هل فقد المسيحيون الرجاء من سوريا؟/ فادي حليسو

29 نيسان 2026
منذ سقوط الأسد أتيحت لي زيارة سوريا أربع مرات بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً. كنت في غاية السعادة لتمكني من زيارة مدن وبلدات سوريا مرة أخرى بعد أن كان اليأس قد بلغ مني حداً ظننت معه أنه لن تتاح لي رؤية بلدي ومدينتي حلب من جديد. لكن زيارة حلب على الأخص، كانت تتركني حزيناً كل مرة، ما عدت أتعرف إلى المدينة التي ولدت ونشأت فيها، ولم أغادرها حتى بلغت الثلاثين من عمري. ثمة مزيج من الفقر والإهمال يدخل الكآبة إلى القلب، ولم تعد حلب تلك المدينة النابضة بالحياة التي عرفتها. اختفت كثير من محلاتها الشهيرة، تغيرت الأسماء والمهن، ما عدت أتعرف على وجوه المارة والسكان حتى في الحيين اللذين سبق لي العيش فيهما. لم يبق لي في المدينة إلا قلة قليلة من الأقارب والمعارف الذين عرفتهم يوماً، معظمهم من كبار السن الذين لا يملكون من الطاقة والموارد ما يساعدهم على بدء حياة جديدة في مكان غريب عنهم.
أعرف أن الكثير من سكان حلب قد هجروها لأسباب مختلفة، سكان حلب الشرقية هرباً من البراميل والقصف، وكثيرون من سكان القسم الغربي هربوا من الاضطهاد السياسي أو الواقع الاقتصادي السيء. لكن كل تلك المعرفة لم تهيئني للصدمة التي تلقيتها في زيارتي الأولى. أطباء ومهندسون و صناعيون وتجار ومهنيون وعمال مهرة اشتهرت بها المدينة تفرقوا في كل أصقاع الأرض، فوضى في الشوارع، زحام لا يطاق، مستويات تلوث غير مقبولة، واهتراء تام للمرافق العامة والبنية التحتية، لتبدو المدينة شبحاً هزيلاً لما كانت عليه منذ بضع سنوات فقط. قد يقول قائل بأن هذه هي حال معظم مدن سوريا. وهذا صحيح إلى حد ما، إلا أن الكارثة في حلب مزدوجة؛ فما صمد خلال الحرب أتى عليه الزلزال، إذ خسرت المدينة حوالي ٥٢٪ من وحداتها السكنية وهجرها أكثر من مليون ونصف من سكانها الذين كانوا عددهم يناهز الثلاثة ملايين ونصف قبل العام ٢٠١١. صحيح أن المدينة تشهد عودة بطيئة لبعض اللاجئين والنازحين من تركيا ومخيمات الشمال، لكن يبدو بأن الكثير ممن هجروها لن يعودوا إليها في المدى المنظور، ولا سيما الجماعة المسيحية التي تبدو في طريقها نحو الاختفاء من المدينة.
تتناقص نسب المسيحيين في سوريا بتسارع لم تعرفه البلاد منذ حقبة السفربرلك، هذا رغم أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها سوريا موجة هجرة جماعية للمسيحيين، إذ سبق أن شهدت البلاد هجرة واسعة للناجين من طوشة النصارى في دمشق وحلب عام ١٨٦٠، تبعتها موجة أخرى في بدايات القرن العشرين. سببت سياسات التأميم خلال حكم جمال عبد الناصر زمن الوحدة مع مصر والبعث من بعده هجرة أعداد من المسيحيين، ثم أتت الموجة الكبرى والصامتة التي عرفتها البلاد في ثمانينيات القرن العشرين، إلا أنها المرة الأولى التي تبدو فيها استمرارية الوجود المسيحي في سوريا موضع شك. بعد أن اختفى المسيحيون من مدن إدلب، الرقة، ودير الزور خلال سنوات الثورة، تبدو حلب المدينة التالية المرشحة لمثل هذا المصير.
بالأرقام، انخفض عدد المسيحيين في حلب من حوالي ٢٥٠ ألفاً في العام ٢٠١١، إلى ما يقارب ال ٢٠ ألفاً فقط، أو ٢٥ ألفاً وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً، ومعظمهم من كبار السن. لا معلومات دقيقة بالطبع حول أعداد المسيحيين المتبقين في المدينة، فلا إحصائيات رسمية من الدولة السورية، فيما تعيش القيادات الكنسية حالة من الإنكار والمبالغة في الأرقام وفق أكثر من مصدر حاوره كاتب المقال. كثير ممن يتم إحصاؤهم من ضمن من تبقى من مسيحيي حلب، انتقلوا خلال سنوات الحرب وخاصة خلال مرحلة حصار حلب الغربية، من قبل قوات المعارضة، إلى الوادي أو الساحل، وما زالوا يحتفظون ببيوتهم في حلب ويزورونها بشكل دوري بحسب المطران جوزيف طوبجي، أسقف الموارنة في حلب. أما النسبة الأكبر من مسيحيي حلب فقد هاجرت إلى أوروبا وكندا.
في المجمل، صارت الهجرة الجماعية للمسيحيين من سوريا واقعاً لا يمكن إنكاره بعد الآن؛ إذ انخفض عددهم الإجمالي وفقاً لتقرير لمؤسسة “عون الكنيسة المتألمة – ACN” نشرته في العام ٢٠٢٢، من أكثر من مليونين في العام ٢٠١١، أي حوالي ١٠ بالمئة من إجمالي السكان في البلد، إلى ما يقارب الـ ٣٠٠ ألف فقط، أي حوالي ٢ بالمئة من السكان فقط. والأرقام في تناقص مستمر.
تحولات صامتة
ترتبط ديناميكيات هذه الهجرة المسيحية بعدد من العوامل، وليس واضحاً إن كان ثمة وسيلة لوقفها أم أن الأوان قد فات، والمسيحيون في طريقهم لأن يكونوا ثاني المكونات السورية التي تخسرها سوريا في تاريخها الحديث. لا يبدو من حاورتهم سوريا ما انحكت متفائلين حيال آفاق استمرارية الوجود المسيحي في سوريا، “تناقص المسيحيين في سوريا هو نتيجة طبيعية لانحدار أحوال الطبقة الوسطى خلال سنوات الحرب. صحيح أن مناطق وجود المسيحيين لم تتعرض للقصف بالبراميل، لكن الأوضاع الأمنية والأعباء الاقتصادية دفعت الشباب والعائلات من الطبقة المتوسطة للهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل، وبما أن معظم مسيحيي سوريا من الطبقة المتوسطة، فكلما طال أمد الضائقة الاقتصادية كلما كان من الأصعب إيقاف هجرتهم” بحسب أحد المحاورين.
من جهته يرى المطران إيليا طعمة، أسقف فنزويلا والكاريبي للروم الأرثوذكس وأسقف وادي النصارى سابقاً، بأنه ما من مسيحي يعرفه في سوريا إلا ويفكر بالهجرة حالياً حتى أولئك الذين كانوا رافضين للفكرة طوال سنوات الحرب. يتحسر المطران طعمة على حال الشباب المسيحي في سوريا بالقول “من ضمن مجموعات الشباب التي عملت معها في المجال الإنساني في الوادي واللاذقية خلال سنوات الحرب، سافر معظم الذكور في السنوات الماضية هرباً من الخدمة العسكرية، أو بحثاً عن فرصة للعمل وبناء حياتهم، أما الإناث فيسافرن بعدهم بعدة سنوات، عند الزواج والارتباط للحاق بأزواجهن. في المرة الأخيرة التي أقمنا فيها اجتماعاً للفريق القديم على زووم كان المشاركون موزعين على تسع دول مختلفة”.
على العكس من حلب ومناطق الجزيرة السورية لم تشهد مناطق الساحل ووادي النصارى تلك الهجرة الكثيفة والسريعة خلال فترة الحرب. لكن الواقع اليوم يتغير بسرعة في الوادي، أكبر التجمعات المسيحية المتبقية في سوريا، فإلى جانب الوضع الاقتصادي الذي يزداد سوءاً، تلعب الهواجس الأمنية دوراً كبيراً في تأجيج خوف من تبقى من المسيحيين بخصوص المستقبل. “تثير التصفيات في الوادي لمن يتهمون بأنهم كانوا شبيحة في عهد النظام البائد مخاوف عميقة من المستقبل في ظل غياب سيادة القانون، وعدم وجود معايير واضحة للقصاص وتحقيق العدالة وترك الأمور على غاربها للانتقام الفردي”، بحسب بولس حلاق أحد مؤسسي مبادرة “بدايتنا” في دمشق. ومن جهة أخرى “فإن تقصير الدولة في تحقيق تقدم حقيقي وملموس في جهود العدالة الانتقالية يسمح لفلول ميليشيا بشر اليازجي في الوادي بعرقلة مبادرات الصلح مع سكان الحصن التي يحاول المجتمع المدني القيام بها” بحسب الأب جهاد اليوسف، رئيس جماعة إبراهيم الخليل الرهبانية في دير مار موسى في النبك، والمنحدر من الوادي.
أما في القصير ومناطق أخرى من حمص وحوض العاصي فقد سُجِّلت عدة حوادث قتل لأثرياء مسيحيين وسرقتهم، ليتم اتهامهم فيما بعد بأنهم كانوا شبيحة، بشكل منافٍ للحقيقة، مما يضخم شعور المسيحيين بأنهم مستهدفون أو سيتم استهدافهم في وقت قريب. وفي إثر “اجتياح السقيلبية” تسارعت وتيرة الاتصالات من الباحثين عن وسيلة سريعة للهجرة، بحسب المطران طعمة، كثيرون يريدون أن يلحقوا بقطار الهجرة قبل أن تحدث استباحة للمسيحيين شبيهة بما حدث مع العلويين والدروز من قبلهم.
بالعودة إلى حلب، يرى الأستاذ الجامعي الدكتور كنان سمعان، وأحد الذين خاضوا تجربة الترشح لمجلس الشعب المزمع إنشاؤه، بأن الوضع الاقتصادي الخانق في المدينة يدفع كثيراً ممن تبقى من المسيحيين الشباب للبحث عن وسيلة للهجرة بأسرع ما يمكن. فبعد أن ساد التفاؤل عقب سقوط نظام الأسد بأن الانفتاح الاقتصادي وتفكيك حواجز الفرقة الرابعة، سيجلب البحبوحة لسكان المدينة، أصيبوا بصدمة فقدان الكثير من الأعمال نتيجة الانفتاح غير المضبوط على الاستيراد، الذي أدى إلى إقفال العديد من معامل المدينة وورشها الحرفية التي كانت ما تزال صامدة، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة وأجرة البيوت باضطراد.
ليس الفقر المتزايد ولا فوضى السلاح فقط ما يفاقمان من يأس المسيحيين، إذ “ثمة خوف متزايد من مظاهر الأسلمة البطيئة والمتدرجة التي تشهدها البلد والتي تعزز الشعور بأن سوريا تتحول تدريجياً إلى بلد لا يشبهنا ولا نشبهه”، كما يصفها الكثير ممن يتصلون باستمرار بالمطران إيليا طعمة سائلين إياه عن إمكانيات الهجرة إلى دول الكاريبي الناطقة بالإنجليزية.
من جهتها، ما تزال الجماعة المسيحية في حلب حذرة في تعاملها مع السلطات الجديدة في البلد بحسب الدكتور سمعان. ليس الأمر في أنهم رافضون للتغيير الذي حصل في سوريا، لكنها جملة من الحوادث اليومية المتفرقة التي تبدو في ظاهرها بسيطة (أو تصرفات فردية كما يحلو للبعض وصفها)، لكن في المجمل، فإن تراكمها واضح في تأثيره على نمط الحياة، والتوجه نحو التشدد الإسلامي مما يشعر المسيحيين بالضيق. على سبيل المثال يذكر الدكتور سمعان “فوجئ دكتور جامعي زميل لي مؤخراً، أراد الاجتماع بإحدى طالباته في المكتبة المركزية في جامعة حلب لمناقشة رسالتها الجامعية بأن ذلك صار غير ممكن؛ إذ تم فصل أماكن الذكور عن الإناث في مكتبة الجامعة، هل تعتقد أن مثل هذه الإجراءات، التي تتم بصمت على طول البلاد وعرضها دونما اعتراض يذكر، توحي بالاطمئنان لدى المسيحيين؟ معظم الناس باتوا يقولون ما الفائدة؟ هذه البلاد ليست لنا”.
ذلك هو الانطباع ذاته لدى السيد ميشيل اسطفان، صناعي دمشقي، وعضو في مبادرة اللقاء الوطني، وهي مبادرة مدنية لنشطاء مسيحيين دمشقيين: “يسود الانطباع بين معظم الشباب المسيحي، بأن البلد سائر نحو نمط متشدد، صحيح أن ذلك يحدث بشكل بطيء حتى اللحظة، ربما بسبب وجود السلطات الحالية تحت المجهر الدولي، لكن الخشية من أن تتسارع هذه الخطوات، بمجرد أن يخبو الاهتمام بما يحصل في سوريا. هذا يثير القلق تجاه ضبابية الوضع المستقبلي، إذ لم نسمع من السلطة حتى الآن أي إجراءات ملموسة أو حتى كلام عن الديمقراطية والتشاركية وحقوق المواطنة المتساوية”.
في المقابل، لا يبدو أن جهود السلطة في تشميل المسيحيين تجدي نفعاً، فاقتصار التعامل مع المسيحيين بزيارات لقياداتهم الروحية لا يوحي إلا بالعودة إلى نظام الملة العثماني، حيث كان يُنظر إلى المسيحيين كجماعات دينية ورعايا لا مواطنين، وفقاً لتعبير الأب جهاد يوسف. في هذا الإطار أيضاً، فقد أثارت تجربة اختيار ممثلين لمجلس الشعب التي لم تفرز سوى ممثلة واحدة فقط عن المسيحيين في كل سوريا، في مدينة مصياف، استياءً واسعاً في الأوساط المسيحية. أضف إلى ذلك، لا تمتلك النماذج التي يتم تصديرها على الإعلام كممثلة للمسيحيين، أية صفة تمثيلية، وتتجاهل التعبير عن هواجس المسيحيين الحقيقية، وتبدو مغالية في مدح السلطة ومراءاتها، حداً يدفع المسيحيين إلى مزيد من الحذر في التعاطي مع السلطة. “يبدو أن هذه السلطة ترحب بنوعين فقط من المسيحيين، إما النوع الصامت الذي يكتفي بلعب دور مزهرية الزينة، أو النوع المرائي، الذي يكيل المديح ليلاً ونهاراً للسلطة ويصدعنا بشعارات التآخي الفارغة من المضمون الحقيقي، أما من يمكنه أن يعبر حقيقة عن هواجس المسيحيين فلن يجد طريقه لا إلى وسائل الإعلام ولا إلى المناصب المؤثرة”، قال أحد الذين حاورهم كاتب هذه المادة وفضل عدم ذكر اسمه.
أما عن وجود المسيحيين في الدولة الجديدة فهو بدوره في تقلص مستمر، حيث يتم تدريجياً إقصاء الكثير من المسيحيين العاملين في مؤسسات الدولة. في كثير من الحالات يقوم “الشيخ” أو مدير الظل المعين في الدوائر الرسمية بالطلب من الموظفين المسيحيين ملازمة بيوتهم قبل أن يتم الاستغناء عنهم لاحقاً، بحسب السيد اسطفان ومجموعة اللقاء الوطني التي تقوم بتوثيق مثل هذه الحالات. طبعاً في حالات أخرى يكون الشيخ أكثر تسامحاً وتقبلاً لوجود المسيحيين، فالموضوع متعلق إذن بهوى ومزاجية الشيخ، أو بمدى ولاء المسيحيين للسلطة وتبعيتهم لها، لا بمعايير الكفاءة، والنزاهة، والعدالة بين المواطنين. ناهيك عن أن عدداً من دوائر الدولة تشهد تضييقاً على النساء في موضوع اللباس، مسيحيات كن أم مسلمات، بحسب طالبات السيدة كلير معوض، أستاذة التربية المسيحية في عدد من مدارس الدولة والمدارس الخاصة، والتي أكدت كذلك أن دوائر عامة متعددة في دمشق، شهدت تسريحاً تعسفياً للموظفين المسيحيين، منها البحوث العلمية، ودائرة التأمينات الاجتماعية، ومصرف توفير البريد، “يبدو أن تياراً سياسياً دينياً واحداً في طريقه لاحتكار وظائف الدولة” تضيف السيدة معوض. في كل الأحوال “ليس المسيحيون وحدهم من يشتكون من الإقصاء” يضيف السيد ميشيل اسطفان، “ثمة شرائح واسعة من مسلمي دمشق الذين يتحاور لقاؤنا معهم، يشكون من إقصائهم لا من الإدارات العامة فحسب، بل أيضاً من إدارة شؤون مدينتهم، إذ يتم اتخاذ قرارات استثمارية تخص الأملاك العامة في المدينة دون التشاور مع المجتمع المحلي، لكن في كل الأحوال يبقى المسلمون أقدر من المسيحيين على التكيف مع الواقع الجديد على المدى الطويل”.
بشكل عام، ثمة إحباط لدى شرائح واسعة في سوريا من طريقة إدارة الدولة ومؤسساتها، وتعاطي السلطة مع المسارات المختلفة من العدالة الانتقالية، إلى العملية الدستورية، وصولاً لإعادة الإعمار. لكن الإحباط من بطء مسار ترميم الدولة لا يقتصر على المسيحيين فحسب، وفقاً للسيد ميشيل نصير، مدير برنامج سوريا في مجلس الكنائس العالمي في جنيف، فعدد من الشخصيات الإسلامية من تيارات مختلفة، والتي شاركت في جلسات الحوار التي نظمها المجلس في جنيف طوال سنوات الثورة، تشارك هذا الإحباط، وقد انكفأت عن النشاط العام وإبداء الملاحظات خشية الصدام مع جمهور السلطة.
مسؤولية اليوم والجميع
في ظل هذا الواقع، هل ثمة ما يمكن عمله لوقف النزيف المستمر في أعداد المسيحيين؟ وهل تبقى للمسيحيين في سوريا أي دور يلعبونه؟ يرى الأب جهاد يوسف من دير مار موسى، بأن بقاء المسيحيين في سوريا هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المسيحيين والمسلمين على حد سواء. فعلى “المسيحيين التوقف عن الانسحاب من ممارسة أدوارهم الوطنية، والانخراط أكثر فأكثر في الشأن العام عوضاً عن الاكتفاء بالتذمر من الوضع القائم وطبيعة السلطة. وعلى المسلمين بدورهم ممارسة كل ضغط ممكن من أجل التوافق على عقد اجتماعي سليم يضع الجميع على قدم المساواة، ويحدد قواعد مواطنة سليمة تحترم الخصوصيات الدينية في الوقت نفسه”. أما المؤسسة الكنسية، فيرى الأب يوسف بأنها غائبة. “لقد تحولت كنائسنا إلى جمعيات إنسانية تكتفي بتوزيع المساعدات، عوض أن تفتح أبوابها للحوار الاجتماعي-السياسي مع الشركاء في الوطن. كنائسنا بلا مشروع وبلا هوية، في الوقت الذي ينبغي عليها أن تعيد التأكيد على أن انخراط المسيحيين في العمل السياسي والشأن العام هو واجب ديني، فكما يقول القديس توما الأكويني، فإن العمل السياسي الذي يهدف إلى خدمة الصالح العام هو أحد أسمى أشكال المحبة”.
لدى السيد ميشيل نصير موقف قريب من ذاك الذي عبر عنه الأب جهاد، إذ يرى أن “كل الجماعات السورية بلا استثناء غارقة حتى أذنيها في لعب دور الضحية ومن بينهم المسيحيون، أفهم الخوف لدى المسيحيين من التغيرات الحاصلة ومن المستقبل، ولكن يجب في الوقت نفسه أن يعوا بأنهم الجماعة التي خسرت أقل عدد من الضحايا بسبب العنف في البلاد إذا ما قورنوا بالمسلمين السنة أو العلويين أو حتى الكورد. لذلك فلا فائدة من الانكفاء خلف منطق الضحية والتمترس في خنادق الخوف”. ويضيف “لقد راكم المسيحيون السوريون كثيراً من الخبرات في سنوات الصراع بسبب الأعمال الإنسانية التي قادتها مؤسساتهم. وفي معظم المناطق السورية، ما يزالون يحظون باحترام باقي المكونات السورية كونهم لم ينخرطوا في الصراع أو يتورطوا في أعمال العنف، مع بعض الاستثناءات طبعاً، لذلك فهم مؤهلون للمساهمة في رأب الصدع بين مختلف المكونات ولعب دور الوسيط الساعي لتعزيز الحوار الوطني وبناء السلام”.
أما فتنت نكرور، من حمص، والتي أنهت لتوها مهمة إنسانية مع الصليب الأحمر الدولي في اليمن، لتعود وتستقر في سوريا، فلا ترى بأن عدد المسيحيين في سوريا هو بذات أهمية الأدوار التي يمكن لهم لعبها على المستوى الوطني. وترى أنه ثمة فرصة لعمل شيء ما في سوريا ولسوريا للمرة الأولى منذ عقود. “الأمور اليوم ليست وردية على الإطلاق حتى لا يفهم موقفي بغير سياقه، الوضع صعب ومعقد دون أدنى شك، ولكننا أمام احتمالات مفتوحة للمستقبل وهو ما لم يكن متاحاً لنا طيلة السنوات الستين الماضية”. “يجب أن نسأل أنفسنا نحن المسيحيين المتبقين في سوريا عن طبيعة الشهادة التي نود تقديمها لمواطنينا عن إيماننا المسيحي. هل يقتصر إيماننا على إقامة الصلوات في الكنائس والزياحات في الشوارع، أم يمتد ليشمل أدواراً إيجابية وفعالة في المجتمع السوري الأوسع؟”.
وفي هذا الإطار تشيد نكرور بالدور الرائد الذي تلعبه جماعة “دير مار موسى” الرهبانية في متابعة دعوة الأب باولو في الحوار المسيحي – الإسلامي، من خلال مبادراتها المختلفة سواء مبادرة حدائق التين لتذكر المفقودين والضحايا والتعزية بهم، أو مبادرتها الأخيرة باسم حديث السوريين. “لقد استضاف اللقاء الأخير في الدير ما يقرب مائتي وخمسين شخصاً من مختلف الانتماءات، إنها مساحة ممتازة للحوار والتلاقي”. “أدعو المسيحيين في سوريا لاستغلال المساحة المتاحة لتنظيم لقاءات من هذا النوع، على الرغم من أن الحيز العام لا يزال يواجه تحديات كبيرة. إلا أن هنالك هامشاً يمكن البناء عليه ومن المهم العمل على ملئه بشكل إيجابي ومسؤول”.
يجب أن يتحول بقاء المسيحيين في سوريا من قضية مسيحية إلى قضية سورية، بحسب أحد محاورينا. “حتى الآن ما تزال قضية بقاء المسيحيين سجينة الكنائس، في الوقت الذي ينبغي أن تتبنى الدولة السورية العمل على مشروع يضمن عدم خسارة هذا المكون الذي يمنح البلاد غنى. المشكلة أنه لا يمكن التعويل على السلطة القائمة في سوريا بلعب مثل هذا الدور” يضيف “رحمة”. ” فوتت كنائسنا فرصة كبيرة في الفترة التي أعقبت سقوط الأسد، بفتح مؤسساتها، لتكون الجسد الذي يحتوي عملية الحوار والمصالحة، كنا بأمس الحاجة إلى من يلعب الدور الذي لعبه ديزموند توتو في جنوب أفريقيا”.
هناك دوماً أسباب للتفاؤل والرجاء، كما يقول الأب جهاد يوسف، “عندي رجاء قوي بالإنسان السوري الذي تألم وعانى في السنوات الماضية. ما أزال ألتقي يومياً بأناس قادرين على الرغم من كل معاناتهم وألمهم وفقدهم على حمد لله. نذهب لنعزي الناس بمفقوديهم فنجدهم يعزون قلوبنا. ما يزال السوريون يحبون الحياة، وهذا يمدنا بالقوة والعزم على مواصلة العمل كل يوم للمساهمة في نهوض سوريا”.
استشاري في التنمية والحوكمة مع خبرة تزيد عن الاثني عشر عاماً في العمل الإنساني في سوريا ولبنان. مهندس مدني من حلب، والمدير التنفيذي السابق لمؤسسة بسمة وزيتونة للإغاثة والتنمية.
حكاية ما انحكت



