تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

دمشق وعمّان: من إدارة الأزمة إلى تقاطع المصالح/ فراس النعسان*

 

2026-04-22

تتحرّك العلاقة بين الأردن وسوريا اليوم خارج القوالب التقليديّة التي حكمتها لسنوات. لا عودة إلى نقطة الصفر، ولا استمرار في نمط إدارة الحدّ الأدنى. ما يتشكّل الآن أقرب إلى إعادة ضبط كاملة لمفهوم الجوار نفسه، بعدما فرضت الجغرافيا كلمتها، ودفعت السياسة إلى إعادة الحسابات من جديد.

لا تُقرأ الاتّفاقات الأخيرة والتصريحات الصادرة عن مستويات سياسيّة رفيعة بوصفها مجاملة دبلوماسيّة، بل إشارة إلى انتقال تدريجيّ من مرحلة الحذر إلى مرحلة الفعل. لا يقوم هذا الانتقال على اندفاعة مفاجئة، بل على تراكم بطيء من إدراك متبادل لكون كلفة الانفصال بين البلدين باتت أعلى من كلفة الانخراط.

لا يُختصر التحوّل الجاري في عنوان سياسيّ واحد، بل يتوزّع على ملفّات متعدّدة تبدأ من الأمن وتنتهي عند الاقتصاد، وتمرّ عبر إعادة تعريف وظيفة الحدود ذاتها. في هذا السياق، تصبح العلاقة بين عمّان ودمشق أقرب إلى ورشة مفتوحة لإعادة بناء ما تهدّم، لكن وفق شروط واقعيّة، وبخطوات محسوبة.

لا يتعلّق السؤال الذي يفرض نفسه في هذه اللحظة بأهمّيّة التقارب، فهذا بات واضحاً، بل بقدرته على الاستمرار والتحوّل إلى بنية مستقرّة

إدارة المصالح

تتعامل الأردن مع الجنوب السوريّ خلال السنوات الماضية بوصفه مساحة ضغط مفتوحة. الحدود الطويلة، وتداخل شبكات التهريب، وتقلّب الوضع الأمنيّ داخل دمشق، كلّها عوامل دفعت إلى اعتماد سياسة تقوم على الاحتواء وتخفيف المخاطر، أكثر من محاولة التأثير المباشر.

حقّق هذا النهج درجة من الاستقرار النسبيّ، لكنّه بقي محدود الأثر. مع الوقت، تبيّن أنّ ضبط الحدود وحده لا يكفي، وأنّ المشهد يحتاج إلى أدوات مختلفة. هنا بدأ التحوّل نحو فكرة أكثر عمليّة تقوم على تفعيل العلاقة بدل تجميدها، أي الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المصالح.

في قلب هذا التحوّل، يستعيد معبر نصيب – جابر موقعه ليكون عنصر اختبار أساسيّاً. لا يُنظر إلى المعبر اليوم كبوّابة عبور فقط، بل كنقطة قياس لمدى جدّيّة الطرفين في تحويل التفاهم السياسيّ إلى حركة اقتصاديّة فعليّة. تعني إعادة تشغيله بشكل منتظم أكثر من تدفّق شاحنات وحسب، إذ تعني إعادة وصل مسار اقتصاديّ انقطع لسنوات وإعادة إدخال البلدين في شبكة تبادل أوسع.

يتعامل الأردن مع هذا المسار من زاوية استعادة الدور لا توسيعه. يتيح له موقعه الجغرافيّ أن يكون حلقة وصل بين الخليج والشمال، لكنّ هذا الدور يحتاج إلى بيئة مستقرّة على حدوده الشماليّة. من جهتها تبحث سوريا عن متنفَّس اقتصاديّ يخفّف من عزلتها، ويمنحها منفذاً عمليّاً نحو الأسواق العربيّة.

بين هذين الاعتبارين، يتشكّل نوع من التقاء الضرورات. لا يوجد مشروع جاهز مكتمل المعالم، بل مسار تدريجيّ يعتمد على اختبارات صغيرة ونجاحات جزئيّة تُبنى عليها خطوات لاحقة. هذا النمط من التقدّم، مع بطئه، يبدو الأكثر واقعيّة في سياق إقليميّ شديد التعقيد.

تتعامل الأردن مع الجنوب السوريّ خلال السنوات الماضية بوصفه مساحة ضغط مفتوحة

بناء الإيقاع الجديد

ما يمنح العلاقة بين البلدين زخماً إضافيّاً هو وضوح الحاجة المتبادلة. تتّجه سوريا، الخارجة من سنوات طويلة من الاستنزاف، نحو إعادة ترتيب علاقاتها الإقليميّة على أساس البراغماتيّة. ليست الأولويّة للشعارات، بل لفتح قنوات تواصل قابلة للاستخدام الفعليّ، اقتصاديّاً وسياسيّاً.

يتعامل الأردن مع الملفّ من منظور لا يقلّ واقعيّة. ليس استقرار الجنوب السوريّ خياراً خارجيّاً، بل عنصر مرتبط مباشرة بالأمن الداخليّ. ينعكس أيّ اضطراب على الحدود سريعاً على الداخل، سواء عبر الضغط الأمنيّ أو الاقتصاديّ. لذلك يصبح الانخراط مع دمشق خياراً يقوم على تقليل المخاطر بقدر ما هو محاولة لفتح الفرص.

يظلّ التنسيق الأمنيّ جزءاً أساسيّاً من هذه المعادلة، لكنّه لا يشكّل نهايتها. الأهمّ هو ما يمكن أن يُبنى فوقه من تعاون اقتصاديّ وخدميّ. هنا تظهر محاولات إعادة تنشيط حركة التجارة، وتسهيل المرور، وفتح مجالات محدودة للاستثمار، كخطوات أولى نحو علاقة أكثر استقراراً.

ما يميّز هذه المرحلة هو غياب اللغة المبالَغ فيها. لا مشاريع كبرى تُطرح، ولا وعود بتغييرات جذريّة.

يميل الخطاب السياسيّ إلى الهدوء، وكأنّ الطرفين يختبران الأرض قبل تثبيت أيّ خطوة. ليس هذا الهدوء ضعفاً في الطرح، بل انعكاس لحسابات دقيقة تدرك حجم التعقيد المحيط.

في الخلفيّة، تبقى التوازنات الإقليميّة حاضرة، لكنّها لا تُدار بوصفها عائقاً مباشراً، بل كإطار يجب التحرّك داخله. ما يحدث فعليّاً هو محاولة استثمار الممكن، دون انتظار تحوّلات كبرى قد لا تأتي سريعاً.

لا يتعلّق السؤال الذي يفرض نفسه في هذه اللحظة بأهمّيّة التقارب، فهذا بات واضحاً، بل بقدرته على الاستمرار والتحوّل إلى بنية مستقرّة. تشير التجربة إلى أنّ العلاقات التي تُبنى على مصالح يوميّة ملموسة تكون أكثر قدرة على الصمود من تلك التي تُبنى على عناوين سياسيّة كبيرة.

في المحصّلة، لا يسعى الطرفان إلى صناعة مشهد جديد بالكامل، بل إلى إعادة ضبط المشهد القائم بما يجعله أقلّ توتّراً وأكثر قابليّة للعمل، فتتحوّل الحدود من خطوط فصل إلى مساحات تفاعل، والمصالح من ملفّات مؤجّلة إلى أدوات اشتغال يوميّ.

لا يحمل هذا التحوّل صخباً، لكنّه يعيد تعريف معنى الجوار ذاته، ويمنح العلاقة بين عمّان ودمشق فرصة للخروج من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إدارة الممكن.

أساس ميديا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى