تطور الاقتصاد السوري تحديث 22 نيسان 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
تحديث 22 نيسان 2026
عطالة عمل وقروض للأغنياء فقط.. لماذا تحتاج سوريا إلى “بنك فقراء”؟/ عبد الناصر القادري
2026.04.22
تحتاج سوريا إلى أفكار من خارج الصندوق لمساعدتها في الخروج من أزماتها المركبة بعد عقود كاملة من الفساد وغياب التنمية والحلول التي تُمكّن المجتمع من النهوض بنفسه، ومع ارتفاع نسب الفقر والبطالة، تأتي فكرة “بنوك الفقراء” أو بنوك تمويل المشروعات الصغيرة لتحل مشكلة مستعصية من تأمين فرص عمل على مستوى شعبي واسع وسهل التنفيذ.
لا تحتاج سوريا إلى ابتكار هذا النوع من البنوك من الصفر، إنما يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين، والتأسيس لسمعة حسنة وثقة مع شراكة حكومية وتسهيلات من خلال سن قوانين تساعد على النهوض في هذا النوع من القطاعات البنكية الفاعلة مجتمعياً، والتي لا تهدف إلى الربح بقدر ما تعمل على مد يد العون من دون مقابل سوى مساعدة السوريين على البدء في مشاريعهم الصغيرة بناء على دراسات تمويل محددة تمكنهم من الانطلاق ثم السداد الآمن والمريح بعد عدة أشهر وعلى مدد محددة، وبالطبع من غير فائدة، بل رسوم تشغيلية ثابتة.
ولا يمكن تحقيق هذه الخطوة قبل بناء الثقة البنكية إضافة إلى الثقافة البنكية أي أن يكون لدى كل مواطن سوري حساباً بنكياً، حيث لا يوجد إحصائيات واضحة عن عدد السوريين الذي يملكون حسابات بنكية داخل البلاد، إلا أن البنية التحتية الضعيفة والفساد والتضخم الهائل يظهر أنها قليلة جداً مقارنة بعدد السكان، كما أن نسبة الفقراء الذين يحصلون على قروض في سوريا تكاد تكون حالات نادرة ومرتبطة بامتلاك أرض أو عقار.
ما هو بنك الفقراء؟
ربما لم يسمع معظم السوريين بشخص اسمه محمد يونس، الذي قرر أن يتجاوز كل نظريات الاقتصاد في سبعينيات القرن الماضي، ويبني نظرية جديدة مبنية على إنقاذ أبناء شعبه من فقرهم عبر تمكينهم من الصيد بدل التصدق بالسمك عليهم، من خلال توفير قروض صغيرة من دون الحاجة لضمانات مع التركيز على تمكين النساء وتوفير فرص العمل والتعليم في المناطق الأقل تنمية ببنغلادش.
تقع بنغلاديش في جنوبي قارة آسيا، وتعد ثامن دولة عالمياً بعدد السكان (175.7 مليون نسمة)، وهي من بين الدول الفقيرة، وذات المساحة الصغيرة مقارنة بعدد السكان إذ تبلغ مساحتها 148.460 كيلومتراً، فهي أصغر من سوريا التي تبلغ مساحتها 185.180 كيلومتراً.
في عام 1976 حصل الاقتصادي محمد يونس على قرض من الحكومة عبر بنك “جاناتا”، واستثمره في إقراض الفقراء في قرية “جوبرا” بمنطقة “شاتوغرام”.
كان يونس الذي ولد عام 1942 يعرف تماماً ما ينوي فعله، فهو خبير اقتصادي ومالي، حصل على الدكتوراه في جامعة فاندربيلت بولاية تينيسي الأميركية بمنحة مؤسسة فولبرايت عام 1965، ثم عاد إلى بلاده ليرأس قسم الاقتصاد في جامعة جامعة شيتاجونغ إحدى أبرز جامعات بنغلاديش.
عمل يونس على تطوير مبادئ البنك انطلاقاً من أبحاثه وخبرته ثم حول المشروع في عام 1983 إلى بنك “غرامين” (غرامين باللغة المحلية في بنغلاديش تعني القرية أو الريف) ولقب بـ”بنك الفقراء”.
ويحكي البروفيسور محمد يونس القصة التي أدت لظهور فكرة المصرف فيقول في كتابه الذي يستحق القراءة “مصرفي من أجل الفقراء”: “في عام 1972، وهو العام التالي لحصول بنغلاديش على استقلالها بدأت بتدريس الاقتصاد بالجامعة، وبعد عامين أصيبت البلاد بمجاعة قاسية، وكنت أقوم في الجامعة بتدريس نظريات التنمية المعقدة، في حين كان الناس في الخارج يموتون بالمئات، فانتقلت إلى قرى بنغلاديش أكلم الناس الذين كانت حياتهم صراعاً من أجل البقاء، فقابلت امرأة تعمل في صنع مقاعد من البامبو، وكانت تحصل في نهاية كل يوم على ما يكاد فقط يكفي للحصول على وجبتين، واكتشفت أنه كان عليها أن تقترض من تاجر كان يأخذ معظم ما معها من نقود. وقد تكلمت مع اثنين وأربعين شخصاً آخرين في القرية ممن كانوا واقعين في فخ الفقر، لأنهم يعتمدون على قروض التجار المرابين، وكان كل ما يحتاجونه من ائتمان هو أقل من 30 دولاراً فقط. فأقرضتهم هذا المبلغ من مالي الخاص، وفكرت في أنه إذا قامت المؤسسات المصرفية العادية بنفس الشيء؛ فإن هؤلاء الناس يمكن أن يتخلصوا من الفقر، إلا أن تلك المؤسسات لا تقرض الفقراء، وبخاصة النساء الريفيات”.
نجاح استثنائي
لم تكن مسيرة تأسيس البنك سهلة، فمحمد يونس كان يبني نموذجاً جديداً في الاقتصاد وأنظمة التمويل، كما أنه واجه حملة قاسية من بعض الحركات الراديكالية واليسارية، التي حاربت فكرة الاقتراض من البنك أساساً في الفترة التي شهدت صعوداً للشيوعية، غير أن ذلك لم يؤثر على فكرته وأصر على تنفيذها.
أسهمت الحكومة البنغالية فيه بنسبة 60% من رأس المال المدفوع في حين كانت الـ40% الباقية مملوكة للفقراء من المقترضين. وفي عام 1986 صارت النسبة 25% للحكومة و75% للمقترضين.
وبين عامي 1983 و2026 تمكن البنك من فتح 40 مكتباً في مدن بنغلاديش المختلفة، إضافة إلى مكاتب لتدقيق الحسابات، وافتتح أكثر من ألفي فرع، ويوجد في 94% من القرى ببنغلاديش، في حالة استثنائية عن أي بنك شبيه في العالم.
وتجاوز عدد العاملين في البنك 23 ألف موظف، لديهم خبرة في دراسة المشاريع وفحصها إلى جانب التمويل والمحاسبة والاقتصاد والإدارة والقانون.
واجه البنك تحديات، أبرزها تعثر سداد القروض بعد فيضانات عام 1998 في بنغلاديش، لكنه تمكن من التعافي وتحقيق نمو ملحوظ خلال السنوات اللاحقة.
بحلول عام 2005، قدم البنك قروضاً تجاوزت 4.7 مليارات دولار، واستمر في التوسع حتى بلغ إجمالي ما أقرضه أكثر من 38 مليار دولار حتى عام 2024، استفاد منها أكثر من 10 ملايين شخص، غالبيتهم من النساء. كما توسعت أنشطته خارج بنغلاديش إلى عدة دول، بينها الولايات المتحدة، حيث يخدم آلاف المستفيدين.
إلى جانب دوره المالي، أطلق البنك مبادرات تنموية وبيئية، مثل برامج زراعة الأشجار، وأسهم في تعزيز فرص العمل ومنح التعليم، مع تركيزه على تمكين الفئات المهمشة ومكافحة الفقر من خلال توفير خدمات مصرفية عادلة ومستدامة.
من قول “لا البنك الدولي” حتى “نوبل”
ناقش مارك سكاوزن في كتابه “قوة الاقتصاد: كيف يُغيِّر جيل جديد من الاقتصاديين العالم؟”، فكرة يونس عن إنشاء هذا النوع من البنوك، مبيناً أنه “على مدى قرونٍ تبرَّع المصلحون والقائمون على الأنشطة الاجتماعية بملياراتٍ وأقاموا مؤسساتٍ معفاة من الضرائب لمساعدة الفقراء، إلا أن أشخاصاً مثل البروفيسور يونس، مدربين على مبادئ المحاسبة، والحوافز، والربح والخسارة، والادخار، والتعليم، يعلمون أن برنامجاً حقيقيّاً للقروض من بنكٍ ربحيٍّ يمكن أن يُجديَ حقّاً”.
كما كان يونس يرفض الحصول على أي قرض من البنك الدولي، حيث قال في كتابه: “نحن في بنك غرامين لم نكن نريد أو نقبل مطلقاً تمويل البنك الدولي؛ لأننا لا نحب طريقة إدارة البنك للعمل”، كما أنه لا يفضل المعونات الخارجية كثيراً، مؤكداً أن “معظم الدول الغنية تستخدم ميزانياتها للمعونات الخارجية في الأساس لتوظيف مواطنيها وبيع سلعها، في حين يأتي التفكير في الحد من الفقر لاحقاً، إن المشروعات المموَّلة من المساعدات تصنع بيروقراطياتٍ ضخمة، سرعان ما تصبح فاسدة وغير فعالة؛ مما يخلف خسائر ضخمة، فلا تزال أموال المساعدات تذهب لتوسيع حجم الإنفاق الحكومي، بما يتعارض في الغالب مع مصالح الاقتصاد السوقي، فتصبح المعونات الخارجية نوعاً من الإحسان للأقوياء وذوي النفوذ، في حين تزيد الفقراءَ فقراً”.
ورغم ذلك، حصد بنك “غرامين” عدداً من الجوائز الدولية تقديراً لدوره في مكافحة الفقر وتمكين الفئات المهمشة، إذ نال عام 1992 جائزة “الملك بودوان للتنمية الدولية” في بلجيكا تقديراً لإسهامه في دعم دور المرأة وتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
كما حصل على “جائزة غاندي للسلام” عام 2000 من الحكومة الهندية، إضافة إلى “جائزة تون عبد الرازق” في ماليزيا لدوره في إقراض الفقراء وتحسين حياتهم.
وفي عام 2006، تُوّج البنك بأبرز إنجازاته عبر فوزه بـ”جائزة نوبل للسلام”، تقديراً لجهوده في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفقراء، إلى جانب حصوله على جوائز أخرى محلية ودولية تعكس تأثيره في دعم التنمية الريفية والحد من الفقر في بنغلاديش.
كيف يعمل بنك الفقراء؟
يتميّز مصرف غرامين بنموذج فريد يجمع بين العمل الاقتصادي والرسالة الاجتماعية ويطلب من المقترض البدء بالعمل بعد أسبوع واحد من استلام قرضه وإن وفى ما أخذه يرفع رصيده للحصول على قرض آخر قد يكون أكبر قيمة، ويمكن تلخيص سماته كما يلي:
أولاً: مشروع اقتصادي بأهداف اجتماعية
رغم كونه مصرفاً برأسمال يُستخدم في تمويل القروض والاستثمارات، إلا أن هدفه الأساسي ليس الربح، بل تحقيق تنمية اجتماعية للفقراء من خلال تمكينهم اقتصادياً، عبر تمويل مشاريع صغيرة فردية وجماعية.
ثانياً: استهداف أفقر الفقراء
يركّز المصرف على فئة محددة جدًا تُعرف بـ”أفقر الفقراء”، وفق معيارين:
عدم امتلاك أرض زراعية أو امتلاك أقل من نصف فدان
ضعف الممتلكات بحيث لا تعادل قيمتها فداناً واحداً (4200.83 متراً)
وهذا يميّزه عن البنوك التقليدية التي تشترط ضمانات مالية، في حين يذهب غرامين إلى الفئات الأكثر تهميشاً (ويمكن أن تختلف الشروط بحسب الدولة والمكان).
ثالثاً: إشراك العملاء في الملكية والإدارة
يمتلك المقترضون حوالي 92% من أسهم المصرف، ويشكّلون غالبية مجلس الإدارة (9 من 13 عضواً) كما أنهم يحصلون على نصيب من الأرباح، وهذا يجعلهم ليسوا مجرد عملاء، بل شركاء حقيقيين في اتخاذ القرار.
كيف يسترد “بنك الفقراء” أمواله؟
يسترد بنك غرامين أمواله بأسلوب مختلف عن البنوك التقليدية، قائم على الثقة والتنظيم الاجتماعي بدل الضمانات القسرية، وذلك عبر عدة آليات:
1. الإقراض الجماعي
يُمنح القرض ضمن مجموعة صغيرة (عادة 5 أشخاص)، حيث:
كل فرد مسؤول أمام المجموعة، لا يحصل باقي الأعضاء على قروض جديدة إذا تعثر أحدهم، هذا يخلق ضغطاً اجتماعياً إيجابياً يدفع الجميع للسداد.
2. الأقساط الصغيرة المنتظمة
يتم السداد عبر دفعات أسبوعية صغيرة تتناسب مع دخل المقترض وتقل احتمالية التعثر لأن العبء ليس كبيراً.
3. المتابعة المستمرة
يعقد البنك اجتماعات دورية (أسبوعية أو شهرية) مع المقترضين يتم خلالها متابعة السداد ومناقشة المشكلات يمنع تراكم الديون أو التأخير.
4. الحوافز المستقبلية
المقترض الملتزم يحصل على قروض أكبر لاحقاً، والسداد يصبح مصلحة شخصية للمقترض.
5. بناء علاقة ثقة
لا يطلب البنك رهونات أو كفلاء تقليديين، بل يعتمد على الانضباط والعلاقة طويلة الأمد مع العميل
ولذلك فبنك غرامين أو الفقراء لا يسترد أمواله بالقوة، بل عبر نظام اجتماعي منظم يجعل السداد جزءاً من مصلحة الفرد والمجموعة معاً، وهو ما يحقق نسب سداد عالية جداً.
كم بلغت نسب السداد؟
وتعد نسب السداد في بنك الفقراء من الأعلى عالمياً بالنسبة لسداد القروض بما في ذلك القروض التي تحصل عليها الشركات الكبرى ويكون عليها فوائد ضخمة، إذ تتراوح نسب السداد عادة بين 95% إلى 98%، وفي كثير من التقارير الرسمية للبنك تُذكر نسبة تقارب 97%.
كيف كانت تجارب بنك الفقراء في اليمن؟
في عام 2002، تم استنساخ تجربة البنك البنغالي في اليمن عبر تأسيس بنك الأمل للتمويل الأصغر (وهو أول بنك من نوعه في اليمن والمنطقة وشمال إفريقيا)، يستهدف الفقراء وأصحاب المشاريع الصغيرة عبر تقديم قروض ميسّرة دون الاعتماد على الضمانات التقليدية، إلا أنه ينتهج ما يعرف بـ “القرض الحسن” أي القرض الخالي من الفوائد تماماً.
يُعد بنك الأمل من أهم التجارب في هذا المجال عربياً، إذ يركز على دعم الشباب والنساء والفئات الهشة من خلال القروض والخدمات المالية والتدريب.
وحتى عام 2026 يستمر البنك في النمو لأكثر من 15 عاماً، مع زيادة في أفرعه إلى 18 فرعاً في عموم اليمن، ولديه 15 شريك محلي ودولي، كما وقع اتفاقيات مع العديد من الجامعات اليمنية لتمويل الطلاب، مع حصول البنك على العديد من الجوائز بما في ذلك جائزة أفضل بنك رقمي في الشرق الأوسط لعام 2023، بحسب موقعه الرسمي.
وتجاوزت عدد حسابات الادخار في البنك 327 ألف حساب، في حين تُظهر تقاريره السنوية ومؤشراته التشغيلية استمرار التوسع والاستدامة المالية رغم الظروف الصعبة في اليمن، ويُعد من المؤسسات التي تحافظ على جودة محفظة تمويل مرتفعة ضمن قطاع التمويل الأصغر.
ولم يقتصر الأمر على بنك الأمل في اليمن حيث برزت “المؤسسة الوطنية للتمويل الأصغر” التي تقدم قروضاً وخدمات ادخار للفئات محدودة الدخل، إلى جانب برنامج “الاتحاد للتمويل الأصغر” الذي يستهدف الأسر والمزارعين لتحسين سبل العيش.
وتعمل هذه المؤسسات ضمن إطار أوسع تدعمه شبكة التمويل الأصغر في اليمن، التي تنسق بين الجهات العاملة وتسهم في تطوير القطاع. إضافة إلى ذلك، تلعب بعض المنظمات الاجتماعية مثل “اتحاد نساء اليمن” دوراً في تقديم التمويل الصغير وتمكين النساء اقتصادياً.
455
بنك الأمل للتمويل الأصغر في اليمن
هل يوجد تجارب عالمية أخرى؟
تمكن محمد يونس من نشر فكرته عالمياً، من خلال ظهور مؤسسات شبيهة تستلهم نموذج بنك “غرامين، من أبرزها:
بنك “بانكو سول” (بوليفيا): من أوائل البنوك التجارية التي تبنت التمويل الأصغر في أميركا اللاتينية.
“BRAC” (بنغلاديش): منظمة تنموية ضخمة تقدم قروضاً صغيرة وخدمات اجتماعية واسعة.
“أكسيون” (Accion International): شبكة عالمية تدعم مؤسسات التمويل الأصغر في عدة دول.
“كاشبور” (Cashpor Micro Credit): تعمل في الهند وتركز على تمويل النساء الفقيرات في المناطق الريفية.
“FINCA International”: مؤسسة دولية تقدم خدمات التمويل الأصغر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.
“غرامين أميركا” (Grameen America): فرع مستوحى من النموذج الأصلي يعمل داخل الولايات المتحدة.
هل يمكن تأسيس بنوك “تمويل صغيرة” أو بنوك “فقراء” في سوريا؟
تتوزع البنوك في سوريا بين بنوك عامة مملوكة للدولة وبنوك خاصة تابعة للقطاع الخاص، حيث تشكل البنوك الخاصة النسبة الأكبر من القطاع المصرفي، حيث يصل إجمالي عددها إلى 21 بنكاً منها 6 بنوك عامة، أبرزها المصرف التجاري السوري، إلى جانب 15 بنكاً خاصاً تُقدم خدمات مصرفية متنوعة تشمل الحسابات الجارية والتوفير والقروض وتلبية احتياجات الأفراد والشركات، ولا واحد منها يقدم قروضاً تشبه فكرة “التمويل الأصغر” أو “القرض الحسن” القائمة على المبدأ التنموي للأفراد الأقل دخلاً والأشد فقراً وتهمشياً في المجتمع السوري.
ويشكل بنك الفقراء أو التمويل الأصغر في سوريا خياراً واقعياً وضرورياً في مرحلة التعافي الاقتصادي، نظراً للحاجة الكبيرة لإعادة تنشيط الاقتصاد من القاعدة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر التي تقدر بـ 90 في المئة وفق أرقام الأمم المتحدة، مع اتساع فجوة الوصول إلى التمويل التقليدي الذي قد لا توفره البنوك التقليدية أصلاً في ظل القطاع المالي في سوريا والذي ارتبط بشبكات فساد واسعة في النظام المخلوع.
يقوم هذا النموذج على فكرة تمكين الفئات المهمشة، ولا سيما النساء والشباب، من الحصول على قروض صغيرة من دون ضمانات لبدء مشاريع إنتاجية بسيطة، ويمكن توضيح فكرة التمويل الأصغر عبر مثالين:
محل حلاقة لشاب
حصل شاب على قرض صغير بقيمة 1500 دولار لافتتاح محل حلاقة في إحدى المدن الصغيرة أو القرى. استخدم المبلغ لاستئجار محل صغير وشراء المعدات الأساسية مثل الكراسي والمرايا وأدوات الحلاقة، إضافة إلى تأمين مواد التشغيل الأولية.
بدأ العمل مباشرة واستهدف الزبائن في الحي بأسعار مناسبة، ومع مرور الأشهر بدأ يحقق دخلاً يومياً مستقراً مكّنه من تسديد القرض على أقساط صغيرة من دون ضغط كبير. بعد فترة، توسع المشروع بإضافة خدمات جديدة مثل كرسي حلاقة ثانٍ مع شريك بالنسبة أو أجهزة العناية بالبشرة وغسيل الشعر وبيع مستحضرات العناية وأدوات الحلاقة المنزلية، ما زاد من عدد الزبائن والأرباح.
طبخ منزلي لامرأة
حصلت سيدة على قرض صغير بقيمة 800 دولار لبدء مشروع طبخ منزلي. استخدمت المبلغ لشراء أدوات مطبخ إضافية مثل فرن صغير وأوانٍ حديثة، إلى جانب شراء مواد أولية بكميات أكبر بأسعار أقل. بدأت بتحضير وجبات منزلية وبيعها داخل الحي، ثم توسعت تدريجياً عبر التسويق على وسائل التواصل الاجتماعي واستقبال طلبات للمناسبات الصغيرة.
مع مرور الوقت، أصبح لديها عدد ثابت من الزبائن، ما وفر لها دخلاً يومياً مستقراً مكّنها من تسديد القرض على أقساط مريحة. لاحقاً، طورت مشروعها بإضافة أصناف جديدة وتوظيف مساعدة، وربما التوسع إلى مطبخ إنتاجي صغير.
هذه النماذج تعكس جوهر التمويل الأصغر، حيث لا يحتاج المشروع إلى رأس مال كبير أو ضمانات معقدة، بل يعتمد على مهارة الشخص وقدرته على إدارة عمل بسيط يحقق دخلاً مستداماً. كما يوضح كيف يمكن لقرض صغير أن يتحول إلى مصدر رزق ثابت، ويسهم في خلق فرص عمل إضافية لاحقاً، سواء عبر توظيف مساعد أو افتتاح فرع جديد.
وهو ما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد السوري الحالي الذي يعتمد بشكل متزايد على المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة. كما أن التجارب السابقة داخل سوريا، إلى جانب نماذج ناجحة عالمياً مثل “غرامين” وبنك الأمل في اليمن، تؤكد أن الطلب على هذا النوع من التمويل موجود وقابل للتوسع، خاصة مع إمكانية توظيفه في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعات المنزلية والخدمات المحلية.
ومع انحسار العقوبات والانفتاح التدريجي على الاستثمار، تبرز فرص حقيقية لدعم هذا النموذج من خلال شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية ورجال الأعمال الذين يطمحون لخدمة المجتمع وليس فقط للحصول على المزيد من الأرباح والمكاسب السياسية، إضافة إلى إدماج التكنولوجيا المالية لتسهيل الوصول إلى القروض عبر الهواتف المحمولة، وتعزيز الشمول المالي في المناطق التي تعاني من ضعف البنية المصرفية.
ما المشكلات المحتملة؟
وفي الحقيقة، قد يواجه تأسيس بنك فقراء للتمويل الأصغر في سوريا تحديات عديدة، أبرزها ضعف الإطار القانوني والتنظيمي، والتدهور الاقتصادي وارتفاع التضخم، وصعوبة تقييم الجدارة الائتمانية في ظل اقتصاد غير رسمي واسع وانعدام الإحصائيات، إضافة إلى محدودية التمويل، وضعف البنية التحتية المالية، وارتفاع مخاطر عدم السداد غير المشروطة، إلى جانب تحديات الثقة المجتمعية والحوكمة، ما يجعل نجاحه مرتبطاً بتحسين البيئة العامة وإيمان العاملين والمقترضين بجدوى العملية برمتها وليس مجرد إطلاق المؤسسة.
تلفزيون سوريا
—————————–
سوريا تدخل دهاليز البنك الدولي بحثا عن التمويل/ هيام علي
اتفاق لتطوير إدارة الاحتياطات والذهب ومساع للحصول على مليار دولار
صحافية مختصة في الشؤون الاقتصادية
الثلاثاء 21 أبريل 2026
يؤكد اقتصاديون سوريون أن التعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يشكل فضاء مهماً لتطوير القطاعين المالي والنقدي، وللنهوض بالواقع المؤسساتي في البلاد بما يساعد في إنجاز خطوات التعافي، والحصول على دعم مؤثر في مرحلة إعادة الإعمار.
تشهد العلاقات بين سوريا ومجموعة البنك الدولي تطوراً ملاحظاً، إذ تتركز أوجه التعاون في الفترة الحالية (2025-2026) على دعم جهود التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتطوير القطاعات الخدمية، إضافة إلى الدعم الفني والإصلاحات المالية.
سوريا تمكنت من تسوية ديونها للبنك الدولي والبالغة نحو 15.5 مليون دولار، مما أهلها للحصول على برامج تمويلية جديدة.
ومن دون أية نوايا بالاقتراض الخارجي حتى الآن، تسعى دمشق إلى الحصول على مساعدات على شكل منح تقارب مليار دولار من البنك الدولي لتمويل 10 مشاريع في البلاد، تحقق منها حتى الآن التوقيع على مشروع في قطاع الكهرباء بقيمة 146 مليون دولار، كما جرى إعلان التحضير لمنحة لصالح قطاع السكك الحديدية، إلى جانب مشروع لدعم المؤسسات المالية، في حين ينتظر عرض مشروعين جديدين في مجالي المياه والصحة على مجلس البنك الدولي قريباً تمهيداً لإقرارهما، وسط توقعات بأن تتوالى المشاريع لاحقاً.
المنح التي تسعى دمشق إلى الحصول عليها، سواء من البنك الدولي أم من مؤسسات أخرى، تحرص على أن تكون غير مشروطة وفقاً لتصريحات المسؤولين السوريين، في وقت تؤكد فيه الحكومة السورية أنها بعيدة كل البعد من سياسة القروض الدولية، وأنها لم تقترض منذ سقوط النظام السابق.
من المشاورات إلى الخطوات التنفيذية
أعلن مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية قتيبة قاديش أن مسار الشراكة بين سوريا وكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي انتقل من مرحلة المشاورات، إلى خطوات تنفيذية عملية على الأرض. وأضاف في تصريحات صحافية لوسائل إعلام محلية أن مشروع الطوارئ لقطاع الكهرباء دخل حيز التنفيذ بالتعاون مع وزارة الطاقة، مشيراً إلى أن اتفاق مشروع الإدارة المالية العامة قع من جانب البنك الدولي، بانتظار استكمال الإجراءات والتوقيع من الجانب السوري. وأوضح أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يوليان اهتماماً خاصاً بإصلاحات تتعلق بالشفافية والمساءلة، إضافة إلى تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات، مشيراً إلى أن من أبرز تحديات إعادة الاندماج في النظام المالي الدولي الالتزامات السابقة، وبناء القدرات، والامتثال للمعايير الدولية. وكان لافتاً ما قاله المسؤول السوري إن الإصلاحات الجارية في سوريا حالياً تمهد لانفراجة قريبة، وإن عدداً من الدول أبدت استعدادها لتقديم دعم فني لرفع قدرات المؤسسات.
تطوير إدارة الاحتياطات والذهب
في وقت يسعى فيه مصرف سوريا المركزي لاستكمال رفع العقوبات، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر حصرية أخيراً التوصل إلى اتفاق مع البنك الدولي، لتقديم دعم فني يهدف إلى تطوير إدارة الاحتياطات والذهب وتعزيز كفاءة القطاع المصرفي في البلاد. وقال حصرية، في منشور عبر حسابه على “فيسبوك”، إن اجتماعاً عقد مع فريق إدارة الأصول والخدمات الاستشارية واستشارات الاحتياطيات في البنك الدولي، برئاسة كاتارزينا كروسيا، جرى خلاله بحث آفاق التعاون الفني وسبل رفع كفاءة العمل المصرفي. وأوضح أن اللقاء أسفر عن اتفاق على تقديم مساعدة فنية متخصصة تستهدف قسم إدارة الاحتياط والذهب في المصرف المركزي، ضمن برنامج مخصص لدى البنك الدولي يركز على تطوير البنية المؤسسية وتعزيز كفاءة إدارة الأصول والاحتياطات.
وأشار حاكم المصرف المركزي إلى أن هذه الخطوة تأتي في ظل “المتغيرات الراهنة، ولا سيما رفع العقوبات”، وما يرافقها من فرص لإعادة تنشيط الاستثمار وتحسين إدارة الموارد المالية. وأضاف أن النقاشات تناولت أيضاً التطورات المرتبطة بوحدة البلاد وانعكاسها على تعزيز احتياطات العملات الأجنبية والذهب، مع توقعات بتحسن مستويات السيولة خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن الاتفاق يمثل بداية لمسار إصلاحي يستهدف تعزيز الاستقرار المالي ودعم جهود إعادة بناء الاقتصاد السوري.
يأتي ذلك في وقت يجري فيه التحضير لبعثات البنك الدولي المقبلة، بما في ذلك إعداد تحليل استدامة الدين، ومشاورات المادة الرابعة المرتقبة نهاية العام، إضافة إلى تطوير الإحصاءات الاقتصادية، ولا سيما بيانات القطاع الخارجي وميزان المدفوعات.
146 مليون دولار لقطاع الكهرباء
تركز سوريا في تعاونها مع البنك الدولي على دعم قطاعات البنى التحتية، وتمكنت في يونيو (حزيران) من العام الماضي من الحصول على منحة من البنك الدولي بقيمة 146 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء في سوريا، وتعد أول تمويل من نوعه منذ نحو 40 عاماً.
ويهدف المشروع إلى تحسين إمدادات الطاقة، وإصلاح شبكات النقل والتوزيع، وتعزيز التعافي الاقتصادي عبر دعم مؤسسات الطاقة.
تنسق وزارة النقل في سوريا مع البنك الدولي لتأمين منحة مالية للنهوض بقطاع السكك الحديدية، وقطعت شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، ومن المتوقع أن يصل الدعم المالي إلى أكثر من 200 مليون دولار سيجرى توظيفها في تحسين البنية التحتية، وتوريد القاطرات والتجهيزات، وتطوير قدرات كوادر الوزارة والمؤسسة.
ويأتي ذلك في إطار خطة لربط المناطق المنتجة بالمراكز الصناعية، وخفض كلفة النقل، وتعزيز التنافسية والاستدامة، مع التوجه نحو مرحلة التعافي الاقتصادي من خلال منظومة النقل السككي التي تربط المناطق داخل البلاد، وتلك التي تربط سوريا بدول الجوار، بما يعزز الموقع التجاري للبلاد في المنطقة.
التركيز على تكثيف المنح وتأجيل الاقتراض
يؤكد اقتصاديون سوريون أن التعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يشكل فضاء مهماً لتطوير القطاعين المالي والنقدي، وللنهوض بالواقع المؤسساتي في البلاد بما يساعد في إنجاز خطوات التعافي والحصول على دعم مؤثر في مرحلة إعادة الإعمار.
ورأى المتخصص المالي مالك سويدان أن ما تقوم به بلاده لجهة إعادة اندماجها بالقطاع المالي العالمي والعمل على حشد التأييد لمرحلة التعافي الاقتصادي في غاية الأهمية، ويشكل حال إصلاحية لا يمكن المضي قدماً من دونها، آملاً أن تتكلل الجهود المبذولة في هذا الإطار بعقد مؤتمر للمانحين خاص بسوريا، التي تحتاج إلى ما بين 200 و250 مليار دولار لإعادة الإعمار، وفقاً لما أعلنه وزير المالية السوري محمد يسر برنية، وهو رقم يلتقي مع تقديرات البنك الدولي أيضاً. وأشار إلى ضرورة تمويل جزء من عملية الإعمار عبر أموال تقدمها الدول المانحة، لافتاً إلى أن الظروف اليوم أفضل من حيث التطور المالي والاندماج الذي تمكنت سوريا من تحقيقه خلال الفترة الماضية، فضلاً عن أنها لم تعد دولة معاقبة. وأوضح أنه مع أهمية الابتعاد قدر الإمكان من الاقتراض، ينبغي التركيز على تكثيف الحصول على المنح غير المشروطة التي تستهدف تطوير قطاعات حيوية، بخاصة الصحة والكهرباء والمياه.
وقال إنه لا يمكن الجزم بأن نشاط وتعاون البنك الدولي مع سوريا سيقتصر على المنح والمساعدات الفنية فقط، متسائلاً عما إذا كان ذلك تمهيداً لقروض قادمة. وأضاف “أعتقد أن الاقتراض حتمي وربما يأتي في مراحل لاحقة، لكن المهم الآن هو التركيز على تقوية البنية المالية والمصرفية والمؤسساتية والاستثمارية، بحيث يجرى الاقتراض بصورة محدودة وضمن بيئة تتمتع بالشفافية والحوكمة، وتكون فاتورة القروض غير مرهقة اجتماعياً واقتصادياً، بخاصة أن كلفة الإعمار كبيرة ولا يمكن تغطيتها كلها من المنح والاستثمارات”. وتابع “آمل ألا تحتاج البلاد إلى الاقتراض، بخاصة بعد استعادة حقول النفط والحديث عن إنتاج يومي قد يصل إلى 800 ألف برميل في الأعوام المقبلة، وإن كنت أرى أن الاقتراض أمراً حتمياً، فالأفضل أن يقتصر على جوانب محدودة”. وأوضح المختص السوري أن معظم المنح التي قدمت إلى سوريا حتى الآن من البنك الدولي وغيره تجرى عبر وكالات الأمم المتحدة أو منظمات دولية، مشيراً إلى مطالبة الحكومة السورية بتوجيه الدعم مباشرة إلى مؤسسات الدولة، إلا أن الدول والمؤسسات المانحة تشترط وجود شفافية وحوكمة ورقابة موثوقة لضمان إدارة الأموال بالصورة الأمثل.
لذلك يبدو واضحاً أن مسار الحكومة حالياً، الذي يركز على إنجاز الإصلاحات المالية والنقدية والمؤسساتية، في غاية الأهمية لكسب ثقة المؤسسات الدولية، بخاصة المالية، بما يجعل التعاون مستقبلاً أكثر سلاسة، وفق المتحدث.
ولفت سويدان إلى نقطة مهمة تتعلق بالعقوبات التي رفعت كقرار سياسي، إلا أن الإجراءات الإدارية والتنظيمية ما تزال مستمرة داخل المؤسسات المالية الدولية، وهو ما يعمل المصرف المركزي على معالجته وفقاً لتصريحات مسؤولين حكوميين.
ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة
شاركت سوريا في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي التي عقدت أخيراً في واشنطن، وتضمنت اجتماع طاولة مستديرة خصصت لبحث الوضع في سوريا وخطط ومتطلبات التعافي، جرى خلالها تقديم عرض حول أولويات التعافي الوطنية أمام الدول الصديقة والمؤسسات الدولية الراغبة في دعم الاقتصاد السوري.
وقدم الوفد السوري، الذي ضم وزير المالية وحاكم مصرف سوريا المركزي، أولويات التعافي مترافقة بمجموعة من البرامج والمشاريع التي تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية وتعزيز قدرات المؤسسات.
وتركز الحكومة السورية، وفقاً لما أعلنه وزير المالية محمد يسر برنية، على ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة، تتمثل في بناء القدرات، وإدارة الدين بصورة مستدامة، وتعبئة مزيد من المنح والتمويل الميسر، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص، والعمل على إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين يكون الأداة الرئيسة لتوجيه موارد المانحين نحو أولويات التعافي.
وأعلن الوزير مقترح لدعوة جميع الشركاء إلى مؤتمر دولي كبير لإعادة الإعمار في سوريا، مشيراً إلى وجود تفاهمات أولية في شأن عقده خلال الأشهر المقبلة بدعم من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، ليكون فرصة تعرض خلالها الحكومة السورية التزاماتها الإصلاحية وجاهزيتها المؤسسية وقدرتها على استيعاب الاستثمارات وإدارتها بكفاءة، ويعلن فيه المجتمع الدولي الموارد والتمويلات التي يمكن للبلاد الاعتماد عليها في تخطيط وتنفيذ تعافيها.
أوجه التعاون بين سوريا والبنك الدولي
تنتظر سوريا هذا العام قدوم عدد من البعثات الفنية من البنك الدولي ست بعثات للمضي قدماً في صياغة أوجه التعاون بين الجانبين، التي تركز بصورة أساس على تمويل المنح والمشاريع في قطاعات حيوية تشمل الطاقة والمياه والتعليم والصحة والنقل، مع تمويل محتمل بقيمة مليار دولار لهذه المشاريع.
يتناول التعاون الجانب المالي والمصرفي بهدف تطوير قدرات وزارة المالية السورية، بخاصة في مجال إصدار سندات وصكوك الخزانة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي مجال التمويل الفني والإصلاحات، يبحث الجانبان توفير تمويل وتسهيلات مالية لبناء قدرات المؤسسات الحكومية، والانتقال إلى خطوات تنفيذية في الإصلاحات المالية.
وأخيراً، يمكن الحديث عن الدعم الفني والدراسات، إذ يقدم البنك الدولي “المرصد الاقتصادي السوري”، وهو منشور نصف سنوي يوفر تحديثات وتحليلات حول التطورات الاقتصادية والأخطار والسياسات.
وجرى الاتفاق على فتح مكتب دائم للبنك الدولي في دمشق لمتابعة المشاريع والمساعدات الفنية، في إطار تفعيل العلاقات مع مؤسسة التمويل الدولية ووكالة ضمان الاستثمار.
————————————-
حاكم المركزي يؤكد ضرورة تنظيم مهنة الصرافة وتوفير بيئة “مهنية مستقرة ومنضبطة”
أبريل 22, 2026
قال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، إن قطاع الصرافة يُعد أحد الركائز الأساسية في دعم حركة التجارة والتحويلات المالية، وفي تعزيز الاستقرار المالي والنقدي في سوريا، مؤكداً أن تطوير هذا القطاع بات ضرورة لتعزيز الثقة بالنظام المالي ودعم الاستقرار الاقتصادي.
وأضاف الحصرية في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، أن هذا القطاع واجه خلال السنوات الماضية تحديات متراكمة، أبرزها تقلبات سعر الصرف، واتساع نطاق الأسواق غير الرسمية، وضعف التنسيق المؤسسي بين شركات الصرافة المرخصة.
وأشار إلى أن غياب إطار مهني جامع أدى إلى تشتت الممارسات في السوق، وتراجع مستوى التنسيق مع المصرف المركزي، إضافة إلى محدودية نشر أفضل الممارسات ومعايير الامتثال، وضعف القدرة على الحد من الأنشطة غير النظامية.
ولفت الحصرية إلى أنه وضع مشروع قانون الصرافة رقم 24 لعام 2006، الذي شكّل “نقلة نوعية” في تنظيم مهنة الصرافة لأول مرة في سوريا بشكل حديث منذ عام 1955، موضحاً أن هذا القانون ألغى القانون رقم 24 لعام 1986، الذي كان يجرّم ممارسة مهنة الصرافة بعقوبات مشددة وصلت إلى الاعتقال لمدد طويلة قد تصل إلى 25 عاماً.
وأوضح أن القانون الجديد جاء ليُعيد تنظيم المهنة ضمن إطار قانوني ورقابي واضح، ويتيح ممارسة النشاط بشكل مشروع ومنظم ضمن ضوابط محددة، وكان من المفترض أن يؤدي إلى مرحلة جديدة في تنظيم قطاع الصرافة، قائمة على الانتقال من التجريم إلى التنظيم، ومن العشوائية إلى الإطار المؤسسي والرقابي، لكن فساد النظام المخلوع ومؤسساته حال دون تطبيق مهني للقانون وعطّله.
وتابع: “اليوم، ومع تطور التحديات التي تواجه السوق، تبرز الحاجة إلى المضي قدماً في تعزيز تنظيم المهنة وتمكين العاملين فيها من العمل ضمن بيئة مهنية مستقرة ومنضبطة، وذلك بما ينسجم مع استراتيجية مصرف سوريا المركزي، لا سيما الركيزة الثانية التي تركز على بناء سوق صرف متوازن وشفاف”.
وشدد على أن تطوير البنية المؤسسية والمهنية للقطاع يمثل خطوة أساسية لتعزيز الاستقرار النقدي، وترسيخ التعامل عبر القنوات الرسمية، ودعم كفاءة السوق.
——————————
“رحلة قاسيون”.. مشروع يشق طريقه بلا أرقام
نسبة الإنجاز 80% و7000 فرصة عمل
أطلقت محافظة دمشق بالتعاون مع وزارة السياحة السورية، في 21 من نيسان، مشروع “رحلة إلى قاسيون”، في حفل رسمي بدار الأوبرا في دمشق.
ويأتي إطلاق المشروع بعد نحو عام من بدء الأعمال في الموقع، دون معلومات واضحة حول ماهية المشروع والجهة المنفذة.
وغاب في تصريحات المسؤولين السوريين، في الحفل الذي حضرته عنب بلدي، أي تفاصيل جوهرية عن المشروع مثل:
الكلف التقديرية النهائية للمشروع.
الكلف التي تم إنفاقها من قبل محافظة دمشق على تأهيل البنى التحتية من جدران استنادية وطرقات وكهرباء ومياه وصرف صحي.
الجدوى الاقتصادية من المشروع الكلي.
مصدر التمويل.
هوية الشركات التي سيتم التعاقد معها.
تلفريك ومرآب طابقي ومسرح أطفال
وفقًا للعرض الذي جرى تقديمه في بداية الحفل تضمنت المشاريع المعلنة من قبل محافظة دمشق:
1 – مشروع تلفريك
ينطلق من حديقة الأمويين (تشرين سابقًا)
يتجه نحو جبل قاسيون
بطول يبلغ 2.4 كم
2 – تنفيذ مرآب (موقف سيارات) تحت الأرض داخل حديقة الأمويين
3 – تحسين منظومة النقل الداخلي
نقل المواطنين عبر وسائل نقل جماعي
من موقف حافلات الربوة
ومن محطة حديقة النيربين
ومن محطة حديقة الامويين
4 – تأهيل وتنفيذ حديقة الشامي
تقع شمال المنطقة باتجاه المشفى
تمتد نحو طريق الجندي المجهول
5 – أكشاك ومحال تجارية
6 – إنشاء مدرج ومسرح للأطفال على سفح قاسيون
مخصص للأنشطة الترفيهية والثقافية
تنظيم فعاليات ثقافية وترفيهية
تشمل منتديات وأنشطة متنوعة
وخدمات المشروع وفقًا للعرض:
نقاط أمنية.
نقاط طبية.
دفاع مدني.
مسجد قاسيون.
عربات نقل كهربائية للمشروع.
كرنفالات ترفيهية.
عربات طعام، وأماكن مخصصة للشواء.
مرافق عامة.
إدلبي : 70% من مشروع قاسيون مجاني
قال محافظ دمشق ماهر مروان ادلبي، في كلمة له خلال الحفل، إن المشروع يضم محاور طبيعية وثقافية وخدمية وتجارية، منها جلسات عامة مجانية، ومسارات للمشاة، وجادة للابتكار المخصصة للشباب، ومساحات للحرف اليدوية، إضافة إلى خدمات عامة ومسارات مهيأة لذوي الإعاقة.
وأكد أن 70% من المشروع مجاني ومتاح للجمهور، مع توفير بنى تحتية جديدة للكهرباء والصرف الصحي لضمان سلامة الموقع واستدامته.
ونفى المحافظ إدلبي منح أي فرص استثمارية في المشروع باستثناء مشروع المرائب، ولكنه أضاف أن بقية الفرص ستُطرح عبر منصة إلكترونية تعتمد معايير واضحة وشفافة، دون أن يعلن متى سيتم إطلاق المنصة.
وكشف المحافظ عن وجود أكثر من 7000 فرصة عمل، ومئات الفرص الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة ضمن المشروع، مؤكدًا أن نسبة الإنجاز مرتفعة، وأن الافتتاح المستهدف لمعظم المحاور سيكون مع نهاية صيف 2026.
وأشار محافظ دمشق إلى اهتمام الرئيس السوري أحمد الشرع بالمشروع، وحرصه على إشراك الكفاءات السورية في تنفيذه، ليكون مشروعًا وطنيًا بامتياز، معتبرًا أن هذا المشروع يأتي مكملًا لأولويات المحافظة في البنى التحتية والخدمات وإعادة المهجرين، وليس بديلًا عنها، وأن المحافظة تعمل منذ التحرير على تحسين الطرق والصرف الصحي والكهرباء والمدارس.
وزير السياحة: سوريا ستدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية
قال وزير السياحة مازن الصالحاني في تصريح للصحفيين، إن منطقة جبل قاسيون ستشهد إقامة أول مشروع يدخل في كتاب غينيس للأرقام القياسية، مبينًا أنه تم توجيه دعوة لممثلي كتاب غينيس وحضروا الحفل واطلعوا على تفاصيل المشروع وأعربوا عن دعمهم للفكرة التي سيتم الإعلان عنها في حفل آخر، وسترفع اسم سوريا عاليًا.
لكنه لم يحدد أي المشاريع بدقة الذي ينافس لدخول الموسوعة.
وأشار الصالحاني إلى أن الكثير من المستثمرين يقدمون مبادرات للوزارة التي أبوابها مفتوحة للجميع وتدعم كل المستثمرين ومن لديه رؤية.
وأضاف إن مشروع قاسيون سيكون حاضنة للأعمال والابتكارات والاختراعات ونقل آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا بأيدي سوريا، وبـ”صفر فساد”، وستطرح هناك منصة إلكترونية شفافة تكون عقود الاستثمار فيها واضحة والتقديم يكون عبرها.
البنى التحتية في قاسيون
كشف معاون محافظ دمشق، المهندس معمر دكاك، عن تفاصيل فنية وهندسية تتعلق بأعمال التأهيل الجارية في جبل قاسيون، مشيرًا إلى أن المشروع يحمل “بعدًا سرديًا إلى جانب طابعه العمراني”، حسب وصفه.
وأكد دكاك أن نسبة إنجاز الأعمال الإنشائية والبنى التحتية تجاوزت 80%.
وقال إن فرق المحافظة بدأت بالكشف على المواقع التي كانت مغلقة وغير قابلة للوصول خلال فترة النظام البائد، وتم إعداد رؤية واضحة بإشراف محافظ دمشق وفريق المصممين المختصين.
مواقع مهملة وبنى غير آمنة
تم الكشف على مواقع في قاسيون لم تكن متاحة سابقًا لكوادر محافظة دمشق، وأظهرت المعاينات أن ما كان يُعرف بـ”الاستراحات” هو عبارة عن منشآت بدائية:
بلاطات بيتونية مرتكزة على براميل مملوءة بالحجارة.
تفتقر لأدنى شروط السلامة الإنشائية.
شكّلت هذه البنى خطرًا محتملًا على السكان القاطنين أسفل الجبل.
وأوضح دكاك أن الموقع كان يفتقر إلى هوية معمارية تليق بأهمية قاسيون، ما دفع إلى تبني رؤية تصميمية جديدة بإشراف محافظ دمشق وفريق من المختصين، تهدف إلى:
إعادة صياغة المشهد البصري.
مواءمة التصاميم مع طبيعة التضاريس.
تعزيز البعد الجمالي والوظيفي للموقع.
وقال دكاك إن المحافظة أعدت دراسات هندسية متقدمة، ونفذت أعمالًا تحضيرية، تضمن:
إعداد دراسات تفصيلية للتربة.
إجراء اختبارات جيوتقنية وجيوفيزيائية.
تدعيم التربة.
تثبيت المنحدرات.
تجهيز الأساسات والبلاطات وفق معايير هندسية آمنة.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات ساهمت في:
حماية السكان أسفل الجبل.
ضمان سلامة الزوار مستقبلًا
التعاون مع جامعة دمشق ونقابة المهندسين والخدمات
وأكد معاون محافظ دمشق أن هذه الأعمال جميعها تمت بتعاون مؤسساتي واسع، وشهد المشروع مشاركة عدة جهات أكاديمية ومهنية، أبرزها:
جامعة دمشق، التي قدمت خبراء للمساهمة في إعداد الدراسات.
نقابة المهندسين، التي أعدت تقارير السلامة الإنشائية، وتدقيق الأعمال والمصادقة عليها.
مؤسسات خدمية نفذت شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.
وأشار إلى أنه تم تنفيذ خط صرف صحي مستقل عن شبكة منطقة المهاجرين، وإنشاء خطوط كهرباء رئيسية منفصلة عن الشبكات القائمة، وذلم بهدف عدم الضغط على البنية التحتية الحالية.
وتمثل أبرز التحديات، بـ:
صعوبة العمل في المناطق المنحدرة.
ضمان عدم حدوث انهيارات أثناء التنفيذ.
وأكد دكاك أنه تم تجاوز هذه العقبات بفضل الإجراءات الاحترازية والخبرة الفنية.
محافظة دمشق تنفي تنفيذ استثمارات في قاسيون
نفت محافظة دمشق، في حزيران 2025، تنفيذ استثمارات جديدة في سفح جبل قاسيون بعد الأخبار المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول الأعمال الجارية به، والجدل الذي أحدثته تكهنات حول طبيعة الأعمال الجارية على سفح جبل قاسيون.
وقالت المحافظة إن ما يحصل هو إعادة تأهيل الطريق العمومي المعروف في أعلى سفح الجبل بطول 960 مترًا، وهو مطابق لمعايير السلامة والسياحة العامة، ويتناسب مع طبيعة الجبل من بقاء مظهره “المهيب في عيون أهالي وزوار العاصمة دمشق”.
وانطلق مشروع التأهيل من مبدأ أمن وراحة الزوار وسلامة الساكنين على سفحه بالدرجة الأولى، بحسب الوزارة حينها.
خطة العمل في قاسيون
بيان محافظة دمشق، في حزيران 2025، أشار إلى أنه بناء على تقارير وخبرات المهندسين، وعلى عمل وتقرير اللجنة الفنية المكلفة، ستكون خطة العمل وفق ما يلي:
ترميم وتأهيل شامل للعشوائيات القديمة تأهيل مبنى مايسمى “لا مونتانا”، وهي منشأة قائمة من سنوات طويلة، دون إضافة طوابق أو تغيير الاستخدام، مبينة أن ما يشاهد من شدات خشبية هو لأغراض التدعيم فقط.
تنفيذ جدران استنادية وأسقف بيتونية مصمتة مدروسة هندسيًا حفاظًا على معايير الأمن والسلامة والإنشائية، وتدعيم القطع الصخري الغربي بجدار بيتوني بطول 80 مترًا لحماية الزوار من الانهيارات.
إنشاء جلسات شعبية مجانية وأخرى سياحية تصميم مصاطب مفتوحة للعائلات، عدا عن تحسين البنية المرورية عبر إنشاء مرآب طابقي وفق دراسة مرورية لتخفيف الضغط عن الطرقات المحيطة.
إزالة القواعد القديمة التي كانت تستند إلى براميل مهترئة وأرضيات متشققة قابلة للانهيار على الأهالي.
إنشاء شبكة تصريف مياه حديثة وتأهيل شبكات مياه وكهرباء وخدمات عامة ومرافق صحية وطبية، واعتماد نظام ري بالتنقيط لجمع المياه الفائضة ومنع هبوط التربة.
وأثار تأهيل “جبل قاسيون” منذ إطلاقه تساؤلات عديدة تتعلق بالشركة المنفذة، إن كانت حكومية أم خاصة.
———————-
توقع ببلوغ الدولار 15 ألفاً… إلى أين تتجه الليرة السورية؟/ هبة الكل
الأربعاء 2026/04/22
يعيش الشارع السوري صدمة جديدة تؤرق الظروف المعيشية والاقتصادية، في وقت يجري فيه الحديث عن رفع العقوبات، والدخول في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وسط آمال في تحسن سعر الصرف وارتفاع قيمة الليرة. إلا أن التطورات الإقليمية والسياسية فرضت كلمتها، إذ بدأت قيمة الليرة تمضي في تقلبات ملحوظة من الانخفاض التدريجي،عاكسة بذلك حالة من القلق والخوف تجاه الوضع النقدي والمالي الراهن.
على الرغم من استمرار المصرف المركزي في تثبيت سعر صرف الدولار عند مستوى 11100 ليرة مع بداية العام الجاري، ظلت أسعار الصرف في السوق الموازية تشهد تذبذباً كبيراً حتى في اليوم الواحد. ففي كانون الثاني، سجل سعر الدولار نحو 11890 ليرة، ليغلق في اليوم التالي على 12000 ليرة. ومع حلول 23 مارس، لم ينخفض سعر الصرف عن 12000 ليرة ليواصل ارتفاعه تدريجياً متجاوزاً حاجز الـ 13000 ليرة.
تأتي هذه التقلبات في قيمة العملة السورية في وقت حساس، حيث تشهد البلاد مرحلة جديدة من التعافي بعد رفع العقوبات الأوروبية والأمريكية منتصف العام الماضي، وهذا ما يثير تساؤلات ومخاوف اقتصادية تتعلق بتأثيرات هذا التضارب على المعاملات المالية والتبادلات التجارية.
صدمة مالية
وفي تصريح خاص لجريدة “المدن” الإلكترونية، كشف مصدر مطلع في المصرف السوري المركزي أن انخفاض سعر الليرة وتذبذبها يرجعان إلى سياسة “الصدمة” التي تعيشها الليرة بين واقع انفتاحي وتركة خلفها نظام الأسد سحبت الثقة من القطاع المصرفي، إضافة إلى أن المال المنهوب والمهرب من البلد يشكل مزيداً من الضغط على الليرة وفقد للقطع الأجنبي.
وأشار المصدر إلى أن تحقيق الاستقرار، والعودة إلى النظام المالي العالمي، يتطلبان وقتاً وأرضية مصرفية تمتثل للمعايير الدولية، وهو ما يعمل المصرف المركزي عليه، متوقعاً الإعلان عن التزام المصارف السورية بالمعايير المالية والنقدية الدولية في الشهور القادمة، ما يسهم في تحسين سعر الصرف.
آثار اقتصادية وتبعات
ويوضح الخبير الاقتصادي يونس الكريم، أنّ مرحلة “ما بعد رفع العقوبات” هي مرحلة اقتصادية أكثر تعقيداً من ناحية آثار العقوبات بالرغم من إزالتها. ويعتقد أنّ غياب بنية قانونية وخطط اقتصادية فعالة، إضافة إلى ظروف الواقع السياسي والأمني في البلاد، مع انعدام الثقة بالسياسات الاقتصادية، جميعها أسباب تؤثر على سعر الصرف.
من جانبه يشرح الخبير الاقتصادي ماجد شرف آثار رفع العقوبات في زيادة تدفق العملة الصعبة، حيث شهدت الليرة السورية ارتفاعاً ملحوظاً وصل إلى نسبة 40% مقابل الدولار نتيجة انخفاض سعر الصرف، وأدى ذلك إلى انسياب الحوالات المالية والإقبال على شراء الليرة، إلا أن تحسن السعر كان متوقعاً بشكل أكبر وتوقف عند حدود 20-30% لاستمرار المضاربة والضعف الهيكلي أمام عودة الاستثمارات.
سياسات غير واضحة!
ويشير الخبير الاقتصادي د. خالد حمدي إلى عدة عوامل تساهم في انخفاض قيمة الليرة، ومنها السياسات الاقتصادية المتشددة والتي تدفع إلى تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج، وتبعد التّجار عن التعامل مع البنوك السورية، منوهاً بإصدار كميات كبيرة من الليرة، من دون أن تقابلها زيادة سلعية أو قطعية أجنبية، الأمر الذي ساهم في التضخم الاقتصادي، خصوصاً في حالة عجز الإنتاج المحلي عن تغطية الحاجات، وهذا ما يزيد الطلب على الدولار.
وحمّل الخبير الاقتصادي الكريم السياسات الاقتصادية المتبعة جزءاً من المسؤولية حول سعر الصرف بسبب الاعتماد على الاستثمار الخارجي، وغياب بنية تشريعية ونظام اقتصادي واضح المعالم، خصوصاً في ظل وجود حكومتين اقتصاديتين، إحداهما تتمثل في الهيئات العامة، والصناديق الاقتصادية لناحية الاستثمارات، والحكومة الأخرى تتجلى في المؤسسات التقليدية للدولة، إضافة إلى دور عملية استبدال العملة السورية في بيئة ليست مستقرة مالياً ومصرفياً.
وينوه الباحث شرف بالدور السلبي في عدم التدخل المباشر من المصرف المركزي، وهذا ما يترك سعر الصرف لقوى السوق، من دون أدوات كبح مثل رفع الفائدة أو تعزيز الاحتياطيات، فتزداد المضاربة ويستمر التذبذب حتى بعد رفع العقوبات.
هرمز وتحديات إقليمية
كما شكلت الحرب على إيران تحديات اقتصادية على معظم دول المنطقة بما فيها سوريا، وعليه يؤكد الخبير الكريم أن لإغلاق المضيق تأثيراً مركباً لجهة رفع أسعار النفط عالمياً، واستنزاف ما تبقى من القطع أجنبي، ومن جهة أخرى، لجهة توقّف المساعدات الخليجية وخطط الاستثمار الحكومية نتيجة الحرب والدمار الذي لحق بالبنى التحتية للدول المانحة.
في هذا السياق، يوضح الباحث شرف أن تأثير إغلاق مضيق هرمز مع ارتفاع أسعار النفط شكل صدمة خارجية للاقتصاد السوري الهش، وفاقم التضخم وضغط على الليرة السورية بشكل مباشر، إذ ارتفعت تكاليف الاستيراد بنسبة 20-30% ، وهذا ما انعكس بدوره على أسعار الديزل والغاز والغذاء في سوريا، مؤكداً أن إغلاق هرمز أدى إلى تضخم جيوسياسي بزيادة الطلب على الدولار، وهذا ما أضعف قيمة الليرة السورية بالرغم من رفع العقوبات، مشدداً على أنّ الخطر الأكبر يكمن في تراجع القدرة الشرائية بنسبة 20% إضافية، مع توقعات بأزمة كهرباء حادة هذا العام.
مؤشرات مستقبلية
وترجّح تقديرات الخبراء الاقتصادية استمرار انخفاض قيمة الليرة. فالخبير الكريم ينطلق من نقطة إهمال السياسات الاقتصادية، وملف الاستثمار بطريقة غير صحيحة، إضافة إلى مزيد من الطلبات للقطع الأجنبي لتأمين الموارد الأساسية.
فيما يتوقع الخبير شرف تراجع قيمة الليرة إلى (14-15) ألف ليرة مقابل الدولار لنهاية 2026، مرشحاً انخفاضها بشكل تدريجي نتيجة عوامل جيوسياسية متصلة لناحية إغلاق المضيق وارتفاع أسعار النفط مع توقع تضخم الاستيراد خلال الأشهر القادمة.
وبالرغم من الواقع الاقتصادي المعقد، يقدم الخبراء الاقتصاديون جملة من الحلول لتخفيف انعكاسات انخفاض قيمة الصرف والعمل على تثبيته، عبر إصلاحات نقدية ومالية سريعة، إلى جانب الإفراج عن الودائع المحتجزة في البنوك وإعادة هيكلتها، مع تحرير استيراد المواد الأولية لتشجيع تصدير الفائض من السلع، ما يخلق فرص العمل والطلب على العملة الوطنية.
المدن
———————————
المركزي السوري ينفي حصر الحوالات بالليرة
الأربعاء 2026/04/22
نفى حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، في تصريح لـ”وكالة الأنباء السورية” (سانا) اليوم، صحة الأنباء المتداولة عن حصر تسليم حوالات القطع الأجنبي بالليرة السورية.
وأمس الثلاثاء، تداولت صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي معلومات غير صحيحة عن أن تسليم الحوالات للمواطنين سيكون حصراً بالليرة السورية في جميع شركات ومكاتب الصرافة والحوالات، اعتباراً من اليوم.
وفي وقت سابق، أكّد الحصرية أن المهمة الأساسية للمصرف تتركّز على صون الاستقرار النقدي، باعتباره الأساس لأي مسار تعافٍ اقتصادي وإعادة إعمار بشكل مستدام.
وقال إنَّ السياسات النقدية ترتكز على كبح التضخم وتعزيز استقرار سعر الصرف والحفاظ على القوة الشرائية للعملة الوطنية، بما يعزز الثقة بالاقتصاد ويوفر بيئة مناسبة للاستثمار والإنتاج.
وشدد الحصرية على أن أي مسار للتنمية أو إعادة الإعمار لا يمكن أن ينجح من دون استقرار نقدي
——————————
================
تحديث 21 نيسان 2026
———————————
الخصخصة في سوريا بين الإصلاح والاستقرار/ يحيى السيد عمر
أبريل 21, 2026
يواجه الاقتصاد السوري تحديات تَفْرض إعادة النظر في كيفية إدارة الاقتصاد ودور الدولة فيه، في ظل ضغوط على الموارد العامة وتراجع أداء العديد من القطاعات الإنتاجية. هذا الواقع دفع إلى طرح الخصخصة كأحد المسارات الممكنة لإعادة تنشيط الاقتصاد، ليس بوصفها حلًّا جاهزًا، بل كأداة يمكن أن تُسهم في تحسين الكفاءة إذا أُحْسِن استخدامها ضمن رؤية متكاملة.
ترتبط الخصخصة في الوعي العام بصورة سلبية تشكَّلت عبر تجارب متعدِّدة في دول مختلفة؛ حيث ارتبطت في بعض الحالات بارتفاع تكاليف المعيشة أو تقليص فرص العمل أو انتقال الأصول العامة إلى نطاق محدود من المستثمرين. وقد نشأت هذه الصورة نتيجة تجارب لم تُبْنَ على أُسُس تنظيمية واضحة؛ إذ جرى تنفيذ عمليات بيع سريعة لمؤسسات الدولة دون ضوابط كافية؛ ما أدَّى إلى انتقال جزء كبير من الثروة إلى شريحة محدودة، وحرمان الاقتصاد من الاستفادة الحقيقية من تلك الأصول. في المقابل، أَظْهرت تجارب أخرى أن الخصخصة يمكن أن تؤدي دورًا إيجابيًّا في تحسين الأداء الاقتصادي وتعزيز النمو.
في هذا السياق، تُقدِّم تجارب دول مثل تركيا وماليزيا نماذج استطاعت من خلالها الخصخصة المساهمة في تطوير قطاعات إنتاجية وخدمية، ورفع كفاءة الإدارة، وجذب استثمارات نوعية، ضمن تنظيم واضح ورقابة فعَّالة. وعلى النقيض من ذلك، أَظْهرت تجربة روسيا في تسعينيات القرن الماضي أن تسريع عمليات الخصخصة دون ضوابط كافية قد يؤدي إلى اختلالات واسعة؛ حيث تحوّلت العملية في بعض مراحلها إلى إعادة توزيع غير متوازنة للأصول؛ ما انعكس على البنية الاقتصادية والاجتماعية لسنوات طويلة.
هذا التباين في النتائج يُوضِّح أن الخصخصة ليست نموذجًا ثابتًا، بل هي أداة تتغيَّر آثارها وفق أسلوب التطبيق والتنظيم الذي تُنفَّذ ضمنه. وعند النظر إلى الحالة السورية، يصبح التعامل مع هذا الملف مرتبطًا بضرورة تحقيق توازن دقيق بين متطلّبات الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، في ظل بنية اقتصادية ما زالت تعتمد بشكل واسع على القطاع العام.
يُمثّل القطاع العام في سوريا ركيزةً أساسيةً في سوق العمل؛ حيث يستوعب عددًا كبيرًا من العاملين، في حين تعاني العديد من مؤسساته من انخفاض الكفاءة وارتفاع التكاليف التشغيلية، إلى جانب انتشار البطالة المُقنّعة التي تؤثر على مستويات الإنتاجية. هذا الواقع يضع عملية الإصلاح أمام تحدٍّ مُزدَوج يتمثَّل في تحسين الأداء الاقتصادي دون الإخلال بالتوازن الاجتماعي.
ضمن هذا الإطار، لا تبدو الخصخصة الشاملة خيارًا عمليًّا، خاصةً في القطاعات المرتبطة بشكل مباشر بحياة المواطن اليومية، مثل الطاقة والمياه والصحة والتعليم. هذه القطاعات تُمثّل خدمات أساسية لا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق السوق؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى اضطرابات في مستوى الخدمة وانعكاسات مباشرة على الفئات الأقل قدرة. في المقابل، يمكن توسيع دور القطاع الخاص في مجالات الإنتاج والخدمات؛ حيث تتوفَّر مساحة أكبر لتحسين الكفاءة ورفع الجودة.
تتَّخذ الخصخصة أشكالًا متعددة لا تقتصر على نقل الملكية الكاملة، بل تشمل الشراكات بين القطاعَيْن العام والخاص، وتحويل المؤسسات العامة إلى شركات مملوكة للدولة تعمل وفق أُسُس تجارية، إضافةً إلى منح امتيازات تشغيلية للقطاع الخاص ضمن شروط مُحدَّدة. هذه النماذج تسمح بإدخال الخبرات والاستثمارات دون التخلّي الكامل عن الأصول العامة، وتمنح الدولة قُدرةً أكبر على التحكُّم في المسار العام للإصلاح.
يُسهم اعتماد هذه النماذج في تحسين الأداء الإداري وتحديث آليات العمل، من خلال إدخال معايير الكفاءة والرقابة المالية؛ ما يساعد على تقليل الهَدْر ورفع الإنتاجية. كما يُتيح هذا التوجُّه جذب رؤوس الأموال ونقل الخبرات، وهو ما تحتاج إليه سوريا في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد، إلى جانب تخفيف الضغط عن الموازنة العامة وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية.
في المقابل، تبرز تحديات أساسية تتعلَّق بسوق العمل؛ حيث إن انتقال جزء من النشاط الاقتصادي إلى القطاع الخاص قد يؤدي إلى تقليص حجم العمالة، خاصةً في ظل وجود بطالة مُقنّعة داخل عدد من مؤسسات القطاع العام. هذا التحوُّل قد ينعكس على مستويات الدخل والاستقرار الاجتماعي؛ ما يستدعي وجود سياسات مرافقة تضمن إدارة هذا الانتقال بشكل تدريجي ومدروس، من خلال برامج إعادة التأهيل ودعم فرص العمل الجديدة.
كما يعتمد نجاح أيّ مسار للخصخصة على توفُّر بيئة اقتصادية مساندة، تشمل استقرارًا تشريعيًّا ونظامًا ماليًّا قادرًا على دعم الاستثمار، وبنية تحتية ملائمة للنشاط الإنتاجي. في غياب هذه العناصر، قد تتحوَّل عملية الإصلاح إلى عِبْء إضافي بدلًا من أن تكون أداةً للتطوير، خاصةً في ظل محدودية القدرة الشرائية في السوق المحلي.
وتُشير التجارب الدولية إلى أن تحقيق نتائج إيجابية يتطلَّب الحفاظ على توازن واضح بين دور الدولة والقطاع الخاص؛ حيث تُركِّز الدولة على التنظيم والرقابة وضمان المنافسة ومنع الاحتكار، مع الإبقاء على ملكيتها للقطاعات الإستراتيجية، بينما يتولَّى القطاع الخاص دورًا أوسع في مجالات الإنتاج والخدمات ضمن إطار منضبط يُحقِّق الكفاءة دون الإضرار بالاستقرار الاجتماعي.
في الحالة السورية، يبرز خيار التدرُّج كنهج أكثر ملاءمة؛ حيث يُتيح تنفيذ خطوات إصلاحية تدريجية لتقييم النتائج وتعديل السياسات عند الحاجة، ويمنح المؤسسات الوقت الكافي لإعادة هيكلة نفسها قبل الدخول في مراحل أعمق من الشراكة أو التحوُّل. هذا النهج يُقلِّل من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية ويُعزِّز القدرة على التحكُّم في مسار التغيير.
وتبقى الشفافية عنصرًا محوريًّا في أيّ عملية إصلاح؛ إذ تضمن وضوح الإجراءات وتُعزّز الثقة بالسياسات الاقتصادية؛ وتَحُدّ من احتمالات استغلال الأصول العامة أو توجيهها بشكل غير عادل. كما تُسهم الرقابة الفعّالة في ضمان أن تبقى عملية الخصخصة ضمن إطار يَخْدم الاقتصاد الوطني ككل.
وفي النهاية، تُمثّل الخصخصة خيارًا اقتصاديًّا يمكن أن يُسهم في دعم عملية الإصلاح في سوريا، لكنها ليست غاية بحدّ ذاتها، بل أداة تحتاج إلى إدارة دقيقة وتخطيط طويل الأمد. ويرتبط نجاحها بقدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق توازن بين الكفاءة والاستقرار، وبين تطوير الأداء وحماية المجتمع، ضمن نموذج يأخذ في الاعتبار خصوصية الواقع المحلي ويستفيد من التجارب الدولية دون استنساخها بشكل مباشر.
الثورة السورية
———————————
“الهندرة” ضرورة استراتيجية في السياق السوري العام/ علي إسماعيل
أبريل 21, 2026
في كانون الثاني 2012، أعلنت شركة “إيستمان كوداك” الأميركية العريقة، أول من صنع الكاميرات المحمولة باليد، إفلاسها، لتصبح بذلك عبرة بحثية ومثالا صارخا على واحدة من أشهر الحالات التي تقدم لدارسي علوم الإدارة والأعمال.
الشركة، التي تأسست قبل 133 عاما، واجهت صعوبات في منافسة الشركات الأخرى التي سبقتها إلى عصر الأجهزة الرقمية، فابتعدت عن مجال تصنيع الكاميرات وركزت على صناعة الطابعات بعد تراجع أرباحها في الأسواق.
وارتكبت “كوداك” خطأ فادحا عندما رفضت اختراع المهندس ستيفن ساسون، الذي كان يعمل لديها، معتبرة أن الكاميرا الرقمية ليست خيارا مناسبا، لتفسح المجال واسعا أمام شركة “سوني” كي تستحوذ على حصتها من السوق. وجاء هذا القرار نتيجة اعتماد إجراءات غير مناسبة، أو تأخير في إعادة هندسة الإدارة، ليصبح الرفض مجرد شجرة تخفي وراءها غابة من الصعوبات الإدارية والتنظيمية والاستراتيجية، بحسب خبراء الإدارة.
وأصبحت إعادة هندسة الإدارة، أو ما يعرف بـ”الهندرة”، ضرورة عالمية في القطاع الإداري، بهدف حجز موقع متقدم في مضمار التنافسية الدولية، وتحسين الأداء والفعالية، وبالتالي جذب الاستثمار.
واستجابة لهذه التطورات، شهدت دمشق خلال الأيام الماضية برنامجا تدريبيا لافتا ومكثفا نظمته وزارة التنمية الإدارية تحت عنوان “إعادة هندسة العمليات الإدارية الحكومية (الهندرة)”، واستهدف عددا من العاملين في القطاع العام.
ويهدف البرنامج، الذي أقيم في فندق البوابات السبع خلال الفترة من 12 إلى 16 نيسان/أبريل الجاري، إلى الارتقاء بكفاءة الأداء وتحسين جودة الخدمات العامة، وجاء في سياق توجهات أوسع لتحسين كفاءة المؤسسات الحكومية ورفع جودة الخدمات المقدمة للمواطن، في ظل تحديات متراكمة تواجه الإدارة العامة في سوريا.
“الهندرة”.. المفهوم الأكاديمي والقياس والتطبيق
قبل البدء بالتعريفات الأكاديمية لمصطلح “الهندرة”، لا بد من تفكيك هذا المصطلح المؤلف من كلمتين هما “الهندسة” و”الإدارة”. وباعتبار أن عمليات الإصلاح الإداري تنطلق من إصلاح الإجراءات بطريقة هندسية منظمة، تشكل مصطلح “هندسة إجراءات العمل” من دمج مفهومي الهندسة والإدارة، ليصبح “الهندرة”.
والهندرة، بتعريف مبسط، هي عملية تحسين أداء المنظمات عبر تطوير الإجراءات ووسائل الإنتاج وتوظيف التقنيات الحديثة لتلبية حاجات السوق. لكن بما أن الإصلاح عملية تغيير نحو الأفضل وبشكل مستدام، فلا بد من اتباع قواعد علمية حديثة قابلة للتطبيق والقياس أيضا.
لذلك ورد التعريف الأكاديمي الحديث في دراسة بحثية متخصصة بعنوان “الهندسة الإدارية “الهندرة” بين المفاهيم والتطبيقات”، أعدها الباحث الجزائري نور الدين حاروش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية المتخصص في التنظيم السياسي والإداري، إذ عرف فيها “الهندرة” بأنها عملية تفكيك للجهاز الإداري للمؤسسة أو المنظمة أو الشركة من الأساس، ثم إعادة هندسة نظم إدارتها وعملياتها، وإعادة بنائها بشكل جديد كليا يواكب متطلبات العصر، مع الاستغلال الأمثل للثورة التكنولوجية والمعلوماتية.
ويقول في دراسته إن مفهوم الهندرة بات متداولا لدى فئة معينة من أفراد المجتمع، هم أساتذة الإدارة وطلبة الجامعات في بعض التخصصات، بالإضافة إلى القيادات الإدارية ورجال الأعمال، كما أصبح من المفاهيم المعروفة في الإدارة والتنظيم على مستوى العالم.
ونشأ مصطلح الهندرة عام 1990، عندما نشرت العديد من الدراسات والتقارير التي سلطت الضوء على تحديات إدارة إجراءات العمل في المنظمات. وكان أبرز الكتاب في هذا المجال المهندس الأميركي مايكل هامر، الأستاذ السابق في علوم الكمبيوتر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي يعد الأب الروحي للهندرة، إذ ابتكر مفهوم إعادة تصميم إجراءات العمل بصورة جذرية، وعمل إلى جانب جيمس آي تشامبي على كتاب “هندسة نظم العمل في المنظمات”، الذي يعد من أهم المراجع الأولى لفهم أساليب الهندرة في خطواتها الأولى.
ويعتمد نموذج هامر وتشامبي، وفق كتابهما، على أن كل إجراء عمل تقليدي يقوم على مجموعة من المراحل الأساسية التي تضمن تقديم الخدمة على أفضل وجه، بحيث تمر السلع أو الخدمات بسلسلة من الإجراءات، ما يزيد من وقت الإنجاز وتكاليفه. وهنا تفعل الهندرة في جوهرها عبر جمع كل الإجراءات اللازمة لإنجاز الخدمة في مكان واحد، بهدف زيادة رضا متلقي الخدمة والتحكم في وقت الإنجاز.
وللوصول إلى هذا الجوهر، لا بد من القيام بالعديد من الإجراءات وإعادة هندسة العمليات الإدارية، لأن الفعالية المقترنة بتكاليف عالية تؤدي، في كثير من الأحيان، إلى ضعف مردودية المؤسسات، بحسب النموذج. ولذلك تقدم الهندرة حلولا مبتكرة لتخفيف عبء الإجراءات الروتينية وتقليص مدتها، ومن هذا المنطلق أصبح أساسيا إعادة النظر في خطط العمل كافة لمعرفة نقاط الضعف وأسباب التكلفة المرتفعة.
ووضع هامر وتشامبي تسعة شروط لتطبيق نموذجهما في الهندرة، هي: إدارة الجودة الشاملة، ومواصفات الـISO، ووضوح سياسات التطوير، ودعم الإدارة العليا، وابتكار أساليب عمل جديدة، وتطبيق هندرة الإجراءات لا هندرة الإدارات، وهندرة فرق العمل، والابتكار في العمليات التنظيمية، ودراسة البيئة التنظيمية، وتقليل مقاومة الموظفين للتغيير.
وتشير الأبحاث والدراسات إلى وجود خلط واضح بين مفهوم إعادة الهيكلة ومفهوم الهندرة، إذ تقتصر الأولى على إعادة تنظيم الهيكل الوظيفي وتغيير الإداريين بأشخاص أكثر خبرة وكفاءة وجودة، بينما تتسم عملية الهندرة بأنها أوسع وأشمل، سواء من حيث الإدارات التي تشملها أو طبيعة المهام التي تتناولها.
وتقوم الهندرة على مجموعة من الأبعاد، وهي الركائز التي تستند إليها خطوات إعادة هندسة العمليات الإدارية. أولها البعد البشري، حيث يتم الاهتمام بهذا العنصر الحيوي من خلال مراجعة جودة وإنتاجية ما يقدمه العاملون، ودراسة العوامل المؤثرة في أدائهم، والاحتياجات التي تنقصهم، والعوائق التي يتعرضون لها، وكذلك العوائق التي يتسببون بها لعملية الإنتاج.
أما البعد الوظيفي، فيتعلق بدراسة الهيكل الوظيفي للمؤسسة بالتفصيل، ومهام كل وظيفة، ومسؤوليات وحقوق وواجبات كل فرد، وآلية تقييم ومراجعة الأداء، بما يتيح معرفة ما إذا كانت هناك وظائف لم تعد المؤسسة بحاجة إليها، أو وظائف متشابهة تحتاج إلى دمج، أو وظائف يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها.
ويأتي البعد التكنولوجي بوصفه واحدا من أهم الأبعاد التي تخضع لها عملية الهندرة، إذ يحضر هذا العنصر بقوة في جميع الخطوات باعتباره مسؤولا مباشرا عنها، من خلال تطوير الأدوات التكنولوجية المستخدمة، بما يضيف نوعا من الذكاء الإداري والتقني إلى العمليات، إلى جانب منح العمل طابع المرونة والسرعة والجودة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث الأكاديمي والخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور يحيى السيد عمر، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”: “تعد الهندرة من المفاهيم الإدارية الحديثة، وقد اكتسب هذا النهج أهمية متزايدة على المستوى الدولي، باعتباره أداة فعالة لتطوير العمل الحكومي وتعزيز القدرة التنافسية، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وتزايد الحاجة إلى خدمات عامة أكثر سرعة ومرونة”.
ويضيف أن “الهندرة، كمفهوم إداري حديث نسبيا، تقوم على إعادة التفكير الجذري في الإجراءات والعمليات داخل المؤسسات، بهدف تحقيق تحسينات ملموسة في الأداء، سواء من حيث السرعة أو التكلفة أو الجودة، وهذا التوجه يختلف عن الأساليب التقليدية التي تعتمد على التدرج البطيء في الإصلاح، إذ يركز على إحداث نقلة نوعية في طريقة العمل”.
وحول أدوات قياس الأداء وتحليل العمليات، يشير الدكتور السيد عمر إلى أن هذا النهج يعتمد على استخدام البيانات والتحليل الموضوعي، بعيدا عن الاجتهادات الفردية أو الحلول المؤقتة، حيث يتم تفكيك الإجراءات الإدارية إلى مكوناتها الأساسية، وتحديد نقاط الضعف والاختناقات التي تؤثر سلبا في الإنتاجية، ثم يعاد تصميم هذه العمليات بطريقة أكثر بساطة ومرونة، مع تقليل التعقيد الإداري والحد من التكرار غير الضروري.
الهندرة كمؤشر دولي في التنافسية والضرورة الاستراتيجية
“الهندرة ليست مشروعا.. يجب أن تكون طريقة حياة”. بهذه العبارة نظر الأب الروحي للإدارة، بيتر دراكر، الكاتب الاقتصادي الأميركي من أصل نمساوي، إلى هذا المفهوم. وهو الذي حدد مفهوم الشركة في تحليله الفريد لشركة “جنرال موتورز”، حيث نفذت الشركة، على مدى ثلاث سنوات، خطة لجمع أنظمة سطح المكتب المتعددة داخل نظام واحد، عرف داخليا باسم “تنسيق بيئة المكتب”.
وساعدت هذه العملية “جنرال موتورز” في تقليص ما بين 10% و25% من تكاليف الدعم، وما بين 3% و5% من تكاليف الأجهزة، وما بين 40% و60% من رسوم تراخيص البرمجيات، فضلا عن زيادة الكفاءة من خلال التغلب على مشكلات عدم التوافق باستخدام برنامج واحد فقط عبر الشركة بأكملها.
وترى العديد من الدراسات والكتب المتخصصة أنه، بعد دراكر، أصبحت الهندرة نشاطا معتادا لدى كثير من الشركات الصغرى والمتوسطة، وممارسة ثابتة في الشركات الكبرى لضمان قدرتها التنافسية، لكن الخطوة الأكثر تميزا اليوم تتمثل في أتمتة إجراءات العمل، لتصبح المنظمات قادرة على مراقبتها بصورة متواصلة، والتأكد من نجاعة خططها على المدى المتوسط والبعيد.
وفي عام 2007، كانت شركة “نوكيا” تستحوذ على 50% من قيمة السوق، كما كانت هواتفها تدر عليها أكثر من 50 مليار دولار من الإيرادات السنوية، لكنها خسرت، خلال سنوات قليلة، سوق الهواتف بشكل دراماتيكي لصالح منافسين جدد، على رأسهم “آبل”.
ويرى إيف دوز، الأستاذ الفخري للإدارة الاستراتيجية في “إنسياد” ومدير برنامج إدارة الشراكات والتحالفات الاستراتيجية، أن أسباب انهيار “نوكيا” تتمثل في طريقة إدارة قرارات المؤسسة، واختلال الهياكل التنظيمية، والبيروقراطية، والمنافسة الداخلية، التي غيرت رؤية الشركة، فلم يعد هدفها الأساسي تقديم هاتف ذي قدرة تنافسية عالية.
وفي دراسة ميدانية بعنوان “أثر الهندرة في تحقيق الميزة التنافسية”، للباحث عبد القادر صالح عيسى من جامعة القبة في ليبيا، يرى الباحث أن تفعيل دور الإدارة يساعد في تقليص الهياكل التنظيمية البيروقراطية وتحويلها إلى هيكل رشيق أكثر فاعلية، ما يحسن بيئة الأعمال، وأن الهندرة ليست مجرد تحسينات تدريجية، بل إعادة تفكير أساسية وإعادة تصميم جذرية للعمليات لتحقيق قفزات نوعية في التنافسية.
وهنا يرى الباحث الدكتور السيد عمر أن “الهندرة على المستوى الدولي أصبحت أحد المؤشرات المهمة في تقييم تنافسية الدول، خاصة فيما يتعلق بكفاءة القطاع العام. فالدول التي نجحت في تبسيط إجراءاتها الإدارية وتحسين بيئة العمل الحكومي تمكنت من جذب استثمارات أكبر، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساتها، كما أن التحول الرقمي، الذي يرتبط بشكل وثيق بمفهوم الهندرة، أسهم في تسريع إنجاز المعاملات وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، ما انعكس إيجابا على الشفافية وتقليل فرص الفساد”.
ويضيف أن “نجاح تطبيق الهندرة يرتبط بمدى تكاملها مع سياسات الإصلاح الإداري الأوسع، بما في ذلك تحديث التشريعات، وتبسيط الهياكل التنظيمية، وتعزيز استخدام التكنولوجيا في العمل الحكومي، كما أن إشراك العاملين في عملية التغيير يعد عاملا أساسيا لضمان استدامة النتائج، إذ يسهم في تقليل مقاومة التغيير ويعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة”.
الهندرة في السياق السوري
يخلص أستاذ الإدارة الاستراتيجية، ومدير التعاون الدولي في الجامعة العالمية للتجديد في تركيا، الدكتور سمير الوسيمي، في مقالته التي حملت عنوان “الحوكمة والإصلاح الإداري والاستدامة مفاتيح التنمية والرخاء المجتمعي”، إلى نتيجة مهمة مفادها أن الحوكمة توفر النزاهة والشفافية، والهندرة توفر الآلية التشغيلية من سرعة وكفاءة، فالمؤسسات التي تتعافى هي التي تطبق حوكمة صارمة لمنع تكرار الفساد، وهندرة جذرية لعملياتها لضمان الفاعلية.
وقد بدأت سوريا بتهيئة البيئة القانونية والتنفيذية لتطبيق نظم الحوكمة عندما أصدر الرئيس أحمد الشرع، بتاريخ 6 نيسان 2026، حزمة من المراسيم التشريعية لإعادة هيكلة قطاعات حيوية، بتحويل مؤسسات المياه والتعدين والكهرباء إلى شركات عامة قابضة ذات طابع اقتصادي، مملوكة بالكامل للدولة، بهدف تعزيز الحوكمة والمرونة والكفاءة الإنتاجية.
وبالتوازي مع مسار الحوكمة، بدأت الحكومة السورية التوجه نحو الهندرة بشكل متسارع، وعملت على توسيع المفهوم بدءا من العام الماضي، إذ نظمت مديرية التنمية الإدارية في وزارة النقل في تموز/يوليو ورشة عمل تخصصية بعنوان “إعادة هندسة العمليات الإدارية (BPR) ودورها في إعادة بناء الهيكل التنظيمي” في مبنى المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية بدمشق.
كما عملت الحكومة السورية على إدخال شركات متخصصة بالهندسة الإدارية والجودة، أقامت مؤتمرات علمية تخصصية، أبرزها مؤتمر “سوريا تستحق” الذي نظمته شركة EMBS للهندسة الإدارية والجودة بالتعاون مع كلية الهندسة الزراعية في جامعة دمشق.
إن عملية الهندرة في سوريا، التي تنفذها وزارة التنمية الإدارية، تسير بشكل متوازن وبخطوات ثابتة، وتميز في عدة نقاط بين ثلاث عمليات متشابهة هي: هندسة إجراءات العمل، وتحسين إجراءات العمل، وإعادة التصميم. ورغم أن العمليات الثلاث تهدف إلى تطوير الإجراءات وجعلها أكثر مرونة وفعالية، فإنها تختلف في الفلسفة التي تقوم عليها، وخاصة في وقت التحسين وآليته، إذ تختلف مشاريع تغيير إجراءات العمل فيما بينها بحسب نوعية الإجراء، والتهديدات البيئية، والرؤية الاستراتيجية للمنظمة، ولذلك فإن اختيار المنظومة المناسبة مهمة دقيقة تحتاج إلى معرفة أكاديمية عميقة.
وحول تطبيق عملية الهندرة في سوريا، يقول الباحث الدكتور السيد عمر، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”: “في السياق السوري، تبرز الحاجة إلى تبني هذا النهج بشكل أكثر جدية، نظرا للتحديات التي تواجه الإدارة العامة، بما في ذلك تعقيد الإجراءات، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، والاعتماد الكبير على الأساليب التقليدية في العمل. وتأتي أهمية الهندرة هنا كأداة عملية لإعادة تنظيم العمل الإداري، بما ينسجم مع الإمكانات المتاحة والظروف الراهنة، ولا يتطلب هذا التحول بالضرورة موارد ضخمة، بقدر ما يحتاج إلى إرادة تنظيمية واضحة ورؤية إصلاحية متماسكة”.
ويضيف أن البرنامج التدريبي الذي أقيم في دمشق يعكس إدراكا متزايدا لأهمية هذا التوجه، حيث ركز على تزويد المشاركين بالمعرفة النظرية والتطبيقية اللازمة لتنفيذ مشاريع هندرة داخل مؤسساتهم، ومثل هذه المبادرات يمكن أن تسهم في بناء كوادر قادرة على قيادة التغيير من الداخل، خاصة إذا تم دعمها ببيئة تنظيمية تشجع على الابتكار وتمنح مساحة كافية لاتخاذ القرار.
وختم الدكتور السيد عمر حديثه لصحيفة “الثورة السورية” بأن تجربة الهندرة في العديد من الدول أظهرت أن النتائج الإيجابية لا تتحقق بشكل فوري، بل تحتاج إلى وقت وجهد مستمر. وفي الحالة السورية، يمكن الاستفادة من هذه التجارب مع مراعاة الخصوصية المحلية، بما يضمن تحقيق نتائج واقعية وقابلة للاستمرار، حيث تمثل إعادة هندسة العمليات الإدارية خيارا عمليا لتحسين أداء القطاع العام في سوريا، ومع استمرار المبادرات التدريبية وتوسيع نطاقها، يمكن أن تتحول الهندرة إلى أداة فعالة في مسار الإصلاح الإداري، بما ينعكس إيجابا على أداء المؤسسات وثقة المواطنين بها.
الثورة السورية
———————————
“صُنِعَ في سوريا”.. مشروع وطني لرفع كفاءة التنافسية العالمية/ أسامة قاضي
2026.04.21
تُعدّ القدرة التنافسية لأي دولة حجر الأساس لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي، ويقدم مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية منذ أكثر من 37 عاماً تحليلات وبيانات متخصصة تساعد الدول على تقييم أدائها الاقتصادي والمؤسسي.
ووفقاً لتقرير التنافسية العالمية لعام 2011–2012، أي قبل اندلاع الثورة السورية، احتلت سوريا المرتبة 104 من بين 142 دولة، وهو ما يعكس تحديات هيكلية في الاقتصاد والإدارة والمؤسسات، ومن هنا يبرز التساؤل حول الخطوات التي ينبغي على المخطط السوري اتخاذها للارتقاء بترتيب سوريا لتقترب من نماذج ناجحة مثل سنغافورة وماليزيا وتركيا.
لا يمكن اختزال القدرة التنافسية في مؤشرات اقتصادية تقليدية كالناتج المحلي الإجمالي أو الإنتاجية أو مستويات التوظيف، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وترتبط القدرة التنافسية ارتباطًا وثيقًا بجودة حياة المواطنين، حيث تتكامل أدوار الحكومة وقطاع الأعمال والمجتمع في خلق بيئة اقتصادية محفزة للنمو والابتكار.
ويعتمد مؤشر التنافسية العالمية على أربعة عوامل رئيسية: الأداء الاقتصادي، وكفاءة الحكومة، وكفاءة قطاع الأعمال، والبنية التحتية، ويندرج تحت كل عامل مجموعة من المؤشرات الفرعية التي تعكس مدى قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة.
على سبيل المثال احتلت سنغافورة المرتبة الثانية عالمياً على مؤشر المعهد العالمي للتنمية الإدارية وتفصيل ذلك على المؤشرات الأربعة: الأداء الاقتصادي المركز الأول، ومؤشر كفاءة الحكومة المركز الثالث، وكفاءة بيئة الأعمال المركز الثامن، ومؤشر البنية التحتية المركز السادس.
في حين احتلت الإمارات العربية المتحدة المركز الخامس وتفصيل ذلك على المؤشرات الأربعة: الأداء الاقتصادي المركز الثاني، ومؤشر كفاءة الحكومة المركز الرابع، وكفاءة قطاع الأعمال المركز الثالث، ومؤشر البنية التحتية المركز الثالث والعشرين.
طبعاً اليوم سوريا خارج التصنيف ولكن على الحكومة أن تضع في أهدافها لعام 2030 النهوض بالمؤشرات الأربعة كي يكون لسوريا تصنيف جيد مستقبلاً، مبدئياً نكون عام 2030 مثل تركيا عام 2025 في المرتبة 66 حيث الأداء التركي الاقتصادي المركز 45، ومؤشر كفاءة الحكومة المركز66، وكفاءة قطاع الأعمال المركز 69، ومؤشر البنية التحتية المركز 55، ولعل سوريا عام 2035 تكون مثل الإمارات عام 2025 بمؤشراتها الأربعة.
أولى هذه المؤشرات “الأداء الاقتصادي” ويشمل هذا العامل قوة الاقتصاد المحلي، والتجارة الدولية، والاستثمارات الأجنبية، وسوق العمل، ومستوى الأسعار، ولتحسين هذا الجانب في سوريا، ينبغي تبني سياسات اقتصادية مستقرة تشجع الإنتاج المحلي وتعزز الصادرات وتستقطب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما أن إعادة دمج الاقتصاد السوري في سلاسل القيمة العالمية وتوقيع اتفاقيات تجارية إقليمية ودولية سيسهمان في تسريع التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
وثاني هذه المؤشرات مؤشر “كفاءة الحكومة” حيث تُعدّ الحوكمة الرشيدة عنصرًا أساسيًا في تحسين التنافسية، وتشمل إدارة المالية العامة، والسياسات الضريبية، والإطار المؤسسي والقانوني، وبيئة الأعمال، والاستقرار السياسي، ويتطلب ذلك إصلاح النظام الضريبي، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحديث التشريعات الاقتصادية بما يتماشى مع المعايير الدولية، الأمر الذي يسهم في بناء ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.
والمؤشر الثالث هو مؤشر “كفاءة قطاع الأعمال” ويرتبط هذا العامل بقدرة الشركات على الابتكار والإنتاجية، وكفاءة سوق العمل، وتوافر التمويل، والممارسات الإدارية الحديثة، إضافة إلى القيم المجتمعية الداعمة لريادة الأعمال، وفي هذا السياق، تحتاج سوريا إلى دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع ريادة الأعمال، وتطوير القطاع المالي لتسهيل الوصول إلى التمويل، فضلاً عن تعزيز ثقافة الابتكار والتحول الرقمي في مختلف القطاعات الاقتصادية.
والمؤشر الرابع هو مؤشر “البنية التحتية” وتشمل البنية التحتية الأساسية، والتكنولوجية، والتعليمية، والصحية، والبيئية، ونظرًا لما تعرضت له سوريا من دمار واسع خلال سنوات الحرب، فإن إعادة بناء هذه البنية تمثل أولوية قصوى، ويجب أن تركز جهود الإعمار على إنشاء بنية تحتية حديثة ومستدامة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، بما يضمن تحسين جودة الحياة وتعزيز الإنتاجية الاقتصادية.
لا تكتمل منظومة التنافسية من دون وجود بنية وطنية متينة للجودة، عبر تطوير أداء وتعزيز دور هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية لوزارة الاقتصاد والصناعة والتي تم إحداثها بموجب المرسوم التشريعي رقم 248 لعام 1969، التي تمثل حجر الزاوية في ضمان جودة المنتجات والخدمات، وتعزيز الثقة بها في الأسواق المحلية والدولية، وإن تطوير هذه الهيئة لتكون بمستوى الهيئات العالمية يُعدّ خطوة استراتيجية نحو تمكين الاقتصاد السوري من الاندماج في الاقتصاد العالمي، ويتطلب ذلك مواءمة المعايير الوطنية مع المعايير الدولية الصادرة عن منظمات مثل: (المنظمة الدولية للتوحيد القياسي، واللجنة الدولية الكهروتقنية، ولجنة القانون الغذائي، والمنتدى الدولي للاعتماد، والتعاون الدولي لاعتماد المختبرات).
من أجل تحقيق هذا الهدف، ينبغي التركيز على مجموعة من الإجراءات الأساسية، من مثل تحديث الإطار التشريعي والمؤسسي بما يمنح الهيئة الاستقلالية والكفاءة اللازمة، وتطوير المختبرات الوطنية وأنظمة القياس والمعايرة لضمان دقة الفحوصات وموثوقيتها، وتسهيل تبني المعايير من قبل المنتجين من خلال برامج تدريبية وحوافز تشجيعية، خاصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ونشر ثقافة الجودة والابتكار بما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات السورية، كما يتطلب إنشاء نظام اعتماد وطني معترف به دوليًا يضمن موثوقية شهادات المطابقة.
إن شعار “صُنِعَ في سوريا” كعلامة جودة عالمية يجب العمل الجاد عليه، في إطار تعزيز سمعة المنتج الوطني، حيث يُقترح اعتماد إطار قانوني صارم ينص على أنه لا يجوز استخدامه على أي منتج إلا بعد التأكد من مطابقته الكاملة للمعايير الوطنية المعتمدة.
ويجب أن يتم ذلك من خلال نظام اعتماد وشهادات مطابقة رسمي، بحيث يتحول هذا الشعار إلى علامة جودة موثوقة تعكس التميز والالتزام بالمواصفات العالمية، وليس مجرد دلالة على بلد المنشأ، وإن تحويل هذا الشعار إلى علامة جودة وطنية سيحقق العديد من الفوائد الاستراتيجية، من أبرزها تعزيز ثقة المستهلكين بالمنتجات السورية.
لو أخذنا مثال ألبسة الأطفال التي هي من أكثر المنتجات حساسية من حيث معايير الجودة، نظرًا لارتباطها المباشر بصحة وسلامة الأطفال، فعليها أن تخضع هذه المنتجات لمجموعة صارمة من المعايير الدولية التي تضمن سلامة المواد، وراحة الاستخدام، والاستدامة البيئية، إن تبنّي هذه المعايير يُسهم في تعزيز ثقة المستهلكين ويدعم القدرة التنافسية للمنتج السوري، ويجعل شعار “صنع في سوريا” مرادفًا للجودة والموثوقية.
ينبغي الامتثال لتشريعات من مثل “رييج” الأوروبية، حيث تُعد من أكثر المعايير صرامة فيما يخص خلو الألبسة من المواد الضارة مثل الرصاص والصوديوم والفثالات، والأصباغ الآزوية، وشهادة أوكو- تكس التي تضمن أن جميع مكونات المنتج (القماش، الخيوط، الأزرار، السحّابات) خالية من المواد الضارة، إضافة لاختبارات القابلية للاشتعال، خاصة لملابس النوم للأطفال، وتقليل مخاطر الاختناق أو التشابك، واختبار ثبات الألوان، وقوة الشد، ومقاومة الغسيل.
إضافة لشهادة “كوتس” للتأكد من استخدام القطن العضوي الذي يقلل من تعرض الأطفال للمبيدات والمواد الكيميائية، وكذلك التأكد من أن الأقمشة قابلة للتنفس وتمتص الرطوبة، مما يساعد على الحفاظ على درجة حرارة مناسبة للطفل، وما ينطبق على الألبسة ينطبق بشكل مشابه على صناعة الأحذية والبطاريات وباقي الصناعات بمعايير مختلفة حسب الصناعة، كما يُعدّ رأس المال البشري من أهم عناصر التنافسية، لذا يجب التركيز في العشر سنوات القادمة على دعم واستقدام أكبر عدد من معاهد التدريب المهني والفني بمعايير دولية للنهوض بكفاءة العامل السوري.
الحقيقة إن تحسين كفاءة التنافسية العالمية لسوريا ليس هدفًا اقتصاديًا فحسب، بل هو مشروع وطني شامل يهدف إلى تحقيق الازدهار والاستقرار ورفع مستوى معيشة المواطنين، ويتطلب ذلك تكامل الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إضافة إلى تبنّي رؤية استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى إصلاحات مؤسسية واقتصادية عميقة، كما أن تطوير هيئة المعايير والمقاييس السورية وربط استخدام شعار “صُنِعَ في سوريا” بالالتزام الصارم بالمعايير الوطنية والدولية يمثل خطوة محورية في بناء اقتصاد تنافسي ومستدام، يعزز ثقة الأسواق العالمية بالمنتج السوري ويعيد لسوريا مكانتها المستحقة في الاقتصاد الدولي.
تلفزيون سوريا
——————————
خط النفط العراقي – السوري… 74 عاماً بعيداً عن مفاتيح الذهب/ نضال حمادية
21 ابريل 2026
بتبسيطها وتفاؤلها المفرطين فيما يتعلق بأنبوب النفط العراقي المارّ بسورية، توزّع الأخبار والتحليلات الراهنة مفاتيح ذهبية، أشبه بذلك المفتاح الذي تلقّاه رجل سورية القوي، أديب الشيشكلي، خريف العام 1952، ليفتح به خطّ الأنابيب في نهايته عند مصبّ بانياس، وسط وعود بجلب الرفاه والانتعاش لسورية.
السنوات اللاحقة أثبتت أن ذلك المفتاح وتلك الوعود لم تغنِ شيئاً عن المشروع الكبير، الذي وُلد من رحم المصالح الاستعمارية ودُفن في رمال التناقضات السياسية، ولا سيما ما نشأ منها بعد أن استلم أبناء الحزب الواحد (البعث) الحكم في كلٍّ من البلدين.
ومن هنا فإن استعراض تاريخ خطوط النفط العراقي المارّة بسورية وسيرتها وصيرورتها ومستقبلها، إن كان لها من مستقبل على وضعها الراهن، إنما يبدو محاولة لاكتشاف مفاتيح الحقيقة، حتى ولو كانت من معدن أنابيب تلك الخطوط التي علاها الصدأ.
عوائدكم مروره
يعود تاريخ مرور النفط العراقي في الأراضي السورية إلى ما قبل 21 عاماً من إنشاء خط كركوك – بانياس عام 1952، حين اتفقت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا على حلٍّ ينهي الخلاف الناشب بينهما حول مسار الخط الواجب إقامته من آبار كركوك إلى ساحل المتوسط، تمهيداً لنقله إلى الأسواق الأوروبية. إذ كانت فرنسا تريد خطاً ينتهي في طرابلس ليكون في معظمه تحت هيمنتها، أما بريطانيا فاقترحت خطاً ينتهي بحيفا، ويضمن لها أن تكون المتحكّمة به من بدايته حتى نهايته.
وكانت بريطانيا قد سمحت لفرنسا بتملّك حصة تقارب ربع أسهم شركة نفط العراق (IPC)، وفي نفط العراق حكماً، تعويضاً عن «ولاية الموصل» التي تخلّت باريس عنها وقبلت بنقلها إلى حوزة الانتداب البريطاني، بعد أن كانت تحت سلطة الانتداب الفرنسي، وفقاً لاتفاقية سايكس – بيكو.
وعلى خطورة المشروع والفوائد الكبيرة المأمولة منه، كان حلّ النزاع أشبه بما يمكن لزعيمي حيّين شعبيين أن يتوصلا إليه إذا اشتعل بينهما خلاف؛ فاتفقت بريطانيا وفرنسا، المسيطرتان على نصف أسهم «IPC»، والمحتلّتان بلاد الرافدين وإقليم بلاد الشام كاملاً، على أن تبنيا خط تصدير بفرعين: يمرّ الأول وينتهي بالأراضي التي تهيمن عليها فرنسا، والآخر يخترق الأراضي الخاضعة لبريطانيا (الأردن وفلسطين). وقد وُضع هذان الفرعان في الخدمة عام 1934، وكان قطر كلٍّ منهما 12 بوصة (إنشاً).
وما هي إلا سنوات حتى أدركت «IPC» أن الفرعين لم يعودا يلبّيان غزارة الآبار العراقية وشراهة الأسواق الغربية، فشرعت في بناء خطّين موازيين لهما، بنفس المسار، ولكن هذه المرّة بقطر 16 بوصة. ولم تكد أعمال خطّي كركوك – طرابلس وكركوك – حيفا الجديدين تشارف على الانتهاء، حتى كانت إسرائيل قد أعلنت عن دولتها، فأصبح خط حيفا بفرعيه القديم والجديد مشلولاً وخارج الخدمة، إذ لم يكن للعراق أن يقبل بمرور نفطه إلى «الصهاينة»، رغم أن «IPC» كانت حينها الشركة المحتكرة لقطاع النفط العراقي استكشافاً وتنقيباً ونقلاً.
حتى هذا التاريخ، كانت سورية مجرد بلد مرور لخطي طرابلس، ولم تكن الحكومة السورية تتقاضى أي رسوم عبور بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة، إذ صادر المحتلّ الفرنسي كل الصلاحيات، واعتبر أن عوائد سورية ومكافأتها على مرور الأنبوبين تتمثّل بمرورهما! وأن هذا «جميل» على دمشق أن تشكر عليه كلّاً من باريس و«IPC»، وفقاً لفحوى اتفاقية 1931 ورؤى القائمين عليها.
وقد كان لسورية أن تبقى على هامش الهامش في مسألة مرور النفط العراقي من أراضيها، لولا استقلالها أولاً، وقيام إسرائيل ثانياً، وهما حدثان مفصليان، على ما بينهما من تناقضٍ في الوصف والنتيجة. فعبر الاستقلال استطاعت سورية أن تأخذ أولى خطوات المطالبة ببعض التعويض عن مرور أنبوبي طرابلس، وقد نالته في صورة مبلغ سنوي مقطوع يعادل 1.2 مليون ليرة سورية (نحو 600 ألف دولار بأسعار الصرف يومها)، وهو مبلغ زهيد جداً قياساً إلى كمية النفط المارّة عبر الأنبوبين.
أما ولادة إسرائيل، التي أماتت خطّي حيفا وأخرجتهما من الخدمة كلياً، فهي التي دفعت «IPC» إلى التفكير في بديل سريع يمكن أن يكبح مسار الخسائر الناجمة عن تكاليف الإنشاء المهدورة، وتلك المتمثّلة في فوات الأرباح نتيجة الإغلاق.
ولم يكن من بديل هذه المرّة سوى سورية، لتكون بلد ممرٍّ ومصبٍّ معاً. وخلال سنتين فقط، تم بناء خط كركوك – بانياس بقطر 32 بوصة (أكبر من قطري أنبوبي حيفا مجتمعين)، وبطول 888 كيلومتراً، مارّاً بمحطّات خطّي طرابلس، التي بقي الحرف الأول من اسمها (T) مقروناً بتلك المحطات الواقعة ضمن الأراضي السورية من T1 حتى T4.
وكان من المفارقات – ومفارقات السياسة السورية حاضرة دوماً – أن يُبنى هذا الخط، الذي يُفترض أن يُمتّن صلة العراق بسورية، وأن يُفتتح في عهد حاكم سورية القوي أديب الشيشكلي، الذي قاد الانقلاب الثالث ضد صديقه سامي الحناوي بذريعة تقاربه مع العراق.
عدا إسرائيل والعراق
إذا كان هناك من مشروع يمكن أن يُتخذ نموذجاً بارزاً لدراسة التباين بين الخطط والنتائج، فإن مشروع مرور النفط العراقي في الأراضي السورية سيكون في المقدّمة، وينطبق هذا بالذات على المرحلة التي أعقبت تشغيل خط كركوك – بانياس. ففي عام 1952، تجمّع أكبر عدد من عوامل تحقيق النفع النفطي المتبادل لسورية والعراق، إذ خلال هذه السنة التي استُكمل فيها بناء خط بانياس، أصبح العراق قادراً على تصدير معظم إنتاجه عبر الأنابيب الثلاثة المارّة بسورية، وكان هذا يعني الكثير لبلدٍ كان النفط، وما زال، يمثّل 90% من صادراته منذ اكتشاف أول بئر فيه.
وفي هذه السنة، استطاع العراق أن ينتزع اتفاقاً مع «IPC» يلزمها بدفع نصف أرباحها لبغداد، بعد أن كانت هذه الشركة تستأثر بتسعة أعشار الإنتاج لنفسها، وترمي فتات العُشر الأخير لأصحاب الأرض والثروة. وفي 1952 أيضاً، تمكّنت سورية من الانتقال إلى مستوى جديد من الحصول على رسوم عبور يمكن لها أن تسهم في دعم اقتصاد البلاد، إذ رُفع المبلغ السنوي المقطوع إلى 12 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل خمسة ملايين دولار يومها، وهو على أي حال مبلغ يساوي عشرة أمثال المبلغ المقطوع الذي كانت تتلقّاه دمشق قبل ذلك العام.
ولكن، وكما أن افتتاح خط بانياس بمفتاح الذهب لم يمنحه مستقبلاً لامعاً، فإن تجمّع عوامل المنفعة لكلٍّ من العراق وسورية لم يَقِهما شرّ الأضرار التي هبّت رياحها على المشروع الاقتصادي الكبير، في صورة خلافات مادية، وتجاذبات سياسية، وصراعات حزبية، وحتى تصفيات حسابات شخصية. ففي عام 1955، نشب نزاع بين الحكومة السورية و«IPC»، على خلفية احتساب عائدات المرور بالطريقة الحسابية المتعارف عليها (وليس بمبدأ المبلغ المقطوع)، لكن «IPC» تنصّلت بطريقتها، ولم تُقِرّ لسورية سوى بأقل من ربع جنيه إسترليني لقاء كل طن (طن النفط يعادل وسطياً سبعة براميل).
وبعد ذلك بسنة تقريباً، تعرّض خط كركوك – بانياس لأول اختبار «سلبي»، تمثّل في نسف ثلاثة أجزاء منه بأمر من عبد الحميد السراج، مدير المكتب الثاني ورجل جمال عبد الناصر قبل الوحدة وخلالها، تعبيراً عن «مناصرة» سورية لمصر في وجه العدوان الثلاثي. ورغم أن عملية العدوان الثلاثي لم تستمر أكثر من تسعة أيام، فإن خط كركوك – بانياس بقي معطّلاً كلياً، بناءً على موقف اتخذته الحكومة السورية يومها، يقضي ألّا عودة للخط حتى تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل العدوان. وبالفعل، لم تُعطِ الحكومة السورية أوامرها – عبر رئيسها صبري العسلي – بإصلاح الأجزاء المتضرّرة ومحطّات الضخ، إلا في 11 مارس/آذار 1957، أي بعد مرور أربعة أشهر وأربعة أيام على نهاية العدوان، ما كبّد العراق خسائر مؤثّرة.
لكن أعتى الرياح التي عصفت بخط بانياس، بل وبخطي طرابلس معه، كانت بعد وصول البعثيين إلى سدّة الحكم في كلٍّ من العراق وسورية، اللذين قادا انقلابيهما بفارق شهر (8 فبراير/شباط و8 آذار/مارس) من عام 1963. ولم تؤدّ هذه الرياح في نهايتها إلى قطع خطوط النفط العراقي المارّة من سورية فقط، بل إلى قطيعة مسمومة بين البلدين، ولعلّ أفظع مثال عليها ما كان يقرأه السوريون مدوّناً على جوازات سفرهم: «يُسمح لحامله بالسفر لجميع البلدان عدا إسرائيل والعراق».
ورغم حدّة الخلاف العراقي – السوري، لم تكن عواقبه بتلك الدرجة من الفداحة لو أنها بقيت مقتصرة على نزاع يخص أنابيب النفط، لا صراعاً تُستخدم فيه تلك الأنابيب سلاحاً. ولعلّ أكثر المحطات التي استعرّ فيها الخلاف حول خطوط النفط العراقي المارّة بسورية، تجسّد في وقائع أعوام 1966، و1973، وأخيراً 1982. ففي عام 1966، وبينما كان البعثيون في سورية قد فرغوا من دورة جديدة لحملة تصفيات جسدية ومعنوية بحق بعضهم، أزاحت معسكراً لصالح معسكر، قرّر المعسكر «الرابح» فتح جبهة مع العراق من بوابة أنابيبه العابرة، ولا سيما أن العراق كان في صلب تلك الحملات، التي ستتحوّل إلى «مكارثية» ثابتة على كلتا الضفتين، تجسّدها تهم الولاء لبعث العراق في سورية، ولبعث سورية في العراق.
وقد قطعت سورية يومها الطريق على ضخ النفط العراقي نحو 80 يوماً، تكبّد خلالها العراق خسائر فادحة، رغم كمّ التصريحات الودّية والأخوية التي أُطلقت من الجانبين.
نموذج الحصان
كانت مطالب دمشق خلال تلك الأزمة متعلّقة بالحصول على حقوقها العادلة من رسوم مرور وتحميل النفط العراقي، وهو ما أقرّت به بغداد أيضاً، كما أقرّت مع دمشق بأن المشكلة بالأساس هي مع «IPC»، وليس للعراق ولا لشعبه علاقة بها، وأنها لا تستهدف ثروة العراق ولا رخاءه. ولكن كلّ ذلك لم يمنع إحداث شرخ إضافي في علاقة البلدين، ولا سيما أن هذا الانقطاع رتّب على بغداد أعباء مالية ثقيلة، جعلتها تستدين في سبيل تسديد رواتب موظفيها.
وإن كان من «حسنة» لأزمة 1966، غير انتزاع سورية زيادة في رسوم المرور والتحميل من براثن «IPC»، فإن تلك الحسنة تكمن في تنبيه العراق إلى حيوية تأميم القطاع النفطي، وحثّه على تسريع هذا الاستحقاق، الذي سيغدو ناجزاً بعد ست سنوات لا أكثر.
وبعد عام من تأميم قطاعه النفطي بنسبة 100%، عاد العراق ليواجه مطالب سورية برفع رسوم العبور، وقد تمت مضاعفة تلك الرسوم بموجب اتفاق أقرّه الطرفان عام 1973، بعد أن تبادلا ما يكفي من تلاوم واتهامات متبادلة بليّ الذراع. وكان هذا الاتفاق على رفع الرسوم على مشارف حرب تشرين، التي حال وقوعها دون شقاق جديد، إذ وجد البلدان نفسيهما في «خندق واحد»، ولو إلى حين.
ثم مرّت سبع سنوات ماجت بها العلاقات صعوداً وهبوطاً بشكل حدّي، حتى جاء طوفان الحرب مع إيران، فوضع كلّ نظامٍ بلاده تحت قدميه خشية أن يغرق هو! ولم يكن الأنبوب النفطي، وهو معلم اقتصادي استثنائي في خريطة «القطرين»، استثناءً، فأُجهز عليه بقرار الإغلاق الكلي من حافظ الأسد في أبريل/نيسان 1982، وما زال سارياً، خلا فترة سنتين ونيّف ضُخّ فيها النفط داخل الأنبوب على استحياء.
وقد جاء إغلاق أنبوب بانياس (مع الأنبوبين المتّجهين إلى طرابلس)، إلى جانب تبعات الحرب، ليثخن جراح بغداد الاقتصادية، إذ هوت عائدات النفط من 26 مليار دولار عام 1980 إلى 9 مليارات عام 1982، في وقت كانت البلاد في أشدّ ما تكون حاجةً إلى المال لتمويل حربها وإطعام شعبها.
وحسابياً، يبلغ عمر الأنبوب الممتد من كركوك العراقية إلى بانياس السورية 74 عاماً. وعملياً، لم يُعمّر هذا الخط سوى ثلاثة عقود، فيما بقي خارج الخدمة، وحتى الصيانة، 42 عاماً. ولنا أن نتخيّل، بمقارنة سريعة بين العمرين النظري والحقيقي، حجم الخسائر وفوات الأرباح التي لحقت بالبلدين.
وقد بقي الأنبوب نهباً للصدأ، رغم كل محاولات إحيائه التي أعقبت الإطاحة بنظام صدّام حسين، وسبقت إسقاط نظام بشار الأسد، وتجلّت في تصريحات وتفاهمات أعوام 2007 و2009 و2010 و2023، حيث تجمّعت جملة عوائق سياسية، وتمويلية، وتقنية، وأمنية، لم يكن للأقوال والأمنيات أن تتغلّب عليها.
واليوم، ومع التصريحات واللقاءات التي حملتها سنة 2025، وأنعشتها في 2026 إيماءة من واشنطن عن تفعيل محور العراق – سورية النفطي بديلاً عن مضيق هرمز، لا تبدو العوائق أقل، ولا سيما من ناحية التمويل والتنفيذ. فالدول قد تعطي الموافقات وتصدر القرارات، لكن الشركات الكبرى لا تُقدم إلا عندما يكون الاستثمار مجدياً، فما بالك وهو محفوف بالمخاطر. إنها، باختصار، قصة الحصان الذي يمكن أن تجرّه إلى البركة، لكنك لن تفلح إطلاقاً في إجباره على الشرب منها إن لم يُرِد.
لقد تخطّى عمر خط كركوك – بانياس العمر الافتراضي لأي أنبوب في شروط الصيانة والتعمير المثالية، كما أن قطره، الذي كان ضخماً يوم إنشائه، يبدو مجرّد رقم متواضع أمام أي أنبوب يُفترض به أن يلبّي جزءاً من إنتاج العراق الحالي وحاجة الأسواق الفعلية في آنٍ معاً. وسيبدو إنفاق ملايين الدولارات على إصلاحه عملاً شبيهاً بإصلاح ساعة لتعطينا التوقيت قبل عقدين أو ثلاثة، رغم أنها تسير كما ينبغي في نظرنا.
كلفة أنبوب بانياس وملحقاته بلغت 41 مليون جنيه إسترليني، وهي اليوم تعادل نحو 1.5 مليار جنيه، بحسابات أسعار التضخّم، التي لا تبدو فعّالة كثيراً إذا ما علمنا أن أي سيناريو متفائل لإنشاء خط جديد، مؤهّل لنقل 1.5 مليون برميل يومياً مع جميع منشآته الملحقة، يمكن أن يناهز ثمانية مليارات دولار، هذا إذا ما نحّينا عبء المخاطر الأمنية، التي ترتّب تكاليف أعلى في ميدان التأمين على المشروع وحراسته.
الميثاق والمجلس
لقد آل أنبوب النفط العراقي المارّ بسورية إلى مصير مؤسف، وربما يؤول أي مشروع مشابه إلى المصير نفسه، لأن الأنبوب الذي بُني ليكون مشروعاً اقتصادياً، عومل طوال الوقت بصفته مشروعاً سياسياً، وبقي ذلك التعاطي ثابتاً على اختلاف الظروف والأنظمة، أملى عليّ أن أُنوّه بمحطّتين سياسيتين بلغهما “التقارب” العراقي – السوري أوجه، وأن أسمح لنفسي برواية تجربة شخصية قصيرة. ففي يوم 18 أغسطس/ آب 2009، كنت في مكتبي في الصحيفة بدمشق، عندما بلغنا خبر إنشاء “المجلس الاستراتيجي عالي المستوى” بين سورية والعراق، إثر توافق بين رئيس الحكومة العراقية حينه نوري المالكي وبشار الأسد. يومها علّقت، وسط دهشة الحاضرين، بعبارة “الله يستر”. ولمّا سُئلت عن سبب هذا الحكم الحادّ والسريع، كانت إجابتي مستندة إلى أن أقسى دركات التدابر والتناحر بين سورية والعراق إنما انحدرنا إليها بعد بلوغ أعلى درجات التقارب، عقب توقيع ميثاق العمل القومي في خريف 1978، حيث تدهورت العلاقات بعد “الميثاق” إلى نقطة اللاعودة.
ولم يمضِ على ما نطقت به إلا ساعات، حتى كانت بغداد تغرق في الدم نتيجة سلسلة تفجيرات أوقعت نحو مئة قتيل، وشنّ معها المالكي أشرس هجوم على سورية، واتهمها بالتورّط عبر إيواء “الإرهابيين” والتساهل في تسليمهم. وتبيّن لمن سألوني، ولي أيضاً، أن ما كان إيغالاً في التشاؤم يوم الثلاثاء، غدا إفراطاً في التفاؤل يوم الأربعاء، ذلك أن تهاوي “المجلس الاستراتيجي” لم يستغرق سوى أقل من يوم، فيما استغرق تفسّخ “ميثاق العمل القومي” نحو تسعة أشهر، رغم أن بيان إنشاء المجلس كان أكثر تفصيلاً وطولاً، وإيحاءً بالجدّية.
*سلّم الأميرال البريطاني أندرو كننغهام مفتاحين من الذهب إلى كلٍّ من الشيشكلي وواجهته في الحكم، رئيس الدولة فوزي سلو، من أجل أن يفتحا أنبوب النفط عند نهايته في مصبّ بانياس. وقد عُرف كننغهام بلقب ABC، وشغل مهام حيوية للغاية في المجالين العسكري والسياسي، كثّفتها لقطة مؤتمر يالطا الشهير، الذي رسم معالم النظام العالمي الجديد، وجمع بين روزفلت وستالين وتشرشل، حيث ظهر كننغهام خلف تشرشل مباشرة.
العربي الجديد
—————————
الأسعار تواصل الارتفاع.. عوامل اقتصادية متداخلة تضغط على الوضع المعيشي/ وفاء فرج
أبريل 21, 2026
تشهد الأسواق السورية موجة ارتفاعات متواصلة في أسعار السلع، ضمن مسار يرتبط بتقلبات سعر الصرف وتكاليف الاستيراد والطاقة، وينعكس مباشرة على الوضع المعيشي. ومع استمرار هذه الزيادات، تتسع الضغوط على الأسر، في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية تتحكم بحركة الأسعار وتحدّ من استقرار السوق.
وكشفت جولة ميدانية لصحيفة “الثورة السورية” عن ارتفاعات ملحوظة ومتقلبة في أسعار المواد الغذائية، تراوحت بين 15 و20 بالمئة، شملت معظم السلع.
وارتفع سعر كيلوغرام السكر إلى نحو 10,300 ليرة قديمة، والأرز إلى ما بين 14,000 و17,000 ليرة، فيما بلغت البقوليات مثل العدس والحمص نحو 15,000 ليرة للكيلوغرام. كما صعد سعر لتر الزيت إلى 25,000 ليرة، والسمن إلى 90,000 ليرة للكيلوغرام، مع تفاوت بالأسعار حسب النوع والمنطقة.
وفي الخضروات والفواكه، وصل سعر البندورة إلى نحو 20,000 ليرة قديمة للكيلوغرام، والتفاح إلى 30,000 ليرة، في حين استقر سعر البطاطا عند حدود 8,000 ليرة، وانخفض الفول الأخضر إلى نحو 5,000 ليرة.
أما اللحوم، فسجلت مستويات مرتفعة، إذ بلغ سعر كيلو غرام لحم الخروف نحو 300,000 ليرة، مقابل نحو 200,000 ليرة للعجل، بينما تراجع سعر الفروج الحي إلى نحو 26,000 ليرة للكيلوغرام، واستقر سعر صحن البيض عند حدود 23,000 ليرة.
ظاهرة عالمية
تتزامن موجة ارتفاع الأسعار مع تراجع الليرة السورية إلى حدود 13 ألف ليرة مقابل الدولار، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار في السوق. ويؤكد مواطنون أن هذه الزيادات المتسارعة تجاوزت قدرتهم الشرائية، في ظل أعباء إضافية تشمل ارتفاع فواتير الكهرباء، وهو ما يفاقم الضغوط المعيشية مع استمرار تقلبات سعر الصرف.
وقال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية الدكتور مازن ديروان، لصحيفة “الصورة السورية”، إن ارتفاع الأسعار يرتبط بعوامل عالمية، في مقدمتها تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وما تسببه من زيادة في أسعار الطاقة، وانعكاس ذلك على تكاليف الشحن والإنتاج.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة ذات طابع عالمي، ولا تقتصر على سوريا، لافتاً إلى أن ارتفاع التكاليف، لا سيما الطاقة، يشكل المحرك الرئيسي للأسعار، مع امتداد فترات الشحن أحياناً نتيجة تجنب مسارات غير آمنة، ما يضيف أعباء إضافية.
وأكد ديروان أن استقرار سعر صرف الليرة السورية يمثل هدفاً استراتيجياً للحكومة والمصرف المركزي، مشيراً إلى أن الجهود المبذولة تسير في هذا الاتجاه.
وفي ما يتعلق بزيادة الأعباء الاقتصادية، اعتبر أن هذه المسؤولية تتوزع على مختلف الأطراف، موضحاً أن قدرة الحكومة على التدخل مرتبطة بمواردها، وأن أي توسع في الإنفاق قد ينعكس عبر أدوات مثل الضرائب. ولفت إلى أن الحروب والصدمات الاقتصادية تفرض كلفاً عامة تنعكس على مختلف الفئات.
ورأى ديروان أن الاستقرار يرتبط بعوامل موضوعية تشمل انتظام سلاسل الإمداد واستقرار سعر الصرف وتكاليف الإنتاج، مشيراً إلى أن آليات التسعير الإداري لا تحقق نتائج مستدامة في ظل هذه الظروف.
أما فيما يخص شبكة الأمان الاجتماعي، فأوضح أن توسيعها يتطلب موارد مالية كبيرة، وهو ما يواجه تحديات في الوضع الراهن، مشيراً إلى أن مسار التعافي يرتبط بتنشيط بيئة الأعمال، واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع فرص العمل بما يسهم في تحسين مستويات الدخل.
عوامل متداخلة
من جهته، أكد عضو غرفة تجارة دمشق لؤي الأشقر، أن مسار الأسعار المتصاعد يمثل تحدياً اقتصادياً واسع التأثير على مختلف الشرائح، موضحاً أن هذه الزيادات ترتبط بعوامل متداخلة، أبرزها الأزمات الإقليمية التي رفعت تكاليف النقل والمواد الأولية، إلى جانب شح بعض السلع، فضلاً عن تأثير ارتفاع أسعار النفط والطاقة على السلع المصنعة والمستوردة.
وقال الأشقر لصحيفة “الثورة السورية” إن المستهلك يتحمل العبء الأكبر مع تراجع قدرته الشرائية، في وقت تمتد فيه الضغوط إلى التجار والصناعيين نتيجة صعوبات تأمين المواد الأولية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ما ينعكس على القدرة التنافسية.
آلية السوق
رأى نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق، أن تحديد أسعار السلع والخدمات يخضع لآلية السوق، التي تتأثر بعوامل الجودة والموقع الجغرافي وتكاليف تقديم الخدمة، موضحاً أن هذه العوامل تضع إطاراً لتسعير السلع وفق اعتبارات موضوعية.
وقال الحلاق لصحيفة “الثورة السورية” إن الارتفاعات السعرية ترتبط أساساً بزيادة التكلفة في بلد المنشأ أو بارتفاع سعر الصرف للسلع المستوردة، لافتاً إلى أن تعدد المورّدين يعزز دور المنافسة في ضبط الأسعار ضمن حدودها الاقتصادية.
وأضاف أن هناك هامشاً طبيعياً يسمح بامتصاص جزء من الارتفاعات، إلا أن هذا الهامش يتراجع مع زيادة التكاليف، ما يدفع إلى تعديل الأسعار. كما أوضح أن انخفاض حجم المبيعات يرفع الأعباء التشغيلية ويؤثر على التوازن السعري، في حين يسهم ارتفاع أسعار المحروقات في زيادة تكاليف الإنتاج والنقل.
وشدد على أن تقلبات سعر الصرف تشكل عاملاً محورياً في معادلة التكلفة، مع انتقاله إلى حدود 13 ألف ليرة، ما يزيد من الضغوط على السوق. وخلص إلى أن تداخل هذه العوامل يفاقم التحديات الاقتصادية، ويستدعي معالجة أسبابه لضمان استقرار السوق.
تعدد أسعار الصرف
من جانبه، أوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، أن استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق يترافق مع تذبذب سعر الصرف، ما يؤدي إلى حالة من الفوضى في تحديد قيم السلع والخدمات، مشيراً إلى أن تعدد أسعار صرف الدولار بين السوق الرسمي والموازي وقطاعات أخرى ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار ويزيد من أعباء المعيشة.
وقال حبزة لصحيفة “الثورة السورية” إن تعدد أسعار الصرف بات عاملاً رئيساً في تباين الأسعار، حيث تختلف تسعيرة السلعة الواحدة تبعاً لسعر الصرف المعتمد، ما يوسع فجوة الأسعار ويفتح المجال لاعتماد تسعير أعلى في بعض الحالات.
وشدد على أن استقرار الأسعار يرتبط بتوفر السلع في الأسواق وثبات سعر الصرف، إذ يسهم هذان العاملان في تهدئة السوق والحد من الارتفاعات غير المبررة.
وفي هذا السياق، دعا حبزة إلى تدخل حكومي فعّال عبر طرح مواد بأسعار منافسة، بما يعزز توازن السوق ويحد من ارتفاع الأسعار، معتبراً أن هذا الدور ينسجم مع آليات السوق من خلال دعم المنافسة وتحسين قدرة المستهلك على الوصول إلى السلع.
سياسات المركزي
من جهته، رأى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور زكوان قريط، أن الارتفاع المستمر في الأسعار وتذبذب سعر صرف الليرة يمثلان تحدياً اقتصادياً كبيراً يواجه المواطن السوري، موضحاً أن هذه الظاهرة المعقدة تنبع من مجموعة من العوامل المتداخلة، ويعد فهم هذه الأسباب الخطوة الأولى نحو إيجاد حلول فعالة.
وقال قريط لصحيفة “الثورة السورية”، إن السياسات النقدية والمصرفية التي اتبعها المصرف المركزي تلعب دوراً رئيساً في هذا التدهور. فقد أدت بعض القرارات، مثل تلك المتعلقة بطرح العملة الجديدة، إلى حالة من الارتباك في سوق الصرف، حيث بدا أن الليرة تتأثر بالتوجهات الرسمية أكثر من الأساسيات الاقتصادية.
وأضاف أن سياسات ضبط السيولة وكبح السحوبات، رغم هدفها المعلن بتثبيت سعر الصرف، أعاقت حركة الاقتصاد وعمليات التعافي، بل دفعت الكثير من المعاملات المالية إلى خارج النظام المصرفي الرسمي، لتتم عبر الحوالات وشركات الصرافة.
وأوضح أن العوامل الخارجية والتجارية تسهم بشكل كبير في الضغوط التضخمية، موضحاً أن الاعتماد على الواردات، يجعل الاقتصاد السوري أكثر عرضة لتأثيرات تقلبات أسعار صرف العملات الأجنبية.
كما أشار إلى أن العقوبات الدولية وصعوبة التحويلات المالية تشكل عبئاً إضافياً، لافتاً إلى أنه رغم بعض التخفيف الاسمي للعقوبات، لا تزال المصارف الأجنبية تتحفظ في التعامل مع المصارف السورية، ما يعقّد عمليات التحويل الدولية.
واعتبر قريط أن هذا التعقيد، إلى جانب المخاوف المرتبطة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يجعل من الصعب على الاقتصاد السوري استيعاب المساعدات وتحويلات المغتربين، ما يزيد الضغط على سعر الصرف والأسعار.
وتلعب العوامل النفسية والمضاربة دوراً مهماً في تذبذب سعر الصرف، إذ يتأثر السوق بشكل كبير بالعناوين الإخبارية والتوقعات، ما يخلق حالة من عدم اليقين ويزيد من التقلبات، بعيداً عن المؤشرات الاقتصادية الحقيقية، وفق قريط.
وأشار إلى أن المواطن السوري يواجه صعوبات معيشية بالغة، حيث تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، موضحاً أن المبالغ التي يتقاضاها المواطن كحد أدنى للأجور لا تغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من تكاليف المعيشة الأساسية، ما يضطر الغالبية العظمى إلى الاعتماد على مصادر دخل إضافية.
واعتبر أن قدرة الدولة على لجم التضخم تواجه تحديات كبيرة، إذ تعتمد تقديرات الموازنة العامة على افتراضات نمو اقتصادي متفائلة لا تتوافق مع تقديرات المنظمات الدولية، كما أن المصرف المركزي يعاني من تردد في سياساته وفقدان الثقة في النظام المصرفي، ما يحد من فعالية الأدوات النقدية التقليدية.
وشدد على أن معالجة الأزمة الاقتصادية تتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة، مشيراً إلى ضرورة استعادة الثقة في النظام المصرفي، وتسهيل التحويلات المالية، ودعم الإنتاج المحلي، وتوفير شبكة أمان اجتماعي فعالة، وتعزيز الشفافية. وأكد أن وضع معيشة المواطنين وسبل عيشهم يجب أن يكون الأولوية القصوى لتحقيق النهوض الاقتصادي المنشود.
الثورة السورية
———————————
==================
تحديث 20 نيسان 2026
———————————
السوريون بانتظار التعافي الاقتصادي/ وائل مرزا
أبريل 20, 2026
حين تُطلق وزارة الخارجية والمغتربين السورية، بالشراكة مع منظومة الأمم المتحدة، بيان “أولويات التعافي وخطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية” لعام 2026 من قلب دمشق، فنحن أمام لحظة تمثل إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الدولة السورية والمجتمع الدولي، وأمام بداية مسار جديد يتقدّم فيه العمل الإنساني والتنموي معاً ضمن إطار وطني واضح.
والمؤكد أن هذه الخطوة، بما حملته من حضور مشترك لقيادة العمل الإنساني والتنموي في الأمم المتحدة، وبما أكدته من التزام بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة واحترام سيادتها، تعبّر عن اختراق سياسي ودبلوماسي مهم. لكنها في جوهرها تفتح سؤالاً أكبر: هل سيبقى هذا التقدم في مستوى التخطيط والتعاون الدولي، أم إنه سيتحول إلى تحوّل ملموس في الداخل السوري، وتحديداً في الاقتصاد؟
صحيحٌ أن الخطة التي أعلنت، بأولوياتها الأربع (إعادة تأهيل البنية التحتية، استئناف الخدمات، تعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات) تضع إطاراً شاملاً لما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة. وصحيحٌ أنه يضاف إلى ذلك ملف إزالة الألغام، بما يحمله من دلالة عميقة على الانتقال من بيئة حرب إلى بيئة قابلة للحياة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه العناوين لا تُقاس إلا بقدرتها على أن تتحول إلى مشاريع تُنفّذ، وفرص عمل تُخلق، ودورة اقتصادية تُستعاد.
وقد يكون التحول الأهم في هذا الإعلان كامناً في الدمج بين المسارين الإنساني والتنموي. فهذا الدمج، الذي لطالما كان غائباً أو ضعيفاً في تجارب كثيرة، يشكل اليوم فرصة نادرة لسوريا. ذلك أن استمرار العمل الإنساني بمعزل عن التنمية يُبقي المجتمعات في حالة انتظار، في حين أن إدخال البعد التنموي يفتح أفق الاعتماد على الذات. لكن هذا التحول يحمل في الوقت ذاته مسؤولية مضاعفة على الدولة، تتمثل في أن تلتقط هذا التوجّه الدولي، وأن تعيد توجيهه ليخدم عملية بناء اقتصاد حقيقي، بدل أن يكون مجرد إدارة للاحتياجات.
وهنا تحديداً تبرز خصوصية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بوصفها الحلقة التي تربط بين الإنسان والاقتصاد، بين الحماية والإنتاج، بين التعافي والاستقرار. فهذه الوزارة تقع في قلب تلك العملية، وليس على هامشها. ببساطة، لأن أي حديث عن الصمود الاجتماعي والاقتصادي، أو عن إعادة إدماج النازحين، أو عن تنشيط سوق العمل، يمر حكماً عبر بنيتها وأدواتها. فهي، كما هو الحال في كل دول العالم، الوزارة التي تملك مفاتيح الانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق التمكين، ومن إدارة الفقر إلى إدارة الفرص.
والحقيقة أن الخطة المعلنة، بكل محاورها، تضع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أمام مسؤولية مضاعفة. فإعادة تأهيل البنية التحتية تحتاج إلى يد عاملة منظمة وسوق عمل فعّال. واستئناف الخدمات يتطلب شبكات حماية اجتماعية ذكية تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه دون هدر. وتعزيز الصمود الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق من دون ربط مباشر بين برامج الدعم وفرص الإنتاج. أما إعادة بناء المؤسسات، فإنها تعني في أحد وجوهها إعادة بناء قدرة الدولة على فهم مجتمعها عبر البيانات، وعلى إدارة هذا الفهم عبر سياسات دقيقة.
أما الدور الجذري للوزارة هنا فإنه يتمثل في قدرتها على تحويل هذه العناوين الكبرى إلى منظومة متكاملة: سجل اجتماعي وطني يحدد الفئات الأكثر هشاشة بدقة، إدارة حالة تتابع الأفراد والأسر بشكل فعلي، برامج تحويلات نقدية مرتبطة بالتأهيل والعمل، ومنظومة سوق عمل قادرة على امتصاص الطاقات وتوجيهها. وهذه ليست تفاصيل تقنية بقدر كونها تمثل البنية التي تُبنى عليها أي عملية تعافٍ حقيقية.
وفي هذا السياق، تصبح العلاقة مع الشركاء الدوليين أكثر حساسية وأهمية في آن واحد. لأن أي دعم خارجي في مجالات الحماية الاجتماعية أو سبل العيش أو التشغيل، إن لم يمر عبر منظومة وطنية تقودها الوزارة، فإنه سيؤدي إلى تكرار التجارب السابقة من التشتت والتوازي. أما إذا اندمج هذا الدعم ضمن إطار وطني واضح، فإنه يتحول إلى رافعة حقيقية لبناء نظام مستدام.
وهنا، تحديداً، يتقاطع ما أُعلن في بيان التعافي مع الحاجة إلى إصلاح اقتصادي داخلي عميق. فالدعم الدولي يفتح الباب، لكن العبور يتطلب بيئة داخلية جاهزة، مثل تبسيط الإجراءات، وتسريع التراخيص، ووضوح القواعد، وتفعيل المؤسسات.. فهذه كلها عناصر لا تقل أهمية عن التمويل نفسه. ذلك أن الاقتصاد لا يتحرك، بشكلٍ فعال، إلا بالثقة، وبغض النظر عن الشعارات والأمنيات الطيبة. وهذه الثقة تُبنى عبر سياسات واضحة، وإجراءات فعالة، وإشارات جدية على أن الدولة قادرة على إدارة التحول.
وفي هذا السياق، تأتي مبادرة “سوريا بلا مخيمات” لتجسد هذا التداخل بين الاجتماعي والاقتصادي. فإعادة النازحين إلى مجتمعاتهم لا تكتمل بإعادة السكن فقط، لأنها تتطلب إعادة إدماج اقتصادي فعلي. فالعمل، والدخل، والخدمات.. هي عناصر الاستقرار الحقيقي. وهنا، مرةً أخرى، تقف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في موقع المِفصَل، القادر على تحويل العودة إلى فرصة إنتاج، وليس إلى عبء إضافي.
إن ما نشهده اليوم هو بداية انتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إدارة التعافي. غير أن هذا الانتقال لن يكتمل ما لم يتحول إلى مشروع اقتصادي-اجتماعي متكامل تقوده الدولة، وتشارك فيه المؤسسات، ويشعر به المواطن في حياته اليومية. فالقضية باتت تتجاوز حجم الدعم، وباتت مرتبطةً بقدرتنا على تنظيمه، وتوجيهه، وتحويله إلى أثر ملموس.
وختاماً، فإن ما أُعلن في دمشق هو فرصة تاريخية. فرصة لإعادة بناء العلاقة مع العالم، وإعادة بناء الاقتصاد في الداخل في آن واحد. غير أن هذه الفرصة تضع أمامنا اختباراً حقيقياً: هل نستطيع أن نحول الخطط إلى أفعال، والدعم إلى إنتاج، والتعافي إلى واقع؟
المؤكد أن الجواب لن يأتي من البيانات، وإنما، فقط، من قدرة الدولة -بكل مؤسساتها، وفي قلبها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل- على أن تقود هذا التحول بثقة، وبوضوح، وبانحياز كامل لكرامة الإنسان السوري.
الثورة السورية
———————————
العملة الجديدة بين شحّ التداول و”الفئات المنبوذة”/ حسان كنجو
أبريل 20, 2026
يواجه تداول العملة الجديدة في الشمال السوري تحديات متزايدة مع محدودية توفرها في الأسواق واقتصار ضخّها على قنوات محددة، ما انعكس على آليات البيع والشراء اليومية وأربك عمليات الاستبدال بين الفئات النقدية القديمة والجديدة.
ومع استمرار الفجوة بين حجم الإصدار وحاجة السوق، برزت إشكالات إضافية تتعلق بتباين قبول الفئات النقدية نفسها، ما عمّق حالة الاضطراب في التداول النقدي داخل عدد من المناطق.
إشكالات الفئات القديمة
تحولت العملة الجديدة إلى وسيط نقدي محدود التداول، في حين لا تزال العملة القديمة تهيمن على معظم التعاملات اليومية في الأسواق.
وأصدر حاكم المصرف المركزي قراراً ينص على تمديد مهلة استبدال فئات من العملة القديمة لمدة 60 يوماً إضافية، اعتباراً من 1 نيسان 2026.
وفي حلب، لا تزال العملة الجديدة محصورة ضمن محال الصرافة فقط، فيما يروي أحمد قطان، أحد المواطنين، لصحيفة “الثورة السورية”، واقع التداول الحالي، مشيراً إلى أن ندرة توفر العملة الجديدة في صناديق الباعة تمثل السبب الرئيس لهذا الوضع،إذ يضطر المواطن في كثير من الحالات، عند الدفع بالعملة الجديدة، إلى تسلم الباقي بالعملة القديمة بدلاً منها.
وأضاف أن المشكلة تظهر في تفاصيل التعامل اليومي، فعلى سبيل المثال إذا قدّم الزبون ورقة من فئة 500 ليرة جديدة وكان ثمن المشتريات 300 ليرة فقط، فإن البائع يعيد الفارق أحياناً على شكل 20 ألف ليرة قديمة بدلاً من 200 ليرة جديدة.
واعتبر أن المشكلة تمتد إلى الفكة التي تكون من فئات صغيرة وقديمة في الوقت نفسه، مثل فئة الألف ليرة القديمة بنوعيها الكبير والصغير، إضافة إلى فئة 500 ليرة، وهي فئات غير مرغوبة ولا يتم التعامل بها إلا اضطراراً.
ضغط الرواتب والصرافات
مع غياب العملة الجديدة عن الأسواق، تظهر تداعيات هذا الواقع بشكل أوضح لدى الموظف الحكومي، الذي بات راتبه يُصرف بالعملة الجديدة.
يروي إبراهيم برّو، أحد موظفي السجل المدني في حلب، لصحيفة “الثورة السورية”، معاناته وزملاءه شهرياً مع هذا الواقع، واضطرارهم إلى الانتظار يومين أحياناً ريثما تتوفر مبالغ بالعملة الجديدة.
وأكد برو أن هناك ضغطاً متزايداً على محال الصرافة مع بدء صرف الرواتب، ما يجعل من الصعب تحصيل المبلغ كاملاً بالليرة الجديدة. كما أشار إلى أن أصحاب محلات الصرافة يشتكون غالباً من قلة المبالغ المستبدلة، أو من محدودية السيولة لدى المصرف المركزي، الذي يعمل على توزيعها بشكل متساوٍ بين جميع الصرافين.
فئات منبوذة
بدأت مؤخراً مشكلة جديدة تطفو إلى السطح، تتمثل في نبذ بعض فئات العملة من الاستبدال، إلى جانب رفض التعامل بها من قبل بعض شرائح المواطنين.
يروي خالد صوّان، أحد الباعة في حلب لصحيفة “الثورة السورية”، ما جرى معه عند توجهه لاستبدال مبلغ مالي من الليرة القديمة إلى الجديدة، حيث رفض أحد محال الصرافة استبدال مبلغ 600 ألف ليرة قديمة لكونه من فئة الألف ليرة، مشيراً إلى أن الصراف حصر عملية الاستبدال بفئتي 2000 و5000 ليرة فقط، في حين أُبلغ بأن فئتي 500 و1000 ليرة غير مرغوب بهما في الاستبدال.
وأشار إلى أن المشكلة الأخرى تجسدت في فئة الألف ليرة القديمة جداً المطروحة قبل عام 2011، إضافة إلى فئة 500 ليرة ذات الحجم الكبير، ما أدى إلى عزوف شريحة من المواطنين عن التعامل بها، ما اضطره إلى التوقف عن قبولها بعد تكدس كميات كبيرة منها لديه.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي قد أصدر في 17 شباط 2026، القرار رقم (215/ح)، الذي أضاف فئات من العملة القديمة لم تكن مشمولة بعملية الاستبدال، وهي:
فئة 500 ليرة سورية قديمة من جميع الإصدارات.
فئة 200 ليرة سورية قديمة من جميع الإصدارات.
فئة 100 ليرة سورية قديمة من جميع الإصدارات.
فئة 50 ليرة سورية قديمة من جميع الإصدارات.
ونص القرار على أن يتم الاستبدال خلال المهل المحددة في المادة /3/ من المرسوم رقم 293 لعام 2025، مع مراعاة ألا يقل عدد القطع المستبدلة من أي فئة عن مئة قطعة نقدية من ذات الفئة.
وتضاف هذه الفئات إلى الفئات الأخرى من العملة القديمة المشمولة بعملية الاستبدال، وهي 1000 و2000 و5000 ليرة قديمة.
مشكلة متداخلة
في الشمال السوري تتعقد الأمور أكثر، إذ لا تزال العملة التركية هي السائدة في غالبية التعاملات، فيما تبقى العملة السورية بإصداريها القديم والجديد محدودة التداول.
وأكد عبد الرحمن حمادي، معلم في منطقة الدانا بريف إدلب، لصحيفة “الثورة السورية”، أن الباعة وبعد تحويل بسيط من الليرة السورية إلى التركية يعيدون الباقي بالليرة التركية تحت ذريعة عدم توفر الليرة السورية.
ووصف الوضع في الشمال السوري بأنه “كارثي، ويقوم على تعدد العملات واستغلال المواطن”، داعياً إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة هذا الواقع، خاصة في إدلب وريفها، حيث يجري التصريف والحساب والتحويل بشكل كيفي، من دون ضوابط أو التزام بالنشرات أو بالقوانين.
بين الإدارة العامة والفروع
على الجانب الحكومي، أكد فرع المصرف المركزي في حلب لصحيفة “الثورة السورية” أن مناقشة هذا الملف تتم مع الإدارة العامة في المصرف المركزي بدمشق.
وأوضح معاون رئيس فرع المصرف المركزي في حلب إياد قبّاوي، أن جميع أمور الليرة الجديدة وطرحها وإدارة عمل الصرافين هي من اختصاص المصرف المركزي في دمشق، وليست من اختصاص الأفرع في المحافظات.
الثورة السورية
———————————
==================
تحديث 19 نيسان 2026
———————————
صفر مشكلات… سورية والبحار الأربعة/ فاطمة ياسين
19 ابريل 2026
ضمن إطار سياسة “صفر مشكلات” التي انتهجتها الإدارة التركية في العقد الأول من القرن الحالي، ومحاولة التقارب مع نظام الأسد قبل الثورة الشعبية ضده، اتجه البلدان إلى إلغاء التأشيرات والموافقة المسبقة لسفر مواطني البلدين فيما بينهما، ووسط توسيع التعاون في مجالات النقل والتجارة والطاقة، وردت فكرة جيوسياسية على لسان الرئيس التركي السابق عبد الله غول، طرحها في زيارة إلى دمشق، تقوم على تكوين فضاء إقليمي يحقق التواصل بين البحر المتوسط والخليج العربي والبحر الأسود وبحر قزوين، عقدة مواصلاته تمر عبر سورية وتركيا والأردن والعراق، لتصبح واسطة عبور ونقل سلس، تتضمّن المنقولات الطاقة بالدرجة الأساسية وبقية المواد التجارية، ما يحوّل المنطقة إلى سوق استثمارية عملاقة… الجوهر الموضوعي للمشروع ممرّات برّية تعبرها سكك حديدية وأنابيب نقل للنفط والغاز، وطرق مواصلات سريعة، تحقق وحدة تجارية وتكاملاً اقتصادياً.. يحمل المشروع طموحاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً، حيث يخفّف الضغط عن الممرّات التجارية التقليدية، مثل قناة السويس ومضيق هرمز، وتتحوّل سورية وتركيا إلى ما يشبه الممرّ الإجباري بين منطقة الخليج وآسيا إلى أوروبا، وكانت حرّية التنقل بين سورية وتركيا وإلغاء الإجراءات الروتينية من معالم ذلك المشروع، ولكن التحفّظات السورية، ومن ثم تبدل المناخ السياسي والأمني بين البلدين، وضعت الفكرة كلها على الرفّ.
خلال الحرب في إيران واشتعال منطقة الخليج كلها، طفا على السطح اسم مضيق هرمز، بعد أن تقلصت حركة الشحن عبره، وظهر تهديد حقيقي لخط نقل الطاقة المهم الذي يمرّر ربع الحاجة النفطية العالمية، وبعد أن تأكّدت الدول أن إيران تعتبر المضيق ورقة رابحة يمكن العبث بها بسهولة لتحقيق مكاسب عسكرية، ومع الارتفاع السريع لأسعار النفط ومشتقّاته، عاد الحديث عن فكرة الرئيس غول والبحار الأربعة، لأهدافٍ أهمّها تخفيف الاعتماد على المنافذ التقليدية بإيجاد واقع لوجستي جديد تكون سورية وتركيا في موضع القلب فيه. وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في زيارة إلى تركيا بداية إبريل/ نيسان الجاري، قال إن سورية تشاطر تركيا رؤية مشروع البحار الأربعة. وقبل هذا كانت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية قد طرحت مبادرة أربعة زائد واحد لتخليق ممرّات برّية بديلة وآمنة للنقل، بإنشاء شبكة قطارات سريعة، وإحياء سكة الحديد الحجازية، وإعادة خطوط التابلاين إلى الحياة، والمبادرة التي يجرى تداولها إعلامياً تبدو مكمّلة لمشروع البحار الأربعة.
يتفاعل المشروع ويجرى تداول أفكاره في الصحافة، ويقدّمه محللون كأنه مفتاح شيفرة قادر على أن يكون بديلاً ممتازاً بعد الهشاشة التي بدا عليها الحال في هرمز وباب المندب، لكن ما يتحدّث عنه السياسيون مربوط بالاستقرار الأمني في الإقليم وإعادة الإعمار، ويبدو ما يقدّمونه أقرب إلى التصريحات الصحافية غير المقرونة بخطواتٍ إجرائيةٍ واضحة، فهناك تداخل وتوتر أحياناً بين الدول التي يمكن أن تكون طرفاً أو عنصراً مؤثّراً في المشروع، بينما يُدفع بمثل تلك الأفكار بشكل يترافق مع تشجيع تركي واضح.
لا يقع المشروع ضمن قائمة المستحيلات، ولكنه في الواقع يصطدم بعقباتٍ يمكن تمييزها، منها طبيعة الدول المرشّحة للدخول ضمن الاتفاقية، كسورية والعراق، ولهما جبهاتٌ رخوة، وما زالتا تحاولان تلمّس طريقهما في ترسيخ بنيتهما الداخلية. ويحتاج الاتفاق إلى تنسيق إيراني وتركي، بالإضافة إلى تفهّم عرب الإقليم، والمطلوب من هذا التفهم أن يكون قوياً وذا نفس طويل. وربما العقبة الكبيرة، والتي يجب العمل عليها بقوة، جذب الاستثمار اللازم لإقامة البنية اللوجستية التي يتبنّاها المشروع. أما النتيجة فيما لو تحقق هذا، فهي كفيلة بجعل سورية شرياناً نابضا لكامل المنطقة، ويمكن أن يحوّل هذا البلد من خط تماسّ شائك إلى جسر عبور يحمل منافع، كتحصيل الرسوم وإقامة الاستثمارات والطرق ومحطات النقل من مطارات وموانئ، وفوق ذلك كله، وزن سياسي كبير وثقل إقليمي راجح.
العربي الجديد
——————————
من المصالحة الوطنية إلى التسويات المالية: النخب السورية بين اقتصاد الحرب واقتصاد الصفقة/ مهيب الرفاعي
19 ابريل 2026
تتحرك مسارات التسويات المالية في سوريا ضمن مشهد معقّد تتداخل فيه إعادة توزيع الثروة مع إعادة تشكيل مراكز القوة، بحيث تتحول هذه العملية إلى آلية لإعادة ترتيب الحقل الاقتصادي والسياسي في آنٍ واحد، وتبرز فيها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع بوصفها مركز ثقل حقيقي يتجاوز الوظيفة القانونية التقليدية نحو دور تنظيمي يتحكم بإيقاع المرحلة الانتقالية، إذ تدير عملية تفكيك الشبكات المالية التي نشأت خلال سنوات الثورة السورية وحالة الحرب التي صاحبتها، وتعيد إدماج أجزاء منها ضمن دورة اقتصادية جديدة تحافظ على قدر من الاستقرار وتمنع انقطاع البنية الإنتاجية، ما يجعل هذه التسويات أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال ومصادر النفوذ ضمن إطار يسعى إلى إنتاج توازن جديد أكثر قابلية للاستمرار.
تشتغل هذه اللجنة على منطق يقوم على طبقة قانونية تعتمد على الإفصاح الطوعي والتسوية المالية وفق مساءلة واضحة نسبيًا تقضي بإعادة 80 بالمئة من الأصول للدولة مقابل احتفاظ صاحبها بنسبة 20 بالمئة؛ وطبقة اقتصادية تهدف إلى إعادة تدوير رأس المال داخل السوق بدل تجميده أو إخراجه بالكامل؛ وطبقة سياسية غير معلنة تسعى إلى إعادة ضبط موازين القوة داخل الاقتصاد من دون تفجير صراع مفتوح مع الطبقة التي كانت تمسك بمفاصل الإنتاج والتمويل، لا سيما وأنها كانت متحكمة بالسوق السورية وتعرف مداخله ومخارجه خلال 14 عامًا على الأقل.
بهذا المعنى، لا تعمل اللجنة فقط كجهة رقابية، وإنما كجهاز تفاوضي يعيد تعريف شروط البقاء داخل الاقتصاد السوري للراغبين بالعودة إلى السوق، ويضع حدودًا جديدة لما هو مقبول وما هو مرفوض داخل المجال العام الاقتصادي.
هنا تصبح حالات مثل تسوية محمد حمشو أكثر من مجرد ملفات فساد، إذ تمثل اختبارًا لنموذج كامل من العلاقة بين السلطة والثروة؛ على اعتبار أن حمشو، مثلًا؛ الذي راكم ثروته عبر شبكة معقدة من الامتيازات والارتباطات السياسية خلال عهد نظام الأسد وطوّر شبكة تحايل على العقوبات الغربية وأبرزها قانون قيصر.
حيث شغل رئيس مجموعة حمشو الدولية، وبرز نفوذه عبر شبكة علاقات مع مراكز القوة داخل النظام، ما أتاح له التوسع في قطاعات متعددة تشمل المقاولات والاتصالات والإعلام والإنتاج الفني، مع امتلاك مجموعة تضم نحو 20 شركة فرعية؛ بالإضافة إلى كونه قد شغل مواقع اقتصادية وسياسية مثل أمانة سر غرفة تجارة دمشق وعضوية مجلس الشعب بين 2016 و2020، وارتبط اسمه بعقوبات أوروبية وأميركية منذ 2011، توسعت لاحقاً لتشمل عائلته ضمن إطار قانون قيصر، في سياق تصنيفه ضمن شبكات الأعمال المرتبطة ببنية السلطة الاقتصادية في سوريا، وتحكم بمدخول المناطق الحرة والاستثمارات والعقارات، إلى جانب رامي مخلوف وقاطرجي إخوان وغيرهم.
يجد حمشو نفسه اليوم أمام نقطة إعادة التموضع المرتكزة على التخلي عن جزء كبير من الأصول مقابل الحفاظ على القدرة على العمل داخل السوق السورية كملعب له، وهو ما يحوّل التسوية إلى ما يشبه عقد إعادة إدماج اقتصادي أكثر منه عقوبة مالية.
الأمر ذاته يتكرر مع أسماء مثل وسيم قطان ونعيم الجراح، حيث تكشف الملفات المعلنة أن الدولة لا تتجه نحو الإقصاء الكامل، وإنما نحو إعادة ضبط الشبكات القائمة ضمن قواعد جديدة، تسمح لها بالبقاء، ولكن تحت رقابة وإعادة توزيع للثروة.
يبرز وسيم قطّان ونعيم الجراح كنموذجين لرجال أعمال تشكّلت أدوارهم داخل البنية الاقتصادية المرتبطة بالنظام المخلوع، حيث لعب قطّان دور الواجهة الاقتصادية لعدد من أنشطته وامتلك شبكة شركات واستثمارات متنوعة شملت لاروسا للمفروشات وأفران هوت بيكري ومشاريع في مجمع يلبغا ومول قاسيون، وتولّى مواقع مؤثرة مثل رئاسة غرفة تجارة ريف دمشق ومجلس الأعمال السوري العُماني، مع إدراجه على قوائم العقوبات الأميركية لارتباطه بشبكات الدعم المالي للنظام.
في حين برز نعيم الجراح كرجل أعمال فلسطيني سوري يمتلك استثمارات عقارية وسياحية بارزة، مثل مجمع أب تاون والقرية الشامية، وتقلّد مناصب إدارية في قطاعات الطيران والعقار عبر رئاسة مجلس إدارة خطوط كندا الجوية، والمشاركة في تأسيس شركات تطوير واستثمار، ما يعكس تموضعه ضمن شبكة الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بالمشاريع الكبرى داخل سوريا.
هنا تحديدًا يتقاطع هذا النهج مع تجربة المصالحات التي قادتها روسيا في 2018، حيث اعتمدت موسكو على إدماج قادة الفصائل المعارضة داخل بنية الدولة العسكرية، عبر تسويات أمنية أبقت لهم حضورًا محليًا مقابل تخليهم عن أدوات القوة الثقيلة، بينما تقوم التسويات المالية اليوم بإدماج رجال الأعمال عبر السوق بدل السلاح، في عملية انتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التسوية.
في الحالتين، يظهر أن الدولة لا تسعى إلى كسر الشبكات بالكامل، وإنما إلى احتوائها وإعادة توجيهها، بطريقة تعكس براغماتية سياسية ترى أن تفكيك هذه الشبكات جذريًا قد يؤدي إلى انهيار أكبر من قدرتها على الاحتمال، لا سيما وأنها بحاجة إلى المال والعقل المدبر واقتصاد الذكار الإداري واقتصادات السوق الموازية للحكومية.
غير أن هذا المنطق نفسه يحمل داخله تناقضًا عميقًا، لأن إعادة إدخال هذه الشخصيات لا تعني فقط استعادة الأموال، وإنما تعني أيضًا استعادة جزء من البنية التي أنتجت هذه الأموال، كون هذه الأسماء تلقت دعمًا أمنيًا وقضائيًا وسياسيًا من نظام الأسد فيما سبق.
فهؤلاء لم يكونوا مجرد رجال أعمال تقليديين، وإنما عقدًا مركزية في شبكة معقدة جمعت بين السلطة والأمن والاقتصاد غير الرسمي والاحتكار، ما يعني أن عودتهم، حتى بصيغة معدّلة، قد تعيد إنتاج أنماط النفوذ نفسها، ولكن بشكل أكثر مرونة وأقل ظهورًا.
وهنا يتحول المال من أداة استرداد إلى أداة إعادة تمكين، خصوصًا إذا لم تُضبط العملية بمعايير شفافة وآليات رقابة صارمة. فتح هذا النسق من التعامل مع هذه الرموز الباب امام احتجاجات شعبية مثل ” اعتصام الكرامة” في دمشق، الذي جاء رفضًا لإعادة تدوير هذه الرموز مع تجاهل الرأي العام المحلي؛ لأنهم يرونها تغوّلًا واضحا لهؤلاء في السوق السورية، ويمنحهم تسهيلات للعودة والاستئثار بالمنتج المحلي، ويغطيهم بذرائع قانونية متناسين أنهم دعموا نظام الأسد طيلة 14 عام.
يواجه مسار التسوية هنا تحديًا يتعلق بالشرعية الاجتماعية، إذ ينظر جزء كبير من المجتمع إلى هذه التسويات بوصفها إعادة تدوير لطبقة ارتبطت بالفساد واقتصاد الحرب، وهو ما يضعف الثقة في مسار العدالة الانتقالية، خاصة في ظل غموض بعض الإجراءات وآليات التقييم وتحديد قيمة الأصول المستردة. وعندما تبقى هذه العمليات محصورة ضمن إطار تقني مغلق، فإنها تتحول في الوعي العام إلى صفقات سياسية أكثر منها إجراءات قانونية، وهو ما قد يقوض الهدف الأساسي منها على المدى الطويل.
في المقابل، يظل هذا النهج مغريًا من زاوية إدارة الأزمة، لأنه يوفر سيولة سريعة، ويعيد إدخال أموال معطلة إلى الدورة الاقتصادية، ويمنع انهيار قطاعات كاملة كانت تعتمد على هذه الشبكات، وهو ما يجعل الدولة أمام معادلة صعبة بين الاستقرار السريع والتحول العميق؛ ويعيد النفَس الإداري إلى العديد من المؤسسات التي توقفت بعد سقوط الأسد نتيجة هروب مالكيها ومدراء أعمالهم. قد تنجح التسويات المالية في تحقيق استقرار اقتصادي نسبي خلال فترة قصيرة، لكنها قد تؤجل فقط السؤال الأكبر المتعلق بإعادة بناء اقتصاد جديد قائم على قواعد مختلفة تمامًا.
لهذا، يمكن فهم عمل التسويات باعتباره محاولة لإدارة منطقة رمادية بين القطيعة والاستمرار، حيث لا يحدث تفكيك كامل للماضي ولا قبول كامل به، وإنما إعادة تشكيل تدريجية له ضمن إطار جديد. نجاح هذه التجربة لن يُقاس فقط بحجم الأموال المستردة، وإنما بقدرة الدولة على منع هذه الأموال من التحول مجددًا إلى نفوذ سياسي واجتماعي يعيد إنتاج البنية القديمة داخل شكل جديد، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة المال، وإنما في تغيير الشروط التي جعلت هذا المال ممكنًا أصلًا.
بين المصالحة الوطنية والتسوية المالية
يظهر التشابه بين نهج التسويات المالية الحالي ونهج المصالحات التي أدارتها روسيا في عام 2018 داخل سوريا بصورة أوضح حين ننظر إلى الآلية العميقة التي تحكم الحالتين، من حيث تحويل الخصوم أو الأطراف المرتبطة بالبنى السابقة من موقع التهديد إلى موقع الاحتواء، عبر صفقة غير مكتوبة تجمع بين التنازل والبقاء.
في 2018 جرى تفكيك فصائل المعارضة في الجنوب وريف دمشق وحمص عبر اتفاقات أعادت قادتها إلى داخل منظومة الدولة أو أبقتهم كوسطاء محليين يمتلكون نفوذًا اجتماعيًا وأمنيًا، مقابل تسليم السلاح الثقيل وقبول السيادة المركزية، من أمثال احمد العودة قائد اللواء الثامن حينها، بينما يجري اليوم تفكيك طبقة رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق عبر مسار مالي يسمح لهم بالاحتفاظ بجزء من الثروة والقدرة الاقتصادية، مقابل إعادة جزء كبير من الأموال والتخلي عن بعض أدوات النفوذ القديمة.
تكمن المفارقة العميقة في أن كلا النموذجين لا يقومان على القطيعة مع الماضي بقدر ما يقوم على إعادة تدويره، ففي مصالحة 2018 بقي العديد من قادة الفصائل يحتفظون بعلاقاتهم المحلية وشبكاتهم الاجتماعية وقدرتهم على التأثير والرصد والتجنيد والمتابعة والتأمين والترفيق، ما جعلهم لاحقًا جزءًا من توازنات أمنية رمادية داخل مناطقهم، وفي المسار المالي الحالي يحتفظ رجال الأعمال بجزء من رأس المال والعلاقات والسوق، ما يمنحهم إمكانية إعادة تشكيل نفوذهم ولكن بأدوات اقتصادية بدل الأدوات العسكرية.
هذا يعني أن الدولة في الحالتين تراهن على تحويل النفوذ من شكل صدامي إلى شكل قابل للإدارة، سواء كان هذا النفوذ بندقية أو شركة أو شبكة مالية.
في الوقت نفسه، يكشف هذا التشابه عن مأزق سرعة تحقيق الاستقرار مقابل عمق التحول الحقيقي؛ إذ انه كما أنتجت مصالحة 2018 استقرارًا أمنيًا نسبيًا دون تفكيك كامل للبنى التي غذّت الصراع، قد تنتج التسويات المالية اليوم استقرارًا اقتصاديًا نسبيًا دون تفكيك كامل لمنظومة الفساد والامتيازات، مع احتمال إعادة تشكّلها بصيغ أكثر مرونة وهدوءً؛ ليصبح المال في الحالة الراهنة معادلًا وظيفيًا للسلاح في التجربة السابقة؛ وأداة تفاوض، وأداة اندماج، وأداة بقاء في آن واحد، وهو ما يجعل الخط الفاصل بين استعادة الدولة لقدرتها وبين إعادة تمكين الفاعلين القدامى خطًا دقيقًا ومتحركًا، تحكمه درجة الشفافية والرقابة وقدرة الدولة على منع تحوّل هذه التسويات إلى بوابة عودة ناعمة للنظام القديم داخل بنية جديدة.
التعارض مع العدالة الانتقالية
هنا يظهر تعارض بنيوي مع منطق العدالة الانتقالية التي تتحرك ضمن مسار مختلف يقوم على إنتاج حقيقة سياسية وقانونية، تعيد تعريف المسؤولية وتؤسس لذاكرة جماعية مرتبطة بالمحاسبة وجبر الضرر، إذا ما سلمنا جدلًا أن مسار التسويات المالية في سوريا يتشكل كأداة لإعادة ضبط المناخ الاقتصادي وإعادة توزيع القوة داخل السوق.
وفي هذا التوازي غير المتكافئ، يتقدم منطق استعادة الأصول وإعادة تدوير رأس المال بصفته مدخلاً لإعادة تشغيل الاقتصاد وضبط استمرارية المؤسسات والمعامل وحماية اليد العاملة، وفق إطار قانوني وتنظيمي يستند إلى القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، الأمر الذي يمنح اللجنة دورًا يتجاوز الاسترداد نحو إدارة دورة الإنتاج وإعادة إدماج الأصول داخل بنية السوق، مع فرض معايير استثمار من المفترض انها قائمة على الشفافية والاستقرار الوظيفي.
ينتج عن هذا التداخل إعادة تعريف ضمنية لفكرة العدالة داخل المجال العام، حيث يتحول المال المسترد إلى أداة لإعادة بناء الشرعية الاقتصادية للدولة وتعزيز قدرتها على التحكم بمسارات التنمية، وفي الوقت ذاته يعيد تشكيل موقع المساءلة ضمن ترتيب زمني جديد تتصدر فيه الأولوية الاقتصادية، لكونها شرطًا لإعادة الاستقرار، وهو ما يجعل ملاحقة الأموال المنهوبة وحماية الأصول المستعادة عملية مزدوجة الوظيفة تجمع بين تثبيت السيادة المالية للدولة وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية، ضمن مقاربة تسعى إلى إنتاج توازن بين استمرارية الاقتصاد وإعادة تشكيل قواعد السلطة بعد مرحلة الانهيار.
تتعمق هذه الإشكالية حين نأخذ بعين الاعتبار طبيعة الشخصيات المعنية وأسماءهم ومسمياتهم ومجالات استثماراتهم؛ إذ لا يتعلق الأمر بمخالفات مالية منفصلة عن السياق السياسي، وإنما بشبكات اقتصادية كانت جزءًا من تشغيل النظام نفسه، وساهمت في تمويله أو في تثبيت بنيته خلال الحرب.
في هذه الحالة، يصبح المال مرتبطًا بالفعل السياسي والأمني، وليس مجرد نتيجة له، وهو ما يجعل أي تسوية مالية دون مساءلة موازية تبدو كأنها تفكيك جزئي للنتيجة مع الإبقاء على الأصل. وهنا تحديدًا يظهر جوهر التعارض بحيث يكون لدينا العدالة الانتقالية تسأل كيف ولماذا حدثت الانتهاكات ومن المسؤول عنها، بينما التسوية المالية تسأل كم يمكن استعادته من الأموال وبأي سرعة وتحت أي ثمن.
كما أن هذا التعارض يتجلى على مستوى الضحايا، إذ إن العدالة الانتقالية تقوم على الاعتراف بالضرر وإشراك ذوي الضحايا في مسار الإنصاف، بينما لا تمنح التسويات المالية بالضرورة أي دور مباشر لهم، ولا تضمن أن الأموال المستردة ستُستخدم في جبر الضرر أو إعادة توزيع الثروة بشكل عادل.
وعندما يرى المجتمع أن شخصيات كانت جزءًا من اقتصاد الحرب تعود إلى السوق بعد دفع جزء من ثروتها، من دون مسار واضح للمساءلة أو الاعتراف، فإن ذلك يخلق فجوة ثقة عميقة ويضعف شرعية المرحلة الانتقالية ككل.
مع ذلك، وبتقدير بسيط، لا يبدو التعارض حتميًا بالكامل، وإنما مشروط بطريقة الدمج بين المسارين؛ إذ يمكن نظريًا تحويل التسويات إلى أداة داعمة للعدالة الانتقالية إذا جرى ربطها بشروط واضحة وشفافة، مثل الإفصاح الكامل عن مصادر الثروة، والمساهمة في كشف شبكات الفساد والمجرمين الفعليين وتقييم الأثر، وتخصيص جزء من الأموال المستردة لصناديق تعويض الضحايا وذويهم، وربط التسوية بعدم التورط في جرائم جسيمة. في هذه الحالة، يتحول المال من بديل عن العدالة إلى مدخل لها، ومن أداة تسوية إلى أداة كشف وإعادة توزيع.
لكن طالما هذه الشروط غائبة، يبقى الخطر قائمًا في أن تتحول التسويات إلى شكل من أشكال العدالة التفاوضية، وليس الانتقالية، التي تسمح للثروة بإعادة شراء موقعها داخل النظام الجديد، وهو ما يعيد إنتاج مفارقة معروفة في تجارب ما بعد النزاعات من قبيل تحقيق استقرار سريع على حساب عدالة ناقصة. وفي الحالة السورية، حيث تداخل الاقتصاد مع الأمن والسياسة بشكل عميق، يصبح هذا التوتر أكثر حدة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمن يملك المال، وإنما بمن كان جزءًا من منظومة القوة التي أنتجت هذا المال وأدارته ووجهته، وكيفية التعامل مع ذلك دون تقويض أسس العدالة نفسها.
الترا صوت
———————————
الليرة السورية في مواجهة الانهيار.. عندما يتجاوز الدولار عتبة الـ 13,500 ليرة/ مازن الشاهين
2026-04-19
لم يعد تجاوز سعر الصرف عتبة الـ 13,500 ليرة للدولار الواحد مجرد رقم عابر، بل هو إعلان صريح عن إفلاس سياسة “إطفاء الحرائق” فالليرة مرآة الأرض، وفي نهاية المطاف، قيمة العملة ليست قرار مصرف مركزي، ولا مرسوم حكومي، ولا خطاب سياسي، إنها مجموع ثقة الناس في اقتصاد دولتهم، ومجموع قدرة أرضهم على الإنتاج، ومجموع عدالة توزيع ما تُنتجه تلك الأرض، وحين يصبح الدولار يساوي 13,500 ليرة، فهذا يعني ببساطة أن كل واحدة من هذه المعادلات مُختلّة، والليرة السورية لا تحتاج إلى إبرة تخدير جديدة، بل تحتاج إلى طبيب جرّاح يُشخّص بصدق، ويُعالج بشجاعة، ويُدرك أن المريض لا يحتمل المزيد من المماطلة.
في الأسواق الشعبية لدمشق وحلب وحمص، صار الباعة يتداولون أسعار بضائعهم بالدولار قبل أن يُحوّلوها إلى الليرة للزبون، ليس لأنهم يرفضون عملة بلدهم، بل لأن الليرة باتت تذوب بين اليدين قبل أن تصل إلى المتجر من جديد، هذا المشهد اليومي يلخّص معادلة الانهيار الكاملة: عملة بلا ثقة، وسوق بلا استقرار، ومواطن بلا أمان.
الرقم الذي يقول كل شيء
لم يكن تجاوز سعر الصرف حاجز الـ 13,500 ليرة للدولار الواحد مجرد محطة رقمية في مسيرة طويلة من التدهور، بل كان إعلاناً صريحاً عن إفلاس المنهج التكتيكي القائم على إطفاء الحرائق دون معالجة مصادرها.
يقول الباحث الاقتصادي عزام الأحمد في تصريحات لـ”٩٦٣+” لفهم الصدمة الحقيقية، ثمة سياق تاريخي لا يمكن تجاهله، حيث كانت الليرة السورية تُداول بـ 50 ليرة للدولار قبيل عام 2011، أي أن المواطن السوري يشهد اليوم تآكلاً في قيمة عملته يتجاوز 270 ضعفاً في أقل من خمسة عشر عاماً، هذا الرقم وحده يكفي لوصف الكارثة.
ففي الفترة الزمنية ما قبل 2011 كان سعر الصرف (ليرة/دولار) بحدود 50، ومع بدء الأزمة الأمنية 2013–2015 كان سعر الصرف (150 – 250) بزيادة +400% وكان هناك استقرار نسبي وغطاء إنتاجي، وفي الفترة 2016–2018 ومع تدمير البنية التحتية بلغ سعر الصرف (500 – 600) بزيادة +1100%،
ويتابع: في حين بلغ سعر الصرف في الفترة 2018–2020 أرقاماً قياسية (2,500 – 4,500) بسبب عقوبات قيصر وجائحة كوفيد حيث بلغت نسبة الزيادة +8900% ، ومع الانهيار الاقتصادي شبه الكامل في الفترة 2021–2022 بلغ سعر الصرف (7,000 – 12,000).
ومع انهيار الدعم الحكومي في الفترة 2023–2024 بلغ سعر الصرف (12,000 – 16,000)، وفي الأشهر التي تلت سقوط النظام السوري انخفض سعر الصرف إلى معدلات قياسية (7,000 – 9,000) ثم واصل الصعود بهدوء إلى أن وصل اليوم إلى 13,500 بسبب عدة عوامل رئيسية أهمها، غياب الغطاء الإنتاجي الحقيقي.
ويضيف الأحمد: قبل عام 2011، كانت سوريا تمتلك قطاعاً صناعياً ونسيجياً وزراعياً قادراً على توليد فائض تصديري حقيقي، واليوم تُشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الطاقة الإنتاجية الإجمالية لم تتجاوز 35% من مستوياتها ما قبل الأزمة، وهذا الانكماش الهائل جعل سوريا دولةً مستوردة بامتياز، تحتاج الدولار لشراء كل شيء، دون أن تملك صادرات كافية لاسترداده، إضافة إلى العجز التجاري الهيكلي وهيمنة الدولار الاستهلاكي، حيث تُظهر بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن الميزان التجاري السوري يُسجّل عجزاً سنوياً يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار، فيما تشحّ الصادرات غير النفطية شحاً شديداً.
وفي هذا السياق، يتحوّل الدولار، بحسب الأحمد، من عملة احتياط إلى “عملة استهلاك يومي”، مما يضغط على الطلب الداخلي عليه باستمرار، كما أن تراجع تحويلات المغتربين لعبت دوراً كبيراً، حيث كانت تحويلات السوريين في المهجر تُشكّل رافداً دولارياً مهماً للاقتصاد الوطني، وكذلك إفلاس السياسة التكتيكية التي اتبعها المصرف المركزي من حيث تجفيف السيولة النقدية في الأسواق والتأخر في استبدال العملة الجديدة، وهي قرارات إدارية جامده تعالج العَرَض وتتجاهل العلّة، وأمام هذا الواقع المركّب، لجأت الجهات المسؤولة إلى ما يمكن وصفه بـ”الإبر المخدّرة” من حيث تحديد سعر صرف رسمي لا يعكس السوق الفعلي، وقرارات إدارية آنية لتثبيت الأسعار، وجميعها إجراءات أنتجت سوقاً موازية مزدوجة، وعزّزت منطق المضاربة، وجعلت المواطن البسيط يدفع الثمن الأعلى في كلا السوقين.
الكُلفة المعيشية وضريبة الانهيار على المواطن
الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. فوراء كل نقطة ارتفاع في منحنى سعر الصرف، ثمة أسرة سورية تُعيد حساباتها اليومية من جديد، وكفاءة مهنية تبحث عن تذكرة خروج.
يقول سمير الحميد مدرّس من ريف دمشق لـ”963+”: كنت أُدرّس الرياضيات في ثانوية حكومية براتب يبلغ الآن ما يعادل 90 دولاراً في الشهر، لا أستطيع دفع فاتورة الكهرباء والغاز معاً، فكيف أُعلّم أطفال الآخرين وأنا عاجز عن إطعام أطفالي؟
أما عبدو البري وهو صاحب ورشة من حلب فيقول لـ”963+”: كنت أُدير ورشة نجارة صغيرة ورثتها عن أبي، أغلقتها مؤخراً لأن سعر الخشب المستورد ارتفع ثلاثة أضعاف في أقل من عام، الزبائن موجودون لكن لا أحد يستطيع الدفع بما يُغطّي التكلفة.
السوق الموازية التي تحكم الاقتصاد وآليات المضاربة وتحريك السعر
يرى الأكاديمي والخبير المالي عبدالناصر إسماعيل في تصريحات لـ”963+” أنه في الواقع السوري الراهن، ثمة جهتان اقتصاديتان تعملان في آنٍ واحد: مصرف سورية المركزي وهي جهة رسمية تُعلن أسعاراً وتُصدر قرارات، وسوق موازية غير رسمية تتحكّم في السوق الفعلي، والمفارقة أن المواطن العادي يتعامل مع الثانية اضطراراً لأن الأولى لا تعكس الواقع، وتكشف متابعة منصات الصرافة الإلكترونية والأسواق غير الرسمية عن نمط ثابت، فالسعر يرتفع قُبيل نهاية الشهر مع موعد صرف الرواتب الحكومية، ويميل للاستقرار النسبي في منتصفه، وهذا الارتباط يكشف أن المضاربين يتحرّكون بناءً على دورة السيولة الحكومية، مستغلّين غياب السياسة النقدية الفاعلة للتربّح من هشاشة العرض والطلب.
ويتابع اسماعيل: إضافة إلى التلاعب النفسي ودور الإشاعة، حيث أثبتت دراسات اقتصادية متعددة أن سلوك الأسواق الناشئة وعالية المخاطر يتأثر بشكل غير متناسب بالتوقعات والإشاعات، وفي السياق السوري، كانت تغريدة واحدة على منصة تويتر أو خبر غير مؤكد على مجموعات واتساب كافيةً في أكثر من مناسبة لدفع الدولار نحو الارتفاع قبل أن تصدر أي بيانات رسمية، ومع غياب الشفافية المؤسسية يُحوّل فضاء المعلومات إلى ساحة حرب نفسية يخسرها المواطن دائماً.
ويؤكد اسماعيل أن الأثر الأشد وطأة لانهيار العملة لا يُقرأ في الجداول الاقتصادية، بل في المجتمع نفسه، فثمة تحوّلات بنيوية عميقة تجري بصمت، من اختفاء الطبقة الوسطى وتآكل رأس المال الاجتماعي، فقد كانت الطبقة الوسطى السورية تُمثّل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، موظفو الدولة، والأطباء، والمدرّسون، وأصحاب المحلات الصغيرة، وجميعهم يجدون أنفسهم اليوم في مرتبة الفقر الفعلي رغم استمرارهم في العمل، وهذا الانزلاق الجماعي نحو القاع يُقوّض تراكم رأس المال البشري وثقة المواطن في مؤسسات الدولة معاً.
ويضيف اسماعيل: هناك نزيف الكفاءات الصامت، حيث تُشير تقارير منظمات دولية متعددة إلى أن الموجة الأحدث من هجرة الكفاءات السورية اتّخذت طابعاً اقتصادياً بحتاً، لا سياسياً كما في بدايات الأزمة، فالأستاذ والمهندس والمبرمج لا يهربون من القمع بالضرورة، بل من مستحيل الصمود بـ100 دولاراً في الشهر في بلد تُسعَّر فيه الغذاء والأدوية والإيجارات بالدولار.
ويرى اسماعيل أن الحل لا يُبنى على وعود أو قرارات آنية، بل على إعادة هيكلة جراحية لمنظومة كاملة من السياسات. أبرز مرتكزاته، توحيد سعر الصرف وإلغاء التعددية وتحريره بإشراف مؤسسي، للقضاء على السوق الموازية، وأيضاً تحفيز الإنتاج المحلي، وإعفاءات ضريبية وقروض ميسّرة للصناعة، لتقليص العجز التجاري، وكذلك دعم الصادرات الفعلية، وتيسير إجراءات التصدير وخفض تكاليفه، لتوليد دخل دولاري حقيقي، ومن المهم استعادة ثقة المغتربين، وضمانات قانونية وقنوات تحويل شفافة، لزيادة تدفق الحوالات الرسمية، وأخيراً الشفافية المؤسسية، ونشر بيانات الاحتياطي والميزان التجاري، لتقليص أثر المضاربة النفسية.
ويحذر اسماعيل من أنه لا يمكن لأيٍّ من هذه الإجراءات أن يُنتج نتائج فورية، فالاستقرار النقدي الحقيقي هو انعكاس لتعافٍ اقتصادي متراكم، وتعافي المصنع والحقل وثقة المستثمر، لا رقم تُلوّح به البيانات الرسمية، والأخطر من الانهيار ذاته، أن تُقنع النخبُ نفسَها بأن الأمر تحت السيطرة.
+963
———————————
أيمن أصفري يعود إلى سوريا من بوابة إدلب
وضع رجل الأعمال السوري أيمن أصفري ومحافظ إدلب محمد عبد الرحمن، حجر الأساس لمشروع مستشفى “الدكتور محمد أديب أصفري للأمومة والطفولة” غربي محافظة إدلب.
ويأتي هذا المشروع بدعم من مجموعة “الأصفري للأعمال الإنسانية”، وبالشراكة مع “الجمعية الطبية السورية الأمريكية” (سامز).
وأوضحت الجمعية الطبية السورية الأمريكية عبر “فيسبوك”، في 18 من نيسان، أن هذا المستشفى يمثل خطوة استراتيجية مهمة نحو تعزيز خدمات صحة الأم والطفل، والاستجابة للاحتياجات الطبية المتزايدة في المنطقة، ولا سيما في مجال الرعاية التخصصية للأمهات والأطفال، وهي من أكثر الاحتياجات الصحية إلحاحًا في هذه المرحلة.
كما سيشكل المستشفى، وفقًا لـ”سامز”، منصة متقدمة للتعليم الطبي والتدريب، بما يسهم في إعداد كوادر طبية مؤهلة، قادرة على قيادة مرحلة التعافي الصحي وإعادة البناء في سوريا.
ومن خلال هذا المشروع، أكدت منظمة “سامز” التزامها بأن تكون ذراعًا داعمًا لخطط وزارة الصحة، وشريكًا معتمدا في بناء نظام صحي متكامل، مستدام، وقادر على تلبية احتياجات أهلنا بكرامة وكفاءة
وأشار محافظ إدلب محمد عبد الرحمن، إلى أهمية المشاريع الخدمية التي ستنفذها مؤسسة “أصفري” من خلال تعهد حملة “الوفاء لإدلب” بمبلغ 10 مليون دولار.
وأوضح عبد الرحمن أن هذه المشاريع تشمل قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم وسبل العيش، مشيرًا إلى أن هذه المبادرات ستسهم بشكل كبير في تحسين ظروف الحياة للأهالي في المنطقة، مما يساهم في دعم عودة السكان بشكل آمن وكريم.
بدوره، عبر رجل الأعمال أيمن الأصفري، عن سعادته بعودته إلى مدينة إدلب، مسقط رأسه، مؤكدًا أن هذه العودة تمثل له فرصة تاريخية للمساهمة بما يستطيع في عملية إعادة الإعمار.
ويعتبر الأصفري هذه خطوة ضرورية وواجبة على كل سوري، موضحًا بأنه يعمل مع المحافظة أيضًا على تأهيل عدة مدارس.
فيما أشار وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح، عبر منصة “إكس”، أن هذه المشاريع تأتي في إطار دعم الواقع الخدمي وتعزيز مقومات الاستقرار في المحافظة بعد سنوات طويلة من المعاناة، مع بدء مشاريع حقيقية تمس حياة الناس وتعيد الأمل بشكل عملي ومدروس، بما يسهم في تحسين الخدمات الأساسية لسكان محافظة إدلب.
ما مؤسسة “الأصفري”
تأسست مؤسسة “الأصفري” في عام 2006 من قبل رجل الأعمال السوري البريطاني أيمن أصفري وزوجته سوسن أصفري.
استثمرت المؤسسة أكثر من 60 مليون جنيه إسترليني في منطقة المشرق العربي والمملكة المتحدة، لتعزيز استدامة البنية التحتية للمجتمع المدني المرنة وتمكين الشباب من خلال التعليم والابتكار وريادة الأعمال.
تقدم المؤسسة تمويلًا طويل الأجل للتطوير التنظيمي والتكاليف الأساسية، مما يسمح لمنظمات المجتمع المدني بالاستثمار في نموها وتأثيرها واستدامتها.
ولد أيمن أصفري بمحافظة إدلب عام 1958 ووالده أديب، من مؤسسي حزب “البعث” الحاكم في سوريا سابقًا، كما كان سفيرًا لعدة دول.
انتقل إلى أمريكا للدراسة وحصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة “فيلانوفا”، ونال درجة الماجستير في الهندسة المدنية والحضرية من جامعة “بنسلفانيا” عام 1980.
من أثرياء العالم، ومعارض لنظام الأسد، الذي أصدر بحقه مذكرة اعتقال لاتهامه بتمويل الإرهاب.
وله مساهمات مجتمعية بعد الثورة السورية، وأسس منظمة “مدنية”، كما شارك بتمويل منظمة “الدفاع المدني السوري” (الخوذ البيضاء).
إضافة إلى نشاطه المجتمعي والاقتصادي، برز أصفري بنشاطه السياسي في بريطانيا بالملف السوري، وله دور ضمن المجتمع الدولي من أجل الضغط على نظام الأسد المخلوع.
وهو صاحب خبرة تزيد على 20 عامًا بقطاع النفط، بدأ مسيرته المهنية بسلطنة عمان بمجال المقاولات، ثم أصبح شريكًا رئيسًا لشركة “بتروفاك”، المتخصصة بتوفير الخدمات في قطاع الطاقة.
أيضًا هو الرئيس التنفيذي لمجموعة “فينتيرا”، المتخصصة بخدمات مجال طاقة الرياح البحرية، وعضو مجلس أمناء “الجامعة الأمريكية” في بيروت، ومجلس إدارة مؤسسة “كارينغي للسلام الدولي” وعضو في لجنة “تشاتام هاوس” لكبار المستشارين.
اسم مطروح سياسيًا
تردد اسم أيمن أصفري مرشحًا لقيادة أول حكومة سورية جديدة بعد سقوط الأسد، لكنه نفى في بيان، صحة الأنباء المتداولة حينها، مؤكدًا أنه لم يطلب منه ذلك ولم يسع إليه بأي شكل من الأشكال.
وأكد أصفري، في البيان، دعمه الكامل للحكومة السورية، متمنيًا لها النجاح في أداء المهام الموكلة إليها خلال هذه المرحلة الحاسمة التي تمر بها سوريا.
وجاء في البيان، نهاية شباط 2025، إن “الظروف الراهنة التي تمر بها بلادنا تستدعي تشكيل حكومة انتقالية قائمة على أسس الكفاءة والتمثيل العادل، بحيث تعكس تطلعات جميع أطياف الشعب السوري دون تحيز أو محاصصة على أسس عسكرية أو طائفية أو غيرها”.
وأضاف أصفري: “يجب أن تكون هذه الحكومة فعالة وذات صلاحيات حقيقية، قادرة على مواجهة التحديات الجسيمة التي تعصف بسوريا، وتحقيق تطلعات شعبنا العظيم، بما يليق بتضحياته الجسام”.
حملة الوفاء لإدلب
جاءت حملة “الوفاء لإدلب”، التي يندرج مشروع المستشفى تحتها، امتدادًا لحملات أخرى انطلقت بمدن سورية، بدعم من شخصيات ومؤسسات خاصة ومنظمات مجتمع مدني، وبرعاية حكومية.
تجاوزت تعهدات التبرعات في الحملة مبلغ 208 ملايين دولار، والتي أقيمت في 26 من أيلول 2025، وتهدف إلى جمع التبرعات لدعم المناطق المتضررة في المحافظة، والنهوض بالبنية التحتية التي دمرتها الحرب.
———————————
الليرة السورية في إدلب… قرار يصطدم بالسوق/ شمس الدين مطعون
الأحد 2026/04/19
بالرغم من فرض التسعير بالليرة السورية في إدلب، لا تزال معظم عمليات البيع تُنجز بالليرة التركية أو الدولار، في مشهد يعكس فجوة واضحة بين القرار الرسمي وواقع السوق. فمع تعدد العملات وتقلّب أسعار الصرف وفقدان الليرة السورية 90 في المئة من قيمتها، يجد السوريون أنفسهم أمام معادلة معقدة، حيث تعرض الأسعار بعملة، وتدفع بأخرى، فيما تبقى القيمة الحقيقية رهينة التغيّرات اليومية.
ويوضح الأكاديمي والباحث الاقتصادي حيان حبابة، أن هذا التحول ترافق مع حالة من التخبط في السوق، خصوصاً أن إدلب بقيت خارج سيطرة النظام منذ العام 2015، واعتمدت إلى حد كبير على السوق الحرة دون رقابة فعلية على الأسعار، ما أدى إلى نشوء بيئة نقدية مضطربة.
ويضيف خلال حديثه لـِ “المدن”، أن استبدال العملة في تلك المرحلة لم يكن خياراً استراتيجياً دائماً، بل تكيفاً اقتصادياً مؤقتاً فرضته الظروف، وهو ما يظهر اليوم مع محاولات إعادة استخدام الليرة السورية، بعد عودتها في الرواتب وبعض القطاعات. إلا أن العامل الحاسم، بحسب حبابة، يبقى فقدان الثقة بالعملة المحلية.
قرار لفرض الليرة السورية
في المقابل، تسعى الجهات الرسمية في إدلب، عبر قرارات رسمية، إلى إلزام المؤسسات العامة والخاصة بإظهار الأسعار بالليرة السورية، باعتبارها العملة المرجعية، في خطوة تهدف إلى توحيد آلية التعاملات المالية وتعزيز الشفافية في السوق، عبر إلزام جميع الفعاليات الاقتصادية بإبراز الأسعار بالليرة السورية بشكل واضح للمستهلك.
وفي هذا السياق، كثّفت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك دورياتها التموينية، لا سيما منذ شهر رمضان، حيث شملت الجولات الأسواق والأفران ومحال بيع المواد الغذائية، مع تنظيم ضبوط بحق المخالفين الذين لا يلتزمون بإظهار التسعيرة بالليرة السورية.
على باب أحد الأفران في ريف إدلب، يقف العم أبو راتب، يقلب بين يديه أوراقاً نقدية من فئات مختلفة: 500 ليرة سورية قديمة، وأخرى من الفئات الجديدة 100 و200، إلى جانب 50 و20 ليرة تركية. تستغرق العملية دقائق طويلة، قبل أن يطلب من عامل الفرن مساعدته في جمع ثمن ثلاث ربطات خبز.
أبو راتب، الذي حصل لتوه على الليرة السورية من أحد محال الصرافة بعد أن استبدلها من الليرة التركية، اضطر إلى هذه الخطوة فقط ليتمكن من شراء الخبز، تنفيذاً لقرار يُلزم التعامل بالليرة السورية داخل الأفران.
مشكلة التسعيرة
يتكرر هذا المشهد يومياً في إدلب وريفها مع بدء تطبيق التعميم بتوحيد العملة، ليعكس جانباً من الإرباك الذي يرافق القرار على أرض الواقع.
في أحد أسواق ريف إدلب الشمالي، رصدت “المدن” دورية تموينية تنظم ضبطاً بحق صاحب متجر بسبب عدم وضعه تسعيرة بالليرة السورية، بالرغم من أن معظم بضائعه كانت مسعرة بالليرة التركية والدولار.
وخلال النقاش، أوضح أحد عناصر الدورية لصاحب المحل أن بإمكانه البيع بأي عملة يريد، لكن بشرط أن تكون التسعيرة الأساسية مكتوبة بالليرة السورية بشكل واضح.
غير أن صاحب المحل يرى أن المشكلة لا تكمن في القرار بحد ذاته، بل في واقع السوق الذي لا يتوافق معه. ويوضح لـِ “المدن” أن معظم الزبائن لا يتعاملون أصلاً بالليرة السورية، وعندما يرون السعر بها، يسألون مباشرة عن قيمته بالليرة التركية، لأنهم ببساطة اعتادوا التعامل بها.
ويضيف أن الليرة السورية سريعة التقلب، وسعرها يختلف بين السوق السوداء والتسعيرة الرسمية، بل وحتى بين منطقة وأخرى، ما يضطره إلى تعديل الأسعار بشكل مستمر، وهو أمر مرهق له وللزبائن.
في الأيام الأولى لصرف الرواتب، تشهد شركات الصرافة في إدلب ازدحاماً ملحوظاً، حيث يسعى الموظفون إلى تحويل رواتبهم فوراً إلى عملات أخرى.
وتقول يسرى، وهي معلمة في مدارس إدلب، إنها تقبض راتبها بالليرة السورية، لكنها تسحبه فور وصوله عبر “شام كاش” وتقوم بتحويله إلى الدولار أو الليرة التركية.
وتوضح لـِ “المدن” أنها مضطرة لذلك، لأنها تدفع إيجار منزلها بالدولار، وأقساط المدارس كذلك، وحتى الجزء الأكبر من مشترياتها اليومية يكون بالليرة التركية، ما يجعل التعامل بالليرة السورية أمراً غير عملي ولا منطقي بالنسبة لها.
بين التطبيق وواقع السوق
يظهر جلياً الفارق بين القرار الرسمي لإعادة التعامل بالليرة السورية وبين سلوك المواطن وحالة السوق، حيث تُعرض الأسعار بالليرة السورية، فيما تتم عمليات البيع الفعلية غالباً بالليرة التركية أو الدولار.
وفي تقييمه لهذه القرارات، يعتبر الباحث الاقتصادي حيان حبابة أن فرض التسعير الكامل بالليرة السورية غير مجدٍ في الوقت الحالي، خاصة في مناطق شمال غربي سوريا، حيث لا تزال الليرة التركية هي الأوسع استخداماً في السوق.
ويرى أن الحالة الأكثر واقعية هي اعتماد تسعير مزدوج بالليرتين السورية والتركية، مع ربطهما بالدولار كمرجعية، لا سيما أن ما بين 70 إلى 80% من السلع في السوق مستوردة وتُسعر أساساً بالدولار.
ويحذر من أن فرض التسعير بعملة واحدة في ظل هذا الواقع قد يؤدي إلى تآكل دخل المواطنين، نتيجة الفروقات بين أسعار الصرف، داعياً إلى الإبقاء على ازدواجية التسعير مرحلياً إلى حين استقرار الليرة السورية.
ويؤكد حبابة أن استعادة الثقة بالليرة السورية لا يمكن أن تتحقق دون استعادة قدرتها الشرائية، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بقوة الاقتصاد الوطني وزيادة الناتج المحلي، عبر دعم الإنتاج وإعادة بناء البنية التحتية، وتفعيل قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة والثروة الحيوانية والسياحة.
وبين ليرة سورية تفرض على الواجهة، وعملات أخرى تُستخدم في الواقع، يبقى المواطن في إدلب عالقاً بين تسعير لا يعكس السوق، وسوق لا يعترف بالتسعير. وفي خضم هذا التداخل، لا يسعى كثيرون إلى فهم السياسات النقدية بقدر ما يحاولون ببساطة تأمين احتياجاتهم اليومية وسط فوضى لا تبدو قريبة من الاستقرار.
———————————
هذا إجمالي الدخل المعفى من الضريبة في سوريا
الأحد 2026/04/19
كشف وزير المالية السوري محمد يسر برنية أن مجموع الدخل المعفى من الضريبة يبلغ 64 مليون ليرة سورية قديمة.
وفي تصريح لـ”وكالة الأنباء السورية” (سانا)، نفى صحة المعلومات المتداولة على بعض الوسائل والمنصات الإعلامية والتي وصفها بغير الدقيقة والمجتزأة بشأن الإعفاء الضريبي.
وقال برنية إنَّه اطّلع على ما تم تداوله في بعض الوسائل والمنصات الإعلامية حول الإعفاء الضريبي، خصوصاً ما نُسب إليه من أن من يقل دخله عن 5 ملايين ليرة سورية قديمة لا يترتب عليه دفع ضريبة، موضحاً أن هذه المعلومات غير دقيقة ولا تعكس الصيغة التي جرى شرحها.
وأشار إلى أن المقترح المطروح ينص على إعفاء كل مواطن أو موظف لا يتجاوز دخله السنوي 50 مليون ليرة سورية قديمة من الضريبة، على أن يضاف إلى هذا الإعفاء 6 ملايين ليرة بدل إعالة و8 ملايين ليرة بدل معيشة مثل الإيجار والطبابة، ليبلغ إجمالي الدخل المعفى 64 مليون ليرة سنوياً، في خطوة تُعد دعماً مهماً لمحدودي الدخل وتشمل غالبية العاملين والموظفين في الدولة.
إعفاء كامل
وأكد برنية أن أصحاب الدخل المحدود سيتمتعون بإعفاء كامل من الضرائب، مع العمل أيضاً على إطلاق برامج حماية اجتماعية موجهة لدعمهم.
ولفت في تصريحه إلى أن الدولة خفّضت الضرائب بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه سابقاً، معتبراً أن المنظومة الضريبية في سوريا تُعد اليوم من بين الأدنى على مستوى المنطقة والعالم، وذلك رغم الحاجة إلى زيادة الإيرادات لتمويل الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات الأساسية
———————————-
==================
تحديث 18 نيسان 2026
———————————
الاقتصاد السوري في ظل تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران/ مازن الشاهين
الاقتصاد السوري في مهب حرب إيران: تعافٍ هش يواجه صدمة إقليمية
2026-04-18
قبل أن تُطلق الطائرات الأميركية والإسرائيلية أولى صواريخها على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، كانت سوريا تقف على مفترق طرق اقتصادي يجمع بين التفاؤل الحذر والهشاشة البنيوية، بعد انكماش تراكمي مدمر بلغ 54% بين عامَي 2011 و2025، بدأت بعض المؤشرات تُلمّح إلى انعطافه إيجابية.
فوفق تقديرات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لسوريا عام 2024 نحو 21.4 مليار دولار، وهو رقم شاحب قياساً بـ67.5 مليار دولار كانت عليه البلاد عام 2011. غير أن صندوق النقد الدولي سجّل نمواً بلغ 4.8% عام 2025، مشيراً إلى أنه “ينطلق من قاعدة منخفضة للغاية”، وكانت التوقعات الحكومية لعام 2026 تتراوح بين 5% و10%، قبل أن يُعيد الصندوق خفض توقعاته إلى 4–6% عقب التصعيد.
“التعافي الاقتصادي السوري لا يزال هشاً وقابلاً للتراجع عند أول صدمة خارجية كبرى” حسب صندوق النقد الدولي، مارس 2026، ففي الشارع السوري، كانت الأرقام الكلية تخفي معاناة يومية: متوسط راتب الموظف الحكومي لا يتجاوز 80–150 دولاراً شهرياً، في حين يُقدَّر خط الفقر الأدنى لأسرة من خمسة أفراد بنحو 4.37 مليون ليرة شهرياً، أي أن الراتب الرسمي لا يكفي الأسرة لأكثر من عشرة أيام، أما سعر الصرف الرسمي فقد استقر عند 11,000 ليرة للدولار، بينما كان السوق الموازي يتأرجح بين 12،000 و 13،000 ليرة، ومعدل التضخم السنوي لعام 2025 وصل إلى 95%، وقد أشعلت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران فتيل أزمة إقليمية من الدرجة الأولى، وسوريا التي تسعى جاهدةً لانتزاع تعافٍ هش من رحم أكثر من عقد من الحرب، وجدت نفسها أمام صدمة خارجية لم تختَرها ولم تستعد لها، فكيف أعادت الحرب على إيران رسم خريطة المخاطر الاقتصادية السورية: من قطاع الطاقة المتهالك إلى سلاسل التوريد الغذائي، ومن ضغوط الليرة إلى نافذة الفرص التي قد تُفتح أمام دمشق إن حافظت على حيادها الاستراتيجي؟
الموقف الرسمي السوري.. الحياد بين المصلحة والإكراه
لم تنضم سوريا إلى أي من طرفَي النزاع، واتخذت حكومة الشرع موقفاً هادئاً أشبه بالتحييد الاستراتيجي، كما يقول المحلل السياسي محمد عبداللطيف في تصريحات لـ”٩٦٣+” تجلّى في تشديد إجراءات الحدود مع لبنان والعراق، ومقاربة دبلوماسية تسعى إلى الاستفادة من الأزمة بدل التورط فيها، وهذا الحياد ليس ترفاً بل ضرورة وجودية، فسوريا المثقلة بتكلفة إعادة إعمار تُقدَّر بـ216 مليار دولار، وقد ترتفع إلى 250 ملياراً، لا تستطيع تحمّل تبعات الانزلاق إلى حرب جديدة، كما أن خروج القوات الإيرانية وفصائلها من الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد أزاح عن كاهل دمشق أحد أثقل أعباء الارتهان الإقليمي، وهذا لاقى استحسان على صعيد الصدى الشعبي، الذي يرى أن الحرب على مدى 14 عاماً، كان لكل من إسرائيل وإيران يد في خراب وتدمير سوريا، وكلاهما شارك في قتل الشعب السوري وتدمير اقتصاده، وهذا الشعور الشعبي يعكس واقعاً اقتصادياً موثقاً، فسوريا دفعت ثمن الوصاية الإيرانية عقوداً، ولم تجنِ اليوم من انهيار هذا النفوذ إلا فرصة للتنفس، لكن الحرب الجديدة تُهدد حتى هذه الفرصة.
رغم قتامة المشهد، يرصد عبداللطيف هامشاً من الفرص الاستراتيجية قد تنتهزها دمشق إن أدارت موقفها السياسي بذكاء، فسوريا التي خرجت من الفلك الإيراني، والتي ترتبط بعلاقات متنامية مع دول الخليج والغرب، قد تجد نفسها في موقع جيوسياسي متميز حين تنتهي الحرب وتُعاد رسم خرائط التأثير الإقليمي، وأبرز هذه الفرص موقع سوريا كممر عبور مُحتمل للطاقة والتجارة: فمع اضطراب مضيق هرمز وتصاعد الاهتمام بطرق بديلة، يبرز الدور السوري مجدداً في سياق مشروع الممر الاقتصادي الهندي ـ الأوروبي (IMEC) وبدائل إمدادات الغاز الإقليمية، كما أن الانفتاح الدولي على دمشق، يُتيح لسوريا التفاوض من موقع أكثر تعافياً حين تستقر المنطقة، بيد أن هذه الفرص مشروطة بشرط صارم: هو الاستقرار السياسي الداخلي، فلا ممر تجارياً يُبنى على أرض متصدعة، ولا مستثمر يُخاطر في بيئة ينعدم فيها اليقين القانوني والأمني.
شرارة الحرب وتداعياتها الفورية على الاقتصاد السوري
مع بدء الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية، كان رد الفعل الإيراني فورياً: إطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل والأردن ودول الخليج، بما فيها البحرين والإمارات والكويت وقطر، وفي سوريا، سقط حطام صاروخ باليستي إيراني على مبنى سكني في مدينة السويداء، مما أسفر عن مقتل أربعة مدنيين على الأقل، في أبلغ تعبير رمزي عن أن «الحياد» لا يحمي دائماً من شظايا الحروب.
يقول الباحث الاقتصادي أحمد الفياض في تصريح لـ”٩٦٣+” أنه على المستوى الرسمي، التزمت الحكومة السورية صمتاً سياسياً حذراً، واكتفت بإجراءات حدودية مشددة مع لبنان والعراق تحسباً لامتداد النزاع، ولكن على أرض الواقع الاقتصادي، كانت التداعيات تتراكم بصمت، ففي قطاع الطاقة، وهو الحلقة الأضعف، حيث تُقدَّر شبكة التوزيع في المناطق الإيرانية بنقل ما بين 34 و40 مليون لتر من المنتجات النفطية يومياً، وقد أدت الضربات الإسرائيلية على مستودعات النفط الإيرانية في مارس 2025 إلى اضطراب إمدادات الوقود عالمياً، انعكس على السوق السورية التي كانت تعاني أصلاً من أزمة طاقة مزمنة، وزادت ساعات انقطاع الكهرباء في سوريا عقب توقف إمدادات الغاز من الأردن في الثاني من مارس 2026، في حلقة مفرغة ربطت الأزمة الإقليمية بمأساة يومية ألمّت بكل بيت سوري.
ويُحذر الباحث الاقتصادي من أن التأثير الحقيقي سيظهر إذا استمرت الحرب لفترة أطول، حيث ستنعكس على إمدادات الطاقة عالمياً عبر مضيق هرمز، ما يؤدي إلى توقف تدفق النفط والغاز وارتفاع أسعارها، وهو ما سيؤثر على جميع دول العالم بما فيها سوريا.
ويشير الفياض إلى أن قطاع الطيران والسياحة تأثر هو الآخر حيث أعلنت الخطوط الجوية السورية في الثامن والعشرين من فبراير إلغاء جميع الرحلات من وإلى مطاري دمشق وحلب، قبل أن تُعيد تنظيم رحلاتها جزئياً في الثاني عشر من مارس، وقدّرت دراسة صادرة عن مجلة “إندبندنت عربية” أن خسائر السياحة جراء الحرب ستتراوح بين 34 و56 مليار دولار على المستوى الإقليمي، في قطاع كانت سوريا تُراهن عليه للحصول على العملة الصعبة.
ويضيف أن سلاسل التوريد والأسعار، هي “اضطراب مؤجّل” حيث يعتمد الاقتصاد السوري في استيراده بشكل رئيسي على الطرق البرية عبر دول الخليج وتركيا والعراق، وهذه الطرق لم تتأثر بشكل مباشر حتى الآن، مما أبقى تدفق السلع مستمراً في المرحلة الأولى من الحرب، غير أن ارتفاع أسعار الشحن والطاقة عالمياً انعكس على أسعار السلع المحلية، محذّراً من أن ارتفاع الأسعار في سوريا سيكون أكبر من غيرها بسبب عدم قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي السريع من أي صدمة خارجية، فسوريا تعاني اضطراباً في إمدادات الطاقة وعرقلةً في سلاسل الإمداد، وهي اقتصاد ينطلق من قاعدة منهكة.
ويكشف الفياض عن حجم الضرر الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية السورية الرئيسية، حتى مطلع أبريل 2026، ففي قطاع الغذاء / القمح كان حجم التأثير متوسطاً، فأي اضطراب في سلاسل التوريد يهدد الأمن الغذائي، أما الطاقة كان حجم التأثير شديداً، أدى إلى توقف جزئي لغاز الأردن، زيادة انقطاع الكهرباء، ارتفاع أسعار المحروقات، أما في الاستيراد فكان حجم التأثير متوسطاً، فالطرق البرية لم تتأثر، لكن أسعار البضائع ارتفعت، وأيضاً العملة فالتأثير شديد، حيث حدث ضغط على الليرة في السوق الموازية، فقبل الحرب على إيران، كانت ثمة بصيصٌ من أمل، أما الآن، يقف الاقتصاد السوري أمام امتحان جديد بدون أي استعداد مسبق له.
الصدمة العالمية وأثرها على سوريا
الخبير الاقتصادي المصري نبيل الحجازي يرى في تصريح لـ”٩٦٣+” أن الحرب في الشرق الأوسط أثرت سلباً على التوقعات المستقبلية لعدد من الاقتصادات التي كانت قد بدأت مؤخراً في التعافي من أزمات سابقة، فالحرب التي اندلعت في 28 فبراير أحدثت صدمة عالمية متفاوتة التأثير بين الدول، وعلى المستوى الإقليمي، اتخذت مصر قرارات طارئة بتخفيض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية بنسبة 30% وتأجيل مشاريع حكومية كبرى، وارتفع سعر الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية بأكثر من 50%، في مؤشر على عمق الصدمة العالمية التي ترتد عكسياً على الأسواق المنهكة كالسوق السورية.
ويوضح الحجازي أن الحالة السورية تتشابك في ثلاثة مسارات للتأثير: أولها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 21% من تجارة النفط العالمية، وأي إغلاق له يعني ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة تدفع ثمنه سوريا مضاعفاً بسبب ضعف احتياطياتها، وثانيها سلاسل التوريد الغذائي إذ يعتمد البلد على استيراد القمح وغيره من الحبوب، وأي اضطراب تجاري يُهدد الأمن الغذائي لملايين السوريين، وثالثها تدفق الاستثمار الأجنبي الذي كان قد بدأ يُلوح في الأفق مع الانفتاح الدولي على دمشق، وبات الآن رهينة لعدم اليقين الإقليمي، فاقتصاد ينكمش 54% لا يملك فسحة لاستيعاب صدمات خارجية، وأي موجة غلاء جديدة تقع مباشرة على أكتاف المواطن السوري الذي استنفد هوامش صموده.
ويرى حجازي أن وقف إطلاق النار، وفتح هرمز وعودة الثقة، سيؤدي في سوريا إلى تعافٍ تدريجي، وعودة الاستثمار، واستمرار فرصة دور سوريا كممر، أما في حال هدنة متقطعة، واضطراب جزئي مستمر، فالتداعيات على سوريا، تباطؤ النمو وضغط على الليرة، وتقليص مشاريع إعادة الإعمار.
ويشير حجازي إلى أن هدنة لمدة أسبوعين أُعلنت في السابع من أبريل 2026، مع تبادل مسودات أولية للتفاوض بين طرفَي النزاع، هذا المسار يفتح نافذة على حالة ترقب على المدى القريب، غير أن المآل النهائي يبقى رهين مآل المفاوضات حول الملف النووي الإيراني وتوازنات القوى الإقليمية.
ويختم حجازي بالقول إن الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي هو اقتصاد بلا شبكات أمان حقيقية، فهو يفتقر إلى احتياطيات نقدية قادرة على استيعاب الصدمات، ويعتمد على استيراد السلع الأساسية بشكل قد يجعل أي اضطراب في سلاسل التوريد كارثةً غذائية، وأجور موظفيه لا تكفي لمواجهة ارتفاع الأسعار في الأيام الاعتيادية، فكيف بموجات تضخمية جديدة تنجم عن حرب إقليمية؟
والأخطر من ذلك أن الفجوة بين التوقعات والواقع تتسع: حيث كانت الحكومة السورية تتحدث عن نمو 5–10% لعام 2026، بينما تُشير أرقام صندوق النقد الدولي المُعدَّلة إلى 4–6% في أحسن الأحوال، وقد تكون الحرب قد دفعت هذا الرقم نحو الصفر أو أدنى منه.
وما يُميّز المأزق السوري عن نظيره في دول المنطقة هو غياب الامتصاص المؤسسي: لا برلمان منعقداً لإقرار موازنة طوارئ، ولا بنك مركزي قادراً على تدخلات فعّالة، ولا صناديق سيادية تحمي العملة الوطنية، فسوريا تواجه عاصفة إقليمية بنوافذ مفتوحة وسقف هش، والمواطن السوري هو الذي يدفع الفاتورة أولاً وأخيراً.
+963
———————————
موسم مطري استثنائي في سوريا.. انتعاش زراعي وأضرار تطال المحاصيل العطرية/ خالد الخطيب
2026.04.18
شهدت سوريا خلال الموسم الحالي هطولات مطرية غزيرة ومستمرة، امتدت من بداية الشتاء وحتى نيسان الجاري، في ظاهرة اعتبرها كثير من المزارعين “استثنائية” مقارنة بالسنوات السابقة، وهذه الأمطار حملت معها وجهاً مزدوجاً، فقد كانت “نعمة” على بعض المحاصيل التي تعتمد على وفرة المياه، وفي المقابل تحولت إلى “نقمة” على محاصيل أخرى لا تتحمل الرطوبة العالية.
وخلال جولة ميدانية لموقع تلفزيون سوريا في مناطق شمال ووسط البلاد، بدا واضحاً أن حالة من التفاؤل تسود بين الفلاحين، الذين ينتظرون موسماً زراعياً واعداً في عدد من المحاصيل الأساسية، ويؤكد المزارعون أن غزارة الأمطار هذا العام خففت بشكل كبير من تكاليف الري، بل إن كثيراً من الأراضي لم تحتج إلى أي عمليات سقاية إضافية، وهو ما انعكس إيجاباً على كلفة الإنتاج.
وفي المقابل، لم تكن جميع المحاصيل على نفس القدر من الحظ، إذ تضررت أنواع معينة بشكل ملحوظ، خاصة تلك الحساسة للرطوبة، ما دفع بعض المزارعين إلى إعادة النظر بخططهم الزراعية خلال الموسم ذاته، وذلك من خلال الاستعاضة عنها بمحاصيل أخرى كالخضراوات الصيفية.
المحاصيل العطرية: الكمون الأكثر تضرراً
تعد المحاصيل العطرية من أكثر القطاعات الزراعية حساسية للتقلبات المناخية، ولا سيما ما يتعلق بمعدلات الهطول المطري وارتفاع نسبة الرطوبة، وهو ما انعكس بشكل واضح خلال الموسم الحالي في مناطق ريف حماة الشمالي وشمالي حلب، فعلى الرغم من أن الأمطار الوفيرة كانت إيجابية لكثير من المحاصيل، إلا أنها شكلت تحدياً حقيقياً للمحاصيل العطرية التي تحتاج إلى توازن دقيق في الظروف المناخية.
ويقول عبد الجبار الواصل، أحد كبار المزارعين في مدينة اللطامنة، إن محاصيل مثل الكمون والكزبرة وحبة البركة تعرضت لأضرار متفاوتة نتيجة الرطوبة العالية، إلا أن الكمون كان الأكثر تأثراً بينها، نظراً لطبيعته الحساسة تجاه المياه الزائدة، ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الكمون لا يتحمل التربة المشبعة بالمياه، ما يؤدي إلى تعفن الجذور وضعف النمو، وصولاً في كثير من الحالات إلى تلف المحصول بالكامل.
ويشير الواصل إلى أن زراعة الكمون، التي تعد من الزراعات المنتشرة والمرغوبة في ريف حماة، أصبحت هذا الموسم محفوفة بالمخاطر، حيث اضطر عدد من المزارعين إلى اتخاذ قرارات صعبة، من بينها فلاحة الأراضي المزروعة قبل نضوج المحصول، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر إعادة استثمار الأرض بمحاصيل بديلة أقل تأثراً بالرطوبة.
ولا يختلف الوضع كثيراً في مناطق شمالي حلب، حيث يؤكد مزارعون أن الأضرار تركزت بشكل أساسي في محصول الكمون، بينما حافظت محاصيل أخرى مثل حبة البركة على وضع جيد نسبياً، بفضل قدرتها الأكبر على تحمل الظروف المناخية، ويقول أبو بسام، أحد المزارعين في مارع شمالي حلب، إنه لم يجد خياراً سوى حراثة أرضه المزروعة بالكمون بعد تعرضها لتلف كبير، مضيفاً أنه يعتزم زراعتها بمحصول الحمص الربيعي لتعويض جزء من الخسائر.
الحبوب والبقوليات: المستفيد الأكبر رغم التحديات
تعد محاصيل الحبوب والبقوليات الرابح الأكبر من الموسم المطري الحالي في سوريا، إذ انعكست وفرة الأمطار بشكل مباشر على نموها وحيويتها، خاصة في مناطق شمال ووسط البلاد، فقد استفادت محاصيل القمح والشعير والفول بشكل واضح، ما خفف عن المزارعين أعباء الري ورفع من جودة النمو، وسط توقعات بإنتاج وفير هذا العام.
ويؤكد المزارع عبد الجبار الواصل أن القمح والشعير يبدوان بحالة ممتازة مقارنة بالمواسم السابقة، مشيراً إلى أن الغطاء النباتي الكثيف وتجانس النمو يعكسان موسماً واعداً من حيث الإنتاج. في المقابل، كان الحمص الشتوي الاستثناء الأبرز، حيث تضرر بشكل كبير نتيجة الرطوبة الزائدة، إذ إن ارتفاع نسبة الرطوبة في التربة يؤدي إلى زيادة الحموضة داخل النبات خلال مراحل نموه، ما يتسبب بتسربها إلى الجذور وحدوث تلف تدريجي قد يصل إلى فقدان المحصول بالكامل.
أما محصول الفول، فقد سجل هذا الموسم أداء لافتاً، إذ يقول المزارع أديب كشيمة، وهو مزارع من ريف حماة الشمالي، لموقع تلفزيون سوريا، إن نباتات الفول في ريف حماة الشمالي وصلت إلى أطوال غير مسبوقة، بفضل غزارة الأمطار وتوزعها الزمني المناسب، ما يعزز التوقعات بإنتاج جيد من حيث الكمية والنوعية، ويرى مختصون أن الهطولات العالية قد تسهم في زيادة كميات الإنتاج وتعزيز مخزون الحبوب في البلاد، في حال استمرت الأجواء المستقرة حتى نهاية الموسم، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحديات الاقتصادية والغذائية التي تمر بها سوريا.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لم تخل زراعة الحبوب والبقوليات من تحديات مرافقة للموسم المطري الغزير، فقد أدى ارتفاع معدلات الهطول إلى انتشار واسع للحشائش والنباتات الضارة بين المزروعات، ما أجبر المزارعين على تنفيذ عمليات تعشيب إضافية، ترتب عليها زيادة في التكاليف، سواء من حيث أجور العمالة أو الجهد المبذول في تنظيف الأراضي.
كما تسببت السيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة بغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق المنخفضة، ففي ريف حماة الشمالي، ولا سيما في سهل الغاب، امتدت مياه السيول لتغطي مساحات كبيرة من الأراضي المزروعة بالقمح والشعير والفول، ما أدى إلى تلف أجزاء منها، وفي شمالي حلب، تكررت هذه المشاهد على ضفتي نهر قويق في مناطق مثل مارع وأخترين، حيث تعرضت أراض زراعية للغمر.
وفي محاولة لتقليل الخسائر، يلجأ بعض المزارعين إلى إعادة استثمار هذه الأراضي بزراعة محاصيل صيفية، مثل الخضراوات، لتعويض جزء من الخسارة التي لحقت بالموسم الشتوي، وبين الفوائد الكبيرة التي جلبتها الأمطار والتحديات التي رافقتها، يبقى هذا الموسم مثالاً واضحاً على الطبيعة المركبة للقطاع الزراعي، الذي يتأثر بشكل مباشر بكل تغير مناخي، مهما بدا في ظاهره إيجابياً.
الخضراوات بين الوفرة وضعف الأسعار
لم تقتصر فوائد الأمطار على الحبوب، بل شملت أيضاً محاصيل الخضراوات، وعلى رأسها البطاطا، التي استفادت بشكل كبير من وفرة المياه، ما خفف عن المزارعين عبء تكاليف الري، التي تشكل جزءاً أساسياً من كلفة الإنتاج، وتشتهر مناطق شمالي حماة ومناطق شمالي حلب بزراعة البطاطا، وهي من الأصناف الجيدة والمرغوبة جداً بالنسبة للموائد السورية.
ويشير مزارعون التقاهم موقع تلفزيون سوريا، إلى أنه في حال توقف هطول الأمطار خلال نيسان/أبريل، فإن المحصول لن يحتاج سوى إلى عدة سقايات خلال شهري أيار وحزيران، قبل بدء موسم الحصاد في تموز شمالي حلب، وقبل ذلك بنحو أسبوعين في مناطق ريف حماة، هذا بطبيعة الحال بالنسبة لمحصول البطاطا.
وبدا أن محصول البصل هو الآخر قد انتعش، وذلك بفضل الهطولات العالية، إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه المزارعين لا يتعلق بالإنتاج، بل بالأسعار، إذ يؤكد العديد منهم أن أسعار الخضراوات الحالية لا تغطي تكاليف الإنتاج، ما يثير مخاوف من خسائر مالية رغم وفرة المحصول، ويأملون بأن تكون الأسعار مناسبة خلال أشهر القطاف، أي خلال أشهر الصيف ليتمكنوا من تغطية مصاريف الزراعة ويحققون هامشاً من الربح، ويطالب المزارعون الحكومة باتخاذ إجراءات لحماية الإنتاج المحلي، وعلى رأسها الحد من استيراد الخضراوات خلال الموسم، بما يضمن تحقيق أسعار عادلة تشجع على الاستمرار في الزراعة.
الأشجار المثمرة: أضرار جزئية وفرص لموسم واعد
لم تكن الأشجار المثمرة بمنأى عن تأثيرات الموسم المطري الغزير، إذ بدت الصورة فيها أكثر توازناً بين الفائدة والضرر، فقد أدى ارتفاع معدلات الرطوبة واستمرار الهطولات لفترات طويلة إلى تسجيل أضرار جزئية في عدة أصناف، مثل الزيتون والكرز والتين والكرمة، وهي محاصيل تتأثر بشكل مباشر بزيادة الرطوبة، التي تهيّئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض الفطرية، كالعفن وبعض الإصابات الورقية التي قد تؤثر على جودة الثمار وإنتاجيتها.
ويؤكد مزارعون التقاهم موقع تلفزيون سوريا في منطقة عفرين شمالي حلب أن هذه الأضرار، رغم حضورها، ما تزال ضمن الحدود التي يمكن السيطرة عليها، خاصة في حال التدخل المبكر، ويشيرون إلى أن استخدام المبيدات الزراعية المناسبة، إلى جانب عمليات التقليم والتهوية الجيدة للأشجار، يسهم بشكل كبير في الحد من انتشار الأمراض وتقليل الخسائر.
يقول أبو أحمد، وهو مزارع زيتون في ريف عفرين: “هذا الموسم مختلف، الأشجار ارتوت بشكل جيد، وهذا شيء إيجابي، لكن الرطوبة العالية سببت لنا بعض المشكلات، مثل ظهور بقع على الأوراق وانتشار أمراض فطرية، ننتظر أن تتوقف الهطولات المطرية ويصبح الطقس مناسباً لرش المبيدات أكثر من مرة، وهذا بطبيعة الحال يزيد التكاليف، لكن بشكل عام نتوقع موسماً جيداً إذا استقرت الأجواء في الفترة القادمة”.
ويرى المهندس الزراعي محمد عبد الله أن الموسم المطري الحالي قد يكون من المواسم الإيجابية للأشجار المثمرة على المدى العام، خاصة بالنسبة للزيتون والرمان، اللذين يستفيدان من توفر المياه في التربة خلال مراحل النمو المبكرة، ويؤكد أن هذه الوفرة المائية تعزز من قوة الأشجار وتحسن من عقد الثمار، ما ينعكس لاحقاً على حجم الإنتاج، وبحسب عبد الله، يشمل ذلك أيضاً مختلف أنواع الأشجار المثمرة التي تشتهر بها مناطق وسط وشمالي سوريا.
ويشدد عبد الله على أن العامل الحاسم في تحديد نتائج الموسم لن يكون كمية الأمطار بحد ذاتها، بل طريقة تعامل المزارعين مع آثارها، خصوصاً ما يتعلق بمكافحة الأمراض الفطرية وإدارة الري لاحقاً، فالتدخل السريع والوعي الزراعي يمكن أن يحولا هذا الموسم إلى فرصة حقيقية لتحقيق إنتاج وفير.
يعكس الموسم المطري الاستثنائي في سوريا صورة متشابكة لواقع الزراعة، حيث لا تكفي وفرة الأمطار وحدها لضمان موسم ناجح، بقدر ما يتطلب الأمر إلى إدارة ذكية لهذه الوفرة وما تفرضه من تحديات، ومع اقتراب مواسم الحصاد، تتجه أنظار المزارعين إلى عامل الأسعار بقدر ما تترقب حجم الإنتاج، إذ أن تحقيق موسم جيد لا يقاس فقط بغزارة المحصول، بل بقدرة الفلاح على تسويق إنتاجه بعائد جيد يغطي تكاليفه ويضمن استمراره.
تلفزيون سوريا
—————————-
==================
تحديث 17 نيسان 2026
———————————
وثيقة أميركية لتحويل سوريا نقطة ربط لخطوط الطاقة… و”المجلة” تنشر مضمونها
خطة السفير توم براك في ظل اضطراب الممرات البحرية
16 أبريل 2026
عاد النفط السوري إلى المشهد مجددا، لكن ليس بوصفه قضية اقتصادية عالقة أُحييت مع زوال النظام السابق، إنما باعتباره خيارا ذا وزن يُستأنف تنفيذه في ظل متغيرات جيو-سياسية غير مستقرة. وقد شكلت حملات “الغضب الملحمي” عاملا محوريا لذلك. فعلى الرغم من استمرار توقف التصعيد باتفاق هدنة “هشة” و”مؤقتة” بين واشنطن وتل أبيب وطهران الآن، أدت الحرب إلى إغلاق مضيق هرمز الذي أثّر في تدفقات الطاقة عالميا، ودفع الولايات المتحدة إلى البحث عن بدائل “تحت السيطرة”، خاصة مع احتمالات توقف حركة النقل عبر باب المندب.
وقد تكون دمشق جزءا من الحلول غير التقليدية حسب وثيقة أعدها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك وحصلت “المجلة” على نسخة منها. فالتغيرات الحالية دفعت صناع القرار للنظر شمالا في حين لم يعد الاعتماد على المعابر التقليدية أمرا مضمونا.
تحتل سوريا، على الرغم من تعقيداتها، مكانة استراتيجية، إذ لا يمكن تجاهل موقعها الجغرافي بعد اليوم. وتتيح موانئ بانياس وطرطوس التصدير المباشر إلى أوروبا، فيما تمثل سوريا المسار البري الوحيد القابل للحياة بين العراق والخليج من جهة، وتركيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
بالتالي، ما كان مستبعدا أصبح قيد النقاش الآن، وقد تكون اللحظة المناسبة لخيارات مختلفة. يتيح هذا التموضع تجاوز الغاز الروسي ومنافسة طموحات ممرات الطاقة الإسرائيلية.
لا يأتي هذا التحول من فراغ
منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تسارعت خطوات إعادة تأهيل القطاع النفطي، فألغي “قانون قيصر” في ديسمبر/كانون الأول 2025، وعادت تحويلات “سويفت” منتصف العام نفسه، وأُعيد تأسيس الشركة السورية للبترول بمرسوم رئاسي لتكون كيانا موحدا يدير كامل سلسلة القيمة. كما شكلت مشاركة سوريا في مؤتمر سيراويك ( CERAWeek) في هيوستن في مارس/آذار 2026 إشارة واضحة إلى انفتاحها على الشراكات الدولية، خصوصا الأميركية.
ميدانياً، استعادت دمشق في 18 يناير/كانون الثاني 2026 السيطرة على أبرز الحقول، بما فيها العمر وكونوكو والتنك ورميلان والسويدية، ما أعاد نحو 70 في المئة من الاحتياطيات إلى سلطة الدولة، بعد تفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”. بالتوازي، أكدت الإدارة الجديدة للقطاع إمكان استئناف الصادرات وعودة الشركات الغربية، مدعومة بإصلاحات تشريعية سمحت بملكية أجنبية كاملة للمشاريع، وتعهدات استثمارية خليجية بلغت 28 مليار دولار.
توقيع مذكرات تفاهم مع شركات أميركية كبرى
في فبراير/شباط 2026، وقّعت الشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون (Chevron) الأميركية وباور إنترناشونال هولدينج (Power International Holding) القطرية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية. وعلى هامش التوقيع، أشاد براك، خلال كلمة له بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع، قائلاً: “سوريا تبهرنا بقيادة الرئيس أحمد الشرع”. معتبراً أن “القيادة السياسية ركيزة أساسية في بناء مرحلة التعافي والاستقرار”.
وفي الشهر نفسه، أعلن أن شركات بايكر هيوز (Baker Hughes) وهنت إنرجي (Hunt Energy) وأرجنت أل أن جي (Argent LNG) الأميركية، إلى جانب شركة طاقة وأكوا باور السعوديتان، تتجه لتشكيل تحالف لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال شرق سوريا. وسيشمل المشروع ما بين أربعة وخمسة مواقع استكشافية في المنطقة الشمالية الشرقية.
وفي 5 أبريل/نيسان الجاري، وقعت الشركة السورية للبترول عقداً مع شركة “أديس” السعودية، يشمل أعمال صيانة وتطوير الآبار الحالية وحفر آبار استكشافية جديدة، متوقعة تحقيق زيادة في إنتاج الغاز تصل إلى 25 في المئة بعد الأشهر الستة الأولى.
وتجري سوريا حالياً محادثات مع شركات طاقة دولية كبرى لمنحها تراخيص لاستكشاف النفط والغاز، في ظل تقديرات تشير إلى وجود احتياطيات غازية غير مكتشفة قد تصل إلى تريليونات الأمتار المكعبة.
وكانت الشركة السورية للبترول قد وقّعت نهاية العام الماضي، مذكرة تفاهم مع كونوكو فيليبس (ConocoPhillips) ونوفاتيرا (Novatera) الأميركيتين، بهدف تطوير قطاع الغاز وتعزيز الإنتاج من الحقول القائمة، إلى جانب مذكرة مماثلة مع دانة غاز (Dana Gas) الإماراتية لإعادة تطوير وتوسعة عدد من الحقول الاستراتيجية.
بالتوازي، تواصل الشركة السورية للبترول محادثاتها مع شركات دولية مثل “إيني” و”بي بي”، مع استعداد دمشق لفتح المجال أمام استثمارات روسية وصينية، وفقا لتصريحات يوسف قبلواي، الرئيس التنفيذي للشركة.
وتتوقع الحكومة السورية تحقيق قفزة بنحو 149 في المئة في إيراداتها العامة خلال عام 2026، مدفوعة أساسا بعائدات النفط والغاز.
في الأرقام
بلغت ذروة إنتاج النفط في سوريا قبل الحرب عام 2011، نحو 380,000 برميل يوميا، في حين انحدر هذا الرقم بسبب الحرب وتضرر البنية التحتية ليبلغ نحو 110,000 برميل يوميا في بداية 2026.
وتُقدَّر الاحتياطات القابلة للاستخراج بـ2.5 مليار برميل في مقابل إمكانات لإيرادات سنوية إذا ما أُعيدت الحقول إلى العمل بـ4.6–6.1 مليار دولار. وتشير دراسة أجرتها المؤسسة العامة للنفط عام 2010، إلى أن الاحتياطات النفطية في سوريا تقدّر بنحو 27 مليار برميل من النفط، و678 مليار متر مكعب من الغاز، دون احتساب احتياطيات المناطق البحرية.
صعوبات وأكلاف تواجه البنية التحتية
أعلنت الحكومة السورية أن إجمالي خسائر قطاع النفط منذ اندلاع الحرب في 2011 بلغ أكثر من 115 مليار دولار. وتراجع إنتاج حقل التنك بنسبة 97.5 في المئة. وتوقف مجمع غاز كونوكو الذي ينتج 13 مليون م³/يوم بالكامل، فيما انخفضت طاقة المصافي في حمص وبانياس من 250,000 إلى 50,000 برميل يوميا. وتضررت شبكة الأنابيب على نطاق واسع، ولم يبق صالحا من شبكة الكهرباء، سوى 37 في المئة على مستوى البلاد.
ويحتاج أكثر من 1,000 كلم من الشبكة في شمال شرق سوريا إلى استبدال كامل. وقال قبلاوي إن الشبكة “تدهورت بشدة بفعل الترسبات الكيميائية والأملاح”. وحسب الخطة الأميركية، تبلغ تكلفة إعادة تأهيل منظومة الطاقة في الشمال تبلغ 30 مليار دولار.
مقترح أميركي لإعادة التأهيل
ستتطلب إعادة تأهيل حقول النفط السورية العمل وفق 3 مراحل تبدأ عام 2026 وصولا إلى عام 2030، حسب المخطط الأميركي.
تشمل المرحلة الأولى تنفيذ أعمال صيانة منخفضة التكلفة للآبار وإصلاحات أساسية للبنية التحتية. وتستهدف رفع الإنتاج 45,000 برميل يوميا، ورفع إنتاج الغاز 25–50 في المئة عبر اتفاقيات فنية مدعومة سعوديا.
أما في المرحلة الثانية (2027–2028)، فسيجري تركيب أنظمة حقن المياه وتقنيات الرفع الاصطناعي، وتأهيل خطوط الأنابيب، وترقية مصافي حمص وبانياس، فضلا عن إطلاق مصفاة جديدة بسعة 150,000 برميل يوميا. وفي المرحلة الثالثة (2028–2030)، سيعاد تطوير الحقول بالكامل، وتُبنى بنية الاستكشاف البحري، ويُطرح خط تصدير غاز إلى تركيا وأوروبا. قد تعود القدرة إلى 380,000 برميل يوميا أو أكثر، لكن ذلك يحتاج أمنا وحوكمة واستثمارا مستداما على مدى أكثر من 4 أعوام، حسب المخطط الأميركي.
وتقترح الخطة الأميركية أولويات خلال 90 يوما تبدأ بمرحلة فورية تشمل تنسيقا مؤسسيا، وتخفيف القيود القانونية، وإجراء تقييمات ميدانية، وتقديم نماذج تعاقدية واضحة لجذب الاستثمارات.
وتركز المرحلة القصيرة الأجل (60 يوما) على إنشاء قنوات مصرفية موثوق بها، واعتماد التحكيم الدولي، وإطلاق تراخيص بحرية شفافة، ووضع إطار مالي واضح بدعم دولي.
أما المرحلة المتوسطة (حتى 90 يوما) فتركز على طرح مناقصات لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوقيع شراكات لنقل التكنولوجيا، وتوفير تقييمات أمنية، وتفعيل أدوات تمويل وتأمين لدعم الاستثمارات.
في المقابل، تبقى التحديات الهيكلية قائمة، من هشاشة الحوكمة والمخاطر الإقليمية إلى ضعف البنية التحتية والنظام المالي، مما يجعل مسار التعافي بطيئا ومشروطا بتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والأمني.
حظوظ وتحديات خطوط النفط السورية
يمثل مشروع إحياء خط كركوك–بانياس، الممتد من العراق عبر سوريا إلى المتوسط الفرصة الأولى حسب المخطط الأميركي. وهو يتطلب استثمارا بنحو 4.5 مليار دولار خلال 36 شهرا، بعد توقفه منذ 2003. واتفقت بغداد ودمشق لإحيائه في أغسطس/آب 2025 عبر إنشاء خطين بسعة 1.5 مليون برميل يوميا، مما قد يدرّ على سوريا نحو 200 مليون دولار سنويا من رسوم العبور، مع إمكان تمديده لاحقا إلى ميناء طرابلس في لبنان.
أما الفرصة الثانية، فتتمثل بخط غاز قطر– تركيا، وهو مشروع ذو طابع جيوسياسي يربط الخليج عبر الأردن وسوريا بتركيا ثم أوروبا. وكان قد عُطّل عام 2009 تحت ضغط روسي قبل أن يعود إلى الواجهة بعد سقوط الأسد. وهو يهدف إلى نقل غاز حقل الشمال القطري إلى الأسواق الأوروبية عبر مسار “تاناب”، متجاوزا الإمدادات الروسية.
رويترز رويترز
لقطة جوية بطائرة مسيّرة تظهر خزانات تخزين النفط، مع بدء سوريا نقل النفط لأول مرة منذ سقوط نظام بشار الأسد، في ميناء طرطوس، سوريا، 1 سبتمبر 2025
والفرصة الثالثة، فتتثمل في خط غاز أذربيجان – كيليس – حلب، وهو أول ممر طاقة عامل منذ الحرب. وقد نُفّذ من كيليس في تركيا إلى حلب بطاقة تبلغ 1.2 مليار متر مكعب سنويا، ودخل الخدمة في أغسطس/آب 2025 بموجب اتفاق مع شركة “سوكار”، ليغذي محطة حلب الحرارية بنحو 900 ميغاواط، مع إمكان تمديده جنوبا نحو حمص.
أما الفرصة الرابعة، فتشمل تمديد خط الغاز العربي، الممتد من مصر عبر الأردن وسوريا إلى تركيا. وهو مشروع إقليمي موجه نحو أوروبا، ويشكل الجزء السوري حلقة الربط البرية الأساسية على الرغم من بقائه مهملا جزئيا، فيما تبحث تركيا سبل إحيائه لتمكين تصدير الغاز المصري والإسرائيلي إلى الأسواق الأوروبية.
ويتوقع براك انطلاق تعافٍ تدريجي لقطاع الطاقة في سوريا. يبدأ بإصلاحات محدودة في 2026، ثم يتسارع في 2027 مع استكمال دراسات جدوى خط كركوك–بانياس، وتمديد الغاز الأذربيجاني، وتحديث المصافي، وصولا إلى إعادة بناء الخط بالكامل خلال نحو ثلاث سنوات، بالتوازي مع حسم مشاريع كبرى مثل خط قطر–تركيا واستمرار الاستكشاف البحري.
مشهد التهديدات التي تواجه خط الأنابيب
تعكس مشاريع الأنابيب تعقيدات جيوسياسية عميقة، إذ تعثرت مبادرات كبرى مثل محور نابوكو وخط قطر–تركيا بفعل ضغوط روسية ورفض إقليمي، فيما سعت سوريا تاريخيا إلى التموضع كمركز طاقة إقليمي يربط مسارات متعددة من الخليج والبحر المتوسط وقزوين. وتبقى هذه المشاريع رهينة توازنات سياسية إقليمية، من بينها مواقف دول العبور، مما يحد من تحولها إلى واقع تنفيذي.
أما بالنسبة لخط الأنابيب المعطل الذي يربط حقل الشمال في قطر والسعودية والأردن مرورا بسوريا وتركيا (محور نابوكو) وصولا إلى أوروبا، فتبلغ تكلفة إعادة تأهيله المقترحة 10 مليارات دولار، ويصل طول الخط إلى 1,500 كلم.
وقد رفض الأسد عام 2009 إحياء خط الغاز هذا، بضغوط روسية لحماية هيمنة موسكو في أوروبا، مفضلا طرح “استراتيجيا البحار الأربعة”. وتعكس هذه الرؤية تقاطع مشاريع متعددة عبرها، من الغاز العربي إلى قزوين–نابوكو، مروراً بخط كركوك–بانياس ومشروع إيران–العراق–سوريا، ما يبرز موقعها كممر محوري لتدفقات الطاقة. كما شكل رفض السعودية مرور أي خط غاز قطري عبر أراضيها عائقا هيكليا موازيا في الأهمية.
وتظهر المعطيات أن قطاع الطاقة في سوريا يواجه منظومة معقدة من المخاطر الأمنية والسياسية، إذ لا يزال تهديد تنظيم “داعش” قائما في بيئة أمنية هشة، فيما تبقى السيطرة الحكومية على الحقول حديثة وقابلة للانتكاس، مما يهدد استمرارية الإنتاج ومسارات الأنابيب.
وفي الوقت نفسه، تتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية، حيث تسعى روسيا إلى حماية نفوذها في سوق الطاقة الأوروبي، وتحافظ إيران على حضورها غير المباشر، بينما تضيف التحركات الإسرائيلية وعدم استقرار الجنوب مزيدا من الضبابية، لتبقى مشاريع الطاقة رهينة توازنات سياسية متقلبة.
وتشكل الحوكمة تحديا بنيويا في سوريا، مع استمرار التوترات الطائفية وضعف الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، مما يرفع مخاطر عدم الاستقرار ويقوض بيئة الاستثمار. ويتزامن ذلك مع تحولات في سوق الطاقة العالمية، إذ يتجه الطلب نحو الغاز الطبيعي المسال الأكثر مرونة، مقابل تراجع جاذبية خطوط الأنابيب بسبب سجلها المرتفع من التعطل والمخاطر.
وبالتالي، لا تكمن الإشكالية في نقص الفرص، بل في تداخل هذه المخاطر، مما يجعل أي استثمار في قطاع الطاقة السوري مرهونا بتحقيق حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي، إلى جانب إطار اقتصادي وتنظيمي واضح.
وتُظهر تداعيات عملية “الغضب الملحمي” هشاشة الوضع السوري، إذ عطلت الضربات وإغلاق الأجواء سلاسل الإمداد وحركة السفر، وفاقمت أزمة الطاقة مع انقطاعات الغاز وزيادة التقنين، بالتوازي مع ضغوط إنسانية نتيجة عودة 78 ألف لاجئ سوري فجأة من لبنان بسبب القتال. كما تهدد الحرب بتقليص التمويل الخليجي لإعادة الإعمار، مما يضع مسار التعافي الاقتصادي برمته رهينة الاستقرار الإقليمي.
ارتفاع الطلب على الغاز يفرض حلول توصيل آمنة
هناك تحول بنيوي يظهر من الغاز عبر الأنابيب إلى الغاز الطبيعي المسال وهو يتقدم بالفعل ويصعب عكسه. فأكثر من 50 في المئة من تجارة الغاز لمسافات طويلة تكون عبر الغاز الطبيعي المسال في حلول 2029.
وتبلغ سعة الغاز الطبيعي المسال الجديدة عالميا في حلول 2030 300 مليار متر مكعب سنويا. وأظهرت بيانات أولية صادرة عن مجموعة بورصات لندن أن الولايات المتحدة أصبحت في عام 2025 أول دولة تتجاوز صادراتها من الغاز الطبيعي المسال حاجز 100 مليون طن سنويا، مدفوعة ببدء تشغيل محطات إنتاج جديدة. في المقابل، تتجه أوروبا هذا العام إلى استيراد كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال، مما يعزز اعتمادها على سوق عالمية تتسم بارتفاع التقلبات، وفقا لوكالة الطاقة الدولية. وبحسب تقرير صادر عن الوكالة، يُتوقع أن تتجاوز مشتريات أوروبا 185 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال خلال العام. وبات الغاز الطبيعي المسال يشكل نحو 45 في المئة من الإمدادات مقابل 20 في المئة فقط في 2021 في أوروبا، مع تراجع الغاز الروسي واتجاه الاتحاد الأوروبي لحظره في حلول 2027. وتقود آسيا نمو الطلب على الغاز المسال، فيما يتوسع اعتماده في الشرق الأوسط عبر مرافق قائمة ومشاريع قيد الدراسة، وتوفر أميركا اللاتينية حلولا مرنة عبر وحدات التخزين العائمة.
إنما يحمل صعود الغاز الطبيعي المسال مخاطر بنيوية ينبغي أن يفهمها المشترون المتقدمون. تتوقع وكالة الطاقة الدولية فائضا بنحو 65 مليار متر مكعب حتى 2030. وتتجاوز السعة الاسمية التي يُنتظر دخولها الخدمة حتى 2028، والبالغة 666 مليون طن سنويا، سيناريو الطلب الطويل الأمد لعام 2050 لدى وكالة الطاقة الدولية، البالغ 482 مليون طن سنويا.
ويُتوقع أن تنخفض واردات أوروبا بعد 2030 مع توسع الطاقة المتجددة في إطار خطة “ريباور إي يو” (REPowerEU)، التي تركز على تسريع التوسع في الطاقة المتجددة، لتصل إلى 42.5 في المئة على الأقل من استهلاك الطاقة في حلول 2030. وقد انخفض الطلب في اليابان 20 في المئة منذ 2018، بما يشير إلى بلوغ الذروة في وقت أبكر من المتوقع، وقد تثبط الأسعار المنخفضة لفترة طويلة استثمارات المنبع، بما يخلق دورة تضييق بعد 2030.
وقد أدى استبدال أوروبا الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال إلى رفع الأسعار 20 إلى 50 في المئة، بما أضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية. فالمرونة التي يوفرها الغاز الطبيعي المسال لها تكلفة.
لماذا تفشل الأنابيب والمفارقة الحاسمة لسوريا
يكشف سجل خطوط الأنابيب في الشرق الأوسط ضعف استدامتها، إذ لم يتجاوز تشغيلها 36 في المئة من عمرها المتوقع، مع تعرضها لإغلاقات متكررة وتوقف معظمها حاليا.
ويشير هذا الأداء إلى تحول خطوط الأنابيب إلى أدوات نفوذ سياسي. فقد استخدمت دول العبور موقعها الجغرافي مرارا لفرض شروطها، مما أدخل المستثمرين في ما يُعرف بـ”فخ التكلفة الغارقة”، حيث يتحول الإنفاق الرأسمالي الضخم إلى عبء. ويجد المستثمر نفسه مضطرا للقبول بإعادة التفاوض أو رفع الرسوم أو حتى مخاطر التأميم، بدل تحقيق العوائد المتوقعة.
وتواجه خطوط الأنابيب تحديات متراكمة، من تضخم التكلفة وإعادة التفاوض بسبب الاستثمارات الغارقة، إلى مخاطر الفيتو السياسي والحروب، فيما يعزز صعود الغاز الطبيعي المسال وضغوط التحول الطاقي تراجع جدواها الاستثمارية.
وتتجاذب سوق الطاقة قوتان متعارضتان: مرونة الغاز الطبيعي المسال التي تتيح إعادة توجيه الشحنات والاستفادة من الأسعار الفورية، مقابل مخاطر الجغرافيا السياسية التي تكشف هشاشة المسارات البحرية في أوقات الأزمات. وفي هذا السياق، تعود الأنابيب البرية – خصوصا عبر سوريا – كخيار بديل يتجاوز الاختناقات البحرية، على الرغم من سجلها الضعيف تاريخيا. ومع استمرار فائض المعروض، تميل السوق نحو التكلفة، لكن في زمن التوترات تتقدم الاعتمادية، مما يحوّل هذه الممرات إلى أصول جيوسياسية ذات قيمة استراتيجية.
ويقول براك: “صراع عملية الغضب الملحمي، وإغلاق هرمز، واختناقات البحر الأحمر، غيرت المعادلة جذريا، فيغدو الجسر البري عبر سوريا أصلا أمنيا جيوسياسيا، لا مجرد مشروع تجاري. ويجب أن تُبنى حجة ممر الطاقة السوري، أولا، على أسس الأمن الجيوسياسي، لأن الحجة التجارية وحدها لا تصمد أمام السجل التاريخي.” ويضيف: “عندما تتحول الاختناقات البحرية إلى سلاح، قد يبرر ضمان أمن الإمدادات عبر مسار بري مضمون ما ترفضه اقتصاديات السوق وحدها. هذه هي الحجة الرابحة”.
المجلة
———————————
من “ملك الجينز” في حلب إلى شبكة مصانع عابرة للحدود.. من هو محمد صباغ شرباتي؟/ حمزة خضر
2026.04.14
عاد اسم رجل الأعمال والصناعي السوري محمد كامل صباغ شرباتي إلى الواجهة من جديد، مع لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق لبحث واقع صناعة النسيج وسبل تطويرها في سوريا، وذلك بعد ظهوره في نيسان من العام الفائت ضمن وفد من صناعيي حلب المغتربين خلال زيارة إلى غرفة صناعة حلب.
وخلال تلك الزيارة، قال صباغ شرباتي إن الهدف منها هو الاطلاع على واقع حلب بعد غياب 14 عاماً، وإعطاء الأمل من خلال نقل الصورة إلى الصناعيين في الخارج ليقوموا بدورهم في بناء الاقتصاد وتحقيق التنمية. كما شدد على أن واجب الصناعيين يتمثل في المساهمة في بناء سوريا الجديدة، ولا سيما في المجال الصناعي، بما يساعد في إعادة المهجرين وتوفير فرص العمل لهم والنهوض بالحياة الاقتصادية في البلاد.
غير أن الرجل الذي عاد اسمه إلى التداول في هذه المرحلة ليس مجرد صناعي سوري عاد إلى بلده بعد سنوات الغياب، بل واحد من أكثر الأسماء التصاقاً بصناعة الجينز في سوريا والمنطقة. ففي أوساط الصناعيين يُعرف بلقب “ملك الجينز”، ويناديه المقربون بـ”أبو كامل”، بينما يراه كثيرون في حلب “شيخ الكار” في صناعة النسيج. وقد ارتبط اسمه طويلاً بكونه من أبرز من أسسوا صناعة أقمشة الجينز في سوريا، قبل أن تمتد تجربته لاحقاً إلى خارجها، ويسهم في توسيع حضور هذه الصناعة على مستوى المنطقة عبر استثماراته الواسعة في مصر وتركيا.
من حلب بدأت الحكاية
وُلد محمد كامل صباغ شرباتي في مدينة حلب عام 1956، ونشأ في بيئة صناعية وتجارية مرتبطة بقطاع النسيج، وهو القطاع الذي طبع مسيرته المهنية كاملة، إذ بدأت علاقته بالمهنة من مصنع والده، حيث دخل عالم الصناعة مبكراً واحتك بتفاصيل العمل والإنتاج، قبل أن يؤسس أول معمل خاص به في أواخر السبعينيات، لتبدأ منذ ذلك الوقت رحلة صعوده كأحد أبرز الأسماء الحلبية في صناعة الغزل والنسيج.
ولم يكن صعوده في هذا القطاع محدوداً، فخلال السنوات التالية، ارتبط اسمه بعدد من أبرز الكيانات الصناعية السورية، وأسس شركة صباغ شرباتي للغزل والنسيج، وامتلك أكبر معامل النسيج في سوريا، واشتهر بامتلاك 95 بالمئة من شركة صباغ شرباتي “نورتكس” التي حلها فيما بعد، كما أسس “البركة للغزل” وشارك في تأسيس “سما سوريا”.
ومع اتساع حضوره الصناعي، انتقل أيضاً إلى مواقع تمثيلية واقتصادية بارزة، فتولى رئاسة غرفة صناعة حلب بين عامي 2001 و2007، وتسلم رئاسة الاتحاد العربي للصناعات النسيجية عام 2005، وكان من مؤسسي البنك العربي – سوريا.
وحتى في السنوات الأخيرة، جدد صباغ شرباتي حضوره الاستثماري في سوريا، إذ صادقت وزارة الاقتصاد والصناعة في شباط 2026 على تأسيس شركة “ماريا” للصناعات الدوائية والطبية المحدودة في حلب.
ومع انطلاق الثورة السورية، دخل صباغ شرباتي في مسار صدام مع النظام المخلوع، فقد تعرض لضغوط أمنية بعد عام 2011، ووُضع على قائمة رجال الأعمال المطلوبين من قبل النظام بتهمة “تمويل الإرهاب”، كما صدر قرار بمنعه من السفر في 24 آب من العام نفسه، ما دفعه إلى مغادرة البلاد عبر الحدود السورية اللبنانية نحو مصر.
مصر.. القاعدة الصناعية الأكبر
إذا كانت حلب هي نقطة البداية في مسيرة صباغ شرباتي، فإن مدينة السادات في مصر تحولت إلى القاعدة الأكبر لأعماله الصناعية، حيث أسس فيها واحدة من أكبر قواعده الإنتاجية عبر شركة “الرباعية فورتكس للغزل والنسيج والصباغة”، والتي جاءت تسميتها نسبةً إلى عدد أبنائه الأربعة. وتُعد هذه المنشأة من أبرز وأكبر المجمعات النسيجية المتكاملة في أفريقيا، إذ تضم سلسلة إنتاج متكاملة تمتد من الغزل إلى النسيج، مروراً بعمليات الصباغة والتجهيز.
وفي أحد تصريحاته النادرة، أبدى صباغ شرباتي تقديره للتجربة المصرية في جذب الاستثمارات، مشيراً إلى البيئة التي وفّرتها الدولة لقطاع النسيج، وما تضمنته من تسهيلات ساعدت على تطوير الصناعة وتوسيعها، في إشارة إلى الدور الذي لعبته مصر في استيعاب جزء كبير من استثماراته خلال السنوات الماضية.
وبحسب مواقع إخبارية مصرية، تنتج شركة صباغ شرباتي أو “الرباعية” 90 مليون متر من الأقمشة سنوياً، إلى جانب ما يقارب الـ50 ألف طن من الغزول، وتعمل باستثمارات تزيد على 200 مليون دولار، ويعمل فيها أكثر من 4 آلاف عامل سوري ومصري. كما تصدر أقمشتها، ولا سيما “الغاباردين” والجينز، إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية والآسيوية، إلى جانب السوق المصرية.
ولم يتوقف التوسع في مصر عند هذا الحد، ففي شباط من العام الفائت، أُعلن عن خطة جديدة لضخ استثمارات تقارب مليار جنيه مصري (18.5 مليون دولار) لإنشاء مصنع رابع للشركة في مدينة السادات، مخصص لإنتاج الغزول، إلى جانب إضافة خطوط إنتاج للصباغة.
ويمتلك صباغ شرباتي عبر شركته “الرباعية” في مصر ثلاثة مصانع غزل بإجمالي 12 خط إنتاج، مع خطة لرفعها إلى 15 خطاً، وزيادة عدد ماكينات النسيج من 500 إلى 700 ماكينة، وهو ما يعكس حجم التوسع المستمر في أعماله هناك.
تركيا.. ذراع صناعية ثانية بقوة إنتاجية كبيرة
إلى جانب مصر، بنى محمد كامل صباغ شرباتي ذراعاً صناعية مهمة في تركيا، من خلال منشأة “Sharabati Denim Jnr Mensucat” في المنطقة الصناعية المنظمة بقضاء قادرلي في ولاية عثمانية.
وتظهر الأرقام الرسمية المنشورة من ولاية عثمانية حجم القفزة التي حققتها هذه المنشأة خلال سنوات قليلة، فقد بدأت نشاطها عام 2017 بطاقة إنتاجية بلغت 10 ملايين متر من الأقمشة، وبعدد 447 عاملاً، ثم ارتفعت بحلول عام 2022 إلى 1750 عاملاً، وطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 50 مليون متر.
كما وصفتها الولاية بأنها منشأة إنتاج متكامل للأقمشة، تصدر جزءاً كبيراً من منتجاتها إلى الخارج وتدر عائدات مهمة من العملة الأجنبية على الاقتصاد التركي. وخلال افتتاح المبنى الإداري للمنشأة في آذار 2022، قال وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي مصطفى فارانك إن الشركة تمثل “استثماراً قيّماً” يعود إلى أحد أبرز المستثمرين السوريين في تركيا، مشيراً إلى أنها توفر فرص عمل لـ1750 شخصاً وتنتج 50 مليون متر من الأقمشة سنوياً، مع تصدير نسبة كبيرة من الإنتاج إلى الخارج.
تعكس سيرة محمد كامل صباغ شرباتي مساراً ارتبط بتحولات أوسع شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، حيث انتقل جزء من النشاط الصناعي من الداخل إلى الخارج، وتشكّلت تجارب إنتاجية جديدة في بيئات مختلفة.
ومع عودة اسمه إلى الواجهة في هذه المرحلة، يأتي ذلك في سياق واقع صناعي يواجه تحديات بنيوية داخل البلاد، تتعلق بالبنية التحتية، والتمويل، وبيئة الاستثمار، في مقابل خبرات وأعمال تطورت خارجها خلال سنوات الغياب.
وبين هذين المسارين، تبرز تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه التجارب في الداخل مستقبلاً، في حال توفرت الظروف المناسبة، وما إذا كانت قادرة على الاندماج مجدداً في اقتصاد محلي ما يزال في طور إعادة التشكل.
تلفزيون سوريا
———————————
سوريا خارج قائمة الحظر الاستثماري للنرويج.. إشارات انفتاح أم اختبار ثقة؟/ طارق صبح
2026.04.17
تفتح خطوة الحكومة النرويجية برفع الحظر عن استثمارات صندوقها السيادي في السندات الحكومية السورية باباً لقراءة أوسع تتجاوز القرار بحد ذاته، نحو مسار إعادة دمج الاقتصاد السوري تدريجياً في النظام المالي العالمي.
فالقرار، الذي شمل إزالة سوريا من قائمة الدول المحظورة مقابل الإبقاء على إيران ضمنها، لا يعكس تحولاً تقنياً فقط، بل يندرج ضمن إعادة تصنيف سياسي – اقتصادي بدأت ملامحها تتشكل منذ سقوط نظام الأسد ورفع لوائح العقوبات المفروضة عن سوريا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى.
ورغم أن الخطوة لا تعني بالضرورة تدفق استثمارات فورية إلى السوق السورية، إلا أن صدورها عن جهة بحجم “إدارة استثمارات بنك النرويج”، الذي يدير أكبر صندوق ثروة سيادية في العالم بأصول تتجاوز 2.2 تريليون دولار، يمنحها وزناً يتجاوز بعدها الإجرائي، لتتحول إلى إشارة يمكن أن تؤثر في سلوك صناديق سيادية أخرى أو المستثمرين حول العالم.
دلالة مزدوجة في توقيت حساس
من الناحية العملية، لا يمتلك الصندوق النرويجي حالياً استثمارات في أدوات الدين الحكومية في الشرق الأوسط، ما يعني أن القرار لا يترجم مباشرة إلى شراء سندات سورية، لكن أهميته تكمن في كونه يعيد فتح الباب نظرياً أمام الاستثمار، بعد سنوات من العزل المالي الذي فرضته العقوبات والحرب.
ويعكس القرار، الذي أزال سوريا من القائمة وأبقى على إيران، تحولاً في النظرة الدولية، وبشكل خاص من دولة بحجم النرويج، إلى موقع سوريا في الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية، حيث يتم التعامل معها، ولو بحذر، كاقتصاد قابل لإعادة الإدماج، مقابل استمرار اعتبار إيران بيئة عالية المخاطر، سواء بسبب العقوبات أو التوترات الإقليمية.
وبالنسبة للمستثمرين، لا تمثل هذه القرارات مجرد مواقف سياسية، بل تتعدى ذلك لتكون إشارات تصنيف ضمنية تحدد درجة المخاطر المقبولة، فرفع الحظر عن سوريا لا يعني أنها أصبحت بيئة استثمارية مستقرة، لكنه يعني أنها لم تعد في خانة “الاستبعاد التام”، وهو تحول نوعي في حد ذاته.
يرى الخبير الاقتصادي يحيى السيد عمر أن القرار يأتي في “توقيت حساس”، حيث تبحث دمشق عن أي نافذة تعيد وصلها بالأسواق المالية الدولية، مشيراً إلى أن الخطوة لا تعني تدفق فوري للأموال، لكنها تحمل “دلالة مزدوجة”؛ فهي من جهة إشارة مالية تعكس تخفيفاً نسبياً في تقييم المخاطر، ومن جهة أخرى تحمل مضموناً سياسياً يوحي بمرونة تدريجية في التعامل مع الملف السوري.
إعادة بناء قابلية الاستثمار
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بحركة رؤوس أموال بقدر ما يتعلق بإعادة بناء “قابلية الاستثمار” في سوريا، وهي مرحلة تسبق عادة أي تدفقات مالية فعلية، فالأسواق، لا سيما المؤسسات الكبرى، تتحرك بناء على إشارات الثقة والتصنيفات السياسية قبل أن تتحرك بناء على الفرص الربحية المباشرة.
ويعزز هذا التوجه تزامن القرار مع خطوات أخرى تشير إلى محاولة إعادة وصل سوريا بالنظام المالي الدولي، من بينها إعادة تفعيل حسابات مصرفية خارجية، والتحركات لإعادة بناء قنوات الدفع والتسوية.
ويشير السيد عمر إلى أن صندوقاً سيادياً بحجم الصندوق النرويجي “لا يتحرك بشكل عشوائي، بل وفق تقييمات دقيقة تتعلق بالمخاطر والسمعة والاستقرار”، لافتاً إلى أن تعديل موقفه قد يُقرأ كإشارة أولية لبقية المستثمرين بأن البيئة السورية لم تعد خارج الحسابات بالكامل.
ورغم ذلك، يوضح السيد عمر أن هذا النوع من الإشارات “يُراقَب بدقة في الأسواق العالمية، وغالباً ما يسبق تحولات أوسع، لكنه لا يضمنها”، ما يضع القرار في إطار التمهيد أكثر من كونه تحولاً فعلياً.
مساران متوازيان: تقني وبناء ثقة
في جوهره، يندرج القرار النرويجي ضمن مرحلة “إعادة بناء الثقة”، وهي مرحلة غالباً ما تكون أطول وأكثر تعقيداً من مرحلة تدفق الاستثمارات نفسها.
فبعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات، لا يزال الاقتصاد السوري يعاني من تحديات بنيوية عميقة، تتعلق بضعف البنية التحتية، وتراجع الإنتاج، وغياب الاستقرار النقدي، فضلاً عن هشاشة البيئة القانونية والمؤسساتية.
ويؤكد السيد عمر أن “رفع القيود لا يعني بدء الاستثمار”، موضحاً أن الخطوة تعني “السماح النظري بالدخول إلى السوق، دون أن يعني ذلك تدفق الأموال تلقائياً”، إذ يتطلب الاستثمار الفعلي “وضوح العائد، والقدرة على الخروج من السوق، واستقرار الإطار القانوني”، وهي شروط “لا تزال غير مكتملة في الحالة السورية”.
وفي مقابل ذلك، يتقاطع هذا التطور مع مسار آخر تعمل عليه الحكومة السورية، يتمثل في إعادة بناء قنواتها المالية عبر التعاون مع شركاء إقليميين، وعلى رأسهم تركيا، من خلال بحث إنشاء حسابات مراسلة مصرفية، وإمكانية إطلاق آليات مقايضة عملات.
ويمثل هذا المسار “التقني” محاولة لإعادة تشغيل النظام المالي من الداخل، عبر تسهيل عمليات الدفع والتسوية، وتقليل الاعتماد على النقد أو الشبكات غير الرسمية، في حين يأتي القرار النرويجي ضمن مسار “استثماري – رمزي”، يركز على إعادة إدماج سوريا في نظرة الأسواق العالمية.
وبين هذين المسارين، يرى السيد عمر أن ما يحدث هو “محاولات تشير إلى وجود مسار عام نحو إعادة الاندماج، لكنه لا يزال غير مكتمل ويتحرك بوتيرة بطيئة ومحكومة بالظروف السياسية والاقتصادية”.
اختبار ثقة أم وجهة استثمارية جاهزة
مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً بين “إشارات الانفتاح” و”واقع الاستثمار”، حيث إنه حتى مع رفع القيود الرسمية، ستظل عوامل المخاطر، من تقلبات سعر الصرف إلى ضعف الإطار القانوني، حاضرة بقوة في حسابات المستثمرين.
ويشير السيد عمر إلى أن تحويل هذه الإشارات إلى تدفقات مالية فعلية “يتطلب استقرار سعر الصرف، ونظاماً مصرفياً قادراً على التعامل مع التحويلات الدولية، وبيئة قانونية تحمي حقوق المستثمرين”، إضافة إلى “التحكم بمعدلات التضخم وتحقيق قدر من الاستقرار الأمني”.
كما أن تجارب دول أخرى تشير إلى أن عودة الاستثمارات بعد فترات طويلة من العزل لا تتم بشكل تلقائي، بل تتطلب بيئة متكاملة تشمل إصلاحات اقتصادية وضمانات قانونية واضحة.
وفي حال ترافقت هذه الإشارة مع خطوات إضافية، سواء من دول أخرى أو من مؤسسات مالية دولية، فقد تتحول إلى نقطة بداية لمسار أوسع يعيد سوريا تدريجياً إلى خريطة الاستثمار العالمي.
وفي هذا السياق، يلفت الباحث السيد عمر إلى أن السوق السورية لا تزال في مرحلة “اختبار الثقة” أكثر من كونها “وجهة استثمارية جاهزة”، مع احتمال دخول مستثمرين بشكل محدود وانتقائي، في حين أن أي تدفق واسع للأموال “يبقى مرتبطاً بتحسن تدريجي في المؤشرات الأساسية”.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى القرار النرويجي بمعزل عن السياق الأوسع الذي يتحرك فيه الاقتصاد السوري، بين محاولات إعادة البناء من الداخل، ومساعي استعادة الثقة من الخارج.
ويبدو أن ما يحدث حتى الآن هو أقرب إلى سلسلة خطوات متفرقة تحمل دلالات إيجابية جزئية، دون أن ترتقي بعد إلى مستوى التحول النوعي، وهو ما يجعل الأسواق في حالة ترقب أكثر من كونها في حالة اندفاع.
تلفزيون سوريا
——————————
==================
تحديث 16 نيسان 2026
———————————
اختلالات عميقة عرّتها “الحرب”.. الليرة السورية من بين الأسوأ أداءً في العالم/ إياد الجعفري
2026.04.16
أفقدت الليرة السورية نظيرها، الجنيه المصري، سمعته التي اكتسبها بعيد بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، بوصفه أسوأ العملات أداءً مقابل الدولار. وفي حين يتخلى الدولار عن معظم مكاسبه التي سجلها منذ اندلاع الحرب، وفق الأسواق العالمية، اليوم الأربعاء، تواصل الليرة انحدارها بشكل متسارع.
وحتى ساعة كتابة هذه السطور، سجل مبيع الدولار في دمشق نحو 13600 ليرة (قديمة). وصباح بدء الحرب ضد إيران، في 28 شباط الفائت، كان مبيع الدولار قرب 11750 ليرة (قديمة). مما يعني أن سعر صرف الليرة مقابل الدولار خسر ما نسبته 15.74%، حتى الآن. أما الجنيه المصري، فقد قلّص خسائره بفعل الحرب، من 12% إلى 8.88%.
أهي تداعيات الحرب.. أم أبعد من ذلك؟
حاول موقع “تلفزيون سوريا” أن يحصل على تصريحات من أكثر من موظف في شركات صرافة بدمشق. لكنهم امتنعوا جميعاً عن الحديث بالأسماء الصريحة أو باسم شركة الصرافة التي يعملون بها. وبصورة غير رسمية، قال لنا أحدهم، إن هذا الانخفاض في سعر صرف الليرة نتيجة تداعيات الحرب مع إيران. وهو الرأي الرائج الذي رصدناه لدى أكثر من تاجر تجزئة، أيضاً.
وقد حاولنا الحصول على تفسير من مصرف سورية المركزي، بهذا الخصوص. وتواصلنا عبر الإيميل المحدد من جانبهم. لكننا لم نتلق أية إجابة حتى ساعة إعداد هذه المادة. كذلك حاولنا التواصل مع مسؤول داخل المصرف، بصورة غير رسمية، لكننا لم نتلق إجابة أيضاً. ولم يصدر عن المركزي أي تصريح أو بيان رسمي بخصوص التراجع المتسارع لسعر صرف الليرة، حتى الآن.
ليست الحرب وحدها
يتفق خبراء ومتخصصون اقتصاديون تحدث إليهم موقع “تلفزيون سوريا”، على معادلة معقّدة بخصوص تأثير الحرب مع إيران على سعر الصرف المحلي. فالحرب أثّرت بالفعل، لكنها ليست السبب العميق لهذا التراجع المتسارع في الأيام القليلة الفائتة.
ووفق وصف الدكتور رازي محي الدين، فإن “هذا التراجع ليس مجرد رقم في سوق الصرف، بل هو مؤشر حساس على اختلالات اقتصادية ومالية أعمق”. محي الدين، الذي يحمل دكتوراه في المصارف والتمويل ويترأس شركة “روابط لحلول الأعمال”، ذهب إلى أن تراجع الليرة لا يمكن اختزال أسبابه بعامل واحد، بل هو مزيج من ضغوط داخلية وخارجية. فالتوترات الإقليمية الراهنة أدت إلى تراجع السياحة وانخفاض أعداد السوريين القادمين، والتحويلات، ما قلّص أحد أهم مصادر الدولار. كما أن “المستثمر بطبيعته يكره الضبابية. ومع ترقب نتائج الصراعات الإقليمية، يتم تأجيل قرارات ضخ رؤوس الأموال، ما يضعف العرض من العملات الأجنبية”.
بدوره، يقرّ الدكتور عامر خربوطلي، بتأثير العامل النفسي الناجم عن الحرب، في دفع سوريين إلى تبديل ما بحوزتهم من ليرة سورية بالدولار، بدعوى القلق والتحوّط. وهو ما يضغط على سعر صرف الليرة نحو مزيد من الانخفاض. خربوطلي، الذي يحتل موقع المدير العام لغرفة تجارة دمشق، ويحمل دكتوراه في الاقتصاد وتطوير المشروعات الصغيرة، يلفت إلى أن التراجع في سعر الصرف ليس وليد لحظة الحرب الحالية. وسببه العميق، يتعلّق بعوامل داخلية.
ويتفق محمد علبي مع هذا التحليل. ويخبرنا الباحث في الشأن الاقتصادي السوري، والمقيم في ألمانيا: “ما يحدث اليوم هو أقرب إلى ما يُعرف اقتصادياً بظاهرة «Catch Up» ، حيث يحاول سعر الصرف اللحاق بالقيمة الحقيقية المتراجعة للعملة بعد فترة من الكبح أو التشويه”.
علّة الميزان التجاري
يتفق المختصصون الثلاثة على علّة اختلال الميزان التجاري لسوريا، بوصفه أحد أبرز الأسباب العميقة للانكشاف الذي يعيشه سعر الصرف، الآن. ويخبرنا الدكتور رازي محي الدين أن استمرار ارتفاع المستوردات مقابل ضعف الصادرات يؤدي إلى ضغط دائم على الليرة، ويزيد الطلب على الدولار.
أما الدكتور عامر خربوطلي، فيقول إن التراجع الحالي في سعر الصرف هو نتاج تراكم من عام 2025، مع زيادة فاتورة الاستيراد بشكل كبير. ويلفت إلى أن هناك عجزاً كبيراً في الميزان التجاري السوري، فالصادرات لا تشكّل أكثر من 15% منه. ويوضح خربوطلي، أن فتح الباب أمام الاستيراد خلال العام الفائت، كان له مبرراته في حينها، إذ كانت هناك آلاف السلع الممنوعة من الاستيراد وأصبحت مسموحة، وفي مقدمتها السيارات. لكن ما حدث أن القطاعات الصناعية والزراعية لم تشهد تعافياً سريعاً وواضحاً، مما جعل نسبة الصادرات السورية متواضعة مقارنة بالمستوردات.
بدوره، يقول محمد علبي إن الاقتصاد السوري بات يعتمد على الدولار كوسيط للاستهلاك دون أن يمتلك مصادر كافية لإنتاجه. ويضيف أن الصادرات ضعيفة، والاستثمار محدود، والاعتماد على التحويلات أو التدفقات غير المستقرة لا يمكن أن يشكّل قاعدة صلبة. في المقابل، الطلب على الدولار مستمر، سواء لأغراض الاستيراد أو الإدخار أو التحوّط، ما يخلق ضغطاً دائماً على سعر الصرف.
لماذا ظهر أثر هذه الاختلالات الاقتصادية على سعر الصرف الآن؟
يشرح محمد علبي هذه النقطة بصورة مستفيضة. إذ بعد سقوط النظام، انخفض سعر الصرف في السوق الموازية إلى ما دون السعر الرسمي لعدة أشهر. لكن ذلك لم يكن نتيجة تحسن بنيوي في الاقتصاد، وإنما نتيجة مجموعة عوامل ظرفية، أبرزها حبس السيولة بالليرة بشكل مكثف، إلى جانب تدفق كبير للحوالات قُدّر بنحو 4 مليارات دولار، أي ما يعادل ضعف مستويات عام 2024 تقريباً. هذا التزايد في عرض القطع الأجنبي، بالتوازي مع تقييد السيولة المحلية، أدى إلى خفض الطلب الداخلي على الدولار مؤقتاً، ما أسهم في دعم السعر الإداري وإعطائه مظهراً من الاستقرار. لاحقاً، جاءت فكرة العملة الجديدة، والتي أُحيطت بتوقعات بأنها قد تشكّل نقطة تحوّل نقدية. بالفعل، كان لها تأثير قصير الأجل، إذ أدى سحب السيولة من السوق إلى خلق طلب إضافي على الليرة لفترة محدودة، لكن هذا الأثر بقي مؤقتاً ولم يغيّر المعادلة الأساسية. فالسياسات النقدية التي تعتمد على إدارة السيولة دون معالجة جذور الاختلال لا تستطيع إنتاج استقرار دائم، بل فقط تأجيل التصحيح.
ما الآثار المرتقبة لهذا التراجع في سعر صرف الليرة؟
يمكن رصد الآثار التي ظهرت سريعاً في أسعار السلع والبضائع المتاحة في الأسوق. وعلى صعيد تجار المفرّق، أخبرنا بائع لمواد التنظيف في دمشق، أن الأسعار ارتفعت بنسب تتراوح ما بين 20 إلى 30%. في حين قال لنا بائع في محل للأدوات المنزلية، إن أسعار المواد المصنوعة من البلاستيك غير المخلوط، ارتفعت بنسبة 20%. وهذه النسب أعلى من نسبة ارتفاع الدولار في سوق الصرف (نحو 16%).
وإن كانت النتيجة المباشرة هي تآكل القدرة الشرائية للسوريين، فإن استمرار هذا التراجع واستقراره، يحمل نتائج أبعد وأعمق. يقول الدكتور رازي محي الدين، إن التضخم وعدم استقرار سعر الصرف يخلقان بيئة غير مستقرة، يصعب فيها التسعير والتخطيط، وتزداد فيها المخاطر، مما يعمّق من مشكلات قطاع الأعمال. كما أن الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي تعكس خللاً في السياسات، ما يضعف الثقة بالعملة المحلية وبالإدارة الاقتصادية. كل ذلك يجعل السوق أقل جاذبية للاستثمار، خاصة في القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل. ويشير محي الدين إلى انعكاسات اجتماعية وسياسية لهذا التراجع، في حال استمر. إذ إن تدهور المعيشة غالباً ما ينعكس على المزاج العام، ويؤثر على تقييم الأداء الحكومي.
أما الباحث محمد علبي، فيحذّر من ظاهرة التسعير على أساس توقعات مستقبلية لا على الواقع الحالي فقط. ذلك أنه في ظل غياب مرجعية مستقرة، يدخل السوق في حالة من عدم اليقين، ويتجه التجار نحو التسعير بأسعار أعلى من الرائجة في سوق الصرف. وقد رصد موقع “تلفزيون سوريا” ذلك، عبر شهادات بعض تجار المفرّق، الذين أخبرونا أن تجار الجملة باتوا يسعّرون –تحوطاً- على 14000 ليرة قديمة للدولار (أعلى 400 ليرة قديمة من السعر الرائج لحظة إعداد المادة).
ما السبل لمواجهة هذا التراجع في سعر صرف الليرة؟
يتفق المتخصصون الذين تحدثنا إليهم، على ضرورة أن تستند المعالجة إلى حزمة متكاملة من الحلول. وأن المدخل الحقيقي للحل يبقى اقتصادياً، وليس نقدياً. وقد تكون كلمة السرّ فيه، وفق محمد علبي، “توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة القدرة على توليد القطع الأجنبي عبر دعم الإنتاج وجذب الاستثمار، إلى جانب إصلاح القطاع المصرفي لاستعادة الثقة وتفعيل دوره في الوساطة المالية”. ويضيف الدكتور رازي محي الدين ما يتعلّق بتحسين الأداء الحكومي، وإصدار قوانين جاذبة للاستثمار في القطاعات الإنتاجية. إلى جانب ضرورة تفعيل الحياة التشريعية والنقابية، بصورة تتيح تعزيز الشفافية، بما يعطي إشارات إيجابية للمستثمرين بأن هناك مسار إصلاح حقيقي.
أما الدكتور عامر خربوطلي، فيتحدث عن ضرورة الرهان على الثقة بالاقتصاد السوري، الذي يتعافى ولو ببطء. مع الاتجاه لتخفيض فاتورة الاستيراد نوعاً ما، عبر حظر السلع غير المطلوبة في الوقت الحالي، والتي ما تزال تدخل بطرق مختلفة.
في الختام، يمكن القول إن “عورات” اقتصادنا تسببت بانكشاف سعر صرف الليرة بصورة جعلتها من بين الأسوأ أداءً في العالم، نتيجة تطور إقليمي لا نملك القدرة على التحكم بمساراته. وقد تكون تلك فرصة كي ينتبه صانع القرار الاقتصادي لدينا إلى درجة الهشاشة في واقعنا الاقتصادي، والبدء بالتعامل الجدّي مع أسبابها، كي لا تبقى معيشة السوريين في مهب رياح أي تطور إقليمي، في منطقة مشوبة بالتوترات الدائمة.
تلفزيون سوريا
———————————
أبعد من جدل غسان عبود: كيف يُدار الاقتصاد في سوريا؟
16 أبريل 2026
إعداد: رائد وحش، وائل قيس، مصطفى ديب
تثير مقاطع الفيديو التي نشرها رجل الأعمال السوري غسان عبود، حول طبيعة وطريقة إدارة الاقتصاد في سوريا، إلى جانب ما رافقها من تعليقات ومنشورات بين مؤيد ومعارض، جدلًا واسعًا يتجدد بشكل شبه يومي، ويطرح تساؤلات تتجاوز شخصه إلى بنية الاقتصاد ككل، وفي مقدمتها كيفية إدارة الاقتصاد في البلاد من قِبل الحكومة الجديدة. وبينما يتمحور السجال على مواقع التواصل حول نوايا عبود، وما إذا كانت تصريحاته حقيقية أم كاذبة، إلى جانب الجدل بشأن الجهات التي تهاجمه، يبرز جانب آخر غيّبه هذا السجال، ويتعلق ببنية القرار الاقتصادي في سوريا، التي أعادت هذه التصريحات تسليط الضوء على التساؤلات المطروحة حولها.
لكن عبود لم يكن الوحيد الذي تحدّث عن قرارات التفرّد بالمنظومتين الاقتصادية والاستثمارية التي تعيق تعافي البلاد. في العودة إلى عام 2025، كان رجل الأعمال أيمن الأصفري قد أكد في حوار مع “تلفزيون سوريا” أن الدولة الحديثة تحتاج منظومة فكرية واقتصادية وثقافية وسياسية مختلفة. وما بين تصريحات عبود والأصفري، حذّر خبراء واقتصاديون من التفرّد في القرار الاقتصادي، لكن ما حصل هو أن التقارير توالت عن التفرّد بالقرار الاقتصادي-الاستثماري، وهنا يمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى الفيديو الذي نشره رجل الأعمال أبو فيصل الشخير يتحدث فيه عن فساد في المنظومة الاستثمارية.
وفي ظل غياب رد رسمي من الحكومة يتضمن تفنيدًا قانونيًا أو اقتصاديًا، في مقابل تفاعل يغلب عليه الطابع الشخصي والاتهامات المتبادلة و”التخوين”، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الاقتصاد والبيئة الاستثمارية في سوريا وآليات إدارتهما، في وقت تشير فيه المؤشرات إلى توجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا على الاستثمار، دون وضوح كامل بشأن الجهات التي تدير هذا التحول أو الإطار المؤسسي الذي يحكمه.
ملامح إدارة الاقتصاد في سوريا
من الناحية الرسمية، تشكّلت ملامح إدارة الاقتصاد في سوريا عقب تشكيل الحكومة الجديدة بمرسوم رئاسي في نيسان/أبريل 2025، مع إعادة توزيع الحقائب على عدد من الوزارات والهيئات المعنية بالملفات الاقتصادية، بينها وزارة المالية، ووزارة الاقتصاد والصناعة، ووزارة الاتصالات، ووزارة الطاقة، إلى جانب ذلك، أعلنت الرئاسة السورية عن سلسلة مراسيم تشكّل بموجبها كيانات اقتصادية تُعنى بالبنية الاستثمارية في البلاد، وكانت على التوالي: الصندوق السيادي السوري حزيران/يونيو، صندوق التنمية السوري أيلول/سبتمبر، المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية تموز/يوليو، وجميعها أُسِّست بمراسيم تشريعية في 2025، فضلًا عن إعادة هيكلة هيئة الاستثمار السورية، على أن تكون تحت الإشراف المباشر للرئيس أحمد الشرع، ودُعمت هذه التحولات المؤسسية بتعديلات على قانون الاستثمار لعام 2021، وسّعت حقوق المستثمرين وأعادت تشكيل منظومة الحوافز.
بحسب ورقة تحليلية لمؤسسة “كرم شعار للدراسات”، في تعليقها على سلسلة الكيانات وارتباطها بالرئاسة السورية، تقوم البنية الاقتصادية السورية بعد الحرب على نموذج متكامل عموديًا، حيث توضع الاستراتيجية في المجلس الأعلى، ويُنفَّذ العمل عبر هيئة استثمار مبسطة، وتُموَّل المشاريع من خلال صندوق سيادي وآخر للتنمية.
وأشارت إلى أنه رغم أن هذا النموذج يعد بالمرونة وتحسين التنسيق، فإنه ينطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها تعزيز المحسوبية، إذ إن تركّز القرار في الرئاسة وتشكّل مجالس الإدارة من مُعيّنين رئاسيين فقط، يفتح المجال لتوجيه المشاريع والاستثمارات إلى المقرّبين، خاصة في ظل غياب المناقصات أو غموض إجراءاتها.
وفي موازاة ذلك، وقّعت الحكومة حزمًا من المذكرات والاتفاقات شملت قطاعات مختلفة أبرزها الطيران والاتصالات والبنية التحتية والمياه والعقار، وقدّمتها بوصفها مؤشرًا على بداية مرحلة تعافٍ اقتصادي. لكن الخبير الاقتصادي كرم الشعار يرى في ورقة بحثية أن الأكثر إثارة للقلق من المشاريع غير الواقعية هي آلية ترشيح مذكرات التفاهم وتقييمها والموافقة عليها، واصفًا النهج الحالي بأنه “ارتجالي وغير شفاف”، فضلًا عن “غياب دلائل على آليات موحّدة لفحص الجدوى أو إجراءات اختيار تنافسية، ما يغذّي المخاوف المتعلقة بالمحسوبية وتفضيل الوصول”.
كما لا بد من التنويه إلى إعلان وزارة المالية عن خطوات تشمل رقمنة الجباية وتوحيد بعض الأوعية الضريبية وتوسيع استخدام الدفع الإلكتروني، إلى جانب إنشاء مجالس تضم ممثلين عن القطاع الخاص، في حين يدعم البنك الدولي هذا التوجه عبر مشروع مخصص لتعزيز إدارة المالية العامة والرقابة والشفافية والرقمنة. تعكس الخطابات الرسمية توجهًا نحو بناء منظومة اقتصادية حديثة قائمة على الأطر القانونية والمؤسساتية، وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب تنسيق التمويل الخارجي والانضباط المالي.
حملات التبرع بين خلق الفرص وغياب الشفافية
وقد برز بشكل لافت، خلال الأشهر الماضية، حملات التبرّع التي شهدتها العديد من المدن والبلدات السورية. وفقًا لموقع “دويتشه فيله” الألماني، تجاوزت قيمة المبالغ التي جُمعت في هذه الحملات نصف مليار دولار أميركي، مشيرةً إلى أنه بينما أثارت هذه المبادرات مشاعر الفخر والتضامن في بلد أنهكته الحرب، طرحت في المقابل تساؤلات حول مصدر الأموال وشفافية إدارتها، خاصة مع مشاركة رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، وتداخل التبرعات مع ميزانيات حكومية ومشاريع تنموية قائمة.
في مثال طرحه الموقع على آلية جمع التبرعات، أوضح أن بعض وسائل الإعلام المحلية أوردت أن من بين أكبر “المتبرعين” في حملة “الوفاء لإدلب” كان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والذي ساهم بـ14 مليون دولار، بالإضافة إلى الجمعية الطبية السورية الأميركية (SAMS) التي ساهمت بـ11 مليون دولار. لكن توضيحات لاحقة، حصل عليها معدو التقرير، أظهرت أن هذه المبالغ ليست تبرعات نقدية، بل تخص مشاريع يُجري تنفيذها أصلًا، بحسب رئيس مجلس إدارة “SAMS” عبد الفتاح الشعار.
في النظر إلى حملات التبرع يبرز رأيان متقابلان؛ إذ يعكس طرح المحلل الاقتصادي رضوان الدبس رؤية تركز على الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الحملات في تحريك عجلة الإعمار وخلق فرص عمل وتحسين الخدمات، بينما يسلط يونس الكريم الضوء على البعد المؤسسي، محذرًا من غياب الشفافية وآليات الرقابة، ما يضعف فعالية هذه الأموال ويحوّلها من أداة تنموية محتملة إلى مجال مفتوح لسوء التوجيه وتداخل المصالح.
وفي هذا السياق، يرى الدبس، في تصريح سابق لـ”الترا سوريا”، أن حملات التبرع توفر سيولة نقدية تُوجَّه نحو إعادة الإعمار والترميم والبناء، ما يسهم في خلق فرص عمل وتحسين الواقع الخدمي، إضافة إلى تنشيط الاقتصاد المحلي ولو بشكل محدود. كما يلفت إلى أن هذه المبادرات تحفّز المنظمات المحلية والعربية والدولية على دعم الإعمار، عبر تقديم صورة إيجابية عن نتائج الحملات، وتسليط الضوء على الجهود المشتركة بين الحكومة والمجتمع، بما يعزز فرص استقطاب تمويل إضافي واستدامة النشاط الاقتصادي المرتبط بمرحلة التعافي.
لكنّ الكريم يعتبر، في تصريح لـ”الترا سوريا”، أن التبرعات تُجمع عبر قنوات رسمية يشرف عليها صندوق التنمية، إلا أن آليات إدارتها تفتقر إلى الشفافية، ما يجعلها عرضة لسوء التوجيه بعيدًا عن الاحتياجات الفعلية. ويشير إلى أنها لا تدخل ضمن الموازنات الرسمية بل تخضع لصلاحيات الرئاسة، ما يعيق تقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي. ويرى أن هذا الغموض يحوّل التبرعات إلى أداة رمزية أكثر منها تنموية، في ظل محدودية اطلاع المتبرعين وغياب رقابة فعلية على كيفية إنفاق الأموال، وهو ما يمكن تسميته، مجازًا، بـ”شفافية تطمينية” للمتبرع، دون أي رقابة فعلية على آلية إنفاق الأموال.
فجوة البنية المؤسسية
في المقابل، تشير وثائق البنك الدولي الخاصة بسوريا خلال عام 2026 إلى الحاجة لتعزيز البنية المؤسسية القائمة، من خلال إنشاء وحدات تنسيق داخل وزارة المالية، وقسم مركزي لإدارة التمويل الخارجي والمخاطر الائتمانية والرقابية. وتتضمن هذه الوثائق مقترحات بإنشاء وحدة لتنسيق إصلاحات إدارة المالية العامة، إلى جانب قسم موحد لإدارة الأموال والمساعدات الخارجية، بهدف رفع الجاهزية للتعامل مع تمويلات إعادة الإعمار بكفاءة وشفافية.
ويعكس ذلك توازي مسارين: توجه نحو الانفتاح الاقتصادي والاستثماري، مقابل استمرار العمل على تطوير الأدوات المؤسسية اللازمة لتنظيم هذا التحول وإدارته. وفي هذا السياق، يرى متابعون أن جانبًا من الشكاوى المرتبطة بغياب الآليات أو تعقيد الإجراءات قد يرتبط بمرحلة انتقال مؤسسية لم تكتمل بعد، في ظل استمرار العمل على تطوير الأطر التنظيمية والإدارية.
اقتصاد بلا قواعد
الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي يرى أن انتقادات رجل الأعمال غسان عبود لآلية إدارة الاستثمار في سوريا ينبغي مقاربتها في ضوء المسار الحكومي والتشريعي الجاري، مشيرًا إلى أن القوانين الناظمة للاستثمار لا تزال قيد الدراسة ولم تُطرح بشكلها النهائي. ويقول قضيماتي إن هذه القوانين تحتاج إلى إقرار من مجلس الشعب قبل دخولها حيّز التنفيذ، ما يجعل تقييمها في هذه المرحلة غير مكتمل، مضيفًا أن من غير الواضح ما إذا كانت الانتقادات المطروحة تستند إلى معرفة مسبقة بهذه التشريعات.
ويضيف أن الفجوة بين الخطاب الرسمي وتوقعات المواطنين تُعد أمرًا طبيعيًا في الدول الخارجة من النزاعات، حيث ترتفع سقوف المطالب الشعبية مقابل قدرات تنفيذية محدودة في المراحل الأولى من إعادة البناء. ويؤكد أن الحكم على معايير الشفافية في المشاريع الاستثمارية يتطلب اطلاعًا كاملًا على تفاصيلها، وهو ما لا يتوفر حاليًا، لافتًا إلى أنه شخصيًا لا يمتلك صورة شاملة عن جميع المشاريع المطروحة.
وفيما يتعلق بمرحلة إعادة الإعمار، يشير قضيماتي إلى أن اللجوء إلى استثناءات محددة لبعض الشركات قد يكون ضروريًا لتجاوز البيروقراطية وتسريع العمل، على أن يتم ذلك ضمن أطر قانونية واضحة. ويعتبر أن الاستثمارات المرتبطة بشراكات دولية تخضع بطبيعتها لضوابط مؤسساتية، إذ إن الشركات الدولية لا تنخرط في مشاريع خارج القنوات الرسمية أو دون ضمانات قانونية.
ورغم ذلك، يحذّر من أن غياب بنية مؤسساتية متكاملة لإدارة الأموال والاستثمارات قد يفتح الباب أمام مخاطر حقيقية، وهو تحدٍ تواجهه عادة الدول الخارجة من الحروب. ويخلص إلى أن المرحلة الانتقالية قد تشهد بعض التجاوزات، إلا أن التعامل معها يرتبط بقدرة الدولة على بناء منظومة قانونية ومؤسساتية مستقرة خلال عملية إعادة الإعمار.
في هذا السياق، يفسّر متابعون مضمون التصريحات التي قدّمها عبود مؤخرًا بوصفها تعبيرًا عن تساؤلات أوسع تتعلق بآليات إدارة الاقتصاد، وليس فقط بمشاريع أو مبادرات بعينها. وتشير هذه القراءة إلى أن جزءًا من النقاش يتناول طبيعة اتخاذ القرار الاقتصادي، وما إذا كان يتم ضمن أطر مؤسسية واضحة، أو عبر مسارات غير رسمية وشبكات ضيقة، في ظل غياب معايير معلنة في بعض الحالات.
في المقابل، يلفت متابعون إلى أن طريقة التفاعل مع هذه التصريحات، بما في ذلك بعض الردود التي تركّز على الدوافع الشخصية أو خلفيات الطرح، تعكس طبيعة الجدل الدائر، حيث ينتقل النقاش أحيانًا من مسألة آليات إدارة السوق إلى تقييم نوايا الأفراد.
ومع ذلك، يشير آخرون إلى أن خطاب عبود نفسه يواجه انتقادات تتعلق بأسلوب طرحه، لجهة المزج بين النقد الاقتصادي والتوصيفات الأوسع ذات الطابع الاجتماعي، ما قد يوسّع دائرة الجدل ويُدخله في اعتبارات تتجاوز الإطار الاقتصادي إلى أبعاد اجتماعية ورمزية.
يرى مراقبون أن الجدل الدائر حول تصريحات عبود يعكس، في جانب منه، توترًا مستمرًا في الخطاب العام بين رفض المقاربات المناطقية من جهة، واستدعاء مفرداتها في سياقات الدفاع أو الهجوم من جهة أخرى، ما يؤثر على طبيعة النقاش وحدوده.
وفي هذا الإطار، يلفت متابعون إلى أن جزءًا من التفاعل مع هذه التصريحات لا يركّز على تفكيك مضمونها بقدر ما يميل إلى ربطها بسياقات سياسية أوسع أو بدوافع شخصية، في ظل تداول اتهامات متعددة على منصات التواصل.
ويشير هؤلاء إلى أن بعض هذه القراءات قد يندرج ضمن التقدير السياسي، إلا أن غياب النقاش القائم على معايير واضحة أو تفنيد مؤسسي قد يعكس طبيعة مرحلة انتقالية لم تستقر فيها الأطر التنظيمية بشكل كامل، ما ينعكس على شكل التفاعل العام مع قضايا الاقتصاد والاستثمار.
وفي ظل ذلك، تتحول بعض الأسئلة المرتبطة بالشفافية أو بيئة الاستثمار إلى نقاط خلاف حادة، ما يعيد طرح تساؤلات أوسع حول كيفية بناء المنظومة الاقتصادية في سوريا وآليات إدارتها.
مساران في إدارة الاقتصاد
تشير معطيات متقاطعة من مصادر رسمية وتقارير إعلامية إلى أن مسار بناء الاقتصاد في سوريا يسير عبر اتجاهين متوازيين. المسار الأول يتمثل في الإطار الرسمي المعلن، ويشمل عمل الوزارات والهيئات الاقتصادية، إلى جانب التفاهمات مع دول مثل السعودية وتركيا، وإجراءات تتعلق برقمنة الجباية والإصلاح المالي، وإعادة تفعيل القنوات المصرفية، وتشجيع الاستثمار في قطاعات الطيران والاتصالات والطاقة والبنية التحتية، مع تأكيدات متكررة من وزارة المالية على دور القطاع الخاص في المرحلة المقبلة.
في المقابل، تتحدث تقارير إعلامية، بينها تحقيقات نشرتها رويترز، عن مسار آخر أقل وضوحًا، يتصل بآليات إدارة القرار الاقتصادي وتوزيع النفوذ، بما في ذلك الإشارة إلى أدوار غير رسمية لبعض الشخصيات في متابعة ملفات الاستثمار، ووجود ترتيبات تتعلق برجال أعمال من المرحلة السابقة، إلى جانب مقاربات لإعادة توزيع بعض الأصول الاقتصادية.
كما تناولت تقارير لاحقة توجهات داخلية للحد من ممارسات الفساد وتعزيز الشفافية، بما في ذلك دعوات لمسؤولين للإفصاح عن استثماراتهم وتنظيم العلاقة مع القطاع الخاص. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى تقرير وكالة “رويترز”، الذي سلط الضوء على محاولات الرئيس الشرع ضبط سلوك الموالين ومنع تفشي الفساد، إذ “وبّخ المسؤولين وقادة الأعمال” متسائلًا عما إذا كانوا “قد ضعفوا أمام الإغراءات بهذه السرعة”، ولوّح بإجراءات تتعلق بـ”الكسب غير المشروع”. ويؤكد التقرير أنه شدد على “عدم التسامح مع أي شبهة فساد”، ضمن سعيه للتحول إلى حكم مدني دون تكرار نموذج النظام السابق. إلا أن الوقائع، وفق مقابلات أجرتها الوكالة، تشير إلى استمرار ممارسات مثل دفع الرشاوى ووجود “تسويات غامضة”، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والتطبيق العملي.
في المقابل، ذكر تقرير منفصل لـ”رويترز” أن إدارة إعادة هيكلة الاقتصاد في سوريا تتم عبر لجنة سرية يقودها شخص يُعرف باسم “أبو مريم الأسترالي”، وهو إبراهيم سكرية، ضمن دائرة ضيقة ترتبط مباشرة بحازم الشرع. وبحسب التحقيق، تعتمد هذه الدائرة على أسماء حركية وتعمل خارج الإطار المؤسسي المعلن، حيث تتولى التفاوض مع رجال أعمال والاستحواذ على أصول مصادرة تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار. وأشارت الوكالة إلى أن نفوذ أبو مريم يتجاوز الدور التنفيذي ليصل إلى توجيه القرار الاقتصادي، ضمن شبكة غير رسمية تثير مخاوف متزايدة لدى المستثمرين والدبلوماسيين بشأن الشفافية والمساءلة.
ويعكس توازي هذه المعطيات استمرار النقاش حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يتشكل في سوريا، بين مقاربة مؤسسية معلنة، وأخرى ترتبط بآليات إدارة القرار على نحو غير رسمي في بعض الحالات، وهو ما يضعف وضوح قواعد السوق ويحدّ من ثقة الفاعلين الاقتصاديين. كما يشير هذا التداخل إلى أن مسار الانفتاح الاستثماري لا يزال محكومًا بتوازنات غير مستقرة بين المؤسسات الرسمية ومراكز النفوذ، ما يطرح تحديات جدية أمام ترسيخ بيئة استثمارية قابلة للتنبؤ ومستندة إلى قواعد شفافة ومستقرة.
توزيع النفوذ والفرص
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي محمد عيسى أن جزءًا من الجدل الدائر يعكس طبيعة توزيع النفوذ الاقتصادي في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن حصر بعض العطاءات والامتيازات ضمن دوائر محدودة قد أسهم في تعزيز حالة من التنافس والاحتقان بين الفاعلين الاقتصاديين. ويضيف أن محاولات توسيع المشاركة في بعض القطاعات لم تكن كافية، أو جرت بآليات يصفها بـ”غير المكتملة”، ما أدى إلى استمرار الشعور بعدم تكافؤ الفرص لدى شرائح مختلفة من رجال الأعمال.
كما يلفت إلى أن هذا الواقع يتقاطع مع غياب منظومة مؤسسية مكتملة لإدارة التوازن بين السلطات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن تركّز القرار في دوائر محددة قد يحدّ من فعالية الأطر التنظيمية المفترضة في الاقتصادات الحديثة. وفي قراءته، لا ينفصل الجدل المرتبط بتصريحات غسان عبود عن هذا السياق، إذ يعكس، بحسب قوله، خلافات تتعلق بآليات توزيع الفرص الاقتصادية أكثر من كونها خلافات مبدئية حول طبيعة النموذج الاقتصادي المطلوب.
طبيعة الجدل والخطاب العام
وأمام ما راكمته الفترة السابقة من تساؤلات حول طبيعة إدارة الاقتصاد، يربط متابعون كُثر بين الجدل الذي أثارته تصريحات عبود وبين التحديات الأوسع المرتبطة بمرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد في سوريا، في ظل تباين بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الانفتاح الاستثماري، والتساؤلات المطروحة حول آليات تطبيقه على أرض الواقع.
وتشير هذه القراءة إلى أن هذا التباين ليس معزولًا، بل يرتبط بسمات شائعة في اقتصادات خارجة من الحرب، حيث يتقاطع السعي لجذب الاستثمارات مع الحاجة إلى ضبط مساراتها ضمن أطر تنظيمية واضحة، في وقت لم تستقر فيه بعد العلاقة بين المؤسسات الرسمية ومراكز التأثير غير الرسمية.
لذلك، يُنظر إلى الجدل حول عبود بوصفه مؤشرًا على طبيعة التفاعل بين الدولة والقطاع الخاص، واختبارًا لمدى قدرة البيئة الاقتصادية على استيعاب انتقادات داخلية، ولآليات تنظيم السوق وحدودها.
كما يلفت متابعون إلى أن تقييم خطاب عبود نفسه لا ينفصل عن الجدل الأوسع، إذ تتقاطع الانتقادات الموجهة إليه مع ملاحظات تتعلق بأسلوب الطرح، في مقابل نقاش موازٍ حول طبيعة الردود عليه ومدى استنادها إلى معايير مؤسسية واضحة.
وفي ظل ذلك، تبقى تساؤلات أساسية مطروحة حول مسار بناء المنظومة الاقتصادية في سوريا، وطبيعة النموذج الذي يتشكل فيها، بين مقاربة مؤسسية قائمة على قواعد شفافة، وأخرى ترتبط بآليات إدارة القرار ضمن دوائر أكثر ضيقًا في بعض الحالات.
حتى الآن، لا تزال هذه الأسئلة مفتوحة دون إجابات مؤسسية حاسمة، في وقت يرجّح فيه مراقبون أن استمرار هذا التداخل قد يؤدي إلى تكرار جدالات مشابهة في المستقبل، مع بروز قضايا جديدة تعكس الإشكاليات ذاتها.
الترا سوريا
———————————
فائضٌ على الورق وأزمةٌ في الواقع: لماذا لا يشعر السوريون بتحسّن الاقتصاد؟/ أحمد الجابر
فائض الموازنة في سوريا.. تحسنٌ رقميٌّ وواقعٌ معيشيٌّ صعب
2026-04-15
في خطوةٍ وُصفت بأنها لافتةٌ في مسار المالية العامة، أعلنت الحكومة السورية تحقيق فائضٍ في موازنة عام 2025 للمرة الأولى منذ نحو 35 عاماً، بعد عقودٍ من تسجيل عجزٍ متواصلٍ، حيث بلغ الفائض نحو خمسة مليارات ليرة سورية، أي ما يعادل قرابة 46 مليون دولار، بنسبةٍ تُقدّر بـ0.15% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويأتي هذا التحول في ظل زيادةٍ كبيرةٍ في الإيرادات التي تجاوزت 120% مقارنةً بالعام السابق، مقابل نموٍّ أقل في الإنفاق، ما ساهم في تحقيق هذا التوازن المالي.
غير أن هذا التطور المالي يتزامن مع واقعٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ معقدٍ، إذ لا يزال التعافي الاقتصادي محدوداً رغم بعض المؤشرات الإيجابية، في وقتٍ تشير تقديرات دولية إلى أن النمو يبقى ضعيفاً والتحديات الهيكلية مستمرة، خصوصاً مع قيود التمويل الخارجي واحتياجات إعادة الإعمار الضخمة التي تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات.
وفي هذا السياق، يطرح تحقيق فائضٍ ماليٍّ تساؤلاتٍ جوهريةً حول مدى انعكاسه على الواقع المعيشي للسكان، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وضعف الخدمات الأساسية، وهو ما يدفع إلى قراءةٍ أعمق للفجوة بين تحسن المؤشرات الكلية واستمرار التحديات اليومية التي تواجه المواطنين.
فائضٌ لا يعني تحسناً
يقول علي متولي، الاستشاري الاقتصادي بشركة “آي بي إس” للاستشارات في لندن، لـ”963+”، إن وجود رصيدٍ موجبٍ في الموازنة لا يعني بالضرورة تحسن معيشة الناس، موضحاً اقتصادياً لافتاً أن الحكومة تتحدث عن زيادةٍ صغيرةٍ جداً تُقدّر بحوالي خمسة مليارات ليرة، أي ما يعادل نحو ستةٍ وأربعين مليون دولار، وهو ما يمثل تقريباً 0.15% من الناتج المحلي، وهو رقمٌ يصفه بأنه رمزيٌّ جداً مقارنةً بحجم الاحتياجات والمعاناة اليومية.
ويضيف أن هذه الزيادة جاءت نتيجة نموّ الإيرادات بوتيرةٍ أسرع من الإنفاق، وليس بالضرورة بسبب نموٍّ حقيقيٍّ في القطاعات الاقتصادية المختلفة، مشيراً إلى أن الإيرادات ارتفعت بنحو 120% مقارنةً بعام 2024، الذي شهد بدوره زيادةً بحوالي 45%، ما يجعل تحقيق رصيدٍ موجبٍ أمراً متوقعاً في ظل هذه الظروف.
ويلفت إلى أن تشديد تحصيل الضرائب والرسوم، أو كبح الإنفاق، قد يؤديان إلى تحقيق فائضٍ، لكنه يعلل بأن ذلك لا يُعد دليلاً على تحسن الاقتصاد بالنسبة للمواطنين، ولا يعني زيادةً في الإنتاجية أو الوظائف أو الخدمات. بل يرى أن الواقع قد يكون عكس ذلك، حيث تستمر الضغوط الناتجة عن نقص الطاقة وضعف البنية التحتية.
ويتابع متولي بالإشارة إلى أن مستويات الفقر والجوع لم تشهد أي تحسنٍ يُذكر، موضحاً أن نحو تسعة ملايين شخصٍ في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وهو رقمٌ ضخمٌ يعكس عمق الأزمة.
كما ينوه إلى أن حجم إعادة الإعمار المطلوب يتجاوز 200 مليار دولار، ما يعني أن فائضاً صغيراً في الموازنة لن يكون كافياً لإحداث تحولٍ سريعٍ في مستوى الخدمات أو رفع دخل المواطنين.
ويستطرد قائلاً إن ارتفاع الضرائب والرسوم رغم ضعف القوة الشرائية يعود إلى محاولة الدولة تمويل نفسها داخلياً في ظل محدودية التمويل الخارجي، مشيراً إلى أن التضخم وتراجع قيمة العملة يضعفان القيمة الحقيقية للإيرادات، ما يدفع الحكومة إلى زيادة التحصيل أو تعديل القوانين الضريبية لتعزيز دخلٍ ثابتٍ. ويضيف أن هناك مساراً لإصلاحٍ ضريبيٍّ مطروحٍ، يتضمن قانون ضريبة دخلٍ جديدٍ واتجاهاً نحو توسيع القاعدة الضريبية وتحسين التحصيل.
وفي سياقٍ متصلٍ، يشير إلى أن التساؤل حول أين تذهب هذه الإيرادات ولماذا لا تتحسن الخدمات، يمكن تفسيره بأن جزءاً كبيراً من الإنفاق يُخصص للتسيير اليومي والالتزامات القديمة وتشغيل الخدمات الأساسية، ما يترك حيزاً محدوداً جداً للاستثمار الحقيقي في قطاعاتٍ مثل الكهرباء والمياه والطرق، مقارنةً بحجم الدمار.
ويعتبر أن تحسن أرقام الموازنة على الورق لا ينعكس بالضرورة على الواقع المعيشي، إذ يعتقد أن إصلاح الخدمات يتطلب استثماراتٍ ضخمةً وتمويلاً طويل الأجل، إضافةً إلى وقتٍ وتنفيذٍ فعّالٍ على الأرض، وليس مجرد تحقيق فائضٍ في سنةٍ واحدةٍ.
ويستكمل موضحاً أنه قد يُلاحظ تحسنٌ في بعض المؤشرات الكلية، مثل توازن الميزانية أو نمو الإيرادات أو حتى تعافي الناتج بعد تراجعٍ حادٍّ، لكنه يرى أن ذلك لا يترجم تلقائياً إلى تحسنٍ في الحياة اليومية، خاصةً إذا ظلت الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والوقود والمياه ضعيفةً، أو إذا كان العبء الاقتصادي موزعاً بشكلٍ غير عادلٍ، أو إذا كان التحسن قائماً على كبح الإنفاق بدلاً من تحفيز الإنتاج.
ويشير إلى أن هذه الحالة تُعرف اقتصادياً بالفجوة بين الاستقرار الكلي والرفاهية المعيشية، لافتاً إلى أن الجزء الأكبر من الموازنة يذهب إلى الأجور والتسيير وليس إلى الاستثمار، حيث يقدّر أن أكثر من 40% من الإنفاق مخصصٌ للأجور، وهو ما يحدّ من القدرة على توجيه الموارد نحو تحسين البنية التحتية.
ويضيف أن أثر الإيرادات على الخدمات يظل بطيئاً، لأن تطوير البنية التحتية يتطلب استثماراتٍ كبيرةً وتحسناً في مصادر التمويل، سواءً داخلياً أو خارجياً، والذي لا يزال محدوداً.
أرقامٌ لا تعكس الواقع
تقول لانا بدفان، الباحثة في العلاقات الدولية في مدرسة الاقتصاد العليا والمقيمة في روسيا، في حديثها لـ”963+”، إن تفسير وجود فائضٍ في الميزانية رغم معاناة شريحةٍ واسعةٍ من الشعب من الفقر والجوع يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل.
وتوضح أن هذا الفائض قد يكون ناتجاً عن زيادةٍ في الإيرادات الضريبية أو تراجعٍ في النفقات الحكومية، لكنها ترى أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة تحسناً حقيقياً في الاقتصاد.
وتضيف أن المصادر الفعلية لهذا الفائض قد تشمل زيادة الضرائب على المواطنين، والتي تستمر رغم تدهور قدرتهم الشرائية، ما يزيد من الأعباء المالية عليهم. وتشير إلى أنه رغم ما قد يظهر من تحسنٍ في بعض مؤشرات “الانتعاش الاقتصادي”، فإن ذلك لا يعكس الواقع اليومي للسوريين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار ونقص الخدمات الأساسية.
وتلفت إلى أن إيرادات الدولة غالباً ما تُستخدم لتغطية العجز في قطاعاتٍ معينةٍ أو لدعم مشروعاتٍ غير مباشرةٍ، ما يعني أنها لا تنعكس بشكلٍ ملموسٍ على تحسين الخدمات أو مستوى المعيشة.
وتخلص إلى أن الفائض في الميزانية قد يكون مجرد رقمٍ على الورق، بينما يظل الواقع المعيشي صعباً وغير مستقرٍّ، مؤكدةً أن التحسن الحقيقي يتطلب سياساتٍ أعمق واستثماراتٍ أكثر تأثيراً على حياة المواطنين.
—————————
مؤتمر الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية: رهانٌ استراتيجي على المستقبل أم مسرحٌ للنوايا الحسنة؟/ مازن الشاهين
الإصلاحات التشريعية ذات الأولوية القصوى: التشريع المالي الرقمي، والمدفوعات الإلكترونية وبوابات الدفع الدولية.
2026-04-16
في قاعة مكتظة بالحواسيب المحمولة ولافتات الشركات الناشئة وسحب الطموح الشبابي، انطلقت في رحاب جامعة دمشق أعمال مؤتمر الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية، في حدث يُعدّ الأول من نوعه في سوريا، برعاية الأمانة العامة لشؤون مجلس الوزراء ودعوة من وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، يحمل هذا المؤتمر ثقلاً مزدوجاً: إطلاق أول منصة وطنية لدعم الشركات الناشئة، واستعراض الأجندة الوطنية للتقانة 2025-2030.
ووفق تقديرات منظمات دولية متخصصة، غادر أكثر من 70% من كوادر التقانة السورية البلاد منذ 2011، وأسّس كثيرون منهم شركات ناجحة في برلين وإسطنبول ودبي والمونتريال.
هذا ويوجد500 شركة ناشئة تقنية، مسجّلة في سوريا، و200 خبير ورائد أعمال مشارك في المؤتمر الذي ضم 12 جلسة وورشة عمل في يومين، و2025-2030 هي سنوات الأجندة وخارطة طريق.
لكن السؤال الذي يتردد بين الحضور هامساً: هل هذا التاريخ يُكتب اليوم فعلاً، أم أنه يُعلَن فحسب؟
سوريا والتقانة في زمن التعافي: المؤتمر ماذا يعرض وماذا يخفي؟
لا تشبه دمشق اليوم المدينة التي يتخيلها كثيرون، في أحياء المالكي والمزة ووادي بردى، ثمة جيلٌ كامل من الشباب السوري الذي نشأ رقمياً، اختبر غرف الشات وأدوات الذكاء الاصطناعي، وبنى مشاريعه الأولى على الهاتف المحمول قبل أن يبني أي شيء آخر، هذا الجيل هو الوقود البشري للمؤتمر.
هكذا بدأ حديثه المهندس عدنان المسالمة أحد المنظمين المشاركين في المؤتمر، وتابع: غير أن هذا الوقود يحترق في الغالب خارج الحدود.
وأضاف مسالمة في تصريحات لـ”963+” إن المؤتمر ليس مجرد حدث، بل هو رسالة استدعاء لعقول مهاجرة ونداء لعودة محتملة أو استثمار عابر للحدود، إلا أن التحدي الحقيقي ليس إطلاق المنصة، بل إقناع المبدع السوري الموهوب بأن وطنه جاهز لاستقباله ودعمه.
وأشار مسالمة إلى أن الإعلان المحوري في المؤتمر هو إطلاق المنصة الوطنية لدعم الشركات الناشئة التقنية، وستُقدّم المنصة خدمات متكاملة تشمل: التسجيل والترخيص المبسّط، وربط الشركات الناشئة بالمستثمرين والموجّهين، والوصول إلى برامج التمويل الحكومي والخاص.
وأوضح مسالمة أن محاور الأجندة الوطنية 2025-2030 تتضمن البنية التشريعية والتنظيمية، وتطوير قوانين الشركات الناشئة والملكية الفكرية، والتمويل والاستثمار، حيث صناديق رأس المال المجازفة وبرامج المنح الحكومية، والبنية التحتية الرقمية، من خلال الربط بالإنترنت عالي السرعة ومراكز البيانات، وأيضاً التعليم وبناء القدرات بمناهج ريادة الأعمال في الجامعات، وضمت المحاور التكامل الإقليمي والاندماج في أسواق المنطقة العربية والعالمية، مع التركيز على قطاعات الأولوية: الصحة، التعليم، الطاقة، الخدمات الحكومية الرقمية.
وبين مسالمة برنامج المؤتمر تضمن ما لا يقل عن 12 جلسة وورشة عمل موزعة على يومين، تتناول موضوعات من بيئة التمويل وصولاً إلى حماية الملكية الفكرية.
وعقدت جلسة “صانعو القرار” وبحثت في السياسات والتشريعات في بيئة ريادة الأعمال في سوريا، كما ناقش رواد أعمال في المراحل الأولى، والتمويل الأولي للشركات الناشئة، بينما بحث المطورون والمبتكرون، التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي وفرص التطبيق، وتحدثت ورشة عمل عن المرأة في ريادة الأعمال التقنية من حيث التمكين والشمول لرائدات الأعمال، وأيضاً تم بحث الإقليم كسوق: فرص التوسع والتسويق الإقليمي، للشركات في مرحلة النمو، كما ناقش المؤتمر التشريعات وحماية الملكية الفكرية والإطار القانوني ضمت عدداً من المحامين والمستثمرين.
ماهي نقاط القوة والضعف في المؤتمر؟
الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب تقول في تصريح لـ”٩٦٣+” أن السياق الاقتصادي لا يمكن تجاهله في المؤتمر، فبعد سنوات من الضغوط والعزلة الاقتصادية، تحاول الحكومة السورية إيجاد محركات نمو بديلة، واقتصاد الشركات الناشئة جذّاب لأسباب عدة: يحتاج رأس مال بشري أكثر من رأس مال مادي، وينتج قيمة تصديرية عبر الخدمات الرقمية، ويوفر فرص عمل بتكلفة أقل نسبياً من المصانع التقليدية، ولكن هذا الجاذب ذاته هو ما يجعل الإخفاق، إن حدث، أكثر إيلاماً.
لكن ما يلفت النظر في قراءة البرنامج التفصيلي هو التفاوت بين الجلسات “الرؤيوية” الإطارية والجلسات التقنية التطبيقية، إذ تبدو الأولى أكثر حضوراً، في حين يتعطش كثير من رواد الأعمال الشباب لمعرفة: كيف أحصل على قرض؟ وكيف أسجّل شركتي في ثلاثة أيام بدلاً من ثلاثة أشهر؟
وتشير الخطيب إلى أنه وفي كل مؤتمر لريادة الأعمال حول العالم، يتردد السؤال ذاته: من أين يأتي المال؟ في السياق السوري، يكتسب هذا السؤال حدّة مضاعفة، بسبب غياب منظومة رأس المال المجازف المحلية، والقيود على التحويلات المصرفية الدولية، وشحّ المنح الحكومية المخصصة للشركات الناشئة، وكلها تُضيّق خيارات التمويل أمام رائد الأعمال السوري.
وتتساءل الخطيب: من يدعم رواد الأعمال السوريين اليوم؟ فتجيب قبل المؤتمر وبعيداً عن خطابه، ثمة منظومة دعم متشكّلة جزئياً وهشّة جزئياً، تعمل في دمشق وبعض المدن السورية حاضنات أعمال محلية، بعضها مدعوم أممياً وبعضها نشأ بمبادرات فردية، وفي الخريجين الشباب من كليات الهندسة والمعلوماتية، ثمة مواهب حقيقية تنتظر الفرصة، لكنها تنتظر طويلاً، إلا أن “مجتمع الشتات السوري” يُشكّل الرهان الأكبر للتمويل، ما يُقدَّر بملايين الدولارات في أيدي سوريين ناجحين خارج الوطن، قسمٌ كبير منهم يُفضّل الاستثمار في سوريا بدوافع وطنية وعاطفية، ولكنه يحتاج ضمانات قانونية وبيئة استثمارية آمنة، ولعل المنصة الوطنية، إن نجحت في تنظيم هذه الصلة، ستكون أهم إنجازاتها.
وتبين الخطيب نقاط القوة في المؤتمر، بوجود كوادر بشرية تقنية مؤهّلة، وتكاليف تشغيل منخفضة نسبياً، وإرادة حكومية معلنة لدعم القطاع، ورابط قوي مع مجتمع الشتات التقني، ونمو ملحوظ في الوصول للإنترنت، إلا أن التحديات البنيوية المتمثلة بغياب منظومة رأس مال المجازفة المحلية، وتعقيد الإجراءات التسجيلية والترخيص، ومحدودية الوصول للأسواق الإقليمية والدولية، وهجرة الكفاءات التقنية المستمرة، وضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق، ماتزال تشكل عائقاً فعلياً.
قطاعات الأولوية.. أين الرهانات الحقيقية؟
سلّط المؤتمر الضوء على أربعة قطاعات بوصفها محاور ريادية أولى: الصحة، والتعليم، والطاقة، والخدمات. اختيار هذه القطاعات ليس عشوائياً؛ إنها الأكثر حاجةً للحلول التقنية والأقل تشبعاً بالاستثمار التقليدي في السياق السوري، كما يقول رائد الأعمال زاهر المصطفى في تصريحات لـ”٩٦٣+” مستعرضاً التجربة المصرية في الصحة الرقمية والتطبيب عن بُعد وإدارة السجلات الطبية، مشيراً إلى أن التحديات المحلية هي في البنية التحتية وثقة المريض، فعندما تُصبح شركة ناشئة واحدة في قطاع الصحة قادرة على خدمة مليون مريض سوري بتكلفة أقل، نكون قد أعدنا تعريف الكفاءة الحكومية.
ويعرض المصطفى قصة نجاح يُمكن الاستلهام منها: في الأردن المجاور، أطلقت حكومة 2017 “مبادرة الاقتصاد الرقمي” فأسهمت في ولادة أكثر من 300 شركة ناشئة تقنية ناجحة خلال خمس سنوات، وأسهم القطاع في تنويع مصادر الدخل الوطني. هذا النموذج هو ما يستحضره المنظمون السوريون، ولكن تحقيقه يستلزم ما هو أبعد من مؤتمر.
ويؤكد المصطفى أنه إذا كان ثمة إجماع واحد بين رواد الأعمال الذين شاركوا في هذا المؤتمر، فهو أن البيئة التشريعية تمثّل العائق الأكبر أمام نمو الشركات الناشئة، فالقوانين الحالية التي تُنظّم الشركات صيغت في حقبة مختلفة كلياً، ولا تُعالج مفاهيم جوهرية كالأسهم التفضيلية، وخيارات الأسهم للموظفين، وعقود الاستثمار الأولي (SAFE)، وآليات الخروج، فالإصلاحات التشريعية ذات الأولوية القصوى، والتي تبدأ من قانون الشركات الناشئة، وهو إطار قانوني مخصص يُميّز الناشئة عن الشركة التقليدية، وحماية الملكية الفكرية بتسريع تسجيل براءات الاختراع والعلامات التجارية الرقمية، وتنظيم رأس المال المجازف، والسماح لصناديق VC بالعمل وحماية المستثمرين، وإقرار قوانين العمل المرنة، من حيث عقود للعمل عن بُعد وللمستقلين والمنتسبين للشركات الناشئة، والتشريع المالي الرقمي، والمدفوعات الإلكترونية وبوابات الدفع الدولية.
ويشير المصطفى إلى أن المفارقة المُحرجة هي أن الحكومة تُطلق منصة وطنية لدعم الشركات الناشئة في الوقت الذي لا تزال فيه البيئة القانونية تُعامل هذه الشركات معاملة المحلات التجارية التقليدية، لذلك يُطالب المشاركون في المؤتمر بأن تُواكب الإصلاحات التشريعية إطلاق المنصة، لا أن تأتي لاحقة.
الصوت النقدي من خارج الحدود.. عندما تُطرح أسئلة صعبة
يرى عثمان العلي رائد أعمال سوري مقيم في ألمانيا، ومشارك عن بُعد، أن السوري في الخارج لا يريد فقط إرسال أموال، بل يريد أن يبني شيئاً يحمل اسمه في بلده، لكنه يحتاج منظومة تحميه لا تستهلكه، وأن المنطق المنهجي يقتضي إصلاح البيئة التشريعية أولاً، ثم إطلاق المنصات، فالإعلان عن المنصة دون حزمة قوانين مرافقة يُشبه “شراء طائرة دون أن تُجهز المطار”.
ويتساءل في حديثه لـ”963+” عن الاستدامة المالية للمنصة، ومن أين ستُموَّل المنصة؟ هل ستكون خدماتها مجانية؟ وإن لم تكن كذلك، فمن يتحمل تكلفتها؟ الإجابات ضبابية حتى الآن، وهو ما يُقلق المستثمرين المحتملين ورواد الأعمال على حدٍّ سواء، ثم يطرح تساؤلات حول التمثيل الجغرافي فالمؤتمر يُعقد في دمشق وكثيرٌ من المتحدثين من دمشق، لكن سوريا ليست دمشق وحدها، هناك حمص وحلب والحسكة، مدن فيها كفاءات وطموحات مُهمَلة، والأجندة الوطنية التي لا تُعالج عدم التمركز الجغرافي ستُعيد إنتاج الفجوات لا تجاوزها، وماذا عن غياب القياس والمحاسبة، فهناك أطر استراتيجية كثيرة أُطلقت على مدى عقود في المنطقة العربية، وقليل منها خضع لتقييم حقيقي. كيف ستُقيَّم الأجندة 2025-2030؟ من يحاسب من؟ وما مصير المنصة إذا مرّت ثلاث سنوات دون تحقيق أهدافها؟
أصوات الجيل الجديد.. من منصات المؤتمر إلى واقع الشوارع
التقى “963+” بعدد من الشباب المشاركين في المؤتمر، ممن يمثلون الجيل الذي يُفترض أن الأجندة الوطنية صُمِّمت من أجله. تباينت آراؤهم بشكل لافت:
سلام أحمد، 27 عاماً، مؤسس تطبيق تعليمي يقول: جئت لأسمع خبراً حقيقياً واحداً: متى ستسمح البنوك بتحويل أرباحي للخارج؟ باقي الكلام مهم لكنه ثانوي.
سارة الجوهر، 24 عاماً، مهندسة برمجيات تقول لـ”963+”: المؤتمر ملهم حقاً، ولكن حلمي الحقيقي ليس الشركة الناشئة في دمشق، بل جذب عميل ألماني وخدمته من هنا دون عوائق، هل الأجندة تُعالج هذا؟
ويقول فادي يونس، 31 عاماً، مؤسس أعاد للتو من الإمارات لـ”963+”: رجعت لأني صدّقت أن الفرصة موجودة، وأحتاج من الحكومة أن تكون شريكاً لا عائقاً، المؤتمر بداية جيدة إن أعقبه عمل.
الإطار الإقليمي.. سوريا بين تجارب الجوار
ترى هند رمزي وهي رائدة أعمال في مجال البرمجيات أن الأجندة السورية لا تعيش في فراغ، فالمنطقة تضج بتجارب ناجحة وأخرى إشكالية يمكن الاستلهام منها والتعلم من أخطائها.
وتقول في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن التجربة الأردنية في استراتيجية التحول الرقمي والتي انطلقت 2018 تضم اليوم 700 شركة ناشئ، وهو قطاع تقني ينمو بـ12%، وممكن الاستفادة من ربط الاستراتيجية بإصلاح قانوني فوري، اما في مصر فقد حصل قانون الشركات الناشئة 2022 على أكبر منظومة ناشئة في الوطن العربي، وهذا يعني أن التشريع المتخصص يصنع الفارق، وفي العراق مبادرة بغداد للابتكار 2019، هناك نجاحات محدودة بسبب عدم الاستقرار، أي أن الاستدامة السياسية شرط لا غنى عنه، ولبنان له تجربة في نظام بنك لبنان 331 للدعم ، حيث حقق نجاح ثم انهيار مع الأزمة المالية، ونستنتج أن الربط بالبنية المالية خطر إذا كانت هشّة.
وتبين رمزي أن الدول الأكثر نجاحاً في بناء منظوماتها للشركات الناشئة جمعت ثلاثة عناصر معاً ومتزامنة: إرادة سياسية مستدامة، وإصلاح تشريعي حقيقي، وتمويل أولي مكفول، وسوريا تمتلك الأولى أو تُعلنها، لكن العنصرين الآخرين لا يزالان في طور التشكّل.
والمطلوب الانتقال من المؤتمر إلى الواقع عبر توصيات للعمل تقوم على إصدار حزمة لوائح مؤقتة تُبسّط تسجيل الشركات الناشئة وتختصره لأسبوع واحد، وتخصيص صندوق بذر حكومي بلا أسهم بقيمة لا تقل عن مليون دولار للمرحلة الأولى، وإطلاق النسخة التجريبية للمنصة الوطنية مع آلية واضحة لتلقي التغذية الراجعة، وتأسيس لجنة تشريعية مشتركة لصياغة “قانون الشركات الناشئة”.
وتضيف رمزي بالتأكيد على إبرام اتفاقيات مع مسرّعات أعمال إقليمية لتسهيل وصول الشركات الناشئة لأسواقها، ودمج مناهج ريادة الأعمال التقنية في ثلاث جامعات حكومية على الأقل، وتنظيم مبادرة “اتصل بالشتات” لربط المستثمرين السوريين خارجياً بمنظومة المنصة، وإنشاء فروع جهوية للمنصة في حلب وحمص وطرطوس ودير الزور مبدئياً.
وتختم رمزي بالقول: الرهان على مؤتمر الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية يُمثّل لحظة نادرة في تاريخ السياسة الاقتصادية السورية: لحظة يُقرّ فيها صانعو القرار صراحةً بأن المستقبل رقمي، وأن الشباب هو الرأسمال الحقيقي الذي تمتلكه البلاد، وهذا وحده ليس قليلاً في سياق إقليمي ودولي يشهد منافسةً محمومة على الكفاءات، ولكن الاعتراف بالتشخيص ليس علاجاً. والمنصة الوطنية ليست بحد ذاتها ثورة ريادية، والمحك الحقيقي سيظهر بعد ستة أشهر من الآن: هل ستُيسَّرت إجراءات التسجيل فعلاً؟ هل وصل تمويل حقيقي إلى يد مؤسس لأول شركة ناشئة له؟ هل رجع الكفاءات السورية في المهجر لأن المنظومة صارت جاهزة؟
+963
———————————
الربط الرقمي السوري السعودي: كيف تتشكل بنية النفوذ الجديدة؟/ أسماء الفريح
أبريل 16, 2026
بهدف تعزيز التعاون بين الجمهورية العربية السورية والمملكة العربية السعودية في مجال الاتصالات وتطوير هذا القطاع في سوريا، أكد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل أن زيارته إلى الرياض أواخر آب 2025 شكلت محطة فارقة في مجال الاتصالات والتحول الرقمي، وفتحت آفاقا جديدة لتكامل فعال يخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين، في إطار رؤية مشتركة قائمة على التنمية والابتكار.
وذكر الوزير هيكل، في منشور على منصة “إكس”، أنه بعد لقائه، والوفد المرافق له، المؤسسات والشركات والقادة الذين صنعوا النهضة الرقمية في المملكة معتمدين على كوادرهم الوطنية، قال: “من الرياض عدنا وقد اطلعنا على تجربة استثنائية نعتز بها ونستلهم منها”، مضيفا: “نعود إلى دمشق بقناعة مضاعفة بآفاق التكامل بين سوريا والسعودية في قطاع الاتصالات والتنمية الرقمية”، كاشفا عن العمل معا على مشروعات فارقة خدمة للبلدين والشعبين والمنطقة.
وخلال مراسم توقيع مجموعة من العقود الاستراتيجية بين البلدين في شباط 2026، شدد رئيس هيئة الاستثمار، طلال الهلالي، على أن المشاريع التي تم توقيعها، بما فيها تطوير البنية التحتية للاتصالات، تشكل منظومة متكاملة للبنية التحتية الرقمية، وهدفها تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتطوير منظومات الربط الرقمي.
ومن جانبه، بين وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، عبد الله السواحة، أن الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات سيجعل سوريا لاعبا رئيسيا في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، كما أن اختيار شركة الاتصالات السعودية “STC” لتنفيذ مشروع “سيلك لينك” باستثمار يقارب المليار دولار لا يمثل مشروعا تقنيا فقط، بل رسالة واضحة بأن المنطقة تستعيد دورها محورا لربط القارات.
وتأكيدا على مواصلة العمل المشترك ودعم مسار الشراكة الاستراتيجية بين دمشق والرياض، والمضي قدما في تنفيذ العقود الاستراتيجية الموقعة بين جهات حكومية سورية وشركات سعودية رائدة، جدد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، من العاصمة الأردنية عمان، في الثاني عشر من نيسان الجاري، التأكيد على مواصلة التنسيق مع الرياض في الربط الرقمي الإقليمي.
الربط الرقمي الإقليمي
يذكر مركز أنباء الأمم المتحدة، في إطار التعريف ب”التعاهد الرقمي العالمي” في “ميثاق المستقبل”، أن التكنولوجيات الرقمية تؤدي إلى تغيير عالمنا بشكل كبير، فهي توفر فوائد محتملة هائلة لرفاه الناس والمجتمعات والكوكب وتقدمهم، كما تبشر بتسريع خطى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويشير إلى أنه لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تعزيز التعاون الدولي الذي يسد جميع الفجوات الرقمية بين البلدان وداخلها، مع التسليم بالتحديات التي تسببها هذه الفجوات للعديد من البلدان، ولا سيما البلدان النامية التي لديها احتياجات إنمائية ملحة وموارد محدودة.
ويمثل الربط الرقمي الإقليمي عملية توصيل البنى التحتية لشبكات الإنترنت والاتصالات ومراكز البيانات بين مجموعة من الدول في منطقة جغرافية محددة، لإنشاء شبكة موحدة وعالية السرعة، بهدف تعزيز تبادل البيانات، وتوطين الخوادم، وتقليل تكاليف النقل والخدمات.
ويقول الدكتور حسن غرة، الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن الربط الرقمي الإقليمي ليس مجرد توصيل كابلات أو شبكات اتصال بين الدول، بل هو منظومة متكاملة تشمل ثلاثة مستويات متداخلة.
وأضاف أن المستوى الأول هو البنية التحتية التقنية، وتشمل شبكات الألياف الضوئية العابرة للحدود، ونقاط تبادل الإنترنت، وبروتوكولات التوجيه الآمنة. أما المستوى الثاني فهو التكامل الحكومي الرقمي، أي ربط المؤسسات الحكومية ببعضها عبر واجهات برمجية موحدة تتيح تبادل البيانات بين الدول. وأما المستوى الثالث فهو الإطار التشريعي والحوكمة، ويشمل اتفاقيات تنظيم البيانات وحمايتها، والأمن السيبراني المشترك.
وحول أهمية الربط على المستويين الحكومي والخاص، يبين الدكتور غرة أنه على المستوى الحكومي يتيح الربط الرقمي الإقليمي تسريع إجراءات التخليص الجمركي، وتوحيد بيانات المقيمين والمغتربين، وتبادل المعلومات الاقتصادية في الوقت الفعلي، مشيرا إلى أن الأمم المتحدة أكدت في “التعاهد الرقمي العالمي” أن الربط الرقمي الشامل يعظم الاستفادة من التكنولوجيات الناشئة ويدعم أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030.
وتابع أنه على مستوى القطاع الخاص، يعني هذا الربط توسيع آفاق التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، وتكامل المنصات المالية الرقمية، وتدفق الاستثمارات عبر بيئة تنظيمية موحدة، موضحا أنه حين تصبح العمليات المصرفية والخدمات اللوجستية والحكومة الإلكترونية متصلة رقميا، تنخفض تكاليف الأعمال وترتفع تنافسية الشركات الصغيرة والمتوسطة.
التنسيق بين سوريا والسعودية في التحول الرقمي
جاء في تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط”، نشر في تشرين الثاني 2025 تحت عنوان “كيف يمكن للتحول الرقمي الخليجي أن يصبح نموذجا تنمويا للدول العربية الأخرى؟”، أن التحول الرقمي في العالم العربي لم يكن يوما بمثل هذا التسارع كما هو الآن، مشيرا إلى أنه بين دول تتصدر السباق في البنى التحتية والتشريعات الرقمية، مثل السعودية والإمارات، وأخرى تحاول اللحاق بالموجة التقنية بعد سنوات من التحديات، مثل سوريا والعراق ولبنان، يعاد اليوم رسم الخريطة الرقمية العربية على نحو غير مسبوق.
ونقلت الصحيفة عن الوزير هيكل قوله إن وزارته تضع أولويات استراتيجية حيوية تتمثل في تعزيز البنية التحتية الرقمية في سوريا، واستقطاب الشراكات الدولية، وتمكين المبتكرين المحليين، بما يعكس التزام الحكومة ببناء اقتصاد رقمي مستدام وشامل.
وذكر الوزير هيكل أنه رغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية، فقد تم إطلاق مبادرات كبرى لتحسين البنية التحتية الرقمية وتأسيس منظومة اتصالات متطورة، منها مشروع “سيلك لينك” للألياف الضوئية، ومشروع “أوغاريت 2” لمضاعفة سعة الإنترنت في سوريا في غضون أشهر، وتعزيز تبادل البيانات الإقليمي، وغيرها من المشاريع.
وبشأن التنسيق بين سوريا والسعودية في ملف التحول الرقمي، يقول الدكتور حسن غرة إنه يسير على مسارين متوازيين: المسار الاستثماري والتمويلي الذي تجسد في تشرين الأول 2025 حين عقدت طاولة مستديرة رفيعة بين مسؤولين من البلدين، ركزت على الاتصالات والخدمات المالية الرقمية، وأكد فيها الجانب السعودي حرصه على أن يكون “شريكا فاعلا في إعادة الإعمار والتنمية الرقمية”.
وأضاف: أما المسار التقني والتنفيذي، فقد تجلى في شباط 2026 حين أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية انطلاق الأعمال التنفيذية لشراكتها مع شركة “علم” السعودية، إحدى أبرز شركات التقنية في المنطقة، مشيرا أيضا إلى أن زيارة هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي السعودية “سدايا” فتحت قناة حقيقية لنقل المعرفة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ونماذج الحكومة الرقمية.
وجدير بالذكر أن السيد الرئيس أحمد الشرع والوزير الشيباني والوفد المرافق زاروا مقر هيئة “سدايا” في إطار زيارة المملكة العربية السعودية في شباط 2025، واستمعوا حينها إلى إيجاز من رئيس الهيئة الدكتور عبد الله شرف الغامدي حول جهود المملكة في هذا المجال ضمن إطار “رؤية السعودية 2030” لبناء اقتصاد وطني قائم على البيانات، ولجعل المملكة مركزا عالميا في المنطقة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحقيق الاستفادة المثلى من هذه التقنيات لدعم الجهات الحكومية في تسهيل وصول المواطنين والمقيمين والحجاج والمعتمرين إلى خدماتها بكل يسر وأمن.
وفي شباط الماضي، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات بدء الأعمال التنفيذية للشراكة مع شركة “علم” السعودية الرائدة في الحلول الرقمية، في خطوة تهدف إلى نقل الشراكة بين الجانبين إلى مرحلة التطبيق العملي، وذلك عقب توقيع الاتفاقية الإطارية بين الجانبين لتطوير البنية التحتية الرقمية في سوريا، وتمكين الجهات الحكومية من تقديم خدمات إلكترونية أكثر كفاءة، وتسريع التحول الرقمي، بما يسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمؤسسات.
وذكر الرئيس التنفيذي لشركة “علم” محمد العمير أن الشركة بدأت العمل مع الوزارة لترجمة الاتفاقية إلى مبادرات ومشاريع تنفيذية، مؤكدا تطلعها إلى أن تكون شريكا فاعلا في دعم التحول الرقمي في سوريا عبر نقل خبراتها، وتقديم حلول رقمية متقدمة، وتدريب وتوظيف الكوادر المحلية، وبناء نماذج تشغيل مستدامة بالتعاون مع الوزارة.
ومن جانبه، أوضح مدير الهيئة العامة السورية للاستثمار أن استقطاب شركات متخصصة في الاستثمار الرقمي يشكل خطوة مهمة ضمن خطة الهيئة لتعزيز التحول الرقمي في سوريا، وتطوير الخدمات الحكومية وفق أفضل الممارسات العالمية، مشيرا إلى الخبرة الواسعة التي تمتلكها شركة “علم” في تحويل الإجراءات الحكومية في السعودية إلى أنظمة رقمية متكاملة، مبينا أن هذا التعاون يمثل نموذجا للشراكات الدولية التي تسعى الحكومة السورية إلى تعزيزها لتطوير بيئة الأعمال وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.
الأهداف المشتركة في تطوير البنية التحتية الرقمية
يذكر الباحث الاقتصادي في مركز جسور، أن الأهداف المشتركة بين سوريا والسعودية في ملف تطوير البنية التحتية الرقمية تتمحور حول عدة محاور استراتيجية، مبينا أنه على صعيد الحكومة الإلكترونية يسعى البلدان إلى أتمتة الخدمات العامة ورفع كفاءة المؤسسات بما يقلص البيروقراطية ويخفف عبء المواطن.
وأضاف أنه على صعيد الاتصالات، تستهدف دمشق والرياض تحديث شبكات الجيل الخامس وتوسيع تغطية الإنترنت في المناطق المحرومة. وأما على الصعيد المالي الرقمي، فالهدف هو تكامل المنصات المصرفية وتسهيل تحويلات المغتربين السوريين وتقليص الاعتماد على القنوات غير الرسمية. ويضاف إلى ذلك الأمن السيبراني المشترك، وبناء الكوادر البشرية السورية المتخصصة عبر برامج نقل المعرفة والتدريب التقني.
وتشهد “السيادة الرقمية”، القائمة على الاستقلال الأمني والاقتصادي والسياسي في الفضاء الرقمي، ودورها المهم، تصاعدا لافتا بوصفها أحد أبرز المحاور في سباق التكنولوجيا العالمي، حيث لم تعد هذه السيادة مجرد مسألة تقنية، بل أداة استراتيجية لتحقيق الحماية الوطنية واستقلال القرار في زمن التوترات الجيوسياسية.
ويرى المتخصص في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي المهندس قاسم دنش، في حديث لموقع “الجزيرة نت”، أن “السيادة الرقمية” لم تعد ترفا فكريا أو ملفا تقنيا، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن الأمن القومي وقدرة الدول على الصمود في مواجهة الحروب الحديثة التي تتخذ شكلا اقتصاديا بالدرجة الأولى، وتتقاطع مع الفضاء السيبراني بشكل مباشر.
ويعتبر أن “معركة السيادة الرقمية هي معركة وجود، فمن يملك السيطرة على فضائه الرقمي يملك القدرة على حماية اقتصاده وفرض إرادته وتأمين أمنه القومي في زمن الحروب الاقتصادية والميدانية معا، والقوة اليوم باتت تقاس بقدر ما تملك من سيطرة على البيانات والفضاء السيبراني، تماما كما كانت تقاس سابقا بما تملكه من أرض وسلاح”.
وأكد أنه في ظل التحديات، يتعين على الدول أن تسن تشريعات صارمة لحوكمة البيانات وحمايتها من التسرب أو السيطرة الخارجية، مع توطين مراكز البيانات والخدمات داخل الحدود الوطنية، وقال إن هذا يشكل تحديا كبيرا أمامها، وإن عليها بناء تحالفات رقمية مع الدول الصديقة لخلق شبكات تقنية آمنة.
ويشير الدكتور حسن غرة إلى أن التجربة الأقرب لما تسعى إليه سوريا والسعودية هي تجربة الاتحاد الأوروبي الذي أنشأ بنية تحتية رقمية موحدة أجبرت حتى الشركات العالمية على الامتثال لقواعده، ما أوجد سوقا رقمية ضخمة تتجاوز ديناميكياتها الحدود الوطنية.
وأشار إلى أنه على المستوى الإقليمي الأقرب، باتت دول مجلس التعاون الخليجي نموذجا متقدما في الاستثمار بالاقتصاد الرقمي من خلال تطوير بنية تحتية مشتركة للاتصالات ودعم الذكاء الاصطناعي.
ووفق البيانات الصادرة عن تقرير “PwC الشرق الأوسط 2025″، وأوردها تقرير صحيفة “الشرق الأوسط” المذكور أعلاه، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في المنطقة يمكن أن يضيف أكثر من 320 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي بحلول عام 2030، مبينا أن السعودية وحدها تستحوذ على نحو 50 بالمئة من هذه القيمة المتوقعة بفضل استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، ومشاريع المدن الذكية، مثل “نيوم” و”ذا لاين”، والبنية السحابية.
وأضاف أن المملكة تستهدف رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 19 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، وفق وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، لافتا إلى أن هذا الزخم لا يتعلق بالأرقام فحسب، بل بالنضج الاستراتيجي، فالرياض تعمل على بناء سيادة رقمية حقيقية من خلال مراكز بيانات محلية، ونماذج لغوية عربية، مثل “علام”، ما يمثل انتقالا من مجرد استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها وتوطينها.
ويخلص الدكتور حسن غرة إلى القول إن تصريح الوزير الشيباني ترجمة لعمل ميداني قائم فعلا. يمثل فرصة تاريخية لسوريا للقفز من مرحلة ما قبل الأزمة مباشرة إلى نموذج الاقتصاد الرقمي المتكامل، بدلا من إعادة بناء بنية تقليدية متقادمة.
الثورة السورية
———————————
تراجع الليرة السورية يضغط على الأسواق.. ما الأسباب؟
شهدت الأسواق السورية خلال الأيام الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، بالتزامن مع صعود سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى نحو 13,350 ليرة سورية، اليوم الخميس 16 من نيسان، ما انعكس مباشرة على كلفة السلع الأساسية، وسط تفاوت ملحوظ بين المحافظات.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، إذ لا يزال مصرف سوريا المركزي يثبت سعر الصرف عند 11,100 ليرة سورية، في وقت يواصل فيه الدولار تسجيل مستويات أعلى في السوق الفعلية.
انعكاس على الأسعار
ورصد مراسلو عنب بلدي تفاوتًا في الأسعار بين المحافظات: إذ سجلت القنيطرة أسعارًا أقل نسبيًا لبعض المواد، حيث بلغ سعر كيلو الرز المصري نحو 10 آلاف ليرة، والسكر 8 آلاف، والزيت 26 ألفًا.
في المقابل، ارتفع سعر الفروج في السويداء ليتراوح بين 35 و40 ألف ليرة للكيلوغرام، مقارنة بنحو 32 ألفًا في كل من دمشق والقنيطرة، فيما بلغ سعر الرز 12 ألف ليرة، والسكر نحو 8500 ليرة.
أما في دمشق، فسجل الزيت النباتي 27 ألف ليرة، والرز نحو 11,500 ليرة، بينما وصل سعر السمنة إلى 48 ألف ليرة، والمعكرونة إلى 12 ألفًا.
في اللاذقية، سجل الزيت النباتي 27 ألف ليرة، والرز نحو 12 ألف ليرة، والسكر نحو 8500 ليرة
وفيما يتعلق بالخضروات، تراوح سعر البندورة بين 10 و18 ألف ليرة حسب النوع، والبطاطا بين 6 و10 آلاف ليرة، في حين وصل سعر الليمون في بعض المناطق إلى 22 ألف ليرة.
وتُظهر مقارنة مع بيانات سابقة خلال آذار الماضي أن أسعار بعض المواد الأساسية، كالسكر والأرز، حافظت على مستويات متقاربة مع ارتفاع من (500 إلى 1000 ليرة)، في حين سجلت مواد أخرى، مثل الزيت، زيادات أوضح، ما يعكس ارتباطها المباشر بسعر الصرف.
في المقابل، برزت فروقات أكبر في أسعار اللحوم والخضروات، سواء من حيث الارتفاع أو التباين بين المحافظات، ما يشير إلى تأثير عوامل محلية، مثل تكاليف النقل وتوفر الإنتاج، إلى جانب تأثير الدولار.
نقص الإنتاج يرفع الطلب على الدولار
الخبير الاقتصادي علاء بلدية أرجع ارتفاع سعر صرف الدولار إلى تراجع الإنتاج المحلي بشكل مستمر، مشيرًا إلى أن إغلاق منشآت صناعية، مثل بعض معامل السيراميك مؤخرًا، يدفع السوق نحو مزيد من الاعتماد على الاستيراد.
وأوضح أن هذا الاعتماد يرفع الطلب على القطع الأجنبي، باعتبار أن عمليات الاستيراد تتم بالدولار، ما ينعكس مباشرة على سعر الصرف.
وأشار بلدية إلى أن الارتفاع الحالي في سعر الدولار “ليس طارئًا، بل نتيجة تراكمية لضعف الإنتاج والاعتماد على الاستيراد”، مرجحًا استمرار هذا المسار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
“حبس السيولة” وتأثيره المؤقت
ولفت بلدية إلى أن استقرار سعر الصرف خلال فترات سابقة لم يكن نتيجة تحسن اقتصادي فعلي، بل جاء بفعل سياسة “حبس السيولة”، التي حدت من قدرة الأفراد على شراء الدولار.
وبين أن تقييد السحوبات وتقليص الكتلة النقدية في السوق أديا إلى انخفاض مؤقت في الطلب على الدولار، قبل أن يعود للارتفاع تدريجيًا مع عودة السيولة، ما دفع سعر الصرف للصعود مجددًا.
ضعف التدخل واستمرار الضغوط
في موازاة ذلك، يشير الواقع النقدي إلى محدودية قدرة المصرف المركزي على التدخل الفعلي لدعم الليرة، في ظل ضعف الاحتياطي القابل للاستخدام من القطع الأجنبي.
كما تعزز مؤشرات ضيق السيولة، بما في ذلك تأخر صرف الرواتب، من حالة عدم الاستقرار، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاستيراد، ما يبقي الطلب على الدولار مرتفعًا.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الليرة السورية عرضة لمزيد من التراجع، مع غياب إصلاحات إنتاجية حقيقية قادرة على تخفيف الضغط عن السوق، وتحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب.
اقتراحات لدعم الليرة
في إطار الحديث عن مخارج عملية، الدكتور علي محمد حدد في حديث سابق لعنب بلدي، خطوات أساسية لتحسين قيمة الليرة تتمثل في:
تهيئة وإصلاح آبار النفط السورية لخفض فاتورة الاستيراد، خاصة مع الارتفاع العالمي لأسعار النفط وتوترات الإقليم التي ترفع تكلفة الفاتورة وتستنزف القطع الأجنبي.
سياسات تمكّن من استيراد المواد الأولية الداخلة في التصنيع وتهيئة البنية التحتية، للوصول إلى إنتاج يكفي السوق المحلية وتأمين “فائض تصديري” يعيد التوازن للعملة الوطنية.
عنب بلدي
——————————
==================



