العلاقة بين سورية والاتحاد الأوروبي تحديث 30 نيسان 2026

تحديث 30 نيسان 2026
معادلة الأمن على ضفاف المتوسط.. استقرار الشرق الأوسط وهدوء أوروبا/ علي إسماعيل
أبريل 28, 2026
في تشرين الأول 2004 أسس الاتحاد الأوروبي وكالة “فرونتيكس” بهدف حماية الحدود الأوروبية الخارجية، وجاء ذلك بناء على مشروع لوزارة الداخلية الألمانية يهدف إلى التنسيق بين إدارات حرس الحدود وخفر السواحل والجمارك في دول الاتحاد الأوروبي كافة، وتسريع تبادل المعلومات فيما بينها لتفعيل مكافحة الهجرة غير الشرعية.
وتقع الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة وارسو البولندية، وتركز عملها على مكافحة الهجرة السرية، ومنع تجارة البشر، ووقف تسلل الإرهابيين المفترضين إلى أوروبا، حيث يعتبر الاتحاد الأوروبي أن الخطر قادم إليه من ضفتي المتوسط الجنوبية والشرقية لاعتبارات عديدة، أولها اختلال توازن القوة، باعتبار أن ضعف أنظمة الدول المقابلة للاتحاد الأوروبي، والفوضى الناجمة عن الصراعات، يمثلان تحديات أمنية يجب مواجهتها.
وقد أشارت دراسات أمنية متخصصة إلى أن فوارق القوة تعد من عوامل تكريس المعضلة الأمنية، وتبدأ من المعدات والتجهيزات وأنظمة الاستخبارات والأقمار الاصطناعية، وصولا إلى الإنفاق العسكري لدول الضفة الشمالية، الذي يفوق الإنفاق العسكري لدول الضفتين الجنوبية والشرقية بمليارات الدولارات.
وتعد أوروبا ملاذا آمنا للمهاجرين والهاربين من القمع والفقر والحروب، حيث يتوافد اللاجئون، في معظمهم، من أفريقيا وآسيا ودول البلقان وأوروبا الشرقية، وقد أدى وصول نحو 80 ألف مهاجر من شمال أفريقيا إلى إيطاليا عام 2011 إلى مطالبة رئيس المفوضية الأوروبية وكالة “فرونتيكس” بالعمل على مكافحة الهجرة “غير الشرعية”.
إضافة إلى ذلك، أرسلت الوكالة خبراءها الأمنيين إلى كل من مصر وليبيا وتونس والمغرب ومالي لتدريب الشرطة في هذه الدول “على منع الهجرة غير الشرعية” إلى أوروبا، لكن في 16 تشرين الأول 2013 صادق البرلمان الأوروبي على قرار يلزم وكالة “فرونتيكس” بإنقاذ قوارب اللاجئين وعدم إعادتها إلى المياه المفتوحة في البحر المتوسط.
إن إرساء معادلة الأمن والاستقرار على ضفاف حوض المتوسط ينطلق من مفهوم الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وارتباطه بأمن بروكسل، إضافة إلى الأدوار المتبادلة بين سوريا، باعتبارها الموقع الجيوسياسي الأبرز، وبين الاتحاد الأوروبي في ما يخص قضايا الإرهاب والهجرة والمخدرات وأمن سلاسل الإمداد ودعم الأمن والاستقرار.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أكد أن أمن أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط “يمثل توازنا جيوسياسيا لا يقبل التجزئة”، مشددا على أن الشراكة الأوروبية العربية المتوسطية أصبحت “المسار الحتمي” لضمان استقرار الطاقة وأمن الإمدادات.
وقال الرئيس الشرع، خلال مشاركته في قمة قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا يوم الجمعة الفائت، إن أوروبا تحتاج إلى سوريا “بقدر ما تحتاج سوريا إلى أوروبا”.
مفهوم الأمن الإقليمي ونظرية “الأمننة”
يعد مفهوم الأمن الإقليمي أحد المفاهيم المحورية والمعقدة في دراسات العلاقات الدولية والأمن، وهو يتجاوز حدود الأمن الوطني للدولة الواحدة ليرتبط بأمن مجموعة من الدول المتجاورة أو المترابطة جغرافيا وثقافيا أو اقتصاديا.
ويمكن تعريفه بأنه تكافل مجموعة من الدول داخل إقليم جغرافي محدد، تجمع بينها مصالح وأهداف مشتركة، وتنشأ بينها تحالفات أو أطر للتعاون الاقتصادي والعسكري والأمني بهدف ضمان واستقرار أمنها الجماعي والمتبادل، حيث يصعب فصل أمن أي دولة داخل هذا الإقليم عن أمن الدول الأخرى.
ولا بد من الإشارة إلى مفهوم مستحدث يسمى “مركب الأمن الإقليمي”، الذي قدمه المؤرخ وعالم السياسة والأمن باري بوزان، ويشير فيه إلى أن المركب الأمني هو مجموعة من الدول ترتبط هواجسها واهتماماتها الأمنية الأساسية ببعضها بعضا ارتباطا وثيقا.
ونشر مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية دراسة صادرة عن معهد “بروكنجز” حملت عنوان “مستقبل النظام أو اللانظام في منطقة المتوسط”، وجاء فيها: “لقد أصبحت منطقة المتوسط مساحة متنازعا عليها بشدة ومكتظة للغاية، تعكس هوية جيوسياسية غنية ومتعددة الأبعاد، فهو ليس مجرد بحر متوسط واحد، بل هو متوسط يحمل في طياته ملامح الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، لذا يرتبط أمنه ارتباطا وثيقا بأمن هذه المناطق”.
وأشارت الدراسة إلى أن “هذه الهويات الجيوسياسية المتعددة وتداخلها مع قضايا الأمن الإقليمي تجعل منطقة البحر المتوسط نقطة استقطاب استراتيجية لكثير من القوى العالمية، ما يعكس تعقيداته وتحدياته المتزايدة على الساحة الدولية”.
وبينت الدراسة أن قطع منفذ إيران إلى شرق المتوسط نتيجة سقوط نظام الأسد في سوريا وتدهور وضع “حزب الله” في لبنان يشكل تطورا أساسيا آخر ستترتب عليه تداعيات على ديناميات الأمن الإقليمي في شرق المتوسط.
ويعتمد الاتحاد الأوروبي على نظرية “الأمننة”، التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي على يد أولي ويفر، أحد أبرز الباحثين في مدرسة كوبنهاغن لأبحاث الأمن والسلام، بوصفها مصطلحا متداولا في العلاقات الدولية، ويعني قيام الفاعلين في الدولة أو الكيان بعملية تحويل الموضوعات إلى مسائل أمنية. وبمعنى آخر، فهي نسخة معقدة من التسييس تسمح باستخدام تدابير استثنائية باسم الأمن.
وقد ارتكزت المقاربات الكلاسيكية للأمن على المعطيات المادية للتهديد، بما فيها توزيع القوة والقدرة العسكرية والقطبية، بينما تدرس “الأمننة” كيفية تحول بعض القضايا من شأن عادي إلى مشكلة أمنية، ثم اتخاذ هذا التحول ذريعة لاستخدام التدابير الاستثنائية لحلها. فالأمننة هي عملية موجهة لمفهوم الأمن، وتقف على النقيض من المقاربات المادية للدراسات الأمنية.
وترتبط نظرية “الأمننة” بالمدرسة الواقعية، وخصوصا التي صاغها الألماني كارل شميت في كتابه “مفهوم السياسي”، حيث يتناول الأمن على أنه قضية “وجود”، فتكون فكرة الأمننة هي رصد هذه الأخطار التي يكون مصدرها أعداء، بحيث تصبح هذه “الأخطار” قائمة على أساس الحالة القصوى أو حالة الاستثناء، وتصبح السياسة هي تلك الممارسة لإجراءات الطوارئ والإجراءات التي يتم اتخاذها بشكل استثنائي.
وقد اتفق منظرو “الأمننة” بشأن مجالات اهتمام النظرية، وحددوها في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والبيئية. ورغم وجود تباينات بشأن ما تتضمنه سياسات نظرية “الأمننة”، فإن هناك قاسما مشتركا في هذه السياسات يتمثل في وجود قضية تمثل تهديدا، يتم صياغتها من قبل الفاعل حتى يتم تصوير هذا التهديد على أنه خطر وجودي أو قضية محورية للأمن.
وفي هذا السياق يقول الباحث في الشؤون السياسية والإعلامية منذر الأسعد، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إنه يمكن النظر إلى الأمن القومي لمنطقة الشرق الأوسط في سياق البحر الأبيض المتوسط باعتباره محورا استراتيجيا يربط بين المنطقة العربية والإسلامية وأوروبا الغربية. وهذا البحر شبه المغلق، الذي كان يعرف عند العرب باسم “بحر الروم”، شكل عبر العصور حلقة وصل تاريخية وجغرافية بين حضارات متعددة، حيث سيطرت عليه في العصور القديمة الإمبراطورية الرومانية، ثم أصبح جزءا من العالم الإسلامي.
ويتابع بالقول: “إن كريستوف بيكار، وهو أستاذ في جامعة باريس الأولى بانتيون – سوربون، وصف البحر المتوسط بـ”بحر الخلفاء” خلال العصور الوسطى، واستمر ذلك حتى معركة ذات الصواري ومعركة العقاب، وبعد ذلك شهد البحر تحولات جديدة ليعود جزءا من النفوذ الأوروبي، ثم الألماني، نتيجة التقلبات السياسية في أوروبا بعد القرن الثامن عشر، ويعد البحر الأبيض المتوسط مهدا للعديد من الحضارات القديمة، ونقطة التقاء للتاريخ والجغرافيا والثقافة”.
الأمن بين الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي
في 16 تشرين الأول 2025 كشفت المفوضية الأوروبية عن الميثاق الجديد من أجل البحر الأبيض المتوسط، الذي يهدف إلى بناء مساحة متوسطية مشتركة مع الجوار الجنوبي بهدف التكامل التدريجي.
وجاء الميثاق بعد مرور ثلاثين عاما على انطلاق مسار برشلونة عام 1995، الذي وضع الأسس لولادة الاتحاد من أجل المتوسط عام 2008، بوصفه منظمة حكومية دولية تعزز التعاون والحوار في المنطقة الأورومتوسطية عبر مبادرات تعالج الأهداف الاستراتيجية الثلاثة المتمثلة في الاستقرار الإقليمي، والتنمية البشرية، والتكامل الاقتصادي الإقليمي. كما جاء الميثاق في وقت يعيش فيه الحوض المتوسطي أزمات وحروبا وقلاقل داخلية في فلسطين و”إسرائيل” ولبنان وسوريا وليبيا.
ويقول الدكتور المغربي يوسف عنتار، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي في جامعة محمد الأول، في دراسته التي حملت عنوان “عوامل تكريس المعضلة الأمنية في حوض المتوسط” ونشرها مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية، إن الرؤية الأمنية الأوروبية تقوم على نظريتين. الأولى نظرية أمنية محضة تتصور المتوسط جيوسياسيا على أساس أنه فضاء للصدام الحضاري بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية، وتعتبره حدا بين عالمين متصارعين: الأول في الشمال، وتشكله مجموعة من الشعوب الغنية التي لها نظام قيم ديمقراطي ليبرالي، وهي في طريقها إلى تجسيد بناء اقتصادي وسياسي موحد.
وتشير الدراسة إلى أن العالم الآخر، بحسب النظرية، يوجد في الجنوب، حيث تكونه مجموعة من الشعوب الفقيرة ذات النمو الديمغرافي الكبير، وتخضع لبنيات تقليدية، وتعتمل في داخله تمزقات داخلية، وتوترات اجتماعية، ونزاعات حادة.
أما النظرية الثانية فتقوم على نظرية الجوار، التي تعتبر المتوسط مجالا للتعاون يستلزم إقامة علاقات متميزة في إطار سياسة واسعة للجوار تتضمن جميع المناطق المحاذية للاتحاد من المغرب إلى روسيا.
وفي هذا السياق يقول الباحث الأسعد: “إن المنطقة شهدت تحولات كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وهذه المتغيرات جعلت قضايا الأمن هاجسا مشتركا يشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس مجرد الأمن العسكري أو التقني”.
ويضيف بالقول: “إنه قد حاول الاتحاد الأوروبي تعزيز علاقاته مع دول جنوب المتوسط، في إطار نهجه لتأمين الاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على دوره الاستراتيجي ورسالته المركزية، وفي المقابل كثير من الحكومات العربية تتبنى سياسات تحفظ النفوذ المركزي، أحيانا على حساب إتاحة مجال أكبر للشعوب في عملية صنع القرار، بذريعة حماية الخصوصية أو الاستقرار الداخلي”.
وهنا يشير الفيلسوف والمفكر الفرنسي إدغار موران إلى نقطة جوهرية مفادها أنه، على الرغم من التحولات البنيوية في المتوسط، التي أفرزت نمطا جديدا من التصورات والإدراكات حول “الأمن” و”التهديد”، فقد ظل المتوسط يمثل “الخط الزلزالي” الذي يمتد من القوقاز ويمر عبر المتوسط، حيث تتركز في ثناياه، وبطريقة مكثفة، كل الصدامات التي تتعارض في الكون: شرق وغرب، شمال وجنوب، إسلام ومسيحية، علمانية وتدين، أصولية وحداثة، غنى وفقر.
وتقول الدراسات المتخصصة إن الاتحاد الأوروبي تبنى مفهوما للأمن يمزج بين “الأمن اللين”، الذي يشمل التهديدات غير المباشرة التي تضمنتها وثيقة “الاستراتيجية الأوروبية للأمن” التي تبناها المجلس الأوروبي عام 2003، وبين الأمن الصلب الذي يشمل التدخل العسكري السريع في منطقة المتوسط.
كما وضع استراتيجية أمنية متعددة العناصر تشمل جميع مجالات العمل الخارجي، ومناورات دبلوماسية، ومساعدات اقتصادية، وإن اقتضى الحال القيام بأعمال عسكرية، حيث أدرج الاتحاد الأوروبي مجموعة من المبادرات والحوارات الأمنية المتعددة والثنائية الأطراف بينه وبين جيرانه المتوسطيين، وأهمها الشراكة الأورو متوسطية “مسار برشلونة”، وسياسة الجوار الأوروبية، والاتحاد من أجل المتوسط، والمبادرة الفرنسية الخاصة بالمتوسط الغربي.
سوريا والاتحاد الأوروبي نحو التعاون المثمر
منذ تأسيسه عام 1992، عمل الاتحاد الأوروبي على تغليب الاهتمام بالجوانب الاقتصادية على حساب الجوانب العسكرية والأمنية، فاستطاع أن يكون قطبا عالميا اقتصاديا، لكنه في الوقت نفسه فشل في بناء قوة عسكرية مشتركة مستقلة عن هيمنة القوى الكبرى، وقادرة على حماية حوض البحر المتوسط وجعله منطقة أكثر أمنا واستقرارا، باعتباره المجال الحيوي والأمني له.
وعمل الاتحاد الأوروبي على شراكات ثنائية مع دول حوض المتوسط في الضفتين الشرقية والجنوبية، واليوم يطمح إلى بناء شراكة مماثلة مع سوريا بعد التحول السياسي الكبير فيها عقب سقوط النظام المخلوع، وهو ما أكده رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا خلال قمة نيقوسيا، حين اعتبر أن الترابط وثيق بين أمن أوروبا وأمن الشرق الأوسط.
وأوضح كوستا أن الاتحاد الأوروبي “يقف في تضامن كامل” مع دول المنطقة، داعيا إلى خفض التصعيد واستئناف المفاوضات وفقا للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي.
والجهود الأوروبية لإعادة بناء العلاقة مع سوريا، وما تمثله من موقع جيوسياسي مركزي في إقليم حوض المتوسط، لم تتوقف، وخاصة في المسارات الفنية والتنفيذية، حيث بحثت وزارة الداخلية السورية وبعثة الاتحاد الأوروبي في سوريا، في 21 نيسان الجاري، مسارات دعم إصلاح القطاع الأمني، مع التركيز على تطوير منظومة الأمن المدني، ورفع كفاءة برامج التدريب الشرطية، وتعزيز قدرات إدارة وحماية الحدود.
وذكرت الداخلية في بيان لها أن المباحثات تهدف إلى مواكبة متطلبات المرحلة الانتقالية، وترسيخ الاستقرار وسيادة القانون وفق أفضل الممارسات الدولية. كما تناول اللقاء، بحسب الوزارة، سبل تعزيز التعاون الثنائي وتطوير آليات التنسيق المشترك في القضايا الأمنية ذات الأولوية، في إطار مقاربة الحكومة السورية الهادفة إلى تعزيز الشراكات الدولية.
وفي هذا السياق يشير الباحث الأسعد، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن العلاقة بين سوريا والاتحاد الأوروبي تتجاوز مجرد التبادل التقليدي للأدوار أو المصالح المباشرة، لتتمحور حول التعاون المثمر الذي يخدم مصالح الطرفين في قضايا استراتيجية كبرى تشمل قضايا الهجرة، والإرهاب، والمخدرات، وأمن سلاسل الإمداد، إضافة إلى ملف الطاقة الذي أصبح محوريا بعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وتهديد مضيق هرمز، ما يؤثر على ثلث التجارة العالمية ويؤدي إلى تقلب أسعار النفط والغاز.
ويضيف أن “سوريا في هذا السياق تأتي لاعبا مهما يمكنه الإسهام بشكل ملموس في تعزيز الأمن الإقليمي وضمان مصالح مشتركة بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي، غير أن عدم الاستقرار الداخلي، والتدخلات الخارجية، واستخدام “حزب البعث” لمؤسسات الدولة لأغراض سياسية داخلية، كان لها أثر سلبي على القدرة السورية على لعب هذا الدور، ما أدى إلى تعطيل الإمكانات الاقتصادية والأمنية التي يمكن أن توفرها البلاد”.
ويتابع بالقول: “إنه في ظل الوضع الراهن، يظهر اهتمام واضح من الاتحاد الأوروبي ببحث سبل إعادة العلاقات الاقتصادية مع سوريا بعيدا عن الابتزاز السياسي، مع التركيز على جعل سوريا معبرا آمنا لسلاسل الإمداد بين العراق والخليج من جهة، وأوروبا من جهة أخرى، وهذا يعكس إدراكا أوروبيا بأن الاستقرار السوري ليس خيارا ثانويا، بل عنصرا محوريا في أمن الطاقة والأمن الإقليمي بشكل عام”.
وكانت وكالة “رويترز” قد ذكرت، في 17 نيسان الجاري، أن الاتحاد الأوروبي يعتزم تعزيز علاقاته مع سوريا، من خلال استئناف الاتصالات السياسية الرسمية، وتمهيد الطريق لعلاقات اقتصادية وأمنية، وذلك وفقا لوثيقة اطلعت عليها الوكالة.
وتشير الوثيقة، التي أعدها الجهاز الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي، ووزعت على الدول الأعضاء خلال الأسبوع، إلى أن الاتحاد سيستأنف بالكامل اتفاقية التعاون الموقعة عام 1978 مع سوريا، وسيبدأ حوارا سياسيا رفيع المستوى مع السلطات الانتقالية السورية في 11 أيار المقبل.
الثورة السورية
———————————-
في أيار المقبل.. أكبر قمة سورية – أوروبية لتثبيت الشراكة السياسية والاقتصادية/ مها سلطان
أبريل 26, 2026
بعد أسبوعين من الآن، ينعقد حوار سياسي سوري أوروبي رفيع المستوى، يفترض أن مقدماته اكتملت مع انعقاد اجتماع نيقوسيا يوم الجمعة الماضي، الذي شارك فيه الرئيس أحمد الشرع إلى جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد الأردني الأمير حسين عبد الله، مع 27 من رؤساء دول وحكومات الدول الأوروبية.
ورغم أن الإعلان عن الحوار المرتقب في 11 أيار المقبل في بروكسل كان سابقا على انعقاد اجتماع نيقوسيا، فإن الإعلان عنه خلال الاجتماع أكسبه أهمية مضاعفة، كون الإعلان جاء ضمن حدث إقليمي دولي بارز. فاجتماع نيقوسيا لم يكن اجتماعا إقليميا فقط، بل اتخذ صفة دولية أيضا نظرا إلى موقع الاتحاد الأوروبي وامتداده الواسع جغرافيا على الخريطة العالمية، وأيضا لأن الاتحاد الأوروبي أحد المتضررين الرئيسيين من التصعيد العسكري القائم في المنطقة.
ولأن أغلب التوقعات تتركز على أنه تصعيد سيطول على قاعدة “لا سلم – لا حرب”، بما يبقي الكارثة الاقتصادية قائمة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، فإن أوروبا تجد نفسها مجبرة أكثر فأكثر على البحث عن مخارج. وفي عملية البحث هذه، لا بد من التوجه نحو ما توفره المنطقة نفسها من خيارات بديلة، خصوصا على طرف البحر المتوسط المقابل، الأقرب بين أوروبا ومنطقة التصعيد، أي إيران وهرمز والخليج، وكذلك سوريا ولبنان والأردن ومصر.
لكن سوريا تبقى نقطة التركيز الأكبر والأهم، حيث تشكل الجغرافيا هنا معادلة تكاد تتساوى فيها الأطراف على طاولة المصالح والمخاطر التي ستجمعها مع أوروبا في 11 أيار المقبل. صحيح أن الدول الثلاث الأخرى، لبنان والأردن ومصر، ضمن المعادلة، ولذلك كانت حاضرة في اجتماع نيقوسيا، إلا أن لسوريا خصوصيتها التي تلزم الاتحاد الأوروبي بتغيير كامل السياسات إذا ما أراد الحديث بلغة المصالح، التي لا يمكن أن تتحقق وتتعزز إلا بدعم أوروبي حازم لاستقرار سوريا، كما أكد الرئيس الشرع خلال الاجتماع، مشددا على أن “أمن أوروبا من أمننا”. لذلك، إذا ما أرادت الدول الأوروبية أن تكون سوريا ضمن المعادلة المستقبلية الأهم للأمن الأوروبي السياسي والاقتصادي، فإن عليها أن تتحدث بلغة مختلفة قائمة على توسيع الرؤية نحو سوريا كشريك في أمن الطاقة واستدامة الإمدادات العالمية.
إطلاق مبادرات استثمارية
نعيد التذكير بتصريحات رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وإشادتهما بخطوات سوريا لإعادة البناء وتحقيق الاستقرار، ثم تحديد موعد 11 أيار لحوار رفيع المستوى.
ففي تصريحات للصحفيين على هامش اجتماع نيقوسيا، قال كوستا، متوجها إلى الرئيس الشرع، إن الاتحاد الأوروبي يقر بالخطوات المهمة التي اتخذتموها لإعادة بناء سوريا، ونحن ندعم جهودكم لتكون سوريا آمنة وجامعة.
بدورها، أكدت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو تعزيز شراكاته الإقليمية عبر إطلاق مبادرات استثمارية واستراتيجية جديدة تشمل سوريا والأردن ودول الخليج، مشيرة إلى وجود حزمة استثمارية كبيرة بين الاتحاد الأوروبي وعدد من دول المنطقة.
وأوضحت فون دير لاين أن التطورات الأخيرة في المنطقة أبرزت مدى ترابط الأمن العالمي، لافتة إلى أن أي تهديد في ممرات الملاحة، مثل مضيق هرمز، قد ينعكس تأثيره حتى على منشآت صناعية داخل أوروبا. ودعت إلى الانتقال من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى بناء تعاون طويل الأمد يشمل حماية الممرات المائية وتعزيز أمنها، إلى جانب مواجهة التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.
وأشادت فون دير لاين بالجهود المبذولة لإعادة إحياء الاقتصاد السوري وتعزيز المصالحة المجتمعية. وكشفت عن زيارة سابقة إلى دمشق في كانون الثاني الماضي، لافتة إلى أن الاتحاد الأوروبي اقترح مؤخرا إعادة تفعيل التعاون مع سوريا تمهيدا لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية. وقالت فون دير لاين إن بروكسل ستستضيف خلال أسبوعين أول حوار سياسي رفيع المستوى بين سوريا والاتحاد الأوروبي، في خطوة تهدف إلى تمهيد الطريق أمام “مستقبل الشراكة التجارية” مع سوريا وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.
تغير قواعد اللعبة الجيوسياسية
يرى المراقبون أن هذه التصريحات تعني شيئا واحدا، وهو أن الأوروبيين باتوا على قناعة بأن الانتظار والتردد ومراقبة كيف تتغير قواعد اللعبة الجيوسياسية في المنطقة باتت في أعلى درجة من المخاطر عليهم، ولا بد من التحرك استراتيجيا على مستوى الدول “الشريكة” في المنطقة، التي تكاد تكون في الكفة نفسها، وإن بدرجات متفاوتة.
ويضع المراقبون اجتماع نيقوسيا ضمن هذا الإطار، من حيث إنه يعكس إدراكا متزايدا لدى الاتحاد الأوروبي بأهمية الانفتاح على الشرق الأوسط، خاصة مع تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية وتشابك ملفات الأمن والطاقة والهجرة.
وهناك عامل آخر لا يقل خطورة، وهو تراجع فعالية المؤسسات الدولية، مما يجعل التحركات الإقليمية والتفاهمات الثنائية والمتعددة أكثر أهمية في المرحلة المقبلة.
وبالتوازي، تعني هذه التصريحات أيضا أن الاتحاد الأوروبي سيتحرك في الأيام المقبلة بصورة مختلفة على مستوى “مستقبل الشراكة التجارية” مع سوريا.
وحصلت صحيفة “الثورة السورية” من مصادر خاصة على معلومات تفيد بأن الاتحاد الأوروبي يعمل على تعزيز هذه الشراكة على ثلاثة مستويات: الأول على مستوى العقوبات، والثاني على مستوى السيولة، أي الأموال المجمدة، التي تعد ركيزة أساسية في عملية الإعمار والنهوض الاقتصادي، أما المستوى الثالث فيتعلق بالعمل على تعزيز موقع سوريا كعقدة ربط حيوية، برية وبحرية وجوية.
ويمكن إضافة مستوى رابع، هو توقيع اتفاق شراكة يشكل إطارا قانونيا ينظم العلاقات ويحدد مجالات التعاون بشكل أوضح، بما يسمح بتعزيز الثقة المتبادلة وتوسيع نطاق التنسيق.
من هندسة العزل إلى براغماتية ما بعد العقوبات
في مقاربة أوسع وأدق تحليلا للحوار السوري الأوروبي المرتقب، يرى الكاتب والباحث السياسي الدكتور ماهر التمران أنه لا يمكن مقاربة هذا الحوار بوصفه حدثا دبلوماسيا تقليديا، بل ينبغي قراءته بوصفه إحدى اللحظات المفصلية في مسار التحول من مرحلة “هندسة العزل” إلى مرحلة “إعادة إنتاج العلاقة”. فالعلاقة التي حكمها طوال أكثر من عقد نظام عقوبات صارم وسياسات إقصاء سياسي تدخل اليوم طورا جديدا، أقرب إلى براغماتية الانخراط منه إلى مثالية الاشتراط.
ويضيف التمران في حديث لـ”الثورة السورية”: هذا الحوار لا يعكس فقط تغيرا في السلوك الأوروبي، بل يكشف عن تحول أعمق في بنية التفكير السياسي الدولي تجاه سوريا، حيث لم يعد الهدف إعادة تشكيلها من الخارج، بل التعامل معها كفاعل قائم ضمن توازنات جديدة.
ويتابع: إن البيئة التي أنتجت سياسات العزل لم تعد قائمة. فخلال العامين الأخيرين، شهدت سوريا والمنطقة تحولات بنيوية أعادت صياغة قواعد الاشتباك السياسي.
داخليا، أفرزت المرحلة الانتقالية واقعا سياسيا جديدا تجاوز الصيغ التقليدية للصراع، وفرض نفسه كمعطى لا يمكن القفز فوقه. وهذا التحول قلص من فعالية أدوات الضغط القديمة، وأعاد تعريف حدود التأثير الخارجي.
أما أوروبيا، فقد تآكلت مقاربة “الاشتراط قبل الانخراط” تحت ضغط الوقائع. فالأزمة الأوكرانية، وارتداداتها على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة ترتيب أولوياته، بحيث أصبح الاستقرار الإقليمي جزءا من أمنه الداخلي.
كما أن الانفتاح العربي على دمشق أعاد إدماج سوريا في محيطها الطبيعي، ما أنهى فعليا حالة العزل الإقليمي، ووضع أوروبا أمام معادلة جديدة: الانخراط أو التهميش.
ويشكل التحول في بنية العقوبات النقطة الأكثر حساسية في هذا السياق، وفق التمران، فخلافا للسنوات السابقة، لم تعد العقوبات الإطار الحاكم للعلاقة، بل أصبحت جزءا من عملية إعادة تشكيلها.
ويضيف: على المستوى الأميركي، أدى إلغاء قانون قيصر إلى تفكيك العمود الفقري لمنظومة العقوبات، وهو ما فتح الباب قانونيا أمام إعادة الانخراط الاقتصادي، ولو بشكل تدريجي. أما أوروبيا، فقد شهدت منظومة العقوبات تفكيكا واسعا، تمثل في رفع معظم القيود وإعادة تفعيل قنوات التعاون.
غير أن الدلالة الأعمق، كما يرى الباحث التمران، لا تكمن في “الرفع” بحد ذاته، بل في التحول الوظيفي للعقوبات، فبدلا من أن تكون أداة عزل شامل، أصبحت أداة تنظيم للعلاقة، تستخدم لتحديد إيقاع الانخراط لا لمنعه.
وبذلك، يمكن القول إننا أمام انتقال من “اقتصاد العقوبات” إلى “سياسة ما بعد العقوبات”، حيث يعاد إدماج سوريا ضمن النظام الاقتصادي الدولي وفق شروط تفاوضية، لا إملائية.
تحول بنية الحوار
في ظل هذا التحول، يكتسب الحوار السوري الأوروبي طابعا مختلفا. فهو لم يعد حوارا لإدارة أزمة، كما يؤكد التمران، بل منصة لإعادة تعريف العلاقة، لافتا إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى بناء مقاربة مركبة: الانخراط دون التفريط بأدوات التأثير، والتعاون دون الانتقال الفوري إلى شراكة كاملة. ولذلك، يتجه نحو نموذج “التدرج الوظيفي”، حيث يتم فتح ملفات محددة، كالطاقة والبنية التحتية والتعاون الأمني، ضمن أطر مدروسة.
في المقابل، تتحرك دمشق من موقع أكثر ثقة، ساعية إلى تحويل الانفتاح إلى رافعة استراتيجية تعيد من خلالها تموضعها في الاقتصاد الإقليمي والدولي. وهي تدرك أن هذا الحوار يمثل فرصة لتثبيت نفسها كشريك لا يمكن تجاوزه، خاصة في ظل موقعها الجيوسياسي الحساس.
أما النتائج المتوقعة للحوار السوري الأوروبي، فلا ينبغي النظر إلى هذا الحوار بوصفه منصة لحل شامل، بل كآلية لإعادة إنتاج العلاقة بين الطرفين. ويرى التمران أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في إرساء قنوات تواصل مؤسسية دائمة، وإطلاق مشاريع تعاون ذات طابع استراتيجي، خاصة في مجالات الطاقة والنقل، وتدفق استثمارات أوروبية تدريجية ضمن بيئة قانونية جديدة، وبناء إطار شراكة مشروط يتطور بمرور الوقت.
ويرى التمران أن هذا المسار سيظل محكوما بمنطق التدرج، حيث تدار العلاقة وفق مبدأ الخطوة مقابل الخطوة، لا القفزات المفاجئة.
المحددات الإقليمية
يؤكد التمران أن مسار الحوار المرتقب يتحدد بدرجة كبيرة من خلال التفاعلات الإقليمية والدولية. فعلى المستوى الدولي، يتيح الهامش الأميركي، بعد تفكيك نظام العقوبات، مجالا أوسع للتحرك الأوروبي. كما أن إعادة توزيع النفوذ داخل سوريا تفتح المجال أمام مقاربات أكثر تعددية.
وعلى المستوى الإقليمي، تلعب عدة عوامل دورا حاسما، مثل مسار العلاقات مع تركيا، وإعادة إدماج سوريا عربيا، وموقعها في معادلات الطاقة الإقليمية.
ويضيف التمران: هذه العوامل تجعل من الحوار جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط، لا مجرد مسار ثنائي منفصل، مؤكدا أن الدلالة الاستراتيجية الأهم للحوار المرتقب هي عودة السياسة، بمعناها البراغماتي، إلى إدارة الملف السوري. فبعد سنوات من المقاربات الأخلاقية والأيديولوجية، تعود المصالح لتكون المحدد الرئيسي للسلوك الدولي.
أوروبا تعيد تعريف دورها، وسوريا تعيد تقديم نفسها كفاعل مركزي، وبينهما تتشكل مساحة جديدة قائمة على التفاوض، لا الإملاء.
وبالمحصلة، يرى التمران أن الحوار السوري الأوروبي ليس مجرد استئناف للتواصل، بل إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة وبداية أخرى: مرحلة كان عنوانها العزل والعقوبات، وأخرى تتشكل ملامحها حول الانخراط وإعادة التموضع. وبين هاتين المرحلتين، تتبلور حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: لم تعد سوريا ملفا يدار من الخارج، بل ساحة يعاد الدخول إليها بشروط جديدة.
توحيد المواقف
بالتوازي، هناك جانب مهم يركز عليه المراقبون في الحديث عن أهمية اجتماع نيقوسيا، وهو عملية توحيد المواقف، حيث لا يخفى أن الدول الأوروبية ليست على موقف واحد في العديد من القضايا، ومنها التعاطي مع المنطقة في ظل التصعيد القائم، الذي تفضل أوروبا أن تبقى بعيدة عن ميادينه العسكرية. أما اقتصاديا، فهي لا تستطيع أن تكون بعيدة مهما بلغت حالة النكران في التعاطي مع التداعيات، وبالتالي لا يمكنها تأجيل عملية التحرك لاحتواء المخاطر.
ومن هنا يسعى الأوروبيون إلى “حوار مكثف” مع دول المنطقة، ومع سوريا تحديدا، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية “أ ف ب”، التي تشير إلى أن الضغوط الاقتصادية على التكتل الأوروبي تتسع وتتعمق جراء إغلاق مضيق هرمز، إذ يعتمد الأوروبيون على المنطقة في نحو 43% من احتياجاتهم من وقود الطائرات. وكانت شركة لوفتهانزا، على سبيل المثال، قد أعلنت عن إلغاء 20 ألف رحلة بين شهري أيار وتشرين الأول المقبلين، مما يهدد الموسم السياحي الذي يمثل شريانا اقتصاديا للقارة. لذلك، اعتبر كثير من المراقبين أن اجتماع نيقوسيا هو اجتماع لإنقاذ صيف أوروبا من حصار هرمز.
وتشير الوكالة الفرنسية إلى تصاعد الهجمات على السفن التجارية في المنطقة، ما دفع بأسعار النفط إلى ما فوق حاجز 100 دولار للبرميل، علما أن هذا الرقم هو المعلن رسميا، فيما تدفع التعاملات السوقية به إلى حدود 150 دولارا للبرميل. هذا عدا عن أن ثلث الأسمدة النيتروجينية عالميا يأتي من منطقة الخليج، مما ينذر بانخفاض الإنتاج الغذائي بنسبة تصل إلى 15% في العام المقبل.
لذلك، كان من ضمن أهم أهداف اجتماع نيقوسيا توحيد المواقف. أما السؤال حول ما إذا كان الاجتماع قد نجح في تحقيق ذلك، فهذا جوابه في الأيام المقبلة، بدءا من الحوار السوري الأوروبي المرتقب.
وكان الرئيس الشرع قد أكد، في كلمة أمام اجتماع نيقوسيا وفي تصريحات صحفية موازية، أن أمن القارة الأوروبية واستقرار المنطقة يمثلان توازنا جيوسياسيا لا يقبل التجزئة. وحذر من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على أمن الطاقة والتجارة العالمية، معتبرا أن إغلاق المضيق يشكل خطرا كبيرا يضعنا أمام استحقاق تاريخي يفرض ابتكار استراتيجية من قلب منطقتنا.
وأشار الرئيس الشرع إلى أن الشراكة الأوروبية المتوسطية تمثل مسارا لضمان أمن إمدادات الطاقة واستدامتها، مضيفا أن الشراكة الأوروبية العربية المتوسطية غدت المسار الحتمي والملاذ الآمن لاستدامة تدفقات الطاقة وضمان أمن الإمدادات العالمية.
وبين أن أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر حاجة سوريا إلى أوروبا ضمن شراكة متوسطية، وأن سوريا شريك استراتيجي يسهم في بناء مستقبل القارة الأوروبية وضمان استقرار المنطقة.
ولذلك، دعا الرئيس الشرع الاتحاد الأوروبي إلى تحمل مسؤولياته في ما يتعلق بأمن سوريا واستقرارها، وهو ما يقتضي منه موقفا حازما يلزم “إسرائيل” بوقف اعتداءاتها فورا، مشيرا إلى أن سوريا، التي كانت ساحة لصراعات الآخرين، تختار اليوم، بإرادة شعبها ومؤسساتها، أن تكون جسرا للأمان وركيزة أساسية للحل، قائلا: “الجغرافيا قدرنا والشراكة قرارنا، ومن هذا المنطلق نضع بتصرف شركائنا في المتوسط والخليج العربي مبادرة البحار الأربعة وممراتها التسعة”، مضيفا أن المبادرة ستمثل فيها سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية.
ولا شك أن الأسبوعين المقبلين سيكونان على أعلى مستوى من الترقب حيال ما إذا كان هذا الحوار سيقود إلى إعلان شراكة استراتيجية من جولته الأولى، أو على الأقل إعلان خطوط عريضة لهذه الشراكة بما يسمح بقراءة ما سيكون عليه مستقبل العلاقات، خصوصا أن هذا الحوار بمبادرة من الاتحاد الأوروبي، ما يعني أنه يرغب في تجديد قنوات التواصل مع سوريا على مستوى عال وتعميم ذلك على دول المنطقة الأخرى. وهنا نشير إلى تصريحات فون دير لاين التي أكدت أن الحوار مع سوريا جزء من إقليمية أوسع، لافتة إلى أن المفوضية الأوروبية تأمل أن يخرج الحوار السوري الأوروبي بـ”نتائج إيجابية تخدم مصالح الطرفين وتوفر أساسا قويا لبناء علاقات طويلة الأمد”.
الثورة السورية
——————————–
سوريا والخطوات الناقصة تجاه أوروبا/ مالك ونوس
الخميس 2026/04/23
ظهرت في الأيام الأخيرة آمال باحتمال انكسار جمود الحالة السورية، مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن محادثات مع الحكومة السورية، تعكس اهتمام أوروبا الدائم بسوريا. وكان الأوروبيون من أوائل المبادرين لزيارة سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتولي أحمد الشرع، منصب القائد العام للإدارة السورية الجديدة، من خلال زيارة وزيري خارجية فرنسا وألمانيا، في 3 كانون الثاني/يناير 2025. يومها كانت الزيارة لافتة، كونها جمعت وزيري خارجية البلدين معاً، وأيضاً لأنها جاءت بتفويض من الاتحاد الأوروبي. لكن ما كان لافتاً أكثر، هو تركيز الوزيرين على وقوف بلديهما “إلى جانب السوريين بكل أطيافهم”. وهو كلام لا يقال جذافاً، بل جرى اختياره بدقة، من أجل دفع السلطة نحو إشراك جميع فئات الشعب في الحكم، ما يساهم في قبولها لدى الأوروبيين، المتخوفين من أي إقصاء أو انتقام قد يؤدي إلى قلاقل أو حرب أهلية، تُغيِّب سوريا عن العالم لسنوات أخرى، وتقلق أوروبا.
ومن المفيد أن نتذكر ما بدر من الأوروبيين يومها، لمعرفة عودة اهتمامهم هذه الأيام، ففي بيان أصدرته وزيرة الخارجية الألمانية لدى وصولها إلى دمشق، قالت عن الزيارة: “إنها إشارة واضحة على أن بداية سياسية جديدة بين أوروبا وسوريا، وبين ألمانيا وسوريا، أمر ممكن”. أما وزير الخارجية الفرنسية فقال إنه بسقوط النظام بزغَ أملٌ جديد من أجل سوريا ذات سيادة، مستقرة وهادئة، لكنه أضاف متوجساً، أنه “أمل حقيقي، لكنه هش”. وبهذا يُحمِّل الوزيران، ومن خلفهما الاتحاد الأوروبي، السلطة السورية مسؤولية تكريس البداية الجديدة والأمل الجديد، من أجل علاقات جيدة ومثمرة بين الطرفين. غير أن تركة الأسد الثقيلة، وحجم المهمات على عاتق هذه السلطة، وبطء حل الفصائل ودمجها بالجيش، وبطء عملية الانتقال السياسي التي كان مناطاً بالسلطة الشروع فيها للتحول نحو إعادة البناء، علاوة على المجازر بحق الأقليات، واستمرار غياب الاستقرار مع الفلتان الأمني نتيجة تفلت السلاح، إضافة إلى الاقصاء السياسي والإداري، قلّل من الاندفاعة الأوروبية.
أما هذه الأيام فتلوح في الأفق آمال وفرصة جديدة أمام سوريا، مع نية الاتحاد الأوروبي إعادة التباحث مع الحكومة السورية، من أجل تقوية العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع دول الاتحاد، وصولاً إلى الاتفاق على تنفيذ خطط من أجل تعزيز الشراكة الاقتصادية. ولهذا الغرض أعلنت المفوضية الأوروبية قبل أيام، عن مقترح لاستئناف العمل باتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا التي عُلِّقت سنة 2011، مع اندلاع الثورة في البلاد، وإعلان بشار الأسد حربه على الشعب. وإذ يعد هذا المقترح خطوة متقدمة باتجاه الانفتاح على سوريا، فإن اعتماده قبل انعقاد الحوار السياسي بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، في 11 أيار/مايو المقبل، سيرسِّخ هذه الخطوة، وسيضع خطط العمل من أجل إتمامها، فهل سوريا جاهزة لهذا المستجد الإيجابي؟
في مقابل الحماس والخطوات الأوروبية، من أجل تحسين العلاقات ونقلها إلى عتبة جديدة، تساعد سوريا على التعافي، كانت الخطوات السورية ناقصة في هذا المسار، بل وفي حالات كثيرة كانت كفيلة بضربه وإعادة سوريا إلى الحصار والعقوبات، وربما قطع ما تبقى من علاقات لم تقطع بعد سنة 2011. ويندرج في هذا الأمر، الانتهاكات والمجازر بحق الأقليات التي كان الأوروبيون حريصين في وجوب الوصول إلى ضمانات من أجل حمايتهم. كما يندرج في هذا الأمر، التأخر في تشكيل مجلس الشعب، وكذلك إقرار دستور جديد. كذلك استمرار المشكلات ذاتها من غياب الاستقرار الأمني، وعدم المضي في التسوية السياسية، وإقرار قوانين دائمة تعزز بيئة الاستثمار، وتجذب المستثمرين العرب والأجانب، علاوة على انتهاج نهج اقتصادي واضح يطمن أصحاب رؤوس الأموال على مستقبل استثماراتهم. إضافة إلى مكافحة الفساد وإجراء إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية، وتحسين مستوى العيشة، وإقرار تشريعات عصرية وضمان الحريات والحقوق، لكي تتماشى من المعايير الأوروبية، واللازمة جميعها من أجل تسريع إقرار الشراكة.
جاءت الوقائع التي استجدت بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، وضرب بعض مصادر الطاقة في دول الخليج العربي وإيران، ففرضت على أوروبا البحث عن طرق أخرى إضافية لطرق نقل النفط المعتادة. كما فرضت عليها البحث عن مصادر أخرى لهذا الخام الضروري لحياتها، تعزز احتياطاتها، وتسد الفجوة فيما إذا تأخرت الامدادات من دول الخليج وغيرها. كما أن هذه الحرب عززت القلق الأوروبي الدائم، من أن تتسبب الاضطرابات في محيطها، بتفجر الأوضاع في الدول العربية، ومنها سوريا، بسبب تداعياتها على المنطقة برمتها. وهو تفجر يزيد مخاوف أوروبا من أن يؤدي إلى حدوث موجاتِ هجرةٍ تُغرق القارة الأوروبية، وتزداد معه مخاطر نمو شبكات الإرهاب عابرة الحدود، مع ما يشكله ذلك من خطر في تهريب الأسلحة والمخدرات.
لذلك، يُعَدّ استقرار سوريا، أحد أهم الأولويات بالنسبة إلى أوروبا، بسبب الأدوار التي تتوقعها دولها من العلاقة معها، إضافة إلى ضرورته للسلطة السورية، والتي من المتوقع منها الإسراع بتحقيقه للحفاظ على المسار التي تريد أوروبا إيجاده مع هذه السلطة، وإنجاح المفاوضات والوصول إلى نتائج مرضية للطرفين. فالتوصل إلى شراكة مع الاتحاد الأوروبي، كفيل بأن يكون عاملاً على درجة كبيرة من التحفيز للسلطة السورية، من أجل المضي بالإصلاحات التي تتطلبها هذه الشراكة، ويتطلبها الواقع السوري. وهي فرصة لهذه السلطة، لكي تقطع مع الخطوات الناقصة التي اتصفت بالنأي، خلال ما يقارب سنة ونصف من عمرها، في وقت كانت أوروبا تدنو فيه بقوة وهي تتطلع إلى السوق السورية، الواعدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاتصالات والخدمات وغيرها.
المدن
———————————–
رؤية بريطانيا الجديدة.. استقرار سوريا أولوية استراتيجية/ عاصم الزعبي وراغب العطية
أبريل 23, 2026
شهد الموقف البريطاني تجاه الملف السوري، بعد سقوط النظام السابق، تحولا لافتا، حيث أصبحت المملكة المتحدة تعتبر الاستقرار في سوريا أولوية استراتيجية لتعزيز الأمن الإقليمي والأمن الدولي، وذلك في إطار سعي لندن إلى دعم دمشق بعد 14 عاما من الحرب التي دمرت كل شيء في البلاد.
ومنذ مطلع عام 2025، انتقلت العلاقة بين سوريا وبريطانيا من القطيعة والمواجهة إلى التطبيع ودعم الاستقرار، حيث توجهت لندن نحو إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، معلنة دعمها للانتقال السياسي، وتأكيدها أهمية العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعم جهود الحكومة في بناء مؤسسات الدولة بما يحقق تمثيلا لجميع السوريين.
وتعد تصريحات وزير شؤون الشرق الأوسط في الحكومة البريطانية، هيمش فولكنر، خلال مشاركته في جلسة حوارية بشأن سوريا ضمن منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، الأحد الماضي، عندما قال: “إن الاستقرار في سوريا ضروري لأمن المنطقة والأمن العالمي على حد سواء”، و”إن المملكة المتحدة ستواصل دعم تعافي سوريا”، أحدث المواقف البريطانية المعلنة تجاه سوريا.
سوريا بدورها دخلت مرحلة جديدة من تاريخها في الثامن من كانون الأول عام 2024 بعد سقوط نظام الأسد، إثر ثورة استمرت 14 عاما، شن خلالها النظام المخلوع حربا على السوريين، قتل فيها مئات الآلاف، واعتقل عشرات الآلاف، وهجر ملايين السوريين بين لجوء خارجي ونزوح داخلي.
وكانت حرية التعبير والرأي من أهم الأهداف التي دعت إليها الثورة السورية، إضافة إلى أهداف لا تقل أهمية عنها، ومنها رفع الظلم الذي كان يمارس على السوريين مدة 54 عاما، والتخلص من تغول أجهزة الأمن وتدخلها في أدق تفاصيل حياة المواطنين السوريين.
وأعلنت المرحلة الجديدة، بقيادة الحكومة الحالية وعلى رأسها الرئيس أحمد الشرع، منذ البداية، أهمية حرية الرأي والتعبير للسوريين، ونص الإعلان الدستوري الذي صدر في عام 2025 على “مجموعة كبيرة من الحقوق والحريات، منها حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة”.
توسع كبير في حرية التعبير
أصدرت وزارة الداخلية البريطانية، في الرابع عشر من الشهر الجاري، مذكرة قطرية تشمل تقييما للمرحلة التي تلت سقوط نظام الأسد، وترتبط بحرية الرأي والتعبير، كما تعد أساسا لقبول طلبات اللجوء في بريطانيا.
وأوضحت الوثيقة أن هناك توسعا كبيرا وملحوظا في هامش حرية التعبير بعد التغيير السياسي في سوريا، وأن الناس يتكلمون وينتقدون ويختبرون حدودا لم تكن موجودة سابقا.
وتناولت المذكرة الإعلان الدستوري السوري لعام 2025، الذي تضمن حريات أساسية، لكنه أتاح في الوقت نفسه فرض قيود غامضة استنادا إلى “الأمن القومي” أو “الأخلاق”.
وبينت المذكرة أنه توجد حالات اعتقال نادرة لصحفيين أو ناشطين، وتوجد حالات احتجاز مؤقت بعد انتقادات، لكن هذه الحالات انتقائية وغير ممنهجة، ولا تعكس سياسة قمعية.
والمذكرة الصادرة عن الداخلية البريطانية لا تعكس رأي الحكومة البريطانية فقط، إنما هي قراءة قانونية بدأت بالتشكل حول سوريا الجديدة، التي تسير نحو الانفتاح والحريات بشكل لم تعهده سوريا خلال حكم البعث ونظام الأسد.
وفي سياق تقييم حرية التعبير في سوريا، يرى المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، أنه يمكن القول، من منظور قانوني وحقوقي، إن البلاد دخلت في مرحلة انتقالية تتسم بتوسع ملموس في الحيز العام، وهو ما يتوافق مع ما أشارت إليه الوثيقة البريطانية من وجود هامش أوسع للنقد والتعبير مقارنة بالماضي. وهذا التحول يعكس ما يعرف في الفقه الدستوري بمرحلة “الانفراج الأولي”، حيث تنتقل الدولة من نمط القمع المنهجي إلى وضع يسمح بتعدد الآراء واختبار حدود السلطة. ويتقاطع ذلك مع ما يقرره العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل حرية الرأي بشكل مطلق وحرية التعبير بشكل واسع.
وأضاف الكيلاني أنه إذا كانت حالات الاعتقال أو الاحتجاز التي تطال صحفيين أو ناشطين نادرة وغير منهجية، كما ورد، فإن هذا يشير قانونيا إلى غياب سياسة دولة قائمة على القمع، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن وجود اختلالات مؤسسية طبيعية في المراحل الانتقالية، تتطلب المعالجة حتى لا تتحول إلى نمط مستقر مستقبلا. وفي هذا السياق، يكتسب الإعلان الدستوري المؤقت أهمية مركزية باعتباره أداة لتكريس الضمانات الأساسية للحريات، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير، بما ينسجم مع أهداف الثورة السورية التي قامت على الحرية والكرامة وإنهاء القيود التي فرضت لعقود طويلة.
حرية التعبير.. لا إطلاق ولا تقييد
وفي سوريا، منحت الحكومة السورية منذ البداية التراخيص للعديد من المؤسسات المدنية والحقوقية السورية التي تمارس عملها على الأراضي السورية بكل حرية، إلا أن عمل هذه المؤسسات “المقونن” أصلا يختلف عن حرية التعبير العامة لدى السكان، فإطلاق حريات التعبير دون ضوابط يمثل تجاوزا للقوانين.
وأكد الكيلاني، في هذا السياق، أن الحالة القانونية المستقرة دوليا هي أن حرية التعبير لا يمكن أن تكون مطلقة. فالقانون الدولي، وبخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يقر بإمكانية فرض قيود محددة على حرية التعبير، بشرط أن تكون هذه القيود منصوصا عليها في القانون، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع هدف مشروع، مثل حماية الأمن العام أو حقوق الآخرين. وفي سياق دولة خارجة من نزاع، فإن غياب أي ضوابط قد يفتح الباب أمام خطاب الكراهية أو التحريض أو نشر معلومات مضللة تهدد السلم الأهلي، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض أسس الاستقرار بدل ترسيخ الحرية. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء القيود كليا، بل في ضبطها ضمن إطار قانوني دقيق يمنع التعسف ويضمن، في الوقت نفسه، حماية المجتمع. وبعبارة أخرى، فإن الحرية في هذا السياق يجب أن تكون واسعة ومحمية، لكنها أيضا مسؤولة ومؤطرة بقواعد قانونية واضحة تمنع إساءة استخدامها.
إعادة العلاقات
وضمن توجهها نحو إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية، وبحث رفع العقوبات عن سوريا، أرسلت لندن، بعد أيام من سقوط النظام السابق، وفدا رسميا رفيع المستوى إلى دمشق للقاء السلطات السورية الجديدة.
والتقى السيد الرئيس أحمد الشرع، في 17 كانون الأول 2024، مع مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية البريطانية، ستيفن هيكي، والمبعوثة البريطانية إلى سوريا، آن سنو، وهو أرفع وفد غربي يزور سوريا ويستقبله الشرع منذ سقوط الأسد.
وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت، في 5 تموز 2025، أن المملكة المتحدة أعادت رسميا علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة السورية في أعقاب زيارة وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، إلى دمشق، بعد ثمانية أشهر على انهيار نظام بشار الأسد المخلوع.
وأجرى لامي أول زيارة لوزير بريطاني إلى سوريا منذ 14 عاما، مؤكدا أن المملكة المتحدة “ستدعم الحكومة السورية للوفاء بالتزاماتها ببناء مستقبل أكثر أمانا وازدهارا للسوريين، وتعزيز الأمن في المنطقة الأوسع والمملكة المتحدة”.
واستقبل الرئيس الشرع لامي في دمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، وجرى خلال اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيز التعاون، إضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية.
وأكد بيان الحكومة البريطانية، الذي نشره مركز الإعلام والتواصل الإقليمي التابع لوزارة الخارجية، أن “استقرار سوريا يصب في مصلحة المملكة المتحدة، وأن لندن تريد ضمان ديمومة هزيمة “داعش” على الأرض، وألا يتمكن التنظيم من النهوض مجددا، كما تريد منع استغلال السوريين المحتاجين من قبل عصابات التهريب في أنحاء أوروبا”.
وفي سياق دعمها للتحول الكبير في سوريا، قامت بريطانيا، منذ الربع الأول من عام 2025، برفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سوريا، لتسهيل الاستثمار وإعادة دمج سوريا في المنظومة الاقتصادية الدولية.
وقام الرئيس الشرع، في 13 آذار الماضي، يرافقه وفد وزاري رفيع المستوى، بزيارة رسمية إلى المملكة المتحدة، هي الأولى له إلى هذا البلد منذ توليه السلطة، وذلك ضمن المحطة الثانية والأخيرة من جولة أوروبية استهلها بزيارة ألمانيا.
وبحث الشرع، في لقاءاته مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وكبار المسؤولين البريطانيين، سبل تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، والمستجدات الإقليمية والدولية.
وأعلنت الحكومة البريطانية، في 6 آذار 2025، رفع عقوبات كانت مفروضة خلال حكم النظام المخلوع على 24 كيانا في سوريا، من بينها المصرف المركزي.
وأوضحت وزارة الخزانة البريطانية، في بيان بشأن تحديث قائمة العقوبات، أن “24 كيانا تم رفعها من القائمة ولم تعد عرضة لتجميد الأصول”، وشمل هذا الرفع مؤسسات عاملة في قطاعات الطاقة والنقل والمال، منها الخطوط الجوية السورية، والمؤسسة العامة للنفط، والمصرف الزراعي التعاوني، والمصرف التجاري السوري.
وفي ملف محاربة الإرهاب والتعاون الأمني، ترى بريطانيا أن تحقيق الاستقرار طويل الأمد في سوريا يعد أمرا جوهريا لضمان الهزيمة النهائية لتنظيم “داعش” ومنع عودته إلى الظهور، ومنع حدوث فراغ أمني قد تستغله المجموعات المتطرفة، داعية “إسرائيل” إلى احترام وحدة الأراضي السورية وإلى حل مخاوفها الأمنية عن طريق الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، دعا وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هيمش فولكنر، في 5 نيسان 2025، “إسرائيل” إلى احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، مؤكدا أن استقرار سوريا يصب في مصلحة المنطقة برمتها.
وأعرب فولكنر، بحسب وكالة الأناضول التركية، عن قلقه إزاء الغارات الجوية التي نفذتها “إسرائيل” على عدة مواقع داخل سوريا، بما في ذلك العاصمة دمشق، وأسفرت عن سقوط مدنيين سوريين، وقال: “إن استمرار الهجمات “الإسرائيلية” يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل سوريا”، مشددا على ضرورة اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الأمنية.
وقال الكاتب السياسي محمد ياسين نجار إن قدرة السلطة الجديدة في دمشق على احتواء التعقيدات المحلية في مناطق الساحل والسويداء والجزيرة السورية، وكذلك عقلانيتها في التعامل مع “إسرائيل” وعدم انجرارها إلى المناوشات، شكلت مؤشرا قويا على نضج الدولة ورغبتها بالتعافي والنهوض الاقتصادي، وهذا ما لمسته لندن خلال زيارة الرئيس الشرع الأخيرة، لافتا إلى أن الانسحاب الأميركي الأخير جاء دليلا على “ثقة دولية” في قدرة المؤسسات العسكرية والأمنية السورية على ملء الفراغ وإدارته، مما يسهم في إنهاء ملف “داعش” وتجفيف منابع التطرف عبر تفعيل سلطة القانون.
استثمار في الأمن القومي البريطاني
وأضاف نجار، في حديث مع صحيفة “الثورة السورية”: “باعتبار بريطانيا دولة بحرية تاريخيا، فإن استراتيجيتها للأمن القومي ترتبط ارتباطا وثيقا بسلامة الممرات المائية، ومع تصاعد التوتر في مضيق هرمز ومنطقة الخليج، التي تأثرت بها المصالح البريطانية سلبا بشكل مباشر، تبرز الشواطئ السورية بوصفها ذات أهمية استراتيجية مضاعفة، حيث ترى لندن في استقرار الساحل السوري نافذة أمان حيوية مستقبلا على المتوسط، تضمن تدفق التجارة بعيدا عن نقاط الاختناق في الخليج”، مشيرا إلى دعم بريطانيا لرؤية ربط المتوسط بقزوين والأسود والخليج، في إطار مشروع “البحار الأربعة”، حيث تشكل الموانئ السورية في هذا المشروع العقدة المركزية لهذا الربط، مما يعزز من مرونة سلاسل الإمداد البريطانية والأوروبية.
وفي ملف الهجرة واللاجئين، ترى لندن أن تحقيق الاستقرار يسهم مباشرة في خفض معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ويشجع على عودة اللاجئين السوريين.
وحول هذا الموضوع، أشار الكاتب السياسي إلى أن الحكومة البريطانية تنظر إلى دعم الإعمار والتحول السياسي بوصفه استثمارا في الأمن القومي عبر مسارين: الأول كبح الهجرة غير الشرعية، من خلال تحويل سوريا إلى بيئة مستقرة اقتصاديا وأمنيا بما يقلص دوافع الهجرة نحو أوروبا، والثاني تركيز لندن على “العدالة الانتقالية” بوصفها ضمانة قانونية تشجع اللاجئين السوريين على العودة الطوعية، مما ينهي واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
ويرى المراقبون أن هذا التحول في الموقف البريطاني يأتي إدراكا من المملكة المتحدة بأن استعادة الدولة السورية لسيادتها ومؤسساتها هي الضمانة الوحيدة للأمن الإقليمي والدولي، مشيرين إلى أن التوجه البريطاني الحالي يعكس واقعية سياسية جديدة، فالمملكة المتحدة تراهن اليوم على أن سوريا القوية والمستقرة هي شريك مهم في محاربة الإرهاب العالمي من جهة، ومن جهة أخرى هي طرف فاعل في ضمان أمن الممرات البحرية وحماية الاستقرار الدولي.
وبموازاة ذلك، يعتزم الاتحاد الأوروبي توطيد علاقاته مع سوريا، من خلال إعادة الاتصالات السياسية الرسمية وتمهيد الطريق لعلاقات اقتصادية وأمنية أقوى.
وأكدت وثيقة أوروبية مرجعية، اطلعت عليها “رويترز” الجمعة الماضي 17 نيسان، أن “التكتل سيستأنف العمل بالكامل باتفاقية تعاون موقعة في 1978 مع سوريا، وسيبدأ في حوار سياسي رفيع المستوى، وهو تعبير يستخدمه الاتحاد للإشارة إلى محادثات رسمية ومنظمة، مع السلطات السورية في 11 أيار القادم”.
وتحدد الوثيقة، التي أعدتها الإدارة الدبلوماسية للتكتل وأرسلت إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل أيام، خططا لتعزيز الشراكة الاقتصادية، بما في ذلك إطار عمل للتجارة والاستثمار، وتحفيز تمويل القطاع الخاص، ودعم الإصلاحات لتحسين بيئة الأعمال في سوريا من خلال مركز جديد للمساعدة التقنية، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي سيعمل مع دمشق على تسهيل “العودة الآمنة والطوعية والكريمة” للاجئين والنازحين.
وتستضيف أوروبا أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء سوري، نصفهم تقريبا في ألمانيا، وتصدر ملف عودتهم جدول أعمال معظم المناقشات بين العواصم الأوروبية ودمشق منذ الإطاحة بالأسد.
وتسلط الوثيقة الضوء على طموحات تهدف إلى دمج سوريا في مشاريع الربط الإقليمي، بما في ذلك الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، مما يجعل البلاد مركزا للنقل والطاقة والروابط الرقمية.
الثورة السورية
—————————-
لماذا أرادت أوروبا سوريا على طاولة قبرص؟/ لارا منيف
2026-04-28
لم تعد دعوة دمشق إلى الاجتماع غير الرسمي لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص مجرد تفصيل بروتوكولي. ففي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، من تداعيات الحرب على إيران إلى الطاقة والهجرة، تبدو سوريا بالنسبة إلى الأوروبيين أكثر من دولة خرجت تدريجيًا من العزلة. هي اليوم، في نظرهم، عقدة عبور، وملف لاجئين، ونقطة ارتكاز في شرق متوسط يتغيّر بسرعة.
الاجتماع الذي عقد الأسبوع الماضي في قبرص لا ينعقد من أجل سوريا تحديدًا، لكن توقيته وحده يكفي ليجعل حضورها ذا دلالة. يشرح مصدر أوروبي لـ”أساس” أنّ كل ملف مطروح على الطاولة الأوروبية يمر، بطريقة أو بأخرى، عبر دمشق، أو يصطدم بها، أو يحتاج إلى التفاهم معها.
في الأساس، الرسالة الأوروبية واضحة: لا يمكن إبقاء سوريا خارج الحسابات بعد الآن. وثيقة كشفتها “رويترز” تُظهر أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى استعادة العلاقات السياسية الرسمية مع دمشق، وفتح حوار رفيع المستوى مع السلطات الانتقالية، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والأمني. هذا لا يعني أن أوروبا قلبت الصفحة بالكامل، لكنه يعني بوضوح أنها بدأت تتعامل مع سوريا كواقع سياسي لا كحالة معلّقة.
عودة اللاجئين؟
يفصّل المصدر الملفات المطروحة على الطاولة بالشكل الآتي:
– الملف الأول هو الهجرة. هنا تحديدًا تكمن إحدى أهم دوافع الانفتاح الأوروبي. فالعواصم الأوروبية تعرف أن أي حديث جدي عن عودة اللاجئين لا يمكن أن يبقى معلقًا في الهواء، ولا يمكن أن يتم من دون الدولة السورية. لذلك، لا تبدو إعادة التواصل مع دمشق خيارًا دبلوماسيًا فحسب، بل محاولة لبناء أرضية عملية للتعامل مع ملف العودة، بكل ما يرتبط به من استقرار وخدمات وبنية تحتية وإعادة إعمار.
في الجوهر، لا يتعلق ما يجري بدعوة بروتوكولية إلى غداء عمل مع “شركاء إقليميين” المسألة أعمق من ذلك
لا يبدو هذا الملف منفصلًا عن الضغوط التي تعيشها دول المتوسط نفسها. فقد تصدّر السوريون قائمة المهاجرين الذين أعادتهم قبرص خلال عام 2025، ضمن سياسة هجرة متشددة أسفرت عن إعادة 12,029 شخصًا، في أعلى رقم تسجله الجزيرة على الإطلاق. وهذا الرقم لا يمر كتفصيل إداري، بل يكشف حجم الضغط الذي يدفع الأوروبيين إلى النظر إلى سوريا ليس فقط كملف سياسي أو أمني، بل أيضًا كبوابة أساسية في أي مقاربة جدية لأزمة اللجوء والعودة.
سوريا
الأوروبيون يكررون تعبير “العودة الآمنة والطوعية والكريمة”، لكنهم يدركون جيدًا أن هذا الشعار يبقى بلا معنى إذا لم تتوافر ظروف تسمح للناس بالعودة فعلًا. من هنا، تصبح سوريا بالنسبة إلى أوروبا جزءًا من الحل، لا مجرد عنوان للأزمة. لا أحد في بروكسل يريد أن يقول ذلك بهذه الصراحة، لكن المعنى واضح: لا يمكن إدارة ملف اللجوء من دون دمشق.
ممر آمن للطاقة؟
– أما الملف الثاني، فهو الطاقة والعبور، وربما يكون الأكثر جذبًا في الحسابات الأوروبية الجديدة. الحرب الأخيرة، وما رافقها من توتر في مضيق هرمز، أعادت طرح سؤال الممرات البديلة، وأعادت معه سوريا إلى الواجهة. فالموقع السوري لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الأمن والحدود، بل أيضًا من زاوية الربط بين الخليج وشرق المتوسط وتركيا.
أحمد الشرع نفسه تحدّث عن سوريا بوصفها “ممرًا آمنًا” يمكن أن يشكل بديلًا لخطوط الطاقة وسلاسل الإمداد، ولا سيما في الربط بين الخليج وتركيا عبر سوريا والأردن. وفي موازاة ذلك، برزت خطوة عملية لافتة مع تحميل أول شحنة من النفط العراقي في بانياس بعد نقلها برًا عبر الأراضي السورية. قد لا يكون هذا التحول مكتملًا بعد، لكنه يكفي ليؤكد أن الحديث عن وظيفة عبور سورية لم يعد مجرد فكرة نظرية.
تبدو سوريا بالنسبة إلى الأوروبيين أكثر من دولة خرجت تدريجيًا من العزلة
بالنسبة إلى أوروبا، لا يعني هذا أن سوريا ستتحول بين ليلة وضحاها إلى بديل شامل عن المسارات البحرية المهددة، لكن المعنى الأوضح هو أن دمشق دخلت فعليًا في النقاش الأوروبي المتعلق بأمن الطاقة. وهذا بحد ذاته تحول مهم.
– إلى جانب الهجرة والطاقة، هناك بُعد ثالث لا يقل أهمية، هو البعد الجيوسياسي. فاجتماع قبرص لا يناقش فقط تداعيات الحرب على إيران، بل يناقش أيضًا موقع أوروبا نفسه في شرق المتوسط والشرق الأوسط، وكيف تتصرف في منطقة تهتز تحالفاتها القديمة وتتبدل فيها موازين النفوذ.
اختبار لمرحلة جديدة
من هذه الزاوية، تبدو دعوة دمشق جزءًا من محاولة أوروبية لفهم شكل الإقليم المقبل: من يمسك بالممرات؟ من يستطيع التأثير في ملفات النزوح والأمن والحدود؟ ومن يمكن أن يتحول إلى شريك أو وسيط أو نقطة توازن؟ سوريا اليوم تحاول أن تقدم نفسها كإحدى الإجابات الممكنة عن هذه الأسئلة، والأوروبيون، على ما يبدو، باتوا مستعدين على الأقل للاستماع.
لكن من المهم أيضًا عدم المبالغة، كما يقول مصدر “أساس”. فدعوة أحمد الشرع لا تعني أن أوروبا حسمت موقفها بالكامل، ولا تعني أن كل العواصم الأوروبية تنظر إلى دمشق بالعين نفسها. كما أن تحويل سوريا إلى ممر إقليمي واسع للطاقة والنقل ما زال يصطدم بعقبات كثيرة: سياسية وأمنية ومالية، فضلًا عن تعقيدات التفاهمات الدولية الأوسع.
الرسالة الأوروبية واضحة: لا يمكن إبقاء سوريا خارج الحسابات بعد الآن
مع ذلك، يبقى الثابت أن سوريا عادت إلى الطاولة. لا كعبء أمني فقط، ولا كملف نزاع مؤجل، بل كعنصر يرتبط مباشرة بحسابات الطاقة والهجرة وإعادة توزيع النفوذ في المنطقة. وهذا، بحد ذاته، كافٍ لفهم أهمية حضورها في قبرص.
في الجوهر، لا يتعلق ما يجري بدعوة بروتوكولية إلى غداء عمل مع “شركاء إقليميين”. المسألة أعمق من ذلك. نحن أمام بداية اختبار أوروبي لمرحلة جديدة، تعترف فيها أوروبا، ولو بحذر، بأن التعامل مع أزمات الشرق الأوسط لم يعد ممكنًا من دون دمشق. وسوريا، التي كانت لسنوات ساحة مفتوحة للصراعات، تحاول اليوم أن تطرح نفسها كعقدة مصلحة، لا مجرد ساحة اشتباك.
أساس ميديا
————————————
الخارجية السورية والاتحاد الأوروبي يبحثان مسارات التعاون الإنمائي
مباحثات سورية – أوروبية حول التعاون الثنائي
2026-04-28
بحثت إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية السورية اليوم الثلاثاء، مع بعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق، ممثلةً بالقائم بأعمال البعثة ميخائيل أونماخت، مسارات التعاون الإنمائي للفترة 2026–2027.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن المباحثات جاءت خلال ورشة عمل مشتركة شهدت مشاركة واسعة من ممثلي الوزارات والجهات المحلية.
وتركزت المناقشات على توجهات التعاون الإنمائي للفترة المذكورة، ولا سيما في ما يتعلق بمواءمة الدعم الأوروبي مع “بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي”.
وذكرت وكالة “سانا”، أن الجانبين بحثا الإطار الوطني المرجعي لتنظيم وتوجيه الموارد نحو الأولويات ذات الأثر الاستراتيجي، بما يسهم في تحقيق فاعلية أكبر في تنفيذ البرامج التنموية.
وقبل أسبوع، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن الاتحاد قرر خلال اجتماع عُقد في بروكسل إعادة تفعيل برنامج التعاون مع سوريا، بعد توقفه منذ عام 2011.
وخلال مؤتمر صحفي أعقب الاجتماع، أكدت كالاس أن وزراء خارجية دول الاتحاد جددوا تأكيدهم على دعم المرحلة الانتقالية في سوريا.
كما أوضحت أن المفوضية الأوروبية طرحت مقترحاً لإحياء اتفاقية الشراكة مع سوريا الموقعة عام 1978، مشيرة إلى أن بحث تقديم دعم إضافي سيتم خلال الشهر المقبل، مع التأكيد على أن سوريا لا تزال بعيدة عن تداعيات الحرب الإقليمية رغم استمرار التحديات الأمنية.
وتُعد هذه الاتفاقية الإطار الناظم للعلاقات بين الطرفين، حيث أسهمت سابقاً في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز التبادل التجاري، كما تضمنت بنوداً لإلغاء الرسوم الجمركية على معظم السلع الصناعية السورية المصدّرة إلى الاتحاد، ومنع فرض قيود كمية متبادلة.
———————————-
============================
اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية 1978.. كيف بدأ التعاون المشترك بين الجانبين؟/ باسل المحمد
2026.04.22
يعود ملف التعاون السوري–الأوروبي إلى الواجهة من جديد، بعد إعلان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن قرار التكتل الأوروبي استئناف برنامج التعاون مع سوريا، الذي كان معلّقاً منذ عام 2011، إلى جانب مقترح إعادة تفعيل اتفاقية الشراكة السورية–الأوروبية الموقعة عام 1978، والتي شكّلت على مدى عقود الإطار الناظم للعلاقات بين الجانبين.
وتعدّ هذه الاتفاقية واحدة من أقدم الأطر المؤسسية التي أرست قواعد التعاون الاقتصادي والتجاري بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وأسهمت في دعم مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التبادل التجاري في مراحل مختلفة من العلاقة بين الطرفين، قبل أن تتوقف عملياً مع اندلاع الأزمة السورية.
يستعرض هذا التقرير جذور اتفاقية الشراكة وتطورها التاريخي، والظروف التي أحاطت بتجميدها، إضافة إلى دلالات الحديث الأوروبي الجديد عن إعادة تفعيلها في السياق السياسي والاقتصادي الراهن.
ويعتمد هذا التقرير على بيانات ومعلومات مستمدة من الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي، إلى جانب عدد من المواقع والتقارير الاقتصادية المتخصصة، بهدف تقديم قراءة دقيقة لمسار التعاون بين الجانبين منذ انطلاقه حتى المرحلة الحالية.
تاريخ الاتفاقية
سعت سوريا والاتحاد الأوروبي إلى بناء شراكة اقتصادية منذ سبعينيات القرن الماضي. فتزامناً مع سياسة أوروبا المتوسطية (عملية برشلونة)، وُقّعت اتفاقية التعاون الاقتصادية بين سوريا والمجموعة الاقتصادية الأوروبية في 18 كانون الثاني 1977 (دخلت حيز التنفيذ في 1 تشرين الثاني 1978).
وقد مثّلت هذه الاتفاقية إطاراً قانونياً لتنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين، وهدفها العام تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.
وعلى الرغم من عدم التزام سوريا آنذاك بمستوى الحريات السياسية في البلاد، فإن الاتحاد الأوروبي حافظ على علاقات تجارية معها، من دون أن يربطها بالتزام بتحسين الحريات العامة. من أمثلة التعاون قبل 2011، انضمام سوريا عام 2008 إلى “الاتحاد من أجل المتوسط” وإطلاق حوار سياسي واقتصادي، وإعداد اتفاقية شراكة جديدة (اتفاقية تبادل حر ابتدعت عام 2009، لكن لم تُصدق عليها سوريا).
أبرز بنود الاتفاقية توسيع التجارة الحرة: إذ منحت المادة الثانية مزايا تفضيلية للمنتجات السورية (لا سيما الزراعية) عند دخول السوق الأوروبية، بما في ذلك إلغاء الرسوم الجمركية على معظم الصناعات السورية ومنع فرض القيود الكمية (حصص) على التجارة بين الجانبين.
كما هدفت إلى تخفيض تدريجي للمعوقات التجارية الأخرى. وفضلاً عن التجارة، تضمن الاتفاقية التعاون التقني والتنمية: فوضعت مواد مخصصة للتعاون في الزراعة والصناعة والبنية التحتية، ونصت على تقديم مساعدات مالية (قروض ومنح) لتطوير الاقتصاد السوري عبر مؤسسات أوروبية ومع البنك الأوروبي للاستثمار. كما أنشأت الاتفاقية آلية مؤسسية مشتركة (مجلس تعاون مشترك) لمتابعة التنفيذ وحل النزاعات.
على مدى ثلاثة عقود (حتى 2011)، نفذت سوريا مع الاتحاد الأوروبي العديد من البرامج التنموية والاستثمارية. وعزز فتح الأسواق الأوروبية (بإلغاء التعريفات الجمركية) صادرات سورية مهمة مثل النسيج والغذاء والمنتجات الزراعية.
كانت نتائج ذلك إيجابية، فبحلول عام 2010 بلغ إجمالي التجارة بين سوريا والاتحاد الأوروبي نحو 7.18 مليارات يورو (26.4% من تجارة سوريا العالمية)، مما جعل الاتحاد أكبر شريك تجاري لسوريا، وقد شملت مشاريع مشتركة دعماً تقنياً واستثمارياً (مثل تحديث البنى التحتية، وتنمية الصناعة الغذائية والزراعية)، وذلك بحسب الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي – قسم العلاقات التجارية مع سوريا.
أهمية الاتفاقية لسوريا
ترى مواقع اقتصادية سوريا أن اتفاقية التعاون 1978 كانت حجر الزاوية في العلاقات السورية–الأوروبية لعقود، لما تضمنته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً:
سياسياً: وفّرت قناة رسمية للتواصل مع سوريا، رغم الخلافات السياسية. استُخدمّت كقناة لتشجيع الحوار، وأُرفق معها في سنوات لاحقة برامج سياسية مدعومة من الاتحاد الأوروبي (كوثيقة الشراكة الوطنية 2007–2013) لإصلاحات سياسية واجتماعية. وبإبقاء الاتفاقية قاعدة قانونية للتعاون، أتاح الاتحاد الأوروبي للحكومة السورية ملاذاً دبلوماسياً في أيام العزلة الدولية.
اقتصادياً وتجارياً: فتحت الاتفاقية الأسواق الأوروبية أمام الصادرات السورية، فحظيت مُصنّعات سورية (غذائية ونسيجية وصناعات خفيفة) بإعفاءات جمركية كبيرة. بالمقابل، شجّعت الاتفاقية الاستثمارات الأوروبية في سوريا عبر ميزات قانونية وضمانات تشجيعية، ومعاهدات حماية الاستثمار التي أبرمت لاحقاً. كما عزّزت اتفاقية 1978 الدفع بإصلاحات بيروقراطية وإدارية ضرورية لجذب الاستثمار الأجنبي.
اجتماعياً: دعمها التنمية الاجتماعية من خلال مشاريع التعاون التقني والمالي، مثل برامج نقل التقانة وتدريب الكوادر في الزراعة والصناعة. فقد ساعدت الاتفاقية على تمويل مشروعات بنية تحتية (مثل مشروعات ري زراعي، وإنشاء وحدات صناعية صغيرة) عبر قروض ميسّرة ومنح، مما أسهم في خلق فرص عمل وتحسين سبل العيش في الريف السوري خاصة.
تنموي: قدّمت الاتفاقية إطاراً لتنسيق جهود التنمية، واستحدثت لجنة فنية مشتركة لتقييم التقدم وحل المشكلات العملية. هذا الإطار أسهم في انتقال مبادئ حديثة في الزراعة والصناعة إلى سوريا (مثلاً تحديث أساليب الري، أو تحسين معايير الجودة الإنتاجية)، وعزّز الحوار الفني مع خبراء أوروبيين.
فوائد سوريا عملياً قبل 2011
استفادت سوريا عملياً من الاتفاقية عبر زيادة الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي، وتنمية قطاعات اقتصادية محددة، فقبل اندلاع الثورة، كانت نسبة صادراتها إلى الاتحاد كبيرة، ولا سيما منتجات النسيج والغذاء والزراعة.
وقد وصل حجم التجارة الثنائية إلى ذروته في 2010 حيث تجاوز 7 مليارات يورو (بحسب إحصائيات رسمية)، وكان للاتحاد الأوروبي نحو 22.5% من تجارة سوريا الخارجية. وألغت الاتفاقية تعرفة جمركية على معظم الصادرات الصناعية السورية إلى الاتحاد، بينما سُمح لأسعار المنتجات المحلية بأن تنافس المنتجات الأجنبية بسهولة. وقد استفاد المنتجون السوريون (زراعيون وصناعيون) من هذه المزايا، ما عزز صادرات قطاعاتهم.
فيما يخص مشاريع التنمية، عمل الاتحاد الأوروبي عبر الاتفاقية ومؤسساته (مفوضية التنمية، البنك الأوروبي للاستثمار وغيرها) على تمويل مشروعات بنية تحتية وتنموية. على سبيل المثال، قدّمت دول وشركات أوروبية قروضاً تقنية لسوريا لتعزيز الطاقة والصرف الصحي والطرق الزراعية، وصنّعت شركات أوروبية تجهيزات حديثة دعمت الصناعات المحلية.
كما دعمت الاتفاقية إنشاء وحدات للتعاون الزراعي وتعليم المشروعات الصغيرة. كل هذه المبادرات الرسمية شجعت الاستثمارات الأوروبية الخاصة في سوريا، واستقطبت أموالاً إضافية من القطاعين العام والخاص في أوروبا للقطاعات السورية الواعدة، مثل البتروكيماويات والأغذية. وأُجري تنسيق منتظم حول إطلاق برامج تنموية في الإطار الأوروبي–السوري (السوسة، والخليج الصناعية، والزراعة المحسنة).
تفاصيل مقترح المفوضية الأوربية لاستئناف الاتفاقية
في سياق ما يسمى الإطار الجديد للتعاون، شرعت المفوضية الأوروبية في 2025 بإعادة رسم العلاقات مع سوريا، مشجعة دمشق على تحقيق انتقال سياسي شامل.
أعلن رئيس المفوضية مارس 2026 خطة جديدة تشمل دعم المصالحة والانتعاش الاقتصادي. وفي 20 نيسان 2026، اقترحت المفوضية رسمياً استئناف العمل الكامل باتفاقية التعاون لعام 1978.
نص وثيقة المفوضية يشير إلى أن الاتفاقية “تلغي الرسوم الجمركية على معظم المنتجات الصناعية السورية الواردة إلى الاتحاد، وتمنع فرض قيود كمية على التبادل”. كما ركزت على استئناف لجنة التعاون المشتركة وشبكات التنسيق الفنية.
وأوضح البيان أن استئناف الاتفاقية يأتي ضمن استعداد الاتحاد لبدء “حوار سياسي رفيع المستوى” مع الحكومة السورية (موعد أول اجتماع في 11 أيار 2026). في المقابل، ذكر مسؤولون أوروبيون أن النظام السوري المعاصر (ما بعد 2024) مطالب باحترام حقوق الإنسان، ودعم دمج مختلف المكونات السياسية (كالأكراد) ضمن الدولة، قبل تفعيل التسهيلات.
بالإضافة إلى مقترح الاتفاقية، تنطوي خطة الاتحاد على إجراءات اقتصادية موازية: وضع “إطار جديد للتجارة والاستثمار” يُشجّع القطاع الخاص الأوروبي على الاستثمار في سوريا، وتقديم حزمة مساعدات مالية مبدئية (أُعلن عنها تبرع بنحو 620 مليون يورو حتى 2027) دعماً لإعادة الإعمار والاقتصاد السوري.
وتشمل الخطة أيضاً دعم إصلاحات لتحسين بيئة الأعمال، وإنشاء مركز دعم فني للتعافي الاقتصادي. وعسكرياً وأمنياً، أبدى الاتحاد الأوروبي استعداداً للتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بل تقديم تدريبات لقوى الأمن السورية، بشرط الاتفاق على عملية سياسية انتقالية شاملة.
تلفزيون سوريا

——————————–
الرئيس الشرع وحضور بارز في قمة قبرص.. 27 زعيماُ أوروبياً عينهم على سوريا/ مها سلطان
أبريل 22, 2026
لم يكن مستغربا أن يعمد الاتحاد الأوروبي إلى تغيير كامل الترتيب المتعلق بالقمة التي يعقدها في قبرص يومي 23 و24 نيسان الجاري، سواء على مستوى الحضور أو على مستوى القضايا المطروحة على طاولة البحث.
مسألتان أساسيتان فرضتا تعديل الترتيب: الأولى متعلقة بالحرب على إيران، ومخاوف الأوروبيين من اتفاق أميركي – إيراني “دون ضمانات” يضاعف هشاشة الموقف الأوروبي في المنطقة. والمسألة الثانية متعلقة بسوريا تحديدا، التي تتجه نحو موقع إقليمي نافذ ضمن أهم مشاريع الطاقة اللوجستية على خريطة الممرات الاستراتيجية. وبما أن أوروبا معنية بإلحاح بهذه الخريطة التي تربطها بالخليج عبر تركيا وسوريا والأردن، فإن سوريا في المرحلة المقبلة هي الأهم بالنسبة إلى أوروبا، إلى جانب لبنان والأردن ومصر، المدعوة أيضا إلى هذه القمة مع سوريا.
ماذا في التفاصيل؟
في مؤتمر صحفي يوم الجمعة الماضي، أعلنت نائبة وزيرة الشؤون الأوروبية، ماريلينا راوونا، أنه تمت دعوة الرئيس أحمد الشرع لحضور القمة التي سيعقدها المجلس الأوروبي في قبرص، حيث وفق مصادر مطلعة لصحيفة “الثورة السورية”، أكدت حضور الرئيس الشرع للقمة، والمقررة يومي الخميس والجمعة المقبلين، إلى جانب دعوة الملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس اللبناني جوزيف عون، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وأهم ما تحدثت عنه المسؤولة الأوروبية هو التعديل الذي طرأ على مستوى الحضور، حيث كان من المفترض دعوة الدول العشر المشاركة في “مبادرة ميثاق المتوسط” لحضور قمة قبرص، وهي الجزائر ومصر و”إسرائيل” والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين وسوريا وتونس، إلا أن التطورات في المنطقة فرضت التوجه نحو “هذا الشكل المحدد من الضيوف”، وفق راوونا.
وردا على سؤال حول أسباب تعديل قائمة الحضور، قالت راوونا إن التطورات الجيوسياسية أخذت بالاعتبار، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سيشارك في القمة عبر تقنية الاتصال المرئي، من دون الحضور شخصيا.
وكان زيلينسكي قد زار سوريا في 5 نيسان الجاري، والتقى الرئيس الشرع، وتباحثا في تعزيز التعاون والتنسيق على عدة مستويات.
وشددت المسؤولة الأوروبية على أهمية الشرق الأوسط بوصفه “جوارا للاتحاد الأوروبي”، مشيرة إلى أن أمن المنطقة مرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الاتحاد الأوروبي نفسه.
وأكدت أن اختيار المدعوين تم بالتنسيق الوثيق مع مكتب رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، وقالت: “من المهم للاتحاد الأوروبي دعم خفض التصعيد في المنطقة، وإرسال رسالة تؤكد احترام السلامة الإقليمية والاستقلال والسيادة.”
ولم تكشف راوونا عن تفاصيل إضافية حول جدول أعمال القمة، الذي من المتوقع أن يركز على التعاون الإقليمي والعلاقات الخارجية في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة، والذي ينعكس بصورة مباشرة على دول الاتحاد الأوروبي.
ما لم تقله المسؤولة الأوروبية؟
هنا لا بد من التذكير بأن الاتحاد الأوروبي مهد لهذه القمة على المستوى السوري عبر العديد من الخطوات والمبادرات على المستوى السياسي، آخرها الوثيقة التي تم نشرها، والتي تتحدث عن تحول نوعي في مقاربة التكتل الأوروبي تجاه سوريا، على قاعدة إعادة الانخراط السياسي الكامل، وفتح مسارات تعاون اقتصادي وأمني، في خطوة تعكس حجم إعادة التموضع الأوروبي في ملف معقد تشابكت فيه الحرب والسياسة والهجرة والطاقة. وإلى جانب ذلك، جرى إطلاق حوار سياسي رفيع المستوى مع دمشق، مقرر في 11 أيار المقبل، بالتوازي مع إعادة صياغة منظومة العقوبات، بما يحافظ على التأثير الأوروبي في الساحة السورية.
وغني عن القول إن هذا التحول يأتي في سياق إقليمي متغير، تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء موقعها الإقليمي عبر شبكة من التفاهمات السياسية والأمنية والاقتصادية، في مشهد لا يزال مفتوحا على احتمالات إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى في المنطقة.
وما لم تقله المسؤولة الأوروبية هو أن التعويل الكبير يتركز على حضور الرئيس الشرع قمة قبرص، التي ستجمعه مع 27 زعيما أوروبيا. وبالنسبة إلى أوروبا، فإن سوريا هي الأهم في هذه المرحلة، رغم أن مصر ولبنان والأردن هي أيضا في دائرة الاهتمام، كونها في قلب التصعيد العسكري في المنطقة، وإن بدرجات متفاوتة، وتتقاطع معها في مصير متشابه فيما يتعلق بمآلات الحرب على إيران. لكن لسوريا وضع مختلف، كيف ولماذا؟
وأوروبا، حتى قبل اندلاع الحرب على إيران، بدت محكومة أكثر مما هي حاكمة في علاقتها مع دمشق، والحديث هنا عن الحاجة الملحة إلى أن تكون هذه العلاقة جيدة ومفيدة لأوروبا. وبالتالي، فإن أوروبا تظل محكومة بأنها هي من يجب أن يبادر ويطلب، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فإن القيادة السورية تعرف تماما كيف “تلعب السياسة”، إن جاز التعبير، وهي لا تفاوض من موقع ضعف، رغم كل ما يقال، اعتباطا، عن حساسية الملفات العالقة بينها وبين الدول الأوروبية. فقمة قبرص ليست الطاولة الأولى التي جمعت سوريا وأوروبا، فمنذ الشهر الأول بعد التحرير في 8 كانون الأول 2024 لم تتوقف الزيارات الأوروبية إلى سوريا، والتي لم تترك قضية خارج النقاش، وفق كل مرحلة وكل تطور. ولو لم تكن القيادة السورية تفاوض من موقع قوة، لما كان لسوريا ولرئيسها أحمد الشرع هذا الحضور الاستثنائي والمطلوب أوروبيا، وإقليميا، في قمة قبرص.
ففي قراءة المحللين الأوسع لحضور الشرع، يتم التركيز على الملفات الحساسة نفسها، آنفة الذكر، ويتم إجمالها عادة في ثلاثة ملفات “تحسم مسار الشد والجذب”، وتكاد تكون على المستوى نفسه من الأهمية والإلحاح، إذ الأول ملف اللاجئين، حيث إن القيادة السورية لا توارب في هذا الملف المطروح تقريبا في كل زيارة ولقاء.
والثاني ملف الطاقة، الذي تقدم بفعل تداعيات الحرب على إيران. فأوروبا تراقب وترصد وتقرأ بدقة خريطة التحولات في المنطقة، خصوصا سوريا المرشحة لأن تصبح شريان أوروبا الجديد للنفط الخليجي العراقي عبر ميناء طرطوس، وبما يخلصها من قبضة روسيا وتحكمها في إمدادات الغاز.
والثالث هو الحرب نفسها، ما بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة ثانية. فأوروبا التي تعاني من التداعيات، ومن التخلي الأميركي المتوقع، تبحث عن تحالفات جديدة حيث تغيرت قواعد اللعبة بشكل كامل.
وضمن هذه الفرصة الكبيرة المتاحة، تعمل القيادة السورية على تحقيق أعلى المكاسب، بالتوازي مع المكاسب التي حققتها حتى الآن، سواء على مستوى العلاقات مع أميركا، أو مع دول عدة في الإقليم. ومن هنا تنطلق أهمية قمة قبرص بالنسبة إلى سوريا.
المربع الساخن
يتحدث الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، عما سماه “المربع الساخن – الجوار الجنوبي لأوروبا” (سوريا ولبنان والأردن ومصر)، حيث تسعى أوروبا، ما أمكنها، إلى احتواء تداعيات التصعيد العسكري على هذه الدول، وتاليا على أوروبا نفسها، على قاعدة البعد الأمني الرابط بين الجانبين.
ويؤكد كويفي، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن دعوة الرئيس الشرع للمشاركة في قمة قبرص، وهي الأولى لرئيس سوري، هي تأكيد رسمي جديد على عودة سوريا إلى الحاضنة الدولية من الباب الأوروبي الواسع. وهذه القمة تكمن أهميتها في الاعتراف بنجاح دمشق في مسار التغيير السياسي وكسر العزلة بعد عقود من العقوبات والقطيعة الدبلوماسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا أيام النظام المخلوع. ويمكن أن نضيف هنا تعزيز دور قبرص، من خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي، لتلعب دور الجسر بين دمشق وبروكسل، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية، مع مراعاة ألا ينعكس ذلك على العلاقات مع تركيا، الحليف المهم في السياسة السورية.
والقمة التي تجمع الرئيس الشرع مع 27 زعيما أوروبيا، من المتوقع أن تفتح الأبواب لمسارات عملية بدأت تتبلور بالفعل منذ منتصف عام 2025. فالقمة، كما يرى كويفي، قد تكون منصة لإعلان “خريطة طريق” نهائية لرفع ما تبقى من العقوبات الاقتصادية، مما يسهل عمليات إعادة الإعمار، وتفعيل حزم المساعدات الضخمة، مثل 620 مليون يورو التي أعلنت عنها فون دير لاين سابقا، لدعم استقرار الدولة السورية، وتعزيز التبادل الدبلوماسي، مع إعادة فتح السفارات الأوروبية في دمشق بكامل تمثيلها، وتحويل التواصل من أمني وإنساني إلى سياسي واستراتيجي.
ويتابع كويفي: قد يكون من بين أهداف قمة قبرص التوافق على توجه جديد يعيد صياغة مفهوم “الجوار الجنوبي”، والانتقال من مجرد مراقبة الحدود إلى شراكة أمنية لمكافحة الإرهاب وضبط تدفقات الهجرة غير الشرعية من المنبع. كما أن العامل الجيوطاقوي يطرح نفسه خلال القمة في سياق منتدى غاز شرق المتوسط، فالحضور السوري قد يمهد لانضمام سوريا إلى هذا التجمع الطاقي أو تنسيقها معه، ما يجعلها شريكا في أمن الطاقة الأوروبي.
وبالمحصلة، يضيف كويفي، يمكن لقمة قبرص أن تكون بوابة إضافية لعلاقة سورية أوروبية جديدة تقوم على المصالح المتبادلة والواقعية السياسية، بدلا من القطيعة والارتهان للماضي، باعتبارها ثمرة تحول جذري في العقلية السياسية والدبلوماسية السورية، من دبلوماسية الأزمات إلى دبلوماسية المبادرة والتوازن. ويشير إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية سيجعل من دمشق رقما صعبا في معادلة شرق المتوسط، على قاعدة الواقعية السياسية القائمة على المصالح المشتركة والاستثمار في الموقع الجيوسياسي الرابط بين الشرق والغرب.
إعادة تعريف المصالح
يتفق الكاتب والباحث السياسي المعتصم الكيلاني مع كويفي في أغلب النقاط، وإن كان يفترق عنه في مسألة ترجمة الاتفاقات إلى أفعال، بمعنى القدرة على الانتقال بالطموحات والخطط إلى المستوى العملي، وتحول دون ذلك تحديات هائلة إذا ما أخذناها بالقياس إلى تطورات المنطقة، والحرب التي لم تضع أوزارها بعد.
ويتحدث الكيلاني عن مشاركة سوريا في قمة قبرص إلى جانب دول إقليمية محورية، مؤكدا أنها تتجاوز طابعها البروتوكولي، كونها أول دعوة لرئيس سوري إلى هذا المستوى من الاجتماعات الأوروبية، وكون أهميتها تنبع من لحظة إقليمية شديدة التعقيد لم تستقر منحنياتها بعد، وهو ما يمنح الحضور السوري بعدا رمزيا وعمليا في آن واحد.
ويضيف الكيلاني: إن حضور سوريا في هذه القمة لا يمكن فصله عن إعادة تموضع أوروبي حذر تجاه المنطقة، فالاتحاد الأوروبي، الذي تقوده مؤسساته وعلى رأسها المجلس الأوروبي، يدرك أن تجاهل الفاعلين الأساسيين في الشرق الأوسط لم يعد خيارا واقعيا، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب واستقرار الجوار الجنوبي. ومن هذا المنطلق، فإن دعوة الرئيس الشرع تحمل دلالة واضحة على انتقال أوروبي تدريجي من سياسة العزلة إلى سياسة الانخراط الحذر.
وعلى مستوى العلاقات السورية الأوروبية، يمكن النظر إلى هذه الخطوة بوصفها بداية اختبار لإمكانية إعادة بناء قنوات التواصل السياسي، بعد سنوات من القطيعة أو الجمود. لكنها، في الوقت ذاته، لا تعني تحولا جذريا وفوريا، وفق الكيلاني، إذ لا تزال هذه العلاقات محكومة باعتبارات معقدة، من بينها ملفات حقوق الإنسان، وإعادة الإعمار، والعقوبات. ومع ذلك، فإن مجرد الجلوس على طاولة واحدة يفتح المجال أمام حوار يتطور لاحقا إلى تفاهمات، خاصة في الملفات ذات الاهتمام المشترك، مثل ضبط الهجرة والتعاون الاقتصادي.
أما في ما يتعلق بإمكانية أن تفرز القمة توجها أوروبيا جديدا على مستوى العلاقات عبر المتوسط، فإن المؤشرات الأولية توحي بأن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى بلورة مقاربة أكثر براغماتية تجاه دول الجنوب. فبدلا من الاقتصار على سياسات الاحتواء أو الدعم الإنساني، قد تتجه أوروبا نحو شراكات أكثر توازنا، تقوم على تبادل المصالح في مجالات الأمن والطاقة والتنمية. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون قمة قبرص خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين ضفتي المتوسط، بما يعكس التحولات الجيوسياسية الجارية.
ويرى الكيلاني أن أهمية هذه القمة تتضاعف في ضوء التصعيد الإقليمي الراهن، خاصة أن الدول العربية المدعوة، مصر والأردن ولبنان وسوريا، تشكل محورا جغرافيا وسياسيا يتأثر مباشرة بتداعيات هذا التصعيد، سواء من حيث الأمن الحدودي أو تدفقات اللاجئين أو الضغوط الاقتصادية. ومن هنا، فإن جمع هذه الدول مع الاتحاد الأوروبي في إطار واحد يتيح مناقشة مقاربات جماعية للأزمات، بدلا من الاكتفاء بمعالجات منفردة أثبتت محدوديتها. كما يعكس ذلك إدراكا أوروبيا بأن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه دون إشراك الفاعلين الإقليميين الأساسيين في صياغة الحلول.
وفي المحصلة، يوضح الكيلاني أن هذه القمة لا تمثل تحولا حاسما بقدر ما تعكس بداية مسار جديد قيد التشكل، يقوم على إعادة فتح قنوات الحوار بين أوروبا ودول المنطقة، بما فيها سوريا. ونجاح هذا المسار سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الأطراف على ترجمة اللقاءات السياسية إلى خطوات عملية، وعلى مدى استعدادها لتجاوز إرث السنوات الماضية نحو مقاربة أكثر واقعية وتوازنا.
ما هو المجلس الأوروبي؟
هو قمة تجمع رؤساء الدول ورؤساء حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويعقد المجلس اجتماعين على الأقل كل عام. وتهدف قمم المجلس، التي تعقد بين المسؤولين التنفيذيين للدول الأعضاء، إلى تحديد المجالات الرئيسية لسياسات الاتحاد الأوروبي، ولا سيما الخارجية. كما أنها تسمح، كل خمس سنوات، بتعيين رئيس جديد للمفوضية الأوروبية بأغلبية مؤهلة، ويجري التصديق على هذا التعيين من خلال تصويت في البرلمان الأوروبي.
وعلى الرغم من أن المجلس الأوروبي لا يمتلك سلطة تشريعية، فإنه هيئة استراتيجية لحل الأزمات، تزود الاتحاد بالتوجهات والأولويات السياسية العامة، ويؤدي دوره باعتباره رئاسة جماعية. ورغم أن المفوضية الأوروبية تعد الجهة الوحيدة التي تملك زمام سن التشريعات، فإن المجلس الأوروبي يعمل على توفير قوة دافعة لتوجيه السياسة التشريعية.
ويترأس هذه الاجتماعات رئيس المجلس، وتسمى غالبا مؤتمرات القمة التي يعقدها الاتحاد الأوروبي، وعادة ما تكون في مقر الاتحاد في بروكسل، بلجيكا. وتتخذ قرارات المجلس الأوروبي بموافقة الأغلبية المطلقة، باستثناء الحالات التي تنص فيها المعاهدات على خلاف ذلك.
وتاريخيا، اكتسب المجلس الأوروبي رسميا صفة مؤسسة تابعة للاتحاد الأوروبي بعد معاهدة لشبونة عام 2007، مستقلا بذلك عن مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي.
ولم يغلب الطابع الرسمي على مؤتمرات المجلس إلا في الفترة ما بين 1974 و1988. ففي مؤتمر القمة الذي عقد في باريس في كانون الأول 1974، بعد اقتراح قدمه الرئيس الفرنسي آنذاك فاليري ماري جورج جيسكار ديستان، جرى الاتفاق على ضرورة تقديم مساهمات سياسية على مستوى أرفع في أعقاب ما عرف حينها بـ”أزمة الكرسي الفارغ” والمصاعب الاقتصادية.
وفي عام 1987، أدرج المجلس في المعاهدات للمرة الأولى، في القانون الأوروبي الموحد، وحاز دورا محددا للمرة الأولى في معاهدة ماستريخت.
وتعقد المجالس الأوروبية ثلاثة أنواع من الاجتماعات: غير الرسمية، والمقررة، والاستثنائية. وتقرر الاجتماعات غير الرسمية قبل عام ونصف العام من عقدها، لكنها تختلف عن الجلسات العادية.
وأطلق الاتحاد الأوروبي أول خطة عمل لـ”ميثاق المتوسط” سيتم تنفيذها خلال عام 2026، وتتضمن 12 مبادرة وأكثر من 100 مشروع لتعزيز الاستثمار والأمن والاقتصاد بين دول الاتحاد ودول جنوب المتوسط.
ووفقا للممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، ونائبة رئيس المفوضية، كايا كالاس، فإن الميثاق “سيعبئ مليارات اليورو من الاستثمارات الأوروبية من خلال أكثر من 100 مشروع، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بالأمن”.
وأكدت أن الاتحاد الأوروبي سيكثف جهوده لمواجهة التحديات المشتركة، من تهريب المخدرات والاتجار بالبشر إلى الحد من آثار الكوارث الطبيعية، بما يسهم في جعل المنطقة أكثر قوة واستقرارا وازدهارا.
وكان “ميثاق المتوسط” قد طور بالشراكة بين المفوضية الأوروبية وخدمة العمل الخارجي الأوروبي، واعتمد رسميا في تشرين الأول عام 2025، قبل إطلاقه في 28 تشرين الثاني من العام ذاته.
ويهدف الميثاق إلى بناء فضاء متوسطي مشترك أكثر ترابطا وازدهارا وأمنا، من خلال شراكة قائمة على “التصميم المشترك وتقاسم الملكية والمسؤولية”، بما يعكس احتياجات وتطلعات شعوب المنطقة على ضفتي المتوسط.
الثورة السورية
——————————-
الاتحاد الأوروبي يقرر استئناف برنامج التعاون مع سوريا
الأربعاء 2026/04/22
أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس العودة إلى العمل ببرنامج التعاون مع سوريا، والذي كان معلقاً منذ العام 2011.
وجاء الاتفاق على إعادة العمل ببرنامج التعاون بعد اجتماع عقده وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، في بروكسل، أمس الثلاثاء.
دعم المرحلة الانتقالية
وقالت كالاس إن اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد جدّد دعمه للمرحلة الانتقالية في سوريا، خلال اجتماعهم، وقرّر العودة إلى برنامج التعاون مع سوريا، ومواصلة تقديم الدعم لسوريا.
وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية اقترحت استئناف العمل باتفاقية الشراكة مع سوريا العائدة إلى عام 1978، مضيفةً أن مزيداً من الدعم سيُبحث في الشهر المقبل، وأن سوريا ما تزال بمنأى عن الحرب الإقليمية، رغم استمرار المخاطر التي تهدّد استقرارها.
توطيد العلاقات الدبلوماسية
ويوم الجمعة الماضي، قالت وثيقة اطلعت عليها “رويترز” إن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى توطيد الروابط مع سوريا، من خلال إعادة الاتصالات السياسية الرسمية لتمهيد الطريق نحو علاقات اقتصادية وأمنية أقوى، وذلك في أحدث خطوة ضمن تحول أوسع نطاقاً في السياسة حيال دمشق بعد جمود في العلاقات على مدى سنوات.
ونصّت الوثيقة المرجعية، التي أعدتها الإدارة الدبلوماسية للتكتل وأرسلت للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل أيام، على أن التكتل سيستأنف العمل بالكامل باتفاقية تعاون موقعة في 1978 مع سوريا، وسيبدأ في حوار سياسي رفيع المستوى، وهو تعبير يستخدمه الاتحاد للإشارة إلى محادثات رسمية ومنظمة، مع السلطات الجديدة في سوريا في 11 مايو أيار/مايو.
وذكرت الوثيقة أن الاتحاد الأوروبي قال إنه “سيعيد تشكيل ويعدل” نظام العقوبات للحفاظ على وسائل ضغط، في وقت يتواصل فيه مع القيادة السورية، ويستهدف من يؤثرون سلباً على العملية الانتقالية.
وأكدت الوثيقة أن الاتحاد الأوروبي سيعمل مع السلطات على تسهيل “العودة الآمنة والطوعية والكريمة” للاجئين والنازحين السوريين.
——————————
عون وأوراق الحماية السعودية وقطر ولقاء السيسي والشرع في قبرص/ منير الربيع
الأربعاء 2026/04/22
الرئيس السوري أحمد الشرع في السعودية. رئيس الجمهورية جوزاف عون قد يزور السعودية قريباً. رئيس الحكومة نواف سلام، يزور الاتحاد الأوروبي وفرنسا. أما قبرص كرئيسة للاتحاد الأوروبي، فاختارت توجيه دعوات للبنان، سوريا، مصر، الأردن ومجلس التعاون الخليجي للمشاركة في اجتماع الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة المقبل. تحمل الدعوات القبرصية دلالات كثيرة في توقيتها ومضمونها خصوصاً في ظل الحرب الإيرانية الأميركية غير المعروفة المصير والانعكاسات انطلاقاً من إغلاق مضيق هرمز وتداعياتها، بينما تبحث دول كثيرة عن بدائل. لبنان يحاول أن يتسلل لتوفير مظلة إقليمية ودولية، أوروبية بالتحديد، توفر له الدعم السياسي والمعنوي في مواجهة التصعيد الإسرائيلي الكبير والضغوط الأميركية.
سلام والجهود الأوروبية
قبل زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الاتحاد الأوروبي وباريس، كانت مساع عربية وأوروبية دفعت بـِ 16 دولة لإصدار بيانات تدين الجرائم الإسرائيلية في لبنان وتدعو إلى وقف إطلاق النار، كان ذلك نتاج تحرك ديبلوماسي فعال قادته عواصم عديدة، وهو ما استكمله سلام في زيارته الفرنسية ولقائه مع الرئيس إيمانويل ماكرون، إضافة إلى الحصول على مساعدات انسانية من دول الاتحاد الأوروبي مع مساع لتوفير دعم سياسي لمنع تجدد الحرب الإسرائيلية، وهذا ما سيستكمله عون في زيارته القبرصية واللقاءات التي سيعقدها هناك. كل ذلك يأتي في ظل المساعي المرتبطة بإطلاق مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، انطلاقاً من الاجتماع الثاني الذي سيعقد بين السفيرين يوم الخميس، إضافة إلى انتظار ترتيبات زيارة عون إلى الولايات المتحدة الأميركية ولقاء الرئيس دونالد ترامب، مع الإشارة إلى أنه تم إرجاء الحديث أو البحث بأي لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
الرياض والدوحة
يحاول لبنان الاستفادة من مناخ أوروبي عربي معارض للحرب على إيران، ويمكن أن يشكل قوة دفع لمواجهة الضغوط الأميركية الكبيرة والحدّ منها، وهذا ما يتبدى أيضاً من خلال مساع عربية، برزت في الاتصالين اللذين أجراهما عون بكل من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث شددا على دعم استقرار لبنان ووقف الحرب فيه، مع الإشارة إلى الاتفاق على إبقاء التواصل قائماً. في الموازاة تشير مصادر متابعة إلى العمل على ترتيب زيارة لعون إلى السعودية للقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في إطار الدعم السعودي للبنان، وبالتمسك بمبادرة السلام العربية، إلى جانب البحث في كيفية الحصول على المزيد من الدعم لحماية الاستقرار الداخلي ودعم الاقتصاد من خلال مشاريع مشتركة، خصوصاً أن لبنان يريد الاستفادة من التطورات التي تشهدها المنطقة خصوصاً أنه يقع على تقاطع استراتيجي شرق البحر الأبيض المتوسط، وعلى تماس مع مشروع جرى الإعلان عنه قبل أيام لاعتماد مسار خطوط جديد من الخليج إلى الأردن فسوريا باتجاه تركيا أو باتجاه السواحل السورية نحو أوروبا.
على تقاطع الخطوط
سياسياً، اقتصادياً، ونفطياً، هناك الكثير من المشاريع التي يمكن بحثها بين أوروبا ودول الخليج والمشرق العربي، في أوروبا هناك تركيز لدى دول عديدة بتعزيز العلاقات مع دول شرق المتوسط، لأسباب وأهداف عديدة، لكن ذلك يأتي في ظل تركيز إسرائيلي على بناء تحالفات مع دول عربية ودول على البحر المتوسط خصوصاً قبرص، اليونان، ومصر في إطار سعيها لبناء تحالف دول شرق المتوسط وتحويل نفسها لمنصة تصدير للغاز إلى أوروبا، كما أنها تطمح من خلال طريق الهند لان تكون نقطة مركزية على خطوط التجارة العالمية. تحالف شرق المتوسط يستهدف تركيا، لكن مصر شريكة استراتيجية فيه. أما مشروع طريق الهند فيستهدف تركيا ومصر معاً، بينما تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعميق وتعزيز علاقاتها بدول الخليج وهو ما يبدو غير ممكن في هذه المرحلة، ما دامت إسرائيل ترفض بدولة فلسطينية.
مواجهة الاستفراد
في زيارته إلى السعودية، التي جاءت بعد لقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنطاليا، بحث الرئيس السوري أحمد الشرع في تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، وتفعيل الاتفاقات بين البلدين. أما لبنان فيريد أن يضع نفسه على تقاطع أوروبي عربي اقتصادياً واستثمارياً وتجارياً، وسياسياً أيضاً، لمواجهة محاولات الاستفراد الإسرائيلية. وهذا ما يريد تحقيقه في اللقاءات التي ستعقد في قبرص، بما فيها لقاءات عون مع الشرع والسيسي وانطلاقاً من الاتصالات التي أجراها بأمير قطر وولي العهد السعودي.
———————–



