أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

تعريف الشعب السوري في الدستور وإشكاليات الشمول والتعددية

كيف يصاغ تعريف الشعب السوري في دستور الدولة

2026-04-16

يُعدّ تعريف الشعب السوري في الدستور من أكثر القضايا حساسية وإثارة للنقاش في السياق السياسي والقانوني السوري، لما يحمله من أبعاد تتجاوز الصياغة القانونية إلى جوهر المسألة الوطنية وهويّة الدولة.

فبينما يضع الدستور إطاراً عاماً لمفهوم المواطنة، تتصاعد تساؤلات حول مدى انعكاس هذا الإطار للتنوع القومي والديني والثقافي الذي يميّز المجتمع السوري، وما إذا كان يعبر عنه بصورة شاملة، أم أنه لا يزال يعاني من محدودية في التمثيل قد تترك بعض المكوّنات في هامش التعريف الوطني.

وفي معظم الدساتير حول العالم، يُعرَّف “الشعب” بوصفه المصدر الأساسي للسلطة وصاحب السيادة، وهو الإطار الذي تُبنى عليه شرعية الدولة ومؤسساتها.

ويُقصد بالشعب مجموع المواطنين الذين تربطهم رابطة قانونية وسياسية داخل حدود الدولة، بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية أو الدينية أو الثقافية.

ويُعد هذا التعريف حجر الأساس في فكرة الدولة الحديثة، إذ يقوم على مبدأ أن السلطة تنبع من إرادة الشعب، وأن جميع المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.

كما أن هذا المفهوم تطوّر تاريخياً ليعكس الانتقال من الدول القائمة على الانتماءات الضيقة أو الطبقية إلى دول تقوم على المواطنة الجامعة، التي تضمن المشاركة السياسية المتساوية وتكفل التنوع ضمن إطار وطني موحد.

إعادة تعريف الدولة

تقول الإعلامية والناشطة الحقوقية إيمان أبو عساف إن سوريا ما بعد الحرب لم يعد السؤال فيها يقتصر على كيفية إدارة الدولة، بل يمتد إلى كيفية إعادة تعريفها من الأساس، مشيرةً إلى أن سنوات النزاع والانقسام جعلت من مسألة صياغة عقد اجتماعي جديد واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على مستوى الهوية الوطنية نفسها.

وتضيف في حديث لـ”963+” أن التساؤل الجوهري اليوم يتمثل في من هو “الشعب السوري” في الدستور، وكيف يمكن لنص دستوري جديد أن يعترف بتعدد السوريين من دون أن يفتح الباب للتقسيم أو لإعادة إنتاج التهميش بصيغة جديدة.

وتشير أبو عساف إلى أن هذه الأسئلة تقف في صلب النقاش الدستوري، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 وصدور الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، موضحةً أن البلاد تقف بين نموذج قديم تمحور حول هوية عروبية مركزية، ونموذج جديد يرفع شعار المواطنة من دون أن يوضح آليات حماية التعددية فعلياً، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى مقاربة أكثر واقعية تنتقل من العموميات إلى تصميم آليات واضحة لإدارة التنوع.

وتؤكد أن المعضلة الأساسية في التجربة السورية لا تكمن فقط في غياب نصوص تتحدث عن المساواة، بل في الفجوة بين النص والتطبيق، لافتةً إلى أن دستور 2012، رغم حديثه عن حماية التنوع الثقافي ومنع التمييز، أبقى على ربط سوريا بالأمة العربية، ما جعل المكونات غير العربية تظهر كتنوع مسموح به لا كجزء مؤسس للدولة.

وتوضح أن الإعلان الدستوري لعام 2025 ذهب إلى الجهة المقابلة، إذ تخلى عن هذا التعريف القومي لكنه لم يقدم بديلاً واضحاً يضمن الاعتراف بالمكونات المختلفة، ما يفتح الباب أمام مركزية جديدة قد ترتدي لغة مدنية لكنها تعيد إنتاج الهيمنة ذاتها.

وتبين أبو عساف أن الطرح البديل يقوم على مبدأ الاعتراف المزدوج، أي دولة مدنية قائمة على المواطنة المتساوية، وفي الوقت نفسه اعتراف صريح بأن المجتمع السوري يتكوّن من مكونات عربية وكردية وآشورية وشركسية وأرمنية وتركمانية وغيرها، مع التزام دستوري بحماية حقوقها الثقافية واللغوية والدينية، مؤكدةً أن المواطنة في هذا التصور لا تكون بديلاً عن التنوع بل إطاراً جامعاً له.

وتضيف أن اللامركزية ليست ترفاً سياسياً، بل تمثل الاختبار العملي لهذا الاعتراف، مشيرةً إلى أن الحديث عن المساواة يفقد معناه إذا استمرت السلطة والثروة والسلاح متمركزة بالكامل في يد المركز.

وتؤكد أبو عساف أن أهمية هذا الطرح تكمن في نقله الصراع السوري من منطق الغلبة إلى منطق التحكيم الدستوري، بحيث تُحسم الخلافات حول النفط أو الصلاحيات أو التمثيل عبر القضاء لا عبر القوة أو الصفقات المؤقتة.

وتشير إلى أن المشكلة ليست تقنية فقط بل سياسية بالدرجة الأولى، موضحةً أن النصوص والآليات مهما كانت متقدمة لن تكون كافية إذا لم تقبل القوى الفاعلة بفكرة الاحتكام إلى الدستور بما يعنيه ذلك من الاستعداد للخسارة أمامه، مؤكدةً أن الدولة الجديدة لا يمكن أن تقوم على مبدأ “من يربح يسيطر”، بل على خضوع الجميع لقواعد مشتركة.

وتختم أبو عساف بالقول إن المسألة تتجاوز كونها نقاشاً قانونياً بين خبراء، بل هي سؤال سياسي عميق حول قدرة سوريا على بناء دولة تعترف بتعدديتها من دون أن تتفتت، وتعيد توزيع السلطة من دون أن تنهار، وتؤسس لقضاء يحتكم إليه الجميع بدل أن يكون تابعاً للسلطة، مؤكدةً أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من دولة الغلبة إلى دولة القانون عبر عقد اجتماعي جديد.

اختزال تعريف الشعب

يقول سامر الضيعي، المدير التنفيذي لرابطة المحامين الأحرار في حمص، إن الحديث عن تعريف الشعب السوري في الدستور لا يمكن اختزاله في كونه مادة قانونية جافة، بل هو، بحسب تعبيره، “جرح مفتوح عاشه السوريون يوماً بيوم”.

ويؤكد الضيعي في حديث لـ”963+”، أنه بصفته سورياً يدرك معنى العيش في بلد يحمل اسماً واحداً ويضم عوالم متعددة، مشيراً إلى أن الكردي في الشمال الشرقي كان يعرف أنه “موجود” لكنه غير “معترف به”، فيما يضيف أن الدرزي في السويداء، والمسيحي في مختلف المدن السورية، والإسماعيلي في مصياف، والعلوي في الساحل، والتركماني والسني في حلب وحمص ودير الزور، كل منهم كان يحمل سوريا بطريقته الخاصة، لكن الدولة، كما يوضح، كانت تحمل “نسخة واحدة منهم جميعاً، أو لا تحملهم أصلاً”.

ويشير إلى أن العقود الماضية من تاريخ سوريا الحديث، بينها أربعة وستون عاماً تحت حكم حزب البعث، علّمت السوريين أن الهوية الجامعة لا تُبنى بالشعارات، موضحاً أن شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” كان يُدرّس في المناهج ويُحفظ في المدارس، لكنه، بحسب قوله، لم يُترجم إلى واقع يشعر فيه المواطن الكردي أن لغته محمية، أو يرى فيه المواطن السرياني أو التركماني تراثه ممثلاً في خطاب الدولة، أو تشعر فيه المرأة أن وجودها في النص الدستوري ليس شكلياً.

ويؤكد أن الهوية التي فرضها النظام لم تكن جامعة، بل كانت طاردة، موضحاً أنها كانت تقوم على فكرة “الذوبان” كشرط للانتماء، حيث تقول للآخر: “أنت هنا بشرط أن تذوب”.

ويضيف الضيعي أن الإقصاء لم يقتصر على الأقليات، بل طال الأكثرية أيضاً، مشيراً إلى أن أبناء حوران وإدلب ودير الزور كانوا أكثرية رقمية فقط، بينما كانوا، كما يقول، غائبين عن السلطة ودوائر القرار أو حاضرين فيها بشكل شكلي. ويشدد على أن الإقصاء في سوريا لم يكن طائفياً بقدر ما كان سياسياً، موضحاً أن النظام استخدم الطائفة كأداة للسيطرة، بينما بقيت بقية المكونات خارج دائرة النفوذ.

وفي سياق حديثه عن تطورات عام 2011، يقول الضيعي إن السوريين خرجوا بكل تنوعهم، وشعر كثيرون للمرة الأولى بإمكانية بناء هوية مشتركة، لكنه يشير إلى أن الخوف المتراكم عبر عقود حوّل هذا التنوع إلى انقسام. ويضيف أن بعض فصائل المعارضة وقعت في الخطأ ذاته، عندما حوّلت هوية الأكثرية السنية من إطار ثقافي إلى مشروع سياسي مغلق، ما أدى، بحسب قوله، إلى إعادة إنتاج الإقصاء بصيغة مختلفة.

ويؤكد الضيعي أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً تاريخياً للأكثرية السنية، موضحاً أن قوتها الحقيقية لا تكمن في فرض هويتها، بل في قدرتها على احتضان بقية المكونات، ويضيف أن الدولة التي تحمي الجميع اليوم هي وحدها القادرة على حماية الجميع مستقبلاً.

ويشير إلى أن مفهوم العقد الاجتماعي لم يعد فكرة فلسفية مجردة، بل أصبح حاجة يومية ملموسة، موضحاً أن الدولة “المظلة” لا تطلب من المواطنين التخلي عن هوياتهم، بل تعززها ضمن إطار وطني جامع، بحيث يبقى الكردي كردياً والسرياني سريانياً والتركماني تركمانياً، لكنهم جميعاً سوريون بالمعنى الكامل.

ويشدد الضيعي على أن مصطلح “الشعب السوري” يفقد معناه إذا لم يُترجم إلى مؤسسات حقيقية، موضحاً أن ذلك يتطلب جيشاً يمثل جميع المكونات، وقضاءً لا يتأثر بهوية المتقاضين، ونظاماً تعليمياً يعكس التاريخ الحقيقي لا الروايات الرسمية.

ويضيف أن الانتماء يبدأ بالتشكل عندما يشعر المواطن، أياً كانت خلفيته، أن الدولة تحميه كما يساهم هو في حمايتها، سواء في الخدمة العسكرية أو في العمل العام أو في فرص التمثيل.

ويوضح أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب نصوصاً دستورية واضحة، مؤكداً ضرورة تضمين أربعة مبادئ أساسية لا تقبل المساومة، تتمثل في حظر التمييز بنصوص قابلة للتقاضي، والاعتراف بالتعددية اللغوية والثقافية كجزء من الهوية الوطنية، وضمان تكافؤ الفرص في المؤسسات العامة، إضافة إلى تحصين هذه الحقوق دستورياً بحيث لا يمكن لأي أكثرية سياسية المساس بها.

ويختتم الضيعي حديثه بالتأكيد على أن الانتماء لا يُفرض بل يُبنى تدريجياً عبر العدالة اليومية، مشيراً إلى أن سوريا المستقبل ليست دولة بلا اختلاف، بل دولة تحتضن تنوعها وتحوله إلى مصدر قوة، مشدداً على أن الدولة المنشودة لدى السوريين هي التي تقول لكل مواطن: “أنت لست ضيفاً هنا، بل صاحب البيت”، مؤكداً أن تحقيق ذلك لن يكون ممكناً دون دستور حقيقي، حتى وإن كان الدستور وحده لا يكفي.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى