سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

معاودة الرقص بين القبور… الخروج من الغرينيكا السورية إلى الحلم/ بيتي فرح

28 ابريل 2026

بعدما تنشّق طويلاً رائحة الغبار ورائحة الموت في شوارع برلين، قال الكاتب الألماني هنريش بول، الحائز جائزة نوبل في الآداب: “مثلما لا يمكن ترميم الحطام الذي على الأرض، لا يمكن ترميم الحطام الذي في أرواحنا. في هذه اللحظة التي نغتسل فيها بدموعنا، ثمّة طريق واحد لإعادة بناء أحلامنا، هو إعادة تشكيل الوعي العام في ألمانيا”.

دعا صاحب “صورة جماعية مع سيدة إلى إخراج قرع الطبول من اللاوعي لدينا: “أجل، أجل، كي لا يبقى هناك من يقرع الطبول من أجل الدم. من الآن، كل الطبول يجب أن تُقرع من أجل ألمانيا”. وهذا ما تحتاجه سورية اليوم في بناء الوعي المجتمعي.

لقد استخدم الكتّاب الغربيون كثيراً تعبير “التراجيديا السورية”، والآن تبرز تساؤلات يومية حول الطريقة التي يُعاد فيها بناء العنفوان العام في سورية. ومن هنا تنطلق ديناميات التفاعل مع لعبة القرن، في بلد أعطى روما سبعة أباطرة، وكان ملاذاً لمفكرين وفلاسفة كُثر بحثوا عن مكان لا تموت فيه الكلمة تحت أحذية الطغاة.

يندرج هذا كله في إطار صناعة ثقافة الحياة (أن تشرق الشمس من داخل كل سوري)، لتورق الأحلام ثانية في مخيلة السوريين. إنها مهمة الأدباء والشعراء والفنانين، وحتى الإعلاميين، الذين يضعون القواعد الفلسفية لإعادة إنتاج الحياة وتحطيم طريق الجلجلة.

عقب انتهاء الحرب في إسبانيا، وقّعت أطراف القتال ما عُرف بـ”ميثاق النسيان” لتنظيف الذاكرة من كل أثر لضوضاء الدم. وكان الشاعر الرائع غارسيا لوركا، وهو أحد ضحايا تلك الحرب، قد كتب: “ها هي ورود إسبانيا تصرخ: اقتلوني بدل أن تقتلوا الأطفال”. لكن الحرب لم تترك الورود ولا الأطفال، لتكون “الغرينيكا”، لوحة بابلو بيكاسو، وكأنها صرخة الموتى في وجه الموت.

ننتظر الغرينيكا السورية التي تقول للسوريين: “إياكم ومعاودة الرقص بين القبور”.

كل الأمم التي عاشت أهوال الحروب الداخلية أو الخارجية حاولت، بشكل أو بآخر، أن تُغلق الأبواب التي تعيد أصحاب الرؤوس الحامية إلى جاذبية النيران، لا من فوهة البندقية، بل من خلال تكثيف البنية الجيولوجية للمجتمعات.

هناك، لا توجد عصا سحرية لجمع الشتات المبني على رؤية خلّاقة، وإنما الصوت الذي ينطلق من داخل التراب، هذا التراب المقدس المتوافر بكثرة على الأرض السورية. ومن هنا تتفتح أحلام ما بعد الحرب كما تتفتح أزهار الياسمين..

ذاكرة مُحاصَرة

تركت الحرب في سورية آثاراً عميقة في مختلف جوانب الحياة، ودمّرت البنية التحتية للمجتمع وأرهقته، ثم أعادت تشكيل ثقافته بأسلوب مؤلم ومعقّد. ومع تراكم الخسارات، تزايدت الاضطرابات النفسية، حيث أشارت تقارير دولية إلى أن واحداً من كل خمسة أشخاص في مناطق النزاع يعاني من القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات ما بعد الصدمة، خصوصاً بين الشباب الذين نشأوا في الخوف المستمر من القصف والاعتقال والتهجير، ليتحوّل الإحساس بالأمان إلى حلمٍ ومُبتغى.

إلى جانب الضياع الثقافي والاجتماعي، حصل الانهيار الاقتصادي الكبير. فمنذ عام 2011، خسرت الدولة كفاءاتها وتكبّدت خسارات بمليارات الدولارات. لكن أصعب آثار الحرب كانت انشغال الناس بالبقاء على قيد الحياة، حتى شبّه كثيرون أنفسهم بقطط الشوارع التي تأكل لتعيش فقط. فالحرب في سورية لم تكن مجرد صراع عسكري، بل زلزالاً شاملاً، والتعافي لن يكون بإعادة بناء الحجر فقط، بل بإعادة بناء الإنسان واستعادة توازنه.

خلال سنوات الحرب وبعدها، تفاوتت أحلام الشبان والشابات بين البقاء والسفر والعودة. بعضهم اتبع سياسة التكيّف وعدم الانخراط في القضايا الساخنة، وأصرّ البعض الآخر على تحييد حلمه بقدر ما هو خطة حياة لحفظ التوازن. كالشابة الصفّتلية الثلاثينية نتالي يعقوب، التي احترفت الرقص الكلاسيكي الغربي، وتكابد بصعوبة للحصول على أوراق رسمية لافتتاح معهدها الخاص في دمشق. وبالنسبة لها، منحتها لحظة سقوط الأسد أملاً بنهضة سورية، وتعتبر الرقص ثقافة ورياضة جسدية ونفسية، ومن حق من يحب هذه الفنون أن يمارسها بحرية.

أما الشاب الدمشقي مصطفى الحنفي (26 عاماً) الذي يعمل في مجال البودكاست والتعليق الصوتي، فقد أغنى محتواه بقضايا السلم الأهلي والتنمية المجتمعية. يحلم بالعمل في الإخراج والإعلام، لكنه، كغيره من الشباب، عانى من التضييق الأمني، فاعتُقل ست مرات وتعرّض للتعذيب، واستُدعي إلى فرع الخطيب لمحاولته نقل الحقيقة عبر الكاميرا. والسبب الآخر كان نشاط إخوته في الثورة السورية، الذين غادروا وعادوا عقب التحرير. وعلى الرغم من ذاكرته السوداء، يبقى مصطفى متفائلاً رغم تتالي الأحداث، ويرى أن أحلامه منطقية وغير مستحيلة في بلد العجائب، سورية.

يتنامى قرار البقاء في عقل الشاب العشريني طوني كرم، الذي يتنقّل بين قريته مرمريتا ودمشق بحكم عمله في التجارة. كرم مؤمن بسورية الجديدة التي خرجت منها أسطورة طائر الفينيق، وبرأيه فإن الشباب هم دينامو هذه النهضة، وأن هجرة الكفاءات حالياً تمثل سكيناً جديدة في خاصرة البلاد، وأننا نحتاج إلى بعض الوقت المبني على التعقّل وتقبّل الآخر.

أما طارق سليمان، ابن 35 عاماً من مشتى الحلو، الذي ينتظر استلام جواز سفره، فلا يريد تذكّر معاناته في فرع فلسطين، أو السنوات المسلوبة من شبابه. قال جملته اللاذعة محاولاً تضميد ذاكرته، واصفاً بذكاء إفلاس المسؤولين من الإنسانية: “أبانا الذي في المخابرات، اغفر لنا تقاريرنا”.

أمنيات لا تشيخ

لا تقتصر الأحلام على الشباب، فهي حق عام، يشبه جرعة الأدرينالين المضادة للموت والسكتات الدماغية والعقلية، للرجال والنساء الذين تجاوزوا العقد الخامس وعاصروا تحولات عديدة. غالباً ما ارتبطت أحلامهم بالأمان والاستقرار.

في هذه البلاد، تتحول الحقوق إلى أحلام. فالسيدة السبعينية سعاد بركات، من قرية الكفرون، أمّ لثلاثة أبناء توزّعوا بين الخليج وكندا، اقتصر حلمها على لمّ شمل الأبناء والأحفاد حول مائدتها. تشترك في همومها مع أبناء الوطن، فالخوف القادم من فاتورة الكهرباء يتصدّر الصباحيات، كما تشتكي من سوء شبكة الإنترنت التي تحرمها من مكالمة فيديو ترى فيها وجوه أحبّتها.

انطلاقاً من عبارة “ما بعد الحرب”، هذا الباب الكبير الذي يفتح بانورامياً آفاق المستقبل للسوريين كافة، يصبح التغيير المسار الصحيح لتحقيق الأحلام. ومن هنا كان للإعلام والكتّاب والفن دور مهم في إرساء هذا المبدأ، لإعادة ترتيب الأدمغة. وقد كانت كتب كثيرة بمثابة خريطة طريق لجيل ضيّع بوصلة الوطن، كرواية “لم يصلّ عليهم أحد” للروائي السوري الراحل خالد خليفة، التي اعتُبرت ملحمة أدبية وإنسانية، إذ أشار فيها إلى الوعي الجمعي عبر شخصيات متعددة، فرسم لوحة عن الوعي العام وكيف يتشكّل عبر الأزمات.

وهذا ما أكده الكاتب والصحافي الفلسطيني – السوري ماجد كيالي، إذ قال: “الحرب، أي حرب، هي فعل إمحاء وتدمير وإزاحة، على الرغم مما تتضمنه أحياناً من انتقال سريع في الزمان إلى الأمام أو إلى الخلف بطريقة عنيفة وقسرية وصادمة. وهذا ينطبق على الحرب السورية التي نتجت منها مآسٍ مروّعة، منها التعذيب، والغرق في البحار، والاقتلاع من المكان، فضلاً عن تدمير عمران البلد وقتل مئات الألوف”. وأضاف: “بعد الحرب شأن آخر ينبغي تمييزه. فهنا لدينا ذاكرة الحرب، والخوف من الآخر، وحتى كراهية الغير، إضافة إلى تعويض ما أنقصته الحرب وما زعزعه العنف. والتحدي يكمن في تمكين روح المصالحة والتسامح، وتجاوز الماضي من أجل المستقبل، أي من أجل أن نصبح كسوريين مواطنين أحراراً ومتساوي””. وأشار إلى دور الثقافة (الأدب، المقالة، الفن) القائم على تعزيز روح المصالحة وقيم التسامح ومغادرة ضغائن الماضي من أجل المستقبل، مضيفاً: “كتبت كثيراً عن ذاكرة المقاومة ومحاولات الشفاء، كما في كتابي “الصدع الكبير” الذي تناولت فيه محنة السياسة والأيديولوجيا والهوية في اختبارات الربيع العربي”.

إذاً، الأحلام تفترض الوعي ببلادنا، وباحتياجاتها، وبمداها الاستراتيجي، وبالخروج من كل ترسّبات الحرب، والانطلاق الجماعي نحو بناء وطن لكل السوريين، لتكون سورية حلمنا الكبير، الذي تدور حوله كل الأحلام الأخرى.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى