الديمقراطية والمعارضة السورية/ غسان المفلح

أبريل 16, 2026
الديمقراطية المطروحة حتى الآن هي مفهوم نظري يتفق الجميع على تداوله كعنوان عام. أما عندما ننتقل للجانب الممارساتي أو العملي نجد أننا أمام تشكيلات متعددة، سواء من حيث برامجها أو مفردات خطابها الموجه للسوريين. هنالك مثلاً في سياق الحرب الحالية تجد من يتبنى الديمقراطية هذه، وهو مع الطرف الأميركي، ومنهم مع الطرف الإيراني أو محور المقاومة. لكل منهم سياقه التفسيري أو التبريري.
السؤال المباشر: هل يمكن جمع الطرفين في سياق سوري واحد؟ ليس مهمتي الإجابة الآن على هذا السؤال، لكنني أحاول توضيح الصورة في الجانب المعارض، كما وضحتها في المقال السابق في جانب السلطة.
من جهة أخرى، سؤال رئيسي وأساسي لم تجب عنه هذه اللوحة الديمقراطية المشتتة. هو: هل من الممكن إحداث تغيير نوعي في سلوك السلطة دون اللجوء لحامل مجتمعي واضح؟ إذا كانت النخب هذه تستهدف في خطابها ليس السلطة فقط، بل المكون الأكبر موضوعياً في البلاد وهو” السنة” وأيضا” العرب السنة”.
غالبية هذه النخب في خطاباتها تجرم هذا المكون، سواء بشكل واضح أو ملتبس. إذاً من هو الحامل المجتمعي للمعارضة الديمقراطية كي تحدث التغيير؟ بالمقابل، هنالك نخب من الأكثرية تجرم بعض الأقليات! هل يمكن بناء ديمقراطية بدون التعبير عن هموم السوريين أقليات وأكثرية؟ هل يمكن بناء ديمقراطية في ظل خطاب في اللوحة السورية يتضمن مفردات: دواعش، مطبل، انفصالي، فلول، هجري، عملاء لهذه الجهة أو تلك، قواد ربعه، علماني إباحي، إسلامي إرهابي، جهادي؟
هذه التشكيلة من المفردات التحريضية، هل تعبر عن الحقيقة؟ وهل يمكن أن تنتج قوى ديمقراطية؟ طبعا لا أريد الحديث عن تشتت القوى التي ترفع الديمقراطية شعاراً. هي قوى مبعثرة ومشتتة ومخترقة طائفياً ودينياً وإثنياً.
هذه القوى غير متفقة حتى على عناوين عملية تناسب المرحلة الانتقالية في سوريا. منها مثلاً من يرفض الاعتراف بالعلم السوري الجديد، ومنها من يرفض الاعتراف بيوم التحرير، ومنها من يرفض الاعتراف بالثورة، ومنها من يحاول تبييض صفحة النظام الأسدي، معتمدا على الشعار الديمقراطي- العلماني وعلى أخطاء السلطة الكارثية.
منهم من اختبرهم الشعب السوري وهم على رأس المعارضة للأسد، اختبر فشلهم، فشلهم لأسباب عديدة منها ذاتي ومنها موضوعي. إذاً نحن أمام تشكيلة مبعثرة لم تجد بعد برنامجها الذي يستقطب الشارع. الآن هل يمكننا نقاش دور التيارات الإسلامية في هذه اللوحة؟
في الحقيقة هذا الموضوع من المواضيع الشائكة التي يمكن للمرء أن يواجهها. لأنها تحتاج لبحوث وليس لمقال عابر. لهذا وجدت من المناسب هنا، الحديث سريعاً عن مقال أراه يحمل أهمية خاصة بعنوان “سوريا اليوم: أين كانت؟ أين هي اليوم؟ وإلى أين تسير؟” للباحث ياسين الحاج صالح الغني عن التعريف.
يركز ياسين في المقال على عدة محاور. من بينها أن المشروع الانتقالي القائم حالياً يمتاز بعدة خصائص، أهمها أنه نظام يسعى لأن يكون نظاماً على شكل أي نظام عربي آخر. يصادر الدولة لصالح سلطة طائفية تبنى من المكون السني وعبره، مما يعيد سوريا إلى غياب الدولة التي يكون لها السيادة العليا على السلطة الأحادية. ويشير إلى نقلة كنت أشرت لها سابقاً منذ بدايات التحرير، أننا أمام خيار ديكتاتورية ناعمة فردية على الأرجح، لكنه ليس جهادياً بأي حال.
من جهة أخرى، يتطرق ياسين لما أسماه “القومُ نيوليبراليون جهاديون، كل شيء مطروح للخصخصة بما في ذلك الصحة والتعليم والنقل والخدمات الأخرى، فضلاً عن القطاعات الإنتاجية”. يصل في النهاية إلى عدة نتائج لكن أخطرها على أي مستقبل لدولة ديمقراطية، عندما يتحدث عن سلطة طائفية استبدلت سلطة قبلها. استبدلت العلويين بالسنة. بالتالي ما يجري هو ضرب أية أسس لقيام نظام ديمقراطي.
لا يمكن أن نتحدث عن نظام ديمقراطي، دون وجود دولة قانون، دولة أكبر من أي سلطة سياسية عابرة. مهما كانت سواء كانت أيديولوجية حزبوية طائفية جهادية..الخ. لهذا، مبحث تغييب الدولة الجديدة بدل بنائها هو ما يعتبر حجر عثرة في قيام نظام ديمقراطي. هذا يمر، بحسب ياسين، عبر نفق انتقالي من “الجهادي الثوري” إلى “الجهادي النيوليبرالي”، مستنداً على ما يسمى “المكون السني السلطوي” الذي بالنسبة له يندرج سورياً بشكل طائفي.
ويعيد ياسين اشتقاق مفهوم “المكون السني” لمستشار الرئيس الشرع السيد أحمد زيدان. في المحصلة، نجد أننا أمام ضحية واضحة، وهي غياب أي مشروع ديمقراطي لدى السلطة.
لكن أريد التذكير بما كتبته سابقاً ومنذ سنوات: التيارات الإسلامية بشكل عام لا تضيرها قضية الحريات العامة في بلد تحكمه، وفيه أكثرية سنية أو شيعية. هذا التباس أول لم ينتبه له الصديق ياسين. الالتباس الثاني هو الحمولة الدولية لهذا التغيير الذي حدث في يوم التحرير وسقوط الأسدية. سوريا برمتها مندرجة سياسياً حتى اللحظة في بنى ما فوق سورية كما أسميتها منذ بدء التحرير.
سأضرب مثالاً: الاتفاق بين السلطة وقسد، وما نتج عنه وما سينتج عنه. هذا الاتفاق تم بفضل هذه الحمولة الدولية. مما ترك أثره الإيجابي على الفضاء العام السوري وعلى السلم الاهلي. بدون هذه الحمولة، هذه النيوليبرالية الجهادية لن تجد طريقها للنجاح. فهل هذه الحمولة الدولية ستسمح بذلك؟ النيوليبرالية هذه ستخلق موازين قوى داخلية في سوريا غير منظورة الآن، وتعبر عن نفسها في خلافات داخل ما يسمى الكتلة الإسلامية من تيارات، وداخل المكون السني نفسه.
هنا أيضا أزعم أنه من المستحيل برمجة المكون السني طائفياً في بلد مثل سوريا، لأن السلطة ليس لديها الإمكانيات الاقتصادية لترشي كل المكون السني، كما كان الوضع أيام الأسد مع المكون العلوي. الحل الوحيد الذي لن يسمح بقيام مثل مراكز القوى هذه هو ديكتاتورية أمنية سياسية اقتصادية. لأنه كما هو معروف أن الديمقراطية لا تبنى فقط على وجود تيارات سياسية وأحزاب، بل تبنى على وجود مراكز قوى مجتمعية واقتصادية.
فهل ستصادر هذه السلطة كل الحالة بحيث تمنع قيام مثل هذه المراكز؟ هل سيسمح السياق الدولي الذي لا يزال حاملاً لهذه السلطة وغيرها من الأطراف السورية بذلك؟ لأنه إن سمح فإننا أمام انهيار أي حلم ديمقراطي في البلد.
الثورة السورية



