وادي السيليكون وترامب؛ فوضى تكنوفاشية؟/ حازم السيد

حضورُ أبطال الوادي في البلاط الترامبي والرؤية التي يدفعون نحوها
18-04-2026
* * * * *
في السنة الأولى من فترة ترامب الرئاسية الثانية، باشرت الولايات المتحدة الأميركية، والتي طالما كانت ضامنة العولمة النيوليبراليّة، انسحابها من أغلب المعاهدات والاتفاقيات الدولية، لتجنحَ نحو انعزالية حمائية وتشنَّ في سبيلها حروباً تجارية شاملة، مع الصين ومع حلفائها التاريخيين في أوروبا. لم يكتفِ ترامب في هذه السنة بمواصلة مواجهته المفتوحة مع الميديا الأميركية، وإنما شنّ حرباً جديدة ومنهجية ضد جامعات النخبة كهارفارد وبرينستون وييل، التي تُشكّل واحدة من علامات التفوق الأميركي ومصنعَ نُخَب الولايات المتحدة وابتكاراتها وتفوُّقها العلمي. قام أيضاً بإنشاء مكتب الإيمان في البيت الأبيض، الذي يَضمنُ التفافَ أبرز الدعاة الدينيين حوله، كما قام بتعيين الملياردير إيلون ماسك لقيادة قسم تحسين الكفاءة الحكومية DOGE، الذي يُخبِّئ خلفَ شعار تخفيف ترهل المنظومة البيروقراطية الحكومية رغبته في تفكيك مؤسسات الدولة. أشياءُ أخرى كثيرة، مثل محاولاته الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، أو مجلس السلام الذي أنشأه ومشروعه لتحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، تأتي لتجعلَ ترامب أقربَ إلى لغز غير مفهوم.
تعتقدُ هذه المقالة أن فهمَ ترامب وألغاز دورته الثانية غير ممكن دون فهم وادي السيليكون وتأثير مليارديريته على هذه السلطة، والرؤية «التكنوفاشية» التي يدفعون نحوها والكامنة في الوادي منذ نشأته، والتي أشعلت جذوتَها نجاحاتُ الذكاء الصنعي التوليدي وارتفاع احتمالات الوصول إلى ذكاء صنعي شامل، بما يسمح بإعادة إحياء أحلام العبور الإنساني وولوج عصر الفرادة التقنية وغيرها من الأحلام والمشاريع التي تُثير حماسة مليارديرية الوادي.
وادي السيليكون والسلطة: مسافات تتآكل!
استند ترامب في دورته الأولى على رؤية اليمين البديل Alt-right الشعبوية، والتي سعت إلى تهميش المؤسسات الوسيطة وإفقار الحياة السياسية واستقطابها، بحيث لا يبقى في المشهد السياسي إلا الزعيم والشعب، ما يسمح بخلق ديكتاتورية قومية بالمعنى التقليدي أي اللاديني للكلمة، وهو المعنى الأكثر وفاءً لمقولة حركة ماغا الشهير «استعادة أميركا لعظمتها». ولكن انقلاب الكابيتول الذي لم يحظَ بزخم شعبي حقيقي، وأعلنَ عن فشل هذه الاستراتيجية، جاءَ ليُهمّش هذا التيار، الأمر الذي تشهد عليه هامشية ستيف بانون اليوم، مُنظِّر هذا التيار ورأس حربته.
اليوم، يستند ترامب على روافع عديدة، أكثرها ظهوراً هو وجوه التيار المسيحي المحافظ البوست ليبرالي، الإنجيلي والكاثوليكي، والذي يُعبّر عنه مكتب الإيمان الذي أنشأه ترامب في البيت الأبيض، والذي تديره الإنجيلية الشهيرة باولا وايت، والذي يُتحِفُ العالم بصور رجال الدين المتحلقين حول ترامب للصلاة له ومباركته في مشهد يصعب تصديقه. ولكن تيار وادي السيليكون الأكثر تَحفُّظاً يبدو شديد التصالح مع الأمة المسيحية البيضاء التي يدفع نحوها التيار المسيحي البوست ليبرالي، وهو لا يقل نفوذاً لدى ترامب.
يشهد على ذلك نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، المُستثمِر المُخاطِر في وادي السيليكون، والذي أصبح سيناتوراً بفضل رعاية مليارديرية وادي السيليكون له، والذي تجمعه صداقة كبيرة، بل وعلاقة أبوة روحية، بأخطر مليارديرية وادي السيليكون، بيتر تيل. يشهدُ على ذلك أيضاً قيام المليارديرية بصرف ما يبلغ 450 مليون دولار على حملة ترامب الانتخابية؛ أو حضور 11 مليارديراً أغلبهم من عوالم وادي السيليكون وتكنولوجيا المعلومات، ويبلغ مجموع ثرواتهم ال 1,35 تريليون، في الصفوف الأولى من حفل تنصيبه؛ أو قيام صديقه لاري أيليسون، الملياردير ومُؤسِّس عملاق البيانات أوراكل، بشراء المجموعة الإعلامية المالكة لـCNN بهدف تدجينها، بما يستكمل جهود روبرت مردوك وجيف بيزوس وإيلون ماسك للهيمنة على الفضاء العام الأميركي.
في جميع الأحوال، لا يمكن لوادي السيليكون أن يقطع علاقته بالدولة الأميركية، فهذه العلاقة أعمق بكثير مما يُمكن أن يخطر على البال. لا يتوقف الأمر على ضرورة تطييب خاطر السياسيين ودعمهم من أجل سياسات أقل بيروقراطية، والذي يشهد عليه انضمام وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس إلى مجلس إدارة شركة دروبوكس، أو انتقال مستشار حملة هيلاري كلينتون إلى مايكروسوفت، أو قيام أرملة ستيف جوبز بتنظيم سهرة عشاء خرجت منها هيلاري كلينتون وفي حوزتها 20 مليون دولار لحملتها؛ فلهذه العلاقة أبعادها الاقتصادية والاستثمارية. أبرمت السي آي إيه عقوداً بأكثر من ستمئة مليون دولار مع أمازون، كما أنها تستثمرُ في بعض الشركات الناشئة عبر صندوق الاستثمار المُخاطِر التابع له. الملياردير إيريك شميت، المدير التنفيذي لغوغل في عقده الأول، والذي كان في الوقت نفسه عضواً في مجلس إدارة آبل، كان قد كتبَ أحد كتبه مع هنري كسنجر وترأَّسَ لجنة الأمن الوطني لشؤون الذكاء الصُّنعي، ويستثمر أموال صندوق الاستثمار المُخاطِر الذي يُديره، أكثر من 20 مليار دولار، في الشركات التي تعمل على تزويد السلطات الأميركية بتكنولوجيا الذكاء الصنعي في المجال العسكري والأمني.
رغم المسافة التي يتخذها إيريك شميت من إدارة ترامب، وغضبه من الحروب التي تخوضها هذه الإدارة ضد الجامعات الأميركية، إلا أن التقارُبَ الذي يجمع الكثير من مليارديرية وادي السيليكون مع سلطة ترامب يشهد وبجلاء على انفراطِ عقد إجماع وادي السيليكون، والذي رعى فيه بُناة «التقدم التكنولوجي»، من أثرياء الوادي، قيمَ «التقدم الاجتماعي» الذي شكّل نواة خطاب الحزب الديمقراطي. مارك أنديرسين مثلاً، الملياردير السيليكوني، صديق بيتر تيل وصاحب «مانيفيستو التفاؤل التكنولوجي»، والذي طالما تبرَّعَ لمرشّحي الحزب الديمقراطي، من بيل كلينتون إلى هيلاري مروراً بباراك أوباما، لم يُصبح من بين أشد الداعمين لترامب فحسب، بل وأصبح مستشاره الرسمي، ليقوم بالدفع نحو تبني أكثر القراءات راديكالية للرؤية التي ينطوي عليها بيانه، أملاً بالوصول إلى ما يسميه بمرحلة الرأسمالية التقنية.
بين الذكاء الصنعي التوليدي والصين، أحلام ومخاطر
يعود هذا التقارب بشكل أساسي إلى السنوات السابقة على انتخاب ترامب، فالقفزة التي حققها الذكاء الصُّنعي التوليدي، وتسارُعات تطوره واحتمالات الوصول إلى ذكاء صُّنعي عام، تركت تأثيراً غير مسبوق على وادي السيليكون، فقد منحته زخماً اقتصادياً افتقده بشدة بعد فشل العديد من مشاريع الكبرى ودخوله في حالة من الركود والتأزم، وهو ما تجلّى في إفلاس بنك وادي السيليكون قبل إطلاق تشات جي بي تي بفترة قصيرة. سمح الذكاء الصُّنعي التوليدي أيضاً لمليارديرية وادي السيليكون بإعادة إحياء أحلامهم ومشاريعهم الأكثر طموحاً، والتي استمدوها من ملاحم الخيال العلمي التي أدمنوا عليها في شبابهم، فنجاحات هذا الذكاء الصُّنعي التوليدي تؤكد على أن الوصول إلى ذكاء صُّنعي عام، يُعطي الآلة ذكاءً يتفوق على الذكاء الإنساني، وفي كافة الميادين، لم يَعُد إلّا مسألة وقت. الوصول إلى هذا الذكاء قد يسمح باندماج الإنسان بالآلة وبقفزات أنثروبولوجية كبرى، تُضيء للإنسان كل أسراره فتجعله قادراً على هزيمة المرض، وربما الموت، وقد تُحرره من الحاجة إلى الجسد أصلاً ليتحول إلى بيانات يُمكن تحميلها وتنصيبها في أي آلة، ويمكنُ لها العيش في أي وقت ولأي مدة تريد.
ولكن للأمر أيضاً أبعاده الجيوسياسية، ورغم أن الصراع مع الصين في نطاق التكنولوجيا بدأ منذ سنوات طويلة، وأن الولايات المتحدة، بديمُقراطييها وجمهورييها، تتفق ومنذ أكثر من عقد على ضرورة الخروج من الرؤية النيوليبرالية التقليدية إلى رؤية تجعل الدولة مُستثمِراً ورافعة للاستثمار في المجالات التكنولوجية السيادية لضمان استمرارية تفوقها على المُنافِس الصيني. إلا أن هذا المُنافِس لا يتوقف عن تحقيق الاختراقات، فالنماذج اللغوية الصينية تبدو شديدة الفعالية وعالية التنافسية مع نظائرها الأميركية، واستراتيجيةُ المصادر المفتوحة التي تتبعها الشركات التقنية الصينية الكُبرى يُمكن أن تسمح بتفعيل كم أكبر من الطاقات وتحقيق نقلات نوعية كبرى. الأكثر خطورة، هو السلطة الصينية، شديدة المركزية والفعالية، والتي لا تُعاني من بطء حركة المجتمعات الديمقراطية ومن العوائق البيروقراطية التي قد يفرضها الناخبون للحفاظ على خصوصيتهم وبياناتهم الشخصية. تستثمر هذه الحكومة بشكل استراتيجي مثير للقلق، فالصين مثلاً تنتج 50 بالمئة من اختصاصيي الذكاء الصُّنعي في حين لا تقوم الولايات المتحدة إلا بتأهيل 18 بالمئة، كما يُمكن لهذا البلد العملاق الذي تمتلك دولته شديدة المركزية وصولاً إلى بيانات مواطنيها، توفير البيانات الضخمة والمتشابكة، والتي تُوفِّرُ بضخامتها وتَشابُكها منجماً لا مثيل له لتدريب نماذج الذكاء الصنعي، والتي يُمكن أن تسمح بتجاوز نظائرها الأميركية، وبخاصة بعد نجاحها في اختراق الأسواق الخارجية عبر تطبيقات مثل تيك توك وشي-إن وتيمو وغيرها. هذه الدولة المركزية الفعّالة القادرة على تقرير مصير بيانات مواطنيها دون أي رقابة شعبية، تبدو بذلك أقرب إلى كابوس من كوابيس وادي السيليكون، والعقبةَ التي قد تحرم الولايات المتحدة من التفوق التكنولوجي الذي طالما تمتعت بفضائله وبالمكانة الاحتكارية التي يمنحها، والتي لا يضمنها حتى اليوم إلا قدرة الأميركيين على الاستئثار بالقدرة الحاسوبية التي تمنحها شرائح إنفيديا، والتي باتت مسألة تصديرها إلى الصين واحدة من القضايا الاستراتيجية الكبرى.
من ناحيةٍ ثانية، يسمح الاستثمارُ في الحرب على الصين بتحقيق عوائد مذهلة، وهو ما يشهد عليه مَيلُ رأس المال المُخاطِر نحو الاستثمار في شركات التقانة العسكرية، ليرتفع الاستثمار إلى 49 مليار في 2025، أي ضعف ما كان عليه الحال في السنة السابقة تقريباً، ولتشهدَ السنة الماضية ولادة أكثر من 12 شركة ناشئة في قطاع تقانات الحرب البرمجية تتجاوز قيمتها المليار دولار، ولتتجاوزَ القيمة السوقية لكبرى شركات القطاع، مثل أندوريل وسارونيك وشيلد أي آي وبالانتير، قيمة بعض كبريات الشركات الحربية التقليدية.
هناك من الدوافع والمبررات ما يجعل الصراع مع الصين على أشدّه إذن، وهو ما يبدو أقربَ إلى إجماع جمهوري وديمقراطي، يُعبر عنه مشروع الباكس السيليكوني، والذي يُحاول أن يبني تحالفاً دولياً لضمان وجود كامل حلقات سلاسل التوريد لتقانات الذكاء الصنعي في دول صديقة أو تابعة، من بريطانيا واستراليا وكوريا الجنوبية وهولندا واليابان والهند إلى قطر والإمارات المتحدة وإسرائيل.
بعض المشاريع والتصريحات المفاجئة التي خرج بها ترامب في العام الأول من دورته الثانية لا تعود إلى خفّة عقله، وإنما تندرج في إطار هذه الرؤية. مارك أنديرسين وصديقه بيتر تيل كانَا على سبيل المثال من أبرز من دفع ترامب للخوض في مغامرة الاستيلاء على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وذلك لأسباب عديدة. من هذه الأسباب ما هو استثماري، فهو من كبار مستثمري شركة KEbold التي تريد استخراج المعادن النادرة التي تزخرُ بها الجزيرة، والتي تشغل الصين موقعاً احتكارياً في ميدان استخراجها، والتي يمكن أن تساعد على تغذية سلاسل تصنيع تجهيزات مراكز البيانات والرقائق التي تشهد واحدة من ذُراها هذه الأيام نتيجة طفرة الذكاء الصُّنعي. من هذه الأسباب أيضاً ما هو سياسي وإيديولوجي، فالجزيرة يُمكن أن تحتضن واحدة من الجزر الاستثمارية التي تعمل وفق العملات الرقمية المشفّرة دون أي ضوابط بيروقراطية كالتي تفرضها الدول الحديثة، لتكون النُسَخَ الأكثر تطرفاً من كيانات مثل سنغافورة ودبي وهونغ كونغ، والتجسيدَ النموذجيَ لطوبى الدول الشبكية أو مدن الحرية التي يحلم بها هؤلاء الليبرتاريون، والتي تعمل شركات مثل براكسيس نيشن وكيبولد على تحويلها إلى حقيقة. لا بد في هذا السياق من التذكير بأن هذه المشاريع ليست مجرد مغامرات حالمة أو فُرَص استثمارية، بل هي مشاريع قديمة مُندرِجة في إطار رؤية، يسعى لتحقيقها اليوم أناس مثل كين هويري، الذي أصبح سفير أميركا في الدنمارك، والذي كان شريك بيتر تيل والمُقرَّب منه منذ شبابهما، سواء عند قيامهما بإطلاق دورية ستانفورد المحافظة أو في مغامرة الاستثمار في باي بال. من جهةٍ ثانية، فكرة تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» ليست هذراً ترامبياً أيضاً، وإنما أطروحة للمبرمج السيليكوني يارفين كورتيس، صديق بيتر تيل، والذي تَحوَّلت شخصيته وأفكاره ومدوناته إلى إحدى أهم أُسس التكنوفاشية الصاعدة.
بيتر تيل، حيث تتلاقى خيوط الفاشية التقنية؟
لفهم هذه الرؤية في أكثر أشكالها تَطرُّفاً لا بد من فهم عوالم بيتر تيل – والذي يُشارك أنديرسين طموحَ الاستيلاء على غرينلاند – فهذا المُستثمِر الخطِر، الذي اشترى لزوكربيرغ سيارته الأولى وحقَّقَ في رهانه على شركة فيسبوك عند انطلاقها واحدة من أكبر صفقاته، هو المثال الأبرز والأشد خطورة في مشروع الفاشية التقنية الذي تتمخض عنه أميركا هذه الأيام. درسَ الفلسفةَ والحقوق في ستانفورد، وكان من أكبر المستثمرين في عصابة باي بال، كما كان كباقي أطفال وادي السيليكون مَسكوناً بثلاثية ملك الخواتم، التي قام باستلهام تفاصيلها لتسمية كثيرٍ من الشركات التي أسسها، وبخاصة بالانتير، والتي كانت في الثلاثية عبارة عن كرة بلورية تسمحُ لمن يستخدمها بمشاهدة كل شيء، والتي تحولت على يد بيتر تيل إلى شركة عملاقة لتحليل البيانات وتشبيكها. تتعاقد معها جهات كالسي آي أيه وشرطة الهجرة آيس والشرطة الألمانية والبريطانية والمخابرات الفرنسية وغيرها، بهدف الاستزادة بالمعلومات الأمنية اللازمة للقيام بعملها. يتردد اسم الشركة كثيراً هذه الأيام، سواء حول احتمال قيامها بتزويد الجيش الإسرائيلي بما يلزم لتشغيل خوارزمية لافيندر لاستخلاص أهداف جديدة لطيرانه في غزة، أو حول مساعدتها الإدارة الأميركية في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي، ووعودها بنصر مُحقَّق في الحرب على إيران عبر منظومة مافين الخوارزمية لتوليد الأهداف العسكرية – والتي قامت الشركة بتطويرها بعد أن تخلَّت غوغل عن صفقة تطويرها بسبب اعتراض مهندسيها – والتي تسببت إحدى أخطائها مؤخراً بمقتل 180 طفلة إيرانية. للشركة إذن ذلك الحضور الذي يُبرِّرُ جواب مُؤسِّسها عند سؤاله إن كانت الشركة واجهة للسي آي أيه، والذي يقضي بأن العكس قد يكون هو الصحيح. رغم التفاخر والمبالغات التي ينطوي عليها هكذا ادعاء، إلا أننا يجب أن نتذكر بأن بيتر تيل، هذا الكاتب والمُنظِّر، هو الأب الروحي لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، والذي كان لقاؤه معه أقربَ إلى لحظة كشفٍ سمحت له بخط مساره وبهجرة أجواء جامعة ييل النخبوية المُدجَّنة نحو عالم المغامرة والاستثمار المخاطر في وادي السيليكون. بعد مغامراته الاستثمارية، قام تيل برعاية طموحاته السياسية عبر الإنفاق غير المسبوق على حملته ليصبح سيناتوراً، وبعدها نائبَ الرئيس وأحدَ أهم أصوات وادي السيليكون في السلطة الحالية.
يُجسد بيتر تيل أحد أبرز عقول الترامبية في دورتها الثانية، ويبني هذا «العدمي الذكي» رؤيته عبر مزيح غامض قليلة الاتساق وشديد الانتقائية من أفكار الفيلسوف ليو شتراوس والأنثروبولوجي الفرنسي رينيه جيرارد والمفكر السياسي النازي كارل شميت، كما يقوم بتسويقها في مقالات وتصريحات مستفزة وفي مؤتمرات يُحيطها بهالة من السرية والنخبوية، بهدف خلق التريند والتسويق لاسمه ورؤيته. ما يعجب بيتر تيل، الليبرتاري الراغب بتحطيم الدولة والعولمة الساذجة، وصاحب كتاب «أسطورة التنوع، عن التعددية الثقافية وانعدام التسامح في الكامبوس»، في فكر الأميركي اليهودي ليو شتراوس، لا يقتصر على نقده للحداثة ومآزقها وتشاؤمه قبالة أحلام التنوير وعبثية السعي وراء كونيتها فقط وإنما الجانب النخبوي في فكره، والذي يُحاجج بأن الحقيقة والسعي وراءها ليست للجميع ولا يمكنها أن تكون كذلك في أي من الأيام ولا يوجد في أي مجتمع إلا قلة قليلة معنية بها. تعطي هذه القراءة الكثير من الشرعية لمحاولات الانقلاب على الحداثة ودولتها الراهنة ورهاناتها على كونية التنوير.
أطروحة رينيه جيرار عن القربان المُقدَّس تُثير اهتمام تيل أيضاً. تعتقد هذه الأطروحة بأن المُحاكَاة هي المُحرِّك الرئيسي لرغبة البشر، وبأن هذه المُحاكَاة، أو الغيرة، تقودهم إلى حالة صراع تشبه حالة الطبيعة الهوبزية حيث تسود حرب الجميع على الجميع، وبأن خروجهم منها لا يمكن أن يتم إلا عبر قربانٍ مُقدَّس، يُحمِّلونه أسباب انقسامهم ويسترون دناءتهم بما يسمح باستعادة السلام والخروج من حالة الصراع. لا يشرح تيل ما الذي يعنيه تأثُّرُه بجيرار، أستاذه في ستانفورد، ولكن يبدو أنه يرى في مآزق المجتمع الأميركي وحالة الانقسام الشديدة التي يعيشها اليوم ما يُذكِّره بجيرار وما يُثير فيه الرغبة بالاستثمار في مشروع قربان مُقدَّس يسمح بزيادة نفوذه على المجتمع. المهاجرون والإسلام، واللذان يكنُّ لهما عداءً شديداً، هما ما يجعل الاستثمار في خطاب ترامب المعادي للمهاجرين ومنظومة آيس مسألةً استراتيجية، فهي تُعزز الانقسام المجتمعي وتُغذي جمهور ماغا وتستدعي عند المهاجرين والمسلمين ردات فعل عنيفة، تبدو فيما بعد وكأنها التأكيد على ادعاءات ماغا الأولى، بما يُصالح الأميركيين، الحقيقيين، البيض الشماليين تحديداً، مع ميليشياتهم. من جهةٍ أخرى، تبدو هذه الحملة الشعبوية ضد المهاجرين فرصة ذهبية لشركة بالانتير للوصول بتعاونها الخوارزمي مع شرطة آيس إلى أعلى مراحله، عبر إطلاق نظام التشغيل ImmigrationOS، والذي يطمح لأن يكون العقل الخوارزمي الذي يُشغِّلُ هذا الجهاز، والذي يمكن أن يَتعمَّمَ على كافة أجهزة الدولة الأميركية، بما يزيد من فعاليتها ويُقرِّبها من نظيرتها الصينية ومن كابوس جورج أورويل في روايته 1984.
رغم بدائيتها وانحطاط تعبيراتها، لا تُثير النزعة القومية المسيحية البيضاء البوست ليبرالية الصاعدة اليوم في أميركا أي إزعاج لأبطال السيليكون، بل ويجمعهم بها كثيرٌ من الحنين والعلاقة الوجدانية العميقة، فقد ترعرعَ أغلبهم في أحضانها، ولأغلبهم تصريحات لا تخلو من عنصرية ومن اعتداد بتفوقٍ أبيض مُفترَض. ولكن المثير للانتباه في هذا الصدد هو أن مخيال أبطال السيليكون المُستمَدّ من عوالم الخيال العلمي يتقاطع وبشكل غريب مع بعض عناصر السردية الأميركية البيضاء عموماً، وهو ربما ما ساعدَ أبطال السيليكون في إغراء ترامب وبعض شرائح جمهوره. الأميركي، الأبيض، ذلك المغامر الذي وصل إلى هذه القارة المجهولة، متمسكاً بمعتقداته الدينية الجديدة والمرفوضة من المتن الأوروبي، والذي خاض مغامرات كبرى في «الفار ويست» ليبني مستوطناته ويُحوِّلها إلى مدن وبلاد عظيمة، لا يختلف في نهاية المطاف عن إيلون ماسك وأشباهه، والذين يتمسكون بأفكار غريبة، ويمضون نحوها بكل عناد، والذين تنطوي أفكارهم على المغامرة والاستيطان أيضاً، كمغامرة استيطان الفضاء والمحيط، والتي يُحركها جنون العظمة وغواية التَحوُّل إلى أبطال خارقين. الأجواء العنصرية في جنوب إفريقيا وناميبيا، التي ترعرع فيها كل من إيلون ماسك وبيتر تيل وديفيد ساكس، 1 وماضي الأبارتهايد الاستيطاني العنصري الذي مَيَّزها، يأتي ليشهد بدوره على هذه الصلة الوثيقة بين مخيال هؤلاء ومخيال ماغا الأبيض عموماً، كما يُنذِرنا بالعمق الشعبي الذي يمكن أن يتمتع به هكذا مخيال مجنون.
كارل شميت يأتي بدوره كردٍّ على إخفاقات العولمة النيوليبرالية وأوهامها، فلا يمكن لهذه الأنوار الليبرالية الغربية أن تُلاقي الكونية وتتمدَّدَ على كامل الكوكب، فيما حلم التنوير والحكومة العالمية الواحدة التي تحدّث عنها كانط، والتي تُحاول أوروبا أن تكونها، ليست إلا مجرد أوهام ومشاريع بائسة. من جهةٍ ثانية، يجب على الغرب استعادةُ الفهم الشميتي للسياسة بوصفها تعبيراً من تعبيرات الحرب إن كان يريد مواجهة الصعود الصيني والتهديد الإسلامي، وهو ما يعني مُعاوَدَةَ التصالُحِ مع النزعة القومية وخلقَ الأعداءِ وأكباشِ الفداء والخروجَ من الإنشاء الدبلوماسي والاستعداد لخوض غمار الحرب.
كورتيس يارفين، وضرورة تحطيم الكاتدرائية والعالم الويستفالي
يتقاطع كورتيس يارفين مع رؤية صديقه تيل في الكثير من النقاط، بل ويذهب في أفكاره إلى نهاياتها، وهو ما قاده للتحوُّلِ إلى أبرز منظري هذه التكنوفاشية وما بات يسمى بـ«الأنوار المظلمة». يسمح هذا المُبرمِج والمُستثمِر بفهم ما يعصى علينا فهمه عند تيل، لنصلَ إلى رؤية أوضحَ للعالم الذي تريد التكنوفاشية صياغته. فضاءٌ عام تسوده شعبويةٌ قوامها نزعة قومية مسيحية بيضاء وجهازُ دولة شديد المركزية، تُسيطر عليه نخبة تقنية مُصطفاة، تختار «مديرها التنفيذي» كما يختار مالكو الأسهم مديري شركاتهم، وتدير شؤون الأمة كما يجب أن تُدار؛ كشركة.
ستسمح هذه الهيمنة على جهاز الدولة بتطويعها وتوجيه مواردها بما يخدم المعارك التي يجب خوضها لإخضاع الصين وضمان استدامة التفوق التكنولوجي عليها. الأهم من ذلك هو تفكيك المجتمع الدولي والإطاحة بالعالم الويستفالي القائم على هيمنة نموذج الدولة-الأمة، والتأسيس لمحيط من التجمُّعات البشرية المُعدَمَة، يهيمن عليها أرخبيل من مدن تكنولوجية سيّدة، لا يمكن أن يُفرَض عليها من القوانين والتشريعات إلّا ما يفرضه مُؤسِّسوها من المستثمرين.
من أجل تنفيذ هذه الرؤية، لا بد من تحطيم ما يسميه يارفين بـ«الكاتدرائية»، أي الديمقراطية والسلطات المضادة التي ترتكز عليها، وهو ما يبدو جلياً في سنة ترامب الأولى عبر تأسيس Doge وتسليمها لإيلون ماسك لتفكيك أجهزة الدولة عبر تسريح الموظفين وزيادة السطوة الخوارزمية على مؤسساتها، وعبر مهاجمة جامعات النخبة 2 والمؤسسات القضائية والمحاكم الدستورية والميديا، وعبر مَركَزة جميع السلطات في يد البيت الأبيض. أبطال السيليكون المسكونون بأحلام العبور الإنساني والاندماج بالآلة، والانتقال إلى مرحلة حصول الآلة على ذكاء شامل يتجاوز الذكاء الإنساني، ويُدشِّنُ مرحلة الفرادة التي تنتهي معها هيمنة البشر على الأرض ليبدأ صراعٌ بين الآليات الذكية، يريدون تحطيم جميع القيود والعوائق والتشريعات والمؤسسات التي تريد أن تعوقهم عن أحلامهم. بكلمات أخرى، يؤمن هؤلاء الليبرتاريون بالفردانية بنسختها الأكثر تَطرُّفاً، ويعتقدون بأن الحرية الحقة لا يمكن أن توجد طالما أن الدولة موجودة، وبأن هذه الدولة، دولة منخفضي الـIQ، تظلمهم وتسلبهم حريتهم. أن تتحول الولايات المتحدة إلى تكنو فاشية تحت سطوتهم هو ما سيسمح لهم بتفكيك الدولة في كل مكان تقريباً، وما سيسمح لهم ببناء المدن الرقمية التي يحلمون بها، والتي بدأوا ببناء بعضها في الهندوراس، والتي تُشكّل محاولتهم الاستيلاء على غرينلاند إحدى دوافعها، ليصلوا إلى ما يسميه الكاتب المصري محمد نعيم بـ«مرحلة ما بعد الشعوب»، ويُصبحَ العالم بمجمله شبيهاً بتجارب دبي وسنغافورة وهونج كونج؛ عالم تتحوَّلُ فيه السياسة إلى إدارة ويفقد سوادُ العالم كافة حقوقهم ويحظى المُصطَفون فيه بكل أسباب السلطة والثروة، وهو ما يتقاطع مع أحلام النيوليبرالي توماس فريدمان وابنه ديفيد وحفيده أيضاً، وفقاً للاقتصادي الأميركي كوين سلوبوديان وكتابه عن «الرأسمالية القيامية» التي يُرسيها هؤلاء، والتي تُشكّل النهاية المنطقية للنيوليبرالية لا نفياً لها كما يدّعي البعض.
يجعلنا ذلك نفهم لماذا أوحى يارفين لترامب بمقترح تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، فهذا الرهان هو ما قد يسمح لهؤلاء بالبرهنة على جدّية العالم الذي يسعون إليها. سيتمكنون، في حالة نجاحهم، من تصفية القضية الفلسطينية، والتي طالما كانت عقدة من عُقَد السياسة في الشرق الأوسط، عبر حل مُبتكَر، وتحويل أنقاض غزة إلى واحة جذابة وإلى قبلة للاستثمار والابتكار، بما قد يجعلها تتفوق على جيرانها الإسرائيليين والإماراتيين، لتكون الخطوة الأكبر لبدء مسار تفكيك العالم الويستفالي.
يمكن في هذا السياق استحضارُ الحبة الحمراء لفيلم الماتريكس، والتي يتحدث عنها إيلون ماسك. تسمح هذه الحبة لمن يتناولها بالانضمام إلى عصبة الأبطال التي تُقارع الآلات الذكية والمصفوفة الشمولية The Matrix التي أرستها، والتي سلبت الحياةَ نكهتها وحولت المدن البشرية إلى مُحاكَاةٍ فاقدةٍ للمعنى. يرغب أبطال السيليكون بالتفكير في أنفسهم بوصفهم من تجرأ على تناول الحبة الحمراء، ولكن واقعَ حالهم اليوم، ورغبتهم بمصالحة قدرات الذكاء الصنعي مع سلطة ترامب بهدف خلق سلطة خوارزمية شديدة المركزية والسلطوية، تجعل فيلم الماتريكس أقربَ إلى مَجاز مضاد عن المصفوفة المُعادية للحياة الإنسانية التي يدفع نحوها هؤلاء.
نيوزيلندا، الملجأ الأخير؟
رغم جدية مشروعهم ونفوذهم في سلطة ترامب، تبدو رؤية هؤلاء عاجزة عن التَحقُّق، سواء في غرينلاند أو في الحرب على إيران. حتى ترامب، بدأ بالتباطؤ ولا يمضي بالسرعة التي يريدها يارفين، ولا يبدو أقلَّ قدرةً من هتلر على التخفف من داعميه. بالإضافة قد يكون لمُهندسي وادي السيليكون الذين يقومون بتطوير هذه البرمجيات كلمتهم أيضاً، والشقاق بين جمهور ماغا وبين نُخَب وادي السيليكون التي ارتبط كثير من نجومها كبيتر تيل وإيلون ماسك بفضائح إبستاين لا يتوقف عن الاتساع. ثمة احتمالٌ أن يكون الاستثمار في السباق نحو الذكاء الصنعي الشامل مجرد سراب وهدف لا يمكن تحقيقه، وما قد يعنيه ذلك من استنزاف اقتصادي، الأمر الذي يأتي مع بقية العوامل السابقة ليؤكد على صعوبة تَحقُّق هذه الرؤية.
من ناحيةٍ ثانية، قد لا يعني أبطال السيليكون كثيراً مآلُ هذه المغامرة التي يخوضونها رغم هولها. تجربة المغامرة أعظم بكثير من أهدافها. هذه واحدة من أهم دروس وادي السيليكون. بكلمات أخرى، لا يُجرِّبُ أثرياء وادي السيليكون إلا الجري وراء أحلامهم وعيشَ بعض المغامرات. ولكنهم يفعلون ذلك بجدية. يصرفون لأجل ذلك المليارات، ويُخضِعون أقوى الماكينات السياسية واللوجستية لذلك، ويدفعون باتجاه أكبر عمليات التلاعب، كما يقومون بتحطيم دول ومجتمعات وبيئات حيوية كاملة لتجربة فرضياتهم واختبار نجاعتها. قد لا ينجحون، بل واحتمال فشلهم هو الأكبر، ولكنهم معتادون على ذلك، فهم مستثمرون مُخاطِرون قبل كل شيء. قد يبحث بعضهم عن الانتقام، وقد يُطوِّرُ بعضهم خطاب مظلومية جديد، ولكن كثيراً منهم نجا من هكذا عُقَد ولا يبحث إلا عن المجد والأدرينالين واللذة التي تَعِدُ بها المغامرة. وإن قاد فشلهم إلى الكارثة فما من مشكلة؟! يمكنهم الذهاب إلى الملاجئ التي قاموا ببنائها في جزرهم المعزولة، أو باللجوء إلى نيوزيلاندا، الجزيرة البعيدة عن الأخطار وموقع تصوير ثلاثية ملك الخواتم، والتي بات أكثر من 50 بالمئة من مليارديرية وادي السيليكون يمتلكون جنسيتها. وإن بقي العالم على حاله، فيمكنهم الحفاظ على المادة الحيوية لأجسادهم أو عقولهم في مخازن شركات نيكتوم وآلكور، أملاً بأن يتمكن مغامرو المستقبل من النجاح فيما أخفقوا به، وأن يَتمكَّنوا بفضل العلم والخيال من إعادة بثِّ الحياة في أجساد مُلهميهم بعد موتهم.
1. أحد أفراد مافيا باي بال وأحد كبار مستثمري وادي السيليكون. معروف بقربه من ماسك وتيل في اهتماماته الإيديولوجية وطموحاته السياسية، والتي انتهت بعمله مستشاراً لترامب في شؤون الذكاء الصُّنعي والعملات الرقمية المُشفَّرة.
2. يقدم بيتر تيل منحة سنوية بمقدار 200 ألف دولار لطلاب جامعات النخبة الذين يتخلون عن دراستهم بهدف ملاحقة أحلامهم وتأسيس شركاتهم.
هذا المقال هو الثاني بعد «وادي السيليكون؛ فوضى التكنولوجيا الخلّاقة؟»، المقال الأول الذي تضمّنَ جولة في عوالم نجوم الوادي وخلفياتهم الاجتماعية والتاريخية ومنابع مخيالهم ورؤيتهم.
موقع الجمهورية



