سوريا، مشروع الدولة الممكنة/ علي قاسم

تصريحات أحمد الشرع تمثل محاولة صادقة لرسم ملامح سوريا جديدة. سوريا تقوم على السيادة الكاملة، والتوازن الدولي الذكي، والانفتاح الاقتصادي الطموح.
الثلاثاء 2026/04/21
هل يستطيع الشرع قلب الصفحة؟
بعد أكثر من عقد من الحرب المدمرة التي مزقت النسيج السوري وحولت مدناً عامرة إلى ركام، وبعد سقوط نظام بشار الأسد الذي حكم بقبضة حديدية لنصف قرن، تطل علينا سوريا من جديد لكن هذه المرة بصوت مختلف. إنه صوت أحمد الشرع، الرجل الذي يراه البعض قائد المرحلة الانتقالية، ويراه آخرون وجهاً جديداً لسياسات قديمة. تصريحات الشرع الأخيرة، التي توزعت بين الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية، شكلت محاولة جادة – وإن كانت مثيرة للجدل – لرسم ملامح سوريا جديدة. سوريا لم تعد ذلك البلد الذي كان يخرج منه اللاجئون حفاة، بل تسعى اليوم إلى إعادة تعريف نفسها أمام العالم. لكن السؤال الأكبر الذي يلوح في الأفق، هو: هل هذه مجرد وعود سياسية، أم أن سوريا تقف حقاً على مفترق طرق بين البقاء أسيرة ماضيها الدامي والتحول إلى مركز استقرار دولي؟
أثار أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة، قضية تعتبر جذرية في الوجدان السوري: الجولان المحتل. لم يكتفِ بتذكير العالم بأن إسرائيل لا تزال تخالف روح ونص اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، بل ذهب إلى أبعد من ذلك باقتراحه إطاراً أمنياً جديداً يضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من الأراضي المحتلة. من الناحية البلاغية، هذا كلام قوي. فالشرع يدرك أن أي نظام سوري جديد لا يمكنه أن يبني شرعيته الداخلية دون التمسك بالجولان؛ الهضبة التي أصبحت رمزاً للكرامة الوطنية والسيادة المفقودة.
لكن القراءة النقدية هنا لا مفر منها. فالشرع يتحدث اليوم عن اتفاق أمني مع إسرائيل، وهو الاتفاق نفسه الذي انهار عملياً في السنوات الأخيرة بسبب التوغل الإسرائيلي المتكرر، والضربات الجوية التي شنتها تل أبيب بحرية داخل الأجواء السورية. إن مطالبة إسرائيل بالانسحاب في الوقت الذي لم تكمل فيه الدولة السورية الجديدة عن فرض سيطرتها الكاملة على كامل أراضيها تبدو، بعبارة لطيفة، طموحة. إسرائيل لن تترك الجولان إلاً بعد تقديم دليل على أن سوريا الجديدة قادرة على منع إيران أو حزب الله من استخدام أراضيها منصة ضد إسرائيل. هنا يكمن التناقض الجوهري: خطاب السيادة الوطنية مقابل واقع التدخلات الإقليمية.
الطموح الأكبر يتمثل في طرح سوريا كممر آمن لطاقة الخليج عبر المتوسط. مشروع كهذا لو تحقق سيعيد رسم خريطة الطاقة العالمية ويجعل من سوريا دولة محورية لا يمكن تجاوزها
إذا كان هناك ملف يظهر براغماتية أحمد الشرع بوضوح، فهو ملف العلاقات الخارجية. في تصريحاته الأخيرة، تحدث الشرع بثقة عن علاقات “مثالية” تجمع سوريا الجديدة بواشنطن وموسكو وبكين في آن واحد. هذه معادلة دبلوماسية صعبة للغاية، بل ربما مستحيلة في عالم ما بعد الحرب الباردة الجديد. ففي لقاء أنطاليا مع المبعوث الأميركي، أراد الشرع إرسال إشارة واضحة إلى واشنطن: سوريا مستعدة للانفتاح، ومستعدة لأن تكون شريكاً وليس عبئاً. ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن لدمشق أن تتخلى عن علاقتها التاريخية مع موسكو، التي لا تزال تملك قواعد عسكرية على الساحل السوري.
الطموح الأكبر هنا هو تقديم سوريا كمركز استقرار دولي، بعيداً عن سياسة المحاور التي دمرت المنطقة لعقود. هذا كلام جميل، لكن العالم لا يعمل بالتمنيات. واشنطن لن تستثمر في سوريا الجديدة طالما أن النفوذ الخارجي لا يزال قائماً، وموسكو لن تتنازل عن مكاسبها في المتوسط، وبكين تتحرك بحذر وفقاً لمصالحها الاقتصادية البحتة. التحدي الأكبر أمام الشرع هو إقناع هذه القوى الثلاث بأن سوريا يمكن أن تكون مساحة للتعاون وليس ساحة للصراع. وهذا يتطلب يتطلب خطوات عملية ملموسة على الأرض، وتقديم ضمانات أمنية لدول الخليج، وإعادة هيكلة الجيش السوري.
ربما لا يوجد ملف أكثر إلحاحاً من ملف الاقتصاد. تحدث الشرع عن خارطة طريق اقتصادية جديدة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وهي عملية تقدر تكلفتها بمئات المليارات من الدولارات. ومن أكثر الأفكار إثارة للاهتمام في خطابه هي دعوته للاستفادة من خبرات الجالية السورية في ألمانيا وأوروبا. هؤلاء السوريون الذين فروا من الموت والدمار، والذين بنوا لأنفسهم حياة جديدة في الغرب، هم الآن مطالبون بالعودة ليس فقط كمواطنين، بل كخبراء في الإدارة والهندسة والطب. الفكرة رائعة، لكنها تفترض أن هؤلاء السوريين يثقون في النظام الجديد، وأنهم على استعداد لترك ما بنوه في أوروبا للعودة إلى بلد لا تزال مؤسساته هشة.
الطموح الأكبر يتمثل في طرح سوريا كممر آمن لطاقة الخليج عبر المتوسط. تخيلوا خطوط أنابيب تنطلق من السعودية أو قطر، تعبر الأراضي السورية، وتصل إلى موانئ البحر المتوسط لتصدير الغاز إلى أوروبا. مشروع كهذا، لو تحقق، سيعيد رسم خريطة الطاقة العالمية ويجعل من سوريا دولة محورية لا يمكن تجاوزها. لكن الواقع يفرض قيوده القاسية: البنية التحتية شبه منهارة، شبكات الكهرباء معطلة، الطرق والموانئ بحاجة إلى إعادة بناء شاملة، والأهم أن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، وهو ما تفتقر إليه سوريا اليوم وسط نفوذ تركي في الشمال، خلايا نائمة في الوسط، وعشائر مسلحة في الشرق.
ومن هنا يبرز التحرك الأكثر واقعية. ففي مطلع عام 2026، أعلنت دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن سلسلة اتفاقات شملت وقف إطلاق النار وبدء دمج القوات والإدارات بشكل تدريجي، مع ترتيبات أمنية في الحسكة والقامشلي وتسليم إداري كامل لمحافظتي دير الزور والرقة. الشرع قدّم هذه الخطوة باعتبارها حتمية لاستعادة وحدة الدولة، مؤكداً أن اندماج قسد في الجيش والمؤسسات الرسمية هو الطريق نحو مصالحة وطنية شاملة. غير أن التنفيذ يواجه عقبات تنظيمية وسياسية، فالقوة التي كانت حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ما زالت تحمل مشروعها السياسي والإداري الخاص. وهنا يتحدد المسار: إما أن تنجح سوريا في استعادة وحدتها، أو تبقى معلقة بين نماذج متشظية كتجربة العراق أو ليبيا.
تصريحات أحمد الشرع تحمل نبرة ثقة عالية وهو يتحدث عن سوريا التي ستصبح مركزاً للاستقرار الدولي وعن اقتصاد مزدهر وعن علاقات مثالية مع جميع الأطراف
أما على الصعيد الإقليمي، فإن رسالة الشرع إلى الأردن بشأن تقاسم مياه حوض اليرموك تحمل دلالات إيجابية. المياه كانت دائماً ملفاً شائكاً بين البلدين، وأي اتفاق عادل يمكن أن يكون نموذجاً لحسن الجوار. لكن مرة أخرى، الكلام لا يكفي. الأردن يعاني من شح مائي حاد، ولن يثق بأي وعود سورية دون آليات تنفيذ ومراقبة دولية. ومع ذلك، فإن مجرد فتح هذا الملف يعد مؤشراً على أن دمشق الجديدة تفكر في بناء الثقة من خلال القضايا العملية، وليس فقط من خلال الخطب الحماسية.
لنكن صريحين: تصريحات أحمد الشرع تحمل نبرة ثقة عالية. هو يتحدث عن سوريا التي ستصبح مركزاً للاستقرار الدولي، وعن اقتصاد مزدهر، وعن علاقات مثالية مع جميع الأطراف، وعن جولان محرر. هذه طموحات لا يعيبها شيء في حد ذاتها، لكن الفجوة بين الطموح والواقع السوري اليوم تشبه الفجوة بين السماء والأرض.
سوريا التي ورثها الشرع هي دولة منكوبة: أكثر من نصف سكانها نازحون أو لاجئون، اقتصادها منهك بالكامل، مؤسساتها إما دمرت أو فسدت، ومجتمعها منقسم على نفسه بعمق. إضافة إلى ذلك، لا تزال إسرائيل تشن ضربات جوية في العمق السوري كما تشاء، ولا تزال تركيا تحتل مناطق في الشمال، ولا يزال النفوذ الإيراني حاضراً في الميليشيات المنتشرة.
لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد أمل. فالمشروع الذي يطرحه الشرع هو المشروع الوحيد القابل للحياة. البديل هو الاستمرار في الفوضى، وتقسيم البلاد، وتحول سوريا إلى ساحة صراع إقليمي دائم. لذلك، يجب أخذ تلك الطموحات كمؤشر على أن هناك من يحاول كسر دائرة اليأس. السؤال الحقيقي ليس “هل هذه الطموحات واقعية؟” بل “هل لدى الشرع الإرادة والقدرة والمساندة الدولية لتحويلها إلى واقع؟”
تمثل تصريحات أحمد الشرع محاولة صادقة لرسم ملامح سوريا جديدة. سوريا تقوم على السيادة الكاملة، والتوازن الدولي الذكي، والانفتاح الاقتصادي الطموح. لكن هذه التصريحات تكشف أيضاً، وبكل وضوح، عن حجم التحديات الهائلة التي تقف في طريق هذا المشروع. فسوريا ليست صفحة بيضاء؛ إنها صفحة مثقلة بجروح الماضي، وتعقيدات الحاضر، ومخاوف المستقبل.
نجاح الشرع، أو فشله، يقاس بقدرته على تحويل الخطاب إلى فعل، والطموح إلى واقع ملموس. العالم يريد أن يرى ميليشيات تُحل، وموانئ تُبنى، واتفاقيات مياه تُوقع، ولاجئين يعودون. بدون ذلك، ستبقى سوريا معلقة بين ماضيها الدامي ومستقبلها المجهول، تبحث عن طريق نحو الاستقرار والانفتاح، لكنها لا تجد من يمد لها يداً حقيقية.
ربما يكون السؤال الأخير الذي يلح على كل من يتابع الشأن السوري اليوم هو: هل يستطيع أحمد الشرع أن يكون الرجل الذي يخرج سوريا من عنق الزجاجة؟
أحمد الشرع يحاول أن يرسم ملامح سوريا جديدة، مختلفة عن تلك التي عرفها العالم خلال عقد من الحرب والدمار. واضعاً سوريا على مفترق طرق: إما أن تبقى أسيرة الماضي، أو أن تتحول إلى مركز استقرار دولي، يربط بين الشرق والغرب، ويعيد صياغة دورها في الجغرافيا السياسية.
الإجابة النهائية تتعلق في قدرة السوريين أنفسهم على تجاوز خلافاتهم والالتفاف حول مشروع وطني جامع. الطريق طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً. والأمل، كما يقولون، هو آخر ما يموت. وفي حالة سوريا، ربما يكون الأمل هو الشيء الوحيد الذي لم يدمر بعد.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب



