تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

ثلاثة ألغاز سوريّة/ شعبان عبود

28 ابريل 2026

بعد أكثر من عام ونصف العام على سقوط النظام السابق في سورية، لا تزال ثلاثة ملفات شديدة الحساسية عالقة في منطقة رمادية، بلا إجابات واضحة أو مسار معلن من السلطات الجديدة. هذه الملفات لا تمسّ فقط العدالة الانتقالية، بل تضرب في صميم ثقة السوريين بأي مشروع سياسي جديد، وتطرح أسئلة مؤلمة حول الإرادة والقدرة معاً، وحول ما إذا كان التغيير قد طاول الجوهر أم اقتصر على البنية الشكلية للسلطة.

أول هذه الملفات مصير آلاف المعتقلين الذين اختفوا في سجون النظام السابق. منذ الأيام الأولى لانهيار تلك المنظومة الأمنية، كان يُفترض أن يكون هذا الملف في صدارة الأولويات، بوصفه قضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون سياسيّة. غير أنّ ما حدث كان العكس، إذ لم تصدر رواية رسمية شاملة تشرح ما جرى لهؤلاء. هل قُتلوا جميعاً؟ هل جرى توثيق ذلك بدقّة؟ هل توجد قاعدة بيانات واضحة يمكن لذويهم الرجوع إليها؟ لا يبدو أنّ هناك جهداً مؤسسياً منظّماً للتواصل مع العائلات أو إبلاغها بأي تطورات. هذا الغموض لا يعني فقط استمرار الألم، بل يضاعفه، ويحوّل الانتظار إلى شكل آخر من أشكال المعاناة المزمنة، وإلى مصدر دائم للحنق وانعدام الثقة إزاء السلطة الجديدة.

يتعلق الملف الثاني بمئات الضباط والمسؤولين الأمنيين الذين فرّوا من البلاد مع انهيار النظام، وتوزّعوا بين دول مجاورة مثل لبنان والعراق، وأخرى أبعد مثل روسيا. كثيرون من هؤلاء متّهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة، من التعذيب إلى القتل خارج القانون. السؤال هنا ليس فقط أين هم، بل ماذا تفعل السلطات الجديدة حيالهم؟ هل ثمّة مفاوضات أو قنوات تواصل مع الدول التي تستضيفهم؟ أم عُقدت صفقات غير معلنة لطيّ هذه الصفحة؟ هل طُرحت ملفات قانونية لاستعادتهم أو لملاحقتهم دولياً؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية على تحرّك جادّ في هذا الاتجاه. هذا الصمت يثير الشكوك حول جدّيّة الخطاب المتعلّق بالمحاسبة، ويعطي انطباعاً بأن العدالة قد تكون انتقائيّة، أو مؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى تحت ذرائع سياسية أو أمنية.

الملف الثالث، الأموال المنهوبة التي خرجت مع رموز النظام السابق. الحديث هنا لا يقتصر على مبالغ مالية اعتيادية، بل على ثروات هائلة يُعتقد أنّها هُرّبت إلى الخارج عبر شبكات معقّدة وشركات واجهات. في مقدّمة هذا الملف تأتي الأموال المرتبطة بالرئيس المخلوع بشّار الأسد ودائرته الضيقة. هذه القضيّة ليست ماليّة فقط، بل سياسية وأخلاقية بامتياز، لأنها ترتبط بإعادة بناء الدولة، وتمويل الخدمات العامة، وتخفيف الأعباء عن مجتمع أنهكته الحرب. ومع ذلك، لا توجد خطة معلنة لتعقّب هذه الأموال أو استعادتها، ولا معلومات واضحة عن مستوى التعاون الدولي في هذا السياق. الغموض يلفّ الأرقام، والجهات، وحتى النيات، بما يفتح الباب أمام التكهنات والشبهات.

ما يجمع هذه الملفات الثلاثة الصمت، صمتٌ يصعب تفسيره باعتباره مجرّد تقصير إداري أو تأخير تقني. في المحصّلة، لا يمكن لأي سلطة جديدة أن تبني شرعيتها على الخطاب والوعود فقط، بينما تترك القضايا الأكثر إلحاحاً بلا إجابات. مصير المعتقلين، ومحاسبة المسؤولين الفارّين، واستعادة الأموال المنهوبة، ليست ملفات ثانوية أو قابلة للتأجيل، بل اختبارات حقيقية لمدى جدّية أي تحوّل سياسي. تجاهلها لا يُسقطها من الوعي العام، بل يجعلها أكثر حضوراً وإلحاحاً، ويؤجّل مواجهة لا بدّ منها يوماً ما.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى