الفنّانون السوريون بين الغياب والعودة… ضرورات العمل تفرض الاندماج/ حسن عبد الله الخلف

28 ابريل 2026
أظهرت متابعات إعلامية وتقارير أعدتها منصات معنية بالشأن الثقافي أن الثورة السورية وضعت شريحة واسعة من الفنانين السوريين أمام اختبارات الانحياز الأخلاقي للوقوف مع المظلومين، وتباينت المواقف بين فنانين أعلنوا دعمهم الصريح للثورة، وآخرين آثروا الصمت، في حين اختار بعضهم الاصطفاف إلى جانب النظام والدفاع المستميت عنه.
بالاستناد إلى قراءات قدّمتها تحليلات ثقافية منشورة خلال السنوات الماضية، بدا أن تلك المواقف تجاوزت حدود الحياد الفني، لتُفهم بوصفها تعبيراتٍ ذات أبعاد أخلاقية، ترتبط بمسائل إنسانية وسياسية في آن. وفي هذا الإطار، توقفت تحقيقات صحافية عند طبيعة تفاعل الفنانين مع الحدث السوري، مسلطة الضوء على تجارب من فضّلوا الابتعاد عن المشهد الفني، وما ترتب على هذا من كلف مهنية وشخصية، إلى جانب رصد تحوّلات مواقف بعضهم في المراحل اللاحقة، وكيف قرأوا المشهد العام في ضوء المتغيرات التي شهدتها البلاد.
ووفقا لما أورده متابعون ونقاد، لا تبدو مهمّة الإحاطة بأسماء جميع الفنانين الذين عبّروا عن مواقف مؤيدة للثورة سهلة، ما يدفع بعض المعالجات الصحافية إلى اختيار نماذج بعينها، تتيح الوقوف عند تجارب فردية ونقل وجهات نظرها بصورة أكثر تفصيلاً.
توازن بين الاحترام والمبادئ
وتبرز شهادات فنانين خاضوا هذه التجربة بوصفها مساحة كاشفة لتعقيدات العلاقة بين الموقف الأخلاقي والاستمرار المهني، ومن هذه الشهادات، تقدّم الفنانة والكاتبة واحة الراهب رواية شخصية تعكس هذا التوتر، حيث يتقاطع فيها البعد الإنساني مع كلفة الاختيار، وتطرح سؤال التوازن بين الحفاظ على المبادئ وإمكانية الاستمرار في الحقل الفني.
تقول: “استُبعدت من المشهد الفني ودفعت ثمن مواقف إنسانية واضحة، عبر مشاركتي في منتديات ربيع دمشق الأول، وتوقيعي على بيانات تدعم مطالب الشعب، ومجاهرتي برأيي الصريح. وعندما اندلعت الثورة، لم يعد الانحياز لضميرنا ولمبادئنا مجرد قرار أخلاقي، بل أصبح موقفاً يعرّض حياتنا للخطر. تلقيت تهديداً صريحاً بالقتل، وعلّمتني هذه التجربة أن الفن، مهما كانت قيمته، لا يمكن أن يُقدم على حساب ضمير الإنسان، وأن المسافة التي تفرضها الظروف قد تتحوّل من مؤقتة إلى غياب طويل، يفرض علينا إعادة تقييم علاقتنا بالمهنة والحياة نفسها”.
وعن عودتها إلى العمل بعد التحرير من نظام الأسد، تقول الراهب لـ”سورية الجديدة”: “واجهت لحظة مزدوجة من الحنين والتحدّي. أعطاني تصوير مشاهدي في لبنان شعوراً محدوداً بالتعويض، أما لو تم في سورية، فلكان الانغماس في تجربة تعويض الزمن الضائع كاملاً، لكنه كان حلماً مستمرّاً يترتب على استقرار حر للإنتاج الدرامي وحرية التعبير. كانت العودة أكثر من مجرّد استئناف للمهنة، فهي عودة حياة توقفت قسرياً، إلى جزء من الذات كان معلقاً بعيداً عن الوطن. كانت زيارة قصيرة لسورية كافية لإثارة مشاعر لا توصف، وتجعل من العمل الفني وسيلة لاستعادة الذاكرة الجماعية والفردية، وإيصال صوت الفنان الصادق في بلد حر مستقر، بما يعكس قوة الحضور وحرية التعبير المضمونة للإبداع”.
وأضافت: “لم يقتصر التحدّي على العودة الفردية، بل امتد إلى العمل مع زملاء حملوا رؤى سياسية متباينة حول الثورة وتاريخها. شخصياً، أحترم الرأي المختلف، وأميل إلى التسامح مع من لم يتورّطوا في إراقة الدماء، خصوصاً الذين قادهم الخوف أو العجز عن مواجهة نظام قادر على الفتك بمعارضيه. يمكن التعامل مع هؤلاء على أساس الحد الأدنى من الاحترام المهني. أما من شاركوا في تبرير العنف أو حماية القتلة، فلا يمكن اعتبارهم أقلّ مسؤولية عن الفعل نفسه. عملي في مسلسلين مثل “أوركيديا” للمخرج حاتم علي، و”حمام شامي” للمخرج مؤمن الملا، أتاح لي اختبار العلاقة المهنية مع مختلف الأطراف، وأن التجربة المهنية اليوم تتطلب توازناً دقيقاً بين الاحترام للزملاء والتزام المبادئ الأخلاقية، وعدم السماح بإعادة إنتاج المواقف التي كانت سبباً في الانقسام”.
الفنان الذي انحاز دفع ثمن موقفه
تقدّم الفنانة ريم علي شهادة مكثفة تكشف تعقيدات العودة إلى الدراما السورية بعد سنوات الغياب، بوصفها تجربة لا تنفصل عن كلفتها الأخلاقية والمهنية. تقول: “لم يكن الانحياز إلى الثورة موقفاً عابراً، بل مساراً كاملاً أعاد تشكيل علاقتي بالمهنة، وفرض علي وعلى الآخرين ثمناً باهظاً طاول تفاصيل حياتهم اليومية والمحاربة في الرزق، ما دفع كثيرين إلى تغيير مهنتهم بالكامل خلال سنوات اللجوء، والعمل في مجالات لا تمتّ للفن بصلة، فقط لضمان الحد الأدنى من العيش”.
كانت تجربتها الشخصية، كما ترويها، مليئة بالتحدّيات والغياب القسري عن الشاشة الوطنية، لكنها في الوقت نفسه كشفت بوضوح حجم الكلفة التي يتحملها الفنان، عندما يختار أن يقف إلى جانب ضميره، إذ لم يكن الإقصاء دائماً معلناً، بل غالباً ما جاء بصيغة غير مباشرة عبر استبعاده من فرص العمل، أو وضع اسمه ضمن ما تشبه “قوائم سوداء” غير رسمية داخل الوسط الفني.
وأضافت: “لا يقتصر التحدّي على الماضي، بل يمتد إلى الحاضر أيضاً، حيث لم تتغير البنية الإنتاجية بشكل جذري بعد سقوط النظام، إذ لا تزال شركات الإنتاج الأساسية خارج سورية، ومرتبطة بجهات كانت تمول الدراما سابقاً، وتستمر في دعم الأسماء ذاتها، ما يجعل فرص عودة الفنانين الذين انحازوا للثورة محدودة وخجولة، وغالباً في أدوار ثانوية، وطبيعة الأدوار الممنوحة، وحجم المساحات المتاحة لكل فنان. ورأت أن “الفنان الذي انحاز للثورة والذي تم تهميشه سابقاً يحتاج جهداً مضاعفاً منه للعودة، واهتماماً أكبر من شركات الإنتاج ليكون له حضور ضمن هذه المنافسة “. وأوضحت ريم علي أن العودة لا تزال جزئية، إذ إن عدداً قليلاً فقط استطاع أن يفرض حضوره، بينما بقيت الغالبية خارج المشهد أو على هامشه، في انتظار فرصة قد تأتي أو لا تأتي. ورغم هذا الواقع، لا تنفصل رؤيتها عن قدر من الأمل المشروط. والحل يكمن في بناء صناعة درامية سورية حقيقية، قائمة على معايير مهنية عادلة، تحترم التجربة الفنية بغض النظر عن الموقف السياسي، ولكن العروض لا تزال محدودة. وقالت الفنانة المعروفة إنها في مرحلة انتظار الفرصة التي تتيح لها الظهور بشكل يليق بتجربتها ويحترم المشاهد السوري، بعد سنوات من التهجير والإقصاء.
وتخلص من تجربتها إلى أن الانحياز للضمير ليس مجرد موقف أخلاقي عابر، بل اختبار طويل للإرادة في مواجهة الإقصاء والغياب، وأن العودة الحقيقية للفنان السوري لا تتحقق بمجرّد الظهور على الشاشة، بل تحتاج استمرارية وبيئة إنتاجية عادلة تعترف بهذه التجارب وتمنحها موقعها المستحق، بحيث تصبح الدراما السورية قادرةً على تمثيل تاريخها القريب بصدق، وتحويل، حتى الأدوار القصيرة، إلى لحظات مكثفة تعبّر عن عمق الألم والذاكرة التي يحملها هذا الجيل من الفنانين . وفي هذا السياق، جاء حضورها في مسلسل “الخروج إلى البئر” ليقدّم نموذجاً عملياً على هذا النوع من الأداء المكثف، حيث لم يكن دورها، رغم قِصره، تفصيلاً عابراً، بل لحظة درامية مشحونة بالمعنى والدلالة. فقد نجحت في تحويل المساحة المحدودة إلى مساحة تأثير عالية، ما جعل نقاداً ومشاهدين كثيرين يقفون عند أدائها بوصفه أحد أكثر العناصر صدقاً في العمل. وهنا تحديداً تتجلى فكرة أن القيمة لا تُقاس بزمن الظهور، بل بعمق الأثر، إذ ليس طول الحضور هو ما يمنح الدور قيمته، بل كثافته وقدرته على قول ما يجب قوله في اللحظة المناسبة. فكما يرى كونستانتين ستانسلافسكي: “لا توجد أدوار صغيرة، بل ممثلون صغار”، وهي فكرة يعضدها طرح ديفيد ماميت بأن التمثيل يقوم على دقة الفعل لا على امتداد الزمن. وفي السياق نفسه، يشير النقد العربي إلى أن اللحظة الدرامية المكثفة قادرة على اختصار حكاية كاملة، حين يُحسن الممثل الإمساك بجوهرها، وهو ما تحقق بوضوح في أداء ريم علي، حيث بدا حضورها القصير بمثابة تكثيف بصري ووجداني لتجربة كاملة، لا مجرد مشاركة عابرة في بنية العمل.
لم يكن دورها عابراً، بل جسّد تجربة إنسانية مركبة تعكس مأساة نساء كثيرات عشن في ظل علاقات مختلّة تقوم على القوة لا على الحب. بأداء هادئ ومشحون، نقلت الصراع الداخلي بين التمسك بالحياة والخوف من نهايتها على يد من يُفترض أنه الحامي، معتمدة على ثقل اللحظة بدلاً من كثافة المشاهد، بحيث تحول كل ظهور لها إلى نقطة مفصلية في تطور الحكاية. الشخصية التي أدتها كشفت هشاشة الخطاب العاطفي عندما يتقاطع مع السلطة، وفضحت زيفه في لحظة الانكشاف، لتغدو بمثابة مرآة صادقة لما تختزنه الذاكرة الجمعية من ألم وصمت طويل.
الانقسام السياسي لا يحضر في أثناء العمل
وفي موازاة هذه التجارب، يبرز حديث بعض الفنانين عن كيفية إدارة التباينات السياسية داخل بيئة العمل الفني، في ظل واقع فرضته سنوات من الانقسام الحاد. وتلفت شهادات متقاطعة إلى أن موقع التصوير، في أحيانٍ كثيرة، تحوّل إلى مساحة مهنية تُحاول تحييد الخلافات، أو على الأقل تأجيلها، لصالح إنجاز العمل الفني. وفي هذا الإطار، يقدّم الفنان جهاد عبدو رؤيته إلى هذه الإشكالية، مستعيداً تجربته في التوفيق بين الموقف المبدئي والاستمرار في المهنة “لم يكن انحيازي إلى ثورة شعبي مجرّد موقف سياسي، بل كان خياراً وجودياً يفرض نفسه على كل شيء. كنت أعلم أن هذا القرار سيضع مسافة كبيرة بيني وبين الكاميرا، وربما يحول تلك المسافة إلى غياب طويل عن الشاشة، بل وربما إلى نهاية مساري الفني كما عرفته. ومع ذلك، لم أشعر يوماً أنني أقدم تضحية، بل كنت أستعيد نفسي وأختار ما هو أثمن من أي دور أو فرصة عمل. الفن مهم، لكنه لا يساوي شيئاً إذا فقد الإنسان احترامه لنفسه أو صوته الأخلاقي، وهذا ما جعل الموقف بالنسبة لي أعمق من أي اعتبار مهني عابر”.
ويوضح عبدو أن “العودة إلى موقع تصوير داخل سورية بعد سقوط النظام كانت لحظة مشحونة بكل المشاعر والذكريات. لم أشعر أنني أعود فقط إلى مهنتي، بل إلى جزء من حياتي توقف قسرياً سنوات طويلة. المكان، الروائح، الوجوه، حتى ضوء الشمس على الطريق المؤدي إلى موقع التصوير كلها أيقظت شيئاً كان نائماً في داخلي. شعرت أنني أستعيد علاقة شخصية جداً بالمهنة، علاقة لم تكن مجرد عمل، بل امتداداً لذاكرة وبيت ومدينة وحياة كاملة انقطعت فجأة، وعبرت عن شوق عميق للعودة إلى الوطن وإلى جوهر الفن الذي أحبه”.
ويتابع الفنان عبدو الذي عاد إلى الشاشة: “اليوم، حين أعمل مع فنانين عاشوا انقساماً سياسيا وأخلاقيا كبيرا، وبعضهم كان جزءاً من خطاب معادٍ للثورة، أحرص على أن تبنى العلاقة المهنية على الاحترام المتبادل وفهم أن العمل يتطلب حداً أدنى من الثقة. لا يتوقع من أحد أن يغير قناعاته، لكن هناك اتفاق ضمني على أن الماضي يبقى خارج الكادر. صحيح أن التاريخ الشخصي لكل منا حاضر، لكنه لا يتحول إلى سلاح داخل العمل. أحياناً يكون الصمت أذكى من النقاش، وأحياناً يكون التعاون المهني فرصة لإعادة تعريف العلاقة بعيداً عن الانقسام، مع إيماني أن الزمن قادر على إعادة صياغة وجهات النظر وإتاحة التعبير بحرية لم تكن ممكنة قبل التحرير”.
ويضيف: “الأعمال التي أشارك فيها اليوم داخل سورية خطوة أولى نحو تحقيق طموحات أكبر، لكنها ليست النهاية. لا يزال لدي حلم بدراما سورية أكثر جرأة وحرية وعمقاً، تعكس تجارب الناس الذين دفعوا أثمانًا كبيرة، وتعكس البلد الذي تغير. ما ينجز اليوم مهم، لكنه مجرد بداية، وما زلت أنتظر مساحة أوسع لأروي القصص التي أحملها منذ سنوات الغياب، قصص لا يمكن أن تظهر إلا في مناخ فني حر ومسؤول، حيث لا تكون العودة مجرد حلم، بل تصبح تحقيقا كاملا لما بدأته الثورة من أمل في الفن والحرية”.
عودة ميمونة
وتسلط شهادات فنانين آخرين الضوء على البعد الإنساني للانحياز، بوصفه خياراً يتجاوز الحسابات المهنية الضيقة إلى مساحة أوسع من الالتزام الأخلاقي. وتكشف هذه الشهادات عن تجارب فردية تتقاطع عند فكرة الدفاع عن القيم، رغم ما قد يترتب على ذلك من كلف شخصية ومهنية. وفي هذا الإطار، تروي الفنانة سلاف عويشق تجربتها، مقدّمةً رؤية تعكس هذا التداخل بين القناعة الذاتية والمسار الفني. “لم يكن القرار مجرد موقف سياسي أو فني، بل مسألة أخلاقية وإنسانية، تحتم الوقوف إلى جانب المظلومين مهما كلف ذلك من خسائر. لم يكن الخوف قادراً على تثبيط العزيمة، فالإيمان بالحق وبضرورة الدفاع عن الشعب جعل التردد بعيداً عني”.
وقد جاءت عودة سلاف إلى العمل داخل سورية محملة بمزيج من السعادة والانتماء الطبيعي إلى المكان الذي اعتادت أن تكون فيه، وسط زملاء يشاركونها القيم والأفكار بدرجات متفاوتة، ما جعل التجربة الفنية مريحة وفعّالة. التجربة السابقة خارج سورية، خصوصاً في فرنسا، أضافت لها خبرات متنوعة، لكنها لم تعوض شعور الانتماء إلى الوسط الفني في بلدها. على المستوى المهني، وجدت أن الترحيب والتواصل مع زملائها، والاحترام المتبادل الذي ساد مواقع التصوير، كل هذا ساعد في خلق بيئة منتجة يمكنها أن تعكس التجربة السورية على الشاشة بطريقة صادقة على حد قولها.
وبالنسبة للجمهور السوري الذي افتقد حضورها 15عاماً، كانت رسالتها واضحة: “تقديم أعمال تسر المشاهد وتخفف من وطأة الضغوط اليومية، دون تحميله فوق طاقته، وفي الوقت نفسه إثارة بعض التساؤلات الخفيفة التي تدفعه إلى التفكير. موقفها كان دائماً إنسانياً وأخلاقياً، بعيداً عن أي مكاسب شخصية أو تعاطف ممهور بمصالح مهنية، مؤكدةً أن الفن بالنسبة لها مسار مفتوح ومتغير، يحمل خيارات متعددة ويمنح الفرص للتجدد والتجربة”.
الفجوة عميقة
وفي مقاربة أخرى، تتجه بعض الشهادات إلى قراءة التجربة من زاوية أكثر ذاتية، حيث يتقاطع الفن مع الإحساس الداخلي والتحولات الوجدانية التي رافقت الحدث السوري. وتبرز في هذا السياق أصوات فنية ترى في تلك المرحلة لحظة إعادة تعريف للعلاقة مع الفن والحياة معاً، بما يتجاوز الإطار المهني التقليدي. ومن بين هذه الأصوات، تقدّم الفنانة إيمان الجابر رؤيتها الخاصة لهذه التجربة: “تجربتي العميقة مع الفن، لا تقاس بالمهنة أو بالنجومية، بل بالشغف والإحساس الوجداني الذي يحركني، لم يكن الفن وظيفة، بل هاجساً يستدعي الإبداع بلا حساب للأجر أو التقدير المادي، علاقتي مع الفن يجب أن تكون صافية، والأثر سيظهر عبر التميز والصدق، بعيداً عن تقاليد الوسط الفني السائد، كانت الثورة ولادة جديدة، تجربة صوفية متكاملة جعلتني اشعر وكأن نبتت لي جناحين لأحلق، شعرت بالانتماء العميق إلى الشعب وإلى صميم التغيير”.
رغم سنوات الغياب الطويلة، لم تعد إيمان إلى الوسط الفني، إذ اقتصر آخر ظهور لها على فيلم “طعم الليمون” عام 2011، ومسلسلات وفيلم قصير بالتعاون مع واحة الراهب وحاتم علي. أما بعد ذلك، فقد اختبرت الواقع الحقيقي للحياة اليومية في بلاد اللجوء: عملت في المصانع، في المطاعم، في السوبر ماركت، وشاركت في الأعمال الإغاثية والإنسانية كواجب أخلاقي تجاه الثورة والشعب السوري. هذه التجارب أعادت تشكيل علاقتها بالحياة والفن، فالأدوار التي عاشتها في الواقع كانت أعمق من أي سيناريو، إذ علمتها معنى المسؤولية الإنسانية، والصبر، وفهم قيمة الإنسان في مواجهة المحن. كل هذه التجارب صقلت شخصيتها وجعلتها أكثر وعياً بما يمثله الفن الحقيقي، بعيدًا عن الشهرة أو الدعاية.
اليوم، بعد 14 عاما من الانقطاع والانقسام، تدرك إيمان أن الفجوة بين الفنانين الذين انحازوا للثورة وأولئك الذين دعموا النظام عميقة جداً. لم يعد الاختلاف مجرد رأي، بل مسألة أخلاقية وإنسانية. من الصعب تصور نفسها أمام فنانين ساهموا بدمار شعبها، أو دعموا آلة القمع والإخفاء القسري. هذه التجربة جعلت العمل المشترك صعباً، وأكدت أن أي مشروع فني داخل سورية يحتاج إلى احترام الذاكرة الجماعية، وإدراك أن الانقسام لم يكن مجرد نزاع سياسي، بل تجربة قاسية شكلت مواقف الناس والوسط الفني على حد سواء.
بالنسبة لعلاقتها مع الجمهور، ترى إيمان أن المتلقي السوري لم يسأل يوماً عن اختياراته، فالنجومية التلفزيونية غالباً تُصنع بالتكرار والترويج، لا من خلال اختيار الجمهور، بعكس السينما حيث يدفع المشاهد ليختار. وخلال السنوات الماضية، كان نصف الشعب السوري يعيش في خيام المعتقلات أو بلاد اللجوء، ويقوم بتجسيد أدواره بنفسه، محققًا بطريقته الخاصة أفلامه الوثائقية عن الواقع، وحتى الحصول على جوائز عالمية. هذا الواقع جعل إيمان تدرك أن عودتها إلى الفن ليست مجرّد استئناف مهني، بل إعادة ربط بالجمهور وبالحياة التي عاشها، ونقل الحقيقة والصدق الذي تشكل عبر التجربة الإنسانية العميقة، لتكون كل لحظة على الشاشة شهادة صادقة على ما عاشه الشعب السوري وما عاناه.
الحياة موقف
تعكس عودة الفنانين إلى الشاشة بعد الغياب الطويل تحول الفن السوري من مجرد أداء إلى موقف أخلاقي، حيث يتحول كل دور وكل ظهور إلى اختبار للضمير، للذاكرة، وللمصداقية أمام الجمهور. تجربة الثورة والحرب السورية أظهرت أن المواقف لا تنسى، وأن الجمهور يميز بين الفنان كرمز ثقافي وبين اختياره الأخلاقي. هذه العودة، إذا ما أحسن توظيفها، يمكن أن تشكل فرصة لإعادة بناء دراما صادقة وقادرة على استيعاب المأساة السورية، لتصبح الشاشة فضاءً للذاكرة المشتركة، والمواجهة مع الماضي، والاعتراف بالألم الجماعي، بعيداً عن الصمت والتجميل الرمزي. هنا يظهر الفنان بوصفه شاهداً وفاعلاً، يحمل المسؤولية الأخلاقية أمام التاريخ والمجتمع، ويؤكد أن الفن في سورية بعد الثورة لم يعد ترفاً، بل امتحاناً أخلاقياً جماعياً لا يمكن تجاوزه.
العربي الجديد



