سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

سوريا: مسطحة أم كروية؟/ إسلام أبو شكير

أبريل 28, 2026

في القرن الحادي والعشرين، وبينما ترصد عشرات آلاف الأقمار الصناعيّة والتلسكوبات الفضائيّة والأرضيّة أعماق الكون لتلتقط صوراً لأدقّ تفاصيل المجرّات السحيقة، لا يزال (مجتمع الأرض المسطحة) يجد من يؤمن به. وهو أمر مثير للدهشة حقّاً، ويكاد يكون غير متصوَّر أو معقول، لكنّ الدهشة تصل مداها الأقصى ونحن نتلمّس حالة الحماس والصلابة والاستماتة التي يتحلّى بها أعضاء هذا المجتمع في سعيهم المحموم لإثبات صحّة ما يؤمنون به.

مجتمع من الأشخاص النشيطين الذين يتمتّعون بطاقة مفرطة: يقضون الساعات في الحسابات والجدل، ويشترون أغلى الكاميرات وأحدثها، ويستخدمون الليزر لقياس المسافات والأبعاد واستقامة الأسطح أو انحنائها، ثمّ يعكفون على الصور والأفلام والتسجيلات يطاردون فيها كلّ ما يثير شبهة أو يقود إلى شكّ.

وإلى جانب ذلك طبعاً ترسانة غير محدودة من المقولات الفلسفيّة والفكريّة والدينيّة التي جمعوها من مصادر تختلف اختلافاً شديداً في طبيعتها، وتاريخها، وأغراضها، لكنّهم واءموا بينها -والحقّ يقال- بطريقة لا تخلو من البراعة في كثير من الحالات. كلّ ذلك للوصول إلى هدف واحد: إرغام الأرض على أن تتخلّى عن كرويّتها وحركتها، لتكون كما يحبّونها: مسطّحة وثابتة.

والواقع أنّ المسألة هنا لا تتعلّق بشكل الأرض بقدر ما تتعلّق بآليّة التفكير: أن تتحوّل المعطيات من مادّة أوّليّة يستنتج منها الباحث حقيقة مجهولة، أو يؤكّد بها فروضاً مشكوكاً فيها، إلى أدوات لإثبات فكرة جرى الإيمان بها سلفاً، وعلى نحو يقينيّ مطلق.

هذه الآليّة تحديداً لها نسخة أصغر حجماً، لكنّها لا تقلّ غرابة، وبعداً عن المنطق: النسخة السوريّة. منذ سقوط الأسديّة، وجيش من المحلّلين والسياسيّين يفرشون على أسطح مكاتبهم خريطة سوريا، ومعهم مساطرهم وعدساتهم المكبّرة، ولا همّ لهم سوى إثبات أنّها بلاد مسطّحة..

بأدقّ الحسابات توصّلوا إلى أنّ العالم لن يعترف بحكومة أحمد الشرع (يسمّونه: الجولاني، لأغراض بحثيّة!)، وبالحسابات الدقيقة نفسها توصّلوا إلى أنّ لقاء الشرع وأعضاء حكومته بقادة دول ومنظّمات أمميّة مستحيل، وبها أيضاً خلصوا إلى أنّ العقوبات لا يمكن رفعها، وإلى أنّ الفدرلة تحصيل حاصل، والأقاليم قادمة دون أدنى شكّ، والجنرالات الذين يعيشون هاربين أو لاجئين بين باريس وموسكو وطهران وبيروت حزموا حقائبهم فعليّاً بانتظار وصول تذاكر الطيران إلى دمشق.

ولم تكن حساباتٍ ذهنيّةً مجرّدةً، بل مبنيةً على وثائق وأرقام وإحصاءات وصور وفيديوهات، وغنيّ عن القول أنّ الملهم في ذلك كلّه هو التجربة الناجحة والفريدة للأشقّاء أعضاء مجتمع الأرض المسطّحة. كانت حسابات مضبوطة لم تواجههم فيها سوى مشكلة واحدة صغيرة واجهت الأشقّاء أيضاً قبلهم: الحقيقة بقيت كرويّة، وتدور! لكن، لا بأس.. يبقى هذا تفصيلاً سخيفاً يمكن علاجه لاحقاً، ومن يدري! قد تضعف الحقيقة يوماً، وتتسطّح!

وهذا ليس جديداً.. هل تذكرون أليكس كيرنر بطل فيلم “وداعاً لينين” الذي قضى أوقاته كلّها في فبركة واقع افتراضيّ متماسك ومنضبط ومتوافر على أدقّ شروط الإقناع، كي لا تخرج والدته من وهم أنّ جدار برلين لم يسقط، وأنّ ألمانيا الشرقيّة لا تزال قائمة كما كانت؟

في الواقع، نحن أمام عرض من عروض “الميلودراما العبثيّة”، حيث المأساة تكمن في ضياع الفرص، وفي عرقلة أيّ بادرة للتقدّم نحو الأمام؛ أمّا الكوميديا فتطلّ برأسها من تلك التفاصيل المضحكة التي يغرق فيها هؤلاء وهم يحلّلون أبعاد السجّادة الحمراء بينما التاريخ يطوي السجّاد القديم برمّته من تحت أقدامهم.

والمفارقة هنا أنّ هذا الإصرار على (تسطيح) الواقع يضمر في داخله، في حالات كثيرة، بحثاً عن بطولة زائفة. ثمّة إغراء شديد في أن يتقمّص المرء دور المبصر الوحيد وسط عالم من العميان، وأن يقف وحيداً على حافّة القرص الأرضيّ المسطّح ليحذّر الجميع من السقوط، بينما العالم من حوله يدور وينمو ويتغيّر.

هي بطولة الأوهام التي تستمدّ قوّتها من الصدام مع وقائع عيانيّة ملموسة، فكلّما خالف الواقع تنبّؤاتهم، ازدادوا تشبّثاً بها، معتبرين أنّ ثباتهم على الخطأ هو نوع من الصلابة المبدئيّة، بينما هو في الحقيقة انتحار معرفيّ مؤلم بقدر ما هو مثير للضحك. وبالطبع، فليس كلّ خطأ في التقدير تسطيحاً، لكنّ الإصرار عليه هو كذلك حتماً.

وإذاً.. البطولة الحقيقيّة تتمثّل في امتلاك الشجاعة لقراءة الواقع كما هو، بقممه ووديانه ومنعطفاته وكلّ نتوءاته. البطولة هي الإدراك الثاقب بأنّ التغيير -الذي هو حقّ مشروع، بل ضرورة حتميّة- لا يُبنى بخرائط وهميّة لبلاد لا توجد إلّا في المخيلة، ولا وفق رغبات وأحلام وإن كانت جميلة ونبيلة، بل بالعرق الذي تتساقط قطراته فوق الأرض الكرويّة الحقيقيّة. وهذا لا يعني أنّ الواقع بسيط وأحاديّ القراءة، بقدر ما ينبّه إلى خطورة إغلاق القراءة قبل اكتمالها بالفهم والوعي.

هذا ليس بياناً للدفاع عن أحد، أو إثبات شرعيّة أحد، بقدر ما هو دعوة إلى توجيه الطاقات نحو ما هو واقعيّ مفيد. الأرض ليست مسطّحة، واضطرار الطائرة إلى استعمال المحرّكات للدفع بها إلى الأمام عوضاً عن الوقوف في الهواء وانتظار أن تدور الأرض تحتها لتصل إلى وجهتها، ليس دليلاً على بطلان كرويّة الأرض؛ وعدم انسكاب ماء المحيطات عندما تكون في الأسفل لا ينفي شيئاً في هذا الموضوع ولا يثبته.

وكذلك الأمر سوريّاً: هنالك تغيير عميق وجذريّ في بنية الدولة والمجتمع حدث فعلاً، وهنالك واقع جديد يتخلّق، وهنالك قوى لم تكن ملحوظة من قبل أصبحت ذات سلطة وقرار.. والبطولة أن تتمرّد على كلّ نظريّاتك القديمة، وتخرج من القفص الذي ضاق كثيراً عليك وعليها، لتقرأ الواقع، وتقرّر ما الذي ينبغي فعله.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى