعود إلى بطريركيات وأديرة ومؤسسات دينية عريقة في دمشق وحلب ومعلولا وصيدنايا وغيرها من المناطق التي تختزن إرثاً دينياً واجتماعياً عميقاً.
وأي عملية إعادة تدقيق جادة في هذه الأملاك قد تكشف تعديات قديمة، أو استثمارات غير محسومة، أو نزاعات قانونية مؤجلة منذ سنوات طويلة، غير أن هذا الملف يُدار غالباً بهدوء شديد، نظراً لحساسيته الاجتماعية والدينية والسياسية، وما قد يثيره من توترات في مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات.
في المقابل، تبدو فكرة إعادة الملكيات إلى ما كانت عليه قبل مئة أو مئتي عام أقرب إلى المستحيل، فالمدن تبدّلت، والسكان تغيّروا، والوظائف الاقتصادية تبدلت، وبعض العقارات اختفى تماماً، أو دُمّر، أو أُعيد بناؤه على نحو مختلف كلياً.
لكن الأخطر من ذلك أن السياسة يمكن التفاوض عليها، بينما الملكية تمس حياة الناس مباشرة، منزلاً، متجراً، أرضاً، إرثاً عائلياً، مورد رزق، مكانة اجتماعية، وذاكرة عائلية متوارثة، ولهذا كثيراً ما تكون نزاعات الملكية أطول عمراً وأشد تعقيداً من النزاعات السياسية نفسها.
هل تستطيع تركيا استخدام الأرشيف كورقة نفوذ؟
السؤال الأكثر حساسية اليوم يتمثل في موقع تركيا من هذا الملف، نظرياً نعم، يمكن لأنقرة أن تستفيد من الأرشيف العثماني كورقة تأثير سياسي، لكن ليس بالمعنى المباشر المتداول شعبياً.
تركيا لا تملك العقارات السورية، لكنها تحتفظ بجزء مهم من السجل التاريخي المتعلق بها، وهو ما يمنحها قيمة معرفية وقانونية وسياسية، فأي تعاون رسمي مستقبلي لاستخراج الوثائق أو التحقق منها قد يضع أنقرة في موقع مؤثر داخل واحد من أعقد الملفات السورية المقبلة.
ومع ذلك، يجب التذكير بأن الوثيقة العثمانية ليست حكماً قضائياً نهائياً، بل مجرد حلقة ضمن سلسلة قانونية طويلة، تلتها مراحل الانتداب الفرنسي، ثم الدولة السورية الحديثة، وما رافق ذلك من قوانين تسجيل وفرز وتعديل ونقل ملكية لاحقة.
بمعنى آخر: الوثيقة قد تفتح الباب، لكنها لا تحسم القضية.
ما يجري اليوم ليس مجرد مراجعة لسجلات قديمة، بل صراع مفتوح على الثروة، والمدينة، والذاكرة، وموازين النفوذ في سوريا الجديدة.
فإذا فُتح ملف الأوقاف من دون إطار قضائي مستقل، ومن دون ضمانات عادلة للمالكين الحاليين، ومن دون مسار واضح للعدالة الانتقالية، فإن سوريا قد تدخل مرحلة جديدة من الفوضى العقارية، يكون ضحيتها الناس العاديون لا شبكات الفساد التي راكمت المكاسب عبر العقود.
والسؤال الأخطر ليس: من كان يملك الأمس؟ بل: من سيملك الغد؟
المدن
——————————–
الوقف العثماني في سوريا.. كيف يعيد القانون رسم إرثٍ تاريخي بعد سقوط النظام؟/ باسل المحمد
2026.04.16
في ظل النقاشات المتصاعدة حول مستقبل إدارة الأملاك الوقفية في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع، عاد ملف “الوقف العثماني” إلى الواجهة بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية وتشابكاً بين التاريخ والقانون والسياسة. ويأتي ذلك في وقت تعيد فيه السلطات الجديدة فتح ملفات الأرشيف والملكية وإعادة التدقيق في مصادر الأوقاف وأسس إدارتها، بما يشمل آلاف العقارات المنتشرة في دمشق وحلب وسائر المحافظات.
وقد أعاد هذا الجدل إلى الواجهة تداول تصريحات معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، خلال لقائه على قناة “الإخبارية السورية” في حزيران الماضي، والتي عادت للانتشار على نطاق واسع في الآونة الأخيرة.
هذه التصريحات أثارت نقاشاً عاماً حول ملف بالغ الحساسية، يتعلق بمصير ممتلكات وقفية شاسعة ارتبطت عبر عقود طويلة بذاكرة عمرانية وتاريخية واجتماعية ممتدة منذ العهد العثماني، وصولاً إلى تعقيدات إدارتها في العقود الأخيرة.
اقرأ أيضاً
الوقف العثماني في سوريا من مؤسسة دعم للمجتمع إلى أداة سلطوية
يشير مصطلح “الوقف العثماني” تحديداً إلى المرحلة التي بدأت عام 1516م مع دخول السلطان سليم الأول إلى دمشق، حيث أنشأت الدولة العثمانية نظاماً مركزياً متقدماً لإدارة الأوقاف، اعتمد على الدفاتر الرسمية (الوقفيات والطابو) التي وُثّقت بدقة ضمن أرشيف الدولة في إسطنبول.
وقد شملت هذه الوقفيات أسواقاً تاريخية كاملة أو أجزاء منها مثل نصف سوق الحميدية في دمشق وسوق مدحت باشا، إضافة إلى حمامات عامة وقنوات مياه وأراضٍ زراعية واسعة في غوطة دمشق وحلب، إلى جانب وقفيات السلاطين والوزراء مثل وقف السلطان سليم الأول ووقف السلطان عبد الحميد، والتي موّلت المدارس الشرعية والمستشفيات والخدمات الاجتماعية، لتشكّل بذلك عماد الاقتصاد العمراني في بلاد الشام لأكثر من أربعة قرون.
ومع انهيار الدولة العثمانية عام 1918، دخل نظام الأوقاف مرحلة معقدة؛ إذ خضعت خلال فترة الانتداب الفرنسي لسيطرة الدولة، وبدأت تتآكل استقلاليتها تدريجياً. وعلى الرغم من أن صك الانتداب الفرنسي عام 1923 نصّ صراحةً على احترام الأوقاف وفق الشرائع الدينية، فإن المادة السادسة منه أتاحت للسلطات الفرنسية التدخل في الشؤون الإدارية، لتتجه لاحقاً نحو إحكام قبضتها على الأوقاف باعتبارها أداة للسيطرة الاقتصادية والسياسية، مستندةً إلى حجج “التقدم وتحرير الأملاك” من القيود التقليدية، بحسب دراسة صادرة عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجي العام الماضي.
وبعد الاستقلال، استمرت الحكومات السورية في نهج تعزيز المركزية الإدارية في إدارة الشؤون الدينية من دون إلغاء بنيتها، في حين شكّل وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة عام 1963 نقطة تحوّل مفصلية، إذ أصبحت وزارة الأوقاف خاضعة بشكل مباشر للسلطة التنفيذية، وتحوّل جزء من العقارات الوقفية لاحقاً إلى أداة ذات أبعاد سياسية واقتصادية ضمن بنية الدولة المركزية.
الوقف في عهد الأسدين..نفوذ يكرّس الفساد
تحولت وزارة الأوقاف في عهد حافظ وبشار الأسد من مؤسسة ذات طابع اجتماعي إلى أداة ضمن منظومة التمويل غير الرسمي للسلطة، عبر استثمارات وعقود طويلة الأمد مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام، وبأسعار تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية لعقارات في مواقع استراتيجية بدمشق وحلب وغيرها من المدن.
وفي هذا السياق، يشير معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار في تصريح لموقع تلفزيون سوريا إلى أن “النظام المخلوع نفّذ أكبر عملية اغتصاب وتدمير للوقف خلال 60 عاماً”، موضحاً أنه جرى السماح ببيع أصول وقفية ببدل مالي، واستبدال أوقاف تقع في مواقع عقارية حيوية بأخرى في مناطق بعيدة أو جبلية ذات قيمة أقل بكثير.
كما تحدث عن أساليب متعددة شملت الاستيلاء على أراضٍ وقفية بقوة النفوذ، وعقود استثمار مباشرة لصالح مقربين، إضافة إلى استبدال أراضٍ متميزة الموقع بأخرى أقل قيمة خارج المدن، فضلاً عن نقل ملكيات وإعادة تسجيلها ضمن إجراءات “التحديد والتحرير” لصالح جهات مرتبطة بالسلطة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط من الإدارة لم يكن معزولاً عن الإطار القانوني، إذ جرى ترسيخه عبر سلسلة من التشريعات التي منحت وزارة الأوقاف صلاحيات واسعة في التصرف بالعقارات الوقفية من دون رقابة قضائية فعّالة أو شفافية مالية كافية، أبرزها القانون رقم 31 لعام 2018 الذي وسّع صلاحيات التعاقد والاستثمار بشكل كبير، حيث اُعتبرت عقارات الأوقاف ذات طبيعة خاصة، أي أنها ليست أملاك دولة ولا أملاك أفراد، وإن كان معظمها في الأصل من أملاك الأفراد ـ الذين هُجِّر معظمهم بسبب ظروف الحرب أو الملاحقة الأمنيةـ إلا أنهم تبرعوا بها.
عدد العقارات الوقفية وأنواعها
وتتنوع الأوقاف في سوريا من حيث طبيعتها وآليات الاستفادة من عائداتها، حيث تقسم على ثلاثة أقسام رئيسية:
الوقف الخيري، وهو الذي يشترط فيه الواقف صرف عائداته إلى جهة خيرية مستمرة الوجود، مثل (الفقراء والمساكين والمساجد والمدارس والمستشفيات) وغيرها، وهو الأكثر رواجاً في سوريا.
والوقف الأهلي أو الذري، الذي يخصص عائده للذرية في البداية ثم لاحقاً لجهة خيرية.
والوقف المشترك، وهو ما اشترك في استحقاق عائده الذرية وجهات البر عامة.
وفي ما يتعلق بحجم هذه الأصول، تشير التقديرات التي كشف عنها معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار، إلى أن عدد العقارات الوقفية في سوريا بلغ حتى الآن نحو 37 ألف عقار، تتوزع بشكل رئيسي في حلب بحوالي 19 ألف عقار، تليها دمشق بنحو 8500 عقار، ثم إدلب بما يقارب 3000 عقار، في حين تتوزع بقية العقارات على محافظات أخرى.
ويؤكد بيرقدار أن هذه الأرقام لا تزال قيد المراجعة، في ظل استمرار التدقيق في سجلات الطابو والوثائق العقارية، حيث يتم الكشف تباعاً عن عقارات وقفية جرى طمسها أو تجاهلها في مراحل سابقة. كما يشير إلى أن ملف الأوقاف حظي باهتمام متزايد بعد سقوط النظام، مع توجهات لإعادة حصر هذه الممتلكات وتنظيمها ضمن إطار أكثر وضوحاً.
خطوات تنظيمية لاستعادة الثقة
في موازاة إعادة فتح ملف الأوقاف، تتجه وزارة الأوقاف إلى تبني مسار تنظيمي جديد يهدف إلى معالجة الاختلالات المتراكمة، واستعادة الدور الحقيقي للمؤسسة الوقفية بعد سنوات من الفساد وسوء الإدارة، عبر خطوات عملية تستند إلى إعادة الضبط القانوني والمالي لهذا القطاع.
وفي هذا الإطار حددت الوزارة ثلاث مهام رئيسية بحسب معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار: أولها حصر الأملاك الوقفية واستخراجها من السجلات التي طُمست فيها، واستعادتها من الجهات التي استولت عليها، عبر تثبيتها في السجلات الرسمية للدولة.
وثانيها: تعديل القيم الإيجارية بما يتناسب مع السعر الحقيقي في السوق، لضمان تحقيق عائد عادل للأوقاف.
أما المهمة الثالثة: فتتمثل في سنّ تشريعات جديدة تعيد ثقة المجتمع بمنظومة الوقف، وتشجع على إعادة إحياء ثقافة التبرع والوقف كصدقة جارية.
وفي السياق ذاته، أوضح بيرقدار، أنه تمت استعادة عدد من العقارات البارزة، من بينها مجمع يلبغا ومدينة الألعاب في دمشق، إضافة إلى “وقف القطط” شمال الجامع الأموي، والذي كان مؤجّراً بعقود رمزية منذ عهد النظام المخلوع.
كما أعلنت الوزارة عن تأسيس صندوق مستقل لإدارة الاستثمارات الوقفية، منفصل عن خزينة الدولة، بهدف تعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة العائدات، بعيداً عن التدخلات السياسية.
وأشار بيرقدار إلى تفاعل ملحوظ من قبل التجار والصناعيين، لا سيما في دمشق وحلب، حيث بادر العديد منهم إلى تسديد الذمم المالية المترتبة عليهم طوعاً، ما يعكس – وفق تعبيره – رغبة مجتمعية في تصحيح المسار، ورد الحقوق إلى الأوقاف، وإحياء البعد الأخلاقي والديني لهذا القطاع.
لماذا تلجأ سوريا إلى الأرشيف العثماني في تركيا؟
مع إعادة تداول تصريحات سابقة لمعاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، بشأن طلب الوزارة نسخة من هذا الأرشيف، عاد موضوع الأرشيف العثماني إلى واجهة النقاش خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع انتشار شائعات عن نية الحكومة منح تركيا آلاف العقارات الوقفية في دمشق. وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول حقيقة هذه الخطوة وأبعادها القانونية والسيادية.
وفي توضيح لهذه المسألة، أكد بيرقدار لموقع تلفزيون سوريا أن الوقف في سوريا هو “ملكية سورية خالصة” ولا علاقة لتركيا به، نافياً بشكل قاطع أي حديث عن استعادة أنقرة لأوقاف عثمانية داخل البلاد.
وبيّن أن الاستعانة بالأرشيف العثماني – الموجود حالياً في تركيا – تقتصر على هدف فني وقانوني يتمثل في معرفة الأملاك التي كانت مسجلة تاريخياً كأوقاف، وذلك في إطار عملية حصر وتدقيق الملكيات.
وأشار إلى أن وزارة الأوقاف تعمل على تتبع هذه الأملاك في دمشق وسائر المحافظات عبر العودة إلى الوثائق العثمانية، بالتعاون مع رئاسة الشؤون الدينية التركية، خاصة في ظل غياب أرشيف منظم داخل الوزارة، حيث لا تتوفر سوى وثائق قديمة مبعثرة.
كما لفت إلى أن هذه العملية تهدف أيضاً إلى توثيق الانتهاكات التي طالت الأوقاف خلال العقود الماضية، وأكد بيرقدار أن الأحكام الشرعية تبين أن “الشاري حسن النية” لاتصادر ملكيته ولا يبطل عقده، وإنما يتم البحث عن البائع المغتصب، والبائع من اتباع النظام المخلوع الذي زور الطابو ليتم التعويض منه، مع التشديد على أن الملكيات المسجلة في الطابو لا يمكن تعديلها أو تغييرها خارج الأطر القانونية.
تلفزيون سوريا
—————————-
أملاك الأوقاف في سوريا: استعانة بالأرشيف العثماني وصراع على منزل وهبته رابعة العدوية قبل 800 عام/ جانبلات شكاي
مع تواصل الجدل حول مستقبل إدارة الأملاك الوقفية في سوريا، واستعانة وزارة الأوقاف بالأرشيف العثماني لإعادة تثبيت العقارات الوقفية، دخل الملف مرحلة جديدة وسط دعوة إلى اعتصام في ساحة سعد الجابري في حلب، بالتزامن مع انتقال مفاعيل الملف إلى مدينة حمص، حيث وقع نزاع بين مديرة أوقافها وآل السباعي.
وملف الأملاك الوقفية بات موضوعاً للجدل خلال الأيام الأخيرة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، من خلال إعادة نشر تصريحات صدرت منذ حزيران/ يونيو العام الماضي لمعاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار لقناة “الإخبارية” السورية، قال فيها إن وزارة الأوقاف في عهدي حافظ وبشار الأسد تحولت من مؤسسة ذات طابع اجتماعي إلى أداة ضمن منظومة التمويل غير الرسمي للسلطة، عبر استثمارات وعقود طويلة الأمد مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام، وبأسعار تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية لعقارات في مواقع استراتيجية بدمشق وحلب وغيرهما من المدن.
وأوضح أنه جرى بيع أصول وقفية ببدل مالي، والاستيلاء على أراضٍ وقفية بقوة النفوذ، وعقود استثمار مباشرة لصالح مقربين، ونقل ملكيات وإعادة تسجيلها ضمن إجراءات “التحديد والتحرير” لصالح جهات مرتبطة بالسلطة، مشيراً إلى أن التقديرات تتحدث عن 37 ألف عقار وقفي، منها في حلب حوالي 19 ألف عقار، وفي دمشق نحو 8500 عقار، مؤكداً أنه تمت استعادة عدد من العقارات البارزة، من بينها مجمع يلبغا وأرض معرض دمشق الدولي القديم.
بيرقدار، الذي تحدث عن طلب وزارة الأوقاف، لنسخة من الأرشيف العثماني، أعلن عن تأسيس صندوق مستقل لإدارة الاستثمارات الوقفية، منفصل عن خزينة الدولة؛ بهدف تعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة العائدات، بعيداً عن التدخلات السياسية.
وتزامنت إعادة تداول التصريحات السابقة مع انتشار شائعات عن نية الحكومة منح تركيا آلاف العقارات الوقفية في دمشق وغيرها، ما أثار جدلاً واسعاً دفع إلى نشر توضيح من بيرقدار، الثلاثاء الماضي، أكد من خلاله أن الوقف في سوريا هو ملكية سورية خالصة ولا علاقة لتركيا به، نافياً بشكل قاطع أي حديث عن استعادة أنقرة لأوقاف عثمانية داخل البلاد، ومبيناً أن الاستعانة بالأرشيف العثماني تقتصر على هدف فني وقانوني يتمثل في معرفة الأملاك التي كانت مسجلة تاريخياً كأوقاف، في إطار عملية حصر وتدقيق الملكيات، وتوثيق الانتهاكات، مؤكداً أن الأحكام الشرعية تبين أن “الشاري حسن النية” لا تصادر ملكيته ولا يبطل عقده، وإنما يتم البحث عن البائع المغتصب، والبائع من أتباع النظام المخلوع الذي زور الطابو ليتم التعويض منه، مع التشديد على أن الملكيات المسجلة في الطابو لا يمكن تعديلها أو تغييرها خارج الأطر القانونية.
منزول آل السباعي
النقاش حول مستقبل الأملاك الوقفية والأجارات القديمة لها وعمليات إعادة التقييم وتأثير ذلك على الأسواق الرئيسة في دمشق وحلب، امتد إلى مدينة حمص، حيث رفضت عائلة السباعي، في بيان السبت، تحويل “منزول” وقفي ادعت أنه وقف ذري للعائلة إلى جامع ومكتبة، بحسب ما قررت مديرية أوقاف حمص. وأكدت المديرية في بيانها أن العقار رقم 202 في المنطقة العقارية الثانية هو عقار وقفي وليس وقفاً ذرياً، كما هو موثق بموجب العقد رقم 829 لعام 1933، ويثبت ملكيته باسم الأوقاف بسند تمليك رسمي، وقد شغلته عائلة السباعي (مضافة) دون صفة قانونية.
وأوضحت أنها بذلت جهوداً كبيرة على مدار الأشهر الماضية لتسوية وضع الإشغال بما يضمن الحفاظ على حقوق الوقف وفي الوقت نفسه يتيح للعائلة الاستمرار ضمن إطار قانوني، وأصدرت قراراً بتحويل المضافة إلى مصلى ومكتبة خيرية لعموم المسلمين، وتكون إدارة المصلى والمكتبة الخيرية للأخوة الكرام عائلة السباعي. وأعلن آل السباعي، في بيان، الاعتراض على قرار مديرية الأوقاف ووصفته بالجائر وغير القانوني، وذكر البيان أن “منزول آل السباعي في مدينة حمص وُهِب كوقف ذري لآل السباعي من قبل المرحومة نائلة السباعي الملقبة بـ”رابعة العدوية” زوجة القائد نور الدين زنكي منذ أكثر من 800 عام، ودفنت فيه منذ ذلك الحين وأوصت بوقفه كمنتدى مدني اجتماعي ثقافي خيري للعائلة.
ودعا البيان رئاسة الجمهورية ووزارة الأوقاف للنظر في هذه المظلمة، مؤكداً أن العائلة لن تنصاع لأي قرار ظالم يُفضي لتسليم المنزول بهذه البساطة. وتضامن مجلس أبناء عائلة مشارقة في حمص مع آل السباعي، مؤكدين أن هذا الصرح ليس مجرد بناء، بل هو إرث تاريخي ووقف ذري موثق ارتبط باسم العائلة ودورها المجتمعي على مدى قرون، مشددين على أن أي إجراءات تهدف إلى انتزاع هذا المنزول أو فرض واقع جديد عليه، دون حسم قانوني وشرعي عادل، تعد موضع رفض واستغراب، وتثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بحماية الأوقاف الذرية وصون خصوصيتها التاريخية.
الجدل المحتدم بين وزارة الأوقاف والشاغلين للعقارات التي تقول الوزارة إنها وقفية، دفع إلى الدعوة إلى وقفة احتجاجية واعتصام في ساحة سعد الله الجابري في حلب يوم الجمعة القادم. وصدر بيان ادعى أنه يتحدث عن “وجهاء وأهالي مدينة حلب” بعنوان “قانون وكرامة” أسوة بالاعتصام الذي تم تنفيذه في دمشق الجمعة الماضي.
جدل قانوني
وفي تصريح خاص لـ”القدس العربي”، أوضح المحامي والخبير القانوني، عارف الشعال، أنه من المستحيل اللجوء إلى الأرشيف العثماني لاسترجاع العقارات الوقفية. وقال إن الملكية العقارية ثابتة، ولكن الإشكال هو في غموض ما يتم التصريح عنه، وإن استعادة العقارات الوقفية تطرح سؤالاً حول آلية وحق استثمار مثل هذه العقارات.
وتابع: “الحديث اليوم يدور حول أرض معرض دمشق الدولي القديم الممتدة من ساحة الأمويين حتى جسر الحرية (الرئيس سابقاً) وكانت وقفاً لرعي الخيول، ثم منحت لمحافظة دمشق، ليتم اليوم استعادتها من قبل وزارة الأوقاف، فكيف ستدير الوزارة هذه المساحة التي تصل إلى نحو 250 ألف متر مربع في قلب العاصمة، وكيف يمكن استثمارها؟ مع أنه في مثل هذه الحالات، يجب البحث عن الورثة وإعادة الأرض لهم، وإن تعذر وجود الورثة، فالقرار يكون بيد الجهة التي تبت بأمور المسلمين”.
وأوضح أن الفساد في عقارات الأوقاف يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي ضمن مجالس الوقف، ثم باتت مؤسسات الدولة هي من ترعى العقارات الوقفية وفق دستور خمسينيات القرن الماضي، حيث بدأت وزارة الأوقاف تضع يدها على الملف حتى عهد النظام الساقط حين وضع الوزير محمد عبد الستار السيد قانون عام 2018، فبات هو صاحب اليد العليا حتى في تعيين أعضاء مجلس الوقف، وأصبح بذلك هو صاحب القرار الوحيد.
وقال إن موضوع البت في آليات إدارة الأوقاف بات يحتاج إلى بحث معمق وإعادة طرح الملف للنقاش؛ لأنه، وبسبب الفساد، لم تنجح مجالس الوقف بإدارة الملف، كما فشلت في إدارته وزارة الأوقاف، حسب قوله.
ورداً على سؤال إن كان الحل في جعل الملف تحت وصاية وإشراف المجالس المحلية في البلدات والقرى وأحياء المدن الكبرى، بيّن الشعال أن المشكلة الأساسية عند اللجوء لهذا الأسلوب تكمن في أن هذه المجالس تضم أعضاء غير مسلمين، وهذا لا يتوافق مع الموقف الشرعي القاضي بإدارة أوقاف المسلمين من المسلمين تحديداً، موضحاً أن الأوقاف الدرزية أو المسيحية مستقرة ولا تعاني من المشاكل، ولكل كنيسة أوقافها المحددة وتقوم بإدارتها من دون تدخل أي جهة.
وأكد أن مثل هذه الحلول المقترحة لا جواب قانونياً لها، وهذه هي التي يجب أن تطرح للنقاش العام للتوصل إلى حل توافقي حولها.
واعتبر أن الأراضي والعقارات المسجلة كوقف، مثل عدد كبير من عقارات سوق الحميدية أو غيرها، يجب إعادة النظر بأجاراتها القديمة، التي هي غالباً ما تكون بالليرات، لتحصيل بدلات عادلة وفق الأسعار الرائجة حالياً.
وشدد على ضرورة تجزئة المسألة، بحيث لا يمكن وضع حل واحد لجميع مشاكل العقارات الوقفية مثل أرض معرض دمشق الدولي ومحال سوق الحميدية والمباني العامة التي بنيت على أراض وقفية، وعلى رأس الأولويات بحث آليات إدارة العقارات الوقفية واستثمارها، وإدارة ما يمكن تحصيله من واردات.
وقال: إن المسلمين تحديداً هم من يجب أن يقرروا كيف ستكون الإدارة وصرف الواردات، ولكن من هو الموكل للحديث عن 20 مليون مسلم سوري اليوم؟ وهذه هي المشكلة التي واجهت الدولة منذ عهد الانتداب الفرنسي، والمثال العملي هو “مجمع يلبغا” في منطقة البحصة في دمشق، الذي استمر ملف إدارته بالفساد لنحو 50 سنة، مع بقاء السؤال الجوهري: ماذا سوف تفعل الوزارة بواردات هذا المجمع الضخم، وأين وكيف يجب صرفها على المسلمين؟”.
وانتهى، للتأكيد بأن الدساتير الأولى لسوريا حتى خمسينيات القرن الماضي، تضمنت مواد تشدد على تأمين حماية الأوقاف، ولكن ومنذ زمن الوحدة وثم حقبة البعث السوداء، فإن أياً من الدساتير التي أقرت في هذه المرحلة لم تتطرق لعقارات الأوقاف، ولم تتضمن نصوصاً لحمايتها.
القدس العربي
———————————
بعد جدل توصيفها الوقفي.. مضافة السباعي على أعتاب تسوية في حمص
2026.04.22
تتجه قضية مضافة عائلة السباعي في مدينة حمص نحو حل قريب، مع مؤشرات على اقتراب مديرية الأوقاف والعائلة من التوصل إلى صيغة توافقية، من شأنها إنهاء الجدل القائم حول توصيف العقار بين وقف خيري عام أو وقف ذري خاص بالعائلة.
وتترقب الأوساط المحلية صدور “بيان صلح” مرتقب قد يضع حداً للنزاع القانوني والتاريخي، الذي أثار تفاعلاً واسعاً خلال الأيام الماضية، وسط تضارب الروايات بشأن ملكية المضافة ومصيرها.
موقف عائلة السباعي
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر تعليق رسمي جديد عن ممثلي عائلة السباعي، غير أن آخر مواقفهم المنشورة أشارت إلى “أخبار مفرحة جداً”، من دون توضيح تفاصيلها.
وسبق أن أعلنت العائلة، في وقت سابق، رفضها الكامل لقرارات مديرية الأوقاف، ووصفتها بأنها “جائرة وغير قانونية”، مؤكدة أن مضافة عائلة السباعي تعود لوقف ذري أُنشئ قبل أكثر من 800 عام.
وقالت العائلة في بيانها إنّ “المضافة، الواقعة في حي بني السباعي، وُهِبت من قبل نائلة السباعي، المعروفة بـ(رابعة العدوية زوجة الشهيد القائد نور الدين زنكي)، كوقف ذري للعائلة”، مشيرة إلى أنها كانت على مدى قرون -وفق وصيتها- منتدى اجتماعياً وثقافياً وخيرياً لأبناء العائلة.
كذلك، شددت على أن إدارة المكان بقيت بيد مجلس العائلة، وأن أعمال الترميم، وآخرها عام 2022، جرت بتمويل ذاتي من دون أي دعم من الجهات الرسمية، داعية إلى تشكيل لجنة وزارية مستقلة للفصل في النزاع “قانونياً وشرعياً”.
رواية الأوقاف حول الوضع القانوني للعقار
في المقابل، كشفت مديرية أوقاف حمص عن تفاصيل قانونية وإدارية تتعلق بمستقبل العقار، مؤكدة تحويله إلى مقر علمي وثقافي متاح لعموم المسلمين.
وفي تصريح لموقع تلفزيون سوريا حول القضية، أوضح مدير إعلام مديرية أوقاف حمص، نور الصالح، أن المديرية عازمة على الحفاظ على الطابع التراثي للمجلس، معتبراً تحويله من عقار “مشغول بوضع اليد” إلى مرفق لخدمة العامة خطوة إيجابية تنهي حصرية استخدامه من قبل عائلة محددة.
وأشار الصالح إلى أن المنطقة تفتقر إلى مكتبة خيرية وقفية، وهو ما دفع المديرية لاتخاذ قرار بتزويد العقار بكل ما يلزم ليكون مقراً دينياً وثقافياً يرتاده عامة الناس، مؤكداً أن المخططات الخاصة بالمصلى والمكتبة ما تزال قيد الدراسة لضمان الحفاظ على الهوية الأثرية للمكان.
كواليس المفاوضات مع “آل السباعي”
حول جهود التسوية، كشف مدير إعلام مديرية أوقاف حمص، نور الصالح، عن كواليس اجتماعات استمرت لعام كامل مع لجنة مفوضة من أبناء جمعية “آل السباعي” برئاسة محمد بشار السباعي.
وأكد الصالح وجود “كتاب رسمي موثق” يثبت موافقة اللجنة الأولية على الصيغة التوافقية، إلا أن المفاوضات اصطدمت برفض التوقيع على عقد الإيجار المقترح، مشيراً إلى أن السجلات لم تثبت وجود “سجل رسمي” خاص بالجمعية التابعة للعائلة في هذا السياق.
وشدّدت المديرية في توضيحها، على أنّ العقار مسجل رسمياً منذ عام 1922م كوقف لـ”جامع الدرويش”، وذلك بموجب قرار قاضي عقاري ومحضر تحديد وتحرير موثق أصولاً، نافياً الصالح وجود أي وثائق تثبت أن العقار “وقف ذري”، مؤكداً أن المديرية تمتلك جميع المستندات التي تؤكد “نهائية العقار” كوقف خيري عام.
وختم الصالح بالتأكيد على أن الهدف ليس مجرد التحول العقاري، بل الحفاظ على حقوق الوقف، ومؤكداً استمرار مديرية الأوقاف في حصر العقارات الوقفية وضبط أوضاع الشاغلين وفق قوانين وزارة الأوقاف، مع فتح باب التسوية لكل من يبدي تعاوناً من الجهات العامة أو الخاصة.
“أنباء عن صلح قريب”
تترقب الأوساط المحلية في مدينة حمص، صدور “بيان صلح” مرتقب من عائلة السباعي، لإنهاء الجدل المثار حول ملكية ومصير مضافة العائلة العريقة، في وقت تداول معلومات عن صيغة توافقية قد تنهي الخلاف القانوني والتاريخي بين الطرفين.
وكانت مديرية أوقاف حمص قد أصدرت قراراً رسمياً، السبت الفائت، يقضي بتحويل مضافة عائلة السباعي (العقار رقم 202 في المنطقة العقارية الثانية) إلى مصلى ومكتبة خيرية لعموم المسلمين.
وبحسب قرار المديرية، ستتولى عائلة السباعي مهام إدارة المكان من خلال لجنة تشرف على المصلى والمكتبة، في خطوة وصفتها المديرية بأنها تهدف للحفاظ على البعد الاجتماعي والتاريخي للعقار.
جذور الخلاف.. وقف خيري أم ذري؟
يعود أصل النزاع إلى اختلاف جذري في توصيف ملكية العقار، حيث تستند مديرية الأوقاف إلى وثائق رسمية تعود إلى العام 1933، تثبت تبعيته لـ”وقف جامع الدرويش” (وقف خيري عام).
في المقابل، تصر عائلة السباعي على رواية تاريخية تعتبر المضافة وقفاً ذرياً خاصاً، وترى أن القرارات الأخيرة تتجاهل هذا البعد التاريخي للمكان.
ومع الحديث عن صلح قريب، ينقسم الشارع في حمص بين من يرى في التسوية خطوة للحفاظ على مضافة عائلة السباعي كمعلم تراثي تحت إشراف العائلة، ومن يتخوّف من أن تكون مقدمة لتنازل عن صفة “الوقف الذري”.
يأتي هذا الجدل في وقت تعيد فيه السلطات السورية فتح ملفات الأوقاف والملكية، ضمن مراجعات أوسع تطول آلاف العقارات في مختلف المحافظات السوريّة.
تلفزيون سوريا
============================



