الانسحاب الاميركي من سورية وعلاقته بالحرب على “داعش” تحديث 30 نيسان 2026

لمراجعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
المقاتلين الأجانب و “داعش” في سورية
والرابط التالي:
كيف يستثمر داعش في “شعرة إسرائيل” الفاصلة بين الشرع والإسلاميين؟/ رامي الأمين
2026-04-28
في بداية شهر إبريل الجاري، وبعد ان أقر الكنيست الإسرائيلي قانونا يسمح بإعدام المدانين الفلسطينيين بقتل اسرائيليين، خرجت تظاهرات غاضبة في شوارع دمشق، هتفت لنصرة غزة و”القضية الفلسطينية”، وهاجم متظاهرون مبنى سفارة الإمارات في دمشق، وأنزلوا العلم الإماراتي واستبدلوه بالعلم الفلسطيني. في تلك التظاهرات، ردد المتظاهرون أيضا هتاف “علّمنا صدام حسين، نموت وتحيا فلسطين”.
ترافق هذا الأمر مع إعلان مجموعة ملثمة الجهاد ضد إسرائيل من منطقة درعا في الجنوب السوري، ليتبين لاحقا بأن أفرادها هم من الجماعات التي هاجمت دروز السويداء في يوليو الماضي.
قبل ذلك بشهور، ظهر فيديو لفصائل من الجيش السوري تهتف أثناء عرض عسكري رسمي “يا غزة احنا معاكي للموت“. ثم تكرر الأمر مع قوات حكومية تابعة للشرع هتفت “خيبر خيبر يا يهود” بعد السيطرة على حي الشيخ مقصود والأشرفية، في حلب.
وتبدو كل هذه الأحداث متناقضة مع المسار الذي تنتهجه السلطة الجديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع منذ إسقاط نظام بشار الأسد، وذهابها إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وتحالف قوي مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع محاولات إظهار بعض الانفتاح الاجتماعي، التي قوبلت باعتراضات من إسلاميين في السلطة وجمهور واسع على المسار الحالي في البلاد.
يشرح الباحث السوري المتخصص في الجماعات الإسلامية، حسام جزماتي، لـ”الحرة”، أن هذا الاعتراض الإسلامي ظهر في انتقاد القوانين والسلوكيات التي لا تتماشى مع الصبغة الإسلامية، وآخرها كان في الاحتفال الرياضي في افتتاح ملعب لكرة السلة، مع تضمنه فقرة رقص وغناء، أثارت استياء شريحة واسعة من جمهور الشرع، واعتُبرت من قبل هؤلاء “خادشة للحياء”. هذا مثال عن التباين بين القيادة والقاعدة الشعبية، وقد انسحبت بالطبع إلى السياسة، وخصوصاً في موضوع غزة والصراع مع إسرائيل.
يشرح جزماتي ان هذا “الانفصام التنظيمي”، يظهر كلما اقتربنا من قيادة الهرم، فنجد تفاهماً أكبر على “الخطوط السياسية” الجديدة تحت ذريعة “التمكين” والضرورات الاستراتيجية. وكلما نزلنا إلى المستويات القيادية المتوسطة أو القواعد الشعبية، تزداد التساؤلات والاعتراضات، حيث يرى هؤلاء أن التحولات الأخيرة تُفرغ المشروع من محتواه العقائدي والفكري.
يلاحظ جزماتي في المشهد أيضا غياب الجماعات الإسلامية التقليدية، بالمعنى المنظم، مثل الإخوان المسلمين، وهؤلاء أقفل الشرع في وجههم الباب ولم تتح لهم أي فرصة للبروز.
أيمن عبد الله، مدير منصة “فريق إخباري مستقل”، والمتابع عن كثب للجماعات المحيطة بنظام أحمد الشرع، يقول لـ”الحرة” إن “هذه التناقضات هي في الواقع نتاج طبيعي لتاريخ هذه الجماعات وعلاقتها مع الشرع”.
كانت التظاهرات التي حدثت، بحسب عبد الله، “منظمة بشكل غير مباشر من الهيئة السياسية التابعة لوزير الخارجية أسعد الشيباني”. لكنها خرجت عن السيطرة نتيجة التناقضات بين هذه الجماعات، فراح الناس يهتفون لغزة، وآخرون لصدام حسين، وبعضهم هاجم سفارة الإمارات.
يفسّر جزماتي هذا الاندفاع لدى الناس، بأن الأرضية الأوسع لدى العرب السنّة لا تزال “حماسية” تجاه القضية الفلسطينية و”تمزج بين العروبة، الإسلام، والنخوة”. وهذه الروح، هي التي دفعت الناس للتظاهر ومهاجمة سفارة الإمارات ردا على أخبار تتعلق بالتعاون مع إسرائيل.
تجد سلطة الشرع نفسها بين نارين، على حد تعبير عبد الله، فمن جهة تريد الحفاظ على الخطاب المعادي لإسرائيل كي لا تخسر التأييد الشعبي، ومن جهة ثانية، تريد أن تُظهر لأميركا وإسرائيل أنها لا تسمح بأي نشاط عسكري ضد إسرائيل من جنوب سوريا.
وقد تكرر حديث إسرائيل عن اكتشاف خلايا منظمة في الجنوب السوري مرتبطة بحزب الله، أو جهات فلسطينية، أو حتى “الجماعة الإسلامية” في لبنان. ولكن يبقى السؤال عن مدى جدية هذه الشبكات وقدرتها على الصمود أمام التوغل الإسرائيلي المستمر، بحسب جزماتي.
لكن ما بدا لافتا في الفترة السابقة، هو قيام السلطة الحالية باعتماد “سياسة ممنهجة”، كما يسميها جزماتي، للتضييق على الفلسطينيين واعتقالهم، خصوصا المرتبطين بما يسمى “محور المقاومة”. وقد أفادت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا” عن حملة اعتقالات طالت في منتصف إبريل الحالي، نحو 40 لاجئا فلسطينيا في دمشق ومحيطها، من دون صدور توضيحات رسمية حول أسباب الاعتقالات، وجرى الإفراج عن بعض هؤلاء لاحقا.
يذكر جزماتي قيام حكومة الشرع باعتقال قيادي سابق في هيئة تحرير الشام، يدعى “الزبير الغزي” منذ أبريل 2025، بسبب نشاطه في جمع التبرعات لغزة، ولم يطلق سراحه حتى اليوم. وطال التضييق والاعتقالات أيضا، بحسب جزماتي، بقايا التنظيمات الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي، لمنع أي تصعيد انطلاقا من الأراضي السورية، والسلطة تحاول جاهدة منع أي حراك شعبي قد يخرج عن السيطرة تحت شعار “مقاومة إسرائيل”.
لكن هذا الاضطراب في علاقة السلطة السورية الجديدة مع الجماعات الإسلامية التي تشكّل أغلبية ساحقة من جمهورها، قد يفتح الباب أمام جماعات إسلامية متشددة للنفوذ منه، كما حدث مع “سرايا أنصار السنة” التي نفذت عمليات قبل شهو، قبل أن “يتم القضاء عليها”، كما يشرح جزماتي، الذي يحذر من أن تنظيم داعش “يمثّل رأس الحربة في تخوين القيادات الحالية واتهامها بالعمالة، مستندا إلى هذه التحولات”.
تحاول داعش أن تنفذ من هذه التناقضات، يتابع عبد الله، و”تحاول استمالة المتشددين من الإسلاميين ذوي الأصوات الأعلى في انتقاد تصرفات الشرع، لكن حتى الآن فشلت في ذلك، لأن غالبية الإسلاميين في سوريا لا يزالون يرون في مشروع الشرع الأنجح على علاته، فيما مشروع داعش يعني دمار البلد”.
هل يؤدي هذا التباين في الرؤى والآراء إلى حصول انقسام بين الإسلاميين المؤيدين للشرع؟
يرى عبد الله أنه ما زال من المبكر الحديث عن انقسام سياسي داخل تركيبة النظام، لأن “لا تزال الأغلبية منتشية بالنصر الذي أتى به الشرع، ولا يزال هؤلاء مقتنعين أن الحفاظ على النصر يتطلب الإبقاء على الولاء للشرع في هذه الفترة”.
ويستبعد جزماتي أن تكون السلطة الحالية راضية أو مسهلة لما شهدناه خصوصاً في التظاهرات، “بل هو تعبير عن رأي عام شعبي لا يمكن ضبطه بالكامل، كونه يتغلغل حتى داخل أجهزة المنظومة نفسها”.
الحرة”
————————————–
لماذا لم يستفِد داعش من الحروب الإقليمية القائمة؟/ لامار أركندي
الجمعة 24 أبريل 2026
برغم استمرار التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، بما في ذلك التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وتداخل الساحات السورية والعراقية، لا يظهر تنظيم داعش اليوم كفاعل قادر على استثمار هذه الحروب لإعادة إنتاج نموذج “الدولة” الذي فرضه بين عامَي 2014 و2017. فبدلاً من موجات التمدّد أو السيطرة الجغرافية، يقتصر حضوره على هجمات متفرّقة وخلايا صغيرة تتحرّك في هوامش جغرافية وأمنية محدودة، خصوصاً في البادية السورية.
هذا التحوّل يطرح سؤالاً مركزياً حول أسباب تراجع قدرة التنظيم على استثمار الفوضى الإقليمية، وهل تغيّرت البيئة الأمنية في سوريا والعراق جذرياً بما يمنع عودته بالشكل السابق؟
بيئة مثالية
يقول الصحافي المصري الخبير في تحليل الحركات الجهادية المتشددة منير أديب، إنّ “تنظيمات العنف والتطرّف، وفي مقدّمتها تنظيم داعش، تميل تاريخياً إلى استثمار البيئات المضطربة التي تُخلّفها الحروب والصراعات الكبرى”.
ويفيد أديب، في حديثه إلى رصيف22، بأنّ التصعيد العسكري المرتبط بالمواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، بما يحمله من تداعيات أمنية وسياسية، أسهم في خلق حالة من السيولة الإقليمية وعدم الاستقرار، وهي بحسب اعتقاده بيئة مثالية من حيث المبدأ لإعادة تموضع هذه التنظيمات.
ويضيف: “برغم أنّ مؤشرات النشاط العملياتي لداعش لم تشهد تصاعداً نوعياً واضحاً حتى الآن، إلا أنّ غياب هذا الأثر لا يعني انتفاء الاستفادة، بل قد يعكس انتقال التنظيم إلى مرحلة إعادة التنظيم الصامت، بعيداً عن لفت الانتباه”.
من “الدولة” إلى الخلايا
يشير الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، اللواء الركن المتقاعد والأكاديمي عماد علو الربيعي، إلى أنّ تنظيم داعش لم يُهزم بشكل كامل، بل مرّ بتحوّل جوهري في بنيته العملياتية والتنظيمية، وانتقل من مرحلة “التمكين” إلى ما يُعرف في أدبيات التنظيمات المتطرّفة بمرحلة “شوكة النكاية”.
ويضيف الربيعي في حديثه إلى رصيف22: “هذا التحوّل يعكس تراجعاً واضحاً في قدرة التنظيم على السيطرة المكانية وإدارة الأراضي، بعد أن كان خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2017، يمتلك نموذجاً شبه دولتي يقوم على إدارة مدن ومناطق واسعة في سوريا والعراق، وفرض أنظمة حكم محلية ضمن تلك الجغرافيا”.
في السياق نفسه، تشير المعطيات الميدانية إلى أنّ التنظيم انتقل إلى الفكرة المركزية حيث أصبح يعمل عبر خلايا صغيرة منفصلة نسبياً، تنفّذ عمليات خاطفةً منخفضة الكلفة والتأثير، بدلاً من العمليات واسعة النطاق أو السيطرة المستمرّة على الأرض.
هذا التحوّل البنيوي، بحسب الربيعي، لم يكن خياراً إستراتيجياً طوعياً بقدر ما هو نتيجة مباشرة لضربات عسكرية مركّزة استهدفت قيادات التنظيم العليا، وأدّت إلى تفكيك شبكات القيادة والسيطرة لديه، وإضعاف قدرته على التخطيط طويل المدى. كما أسهم ذلك في فقدان التنظيم جزءاً كبيراً من خبراته الميدانية التي كانت تشكل العمود الفقري لمرحلة “الدولة”.
لماذا لا تنتج الحروب الإقليمية فراغاً لصالح داعش؟
كان تنظيم داعش يستفيد في السابق من الانهيارات الأمنية والسياسية ليملأ الفراغ بسرعة، لكنّ المشهد الحالي أكثر تعقيداً؛ فالحروب الإقليمية لم تعد تخلق فراغات مفتوحةً، بل بيئات “مراقبة ومزدوجة السيطرة”، تتداخل فيها القوى المحلية والدولية، من قوات التحالف إلى الفاعلين الإقليميين والقوى المحلية المسلّحة.
وفي النسق ذاته، يوضح الخبير المتخصص في شؤون المجموعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين، أنّ تنظيم داعش لم يتمكن من استثمار التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي-الإيراني لتعزيز نشاطه في الساحة السورية، برغم أنّ مثل هذه البيئات عادةً ما توفّر فرصاً للتنظيمات المسلّحة. ويعود ذلك إلى تعقّد المشهد الميداني وتراجع قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات نوعية ذات صدى واسع.
ويضيف أمين في حديثه إلى رصيف22، أنه “في ظل هيمنة التغطية الإعلامية على التصعيد العسكري بين القوى الدولية والإقليمية، تراجعت قدرة داعش على فرض نفسه كفاعل مؤثر في المشهد، خاصةً أنّ عملياته خلال هذه الفترة اتسمت بالمحدودية والضعف، واقتصرت على هجمات متفرقة تستهدف عناصر محليةً في مناطق مثل البادية وحلب والرقة”.
ويشير أمين إلى أنّ “هذا النمط من العمليات، من حيث الحجم والتأثير، لم يكن كافياً لجذب الاهتمام أو إحداث تأثير إستراتيجي، ما يعكس تراجعاً واضحاً في قدراته العملياتية والإعلامية على حدّ سواء”.
تشير دراسات تحليلية، من بينها ما ورد في دراسة صادرة عن المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، إلى أنّ تنظيم الدولة الإسلامية لا يتعامل مع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بوصفه فرصةً مباشرةً للتوسع الميداني أو زيادة مستوى عملياته في الساحات التي ينشط فيها، وعلى رأسها سوريا والعراق.
وبحسب هذا التحليل، فإنّ مقاربة التنظيم لهذه الأحداث تقوم بالأساس على الاستثمار في البعد الدعائي والأيديولوجي، حيث يتمّ توظيف الصراعات الإقليمية لتأكيد سرديّته التي تصف الأطراف المتصارعة بأنها قوى غير شرعية من منظور عقائدي، دون الانحياز إلى أي طرف من أطراف المواجهة.
بيئة حاضنة للاستنزاف الأمني
تشهد مناطق البادية السورية وتداخلاتها العشائرية حالةً من التعقيد الأمني والاجتماعي، حيث تتقاطع التوترات المحلية مع هشاشة السيطرة الأمنية وتعدّد الفاعلين على الأرض، ما يخلق بيئةً قابلةً للاستغلال من قبل التنظيمات المسلّحة، وعلى رأسها تنظيم “داعش”، الذي يعتمد في تكتيكاته على الهجمات الخاطفة والاستنزاف بدل السيطرة المباشرة.
وتشير تقارير لمواقع محلية سورية إلى وقوع اشتباكات واقتتالات عشائرية متكررة في مناطق من الرقة وريف دير الزور، نتيجة خلافات محلية تتعلق بالثأر والنفوذ وتوزيع السيطرة بين العشائر.
وتفيد هذه التقارير بأنّ تلك المواجهات غالباً ما تتصاعد بشكل مفاجئ في ظل انتشار السلاح الخفيف وضعف آليات الضبط الأمني، كما تؤدّي هذه الأحداث إلى سقوط ضحايا وتوترات متكررة، ما يعكس هشاشة الاستقرار الأمني والاجتماعي في تلك المناطق.
وفي هذا السياق، توضح الصحافية والناشطة النسوية من دير الزور رنا الأحمدي، أنّ “هذه البيئة “لا تنتج بالضرورة تمدّداً مباشراً للتنظيم، لكنها توفّر له فرص تنفيذ هجمات خاطفة واستنزافية، مستفيداً من تشتّت الجهد الأمني وانشغال الأطراف بصراعاتها البينية”.
وتضيف رنا، في حديثها إلى رصيف22، أنّ العلاقة المتوترة بين دمشق وبعض العشائر لا تُقرأ فقط كخلاف سياسي أو أمني، بل كعامل يؤثّر في تماسك البنية الاجتماعية، إذ تؤدّي حالات الاحتكاك أو الاعتقال أو التنافس على النفوذ، إلى تآكل الثقة بين المجتمع المحلي والجهات المسيطرة، ما يسمح بخلق هوامش يستثمرها التنظيم عبر استهداف أفراد يشعرون بالتهميش أو الغبن، وإعادة توظيف السرديات المحلية ضمن خطابه القائم على “المظلومية” و”غياب العدالة”.
وتحذّر من أنّ هذه التوترات تمتد إلى البعد المعيشي والخدمي، حيث يؤدّي ضعف الخدمات وتراجع الفرص الاقتصادية في مناطق شرق سوريا إلى تعميق مشاعر الإقصاء، خصوصاً لدى فئة الشباب. هذا التداخل بين الضغوط الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي والسياسي يرفع من قابلية التأثر بخطاب التنظيم الذي يسعى إلى تقديم نفسه كبديل “عادل” أو قوّة قادرة على إعادة التوازن، ولو ضمن إطار دعائي أكثر مما هو واقعي.
وتشير رنا إلى أنّ التهديد لا يكمن فقط في حجم العمليات الحالية، بل في القدرة الكامنة على إعادة إنتاج بيئة مضطربة تسمح باستمرار النشاط غير المباشر للتنظيم داخل مساحات التوتر المحلي والإقليمي، وفي مقدمتها البادية السورية والعشائر.
بين الضغط الأمني والاستخباراتي
على الرغم من استمرار ظهور خلايا محدودة لتنظيم داعش في بعض المناطق السورية والعراقية، إلا أنّ نمط نشاطه العام يعكس تراجعاً واضحاً في قدراته مقارنةً بسنوات ذروته، في ظلّ تغيّرات عميقة طالت بنيته التنظيمية والبيئة المحيطة به، ما جعله محصوراً في عمليات منخفضة التأثير بدل العودة إلى مشهد السيطرة الميدانية.
في ضوء ذلك، يوضح الربيعي أنّ “البيئة الإقليمية الضاغطة وتقييد فرص إعادة التمدّد يُعدّان من العوامل الأساسية في إضعاف التنظيم”، مشيراً إلى أنّ “التحولات الجيوسياسية والعسكرية في الإقليم ضيّقت هامش المناورة أمامه”.
ويضيف: “التواجد العسكري متعدّد الأطراف، بما في ذلك الحضور الأمريكي ونشاط التحالف الدولي، إلى جانب تصاعد القدرات الاستخباراتية والعسكرية لكلّ من العراق وسوريا، خلقا بيئةً أكثر عدائيةً تجاه أي محاولة لإعادة التمدّد. كما ساهمت العمليات الاستباقية في مناطق البادية والصحاري الممتدة بين البلدين في استهداف خطوط الإمداد ومراكز التموضع، ما حدّ من قدرته على إعادة تنظيم صفوفه، بالتوازي مع تراجع الحواضن الاجتماعية التي كان يعتمد عليها، الأمر الذي انعكس انخفاضاً واضحاً في وتيرة عملياته ونوعيتها”.
من جهته، يرجّح الدكتور مصطفى أمين أنّ “تنظيم داعش كان يستفيد في السابق من الانهيارات الأمنية والسياسية لملء الفراغات بسرعة، إلا أنّ المشهد الحالي بات أكثر تعقيداً، إذ لم تعد الحروب الإقليمية تنتج فراغات مفتوحةً، بل بيئات مراقبة مزدوجة السيطرة تتداخل فيها القوى المحلية والدولية، من قوات التحالف إلى الفاعلين الإقليميين والقوى المحلية المسلّحة”.
ويذهب أمين إلى القول إنّ “التجربة السابقة في مكافحة التنظيم أسهمت في تطوير منظومات استخباراتية وعسكرية أكثر نضجاً في سوريا والعراق، ما جعل أي محاولة لإعادة التمدد مكشوفةً ومحدودةً زمنياً. كما أنّ تداخل القوى على الأرض، خصوصاً في مناطق شرق الفرات ونهر الفرات، أسهم في خلق خطوط تماس معقّدة تمنع ترك أي فراغات طويلة الأمد، ما يزيد من صعوبة عودة التنظيم إلى أنماط السيطرة السابقة”.
الاستنزاف البطيء
يعكس سلوك تنظيم داعش في المرحلة الراهنة، تحوّلاً من مشروع السيطرة وإدارة الأراضي إلى نمط الاستنزاف البطيء، حيث بات يركّز على هجمات محدودة بالمقارنة مع السنوات الماضية، تضمن له الحضور الأمني دون امتلاك قدرة على فرض السيطرة الميدانية، في ظلّ إدراكه انتهاء مرحلة الدولة واعتماده المتزايد على العمل ضمن الهوامش الأمنية.
وفي هذا المنحى، يرى الباحث في شؤون الإرهاب والسياسة الدولية الدكتور طارق أبو السعد، أنّ استمرار النشاط المحدود لتنظيم داعش داخل سوريا، والمتمثّل في هجمات صغيرة تستهدف شاحنات الوقود أو حرّاس منشآت النفط، يعود إلى تراجع قدراته العملياتية والشرعية التي كان يستند إليها سابقاً، بالإضافة إلى محاصرته في مناطق مثل البادية والخلايا النائمة في بعض المدن.
ويلفت في حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ التنظيم فقد جزءاً كبيراً من قوته وقدرته على تنفيذ عمليات واسعة، ما جعله يعتمد على نمط عملياتي منخفض التأثير، في ظلّ تغيّر معادلات الصراع في سوريا.
ويتابع أبو السعد: “هذا النمط من العمليات يعكس تحوّلاً اضطرارياً في وظيفة التنظيم نحو الاستنزاف المحدود، بهدف إرباك الأجهزة الأمنية دون السعي للسيطرة على الأرض، نتيجة ضعف إمكاناته وتغيّر البيئة الإقليمية”.
هل يعود التنظيم كقوّة سيطرة؟
يستبعد الكاتب الصحافي منير أديب، عودة تنظيم داعش كقوّة سيطرة في سوريا في المدى المنظور، في ظل البيئة الأمنية المعقدة التي تشهدها البلاد، حيث تتداخل قوى محلية وإقليمية ودولية تفرض رقابةً مستمرةً على أيّ تحركات له.
ويشير إلى أنّ “هذا التداخل إلى جانب تصاعد القدرات الاستخباراتية والعسكرية، حدّ بشكل كبير من قدرة التنظيم على إعادة بناء نفسه أو استعادة مناطق نفوذ، فهو فقد جزءاً كبيراً من بنيته القيادية وموارده، ما يجعله عاجزاً عن الانتقال من نمط الهجمات المحدودة إلى مشروع سيطرة جغرافية”.
وبناءً على ذلك، يرجّح أديب استمرار نشاط داعش ضمن إطار منخفض التأثير، قائم على هجمات متفرقة ومحاولات استنزاف، دون القدرة على فرض واقع ميداني جديد أو إعادة إنتاج نموذج الدولة الذي سعى إليه سابقاً.
ويتقاطع رأي الدكتور طارق أبو السعد، مع هذا الطرح إذ ينوّه بأنّ “التوازنات الدولية والإقليمية الحالية، برغم تناقضاتها، اتفقت ضمنياً على منع عودة التنظيم إلى نموذج السيطرة السابق، عبر منع الفراغات الأمنية، وحرمانه من الحواضن الآمنة، واستهداف قياداته بشكل مستمرّ، ما يبقي نشاطه ضمن سقف عملياتي منخفض دون قدرة على التحوّل إلى قوّة ميدانية مؤثرة”.
وكشف تقرير لمجلس الأمن في عام 2026، صادر ضمن الإحاطات الخاصة بالأمين العام للأمم المتحدة حول تنظيم داعش، إلى أنّ التنظيم لا يزال يشكّل تهديداً أمنياً قائماً، لكنه فقد قدرته على التحوّل مجدداً إلى كيان يسيطر على الأرض.
ويؤكد التقرير أنّ البيئة الأمنية الحالية في العراق وسوريا، القائمة على تعدّد القوى الفاعلة وتكثيف العمليات الاستخباراتية، تقلّل بشكل كبير من فرص نشوء فراغات تسمح بعودة نموذج الدولة.
كما يوضح التقرير أنّ نشاط التنظيم بات يعتمد على نمط منخفض الشدّة قائم على الخلايا الصغيرة والهجمات المتقطعة، مع تركيزه على إرباك الاستقرار الأمني أكثر من السعي للسيطرة الجغرافية، وهو ما ينسجم مع مفهوم التمرّد المستمر منخفض الظهور.
ويخلص التقرير إلى أنّ عودة داعش إلى نموذج السيطرة السابق تبقى غير مرجّحة في المدى المنظور، في ظلّ استمرار التوازنات الأمنية والدولية التي تمنع تشكّل فراغات طويلة الأمد يمكن أن يستفيد منها التنظيم.
رصيف 22
————————————–
كيف أَحبّ العالم “الإرهاب” في سوريا وتجاهل ضحاياه!/ عمّار المأمون
23.04.2026
لم يحصل ضحايا “الجبهة” على تعويضات، أو اعتراف، ولا بنية قانونية في سوريا لمقاضاة لافارج أو الجبهة أو داعش أو أي فصيل متشدد كان في سوريا، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة. نحن أمام ضحايا ما زال الكثيرون منهم يخفون أسماءهم إلى الآن، خوفاً من تهديدات تطاولهم في المنافي حتى بعد سقوط النظام، وهنا نتحدث عن جرائم ما قبل هروب الأسد، لا تلك الخاصة بمجازر العلويين والدروز.
يستعرض جوناثان باول، الدبلوماسي ورجل المخابرات والمستشار الأمني البريطاني، عام 2015 في كتابه “لنتحدث مع الإرهابيين”، الأسباب التي اعتمدتها الدول الكبرى لرفض الحديث مع “الإرهابيين”، واحد منها، أننا أمام نوعين من “الإرهاب”، ذاك العقلاني، أي ذو الأسباب الواضحة التي تتناقض مع الوضع القائم وتحاول نفيه، وذاك الأبوكاليبتي، العدمي، الذي يتمثل بـ”تنظيم القاعدة”، ذاك الذي يهدف لنفي الإمبريالية، وصناعة التغيير على مستوى يتجاوز المحلّي نحو “العالمي”.
في ذاك الوقت، أي عام 2015، لم يكن عمر تنظيم جبهة النصرة يتجاوز بضع سنوات، وبول، بقي متمسكاً بمقاربته، إذ التقى أحمد الشرع عام 2021، حين كان اسمه “أبو محمد الجولاني” وزعيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، والتي طرحت أمامنا نموذجاً جديداً، يمكن تسميته بـ”الإرهاب البراغماتي”، عبر القطيعة مع القاعدة وتنظيم داعش، وتبني سردية الثورة السورية ومحاربة الأسد، والأهم، رفض الجهاد العالمي، التحولات التي انتهت بنزع صفة الإرهاب عن مؤسسي جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) ومقاتليها، وتحوّلهم إلى حكومة انتقالية في دمشق، وشريك في محاربة “الإرهاب” المتمثل بتنظيم داعش وخلاياه.
لكن، تاريخ جبهة النصرة وتحولاتها، لا يخلوا من جرائم حرب ( قتل، معاملة قاسية، تعذيب)، وضحايا في أنحاء سوريا، هؤلاء، لا اعتراف بخسائرهم كون الإعلان الدستوري في سوريا، يحصر المحاسبة في “جرائم النظام البائد”، بصورة ما، يُنظر إلى “إرهاب” جبهة النصرة، بوصفه عملية تطور “براغماتيّة” للوصول إلى الحكم وإسقاط الأسد.
لكن، هذه التحولات، ونزع التشدد، تتركنا أمام مجموعة من المفارقات، ولا نتحدث عن العدالة الانتقالية في سوريا، كونها لن تمس الفصائل وقادتها، والواضح ألا تعويضات أو اعتراف بضحايا “جبهة النصرة”، لكن هناك العدالة الدولية، فـ”الجبهة” تركت وراءها ضحايا تمكنوا من مغادرة سوريا، وما زالوا يسألون عن العدالة، ضحايا يتم تناسيهم عمداً حالياً داخل سوريا، ومتهمين أحراراً من دون ملاحقة قضائية، في مفارقة مريعة حول السياسة الدولية والعملية القضائية.
ربما حالة شادي الويسي، هي الأكثر فجاجةً، إذ بعد تعيينه وزيراً للعدل، في حكومة تسيير الأعمال بعد سقوط الأسد، انتشر فيديو له، وهو يتلو حكم الإعدام بحق امرأة في إدلب، وفعلاً “عُزل” بعدها، والمبرر كان أننا أمام عملية إنفاذ قانون في” فترة زمنية ومكان محددين”، وأن “هذه العملية تعكس مرحلة تجاوزناها في ظل التحولات القانونية والإجرائية الراهنة”.
لم يحاكم الويسي، ولم توجَّه إليه أي تهم، لكنه أيضاً، لم يُعزل من الحياة القضائية، إذ تبين لاحقاً تعيينه نائب رئيس محكمة النقض بعدما كان مسشتاراً فيها، لا اتهام، لا محاسبة، بل مكافأة، وكأن الماضي وضحاياه مجرد أضرار جانبية نتيجة ظروف “زمانية ومكانية”!
تمويل “جبهة النصرة”: مفارقة المتهمين والضحايا
واحدة من مفارقات “جبهة النصرة”، تتعلق بالأخوين معتز ورامز خياط، أقرباء محمد حمشو، رجل الأعمال المقرب من النظامين الحالي والسابق. يتحرك الأخوان كواجهة جديدة للاقتصاد السوري، لكنهما إلى جانب بنك الدوحة يواجهان دعوى قضائية في لندن، إذ ادّعى 8 أشخاص سوريين يعيشون في هولندا، عام 2019، تعرضهم لـ”أذى شخصي وأذى في الممتلكات” بين عامي 2012 و2017 على يد جبهة النصرة، واضطروا لمغادرة سوريا. الدعوى تتهم الأخوين خياط بتمويل الجبهة، وبنك الدوحة بتسهيل سحب هذه الأموال من أفرعه في تركيا/ لبنان، لتمويل “التنظيم الإرهابي”.
بصورة ما، نحن أمام ضحايا الجبهة ونفوذها حين كانت “تنظيماً إرهابياً”، ضحايا لا مساحة لهم في سوريا للتقاضي، وكأن “براغماتية” الجبهة، تغفر لها “جرائمها” و”إرهابها” لطالما تمكنت من الحديث مع “الغرب” وطمأنته، أما مصائر المختفين قسراً في إدلب والرقة على يد الجبهة، فما زالت مجهولة، لا شهادات وفاة، ولا تعويض لأهالي الضحايا.
إدانة أخرى لجبهة النصرة، ترتبط بقضية لافارج، إذ حكم القضاء الفرنسي أخيراً على الشركة وموظفين فيها ومتعاونين معها، بينهم فراس طلاس وعمرو، بتهمة تمويل الجماعات الإرهابية، لكن أي جماعات بدقة؟
في كتاب “المصنع: العمل في منطقة حرب” الصادر عام 2020، يتحدث جاكوب فيرنس (المدير المسؤول عن أمن المصنع وسلامته) والمجنّد السابق في الوحدات الخاصة والاستخبارات العامة النرويجية، والمتهم بالجاسوسية، عن نفوذ جبهة النصرة حول المصنع، ووجود حواجز لها. وبحسب دفاع لافارج عن نفسها في القضية الفرنسية، ادعت الشركة أنها لم تكن تعلم أن أحرار الشام، جبهة النصرة، وتنظيم الدولة الإسلامية، كانوا خاضعين للعقوبات الدولية.
التنظيمات الثلاثة تلقت أموالاً من الشركة، لكن القضاء الفرنسي لن يعوض الضحايا الـ190 المشاركين في الدعوى المدنية، لأن المحكمة الفرنسية لم تجد أن معاناتهم مرتبطة بتهمة “تمويل الإرهاب”، كما تذكر جبهة النصرة بوضوح في الدعوة المقدمة على لافارج في أميركا، التي أقرت فيها الشركة بالذنب، ودفعت غرامة هائلة، لكن لا تعويضات للضحايا.
درج
———————————–
«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا/ سلطان الكنج
تجنيد في المخيمات ولعب على التناقضات سياسياً وأمنياً
23 أبريل 2026 م ـ 06 ذو القِعدة 1447 هـ
نُشر: 15:09-22 أبريل 2026 م ـ 05 ذ
انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.
وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.
وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.
وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.
قدرة الوصول لأهداف نوعية
يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.
ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.
وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.
التشكيك في الكفاءة العسكرية
يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.
ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.
الرهان على التناقضات
يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.
وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.
وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.
التجنيد في المخيمات
يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.
في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.
لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.
تغير ميزان «المبادرة الميدانية»
منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.
ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.
البحث عن «بيئة حاضنة»
ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.
ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».
ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».
لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».
ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».
أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».
وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».
قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم
ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.
واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.
الاختباء وإعادة البناء
وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.
ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.
اختبار مزدوج
وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.
في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.
فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.
ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.
وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.
الشرق الأوسط»
—————————–
داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا
غيّر أولوياته في ظل التفاهمات الجديدة بين دمشق و«قسد»
لندن: «الشرق الأوسط»
23 أبريل 2026 م
باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.
فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.
وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.
وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.
—————————–
===========================



