متابعة حثيثة للحرب على إيران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية مقالات وتحليلات مختارة تحديث 30 نيسان 2026

تابع الملف في الروابط التالية
متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة–
تحديث 30 نيسان 2026
مشاريع أنابيب نفط وغاز خليجية لمواجهة المخاطر الجيوسياسية… ما التحديات؟: كريم رمضان
30 ابريل 2026
دفعت تداعيات الحرب في الخليج قادة مجلس التعاون إلى التشديد، في قمة جدة، يوم الثلاثاء، على أهمية إقامة مشروعات مشتركة لأنابيب نقل النفط والغاز والربط عبر السكك الحديدية والإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية لرفع الجاهزية الدفاعية المشتركة، وإنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي لضمان توافر السلع والمواد الحيوية عند الأزمات، حسبما أورد البيان الختامي للقمة، فيما يتعامل خبراء طاقة ونقل مع هذه الحزمة بوصفها اختباراً لقدرة دول الخليج على تحويل الخطر الجيوسياسي إلى بنية تحتية أكثر مرونة، لا مجرد إعلان سياسي جديد.
وتظهر تقديرات متخصصة أن واقعية التنفيذ تختلف من مشروع إلى آخر، وأن بعض المسارات باتت أقرب إلى التنفيذ لأنها تستند إلى بنية موجودة أو إلى قرارات تصميم جاهزة، بينما تظل مشاريع أخرى طويلة الأجل ومفتوحة على تعقيدات التمويل والتنسيق والأمن، ووفق هذا المعيار فإن الأقرب إلى التنفيذ على المدى القريب هو الربط الكهربائي الخليجي، لأنه مشروع تشغيلي قائم بالفعل ويمكن توسيعه سريعاً مقارنةً بالمشاريع الأخرى، حسبما أورد تقرير نشرته إنرجي كونيكتس (Energy Connects)، المتخصصة في شؤون الطاقة، في 21 إبريل/ نيسان الجاري.
كما أن التقدم في بعض المقاطع الوطنية لبعض المشروعات، مثل التحرك الكويتي في تصميم جزء من شبكة السكك الحديدة، يدل على أن بعض عناصر الربط البري ما زالت تتحرك، لكن خبراء القطاع لا يضعون السكك الحديدية في الخانة نفسها مع الكهرباء من حيث السرعة أو سهولة الإنجاز، بسبب طول المسار وتباين الأولويات الوطنية واحتياجات التنسيق الجمركي والتشغيلي، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة رويترز في 7 إبريل الجاري.
أنابيب نقل النفط والغاز
أما أنابيب نقل النفط والغاز بحرياً فهي الأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، لكن نجاحها يتوقف على قرارات استثمارية كبيرة ومسارات آمنة لا تتعرض لتهديدات مماثلة لتلك التي يتعرض لها مضيق هرمز، إذ إن هذه المشروعات لا تلغي المخاطر لكنها تقلصها وتوزعها، حسبما أورد تقرير نشرته “فايننشال تايمز” في 24 إبريل/ نيسان الجاري.
وحسب التقرير ذاته، فإن دول الخليج تملك بالفعل منافذ التفاف محدودة، مثل خط الشرق-الغرب السعودي وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي، وهي منافذ أثبتت أهميتها في الأزمات، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض كل الصادرات إذا طال التعطل أو اتسع نطاق التهديد.
ولذا يرى محللون أن القيمة الحقيقية لمشاريع الربط ليست في إغلاق المخاطر نهائيا، بل في تقليل القدرة على ابتزاز الأسواق وتعزيز المرونة التشغيلية في وجه أي إغلاق جزئي أو كامل لمضيق هرمز، بحسب محللين.
غير أن التحديات الأكبر لا تزال سياسية ومؤسسية بقدر ما هي تقنية، فكل مشروع عابر للحدود يحتاج إلى اتفاقات دقيقة حول التمويل والملكية والتشغيل والتعرفة والحماية الأمنية، وإلى درجة عالية من الثقة بين العواصم الخليجية في بيئة إقليمية لا تزال قابلة للتقلب السريع، حسبما أورد تقرير “إنرجي كونيكتس”، مشيرا إلى أن مشروع “المخزون الاستراتيجي الخليجي”، على وجاهته، يظل معلقاً بين الفكرة والتنفيذ ما لم يتحول إلى التزام جماعي محدد بالتمويل والمواقع والإدارة.
وعليه فإن مشاريع الربط المائي والسكك والمخزونات أكثر عرضة للتأجيل من مشاريع الكهرباء أو بعض الأنابيب، لأنها تتطلب تنسيقاً مؤسسياً أوسع وقيادة سياسية أكثر دواماً، بحسب تقرير “إنرجي كونيكتس”.
الأكثر واقعية
في هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ”العربي الجديد”، إلى أن مشروع الربط الكهربائي هو الأكثر واقعية ونجاحاً بين المشاريع الستة المطروحة في القمة الخليجية، نظراً لوجود بنية تحتية قائمة بالفعل وتشغيل هيئة كهرباء دول مجلس التعاون منذ عام 2009، والتي تربط حالياً 5 دول بقدرة تبادلية تصل إلى 1200 ميغاواط، ما يجعل الحديث عن توسعة وترقية الشبكة أكثر جدوى تشغيلية واقتصادية من البناء من الصفر.
وعلى النقيض من ذلك، يعاني مشروع سكة الحديد الخليجية من التقطع والتعثر منذ عام 2003 بسبب الخلافات حول معايير العرض (القياسي مقابل الواسع) والنزاعات على حقوق العبور وتحديات التمويل، بحسب الخوري، لافتا إلى أن السعودية والإمارات أنجزتا أجزاء من شبكاتهما الوطنية، لكن مناطق الربط الحدودي لا تزال شبه معدومة.
وتمتلك مشاريع أنابيب النفط والغاز سابقة نجاح متمثلة في خط الشرق-الغرب السعودي الذي تصل طاقته إلى 7 ملايين براميل يومياً، وخط “حبشان-الفجيرة” الإماراتي الذي تتجاوز طاقته 1.5 مليون برميل يومياً، بالإضافة إلى خط الكويت-البصرة الذي يقدم نموذجاً للربط النفطي الثنائي عالي الجدوى شرط توفر الإرادة السياسية، رغم بقاء إشكالية التمويل المشترك عقبة رئيسية، وفق رؤية الخوري.
أما الربط المائي فيصنفه الخوري كـ”أعسر المشاريع تقنياً وسياسياً”، نظراً لتناقص المياه الجوفية في شبه الجزيرة العربية واعتماد دول مجلس التعاون الخليجي شبه الكلي على التحلية. ويشكل المخزون الاستراتيجي المشترك تحدياً إدارياً يتطلب بروتوكولات واضحة للإفراج عنه وإدارته أثناء الأزمات، وفق الخوري، ورغم أن التجارب الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة تفرض التزامات، فإن التطبيق الفعلي في الخليج يواجه صعوبات، غير أن أمن الطاقة يبقى محوراً استراتيجياً حساساً نظراً لمرور 21% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ممر شهد اضطرابات متكررة منذ أزمة الناقلات وحرب الخليج، كما يشير الخوري.
معضلة السيادة في مشروعات الخليج
يكمن العائق الأعمق أمام التكامل الخليجي في مسألة “السيادة”، بحسب الخوري، موضحاً أن تاريخ مجلس التعاون يكشف عن نمط متكرر يتمثل في الإعلان عن مشاريع كبرى في القمم ثم تعثرها عند التفاصيل التنفيذية بسبب خلافات الحوكمة وتوزيع العائدات وآليات حل النزاعات. ويضرب الخوري بأزمة حصار قطر عام 2017 مثالاً، إذ أظهرت مدى هشاشة التكامل الإقليمي أمام القرارات السياسية المفاجئة، مؤكداً أن مرحلة ما بعد الحرب تطرح تحديات مالية وسياسية كبيرة، حيث تواجه الحكومات الخليجية خيارات صعبة في تخصيص الاستثمارات بين المشاريع الوطنية ذات الأولوية والمشاريع المشتركة التي قد تكون عوائدها أقل أو غير مضمونة.
ويعزز من صعوبة هذه الخيارات تقديرات الكلفة الهائلة للمشروعات، والتي تصل إلى 200 مليار دولار للسكة الحديد و10-30 مليار دولار لكل مسار رئيسي للأنابيب، بينما ترتبط المنظومة الدفاعية بمفاوضات التسليح مع الشركاء الغربيين ولا يمكن اتخاذ قرارات فيها بشكل منفرد. غير أن التوترات الإقليمية يمكن أن تكون محفزاً استراتيجياً للتكامل كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حسبما يرى الخوري، وبالتالي فإن التهديد الإيراني واحتمالات التصعيد قد تدفع نحو تكامل أعمق، رغم وجود خلافات بنيوية مثل التنافس السعودي-الإماراتي والتحفظات القطرية على المركزية السعودية، ونزعة الاستقلالية العمانية والكويتية، حسب تعبيره.
تطبيق الوحدة الخليجية
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي، عبد الله الخاطر، لـ”العربي الجديد”، إلى أن مشروع الربط الكهربائي بين دول الخليج يعد من أنجح المشاريع الإقليمية من حيث واقعية التنفيذ، يليه مشروع شبكة السكك الحديدية الذي تمثل وصلة الرياض-الدوحة أحد تجلياته الاستراتيجية، مؤكداً وجود طموحات لتسريع وتيرة الإنجاز إلا أن الضغوط الناتجة عن تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز تدفع صانعي القرار نحو مراجعات وتأملات دقيقة قبل هذا التسريع. ويضيف الخاطر أن التشابك بين شبكات الطرق والسكك الحديدية والشحن والكهرباء والاتصالات مستوى يعزز التنسيق والعمل الموحد في المنطقة، ما يمكن دول الخليج من اتخاذ مواقف مشتركة وإظهار قوة موحدة تردع القوى الأخرى وتجعلها تحسب ألف حساب قبل أي مواجهة أو قرار عدائي. كما أن هكذا تكامل من شأنه أن يسهم في رفع الثقل السياسي والاقتصادي للخليج أمام القرار العالمي، بحيث ينظر المجتمع الدولي إلى المنطقة ككتلة موحدة وقوية وليست هشة أو مشتتة، ما يجعل الاهتمام بالقرار الخليجي مرهوناً بدرجة الوحدة والتنسيق بين دول مجلس التعاون، وفق رؤية الخاطر.
——————————–
إيران والبحث عن مخارج لتدوير الزوايا مع واشنطن/ حسن فحص
طهران ستكون الجهة الأكثر تضرراً من استمرار حال عدم اليقين أو التأرجح بين الحرب واللا حرب
الخميس 30 أبريل 2026
لعل المحطة الروسية في جولة عراقجي، وعلى رغم الملاحظات الكثيرة والتشكيك في الدور الروسي وإمكان استخدام الحاجة الإيرانية كورقة مساومة لتأمين مصالحه مع المجتمع الدولي، إلا أنها مع رغم ذلك تعتبر المحطة الأكثر أهمية، والمؤشر الأبرز على جهود طهران في إيجاد مخرج يرضي جميع الأطراف، في سياق البحث عن حلول لمعضلة المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة، والتي من المفترض أن تشكل جوهر وأساس المفاوضات خلال المرحلة الثانية التي تقترحها طهران، وقد تتضمن الرؤية الإيرانية مقترحاً توافق فيه على نقل نصف هذا المخزون إلى روسيا فيما تحتفظ بالنصف الباقي، وتعمل على تخفيف درجة تخصيبه تحت إشراف ورقابة دولية وأميركية مشددة، وبالتالي العودة بصورة غير مباشرة لمفاد اتفاق عام 2015.
قد لا تكون المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي بدأت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد وصلت إلى طريق مسدود، لأن الخطوة المتقدمة التي اتخذها كلا الطرفين بالانتقال إلى التفاوض المباشر أو الجلوس في غرفة واحدة مقابل بعضهما بعضاً لم تكن لتحصل لو لم يكونا على قناعة تامة بحاجتهما للتوصل إلى نوع من الاتفاق، يضمن لهما تحقيق الجزء الأكبر من مصالحهما بعد هذه الحرب.
وعلى رغم كل الكلام الذي يتحدث عن أن هذه المفاوضات باتت أقرب إلى الانسداد أو الطريق المسدود، ولن تفضي إلى اتفاق واضح وقابل للاستمرار، وهو ما يجعل الصراع بينهما أقرب إلى حال “لا حرب ولا سلم”، لكن الحقيقة الأقرب إلى الواقعية هي أن كلا الطرفين لا يرغب في استمرارها أو تكريسها كواقع يجب أن يتعايشا معه ويتعاملا مع نتائجه، وهذا ما كشف عنه بوضوح مستوى الوفود المشاركة في الجولة الأولى من التفاوض، ومشاركة كل من نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
وإذا ما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يحتاج بصورة حاسمة إلى الانتصار في هذه الحرب، فإنه قد يكتفي بإعلان نهايتها في الوقت الذي يحدده أو يراه مناسباً له، بناء على الشروط الداخلية التي تخدم مصالحه السياسية والاقتصادية، بخاصة أن الحصار الاقتصادي الذي فرصه على الموانئ الإيرانية كفيل بأن ينقل تركيز الأزمة وتداعياتها إلى الداخل الإيراني، ويزعزع قدرة النظام على التعامل مع تداعياتها التي ستكون طويلة الأمد.
من هنا فإن الطرف الإيراني سيكون الجهة الأكثر تضرراً من استمرار حال عدم اليقين، أو التأرجح بين الحرب واللا حرب، في ظل استمرار العيش تحت تهديد العودة للمواجهة التي قد تكون أكثر عنفاً وأشد تدميراً للأصول المدنية والبنى التحتية، وهذه المخاوف والحاجة إلى الخروج من حال المراوحة تساعد في فهم الجولة الدبلوماسية التي قام بها وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى إسلام آباد وبعدها العاصمة العُمانية مسقط ثم العودة لإسلام آباد ومن بعدها الانتقال إلى روسيا.
وفي ظل غياب أية خطوة أميركية توحي بإمكان حصول أي تغيير في سقف الشروط التي وضعتها أمام المفاوض الإيراني، فإن جولة عراقجي تكشف بوضوح عن أن النظام أو منظومة القرار في طهران باتت تدرك خطورة وأبعاد الاستمرار في حال المراوحة، وأنها هي التي تبادر إلى تقديم تصورات ومقترحات تعيد تفعيل عجلة التفاوض، أو تساعد في إخراج المفاوضات من خلف الكواليس إلى الواجهة، وتحويلها إلى واقع يؤسس لمرحلة جديد من التفاهم بينها وبين واشنطن، فالمقترحات التي وضعها عراقجي على العواصم الثلاثة التي زارها واستكملها بسلسلة من الاتصالات الهاتفية مع نظرائه في السعودية وتركيا ومصر، لا تخرج عن الإطار الذي سبق أن رسمه سلفه وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف في المقالة التي نشرها عبر مجلة “فورن أفيرز” قبل أسابيع، ووافق مجلس الأمن القومي على كل ما جاء فيها، بخاصة ما يتعلق باعتماد الحل المرحلي للأزمة مع واشنطن، أي الاتفاق على إنهاء الحرب على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وحل أزمة مضيق هرمز وإنهاء العقوبات بصورة تامة، بما يساعد على بناء الثقة بين الطرفين ويمهد الطريق للانتقال إلى المرحلة الثانية المخصصة لموضوع النووي بكل تفاصيله.
وفي مقابل هذه المراحل فإن رهانات إيرانية أخرى بدأت بالظهور، وقد تؤدي دوراً في إقناع واشنطن وإدارة ترمب بخيار تدوير الزوايا والتخفيف من السقوف العالية للشروط التي وضعتها للتفاوض، ولعل أبرز هذه الرهانات تعتمد على التداعيات الاقتصادية الناتجة من استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما قد يدفع الدول في أوروبا وشرق آسيا، تحت تأثير التداعيات السلبية على اقتصاداتها، نحو الدخول في تسوية مباشرة مع إيران وبعيداً من واشنطن، كورقة ضغط تستخدمها طهران في وجه الضغوط التي تتعرض لها من قبل إدارة ترمب.
في المقابل فإن هذه الرهانات لا تنفصل عن محاولة طهران العمل من أجل توزيع الحل على ثلاثة لاعبين أساس تمثلها العواصم التي زارها عراقجي، إذ يلعب الجانب الباكستاني الدور المحوري فيها لجهة تأكيد دوره الوسيط والقادر على تسهيل عملية التفاوض حول جميع الملفات، بما يمثله من عمق إقليمي وإسلامي قادر على تأمين ضمانات سعودية وتركية ومصرية، سواء ما يتعلق بأزمتي مضيق هرمز ووقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، أو لجهة تدوير الزوايا في الموضوع النووي لاحقاً، فضلاً عن كونه الأقدر على مساعدة إيران في تجاوز جزء أساس من تداعيات الحصار البحري الذي فرض عليها، عبر تفعيل الممرات البرية باتجاه شرق آسيا.
وبموازاة التأكيد الإيراني على محورية الدور الباكستاني فإن طهران في حاجة إلى ترتيب تفاهمات عملية مع سلطنة عُمان ترتبط بمستقبل مضيق هرمز وإدارته في المستقبل، بخاصة أن الرؤية الإيرانية لهذا المضيق تقوم على إدارة مشتركة بين البلدين وتقاسم عائدات الضرائب التي ستفرض على مرور السفن والشحنات التجارية والطاقية، ولعل المحطة الروسية في جولة عراقجي، وعلى رغم الملاحظات الكثيرة والتشكيك في الدور الروسي وإمكان استخدام الحاجة الإيرانية كورقة مساومة لتأمين مصالحه مع المجتمع الدولي، لكنها مع ذلك تعتبر المحطة الأكثر أهمية والمؤشر الأبرز على جهود طهران في إيجاد مخرج يرضي جميع الأطراف، في سياق البحث عن حلول لمعضلة المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة، والتي من المفترض أن تشكل جوهر وأساس المفاوضات خلال المرحلة الثانية التي تقترحها طهران، وقد تتضمن الرؤية الإيرانية مقترحاً توافق فيه على نقل نصف هذا المخزون إلى روسيا، وتحتفظ بالنصف الباقي وتعمل على تخفيف درجة تخصيبه تحت إشراف ورقابة دولية وأميركية مشددة، وبالتالي العودة بصورة غير مباشرة لمفاد اتفاق عام 2015.
وعلى رغم هذه الأدوار التي قد تؤديها هذه الدول في دفع طرفي الأزمة نحو التوصل إلى مذكرة تفاهم تؤسس لمسار تفاوضي جدي ينتهي باتفاق نهائي مستقر، لكن أي اتفاق من هذا النوع يبقى في حاجة إلى ضامن قوي قادر على تأمين استمرار الالتزام به وتطبيقه، وهنا تبرز أهمية الدور الصيني الذي يبدو أنه خارج دائرة الأضواء ولا يزال يدرس خطواته قبل إعلان دخوله المباشر على خط الحلول والضمانات، بخاصة أنه قد يكون الأكثر تضرراً من استمرار هذه الأزمة وتداعياتها على أسواق الطاقة والأنشطة الاقتصادية.
——————————–
حرب الاستنزاف.. كيف أعادت إيران وأمريكا تعريف المواجهة؟
لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار في الحرب على إيران مجرد خطوة إجرائية لشراء الوقت، بل كان -كما تكشف قراءة الدراسة الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات- تعبيرًا عن تحوّل أعمق في طبيعة هذه الحرب. فالمواجهة التي بدأت بقصف مكثف وتهديدات مفتوحة، انتهت مؤقتًا إلى لحظة تردد، تخلّت فيها واشنطن عن حسم سريع كانت تراهن عليه، وفتحت الباب أمام نمط مختلف من الصراع، قوامه الاستنزاف لا الضربة القاضية .
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن سلوك الطرفين خلال الأسابيع السابقة. فإيران، التي رفضت الذهاب إلى جولة التفاوض الثانية تحت الضغط، لم تفعل ذلك من موقع الضعف، بل من قناعة بأن لديها ما يكفي من عناصر القوة لتحمّل كلفة المواجهة، أو على الأقل لفرض شروط مختلفة للعودة إلى الطاولة. وفي المقابل، لم يكن تراجع ترمب عن تهديداته السابقة -التي وصلت إلى حد الحديث عن «تدمير حضارة أمة»- تحولًا أخلاقيًا، بل إعادة تقدير لحدود القوة الأمريكية في حرب لم تسر وفق السيناريو المتوقع.
إلى حرب الإرادات
تكشف الدراسة أن أحد أهم أسباب هذا التحول هو فشل الرهان الأمريكي/الإسرائيلي على كسر الإرادة الإيرانية بسرعة. فالحرب التي استهدفت آلاف المواقع داخل إيران، وأرادت أن تخلق صدمة تؤدي إلى انهيار داخلي أو على الأقل إلى قبول سريع بالشروط الأمريكية، لم تحقق هدفها. صحيح أن الخسائر كانت كبيرة، لكن البنية الأساسية للنظام لم تنهَر، بل أعادت إنتاج نفسها بسرعة، سواء على مستوى القيادة أو المؤسسات .
الأهم من ذلك أن المجتمع الإيراني، رغم وجود معارضة سياسية واجتماعية، لم يتحول إلى ساحة مواجهة مع النظام كما كان متوقعًا، بل شهد التفافًا واسعًا حول الدولة في مواجهة ما اعتُبر تهديدًا وجوديًا. هذا العامل تحديدًا كان حاسمًا، لأنه حرم واشنطن من ورقة داخلية كانت تعوّل عليها، وجعل الحرب تبدو -في نظر الإيرانيين- دفاعًا عن الدولة لا عن النظام فقط.
إعلان
في هذا السياق، تحولت المواجهة إلى ما يشبه اختبارًا للإرادة: أي الطرفين يستطيع أن يصمد أكثر، وأن يقنع الآخر بأن كلفة الاستمرار في الحرب ستكون أعلى من كلفة التراجع.
استراتيجية إيران
ما يلفت في تحليل الدراسة هو أن إيران لم تتعامل مع الحرب بوصفها معركة عسكرية فقط، بل كعملية مركبة تقوم على مستويين: الصمود في الداخل، والاستنزاف في الخارج. فقد ركزت في البداية على امتصاص الضربة، والحفاظ على تماسك الدولة، وإعادة ملء الفراغات التي أحدثتها الهجمات، وهو ما نجحت فيه بدرجة لافتة، سواء عبر إعادة تنظيم مؤسساتها أو عبر الحفاظ على تماسك قيادتها
لكن المرحلة الأهم كانت الانتقال إلى الاستنزاف، حيث لم تعد طهران تسعى إلى تحقيق نصر عسكري مباشر، بل إلى إطالة أمد الحرب بطريقة تفرض على خصومها كلفة متزايدة. ومن أبرز أدوات هذه الاستراتيجية التحكم في مضيق هرمز، الذي لم يُغلق بالكامل، بل خضع لإدارة انتقائية، تسمح بمرور بعض السفن وتمنع أخرى، بما يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية .
هذا الاستخدام للمضيق لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد. فهو يربط الحرب بسوق الطاقة العالمية، ويحوّل أي تصعيد إلى أزمة دولية تتجاوز حدود المنطقة، ما يضع ضغوطًا إضافية على واشنطن وحلفائها.
إلى جانب ذلك، عملت إيران على الاستفادة من شبكاتها الإقليمية، سواء عبر تهديد أمن إسرائيل من أكثر من جبهة، أو عبر الضغط على المصالح الأمريكية في المنطقة.
كسبت طهران الرهان على الجبهة الداخلية (الفرنسية)
العمود الخفي للصمود
أحد الجوانب التي تمنح الاستراتيجية الإيرانية عمقًا أكبر هو ما تسميه الدراسة «الاقتصاد المقاوم». فإيران، منذ سنوات، عملت على بناء شبكة من المؤسسات الاقتصادية وشبه الرسمية القادرة على العمل خارج النظام المالي التقليدي، ما يمنحها هامشًا أوسع في مواجهة العقوبات والحصار .
هذه الشبكة، التي تمثل نسبة معتبرة من الاقتصاد، تتيح للنظام الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الداخلي، حتى في ظل ضغوط شديدة. كما أن الامتداد الجغرافي لإيران، وحدودها مع عدة دول، يجعل من الصعب فرض حصار كامل عليها، وهو ما ظهر في قدرة عدد من السفن المرتبطة بها على اختراق الحصار البحري.
حصار بدل القصف
في المقابل، لم تتخلَّ الولايات المتحدة عن الحرب، بل أعادت تعريفها. فبعد أن تبيّن أن القصف وحده لن يحقق النتيجة المرجوة، انتقلت إلى استراتيجية تقوم على الاستنزاف الاقتصادي والسياسي، مع الحفاظ على جاهزية عسكرية عالية تحسبًا لأي تصعيد .
الحصار البحري كان الأداة الأبرز في هذه المرحلة، حيث سعت واشنطن إلى خنق الاقتصاد الإيراني، وحرمانه من موارده الأساسية، خصوصًا صادرات النفط. هذا الحصار لم يكن محكمًا بالكامل، لكنه كان كافيًا لفرض ضغوط كبيرة، سواء على الدولة أو على المجتمع.
إلى جانب ذلك، عملت الإدارة الأمريكية على توسيع دائرة الضغط عبر استهداف حلفاء إيران في المنطقة، خاصة في العراق ولبنان. ففي العراق، جرى استهداف قيادات فصائل مسلحة، واستخدام أدوات الضغط المالي والسياسي للتأثير في تشكيل الحكومة. وفي لبنان، دُفع نحو مسار تفاوضي يهدف إلى تقليص نفوذ حزب الله، بما يضعف أحد أهم أذرع إيران الإقليمية .
إعلان
هذه التحركات تكشف أن الاستراتيجية الأمريكية لم تعد تركز على إيران وحدها، بل على محيطها أيضًا، في محاولة لتفكيك شبكة النفوذ التي تشكل جزءًا من قوتها.
جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي يغادر بعد مؤتمر تثبيت أسعار الفائدة وسط تداعيات الحرب (الفرنسية)
معادلة الزمن
في هذه المرحلة، يصبح الزمن عاملًا حاسمًا. فكل طرف يراهن على أن الآخر لن يستطيع تحمّل كلفة الاستمرار طويلًا. إيران تعوّل على قدرتها على الصمود، وعلى تأثير الحرب في الاقتصاد العالمي، وعلى الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة. وواشنطن تراهن على أن الحصار سيؤدي في النهاية إلى إنهاك إيران ودفعها إلى التنازل.
لكن المشكلة، كما تشير الدراسة، هي أن كلا الرهانين يحمل قدرًا من المخاطرة. فإيران قد تواجه صعوبات متزايدة إذا طال أمد الحصار، والولايات المتحدة بدورها لا تستطيع إبقاء هذا المستوى من الانخراط العسكري والسياسي دون كلفة داخلية، خاصة في ظل معارضة متنامية للحرب.
بلا حسم قريب
في ضوء هذه المعادلة، لا يبدو أن هناك مخرجًا سريعًا. فإما أن يستمر الوضع الحالي، حيث ينتظر كل طرف تراجع الآخر، أو أن تعود الحرب إلى شكلها الساخن عبر تصعيد عسكري جديد، أو أن تنجح الوساطات في إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، دون ضمان الوصول إلى اتفاق نهائي .
لكن حتى في حال العودة إلى التفاوض، فإن تعقيد المطالب وتباعدها يجعل من الصعب تحقيق اختراق سريع. فالحرب لم تعد تدور حول ملف واحد، بل حول مجموعة من القضايا المتشابكة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي إلى شكل النظام نفسه.
الخلاصة
ما تكشفه الدراسة هو أن هذه الحرب خرجت من منطق الحسم إلى منطق الإدارة. فلم يعد الهدف تحقيق نصر نهائي بقدر ما أصبح تجنب هزيمة مكلفة، وإجبار الطرف الآخر على تعديل سلوكه. في هذا السياق، تتحول القوة العسكرية إلى أداة ضمن أدوات متعددة، ويصبح الاقتصاد والسياسة والزمن عناصر لا تقل أهمية عن السلاح.
بين صمود إيراني يقوم على امتصاص الضربات واستنزاف الخصوم، واستراتيجية أمريكية تسعى إلى خنق الاقتصاد وتفكيك النفوذ، تقف الحرب في منطقة رمادية، لا هي انتهت ولا هي قابلة للحسم السريع. والسؤال الذي يظل مفتوحًا، كما توحي به الدراسة، ليس من سينتصر، بل من سيتعب أولًا.
الدراسة كاملة
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
——————————–
إما كسر جمود المفاوضات أو ضربة تحسم الحرب.. خيارات ترامب أمام إيران
أكسيوس: خطة للجيش الأميركي تتضمن “موجة قصيرة وقوية” من الضربات ضد إيران يرجح أن تستهدف بنى تحتية
الرياض: العربية.نت والوكالات
30 أبريل ,2026
من المقرر أن يتلقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إحاطة، اليوم الخميس، بشأن خطط جديدة لعمل عسكري محتمل ضد إيران، من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، بحسب ما نقل موقع “أكسيوس” Axios عن مصدرين مطلعين.
وبحسب “أكسيوس”، تشير هذه الإحاطة إلى أن ترامب يدرس بجدية استئناف عمليات قتالية واسعة، إما لكسر الجمود في المفاوضات أو لتوجيه ضربة حاسمة قبل إنهاء الحرب.
وقال ترامب لموقع “أكسيوس”، الأربعاء، إنه يرى أن الحصار البحري المفروض على إيران “أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف”.
وأعدت القيادة المركزية الأميركية خطة تتضمن “موجة قصيرة وقوية” من الضربات ضد إيران، يرجح أن تستهدف بنى تحتية، بهدف كسر حالة الجمود التفاوضي، وفق ما نقل “أكسيوس” عن ثلاثة مصادر مطلعة.
وأشار “أكسيوس” إلى أن الأمل يتمثل في أن تدفع هذه الضربات إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بمزيد من المرونة في الملف النووي.
كما يُتوقع عرض خطة أخرى على ترامب تركز على السيطرة على جزء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام حركة الشحن التجاري، وقد تشمل هذه العملية قوات برية، بحسب أحد المصادر.
ومن بين الخيارات التي طرحت سابقاً وقد تناقش أيضاً، تنفيذ عملية للقوات الخاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب.
وبدأت الحرب عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في 28 فبراير (شباط). وردت إيران بشن ضربات على إسرائيل ودول الخليج. وتسببت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الإسرائيلية على لبنان في مقتل الآلاف وتشريد الملايين.
وتسببت حرب إيران في هزة في الأسواق العالمية، ورفعت بشدة أسعار النفط. كما أدت الحرب إلى توقف شبه تام في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره عادة نحو 20% من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وذكر تقرير “أكسيوس” أن واشنطن تأمل في جعل إيران أكثر مرونة خلال المفاوضات بشأن الملف النووي.
ويشير ترامب لبرنامج طهران النووي إلى أنه يشكل تهديداً وشيكا. وتنفي طهران سعيها لامتلاك سلاح نووي، لكنها تقول إن لها الحق في تطوير تقنيات نووية لأغراض سلمية بما يشمل التخصيب لأنها من الدول الموقعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
——————————–
حصار الحصار… هل ينجح ترمب في خنق إيران؟/ أليكس فاتانكا
صمود أولي يخفي اختناقا تدريجيا، وضغط اقتصادي يرتد على الأسواق العالمية
27 أبريل 2026
كثيرا ما استُخدم الحصار الاقتصادي أداة للإكراه، توضع عمدا في المنطقة الرمادية بين الديبلوماسية والحرب. فمن الحصار البحري البريطاني لألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، الذي أضعف اقتصادها تدريجيا، إلى حصار برلين السوفياتي الذي أراد دفع الغرب إلى الانسحاب عبر قطع طرق الوصول البرية إلى المدينة، ظل الهدف واحدا، وهو انتزاع تنازلات سياسية عبر التضييق على الإمدادات الحيوية. حتى في العصر النووي، أظهر “الحجر الصحي” الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا خلال أزمة الصواريخ، كيف يستطيع الحصار ممارسة ضغط كبير من دون الانزلاق مباشرة إلى حرب شاملة. وفي جميع هذه الحالات، لم تكن الغاية نصرا حاسما، بل تعديل حسابات الطرف المقابل تحت ضغط اقتصادي يتصاعد.
وللشرق الأوسط تاريخه الخاص، الأكثر تفتتا، في سياسات الحصار. وهو يقوم على أنه حين ترتفع تكلفة الحسم العسكري المباشر أو تبتعد عن المتناول، ينتقل الصراع إلى التحكم في الحركة، عبر من يتاجر، من يستورد، من يسافر، ومن يصل إلى العالم الخارجي.
غير أن المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تحمل تحولا نوعيا. فهي لا تتعلق بحصار هامشي يستهدف اقتصادا محدودا، وإنما بمحاولة الضغط على دولة تمر شرايين اقتصادها عبر مضيق هرمز، وهو واحد من أهم الممرات في النظام العالمي.
كيف يتآكل الاقتصاد الإيراني تدريجيا؟
على خلاف كثير من الحالات التاريخية، يعاني الاقتصاد الإيراني انكشافا بنيويا. فخريطته التجارية ضيقة ومركزة، وتعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري. ويمر أكثر من 90 في المئة من تجارة نفطه وتجارته غير النفطية عبر الخليج، فيما تهيمن عائدات النفط والبتروكيماويات على صادراته، وتعتمد مدخلات الصناعة الأساس وواردات الغذاء والتدفقات المالية على الممر نفسه، ولو كان لإيران مصادر تجارة برية ناشطة مع تركيا والعراق ودول آسيا الوسطى. ومن ثم، فإن تعطيل هرمز لا يعني تشديد القيود على الهوامش، بل الضغط مباشرة على قلب المنظومة.
ومع ذلك، فإن افتراض أن هذا الضغط يؤدي إلى انهيار فوري، ينطوي على سوء تقدير لبنية الاقتصاد الإيراني ومنطق حروب الحصار. فالمرحلة الأولى من الحصار غالبا ما تكون خادعة. فقد راكمت إيران، خلال سنوات من العقوبات والعزلة الاستراتيجية، هوامش أمان متعددة، إذ جمعت نفطا مخزنا في عرض البحر (floating storage) بلغ 166 مليون برميل في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، وقنوات دفع بديلة، وشبكات تجارة غير رسمية، وجهاز دولة اعتاد إدارة الأزمات.
وفي الأسابيع التي تلي فرض القيود البحرية الأميركية، تتيح هذه الآليات قدرا من الاستمرارية. إذ يواصل النفط الموجود أصلا في طريقه إلى الأسواق توليد الإيرادات، وتعمل المخزونات العائمة، أي الناقلات الراسية قبالة السواحل، كاحتياطي مؤقت. وإن كانت الواردات تتباطأ، إلا أنها لا تتوقف فورا. وعلى الرغم من العقوبات الأميركية، واصلت إيران تحقيق إيرادات نفطية تتراوح بين 43 و54 مليار دولار سنويا في السنوات الأخيرة، مع تدفقات شهرية وصلت إلى نحو 5 مليارات دولار قبل تشديد القيود في 2026، مدفوعة بشكل أساس بتجارتها مع الصين.
غير أن هذا الصمود في بدايته يخفي مشكلات أعمق لا تلبث أن تظهر مع الوقت، وأولاها عقبات ملموسة على الأرض أكثر من كونها أزمة أموال. إذ لا يمكن تحويل مسارات صادرات النفط بلا نهاية، كما أن قدرات التخزين، برا وبحرا، محدودة. وما إن تمتلئ حتى يصبح خفض الإنتاج أمرا لا مفر منه.
ويتفق محللون كثر على أن ضغوط التخزين تبدأ في الظهور خلال أسابيع لا أشهر. وعندها تجد إيران نفسها أمام تعديل قسري، فيغدو تقليص الإنتاج ضرورة تقنية لا خيارا استراتيجيا. وفي الحقول النفطية الناضجة، قد تتجاوز تكلفة هذه الانقطاعات الحاضر، إذ يمكن الإغلاق المطول أن يضر بالمكامن، فيضعف القدرة الإنتاجية لاحقا ويقوض تدفقات الإيرادات على المدى الطويل.
الأزمة تبدأ من الموانئ وتنتهي في الأسواق
يتزامن ذلك مع ضغوط موازية على جانب الواردات. فالقاعدة الصناعية الإيرانية تقوم على تدفق مستمر من الآلات والمواد الخام والسلع الوسيطة، كما يرتبط الأمن الغذائي بإمكان الوصول البحري، إذ تستورد إيران سنويا منتجات زراعية وغذائية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، من دول عدة أبرزها الإمارات وتركيا وهولندا وسويسرا وغيرها. ومع تقييد مسارات الشحن وارتفاع تكاليف التأمين، تبدأ هذه التدفقات في التباطؤ ثم التفكك.
وما يحدث ليس توقفا كاملا للتجارة، بل انتقال مكلف إلى مسارات أقل كفاءة. فبدائل الشحن، من ممرات برية عبر دول الجوار إلى موانئ ثانوية أو طرق شمالية، متاحة لكنها لا تضاهي حجم وكفاءة الشبكات اللوجستية المرتبطة بالخليج. والنتيجة تكلفة أعلى، وتأخيرات أطول، ونقص يتسرب أثره إلى الاقتصاد الداخلي.
في هذه المرحلة الثانية، التي تمتد على مدى أشهر، تبدأ الآثار التراكمية للحصار في الانكشاف بوضوح. فمع تراجع الصادرات، يرجح أن تنكمش تدفقات النقد الأجنبي بسبب تقويض قدرة توريد النفط بشكل أساس، وأن تتعرض العملة الوطنية لمزيد من الضغط. فقد أظهر الريال الإيراني بالفعل تقلبات حادة في الأيام الأخيرة، إذ جرى تداوله في الأسواق الموازية عند مستويات تجاوزت 1,600,000 مقابل الدولار في ذروات معينة، مقارنة بنحو 1,300,000 إلى 1,350,000 قبل شهرين فقط، مع تسجيل تقلبات أسبوعية تتجاوز 10الى 15في المئة، مما يعكس حساسية العملة لتصاعد الأخطار الجيوسياسية، فيما يتسارع التضخم المتجذر أصلا في بنية الاقتصاد، وقد يلامس 70 في المئة في العام الحالي، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
وتبدأ الأسواق في التفكك مع ظهور أسعار صرف متعددة بين القنوات الرسمية وشبه الرسمية والسوق السوداء. ومع شح الإيرادات، يتباطأ الإنتاج الصناعي وترتفع البطالة التي تبلغ في الأساس 8.3 في المئة من القوى العاملة الإجمالية في 2025 وفق بيانات البنك الدولي. وهكذا يتحول الاضطراب في التجارة الخارجية تدريجيا إلى انكماش أوسع في النشاط الاقتصادي.
ومع ذلك، تظل العلاقة بين الضغط الاقتصادي والنتيجة السياسية غير محسومة. فالنظام السياسي في إيران لا يقوم على آلية تحول التراجع الاقتصادي مباشرة إلى تنازلات سياسية. على العكس، طوّر جهاز الدولة أدوات للضبط والتكيف تتيح له امتصاص مستويات كبيرة من الضغوط. ويمكن إجراءات مثل التقنين وضبط الأسعار وتعزيز القبضة الأمنية أن تحافظ على قدر من الاستقرار على المديين القصير والمتوسط. والأهم أن الضغط الخارجي يعزز، في كثير من الأحيان، تماسك قطاعات أساسية داخل النظام، إذ تتحول رواية الصمود في وجه الإكراه الخارجي إلى عامل توحيد لا إلى سبب تفكك.
إذا خُنقت إيران، لن يمر الآخرون دون تكلفة
ينعكس هذا المنطق الداخلي في خطاب المسؤولين الإيرانيين. فهم لا يقدمون الحصار خلافا تقنيا حول الشحن أو العقوبات، بل يعتبرونه امتدادا للحرب. فقد وصف وزير الخارجية عباس عراقجي القيود البحرية بأنها عمل حربي وانتهاك لشروط وقف إطلاق النار، وربط رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أي إعادة فتح لمضيق هرمز برفع الضغوط الأميركية. وشدد مسؤولون كبار على وحدة الصف تحت شعار “أمة واحدة، مسار واحد”، رافضين السرديات الخارجية التي تتحدث عن التفكك. وربما الأبلغ أن عراقجي وصف “ساحة المعركة والديبلوماسية” أنهما جبهتان متكاملتان في صراع واحد. ووفق هذا التصور، لا ينفصل الضغط الاقتصادي عن التفاوض، بل يتحول إلى أداة داخله.
ولا يتضح هذا المنطق في مكان، مثلما يتضح في تعامل إيران مع مضيق هرمز. فالحصار الذي فرضته الولايات المتحدة يرمي إلى عزل إيران عبر تقييد وصولها إلى الأسواق العالمية. لكن طهران سعت إلى تحويل العزل نفسه إلى ورقة ضغط.
خصوصا، أن طهران تلوح بتقييد الحركة عبر هرمز، أو تمضي إلى تقييدها فعلا، كي تنقل تكلفة الاضطراب إلى خارج حدودها. ويمر عبر هذا الممر الضيق نحو خمس تدفقات النفط العالمية، أي نحو 20–21 مليون برميل يوميا، إلى جانب نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المُسال، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA). لذلك يترك أي تعطيل فيه أثرا فوريا في الأسعار وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد. ولهذا وصف بعض المحللين المشهد بأنه اضطراب متبادل مضمون، فإذا لم تستطع إيران التصدير بحرية، ستسعى إلى أن لا يمر الآخرون من دون تكلفة.
الحصار اختبار مزدوج للقدرة على الاحتمال
تتجاوز تداعيات هذه الاستراتيجيا حدود المواجهة الثنائية. فأسواق الطاقة تتفاعل بسرعة مع عدم اليقين، فترتفع الأسعار. وقد زاد سعر خام برنت بشكل حاد في الأيام الأخيرة، متجاوزا مرارا مستوى 100 دولار ليدخل نطاق 100–110 دولارات في ظل تجدد التوترات. وتزداد كذلك أقساط التأمين التي قفزت إلى مستويات غير مسبوقة، وتضاعفت مرات عدة، وفي بعض الحالات بأكثر من عشرة أضعاف، فيما تعيد شركات الشحن النظر في مساراتها. أما كبار المستهلكين، ولا سيما في آسيا، فيجدون أنفسهم أمام درجة أعلى من الانكشاف. وللصين، أكبر مستورد للطاقة من الخليج، مصلحة مباشرة في الحفاظ على الاستقرار، إذ تستورد نحو 40 في المئة أو أكثر، من وارداتها النفطية من الشرق الأوسط الأوسع، يُنقل جزء كبير منها عبر مضيق هرمز. ومع مرور الوقت، قد ترتد هذه الضغوط الخارجية على الحسابات السياسية للولايات المتحدة. فالحصار الذي يربك الأسواق العالمية يهدد بتآكل الدعم الدولي، ويفرض أكلافا على الحلفاء.
وهنا يبرز بعد حاسم في حروب الحصار كثيرا ما يجري إغفاله، وهو أن القدرة على الاحتمال ليست حكرا على طرف واحد. ففاعلية الحصار لا تعتمد فقط على قدرة الطرف المستهدف على تحمل الضغط، إنما على قدرة الطرف الذي يفرضه على مواصلته أيضا. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن إبقاء حصار بحري لفترة ممتدة يصطدم بقيود قانونية وسياسية واستراتيجية. فالانتشار المستمر لمجموعات حاملات الطائرات الضاربة والأصول البحرية الداعمة في الخليج يمكن أن يكلّف ملايين الدولارات يوميا، في حين تنعكس الارتفاعات في أسعار الطاقة عالميًا على شكل ضغوط سياسية داخلية، لا سيما في بيئة حساسة انتخابيا. وتتقاطع الحسابات السياسية الداخلية، بما فيها الاعتبارات الانتخابية والرقابة البرلمانية، مع الوقائع العملياتية على الأرض. أما دوليا، فقد تحد مقاومة القوى الكبرى والدول المتضررة من نطاق التنفيذ ومدته.
في هذا المعنى، لا تقتصر المواجهة حول هرمز على سؤال ما إذا كانت إيران قادرة على الصمود أمام الضغط الاقتصادي، بل تمتد إلى سؤال آخر وهو هل تستطيع الولايات المتحدة مواصلة هذا الضغط بتكلفة مقبولة؟ فكلما طال أمد الحصار، بدا أقرب إلى اختبار قدرة على الاحتمال منه إلى أداة إكراه حاسمة. ويسعى كل طرف إلى دفع الآخر لتجاوز عتبة تحمله للضغطين الاقتصادي والسياسي.
ويلعب التوقيت بدوره دورا أساسيا في فاعلية هذه الاستراتيجيا. فالإكراه الاقتصادي يكون عادة أشد تأثيرا قبل أن يتكيف الخصم مع الشروط الجديدة. وفي حالة إيران، أنتجت سنوات العقوبات، إلى جانب خبرة الصراعات السابقة، نظاما مهيأ أصلا للبقاء تحت الضغط. وإذا فُرض الحصار بعد اندلاع مواجهة مفتوحة، فإنه يخاطر بالتحول من أداة إكراه إلى محفز لمزيد من التصعيد. وبدلا من دفع إيران إلى تقديم تنازلات، قد يشجعها على اتخاذ تدابير مضادة، من استهداف الملاحة إلى رفع التكلفة العالمية وتوسيع نطاق الأزمة.
وتبقى الخسائر الاقتصادية المحتملة باهظة. وتشير بعض التقديرات إلى أن حصارا محكما قد يكلف إيران مئات ملايين الدولارات يوميا، بين صادرات مفقودة وواردات معطلة ونشاط اقتصادي يرتبط بهما. وقبل الأزمة، كانت إيران تصدّر نحو 1.5 إلى قرابة 2 مليون برميل يوميا، وتشير البيانات الدولية إلى متوسط يقارب 1.55 مليون برميل في 2025، مما يعني أن أي تعطل، حتى ولو كان جزئيا، في هذه التدفقات، يمكن أن يترجم إلى خسائر يومية تتجاوز 100 إلى 200 مليون دولار، تبعا لأسعار النفط ومستوى التشديد في تطبيق العقوبات.
وعلى مدى أشهر، تتحول هذه الخسائر إلى عشرات المليارات من الإيرادات الضائعة. أما الخسائر الأطول مدى، من تراجع القدرة الإنتاجية إلى تدهور البنية التحتية وفقدان الاستثمارات، فقد تكون أعلى بكثير. غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تختصر المشهد الاستراتيجي كاملا. فالخسارة الاقتصادية ليست سوى متغير واحد في حساب أوسع يشمل البقاء السياسي، والقدرة على امتلاك أوراق ضغط، والديناميات الدولية.
في المحصلة، لا يعمل حصار إيران أداة مباشرة للخنق الاقتصادي. إنه جزء من صراع أوسع، يحاول فيه كل طرف إعادة تشكيل البيئة بما يخدم مصالحه. تريد الولايات المتحدة رفع مستوى الضغط إلى حد تصبح معه المفاوضات أقل تكلفة من الاستمرار في المقاومة. وتريد إيران، في المقابل، توزيع هذا الضغط خارج حدودها وتحويل الأزمة الداخلية إلى أزمة عالمية، بما يبدل شروط الاشتباك.
ولن يقتصر مآل المواجهة على حجم الضرر الاقتصادي الذي يلحق بإيران وحده، ولا على ما تحققه العمليات البحرية فورا في الخليج، بل إن الأمر برمته سيتوقف على توازن دقيق بين التحمل والتصعيد، وبين الصلابة الداخلية والضغط الخارجي. وفي مثل هذا الاختبار، يصعب توقع نصر على هيئة انهيار حاسم أو تنازل صريح. وإذا ظهر مسار للحسم، فسيكون على الأرجح عبر تعديل تدريجي للكُلَف يدفع الطرفين نحو تسوية تفاوضية.
وفي النهاية، يبقى منطق الحصار كما كان دائما، ليس تحقيق نصر كامل، بل دفع الخصم إلى تغيير سلوكه. أما ما إذا كانت المواجهة الراهنة في مضيق هرمز ستفضي إلى هذا الهدف، أو ستكرس توازنا جديدا أشد تقلبا، فسيتوقف بدرجة أقل على شدة الضغط وبدرجة أكبر على حدود الاحتمال لدى الطرفين.
المجلة
——————————–
من هرمز إلى جبل طارق… كيف يعيد العالم ترتيب طرق التجارة؟/ حمد الشرقي
تغير المسارات البحرية يعيد رسم الأدوار ويمنح المغرب موقعا في سباق الخدمات اللوجستية
28 أبريل 2026
عاد مشروع بناء نفق تحت البحر المتوسط في مضيق جبل طارق بين إسبانيا والمغرب إلى الواجهة، في خضم أزمة مضائق الملاحة التجارية الدولية وإغلاق مضيق هرمز. وكشفت صحيفة “20 مينوتوس” (20 Minutos) الإسبانية أن المشروع أصبح قابلا للتنفيذ من الناحية التقنية والهندسية، بعد استكمال الدراسات الفنية الجيولوجية والاقتصادية. وقدرت تكلفته بـ 10 مليارات دولار، مع إمكان إنجازه ابتداء من السنة المقبلة. ويتضمن حفر نفق بحري بعمق 475 مترا، ومد شبكة ثلاثية للسكة الحديد بطول 42 كلم، منها 27.7 كلم تحت سطح البحر، تربط بين مدينة طريفة في أقصى جنوب إسبانيا، ومنطقة مالاباطا في أقصى شمال طنجة المغربية.
منذ شهرين، تصدّر ملف المضائق البحرية اهتمام الاقتصاديين، وكذلك الأوساط السياسية والخبراء العسكريين، عقب الأزمة التي فجّرها إغلاق مضيق هرمز خلال عملية “الغضب الملحمي” التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. هذا التطور، المرتبط بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، أدى إلى اضطراب الإمدادات وسلاسل التوريد، ورفع التكلفة والأسعار.
لا يقتصر الأمر على هرمز، إذ تضم قائمة أهم الممرات البحرية عالميا مضيق ملقا، وباب المندب، وقناة السويس، ومضيق جبل طارق، والبوسفور، والدردنيل، إضافة إلى قناة بنما. وقد شكلت هذه الممرات عبر العقود شرايين حيوية للتجارة العالمية، ومسارات أساسية لتدفق الطاقة والسلع، ومحركات لجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، بل وأحد أبرز تجليات نجاح العولمة.
غير أن هذه الممرات تحولت أخيرا إلى مصدر قلق متزايد لقطاع الشحن البحري، في ظل تصاعد الأخطار الأمنية واستهداف بعض طرق الملاحة، خصوصا في هرمز وخليج عدن وباب المندب، مما عمّق أزمة الثقة ورفع تكلفة العبور عبر بحار المنطقة.
ويبرز مضيق جبل طارق في غرب المتوسط بين المغرب وإسبانيا، كأحد أكثر الممرات المائية العالمية أمنا واستقرارا ونقطة وصل استراتيجية بين شرق البحر المتوسط وغرب المحيط الأطلسي، يعززها “ميناء طنجة المتوسط” كأحد أفضل خيارات النقل البحري والشحن والتصدير.
واحتل هذا الميناء المرتبة الخامسة عالميا في مؤشر أداء موانئ الحاويات (CPPI) الصادر عن البنك الدولي ووكالة “ستاندرد آند بورز” لعام 2024، ويعكس الترتيب أداء يفوق المتوسط من حيث سرعة إنجاز عمليات الدوران (Turnaround) عبر كل فئات السفن ونداءات الموانئ. وقد تعاملت المحطات الأربع للحاويات في مجمع ميناء طنجة المتوسط مع 11 مليون حاوية مكافئة (TEU) في عام 2025 مما يضعه ضمن أكبر 20 ميناء عالميا حسب البنك الدولي، وبزيادة قدرها 8.4 في المئة مقارنة بعام 2024. أما حركة شاحنات النقل الدولي (TIR)، فقد بلغت 535,203 شاحنات في 2025، بزيادة 3.6 في المئة مقارنة بعام 2024.
ويتفوق هذا الميناء على موانئ إسبانية وفرنسية وإيطالية، خاصة من حيث سرعة المناولة وجودة الخدمات اللوجستية.
ويُعدّ مضيق جبل طارق الممر البحري الوحيد في العالم الذي يحمل اسما عربيا، ارتبط بتاريخ المغرب والأندلس، إذ يُنسب إلى القائد العسكري طارق بن زياد. ويبلغ عرضه في أضيق نقطة بين المغرب وإسبانيا نحو 14 كيلومترا، وهو ما يعادل تقريبا 8.7 ميل بحري. وتشير بعض الروايات المستندة إلى الميثولوجيا الإغريقية، التي لا تزال حاضرة في معالم مثل مغارة هرقل في طنجة، إلى أن تشكل المضيق يعود إلى نحو 5.3 ملايين سنة، عندما اندفعت مياه المحيط الأطلسي عبر ممر طبيعي لتغذية البحر الأبيض المتوسط ومنع جفافه، على خلاف ما حدث لبحر ميت آخر في منطقة البحر الميت.
ممرات بحرية عربية وسفن آسيوية أوروبية
قبل حرب غزة وحرب إيران، كانت المضائق البحرية في الشرق الأوسط، تؤمن المواصلات التجارية البحرية بين الخليج العربي والمحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق والمحيط الأطلسي، وشمال أوروبا وشرق الولايات المتحدة. وكون منطقة غرب آسيا والخليج العربي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضم عددا كبيرا من المضائق والممرات البحرية، فإن لها طابعا استراتجيا في النشاط التجاري العالمي.
وفي مطلع عام 2025، بلغ عدد الأسطول البحري العالمي 112,500 سفينة بإجمالي حمولة قدرها 2.44 مليار طن ساكن. يشمل هذا الرقم السفن التجارية (شحن وغير شحن) بحد أدنى 100 طن إجمالي (GT). وتسيطر كل من اليونان والصين واليابان على أكثر من 40 في المئة من السعة، فيما يُسجَّل نحو 50 في المئة من هذه السعة في ثلاث دول علم فقط، هي ليبيريا وبنما وجزر مارشال، حسب تقرير الـ”أونكتاد”.
وبلغت قيمة خدمات الموانئ البحرية العالمية 96.57 مليار دولار عام 2025، ومن المتوقع أن تتجاوز 100 مليار دولار العام الجاري. وسيطرت منطقة آسيا والمحيط الهادئ على سوق خدمات الموانئ البحرية بحصة سوقية بلغت 33 في المئة من النشاط تشمل الرسو الآمن للسفن، والاستلام والمناولة والتفريغ والشحن.
ويظهر تحليل هذه الأرقام أن الجزء الأكبر من نشاط الموانئ العالمية يقع خارج مناطق الإنتاج الصناعي في الصين وجنوب شرق آسيا. يمثل شمال أفريقيا منصة صاعدة في ربط التجارة في مجال الموانئ العالمية. وتتوفر في المغرب 3 مركبات مرفئية ضخمة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، من الناظور إلى الداخلة مرورا بطنجة والدار البيضاء على مسافة تتجاوز 3,000 كلم. وهو يقع في نصف الطريق بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب.
قوة بحرية دولية لإزالة ألغام هرمز
ينظر العالم بكثير من القلق إلى التلاعب الإيراني بحرية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، ويعتبرها الاتحاد الأوروبي “ممارسات ابتزازية مرفوضة”. واستضافت باريس في 17 أبريل/نيسان الجاري قمة دولية حول مضيق هرمز شاركت فيها 50 دولة بهدف تشكيل “قوة بحرية تتولى تأمين حرية الملاحة في الخليج العربي وهرمز”، وتكون من مهماتها إزالة الألغام البحرية، وتوفير الإرشادات الأمنية للسفن، وضمان انسياب نحو 20 في المئة من النفط والغاز نحو الأسواق العالمية، لتلبية حاجيات الطاقة”.
لكن دخول هذه البعثة الخدمة يتوقف على نجاح المفاوضات الأميركية – الإيرانية في باكستان، وإنهاء الحرب في الشرق الأوسط. وقال رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، الذي شارك في اجتماع باريس إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني: “إن فتح مضيق هرمز بشكل غير مشروط وفوري مسؤولية عالمية، وعلينا التحرك لجعل الطاقة والتجارة العالمية تتدفق بحرية”، ويتهم الأوروبيون طهران بـ”أخذ اقتصاد العالم كرهينة”.
وأدان مجلس المنظمة البحرية الدولية (IMO) بشدة التهديدات والهجمات التي تستهدف السفن، وكذلك إغلاق مضيق هرمز، تماشيا مع قرار مجلس الأمن الرقم 2817، والذي أثّر سلبا على السفن التجارية وناقلات البضائع، وهدد سلامة ورفاه البحّارة.
وقال الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، أرسينيو دومينغيز: “لتكن من مسؤولية كل واحدٍ منا أن يثبت أن التقاعس ليس خيارا، وأن الكلمات وحدها لا تكفي. معا، يمكننا إحداث التغيير المطلوب لحماية رفاه من لا صوت لهم، وصون مبدأ حرية الملاحة”.
ولعل المثير للجدل أن طهران تطالب بتعويضات مالية (غير مستحقة) من دول مجاورة سبق وقصفتها من دون مبرر، ومنعتها من تصدير طاقتها، وتسببت لها في صعوبات اقتصادية.
يعتقد البنك الدولي أن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط تسببت بأضرار في الاقتصاد العالمي والإقليمي. وصرح جهاد أزعور، مدير مكتب الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي: “بين الدول المصدّرة للنفط المتأثرة بالنزاع، يُتوقع الآن أن يشهد خمسة من أصل ثمانية اقتصادات (خليجية) انكماشا في عام 2026”.
وتواجه قطر أكبر خفض في التوقعات (-8.6 في المئة)، نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت ببنيتها التحتية. في المقابل، تواجه عُمان تراجعا محدودا نسبيا (3.5 في المئة)، نظرا لأن منافذها البحرية تقع بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُرجح أن تستفيد من تحسن أوضاعها المالية وميزان حسابها الجاري في ظل ارتفاع أسعار النفط.
في المقابل، يتوقع أن يحقق الاقتصاد السعودي نموا بنحو 3.1 في المئة، ومثله في الإمارات، بينما يتوقع أن تحقق الدول المستوردة للطاقة نموا مرتفعا في نهاية عام 2026، سيبلغ 4.9 في المئة في المغرب، و4.2 في المئة في مصر يجعلها تحتل الرتبة الثالثة في الاقتصاد العربي بناتج إجمالي بقيمة 400 مليار دولار.
ومن جهته، قال الرئيس دونالد ترمب “إن الاقتصاد الإيراني يتكبد يوميا خسائر بـ 500 مليون دولار نتيجة الحصار الأميركي البحري على مضيق هرمز”، معتبرا أن “دول العالم التي تتلقى النفط عبر مضيق هرمز يجب أن تتولى حماية ذلك الممر”، واصفا الحلفاء بـ”الجبناء”.
مضيق جبل طارق الاستراتيجي لأوروبا
في أقصى غرب البحر الأبيض المتوسط يقع مضيق جبل طارق بعرض 14 كلم بين ضفتي أوروبا وشمال أفريقيا، وتعبره بين 300 إلى 400 سفينة يوميا، أي نحو 100 ألف سنويا وفق معطيات المنظمة البحرية الدولية. وعلى نقيض مضيق هرمز، يتمتع مضيق جبل طارق بدرجة عالية من انسياب مرور السفن بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وهو يخضع لمراقبة مشتركة من إسبانيا والمغرب إلى جانب بريطانيا العظمى.
ويمكن مشاهدة عبور السفن من ثلاثة اتجاهات داخل قارتين: من جبل موسى (المغرب)، أو من صخرة جبل طارق (المملكة المتحدة)، أو من جزيرة طريفة (إسبانيا). جميع هذه الأماكن التي يبعد بعضها عن بعض 20 كلم في الأقصى، تحمل أسماء عربية، ولها تاريخ مشترك انطلق من المغرب.
وتطالب مدريد بصخرة جبل طارق من المملكة المتحدة، ويطالب المغرب باسترداد سبتة ومليلة من اسبانيا. وتفضل الرباط صيغة الخيار الاقتصادي لتصحيح أخطاء التاريخ، عبر الرهان على بناء الموانئ والخدمات اللوجستية ومناولة الحاويات على الأرض وإرشادات السفن وغيرها.
وقال رئيس المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة رشيد الساري لـ”المجلة” إن “المغرب لن يفرض رسوما في مضيق جبل طارق على السفن العابرة، بل يريد أن يكون فاعلا في التجارة العالمية عبر موانئه المختلفة، التي تمنحه وزنا اقتصاديا وجيو – استراتيجيا، ويسعى إلى التحول منصة رئيسة لتوزيع السلع والبضائع نحو أوروبا”. وأضاف: “المهم هو تحويل الجغرافيا إلى مكاسب اقتصادية، لجلب الاستثمارات، وليس عرقلة التجارة كما تفعل إيران”.
ويملك المغرب مرفأين على مضيق جبل طارق: الأول مرفأ “طنجة المتوسط” الأكبر في أفريقيا، والثاني “ميناء الناظور غرب المتوسط” الذي سيفتتح نهاية العام، ويكون موجها بالكامل إلى الطاقة والصناعة التحويلية، وتخزين النفط الغاز، وإعادة التصدير إلى أوروبا القريبة، عبر شراكات استثمارية مع السعودية والإمارات.
ويعتمد المغرب في تنافسيته مع المرافئ الأوروبية على توصيات المنظمة البحرية الدولية الإستراتيجية، في شأن الحد من انبعاث الغازات الدفيئة من السفن، والانتقال إلى قطاع بحري نظيف. ومن المتوقع أن يؤدي تشديد اللوائح البيئية البحرية الدولية في ما يتعلق بانبعاث الغازات الدفيئة إلى تغيير خريطة الشحن البحري، لحساب قوى صاعدة. وفي إمكان المغرب الاستفادة من الأهمية الجغرافية لمضيق جبل طارق وتحويلها إلى قوة اقتصادية معترف بها إقليميا وعالميا. ويراهن المغرب على خدمات الموانئ التي قد تصل الى 149 مليار دولار عام 2034 وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهو تاريخ نهاية الأشغال، وعلى ربط ضفتي البحر المتوسط عبر نفق للسكك الحديد بين اسبانيا والمغرب لربط قارتين. وقد تعذر تحقيق هذا الحلم لمناسبة نهائيات كأس العالم المشتركة 2030، بسبب عدم استكمال الدراسات التقنية والجيوفيزيائية، في منطقة تلاقي الألواح التكتونية والانجراف القاري بين أوروبا وأفريقيا.
مخاوف أوروبية من تنامي دور الموانئ المغربية في المتوسط والأطلسي
يُعدّ الأسطول البحري الأوروبي من بين الأكبر في العالم، إذ يسيطر على 35 في المئة من الأسطول العالمي. وتبلغ نسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي، 106 في المئة، فيما يتم نقل 76 في المئة من تجارة الاتحاد الأوروبي الخارجية عبر البحر، مما يجعل الشحن البحري عنصرا حيويا للحفاظ على هذا الانفتاح والقدرة التنافسية. وفي عام 2024، استورد الاتحاد الأوروبي 1.1 مليار طن من السلع من دول خارج الاتحاد عبر البحر، بقيمة بلغت 1.25 تريليون يورو.
إلا أن معظم هذه التجارة، تمر حاليا عبر مضايق إستراتيجية عالية المخاطر، أو تُشحن وتُفرغ ويعاد تصديرها عبر موانئ خارج الاتحاد الأوروبي ومنها المغرب.
وجاء في تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI): “عند المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، يشهد مضيق جبل طارق تحولا ملحوظا في موازين القوى الإقليمية. فقد تفوق ميناء طنجة المتوسط المغربي على منافسيه الإسبانيين فالنسيا والجزيرة الخضراء، ليصبح المركز الرئيس لشحن الحاويات عند البوابة الجنوبية لأوروبا. يثير هذا الأمر تساؤلات إستراتيجية حول اعتماد أوروبا المتزايد على البنية التحتية خارج الاتحاد”.
ومع تزايد أخطار أزمة هرمز، قدمت المفوضية الأوروبية بدائل إستراتيجية لتعزيز أمن موانئها ضد التهديدات الجديدة، وتسريع التحول في مجال الطاقة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، والاستثمار في بناء سفن حديثة وفعالة، ووضع قواعد في شأن الاستثمار الأجنبي في البنية التحتية للموانئ الأوروبية.
ويضع الاتحاد الأوروبي سيناريوهات محتملة لمواجهة أي طارئ أو أزمة في طرق التجارة البحرية. يشمل الخيار الأول العودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح، الذي كان مفيدا لأوروبا قبل فتح قناة السويس عام 1869. أما اليوم فإن التكلفة مرتفعة بسبب طول المسافة مدة أسبوعين إضافيين.
ويقوم الخيار الثاني على المرور عبر بحر الشمال والقطب الشمالي، وتقليص المسافة بين 40-50 في المئة، إلا أن هذه الطريق البحرية تخضع للسيطرة الروسية. أما الخيار الثالث فهو يتمثل بخط سكة حديد وعبارات تربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا. ينقل الممر حاليا 6 ملايين طن سنويا، مع خطط لرفع هذا الرقم إلى 10 ملايين طن، لكن هذا الرقم ضئيل جدا مقارنة بمئات الملايين من الأطنان التي تنقل سنويا عبر الطرق البحرية الرئيسة بين آسيا وأوروبا.
أما على صعيد الشحن الجوي، فالطائرات، حتى المخصصة للشحن الثقيل، لا تستطيع حمل أكثر من 100 إلى 150 طنا، مقارنة بأكثر من 200 ألف طن من الوزن لسفينة حاويات متوسطة.
في الوقت الراهن يحتاج الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد بنسبة 20 في المئة من موارد الطاقة من دول الخليج، الى إعادة فتح مضيق هرمز، وربطه بقناة السويس ووصوله إلى مضيق جبل طارق، الطريق البحري العملي الأقرب والأقل تكلفة، وهو المعمول به منذ 1869، لكن ذلك كان قبل نظام ولاية الفقيه في إيران.
المجلة
——————————–
كيف راكمت إيران 11 طنا من اليورانيوم المخصب؟ نيويورك تايمز تحقق
تساءلت صحيفة نيويورك تايمز عن الظروف التي تمكنت فيها إيران من تجميع 11 طنا من اليورانيوم المخصب على مدى 20 عاما، ولماذا أصبح مصير هذا المخزون ومكانه ملفوفا بالغموض ومثار تساؤلات كثيرة في الأوساط الأمنية العالمية.
وفي تقرير تفاعلي، رصدت الصحيفة مسار البرنامج النووي الإيراني منذ بداياته في الألفية الجديدة حتى بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، موضحة كيف أدى انهيار الدبلوماسية والتصعيد العسكري إلى تحويل الملف النووي الإيراني إلى أزمة دولية كبرى.
بدأت إيران تخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي عام 2006، مؤكدة أن أهدافها سلمية ومخصصة لإنتاج الطاقة المدنية. وخلال السنوات التالية، أظهرت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية نموا مستمرا في مخزون طهران من اليورانيوم منخفض التخصيب، الذي تصل نسبة تخصيبه عادة إلى نحو 5%، وهو مستوى مناسب لإنتاج الكهرباء.
نقطة تحول كبرى
لكن نقطة التحول الكبرى حسب الصحيفة جاءت عام 2010، عندما أعلنت إيران أنها ستبدأ تخصيب اليورانيوم حتى نسبة 20%، رسميا لإنتاج وقود لمفاعل أبحاث، وهو مستوى بالغ الحساسية لأنه يمثل الحد الفاصل الرسمي بين الاستخدام المدني والاستخدام العسكري المحتمل. وقد أثار ذلك قلق الخبراء، لأن الوصول إلى 20% يعني إنجاز الجزء الأصعب تقنيا من الطريق نحو الوقود المستخدم في القنابل النووية.
ويشير تقرير الصحيفة إلى أن انتقال مستوى التخصيب من صفر إلى 20% أصعب بكثير من الانتقال من 20 إلى 60%، أو حتى إلى 90%، وهي النسبة الملائمة لصناعة السلاح النووي.
ومع توسع المخزون الإيراني، بدأت إدارة الرئيس باراك أوباما (2009-2017) مفاوضات انتهت إلى الاتفاق النووي عام 2015، وافقت بموجبه إيران على حصر التخصيب عند نسبة 3.67%، وتقليص مخزونها بشكل كبير لمدة 15 عاما.
إعلان
وشحنت طهران نحو 25 ألف رطل، أي ما يعادل 12.5 طنا من اليورانيوم المخصب، وخفضت ما تبقى لديها إلى أقل من 660 رطلا فقط (نحو 300 كيلوغرام)، ما يعني أنها لم تكن تملك آنذاك ما يكفي لصنع قنبلة نووية واحدة.
تغيير جذري
لكن الوضع تغير جذريا عام 2018، عندما انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران. وردا على ذلك، بدأت طهران تدريجيا تجاوز حدود الاتفاق.
وهكذا رفعت أولا مستوى التخصيب المنخفض، ثم عادت إلى تخصيب 20% مطلع عام 2021، ولاحقا وصلت إلى تخصيب بنسبة 60%، وهو مستوى يقترب بشدة من درجة الاستخدام العسكري.
ويشير التقرير إلى أن محاولات إدارة جو بايدن (2021-2025) لإحياء الاتفاق النووي فشلت، بينما واصلت إيران توسيع مخزونها. وبحلول عام 2025، وبعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض، كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ينمو بأسرع وتيرة منذ بدء المراقبة الدولية.
وفي يونيو/حزيران 2025، خلال الحرب التي استمرت 12 يوما، قصفت الولايات المتحدة منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، إضافة إلى أنفاق تخزين اليورانيوم في أصفهان. وبعد شهر واحد، علّقت إيران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أنهى المراقبة الدولية المباشرة لمواقعها النووية.
وضع غير معروف
ونتيجة لذلك، أصبح الموقع الدقيق لمخزون إيران البالغ 11 طنا غير معروف، ورجحت الصحيفة أن يكون جزء منه مدفونا تحت أنقاض الضربات العسكرية، أو ربما نُقل إلى مواقع سرية.
وعلقت الصحيفة على ذلك بالقول إنه بسبب الطبيعة المشعة والخطرة كيميائيا لليورانيوم المخصب، فإن تدميره أو حتى التحقق من وجوده يمثل تحديا كبيرا.
ورغم أن الخبراء يقولون إن تحويل هذا المخزون إلى رأس نووي قابل للاستخدام سيحتاج عدة أشهر، وربما أكثر من عام، فإن المخاوف لا تزال مرتفعة، وسط تكهنات بأن إيران ربما أنشأت منشأة تخصيب سرية تحت الأرض قرب أصفهان، ما يثير مخاوف من إمكانية مواصلة التخصيب بعيدا عن الرقابة الدولية، والوصول في النهاية إلى إنتاج وقود صالح لصنع قنبلة نووية.
المصدر: نيويورك تايمز
——————————-
=======================
تحديث 29 نيسان 2026
—————————–
هندسة الثنائيات وتشكيل المبنيات السياسية المتنافسة في الخطاب الأميركي حول إيران/ محمد الشرقاوي
تُحَلِّل الدراسة الخطاب الأميركي حول الحرب على إيران، وكيف أنتج عدة ثنائيات سياسية وإعلامية متوازية، بما تنطوي عليه من صور معرفية ونفسية وسلوكية، سواء من خلال تأييد الحرب، أو معارضتها، أو خطاب الخيار العسكري، أو خطاب التفاوض. وتتعزَّز هذه الثنائيات المتعارضة أيضًا بالصور والتَّمَثُّلات واللغة التهكمية التي يستند إليها كل طرف من أطراف الصراع، ويميل عامة إلى توظيف نظام العداوة وتكريس مجموعة من المبْنِيات السياسية عبر وسائل الإعلام وبقية مسارات المجال العام.
29 أبريل 2026
مقدمة
تنطوي إدارة الحروب وبقية الصراعات المسلحة عادة على توازي ثنائيتين رئيسيتيْن: أولاهما: تخطيط وتنفيذ العمليات الميدانية من ناحية، وهندسة الخطاب السياسي عبر وسائل الإعلام، من خلال حرب السرديات، والترويج لاحتمالات تحقيق النصر بمنطق المعادلة الصفرية، من ناحية أخرى. وثانيتهما: يَمْثُل أمام هذا الوضع توازٍ آخر في مواقف الأطراف عندما يُلوِّحون بخطاب الاستمرار في التصعيد العسكري والانفتاح على الدخول في مفاوضات على أساس “القوة” و”تحدي القوة” في آن واحد.
لا تخرج إدارة الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران عن هاتين القاعدتين، خلال الأيام الخمسة والأربعين الأولى، وتجلَّى ذلك في تصريحات الرئيس، دونالد ترامب، في واشنطن، ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، في طهران، فيما انتعش الأمل في وساطة باكستان بشأن التوصل إلى هدنة مؤقتة خلال أسبوعين (8- 22 أبريل/نيسان 2025)، وبحث إمكانية التوصل إلى توافقات بشأن استئناف حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز في المستقبل. وينطوي سياق هذه المتغيرات على التصعيد العسكري المتبادل، والذي أسفر عن انتقال متدرج من حرب عسكرية جوية إلى حرب اقتصادية على المستوى الدولي وتهديد انتخابي على المستوى الأميركي بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، والمخاوف من فقدان الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات الكونغرس في بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
بيد أن اعتداد الوفديْن، الأميركي والإيراني، إلى إسلام آباد بمنطق القوة، سواء “الواقعية” أو “المتخيلة”، أسفر عن فشل المفاوضات في غضون 21 ساعة فحسب، بدلًا من 72 ساعة التي كانت مقررة للجولة الأولى منها. وقال نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس: إن إيران اختارت عدم قبول الشروط الأميركية، بما فيها عدم الحصول على أسلحة نووية، وإن “الخبر السيء هو أننا لم نتوصل إلى اتفاق، وأعتقد أن هذا خبر سيء لإيران أكثر بكثير من كونه سيئًا للولايات المتحدة. لذا نعود إلى الولايات المتحدة دون التوصل إلى اتفاق. لقد أوضحنا تمامًا ما هي خطوطنا الحمراء”(1).
في الوقت ذاته، أشارت وكالة تسنيم الدولية للأنباء إلى أن المطالب الأميركية “المفرطة” قد أعاقت التوصل إلى اتفاق. وخلال بدء المحادثات، كان الجيش الأميركي ووزارة الحرب في واشنطن يقولان إنهما “يُهيِّئان الظروف” لبدء تطهير مضيق هرمز، في إشارة ضمنية إلى عدم غياب الخيار العسكري كلية عن خَلَدِ الرئيس ترامب(2). ويُؤشر هذا الوضع الجديد إلى مغبة الانتقال من سيطرة إيرانية مؤقتة إلى حصار أميركي شامل لمضيق هرمز وتحكُّم ترامب في حركة ناقلات النفط والغاز بين الخليج وبقية العالم. ومن تداعيات هذا الاحتمال الوارد أن البيت الأبيض لم يَعُد يضغط على طهران لفكِّ حصارها للمضيق فحسب بل وأيضًا للترويج لقبول قيود أميركية جديدة فوق الموانع الإيرانية القائمة في هذا الممر البحري الدولي.
بين ارتباك العمليات العسكرية وتعثر مسار المفاوضات، يعكس تنافر الإستراتيجيات أو اللاتقاطع الإستراتيجي في الحرب على إيران متاهة ما يمكن تسميته “المعادلة اللاصفرية” (Non-zero game) التي ينبغي أن تدخل إلى جوار مفهوم “المعادلة الصفرية” في حقل العلاقات الدولية وتاريخ الفكر الإستراتيجي منذ صن تزو (Sun Tzu) في الصين الكونفوشيوسية، مرورًا بنيكولو ميكيافيلي (Niccolo Machiavelli) (1527-1469) في إيطاليا، وكارل فون كلاوس فيتز (Clausewitz Carl von) (1831-1780) في بروسيا (ألمانيا حاليًّا)، وبقية دعاة الواقعية السياسية، ومنهم هانز مورغانثو (Hans Morguanthau)، وإدوارد كار (Edward Carr)، وكينيث والتز (Kenneth Waltz)، وجون ميرشامير (John Mersheimer) في الحقبة المعاصرة.
تركز هذه الدراسة على تحليل الخطاب الأميركي حول الحرب على إيران، وكيف أنتج عدة ثنائيات سياسية وإعلامية متوازية، بما تنطوي عليه من صور معرفية ونفسية وسلوكية سواء من خلال تأييد الحرب أو معارضتها، أو خطاب الخيار العسكري أو خطاب التفاوض، أو تمرُّد أعداد متزايدة من أنصار الترامبية إلى خارج حركة “ماغا”، من إعلاميين، ومنهم: تاكر كارلسون (Tucker Carlson)، وميغين كيلي (Megyn Kelly)، اللذان كانا من أشدِّ مؤيديه في قناة “فوكس نيوز” (Fox News) وبقية منصات الإعلام اليميني المحافظ، أو أعضاء الكونغرس، أو مثقفين محافظين، أو نشطاء المجتمع المدني. وتتعزَّز هذه الثنائيات المتعارضة أيضًا بالصور والتَّمَثُّلات واللغة التهكمية التي يستند إليها كل طرف من أطراف الصراع، ويميل عامة إلى توظيف نظام العداوة وتكريس مجموعة من المبْنِيَّات السياسية عبر وسائل الإعلام وبقية مسارات المجال العام.
احتدَّ الجدل حول الصفات والوسوم التي يستخدمها خطاب الرئيس، دونالد ترامب، في تَمْثِيلاته لإيران “العدوة” وإسرائيل “الحليفة”. ووصل خطابه في البُعْد السيميائي والرمزي إلى نبرة غير مسبوقة عندما توعَّد بسحق الإيرانيين، وقصف محطات الطاقة وبقية المرافق الحيوية، وأنه “سيَقْبِرُ حضارة بشرية بأكملها”، فضلًا عن النعوت المشحونة بالتحقير التي حملها الخطاب بسبب انفعاله الشديد لعدم قبولهم فتح مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية. وظهرت في صريح الخطاب العام الأميركي جدلية نقدية حادَّة عندما تمادى الرئيس ترامب في النَّيْل من قدر الإيرانيين وثقافتهم وهويتهم القومية في عِزِّ وعيده بأن القوات الأميركية “ستُدمِّر جميع البنيات الأساسية في إيران وتُعِيدها إلى العصر الحجري” والعالم يَشُدُّ الأنفاس إلى تداعيات ذلك الوعيد عالي النبرة بشكل قياسي.
نَحَى خطاب ترامب، في السادس من أبريل/نيسان 2026، منحًى انفعاليًّا أكبر بتوجيه “تهديداته المروعة ضد إيران، وهي تكشف عن لغة الحرب المنفلتة من عقالها”، حسب تعبير أحد المراقبين، وهو وصفٌ مهذَّب للغة التي انطوت عليها عباراته وإسقاطاته. يقول هنري جيرو (Henry Giroux)، أستاذ كرسي اللغة الإنجليزية والدراسات الثقافية في جامعة ماكماستر الأميركية: إن إسرائيل والولايات المتحدة “صوَّرتا الصراع مع إيران على أنه صراع وجودي بين الخير والشر. وهذه ليست رسالة إستراتيجية أو قانونًا دوليًّا بل هي لغة الحروب الصليبية المتجددة التي تُحرِّكُها الحماسة الأيديولوجية وتُقَدَّم عرضًا للقوة التي يستمد ترامب منها رؤيته للعالم بأن القوة تصنع الحق”(3).
1. نسق العداوة القديمة الجديدة بين واشنطن وطهران
خلال الأيام الخمسة والأربعين الأولى من الحرب، تمحورت سرديات الخطاب الأميركي وأنماطه حول ما يدعم نظام العداوة، وهو مجموع الـمَبْنِيَّات الاجتماعية والنفسية والسياسية التي تُعرِّف وتُعزِّز وتُدِير العداوة الشديدة بين الجماعات المتعارضة بما يتمكَّن في القلب من قصد الإضرار والانتقام من الآخرين. بعبارة أخرى، كيف يفتعل كل طرف شَيْطَنَة الآخر، وتحويله إلى “عدو” تتعيَّن مواجهته بالقوة. وغالبًا ما تتضمن هذه المنظومة بناءً متعمدًا لـ”سرديات العداوة” من قِبَل القادة لتعزيز التماسك الجماعي وتبرير العنف.
اعتدَّ الرئيس دونالد ترامب منذ اليوم الأول لإعلان الحرب بمجموعة سرديات سلبية إزاء الإيرانيين تشبَّعت بتراكم قرابة خمسة عقود من التحامل والعداء المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران بسبب أزمة الرهائن الأميركيين في طهران (1979-1981). وبعد بدء القصف الأميركي/الإسرائيلي على إيران، قال ترامب: إن “هذا النظام المتعصِّب يُرَدِّد منذ سبعة وأربعين عامًا: “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”. وتسبَّبت إيران ووكلاؤها في قتل 241 أميركيًّا في تفجير ثكنات المارينز في بيروت، ومجزرة ضد مئات من أفراد قواتنا باستخدام القنابل على جوانب الطرق. وكانوا متورطين في الهجوم على سفينة “يو إس إس كول”، وارتكبوا عددًا لا يُحصى من الأفعال الشنيعة الأخرى، بما فيها الفظائع الدموية المروعة التي وقعت في السابع من أكتوبر في إسرائيل”(4).
ويتعزَّز الطرح الأيديولوجي المعادي لنجاح “الثورة الإسلامية” قديمًا وإيران حاليًّا بما يُروِّج له بعض مثقفي اليمين، مثل برنارد لويس وصموئيل هانتنغتون، وبعض أعضاء الكونغرس ومنهم السيناتور الجمهوري، لندسي غراهام، والذي قال يوم مفاوضات إسلام آباد: “إن الرئيس ترامب يوقف نظامًا مجنونًا قاتلًا من الحصول على سلاح نووي. وإذا لم تعاملهم بهذه الطريقة، فقد فاتك الكثير في الأعوام السبعة والأربعين الماضية”(5).
يُلاحِظ جيمس كيمبل (James Kimble)، أستاذ التواصل ومؤرخ الدعاية في جامعة سيتون هول الأميركية، كيف أن الرؤساء الأميركيين بشكل عام التزموا بنبرة محترمة في زمن الحرب، وإن كانت هناك بعض الاستثناءات، وأن الرئيس هاري ترومان، عند تبريره إلقاء القنابل الذرية على اليابان، كتب أنه “عندما تتعامل مع وحش، عليك أن تُعامِله كوحش”، بينما أنتجت الولايات المتحدة ملصقات الحرب العالمية الثانية المصمَّمة “لتشويه وتجريد العدو الألماني من إنسانيته”. ومع ذلك، فإن رسائل ترامب -بما فيها من “إبداء ابتهاجه بوفاة المقاتلين الأجانب”- كانت “أكثر خشونة بكثير”. وأضاف: “إنها تتجاوز فكرة هزيمة العدو في ساحة المعركة، وتتحوَّل أكثر إلى نوع من الهزيمة المهينة، أو إذلال متعمَّد، إنها تنمر في ساحة المدرسة، إلى جانب العنف الجسدي”(6).
نتيجة لهذا المدِّ الأيديولوجي المشترك بين المحافظين الجدد والترامبيين الجدد، تكبر دوامة التصنيف السلبي للعدو الإيراني وإنسانيته وهويته وثقافته وحتى حقِّه في الوجود. فيحتدم التنافس بين طرفي الصراع على احتكار الذات لقيم “الحق” و”الشرعية” و”الفضيلة” و”اليد العليا”، مقابل إسقاط “الرذيلة” و”الخطيئة” و”انتهاك القانون” و”العنجهية” و”اليد السفلى” على الآخر “الخصم” و”العدو” و”التهديد الوجودي” لبقاء الذات الجماعية. ومن ثم، يتقوَّى تأرجح ميزان هذه العداوة المكثفة في ظل الصراع المسلح. وتتداخل تَمَثُّلات الفئات بين من يُصنَّف داخل المجموعة أو من يُحشرون ضمن الخانة السوداء بوصفهم مجموعة خارجية. والأدهى أن هذا الدَّمْغ السلبي للأعداء لا يتمهَّل أمام حقيقة أن “الأعداء” لا يتوقفون أبدًا عن كونهم بشرًا ولا يزالون أناسًا. حياتهم ثمينة. وينبع مما تصفه سوزان نيديتش (Susan Niditch) بـ”صراع داخل كل واحد منَّا بين الرحمة والعداوة”(7).
ويُلاحِظ الباحث في معهد أكسفورد للقانون والأخلاق والصراع المسلح، هيغو سليم (Hugo Slim)، في دراسته “لماذا حماية المدنيين؟ البراءة والحصانة والعداوة في الحرب” كيف أن السؤال الأخلاقي الأساسي عن التعايش ومساعدة الآخر في مرجعياته الدينية والاجتماعية ينقلب في زمن الحرب إلى سؤال: “من هو عدوي؟”، وهو السؤال الأكثر حدَّة فيما يتعلق بالالتزام الأخلاقي الذي ينبغي أن يجيب عليه القادة السياسيون والعسكريون والمجتمعات بأكملها عندما يشرعون في الحرب والعنف المنظم أو يُدفعُون إليهما. ويتعلق سؤال “من هو عدوي؟” بوضوح بمجموعات البشر التي قد تقع خارج نطاق الالتزام الأخلاقي المعتاد في أوقات الحرب والعنف السياسي. جميع التقاليد الأخلاقية واضحة في أن “لدينا أعداءً وجيرانًا”(8).
لم يشهد الخطاب السياسي للبيت الأبيض -حتى في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون المعروف بلسانه السليط خلال حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت- ابتذال ما يتفجَّر بفعل الانفعال من لغة غير منضبطة مثلما وصل إليه دونالد ترامب في حديثه إلى الإيرانيين في اليوم السابع والثلاثين من الحرب. ويُعزى هذا الانفعال ولغة الشتم إلى انحساره الذهني إزاء تحكُّم الإيرانيين في مضيق هرمز وافتعال أزمة اقتصادية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة إلى 112 دولارًا للبرميل الواحد، وهو السعر الأعلى منذ أربعة أعوام (2022-2026).
وتختفي لباقة “رجل الصفقات” وتغيب لباقة “مُنَظِّر المفاوضات”، ويحضر غضب الرئيس دونالد ترامب من عدم استجابة طهران، وهو يتوعَّد بسياسة الأرض المحروقة قائلًا: “سيكون يوم الثلاثاء في إيران هو يوم محطات الطاقة ويوم الجسور، سنجمع كل ذلك جميعًا في يوم واحد. لن يكون هناك شيء يُشبهه!!!. افتحوا ذلك المضيق اللعين يا أيها الأوغاد المجانين، وإلا فستعيشون في الجحيم، ترقبوا ما سيحدث! الحمد لله.” ومن أهم التعليقات التي اختزلت فحوى خطاب ترامب إلى الأمة أن الحرب “أصبحت بسرعة علامة مميزة لبرنامج رئاسته الثانية، وأن الخطاب بمنزلة تتويج ليوم استثنائي أظهر فيه قوة الرئاسة” عندما لوَّح بقوله: “أميركا كانت طوال السنوات الخمس في ظل رئاستي تنتصر، والآن تنتصر أكثر من أي وقت مضى”(9).
أخذت خطابية ترامب وسعها في التمدد بين إسفاف الشعبوية وجموح الابتذال ليس إزاء إيران فحسب، بل وأيضًا إزاء السعودية. وامتدت خارج أعراف الدبلوماسية حتى في أوقات الخلاف والتصعيد لتُسَجِّل رقمًا قياسيًّا في لغة التهكُّم والتعالي. وبعد أن أشاد بالود الشخصي الذي عبَّر عنه الملك سلمان بن عبد العزيز له خلال لقائهما في السعودية، تحوَّل إلى ولي العهد، محمد بن سلمان، ليقول -ما معناه- إنه “يتملَّقه”. ولكن المفردات التي انتقاها الرئيس ترامب تمتح من اللغة الفاحشة.
2. ترامب وموسم المبنيَّات السياسية المتحوِّرة
تنطوي حرب إيران على توظيف كل طرف من الأطراف الثلاثة، إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، وأيضًا المؤيدين والمعارضين للحرب، مجموعة من الـمَبْنِيَّات السياسية ليس بشأن تفسير كل طرف أسباب الحرب فحسب بل وأيضًا الدفع بمجموعة من الأنساق التي تستمد زخمها من جدلية القوة والقوة المضادة، خاصة عند اعتداد كل من دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، بمقولة: تحقيق “السلام عبر القوة”. ويمكن تبسيط مفهوم المبنيَّة السياسية بأنه فكرة أو مؤسسة أو إطار عمل، مثل: الدولة، أو المواطنة، أو الديمقراطية، يتم إنشاؤه والحفاظ عليه من خلال التفاعل الاجتماعي، وتوازنات القوة، والمعتقدات المشتركة، بدلًا من كونه كيانًا طبيعيًّا أو ثابتًا. وتهدف المبنية إلى تنظيم المجتمع، وتبرير السلطة، وتشكيل كيفية إدراك الأفراد للواقع السياسي وتفاعلهم معه. وأصبحت تلك المبنيَّات السياسية لدى ترامب بمنزلة مادة رخوة حتى على مستوى الإجراءات التكتيكية التي يُغيِّرها بمعدل مرة كل ثمان وأربعين ساعة في إدارته الحرب على إيران، على طول الخط بين خيار القصف وخيار التفاوض.
من أهم منظِّري المبنيَّات السياسية أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الدولية في فلوريدا، نيكولاس أنوف (Nicholas Onuf)، ومن أبرز مساهماته كتاب: “عالم من صنعنا: القواعد والضوابط في النظرية الاجتماعية والعلاقات الدولية”(10). وتقوم فرضيته على سلسلة متصلة من اللغة الأدائية والقواعد والنظم. وتُنْتِج ثلاثة أنواع من الأفعال الكلامية (توجيهية، تعليمية، التزامية) أنواعًا مقابلة من القواعد التي بدورها تُنتِج ثلاثة أنواع من النظم (الهيمنة، التراتبية، الاستقلال). ويُساعد الامتثال للقواعد في الحفاظ على النظام، لكن الفشل في الالتزام بها يُضعف النظام. ويؤدي النظام، عادةً عبر وسائل مؤسسية، إلى تأثيرات توزيعية في المجتمع السياسي (محليًّا أو دوليًّا)؛ مما يمنح وصولًا مميزًا للموارد المادية والرمزية لبعض الفاعلين دون غيرهم.
ويوضح أنوف أنه خلال صياغة الكتاب ركَّز على أهمية القواعد، ليس فقط بسبب خلفيته في النظرية القانونية الدولية أو خيبة أمله في الواقعية بوصفها عِلمًا مزعومًا، بل “انتبه إلى وجود صلة واضحة بين القواعد بوصفها أدواتٍ للسيطرة الاجتماعية وبين الحكم كنظام لتوزيع الامتياز، وهي صلة غالبًا ما تُغْفَل في الفقه الاجتماعي. على الأقل بدا ذلك واضحًا لي بعد عقد السبعينات من قراءة مجموعة متنوعة من الماركسيين الغربيين، ونظريات النخبة، وعلماء الاجتماع المنشقين، على سبيل المثال لا الحصر: غالتون (Galtung) 1971، وغرامشي (Gramsci) 1971، ولاسويل (Lasswell) 1936، ولينسكي (Lenski)1966 ، ومانديل (Mandel) 1975، وماركوس (Marcuse) 1964، وميلز (Mills ) 1956، ووالرستين (Wallerstein) 1974″(11).
وتُمَثِّل الهيمنة والاستغلال هاجسًا رئيسيًّا في مؤلَّفات أنوف؛ إذ نادرًا ما استخدم أحد فعليًّا لغة القواعد والضوابط. ومع ذلك، فإن التحويلات الضرورية تتبادر إلى الذهن بسهولة كما يوضح الجدول رقم (1).
جدول (1): تركيبة المبنيَّات السياسية وفق نيكولاس أنوف
ماهية السيطرة
طبيعة الهيمنة
الوسيلة
مصدر السيطرة
الامتياز
موارد غير متكافئة
نمط السيطرة
السلطة
العنف، الثروة، الرموز (عن طريق القواعد)
ممارسة السيطرة
الهيمنة
إخضاع (مُشرعن شرطًا للحكم)
أثر السيطرة
الاستغلال، الامتياز
منافع غير متكافئة المنافع = الموارد
المصدر: من إعداد الباحث.
ترتبط فكرة المبنيات السياسية بنسق فلسفي أوسع هو البنائية (Constructivism) التي انتشرت عبر العلوم الاجتماعية بما فيها العلاقات الدولية. ومن أبرز منظِّري هذه البنائية الألماني/الأميركي، ألكسندر ويندت (Alexander Wendt) الذي حدَّدت مقالته بعنوان: “الفوضى هي ما تصنعها الدول: البناء الاجتماعي لسياسة القوة”، عام 1992، الأساسَ النظري لتحدي ما عدَّه خللًا مشتركًا بين الواقعيين الجدد والمؤسساتيين الليبراليين الجدد، ألا وهو التمسك بصنف خام من المادية. وكثيرًا من يتم الاستشهاد بعبارة ويندت عندما قال: “الفوضى هي ما تصنعها الدول”. وهذا يعني أن الفوضى ليست متأصلة في النظام الدولي بالطريقة التي تتخيَّلها مدارس أخرى في نظرية العلاقات الدولية، بل هي بناء من صنع الدول داخل النظام.
تكمن في صميم الفكر البنائي فكرة مفادها أن العديد من الجوانب الأساسية للعلاقات الدولية هي مُشَكَّلَة اجتماعيًّا، أي إنها تأخذ شكلها من خلال عمليات مستمرة من الممارسة والتفاعل الاجتماعي، وليست متأصلةً بذاتها، وذلك على عكس افتراضات الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة. ويذكر ويندت ركيزتين أساسيتين للبنائية: أولًا: يتم تحديد بنيات الترابط البشري في المقام الأول بالأفكار المشتركة وليس بالقوى المادية. ثانيًا: تُبْنَى هويات ومصالح الفاعلين ذوي الأهداف من خلال هذه الأفكار المشتركة وليست معطاة بالطبيعة(12). ويُساعد هذا التفسير البنائي مدى مرونة نظام العداوة واحتقار ترامب لحضارة الإيرانيين.
ويُمثِّل توظيف المبنيَّات السياسية في تعزيز الواقعية السياسية ومذهب “فرض السلام بطريق القوة” -كما يقول الرئيس دونالد ترامب، ووزير الحرب، بيت هيغسيث، والسيناتور غراهام- انحرافًا أو بالأحرى تَعَسُّفًا مفتعلًا ضد الفحوى الأصلي لنسق البنائية الاجتماعية بوصفه نسقًا ليبراليًّا بالأساس ينافس الواقعية السياسية في تفسير كيف يتطور العالم. ومن أهم المنظِّرين في هذا المجال، جون رولز (Jogn Rawls)، الذي فصَّل في البنائية بوصفها منهجية لإنتاج والدفاع عن مبادئ العدالة والشرعية، وفي إخضاع مداولاتنا حول العدالة لقيود افتراضية معينة. ويعتد رولز بأنه إذا ما استخدم جميعنا العقل في ضوء هذه الشروط، يمكننا الوصول إلى حكم مشترك حول العدالة. علاوة على ذلك، فإن حكمنا المشترك حول العدالة يكون مبررًا تحديدًا؛ لأنه نتاج عملية مداولاتية مُهيكلة بشكل مناسب. هذه هي الفكرة الأساسية للبنائية التي تنص على أن بعض الكيانات المعقدة تُبْنَى من عناصر أكثر أساسية.
لا يزال مصطلح “البنائية” حديثًا نسبيًّا في النظرية السياسية والأخلاقية عقب انتشار استخدامه خلال النصف الثاني من القرن العشرين لوصف المنهج العام الذي اتبعه رولز في النظرية السياسية المعيارية أو نظرية الفضيلة السياسية. ومنذ ظهوره للمرة الأولى، تطور المصطلح ليعني مجموعة مواقف في الأخلاقيات المعيارية والفلسفة السياسية وما وراء الأخلاق. أما مصطلح “البنائية السياسية” فهو أحدث بكثير، ويُستخدم أحيانًا لوصف المنهج الذي استخدمه رولز في كتابه: “الليبرالية السياسية”، والذي يحاول تجنب أي افتراضات ميتافيزيقية مثيرة للجدل من خلال الاعتماد بشكل كبير على المُثل والقيم الكامنة في المجتمع الديمقراطي(13).
عند تأمل كيف يتم توظيف المبنيات السياسية في زمن الحرب وظهور بعض المخططات والاستشرافات الجديدة التي تخدم ضمنيًّا الغاياتِ الكامنةَ خلف سياسة القوة، يَبْرُز سؤال مهم: كيف يتحمس رجال السياسة لبعض القرارات خاصة في افتعال أزمات، أو شنِّ حروب، أو الدخول في تحالفات دولية، وبقية أدوات التوسع والنفوذ خارج نطاق سيادة دولهم؟ ولا يزال جلُّ المحافظين الجدد والترامبيين الجدد يتشبَّعون بما كتبه صموئيل هنتنغتون، عام 1993، في مقالته حول “صدام الحضارات”، والتي بلورها أساسًا من مدى انشغاله بالتحدي الذي فرضته قضية الرهائن الأميركيين في طهران بالنسبة لنفوذ الولايات المتحدة، وتحوَّلت لديه إلى صراع متخيَّل بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.
على نفس المنوال، يُسارع بعض الكتَّاب الإسرائيليين اليوم إلى تقديم تصورات جاهزة أمام أنظار الرئيس دونالد ترامب وبقية الصقور في واشنطن. من هؤلاء عاموس يادلين (Amos Yadlin)، وهو مؤسس ورئيس منظمة “مايند إسرائيل” (Mind Israel)، بعد أن كان لواءً في سلاح الجو الإسرائيلي، وشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية (2006-2010)، وأفنير غولوف (Avner Golov)، نائب رئيس منظمة “مايند إسرائيل” وشغل منصب مدير أول في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي (2018-2023). فقد نشرا مقالة تحليلية في مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs)، وهي مجلة تُمَثِّل مرجعية معرفية لبعض النخبة السياسية في الولايات المتحدة، بعنوان: “ضرورة إيران: كيف يمكن لأميركا وإسرائيل تشكيل شرق أوسط جديد”. ويدعو يادلين وغولوف صانعي السياسات في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تبنِّي إستراتيجية مرحلية تهدف إلى تعزيز إطار عمل جديد للشرق الأوسط. وينبغي أن تتمحور هذه الإستراتيجية حول المبادرة الجديدة: “البحار الثلاثة” التي تضم دولًا على البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي، وتعمل جميعها تحت قيادة الولايات المتحدة(14).
هذه مبنيَّاتٌ سياسية جديدة تتوالد من رحم حرب مثيرة التحولات، وتَقَلُّب المنطلقات التكتيكية لدى دونالد ترامب في البيت الأبيض الذي ساير تحقيق حلم بنيامين نتنياهو بمحاولة تغيير النظام في طهران. فبدأت الجبهة الأميركية/الإسرائيلية ضد إيران، في الساعات الأولى من 28 فبراير/شباط 2026، وتحوَّلت إلى حرب إقليمية عندما عمدت طهران إلى استهداف مواقع داخل أراضي الدول الست في الخليج وأيضًا منشآت أميركية في العراق وأذربيجان وتركيا. ثم بادر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى استغلال انشغال العالم بأزمة الطاقة، وجدَّد هجماته الصاروخية وزحف قواته إلى ما وراء نهر الليطاني جنوبي لبنان. وهذا ما يُجسِّد في دراسات الصراعات مفهوم “انسكاب الصراع” (Conflict spillover) من مستوى تصعيد معين إلى مستوى أوسع وأكثر تعقيدًا.
وفي اليوم الثاني عشر من الحرب، تحوَّلت المستجدات الميدانية من قصف جوي إلى حرب اقتصادية بحكم أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، توعَّد بمواصلة إغلاق مضيق هرمز ومنع حركة الملاحة البحرية. وأضحت حربًا اقتصادية تُشعل أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار، وتضع مخزون الدول الغربية تحت الضغط بفعل نفاده خلال أسابيع معدودة. فيحضر العامل المالي أيضًا بأهميته في مستوى الإنفاق العسكري الأميركي الذي وصل خلال الأيام الستة الأولى من الحرب إلى 11 مليارًا و300 مليون دولار. وإذا استمرت الحرب على وتيرة الأسبوع الحالي لمئة يوم فقط، ستقارب الميزانية الإجمالية 200 مليار دولار. ومن باب المقارنة، وصل الإنفاق الأميركي في حرب أوكرانيا 187 مليار دولار خلال 3 أعوام ونصف العام.
ليس انسكابَ صراع مسلح فحسب، بل هو انسكابٌ متدفق أيضًا في حرب السرديات وما تُرَوِّج له من مبنيات سياسية متنافسة سواء وقت القتال أو وقت التفاوض. ويمكن تحليل خمس ثنائيات رئيسية تتمحور حولها المبنيَّات السياسية التي يُروِّج لها الرئيس دونالد ترامب وفريق الصقور في وزارة الحرب ووكالات الاستخبارات السبع عشرة في الولايات المتحدة ومجمل الخطاب الأميركي.
3. ثنائيات الخطاب الأميركي والمبنيات السياسية المتنافسة
“رصيد” إستراتيجي أم “لعنة” سياسية؟
انطوى تحمس الرئيس دونالد ترامب لإعلان الحرب على إيران على سببين رئيسيين: أولهما: استسهال التدخل في دول أخرى ذات ثروات النفط والغاز والمعادن بعد نجاحه في اختطاف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، من كاراكاس وسجنه في نيويورك. واعتقد أن اعتقال قادة بعض الدول أو اغتيالهم خطوة مطواعة لفرض السيطرة الأميركية عليها وتطبيق نظرية “تغيير الأنظمة”، سواء في إيران أو غرينلاند أو كوبا في المستقبل. وقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن “نتنياهو وفريقه عرضا خطة تُشير إلى نصر شبه مؤكد: يمكن تدمير برنامج إيران للصواريخ الباليستية خلال بضعة أسابيع. وسيضعف النظام إلى درجة أنه لن يتمكن من خنق مضيق هرمز، كما قُدِّر أن احتمال توجيه إيران ضربات لمصالح أميركية في دول الجوار سيكون ضئيلًا”(15).
يُعزى السبب الثاني إلى أن “نتنياهو قدَّم عرضًا قويًّا في غرفة العمليات في أسفل البيت الأبيض، يوم 11 فبراير/شباط 2026، وأوحى لجلسائه الأميركيين بأن إيران باتت مهيأة لتغيير النظام. وألمح إلى أن مهمة أميركية/إسرائيلية مشتركة قد تضع أخيرًا نهاية للجمهورية الإسلامية”. ثم عرض الإسرائيليون على ترامب مقطع فيديو قصيرًا شمل “مشاهد مركبة لقادة محتملين جدد يمكن أن يتولوا حكم إيران إذا سقطت الحكومة المتشددة. وكان من بين من ظهروا في الفيديو رضا بهلوي، الابن المنفي لآخر شاه في إيران، وهو معارض مقيم في واشنطن حاول أن يُقَدِّم نفسه بوصفه زعيمًا علمانيًّا يمكنه أن يقود إيران نحو حكم ما بعد النظام الثيوقراطي”.
وتذكر الصحيفة أيضًا أن نتنياهو ألقى عرضه بصوت رتيب واثق. وبدا أن ذلك نال استحسان الشخص الأهم في الغرفة، أي الرئيس ترامب؛ إذ ردَّ عليه قائلًا: “يبدو هذا جيدًا بالنسبة لي”. أما نتنياهو، فكانت تلك إشارة إلى ضوء أخضر محتمل لعملية أميركية/إسرائيلية مشتركة. ولم يكن الوحيد الذي خرج من الاجتماع بانطباع مفاده أن ترامب كان قد اتخذ قراره تقريبًا؛ فقد استطاع مستشارو الرئيس أن يروا أنه تأثر بشدة بالوعد الذي حملته قدرات الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، تمامًا كما كانت الحال عندما تحدث الرجلان قبل الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو/حزيران 2025″(16).
وتكمن الثنائية الأولى في أن سردية النصر والقضاء على النظام الإيراني غلبت في مخيلة ترامب دون حسابات دقيقة لبعض المفاجآت. وبدلًا من “أربعة أيام” كفترة زمنية اختزلت تقديره لسير العمليات العسكرية الأميركية/الإسرائيلية نحو تحقيق أهدافها، وجد نفسه مضطرًّا إلى إعلان “خمسة أسابيع”، ثم “مهلة” أولى، وثانية، وثالثة، وتذبذبه بين خياريْ الحرب والدبلوماسية. وثمة عبارة مثيرة جاءت من الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، عندما التفت الرئيس ترامب إليه في الجلسة قائلًا: “جنرال، ما رأيك؟” فردَّ بالقول: “سيدي، هذا، بحسب خبرتي، هو الإجراء التشغيلي المعتاد لدى الإسرائيليين. يبالغون في البيع، وخططهم ليست دائمًا مطورة جيدًا. يعرفون أنهم يحتاجون إلينا، ولهذا فهم يضغطون بقوة”(17).
لكن، لا تزال الحرب تتعثر في شهرها الثاني، وتُثير انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة. ويُعبِّر حوالي 6 من كل 10 أشخاص عن رفضهم لتعامل ترامب مع الصراع إزاء إيران، ويعتدُّ عدد مماثل بأن “قرار استخدام القوة كان خاطئًا” كما يظهر في الشكل رقم (1).
في المحصلة النهائية، تتراجع شعبية الرئيس ترامب على خلاف ما كان يعتقد أنه سيكون “نصرًا عسكريًّا” في الخارج و”نصرًا انتخابيًّا” لزعيم الحزب الجمهوري في الداخل. ويُعبِّر الديمقراطيون والمستقلون المنحازون لهم عن رفضهم بشكل ساحق لإدارة ترامب للصراع (90%)؛ إذ يقولون: إن الولايات المتحدة اتخذت قرارًا خاطئًا بضرب إيران (88%). في المقابل، يؤيده حوالي سبعة من كل عشرة جمهوريين والمنحازين لهم (69%)، ويعتقدون أن الولايات المتحدة اتخذت القرار الصحيح (71%)(18).
وكشف استطلاع آخر، إيبسوس (IPSOS)، أن الحرب على إيران لا تأتي على رأس اهتمامات الأميركيين الذين يعدُّون الضغوط المعيشية والتقلبات الاقتصادية المشكلة الأكثر أهمية بنسبة 16%، تليها الحرب والصراعات الخارجية بنسبة 14%، وهي زيادة قدرها 13 نقطة منذ فبراير/شباط 2026 في ظل الضربات العسكرية الأميركية المستمرة في إيران. ويُعبِّر الديمقراطيون عن قلق متزايد إزاء التهديدات الموجهة للقيم والمعايير الديمقراطية (19%) مقارنة بالجمهوريين (%5) والمستقلين (10%). في المقابل، يولي الجمهوريون أهمية أكبر لمسألة الهجرة (14%) والأخلاق (10%) مقارنة بنظرائهم الديمقراطيين (3% و1% على التوالي). وتُظهِر المخاوف المتعلقة بالعنف السياسي والتطرف اتفاقًا حزبيًّا نسبيًّا؛ إذ ظهرت نسب متشابهة من الديمقراطيين (10%) والجمهوريين (10%) والمستقلين (7%)(19).
تنحدر شعبية الرئيس ترامب أيضًا بفعل انشغال جُلِّ الأميركيين بسؤال: كم من الوقت ستستمر الحرب مع إيران؟ يعتقد أغلبية ضئيلة منهم (54%) أن الحرب ضد إيران ستستمر لمدة ستة أشهر أخرى على الأقل، بمن فيهم نسبة (29%) ممن يترقبون أنها ستطول مدة عام أو أكثر. ويظن حوالي الثلث (35%) أن تستمر الحرب مدة شهر إلى ستة أشهر أخرى، في حين يقول (8%) إنها ستنتهي في أقل من شهر. وتتوقع غالبية الجمهوريين (58%) انتهاء الحرب خلال الأشهر الستة المقبلة. ويقول (68%) من الديمقراطيين: إن الحرب ستستمر لمدة ستة أشهر أو أكثر، بما فيهم نسبة %40 يعتقدون بأنها ستستمر بعد عام من الآن(20).
الإعلام المحافظ من التأييد إلى النقد
تتجلى الثنائية الثانية في أن الرئيس ترامب ووزير الحرب، بيت هيغسيث، يسعيان لدغدغة المشاعر القومية والدينية لدى الأميركيين. فقد كرَّر هيغسيث نبرته الحماسية في أكثر من وقفة أمام الكاميرات قائلًا: “لم يكن هذا القتال أبدًا معركة عادلة، وليس معركة عادلة. نحن نضربهم وهم على الأرض، وهذا هو بالضبط ما يجب أن يكون عليه الأمر”(21). بهذه السمة الأيديولوجية لم تَعُد الحرب ضرورة مأساوية بل واجبًا مقدسًا. وهذا يعكس اندماجًا خطيرًا بين العسكرة والتعصب الديني والاستعراضية والسياسات الاستبدادية؛ مما يُعيد تعريف كيفية تبرير القوة العسكرية وتجربتها وتطبيعها. ولا يقتصر التعصب الديني على مرافقة هذا العنف فحسب، بل يُقَدِّسُه أيضًا؛ إذ يعمل كذريعة للسلطة، متخفيًا بتدميره بلغة القَدَر بينما يجعل ضحاياه غير مرئيين. ويحوِّل الهيمنة إلى فضيلة ويجعل آلة الموت تبدو ضرورية، بل ومفروضة بأمر إلهي”(22).
في نهاية الأسبوع الرابع من الحرب، جلس هيغسيث بجوار الرئيس ترامب في البيت الأبيض ليُصعِّد تهجُّمَه على وسائل الإعلام ويتهمها بأنها “تنشر أخبارًا زائفةً”. وقال بنبرة التحدي: “إما أن تُبلِّغوا الناس بالحقيقة أو لا تفعلوا”(23). وقد تقلَّصت ثقة الأميركيين في وسائل الإعلام التقليدية بشكل حاد إلى مجرد 28% العام الماضي، بعدما كانت في مستوى 70% في أواخر سبعينات القرن الماضي. ومن تداعيات هذا التحول أن متابعة وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسًا للأميركيين تجاوزت الإقبال على القنوات التليفزيونية؛ إذ أضحت أغلبية 54% منهم يستقون الأخبار من الإنترنت.
شدَّدت آنا كيلي (Anna Kelly)، إحدى المتحدثات باسم البيت الأبيض، بدورها على أن ترامب “سيظل فخورًا دائمًا بتكريم الإنجازات المذهلة لأفراد قواتنا الشجعان. وتحت قيادته الحاسمة، يُحقِّق مقاتلونا الأبطال أهدافهم جميعًا أو يتجاوزونها في إطار عملية “الغضب الملحمي”، وأن وسائل الإعلام التقليدية تُريد منَّا أن نعتذر لتسليط الضوء على النجاح المذهل للجيش الأميركي. لكن البيت الأبيض سيستمر في عرض الأمثلة العديدة على تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت الإنتاج وأحلامها بامتلاك سلاح نووي في الوقت الفعلي”(24).
في المقابل، عبَّر نافيد شاه (Naveed Shah) من مجموعة “الدفاع المشترك” عن امتعاضه من قرار ترامب شن الحرب قائلًا: “هذه الحرب غير المشروعة مع إيران مبنية على نفس الأكاذيب التي بُنِيَت عليها الحرب مع العراق قبل عشرين عامًا. أعرف ذلك لأنني عشتها جنديًّا محاربًا قديمًا خدم في العراق. أنا وأصدقائي نعلم أن قادتنا كذبوا علينا ليدفعونا إلى حرب بلا إستراتيجية ولا نهاية. لقد أقسمت يمين الولاء لهذا الدستور، لا لملك ولا لسياسي. ولن أظل صامتًا بينما نسير في نفس الطريق نحو حرب أبدية أخرى”(25).
لم يعد من السهل على البيت الأبيض تحقيق تقدم لا في الحرب الميدانية، ولا في حرب السرديات، منتصف الشهر الثاني من بداية الصراع المسلح، بل يُحاول الاتكال على عدد من المؤثرين اليمينيين الذين يُبلورون رؤية تحليلية تُسْهِم في تضخيم رواية الرئيس دونالد ترامب ومبنياته السياسية. وأصبح الرهان أيضًا على فاعلية المنصات البديلة، وخاصة “البودكاست”، سواء التي تدافع أو تنتقد سياسات البيت الأبيض ودعمه غير المشروط لإسرائيل وانزلاق رجل ترامب مع مغامرة نتنياهو في إعلان الحرب على إيران. ومن الأمثلة المؤثرة في هذا السياق أن بودكاست جو روغان (Joe Rogan) يجذب 14 مليون مستمع لكل حلقة، فيما يستقطب تاكر كارلسون وميغين كيلي ودان بونجينو (Dan Bongino) اهتمام فئات جماهير واسعة العدد. وثمة أيضًا منصات ذات طروحات يسارية ووجهات نظر معارضة مثل “بود حماية أميركا” (Pod Save America)، و”الأتراك الشباب” (The Young Turks).
أحدثت الحرب الإيرانية شرخًا عميقًا بين مواقف شخصيات بارزة في حركة “ماغا”؛ إذ يدعم الكثيرون منهم التوجه العسكري للرئيس، بينما يرى آخرون أنه خان سياسته الخارجية المعلنة “أميركا أولًا”. ويزداد هذا الانقسام حدَّة بموازاة تذبذب ترامب غير المنتظم من تهديدات عدوانية بتدمير شامل إلى البحث المفاجئ عن مخرج بعد أيام؛ مما يُثير ردود فعل عنيفة من أصوات محافظة راسخة. وشجَّع تاكر كارلسون المسؤولين الأميركيين على مقاومة أوامر ترامب إذا كانت ستجنِّب الحرب النووية، ووجَّه إليه اتهامات بأنه “عبد” لإسرائيل، وقال: “لطالما أحببتُ ترامب، ولا أزال أشعر بالأسف عليه، كما أفعل إزاء جميع العبيد”. وأضاف أن ترامب “لا يستطيع اتخاذ قراراته بنفسه”، وأنه “محاصر بقوى أخرى”. وأوضح بنبرة اليقين لديه أن “الحكومة الإسرائيلية، وهذا موثَّق ورأيته شخصيًّا، وجَّهت الولايات المتحدة نحو حرب تضرُّ بالولايات المتحدة وبالعالم”(26).
هذه تهم حادة وثقيلة الوقع خاصة عندما تأتي على لسان شخصيات إعلامية معروفة كانت تناصر ترامب المرشح وترامب الرئيس لسنوات طويلة منذ 2015، وتُثير ردَّ فعل عنيفًا من ترامب والمحافظين الآخرين وتُطلق نقاشًا ينعكس سلبيًّا في استطلاعات الرأي الجديدة. واتهمت ميغين كيلي (Megyn Kelly) بدورها الرئيس ترامب بشكل ضمني بـ”تضليل” الأميركيين لـ”إنقاذ ماء الوجه” في صراع غير محبوب، ودعت كانديس أوينز (Candace Owens) إلى إقالة ترامب من منصبه بموجب التعديل الخامس والعشرين.
وأسفر هذا الجدال الإعلامي المقترن بجدلية اليمين الترامبي واليسار النقدي عن تحولات مهمة في ملكية وسائل الإعلام، بما في ذلك تعيين شبكة “سي بي إس” (CBS) محررة رئيسية مؤيدة لإسرائيل تدعى باري وايس (Bari Weiss). وهذا واحد من عدة أمثلة على التحولات البنيوية في وسائل الإعلام الأميركية ومنطلقات تغطيتها لأميركا الترامبية. وتعتزم وايس الاستغناء عن المنتجة التنفيذية لبرنامج “ستون دقيقة” (Sixty Minutes) تانيا سايمون (Tanya Simon)، وهو البرنامج الاستقصائي طويل الأمد والأعلى شعبية والأكثر عراقة منذ بداية بثه عام 1968. وتم وصف التغييرات الجذرية الهائلة التي أجرتها على البرنامج بأنها “حدث يُشبه الزلزال”. وهي تستعد لمواجهة تمرد كبير من قبل طاقم البرنامج(27).
أنصار “ماغا” بين مؤيد ومعارض
في الشهر الثاني من الحرب، تنكشف مؤشرات جديدة على حدوث أزمة هوية تعيشها حركة “ماغا” في ضوء انقسام حادٍّ في صفوفها الشعبية، مع تزايد أصوات التمرد المناهض لسياسات ترامب. وفيما تعلق حركة “ماغا” حاليًّا في نقاش حول السياسة الخارجية وحكمة حرب ترامب مع إيران ومستقبل التحالف الطويل الأمد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، “هناك أيضًا مخاوف من أن التركيز على إسرائيل هو الحافة الأمامية لهوامش معادية للسامية اكتسبت أرضًا من خلال تصوير اليهود محركين خفيين للحرب؛ مما يُردِّد بعض أكثر الصور النمطية المكروهة في التاريخ”(28).
تتأجج حرب السرديات بين ترامب وطهران إلى أعلى مستوى عندما هدَّد بأن “حضارة كاملة سيتم إقبارها في إيران”، وهو تهديدٌ يتعارض مع بلد يشعر بقلق متزايد من حربه. من البيت الأبيض إلى شوارع واشنطن وأرجاء الولايات الخمسين. وزادت حرب السرديات في اتساع الهوة في الرؤى والمواقف حول تفسير الحرب ليس بين الجمهوريين والديمقراطيين فحسب، بل أيضًا داخل الحزب الجمهوري ذاته، بين مؤيدي “اجعلوا أميركا عظيمة” المخلصين والمحافظين القلقين بشأن التكلفة واللغة وغياب إستراتيجية واضحة للخروج.
تجسَّد هذا التحوُّل في مواقف أغلبية المشاركين في مؤتمر العمل السياسي المحافظ السنوي (CPAC) في تكساس. وقالت مارجوري تايلور غرين (Marjorie Taylor Greene)، العضو السابق في مجلس النواب الأميركي، والتي كانت في يوم من الأيام من أشد مؤيدي ترامب ثم انفصلت عنه: “إن هذا لا يجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، هذا شَرٌّ محض”(29). ولا تُظهِر هذه الشروخ أي علامات على الالتئام داخل حركة “ماغا” خلف الرئيس ترامب.
في هذا المؤتمر، أعرب بعض الموالين للحزب الجمهوري الذي يقوده ترامب عن قلقهم بشأن سبب بدء الولايات المتحدة هذه الحرب، وكيف سينهيها الرئيس، وما إذا كانت الجهود المبذولة تستحق التكاليف. وقالت إحدى المشاركات في المؤتمر، سامانثا كاسيل (Samantha Cassell): “أتمنى لو كان هناك المزيد من الشفافية حول سبب قيامنا بما نقوم به، حتى تتمكن من إرسال من تحب إلى الخارج وأنت مرتاح البال”. “أتمنى أن تنتهي بسرعة؛ لأن تكلفة المعيشة والنفط والغاز، الأسعار ستستمر في الارتفاع فقط”. وحذَّر النائب السابق في الكونغرس، مات غيتس (Matt Gaetz)، من أن غزوًا بريًّا لإيران سيجعل الولايات المتحدة “أكثر فقرًا وأقل أمانًا”، مع توجه آلاف الجنود الأميركيين الجدد إلى الشرق الأوسط. وقال: إن هذه الخطوة “ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود وأسعار المواد الغذائية، ولست متأكدًا من أننا سنقتل عددًا من الإرهابيين أكثر مما سنحفزهم على الوجود”(30).
يقول روبرت رولاند (Robert Rowland)، أستاذ البلاغة في جامعة كانساس ومُؤَلِّف كتاب “بلاغة دونالد ترامب: الشعبوية القومية والديمقراطية الأميركية”: “يستطيع الناس رؤية آثار الحرب عندما يملؤون خزان الوقود الخاص بهم. وعندما تكون هناك خسائر أميركية، فإن النبرة الاحتفالية ليست شيئًا يفعله الرئيس عادةً”، وإن “العديد من الرؤساء لن يتخذوا تلك النبرة لأسباب أخلاقية شخصية، لكنهم يعرفون أيضًا أنها قد تنتقص من مصداقيتهم عندما لا تسير الأمور على ما يرام”(31). في الوقت ذاته، خرج المتظاهرون إلى الشوارع ضمن مظاهرة “لا للملوك في أميركا” ضمن أكثر من 3 آلاف مسيرة احتجاجية من نوع “لا للملوك” في جميع أرجاء الولايات المتحدة بما فيها المناطق الزراعية في الولايات الحمراء التي صوَّتت لصالح المرشح ترامب في الانتخابات وذلك في يوم وصفته مجلة “ذا نايشن” (The Nation) بأنه قد يصبح “أكبر يوم احتجاجي في تاريخ الولايات المتحدة”(32).
يقول إدوين توريس دي سانتياغو من شبكة الدفاع عن المهاجرين: إن “الأميركيين يقولون: “علينا أن نجد وسيلة لندعم بها أنفسنا. لا نريد حربًا تُكلِّف مليارات الدولارات. لا نريد حربًا ترفع أسعار الوقود. لا نريد جدالًا يجعل طوابير التفتيش الأمني”، مثل الطابور الذي واجهته هذا الصباح، “تمتد لساعات طويلة”. الناس في أميركا يقولون: “لقد تم انتخابك لمساعدتنا وعائلاتنا في عيش حياة أفضل، لا لمساعدة المليارديرات، لا لإنشاء روبوتات كمدرسين، لا لمجرد ابتكار طرق تُثريك أنت وعائلتك، دونالد ترامب”. ولهذا السبب يرى المزيد من الناس فيه ملكًا”(33).
وفقًا لاستطلاع أجرته محطة “إن بي سي”، فإن تسعة من كل عشرة جمهوريين مناصرين لحركة “ماغا” يؤيدون الحرب. لكن الحرب الممتدة وأسعار الوقود المرتفعة قد تُضْعِف دعم ترامب. فهل ستحوِّل الحرب مع إيران ولايات الغرب الأوسط المتأرجحة ضد ترامب بعد وعده بـ”أميركا أولًا”. وانعكست تداعيات هذا التشكيك في إدارة الحرب من قبل ترامب في انخفاض نسبة التأييد الشعبي له إلى أدنى مستوى على الإطلاق بمعارضة الحرب على إيران بنسبة 53.8% مقابل تأييدها بنسبة 38.7%، بينما حقَّق الديمقراطيون تحولًا في تأييدهم بنسبة 25 نقطة. ووفقًا لمعدل استطلاعات الرأي العام، في الثامن من أبريل/نيسان 2026، من المرجح أن يفوز الديمقراطيون بمجلس النواب، وليس بمجلس الشيوخ في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
يقول تشارلي سايكس (Charlie Sykes)، مُؤَلِّف كتاب: “كيف فَقَد اليمين عقله”: إن “ما يميز النقاشات هذه المرة، رغم أنها غالبًا ما تدور في عوالم موازية منفصلة، أنها تخترق هذه المرة بوضوح. إذا كنت جزءًا من حركة ماغا، فأنت تتعرض لهذا السجال ونقد تصرفات ترامب بطريقة نادرًا ما حدثت في الماضي”. وقد عاد ترامب إلى السلطة على وعد بالانعزالية الأميركية، متعهدًا بإنهاء التورط في الشؤون الخارجية والتركيز على التجديد الداخلي. لكنه بدلًا من ذلك ركز على الشؤون العالمية، من تهديد غرينلاند إلى اعتقال رئيس فنزويلا وشَنِّ حرب مع إيران دون إستراتيجية خروج واضحة”(34). ويمكن اختزال العوامل الرئيسية وراء الانقسام في صفوف حركة ماغا:
جدول (2): العوامل التي تكمن وراء الانقسام في صفوف حركة ماغا بسبب الحرب على إيران
العامل
التداعيات
عدم اليقين والتكتيكات المتقلبة لدى الرئيس ترامب
الانتقال من التهديد بـ”إبادة حضارة بأكملها” إلى الإعلان عن هدنة مؤقتة خلال فترة قصيرة أثار حالة من عدم الاستقرار في الخطاب الأميركي.
التكاليف الإنسانية والاقتصادية
أدَّت صور الضحايا المدنيين الكثيرة وارتفاع أسعار الوقود والغذاء إلى تآكل كبير في التأييد الشعبي الأميركي للحرب.
انقلاب التحالفات
يُشكِّك المنتقدون في تكتيكات حكومة ترامب بحجة أن النزاع يُهدِّد وحدة حلف الناتو ويعزل الولايات المتحدة عن حلفاء رئيسيين.
العدو من الداخل
نشوب معارك إعلامية ودخول المجال العام المحافظ في حالة فوضى. وفيما تؤيد بعض الأصوات التصعيد العسكري، تعترض عليه فئات أكثر عددًا وتأثيرًا في الرأي العام الأميركي، مثل تاكر كارلسون وميغين كيلي.
“القائد” القوي أم رجل الصفقات المتريث؟
بدلًا من البُعد البراغماتي الذي يُلوِّح به الرئيس ترامب وانتقاده للدولة العميقة، كشفت طريقة إدارته للحرب على إيران مجموعة من مواقف سوء التقدير والتسرع في اتخاد قرارات غير فعالة. وأصبحت المقارنة واردة بين معضلة حرب إيران على غرار لعنة حرب فيتنام بالنسبة للرئيس ريتشارد نيكسون في بداية السبعينات.
نتيجة لذلك، بات هناك نعت جديد يُلاحق سمعة الرئيس بأن “ترامب دائمًا يتراجع”، وهو وصف تهكُّمي يُشير إلى ما يُعد ميل الرئيس ترامب لإطلاق التهديدات، ثم تأجيلها أو التراجع عنها لاحقًا كوسيلة لتمديد وقت المفاوضات، والسماح بانتعاش الأسواق، وتجنب ردود الفعل الغاضبة. ويبدو أن جلَّ قرارات ترامب ووعيده المتكرر ظاهريًّا “ليس سوى حلقة أخرى من سلسلة اتخاذه مواقف متصلبة لينكص عنها لاحقًا بطريقة تمحو خطوطه الحمراء وتُثير الشكوك حول مصداقيته. وإذا تمكنت إيران فعلًا من السيطرة على مدخل المضيق خلال فترة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فسيؤكد ذلك التصورات بأن ترامب لا يملك خيارات جيدة في حرب خرجت عن نطاق سيطرته وهو يائس لإنهائها”(35).
اتساع الهوة بين الخطاب الأميركي وخطاب الحلفاء
تنطوي إدارة ترامب للحرب على معضلة عدم شعبيتها في الداخل، وأيضًا تبدُّد الأمل في تأييدها من قِبَل الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، وإن تأثرت شعوبهم بالتداعيات السلبية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة. وتتسع هوة الانقسام بين مواقف الدول الغربية في مجملها إلى معسكرين: أحدهما يُعارض فكرة الحرب على إيران بالمجمل. فلم تستجب الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي لدعوة ترامب للمساهمة في تحرير حركة الملاحة البحرية التي كانت تعبر المضيق بمعدل 138 سفينة كل يوم قبل الحرب.
ينطوي موقف رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، بعدم مجاراة حرب ترامب ونتنياهو، على أهمية خاصة في ضوء الشرخ المتزايد في العلاقة الأطلسية. في الوقت ذاته، صرَّح رافائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تراقب النشاط النووي عالميًّا، بأنه “لا يمكن أن يكون هناك في النهاية حل عسكري لطموحات إيران النووية”. وتدحض مثل هذه التصريحات ما ردَّده الرئيس ترامب ووزير الحرب، هيغسيث، وكبار ضباط البنتاغون بأن الولايات المتحدة “دمَّرت القدرات التقليدية الإيرانية، و”محقت” صواريخها وقاذفاتها وطائراتها المسيَّرة ومصانع أسلحتها وأسطولها البحري(36).
خلاصة
يؤكد السجال عبر وسائل ومنصات الإعلام المختلفة فرضية أن الدول تخوض الحروب على جبهتين متوزايتين: جبهة العمليات الميدانية، وجبهة المبنيات السياسية التي تُحرِّكها التغطيات والتعليقات عبر وسائل الإعلام. وبدلًا من أن تُفلح الحرب على إيران في “إسقاط” نظام الثورة الإسلامية فتغدو “نصرًا آخر” للسياسة الخارجية للرئيس ترامب، انقلبت التعثرات الميدانية العسكرية والسياسية للبيت الأبيض من فرضية “رصيد إستراتيجي واعد” إلى معضلة أو بالأحرى لعنة التراجع عن الهدف الأصلي “تغيير النظام”، والتلويح بأهداف أخرى لم تتحقَّق خاصة أزمة فكِّ الحصار الإيراني لمضيق هرمز والتداعيات المستمرة لأزمة الطاقة في العالم.
توصلت الدراسة إلى أن الخطاب الأميركي الذي يُنْتِجُه الرئيس ترامب وبقية صقور الحرب ضد إيران يُثير حالة اللايقين، ويتجاوز فلسفة البنائية في العلاقات الدولية من منظور الطرح الليبرالي أو النقدي للردِّ على منطق القوة والمصلحة وتجاهل قواعد القانون الدولي. فأصبحت المبنيات الترامبية المتأرجحة بين مشروع الحرب ومشروع المفاوضات معضلة تتغير وتتذبذب بمعدل مرة كل ثمان وأربعين ساعة. كما أنها تتشكَّل بفعل التداخل بين الأبعاد الأيديولوجية والعسكرية والإستراتيجية والاقتصادية.
نبذة عن الكاتب
ced760ded35d408da4f5db9ce1ef41c1_6.png
محمد الشرقاوي
أستاذ تسوية الصراعات الدولية بجامعة جورج ميسن ورئيس قسم الدكتوراه في أكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية، وباحث في حقل التحليل النقدي للخطاب.
مراجع
(1) “JD Vance and US delegation leave Pakistan after failing to reach deal with Iran,” The Guardian, April 12, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/36pjzks6.
(2) Ibid.
(3) Henry Giroux, “Donald Trump’s apocalyptic and profane threats against Iran expose the unhinged language of war,” The Conversation, April 6, 2026, “accessed April 8, 2026”. https://tinyurl.com/mdwa5w8c.
(4) Ali Harb, “Trump’s primetime speech on Iran war: Key takeaways,” Aljazeera News, April 2, 2026, “accessed April 8, 2026”. https://tinyurl.com/34b8s9nz.
(5) Mike Bedigan, “Iran hawk Lindsey Graham deflects when asked by Fox News host if war will cost GOP the midterms,” Independent, April 12, 2026, “accessed April 15, 2026”. https://tinyurl.com/3pe8chd6.
(6) Kevin Rector, “Trump’s war rhetoric is coarse. It’s also heard differently, depending on the audience,” Los Angels Times, March 26, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/3p9pa493.
(7) Susan Niditch, War in the Hebrew Bible: A study in the ethics of violence, (Oxford University Press 1993), 155.
(8) Hugo Slim, “Why protect civilians? Innocence, Immunity and Enmity in War,” International Affairs, Vol. 79, No. 3, (2003): 485.
(9) “4 takeaways from Trump’s address on the Iran war,” pbs.org, April 2, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/4d337hrx.
(10) Nicholas Onuf, World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations, (University of South Carolina Press, 1989), 10-11.
(11) Nicholas Onuf, Rule and Rules in International Relations, )Erik Castrén Institute of International Law and Human Rights, University of Helsinki, 2014), 5-6.
(12) Alexander Wendt, Social Theory of International Politics, (Cambridge University Press, 1999).
(13) Political Constructivism, Internet Encyclopedia of Philosophy, “accessed April 3, 2026”. https://tinyurl.com/238fdumt.
(14) Amos Yadlin, Avner Golov, “The Iran Imperative: How America and Israel Can Shape a New Middle East,” Foreign Affairs, May/June 2026, “accessed April 3, 2026”. https://tinyurl.com/mr2p9csw.
(15) Jonathan Swan, Maggie Haberman, “How Trump Took the U.S. to War with Iran,” The New York Times, April 7, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/5yhx692a.
(16) Ibid.
(17) Ibid.
(18) Steven Shepard, Andrew Daniller, “Americans Broadly Disapprove of U.S. Military Action in Iran,” PEW Research Center, March 25, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/476x73ye.
(19) “President Trump Approval Rating,” ipsos.com, March 26, 2026m “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/yva9y7rw.
(20) Shepard, Daniller, “Americans Broadly Disapprove of U.S. Military Action in Iran,” op, cit.
(21) “Secretary of War Pete Hegseth and Chairman of the Joint Chiefs of Staff Gen. Dan Caine Hold a Press Briefing,” war.gov, March 4, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/3tnmra7u.
(22) Giroux, “Donald Trump’s apocalyptic and profane threats against Iran expose the unhinged language of war,” op, cit.
(23) “US media divide deepens over Iran war narrative,” youtube.com, March 27, 2026, “accessed April 8, 2026”. https://tinyurl.com/5n75bsxd.
(24) Kevin Rector, “Trump’s war rhetoric is coarse. It’s also heard differently, depending on the audience,” Los Angels Times, March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/3p9pa493.
(25) “No Kings”: March 28 Rallies Could Be Biggest Day of Protest in U.S. History,” democracynow.org, March 27, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/4c28vrxk.
(26) James Powel, Zac Anderson, “Tucker Carlson calls Donald Trump ‘slave’ to Israel amid Iran war,” usatoday.com, April 12, 2026, “accessed April 13, 2026”. https://tinyurl.com/2phaftmj.
(27) Martin Holmes, “CBS News Boss Bari Weiss’s ’60 Minutes’ Shakeup Will be ‘Earthquake-Like Event’,” CBS News, April 8, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/mtwetejt.
(28) David Smith, “Extremely ugly: Maga media figures squabble over Trump’s Iran war, The Guardian,” March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/bdhbvhve.
(29) Tom Bateman, “Has US achieved its war objectives in Iran?,” BBC News, April 9, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/4ykvw73v.
(30) Anthony Zurcher, “Iran war splits older and younger conservatives – as pressure builds for Trump to find exit ramp,” BBC News, March 28, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/mu5weut8.
(31) Kevin Rector, “Trump’s war rhetoric is coarse. It’s also heard differently, depending on the audience,” Los Angels Times, March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/3p9pa493.
(32) “No Kings: March 28 Rallies Could Be Biggest Day of Protest in U.S. History,” democracynow.org, March 27, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/4c28vrxk.
(33) Ibid.
(34) David Smith, “Extremely ugly: Maga media figures squabble over Trump’s Iran war,” The Guardian, March 26, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/bdhbvhve.
(35) Stephen Collinson, “A day on the brink with Iran ended with a TACO and grave constitutional questions,” CNN, April 8, 2026, “accessed April 10, 2026”. https://tinyurl.com/zte42w2y.
(36) Bateman, “Has US achieved its war objectives in Iran?,” op, cit.
حسابات القدرة النووية في ظل المواجهة الإيرانية الأميركوإسرائيلية
28 أبريل 2026
ما بعد الهدنة وضع إدارة الصراع في الحرب على إيران
26 أبريل 2026
تحولات الأزمة الأميركية-الإيرانية بين انسداد أفق الدبلوماسية وهيمنة منطق القوة
21 أبريل 2026
مركز الجزيرة للدراسات
—————————–
ما الذي يريده ترمب وترفضه إيران في أي مفاوضات محتملة؟
يبدو الخلاف واسعا حول الملفات التي يجب أن تبحثها المفاوضات الأمريكية الإيرانية المحتملة، حيث تتمسك واشنطن بإنهاء ملف طهران النووي بينما تحاول الأخيرة إرجاء هذا الملف لما بعد وقف الحرب رسميا.
فقد رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقترحا قدمته إيران مؤخرا عبر الوسيط الباكستاني، وقال إن المسؤولين في طهران تواصلوا معه وأبلغوه أنهم منهارون اقتصاديا ويرغبون في إنهاء الحصار وفتح مضيق هرمز، وهو ما نفاه الإيرانيون.
مقترح معدَّل محتمل
ومع رفض ترمب لهذا المقترح، تحدثت شبكة “سي إن إن” الأمريكية عن محاولة إيرانية لتقديم نسخة معدلة ربما تحظى بقبول ترمب. لكن الإدارة الأمريكية تفرض تكتما كبيرا على فحوى هذه الخطة المحتملة، كما يقول مراسل الجزيرة في واشنطن ناصر الحسيني.
فترمب محبط من طول أمد المفاوضات ويريد حلا سريعا ويرفض منح الإيرانيين فرصة التلاعب بالوقت عبر تقسيم ملفات التفاوض أملا في انتهاء ولايته الرئاسية، حسب الحسيني.
وثمة مستشارون ينصحون الرئيس الأمريكي بفرض مزيد من الضغوط والعقوبات. في حين نقل موقع أكسيوس أن ترمب يتواصل مع صقور من خارج إدارته، وأنهم ينصحونه بالعودة للعمل العسكري لكسر الجمود الحالي.
ووفق صحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد أبلغ الإيرانيون الوسيط الباكستاني حاجتهم لبعض الوقت من أجل التشاور مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، بشأن تقديم خطة معدلة. وذلك وسط حديث عن إمكانية شن ضربات عسكرية قد تطال قادة سياسيين وعسكريين إيرانيين.
حجر العثرة
ويمثل الملف النووي الإيراني خطّا أحمر يرفض ترمب التراجع عنه، في حين يمكنه التساهل في أمور مثل برنامج إيران الصاروخي ودعمها لوكلائها في المنطقة، وفق الحسيني.
إعلان
فإقناع طهران بالتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب تجنبا لمزيد من الضغوط العسكرية والاقتصادية، هو الهدف الرئيسي لترمب حاليا، خصوصا أنه بات مقتنعا بجدوى الحصار البحري الذي قد يمنحه صورة النصر التي يبحث عنها، حسب مراسل الجزيرة.
ولا يبدي الرئيس الأمريكي أي تراجع عن موقفه من الحرب، وهو متمسك بمطالبه المتعلقة بالبرنامج النووي والتي يقول الحسيني إنها “ستكون محور أي مفاوضات مستقبلية، لأن ترمب يرفض حصول طهران على سلاح نووي الآن أو مستقبلا”.
كما لا يرى ترمب أي خطر على موقعه السياسي بسبب ما وصفه الحسيني بـ”تفهم الرأي العام الأمريكي لظروف الحرب وما يترتب عليها من زيادات في الأسعار”، ومن ثم فهو متمسك بالحصول على ما يريد.
وفي هذا السياق، نقلت “وول ستريت جورنال”، عن مسؤولين أن ترمب “يرفض التخلي عن مطلب تعهد الإيرانيين بعدم تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عاما على الأقل”، وأنه أصدر تعليمات بالاستعداد لحصار طويل الأمد على إيران.
طريق مسدود
لكن الإيرانيين يرون أن التفاوض على اتفاق شامل يتطلب وقتا. ومن ثم يريدون إنهاء الحرب رسميا ورفع العقوبات المفروضة على بلادهم، ثم الانتقال إلى بقية الملفات التقنية المهمة، كما يقول مراسل الجزيرة في طهران عمر هواش.
ورغم محاولة الإيرانيين تحريك مياه المفاوضات الراكدة من خلال مقترحهم الأخير، إلا أنهم يعتقدون أن المفاوضات وصلت لطريق مسدود بسبب ما وصفه هواش بـ”السلوك الأمريكي المتناقض، والمطالب المفرطة”.
ولعل هذا ما دفع القادة العسكريين الإيرانيين للحديث خلال الساعات الماضية عن استعدادهم لاستئناف الحرب، وتوعدهم بمفاجآت جديدة حال تجدد القتال.
وقد لوَّح مسؤول ببحرية الحرس الثوري بإدخال أوراق جديدة في المعادلة، في إشارة لإمكانية إغلاق مضيق باب المندب عبر أنصار الله الحوثيين، كما يقول هواش. في حين قال المتحدث باسم الجيش الإيراني “إن القوات المسلحة لا تعتقد أن الحرب قد انتهت وأنها ستوجع العدو وستوجه له ضربات أكبر مما يتوقع”.
وتؤكد إيران أن الحصار الأمريكي على موانئها ليس كاملا وتقول إن لديها بيانات تؤكد تجاوز العديد من السفن لهذا الحصار، بيد أنها لم تعد قادرة على تصدير نحو مليون و600 ألف برميل نفط يوميا، كما كانت تفعل قبل الحصار، وفق هواش.
ومع تراجع حجم الصادرات، قد تواجه إيران أزمة زيادة مخزونها النفطي مما يهدد بتوقف الإنتاج مستقبلا وتضرر الاقتصاد المتضرر أساسا من العقوبات الأمريكية المتواصلة منذ سنوات، حسب مراسل الجزيرة في طهران، الذي قال إن نتائج الحصار ملموسة في غلاء الأسعار، رغم عدم انهيار الاقتصاد بشكل كامل.
المصدر: الجزيرة
————————————-
من يصرخ أولاً في حرب إيران؟/ مروان قبلان
29 ابريل 2026
دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تراجع إسرائيل إلى الظل، بعد أن ورّطت العالم بها، حالة من الاستعصاء، فلا حسم عسكرياً محتمل، من دون تورّط أميركي أكبر، لا يريده ترامب، ولا اتفاق سياسياً ممكن، في ظل الشروط الأميركية التي تطلب استسلاماً إيرانياً كاملاً. أمام هذا الواقع، يصبح الانتظار سيّد الموقف، إذ يراهن كل طرفٍ على عامل الوقت لدفع الطرف الآخر إلى التراجع، أو فقدان الاهتمام، أقلّه بالنسبة لترامب.
تعتقد إيران أنها إذا تمكّنت من المناورة، ومنع عودة الحرب، أسابيع أخرى، فقد يصبح بإمكانها الحصول على اتفاقٍ أفضل، أو التملص كليّاً من واحد لا يحقق مصالحها على النحو المطلوب، وقد يفقد الرئيس ترامب حتى الأمل، أو الاهتمام بإيران كلها، كما حصل مع اليمن، عندما أنهى، بصورة مفاجئة، حملة عسكرية، استمرّت 52 يوماً (15 مارس/ آذار-6 مايو/ أيار 2025) باتفاق، توسّطت فيه عُمان، وقضى بامتناع الحوثي عن استهداف السفن في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، في مقابل وقف الضربات الجوية الأميركية… فحوى الحسابات الإيرانية هنا أن الوقت لا يسير لمصلحة ترامب، الذي يواجه استحقاقات داخلية عديدة، أبرزها اضطراره للعودة إلى الكونغرس لطلب الموافقة على استمرار العملية العسكرية ضد إيران، إذ يتيح القانون للإدارة مدة 60 يوماً تنتهي غداً (الخميس)، مع إمكانية تمديدها 30 يوماً إضافية، قبل أن تطلب موافقة الكونغرس على استمرار الحرب. وبالرغم من أن الكونغرس فشل في تقييد صلاحيات الرئيس بخصوص الحرب على إيران، فإن الأخيرة ما زالت تراهن على حصول تغيير بهذا الشأن، نظراً إلى تنامي عدم شعبية الحرب في أميركا، وتزايد الضغوط على أعضاء الكونغرس، مع احتمال تحوّل إيران إلى قضية انتخابية، في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة، واقتراب موعد الانتخابات النصفية المقرّرة في نوفمبر/ تشرين الثاني. وتأمل إيران، أيضاً، في ضوء استمرار أزمة إغلاق مضيق هرمز، أن تمارس دول الخليج العربية، المتضرّرة من توقف صادراتها من الطاقة، ضغوطاً أكبر على إدارة ترامب لتليين موقفها في المفاوضات، كما ترجو أن تأتي ضغوط إضافية بهذا الاتجاه من الصين، أثناء القمّة التي تجمع ترامب مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في بكين، منتصف مايو/ أيار المقبل. وربما تعوّل إيران كذلك على رغبة ترامب في أن يسود الهدوء قبل حلول موعد مونديال كأس العالم الذي تستضيفه الولايات المتحدة بالتشارك مع كندا والمكسيك يوم 11 يونيو/ حزيران.
في مقابل الحسابات الإيرانية، تراهن إدارة ترامب على الحصار الذي تفرضه على موانئ إيران منذ 13 إبريل/ نيسان الجاري، وعملية “الغضب الاقتصادي”، التي تلاحق عبرها سفن تهريب النفط في أعالي البحار، لفرض الاستسلام على إيران. وبحسب تقديرات اقتصادية أميركية، تخسر إيران نحو 400 مليون دولار يومياً جرّاء حصار موانئها، ومنعها من تصدير نفطها، الذي يعد مصدر دخل رئيساً لخزينة الدولة. وتقدّر واشنطن أيضاً أن إيران، في حال استمر الحصار، سوف تصبح عاجزة، خلال أسابيع قليلة، عن دفع الرواتب والأجور. وتفيد تقديراتٌ أخرى بأن سوق العمل الإيرانية ربما فقدت، أو في طريقها إلى أن تفقد، نتيجة الحرب والحصار، ما بين أربعة إلى ستة ملايين فرصة عمل، ما ستكون له تداعيات كارثية في بلد يعاني أصلاً من ظروف معيشية صعبة، ومن انهيار في سعر صرف العملة، ونسب تضخم وصلت قبل الحرب إلى أكثر من 40%، على أساس سنوي.
فوق ذلك، يهدّد استمرار الحصار آبار النفط الإيرانية بالإغلاق، وخروج بعضها، كلياً أو جزئياً، من الخدمة، بسبب وصول قدرة التخزين الإيرانية إلى حدّها الأقصى، ما يهدّد بأضرار بالغة قدرة إيران الإنتاجية على المدى الطويل. وتعتقد إدارة ترامب أن الحصار هو ما دفع قيادات الحرس الثوري إلى إرسال وزير الخارجية، عباس عراقجي، إلى باكستان، نهاية الأسبوع الفائت، ليعرض فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحرب، ورفع الحصار عن موانئ إيران، على أن يجري التفاوض على الملف النووي في مرحلة لاحقة، لكن إدارة ترامب تبدو متردّدة بشأن القبول بالمقترح الإيراني رغم حاجتها لإخراج مضيق هرمز من التداول، لاعتقادها بأن رفع الحصار يفقدها الورقة الأهم في الضغط على إيران لإقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي وتسليم اليورانيوم المخصب. باختصار، مع فشل الخيار العسكري في الصراع بين واشنطن وطهران، ينصرف التركيز حالياً على مَن يتحمّل الألم، أكثر مما يتركز على مَن يتسبّب به.
العربي الجديد
———————
وحدة المسارين على الطريقة الإيرانية/ رفيق خوري
29 أبريل ,2026
المشهد سوريالي بمقدار ما هو تراجيدي. تفاوض وقتال على أرض واحدة. لبنان يفاوض إسرائيل عن نفسه ومن أجل نفسه برعاية أميركية. و “حزب الله” يقاتل الكيان الصهيوني دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية بقرار من الحرس الثوري، وعلى حساب لبنان. البيت الأبيض يضع ثقله وراء المفاوضات، أقله في الصورة، ويصر على سحب الورقة اللبنانية من يد إيران. وطهران تقف بقوة وراء القتال الذي هو جزء من حربها وتربط مفاوضاتها مع أميركا بترك الورقة اللبنانية في يدها. ومن الصعب الوصول إلى مكان ما إذا بدا قرار الحرب في يد “الحزب” وقرار السلم في يد الدولة، مع معرفة الجميع أن قرار الحرب والسلم في أيدي إسرائيل وإيران، وعمليًا في يد الرئيس دونالد ترامب.
والتجارب ناطقة. أيام “الوصاية السورية” والتفاوض على عملية السلام التي بدأت في مؤتمر مدريد تمسكت دمشق بورقة لبنان تحت عنوان “وحدة المسار والمصير” ثم “تلازم المسارين” السوري واللبناني. فبقي الوطن الصغير “ساحة” لتصفية الحسابات فيها والتفاوض عليها. وفي آخر أيام “الوصاية الإيرانية” بعد حرب غزة وحرب الإسناد وإضعاف “حماس وحزب الله” وسحب ورقة غزة والورقة اللبنانية من يد إيران التي ضربتها أميركا وإسرائيل بحربين، تعمل جمهورية الملالي على استنساخ “وحدة المسارين” الإيراني واللبناني على غرار التجربة السورية، وفي الحالين ضد المصلحة الوطنية اللبنانية.
وليس من المفاجآت أن يطلب “حزب الله” من الرئيس جوزاف عون الانسحاب من المفاوضات المباشرة بحجة أنها “تنازل مجاني” بعدما طالب مجلس الوزراء بالتراجع عن قرار سحب السلاح واعتبار النشاطات العسكرية والأمنية له خارج القانون، وانضم إلى حرب الدفاع عن إيران. ولا مفاجأة حتى في تصرف “الحزب” على أساس أنه “منتصر” على العدو وعمليًا على الدولة التي تفاوض لاستعادة أرض خسرها هو، فيريد منها ترك المجال له وحده لتحرير الأرض المحتلة. لكن الوقائع قاسية. ففي حرب إسناد غزة احتلت إسرائيل خمسة مواقع حاكمة في الجنوب. وفي حرب إسناد إيران أقامت “منطقة عازلة” تضم 55 قرية تعمل على إزالتها من على الخارطة وتفصل جنوب الليطاني عن شماله. ولا أحد يعرف كيف سيعود مليون شيعي مهجر إلى أرض محروقة. وإذا استمرت هذه “المقاومة”، بصرف النظر عن شجاعة المقاتلين، فلا شيء يمنع إسرائيل من تجاوز الليطاني إلى كامل الجنوب والضاحية الجنوبية.
ومن الطبيعي أن تكثر الدعوات إلى توافق وطني قبل أية مفاوضات، مع أن القتال بدأ بأمر إیراني ضد الموقف الرسمي والتوافق الوطني بين الأكثرية الشعبية. وكل البيانات التي تركز على الدفاع عن لبنان وشعبه جرفها كلام واضح لرئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف الذي اعتبر أن “حزب الله يقاتل عن الجمهورية الإسلامية”. ومن سخرية القدر أن تجعل “مقاومة الولاية” من نفسها محور الوطنية وتوزيع الشرف، وأن تتهم الأكثرية ب “العمالة والخيانة” وتصف أركان الدولة بأنهم “سلطة الوصاية” الأميركية والسعودية.
ولا شيء يغطي أي شيء. إيران تفاوض أميركا مباشرة في ظل حرب طاحنة وحصار بحري على الموانئ، لكن التفاوض ممنوع على الأذرع الأيرانية الباقية في لبنان والعراق وصنعاء لأنها هي على طاولة المفاوضات. والسلسلة مخيفة. بعد حرب 2006، و “نصرها الإلهي” جاء القرار 1701 الذي يجعل الجنوب منطقة عمليات للجيش و “اليونيفيل” وينهي دور “السلاح والمقاومة”. قبل حرب إسناد غزة كان المطروح عودة إلى اتفاق الهدنة للعام 1949. بعد الحرب صار المعمول به اتفاق وقف الأعمال العدائية وسحب السلاح غير الشرعي من كل لبنان. وبعد إسناد إيران صار المخرج من المأزق هو التفاوض على اتفاق سلام مع إسرائيل أو أقله على اتفاق أمني صارم. فهل المطلوب احتلال من أجل المقاومة؟ كل هذا بسبب القتال من أجل الآخرين بدل دعم التفاوض من أجل لبنان.
وليت هذا الدمار الرهيب للبلد هو ما سماه جوزف شومبيتر “التدمير الخلاق”.
*نقلاً عن “نداء الوطن”.
—————————–
هل تؤثّر الحرب على تغيير عاصمة إيران؟/ جورج عيسى
وصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نقل العاصمة من طهران بأنه قرار “لا يمكن تفاديه”. كيف قد تخلط الحرب الحسابات؟
احتل موضوع نقل العاصمة الإيرانية من طهران إلى أقصى جنوب الشرق قائمة أولويات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. فطهران تعاني من اكتظاظ سكاني متزايد وتلوث خطير إلى جانب بنية تحتية متآكلة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وصفت مجلة “العالِم الأميركي” الوضع في طهران بأنه “كارثة بيئية”. كذلك، تقع طهران أيضاً على فوالق زلزالية.
في مطلع سنة 2025، بدأت دراسة كلفة نقل العاصمة إلى منطقة مكران في محافظة سيستان وبلوشستان على شاطئ بحر عمان. حاجج بزشكيان بأن الموقع يجعل إيران أكثر قدرة على التنافس التجاري. وقال الرئيس الإيراني إنه “لا يمكن تفادي” قرار نقل العاصمة.
إيران والعاصمة الجديدة… عوامل عدة
أظهرت الدراسات الإيرانية أن نقل العاصمة إلى مكران قد يكلّف بين 70 و100 مليار دولار. لطالما وقفت الكلفة والصعوبات اللوجستية خلف التردد في تنفيذ هذا المقترح القديم العهد. الآن، تواجه إيران خياراً صعباً. فكلفة أضرار الحرب وحدها تفوق هذه الأرقام. مع ذلك، يمكن أن تكون إعادة البناء من جديد فرصة لتحقيق إعادة تغيير موقع العاصمة. عرفت إيران عواصم مختلفة باختلاف الحقبات (أصفهان، تبريز…) إلى حين قرر القاجاريون اختيار طهران عاصمة لهم في أواخر القرن الثامن عشر.
لن يكون اختيار العاصمة الجديدة، متى وإذا ما بدأ، منفصلاً عن الاعتبار الجيوسياسي. عانت المدن في النصف الغربي من إيران، بما فيها طهران، من الهجمات الصاروخية للجيش العراقي، خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988). في تلك الفترة، شهدت مدينة مشهد في أقصى شرق البلاد نمواً سكانياً كبيراً بسبب موجات النزوح. لكن الحروب الحالية، ونوعية الأعداء، مختلفة عما كانت عليه في الثمانينات.
حتى قبل مشاركة الولايات المتحدة في الهجوم، تمكنت إسرائيل من استهداف أحد المطارات العسكرية في مشهد التي تبعد نحو 250 كيلومتراً فقط عن الحدود مع أفغانستان. كان ذلك في حرب حزيران/يونيو الماضية. حالياً، وبالرغم من تركز القصف الأميركي-الإسرائيلي على مدن النصف الغربي من البلاد، تم تسجيل ضربات كبيرة في أقصى الشرق مثل زاهدان، وفي منطقة مكران نفسها حيث استُهدف ميناء تشابهار الشهير.
من أتاتورك إلى خامنئي
سنة 1923، حين قرر مؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك نقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة لأسباب عدة، كان العامل الجغرافي حاضراً. في عمق الأناضول، منحت الجغرافيا صنّاع القرار حماية أمنية. اليوم، إذا قرر الإيرانيون نقل عاصمتهم فسيحدث ذلك بالاتجاه المعاكس، أي من الداخل باتجاه الساحل.
قد تكون مكران أصعب “نسبياً” على الاستهداف الإسرائيلي الجوي، لأنها أبعد من طهران. لكن تطور التكنولوجيا يقلّص المسافات. كذلك، سيعرّض الموقع الساحليّ العاصمة الجديدة المفترضة للحصار أو الاستهداف البحري الأميركيَّين.
لم تكن فكرة نقل العاصمة الإيرانية بعيداً من طهران فكرة جديدة وهي قديمة قدم النظام نفسه، بل أقدم. اقترحها أيضاً المرشد الراحل علي خامنئي سنة 2009 ووافق عليها مجمع تشخيص مصلحة النظام. جاء ذلك عقب زلزال بام المدمر سنة 2003 والذي حصد عشرات آلاف القتلى. لكن الفكرة ظلت نظرية إلى حد بعيد.
مهما كان القرار الإيراني المقبل بشأن العاصمة بعد الحرب، فسيكون مبنياً بشكل أكبر على حسابات جيو-سياسية بالمقارنة مع الحسابات الاقتصادية أو البيئية. فالزلزال هذه المرة، سياسي لا طبيعي. وفي جميع الأحوال، قد لا تُقدم إيران على خطوة كهذه من دون إبرام اتفاق شامل ونهائي مع الأميركيين. بالتأكيد، لن يرغب الإيرانيون بأن تتحول مكران إلى “كاراكاس” جديدة.
النهار العربي
—————————–
كابلات هرمز… شريان الإنترنت العالمي في قلب التهديدات
تنقل البيانات والكهرباء بين الدول وهي ضرورية للخدمات السحابية والاتصالات عبر الإنترنت
رويترز
الثلاثاء 28 أبريل 2026
حذرت إيران من هشاشة الكابلات البحرية في مضيق هرمز، وسط مخاوف من تضررها بسبب الصراع أو الحوادث غير المقصودة. أي تلف قد يعطل الاقتصاد الرقمي الخليجي، مع محدودية البدائل مثل الأقمار الاصطناعية وصعوبة إصلاح الكابلات في مناطق النزاع.
حذرت إيران الأسبوع الماضي من أن الكابلات البحرية في مضيق هرمز تشكل نقطة ضعف للاقتصاد الرقمي في المنطقة، مما أثار مخاوف في شأن احتمال تعرض هذه البنية التحتية المهمة لهجمات.
ويعتبر الممر المائي الضيق، الذي يمثل بالفعل نقطة اختناق لشحنات النفط العالمية، مهماً للعالم الرقمي بالقدر نفسه، إذ يمر في قاعه عدد من كابلات الألياف الضوئية، والتي تربط دولاً من الهند وجنوب شرقي آسيا بأوروبا عبر دول الخليج ومصر.
ما الذي يجعل الكابلات البحرية مهمة؟
الكابلات البحرية هي كابلات ألياف ضوئية أو كهربائية في قاع البحر لنقل البيانات والطاقة. ويقول الاتحاد الدولي للاتصالات، وكالة الأمم المتحدة المتخصصة في التكنولوجيا الرقمية، إن الكابلات البحرية تنقل نحو 99 في المئة من حركة بيانات الإنترنت في العالم.
وتنقل أيضاً الاتصالات والكهرباء بين الدول، وهي ضرورية للخدمات السحابية والاتصالات عبر الإنترنت.
وقالت محللة الشؤون الجيوسياسية والطاقة ماشا كوتكين، “إتلاف الكابلات يعني تباطؤ الإنترنت أو انقطاعه وتعطيل التجارة الإلكترونية وتأخير المعاملات المالية… وما يترتب عن كل هذه الاضطرابات من تداعيات اقتصادية”.
واستثمرت دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية لتنويع اقتصاداتها بعيداً من النفط. وأنشأ البلدان شركات ذكاء اصطناعي وطنية لخدمة عملاء في أنحاء المنطقة، وكلها تعتمد على الكابلات البحرية لنقل البيانات بسرعة البرق.
وتشمل الكابلات الرئيسة التي تمر عبر مضيق هرمز كابل “آسيا-أفريقيا-أوروبا 1” (أي أي إي 1)، الذي يربط جنوب شرقي آسيا بأوروبا عبر مصر مع نقاط وصول في الإمارات وعمان وقطر والسعودية، وشبكة “فالكون” التي تربط الهند وسريلانكا بدول الخليج والسودان ومصر، ومنظومة كابلات جسر الخليج الدولي التي تربط كل دول الخليج ومن بينها إيران.
ويجري حالياً إنشاء شبكات إضافية تتضمن منظومة تقودها شركة “أريد” القطرية.
ما الأخطار؟
قالت اللجنة الدولية لحماية الكابلات إن عدد الأعطال ظل مستقراً عند ما يراوح بين 150 و200 سنوياً على رغم نمو إجمال طول الكابلات البحرية بصورة كبيرة بين عامي 2014 و2025.
وذكرت اللجنة وخبراء أن التخريب برعاية دول لا يزال يمثل خطراً، لكن ما بين 70 و80 في المئة من الأعطال ناتج من أنشطة بشرية عرضية، منها الصيد ومراسي السفن بصورة أساسية.
وقال آلان مولدين، رئيس قسم الأبحاث في شركة “تيليجيوغرافي” لأبحاث الاتصالات، إن هناك أخطاراً أخرى، مثل التيارات البحرية والزلازل والبراكين البحرية والأعاصير.
وأضاف أن الصناعة تتعامل مع هذه الأخطار بدفن الكابلات وتدريعها واختيار مسارات آمنة.
وأدت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، والتي اندلعت قبل شهرين تقريباً، إلى اضطراب غير مسبوق في إمدادات الطاقة العالمية والبنية التحتية الإقليمية، تضمنت تضرر مراكز بيانات “أمازون ويب سيرفيسيز” في البحرين والإمارات. ونجت الكابلات البحرية حتى الآن.
لكن هناك خطراً غير مباشر يتمثل في اصطدام مراسي سفن لحقت بها أضرار بالكابلات عن غير قصد أثناء سحبها.
وقالت كوتكين، “في حال العمليات العسكرية النشطة، يزداد خطر التلف غير المقصود، وكلما طال أمد هذا الصراع، زادت احتمالية حدوث تلف غير مقصود”.
ووقعت حادثة مماثلة عام 2024 عندما انجرفت سفينة تجارية هاجمتها ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران في البحر الأحمر وقطعت الكابلات بمرساتها.
وقالت شركة “تيليجيوغرافي” إن مدى تأثير الأضرار التي تلحق بالكابلات على الاتصالات في دول الخليج يعتمد بصورة كبيرة على مدى اعتماد مشغلي الشبكات عليها والبدائل المتاحة أمامهم.
لا إصلاح سهلاً
يشكل إصلاح الكابلات المتضررة في مناطق الصراعات تحدياً آخر غير تحدي تأمينها. ويقول متخصصون إن الإصلاح المادي ليس معقداً جداً في حد ذاته، لكن قرارات مالكي سفن الإصلاح وشركات التأمين قد تتأثر بأخطار التعرض لأضرار ناجمة عن القتال أو وجود ألغام.
وتشكل تصاريح الدخول إلى المياه الإقليمية صعوبة أخرى. وقال مولدين، “غالباً ما يكون أحد أكبر المشكلات في إجراء الإصلاحات هو الحاجة إلى الحصول على تصاريح لدخول المياه التي وقع فيها التلف. فقد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً أحياناً ويمكن أن يكون أكبر مصدر (للمشكلات)”.
وأضاف أنه بمجرد انتهاء الصراع، سيواجه العاملون في هذا القطاع أيضاً تحدي إعادة مسح قاع البحر لتحديد المواقع الآمنة للكابلات وتجنب السفن أو الأجسام التي ربما تكون قد غرقت أثناء الأعمال القتالية.
ما البدائل المتاحة؟
على رغم أن الأضرار المحتملة للكابلات البحرية لن تتسبب في انقطاع الاتصال تماماً بفضل الوصلات البرية، يتفق الخبراء على أن أنظمة الأقمار الاصطناعية ليست بديلاً عملياً لأنها لا تستطيع التعامل مع نفس حجم حركة البيانات وكلفتها أعلى.
وقال مولدين، “الأمر ليس كما لو أن بوسعك التحول إلى الأقمار الاصطناعية ببساطة. هذا ليس بديلاً”، مشيراً إلى أن الأقمار الاصطناعية تعتمد على الاتصال بشبكات برية وتناسب بصورة أفضل الأشياء المتحركة، مثل الطائرات والسفن.
وقالت كوتكين إن شبكات المدار الأرضي المنخفض مثل “ستارلينك” هي “حل محدود لا يمكن توسيع نطاقه في الوقت الحالي ليشمل ملايين المستخدمين”.
—————————–
===========================
تحديث 28 نيسان 2026
—————————–
واشنطن لا ترفض بالمطلق اقتراح هرمز… وتتوقع مرونة إيرانية كلما امتلأت الخزانات/ سميح صعب
الثلاثاء 28 أبريل 2026 ط لتغيير حجم خط المقال. الأحجام المتاحة: صغير، متوسط، كبير
لم يصدر عن المسؤولين الأميركيين رفض قاطع للاقتراح الإيراني حيال فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وإنهاء حال الحرب، قبل الدخول في مفاوضات بشأن البرنا
لم يصدر عن المسؤولين الأميركيين رفض قاطع للاقتراح الإيراني حيال فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وإنهاء حال الحرب، قبل الدخول في مفاوضات بشأن البرنامج النووي. التسريبات التي رشحت عن الاجتماع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومساعديه الكبار لشؤون الأمن القومي في البيت الأبيض، تحدثت عن أن الرئيس غير راضٍ عن أحدث اقتراح سلّمه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال زيارتين قام بهما لإسلام آباد في الأيام الماضية. ولم يُعرف على وجه التحديد ما هي الأسباب التي جعلت ترامب غير راضٍ عن الاقتراح الإيراني، في وقت يشدد فيه دائماً على أن إيران يجب ألا تحوز السلاح النووي. وبينما صرّحت الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولين ليفيت بأن واشنطن تدرس الاقتراح الإيراني، قال وزير الخارجية ماركو روبيو: “من الواضح أننا لن نتفاوض عبر وسائل الإعلام”، لكنه وصف الاقتراح الإيراني بأنه “أفضل مما كنا نتوقع أن يقدّموا”. نقاش داخل الإدارة… كلفة هرمز خضع الاقتراح الإيراني لنقاش مكثف داخل الإدارة لمعرفة من يملك الأفضلية على صعيد تحمّل النتائج الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز. ويمكن أن يشكّل إرجاء النقاش في البرنامج النووي مسعى لتخفيف التداعيات الكارثية على أسواق الطاقة في العالم وأسهم البورصات. وفي الوقت نفسه، يرى مسؤولون أميركيون أن أي إرجاء لبت المسألة النووية الإيرانية، ولو موقتاً، سيعني أن الحرب قد فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي، أي الضغط على طهران للموافقة على اتفاق تتخلى فيه عن تخصيب اليورانيوم. وتصرّ إيران على أن أي اتفاق حيال فتح مضيق هرمز يتعيّن أن ينصّ على السماح لها بمواصلة فرض رسوم على السفن العابرة. ولا يوجد موقف أميركي واضح من هذه الناحية، فيما يعمل مجلس الشورى الإيراني على إعداد قانون يضع المضيق تحت سلطة المؤسسة العسكرية، واستيفاء الرسوم بالريال الإيراني. رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد. (أ ف ب) رهان الحصار… أم التصعيد؟ في الإجمال، يرى بعض المسؤولين الأميركيين أن استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لمدة شهرين إضافيين من شأنه إحداث ضرر كبير بقطاع النفط الإيراني، ما قد يقنع القيادة الإيرانية بالتسليم بالشروط الأميركية أو بمعظمها. لكنّ ثمة رأياً آخر يحذر من أن النظام في إيران هو الآن أكثر تشدداً مما كان عليه قبل الحرب، وبالتالي من غير المؤكد أنه سيقدّم تنازلات، حتى إن طال الحصار البحري. في وضع كهذا، قد يجد ترامب نفسه أمام خيار معاودة العمليات العسكرية على نطاق واسع، وهو ما لا يبدو أنه راغب فيه، إذ يفضّل تشديد الحصار البحري. وتسعى إيران الآن إلى إيجاد طرق جديدة لتخزين نفطها وتجنب خفض الإنتاج. وفي حال الاضطرار إلى خفض الإنتاج، فإن العودة إلى الوضع الطبيعي ستتطلب فترة زمنية طويلة. لكن انتظار تأثير الحصار البحري على إيران قد يطيل الأزمة، ويحمل ضمناً مخاطر اندلاع حرب جديدة. ومن هنا، يأمل ترامب أن يتلقى اقتراحات إيرانية أكثر ليونة، بعد أن تشارف خزانات النفط على الامتلاء. فيما ينصح “صقور إيران” في البيت الأبيض والكونغرس بإحكام الحصار وخوض جولة جديدة من القتال في آن.
النهار العربي
—————————–
تجارب تاريخية شبيهة.. ماذا يعني انسداد المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران؟
رغم انسداد الآفاق في المسار الدبلوماسي، في سبيل إرساء اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران تتوقف بموجبه الحرب بشكل نهائي، فإن محللين يستبعدون عودة الجانبين إلى القتال مجددا.
وفي آخر التحديثات، كشفت وكالة رويترز نقلا عن مسؤول أمريكي أن الرئيس دونالد ترمب غير راض عن أحدث مقترح إيراني لتسوية الحرب الدائرة منذ شهرين، مما أضعف الآمال في التوصل إلى حل.
ويرى خبراء أن المأزق الحالي يعكس تباطؤا في المفاوضات وليس انهيارا، مستشهدين بالعديد من الأمثلة في التاريخ التي تشير إلى أن الدبلوماسية نادرا ما تسير في خط أفقي، ولكنها غالبا ما تتسم بالجمود والنكسات والتدخلات غير المباشرة.
ما وضع المفاوضات حاليا؟
ونقلت شبكة “سي إن إن” الأمريكية عن مصدرين قولهما إن الرئيس ترمب طرح وجهات نظره خلال اجتماعه مع كبار مسؤولي الأمن القومي بشأن الملف الإيراني، وذلك بعد تقديم إيران مقترحا جديدا بهدف إنهاء الحرب.
كما نقلت الشبكة عن مصدر آخر تأكيده أنه “من غير المرجَّح أن يقبل ترمب المقترح الإيراني”، في حين اعتبر المسؤولون الأمريكيون أن إعادة فتح مضيق هرمز -دون تسوية مسائل التخصيب- قد تُفقد واشنطن أداة ضغط أساسية في المفاوضات، بحسب المصدر.
تفاصيل المقترح الإيراني: وينص أحدث مقترح من طهران على تأجيل مناقشة البرنامج النووي إلى حين انتهاء الحرب وتسوية الخلافات المتعلقة بالشحن البحري.
ووفق صحيفة وول ستريت جورنال، يطرح العرض الإيراني خطة من 3 مراحل، تبدأ بإنهاء الحرب من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وتقديم ضمانات بعدم استئنافها.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين قولهم إن طهران قدمت لوسطاء إقليميين عرضا لوقف هجماتها في مضيق هرمز، مقابل إنهاء كامل للحرب ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.
تصلّب المواقف: ولا تزال كل من إيران والولايات المتحدة ثابتتين على مطالبهما، لا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي والسيطرة على مضيق هرمز.
إعلان
وأمس الاثنين، حمّل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واشنطن مسؤولية فشل المحادثات، معتبرا -خلال زيارته إلى روسيا– أن المطالب الأمريكية المفرطة تسببت في فشل الجولة السابقة من المفاوضات، رغم إحرازها تقدما.
وكان ترمب صرح السبت بأنه ألغى زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، وفي اليوم التالي، قال ترمب إن إيران يمكنها الاتصال هاتفيا إذا أرادت التفاوض على إنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي.
وقال ترمب لقناة فوكس نيوز الأمريكية آنذاك “إنهم (إيران) يعرفون ما يجب أن يتضمنه الاتفاق، الأمر بسيط للغاية: لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي، وإلا، فلا يوجد سبب للاجتماع”.
وأبدت إيران بالفعل ترددها بشأن المشاركة في محادثات مع الولايات المتحدة، إذ صرح مسؤولون في طهران بأن المحادثات المباشرة غير مجدية في الوقت الراهن، مشيرين إلى الإجراءات الأمريكية، مثل الحصار البحري لمضيق هرمز، باعتبارها انتهاكات لوقف إطلاق النار وعقبات أمام حوار جاد.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في محادثة هاتفية مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف السبت، إن بلاده لن تدخل فيما وصفه بـ”مفاوضات مفروضة” تحت التهديد أو الحصار.
مساع متواصلة
ورغم انهيار التواصل المباشر، تتواصل المساعي الدبلوماسية عبر قنوات غير مباشرة.
ووفق وكالة أنباء فارس الإيرانية، فإن طهران أرسلت “رسائل مكتوبة” إلى واشنطن عبر وسطاء باكستانيين، حددت فيها خطوطها الحمراء، بما في ذلك مواقفها بشأن القضايا النووية ومضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، انخرط عراقجي في جولة مكثفة من الدبلوماسية الإقليمية، إذ زار باكستان وعُمان وروسيا على مدى الأيام الثلاثة الماضية.
وقال عراقجي في مقابلة مع وكالة أنباء إيرنا الإيرانية من سانت بطرسبرغ إنها “فرصة جيدة لنا للتشاور مع أصدقائنا الروس حول التطورات التي حدثت فيما يتعلق بالحرب خلال هذه الفترة وما يحدث الآن”.
“تستغرق سنوات”
ورغم أن الفجوة بين مواقف طهران وواشنطن لا تزال واسعة، فإن وقف إطلاق النار بينهما لا يزال قائما إلى حد كبير، مما يشير -في نظر مراقبين- إلى حرص البلدين على عدم العودة إلى حرب شاملة.
وتقول مديرة برنامج الشؤون الدولية والأمنية في معهد أستراليا، إيما شورتيس، إن ثمة مجالا للتقدم في المفاوضات، رغم حالة الجمود، مضيفة أن المساعي الدبلوماسية الجادة “تستغرق سنوات لبنائها”.
وتوضح شورتيس للجزيرة أن هناك إشارات واضحة إلى إمكانية وجود مجال للمناورة، لا سيما فيما يتعلق بمسألة تخصيب اليورانيوم، لكنها حذرت في الوقت ذاته من أن ذلك مرهون بـ”قادة متقلبين قد يغيرون رأيهم في اللحظة الأخيرة”، وفق وصفها.
وسبق أن أشار ترمب قبل أيام إلى أن إلغاء المفاوضات لا يعني بالضرورة العودة إلى القتال الفعلي، وتحدث بشكل إيجابي الأحد الماضي عن الاقتراح الإيراني الجديد، كما ألمح إلى إمكانية وجود بعض المرونة.
وقالت شورتيس إن ترمب يتعرض لضغوط هائلة على الصعيد الداخلي، نظرا لأن الحرب لا تحظى بشعبية كبيرة بين الأمريكيين، مضيفة “مع استمرار إغلاق مضيق هرمز فعليا وتأثيره على أسعار الغاز في الولايات المتحدة، ستستمر الضغوط في التزايد”.
إعلان
جمود.. لا سلام ولا حرب
ويتفق الأكاديمي روب جيست بينفولد، وهو محاضر في كلية كينغز كوليدج لندن، مع شورتيس، بأن الدبلوماسية لم تفشل، ولكنها تواجه ما وصفها بـ”انقسامات مستعصية” بين البلدين، مؤكدا أن كلا الجانبين لا يريدان العودة إلى الحرب.
وبالنسبة لإيران، اعتبر بينفولد أن حساباتها تتأثر بحجم الضرر الذي لحق بها بالفعل، مضيفا “لقد تضررت العديد من أصول إيران، ويشعر جيشها بالحاجة إلى التعافي، إنها تريد بعض الوقت لالتقاط الأنفاس”.
وفي الوقت نفسه، تحذر الولايات المتحدة من الانجرار مجددا إلى مواجهة مكلفة في الخليج، ويرجع ذلك جزئيا إلى قدرة إيران على فرض ثمن باهظ على المنطقة والاقتصاد العالمي.
وحول هذه النقطة، يؤكد بينفولد نجاح إستراتيجية الردع الإيرانية، موضحا “تمكنت إيران من إحداث فوضى كافية للتأثير على الاقتصاد العالمي عبر ضرب دول الخليج”.
وخلص الأكاديمي إلى أن الجمود الحالي قد يتواصل ويترسخ ضمن وقف إطلاق نار شبه دائم، معتبرا أنه وقف هش، ولكنه يتجه إلى أن يصبح أمرا واقعا.
وقال “لا يشعر أي من الطرفين بأن الطرف الآخر لديه اليد العليا، لكن كلاهما يشعر بأنه صاحب اليد العليا، لذا فإن النتيجة هي هذا الجمود الذي لا هو سلام ولا حرب”.
وتوقع أن يستمر هذا الوضع لفترة طويلة، مضيفا “هذه ديناميكية يمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى تقريبا إلى أن يتمكن أحد الطرفين من إجبار الآخر على تقديم تنازلات”.
أمثلة لمفاوضات سابقة.. كيف انتهت؟
واستغرقت المفاوضات الناجحة للتوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، والمعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، نحو عامين، وشملت محادثات سرية غير رسمية بتنسيق ووساطة من سلطنة عُمان.
وانسحب ترمب من الاتفاق -الذي نجح بعد فترات طويلة من الجمود والتقدم التدريجي- من جانب واحد عام 2018 خلال ولايته الأولى.
وقال مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني كريس دويل إن جميع المفاوضات الكبرى لإنهاء الحروب لها خصوصياتها، مستشهدا بمثال اتفاقيات باريس للسلام لعام 1973 بين الولايات المتحدة وفيتنام.
ويصف دويل المشهد آنذاك للجزيرة قائلا “هنا ترى أطرافا كانت على خلاف شديد، تحاول التوصل إلى اتفاق لم تنته فيه الأعمال العدائية فعليا، وكانت هناك اختلافات كبيرة أيضا”، مشيرا إلى أن المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاقيات بدأت في عام 1968.
مع ذلك، ورغم خروج الولايات المتحدة فعليا من الحرب، فقد وقعت انتهاكات فورية للاتفاقيات، وفي نهاية المطاف، سقطت فيتنام الجنوبية في يد القوات الشيوعية عام 1975.
وبشأن ذلك، يحذر دويل من أن الأطراف المتنازعة في أي صراع قد تعقد صفقات، لكن ضمان استمرارها مسألة أخرى.
وفي مثال آخر، أثارت المفاوضات المبكرة بين روسيا وأوكرانيا في عام 2022 آمالا في التوصل إلى تسوية، لكنها انهارت في نهاية المطاف، ومع ذلك، لم يتوقف التواصل الدبلوماسي تماما، إذ جرى التوصل إلى اتفاقيات أصغر، شملت تبادل الأسرى، وإعادة الأطفال إلى بلادهم، والسماح بتصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود.
المصدر: الجزيرة
————————————
===========================
تحديث 27 نيسان 2026
—————————–
على هامش الحرب/ بشير البكر
الاثنين 2026/04/27
يحتاج المرء إلى أوقات إضافية كي يتابع الحرب، فهي ما أن تتوقف في مكان حتى اشتعلت، من جديد، في ناحية أخرى. سببها واحد، لكنها تندلع حسب رغبة ومصالح الطرف الذي يتحكم بها. منذ أن ولدت إسرائيل في منطقتنا ونحن في حرب دائمة، تتلون بأشكال مختلفة، لكنها لا تنزع جلدها المرقط، ولا ترفع يدها عن الزناد.
هي تتقدم ونحن نتراجع، وكلما حاولنا رفع رؤوسنا لتنشق الأوكسجين، أو تأمل السماء أغارت علينا. تأتي مرة من الجنوب، وأخرى من الشمال، وكلما حسبنا أنها ستهجم من هذه الجهة باغتتنا من مطرح آخر. تتنقل مثل قافلة من الغجر الذين لا يعرفون طعم الهدوء والاستقرار في مكان واحد، يحزمون أغراضهم كلما سمعوا صوت الموسيقى.
تضرب بلا حساب لحدود أو قيود، لا تحترم قانونا دوليا، أو أمم متحدة، ولا تحسب حسابا للحدود والسيادة. كل ذلك لا يعنيها. لها قانونها الخاص، الذي صار ساريا على الجميع، تصادر ما ليس لها، وتحتل أراضي الآخرين، وفي كل مناسبة تجد حجة ملفقة تبرر فيها لنفسها أفعالها.
كلما قرّرت أن تقلب الطاولة، بات علينا أن نترك كل شيء ونتفرغ لمتابعتها. صار بمثابة الفرض على الجميع حضور المناسبة، كما لو أنها طقس إجباري. يجلس الناس حول أجهزة الراديو والتلفزيون في انتباه شديد، كأنهم في مجلس عزاء. لا يفلت أحد من أداء هذا الواجب.
يحتاج المتابع إلى أكثر من 24 ساعة لمتابعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دون سواه، وأقل بقليل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكذلك الأعداء على الجبهات الأخرى. تصريح وراء آخر، الثاني يمحو الأول، ويقدم معطيات متناقضة، كلام الليل غير كلام النهار، ونهاية الأسبوع مختلفة عن بقية أيام الأسبوع. وما يصدر من داخل الطائرة الرئاسية، وهي تحلق في الفضاء، غير ذلك الذي يخرج من البيت الأبيض، أو المنتجع الرئاسي. وتختلف اللهجة من شاشة لأخرى، ما بين مذيع ومذيعة. تبدو الحرب وكأنها تدار بمزاج رجل الأعمال الذي يتابع نشاط أسهمه في البورصة، تعلو وتهبط معنوياته حسب حركة سلم الأسهم. وهذا غير بعيد عن مقاربات ترامب رجل الصفقات وتاجر العقارات الدولي، الذي ينشغل تفكيره بتجارته الخاصة، أكثر من شؤون وظيفته كرئيس لأكبر قوة كونية، خاصة حينما تدخل الحرب.
بين جولة وأخرى يخطر للمرء أنه سيرتاح قليلا من ترامب ونتنياهو وجيش المحللين العرب، لكن عبثاً، كأن جانباً من وظائف هؤلاء إقلاقك شخصياً، منعك من النوم وتناول طعامك بلا غصة وإطفاء التلفزيون والخروج من المنزل في جولات ربيعية من أجل الترويح عن النفس والأطفال الذين هتكت مشاهد الحرب طفولتهم وقتلت براءتهم، لقد أصيب البعض منهم بالرهاب من جراء صور القنابل التي سقطت على المدن، تعبوا من الحبس في البيوت، بلا مدارس، على وقع زمامير الإنذارات حول الصواريخ والطائرات المسيرة الآتية من جميع الجهات، والعابرة في الأجواء، أو تتفجر في ليالي المدن كأنها ألعاب نارية في ليلة رأس السنة أو عيد الاستقلال.
في مقطع مصور تصرخ سيدة بغضب، موجهة كلامها لجميع أطراف الحرب. تشهر تعبها من هذه الدوامة التي لا تتوقف على مدار العام، تطالب بصوت عال أن تتوقف تجارة الحرب، لأن لدى الناس ما يفعلون غير الخوف على حياتهم من الصواريخ، يريدون أن يعيشوا نهارهم وليلهم، أن يذهبوا لأعمالهم من دون خوف، ويمضوا أوقاتا حميمة بين أهلهم وأحبابهم، أن يذهبوا للمطاعم وصالات المسرح والسينما، ويسافروا في إجازات الى الخارج، وألا ترتفع أسعار الوقود والغاز والخضار والفواكه.
لا يريد أحد أن يضحي بشيء بعد الآن بسبب مزاجيات ترامب وجنون نتنياهو. حياة سكان الكوكب، ليست رهن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، التي لا تنفد شهيتها للحروب والقتل واحتلال أراضي الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. العالم ليس أعمى، إنه يرى كل ما يحصل بعيون مفتوحة، ولم تعد تنطلي عليه بروباغندا إسرائيل وأميركا. وقد ضجر من متابعة المسرحية على تلفزيون الواقع، وأصابه قرف من إفراط الولايات المتحدة بتدليل إسرائيل ومدها بالأسلحة والأموال لقتل الآخرين.
مع اندلاع كل حرب ترتفع الأسعار في العالم، ويصيب ذلك الغرب كما الشرق، الدول القريبة من النيران وتلك البعيدة عنها، وينزل ذلك على البشرية كأنه عقاب جماعي، ومنذ الحرب على غزة عام 2023 تضاعفت الأسعار عدة مرات من دون أن تتدخل الحكومات لرفع الكلفة الإضافية عن كاهل المواطن العادي الذي لا دور له في تفجر النزاعات الدولية. وصار هناك ما يشبه القاعدة الثابتة، أميركا وإسرائيل تخوضان الحروب وشعوب العالم تدفع التكاليف. وعلى هذا المنوال تسير المعادلة، ولذلك لا تجد حروب أميركا من يصفق لها.
المدن
—————————–
إيران وأميركا: من فخّ التصعيد إلى حتمية التسوية/ خلدون الشريف
الاثنين 2026/04/27
ليس السؤال اليوم ما إذا كانت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ستتصاعد، بل ما إذا كانت قد بلغت حدّها الأقصى. فحين يدخل الصراع فخّ التصعيد، ولا يعود الحسم ممكنًا من دون كلفة كارثية، تتحوّل التسوية -ولو مؤجلة- من خيار إلى ضرورة.
فخّ التصعيد وسقف الكلفة
للوهلة الأولى، يبدو أنَّ ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران قابل للقياس على نماذج “المواجهات المجمّدة”، من الكوريتين إلى فيتنام، مرورًا بالحرب الأميركية في أفغانستان (2001–2020)، وصولًا إلى الحرب الروسية-الأوكرانية. لكن هذا القياس ينهار عند أول اختبار. ما نشهده ليس صراعًا يمكن تثبيته، بل مواجهة مفتوحة: قوة عظمى رفعت سقف المواجهة من دون ضمان الحسم، في مقابل قوة إقليمية تمتلك مفتاح تأثير كوني: مضيق هرمز. هنا، لا يعود ميزان القوى كافيًا، فالميزان الفعلي هو ميزان الكلفة.
أي تصعيد ضد إيران لا ينعكس عليها وحدها، بل على الاقتصاد العالمي، من هرمز إلى سائر ممرات الطاقة الحيوية. ولهذا وقعت واشنطن في فخّ تصعيدٍ تحاول ضبط سقفه، كي لا تتحوّل كلفته العالمية إلى عبء يفوق مكاسبه الإقليمية، فيما اقتربت طهران من موقع السيطرة عليه: رفع الكلفة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
إيران: إدارة الاستنزاف
في المقابل، لا تدير طهران المواجهة كحرب تقليدية، بل كاستنزاف متعدد المستويات، يتجاوز الميدان إلى الاقتصاد والسياسة والزمن. هرمز ليس مجرد ورقة ضغط، بل أداة لإدخال العالم كلّه في كلفة المواجهة، والبحر مساحة اشتباك محسوبة، منخفضة الكلفة وعالية التأثير، فيما يشكّل الفضاء السيبراني والإعلامي امتدادًا مباشرًا للصراع. بهذا المعنى، تعيد طهران تعريف المواجهة: من حرب عسكرية إلى نظام ضغط متكامل، يتدرّج في التصعيد من دون أن ينفلت.
لكن الأهم أن هذه المواجهة لا تبقى خارجية، بل تمتد إلى الداخل الأميركي نفسه. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق، وضغط سلاسل الإمداد، تتحوّل إلى عناصر ضغط سياسي داخلي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني، في ظل مؤشرات على تراجع شعبية الجمهوريين المؤيدين لترامب. هكذا يعود القرار العسكري ليُقاس ليس فقط بموازين القوة، بل أيضًا بحسابات الانتخابات والاقتصاد والرأي العام.
هنا يصبح الزمن عنصرًا حاسمًا. فطهران لا تراهن على ضربة فاصلة، بل على إطالة أمد التوتر، انطلاقًا من إدراكها أن خصمها لا يريد حربًا طويلة أصلًا، وأن أي مواجهة مفتوحة ستكون مكلفة وغير قابلة للحسم السريع. كل أسبوع إضافي من عدم الاستقرار ليس مجرد استمرار للصراع، بل إعادة توزيع للضغط داخل النظام الأميركي نفسه. الرهان، في جوهره، ليس على كسر عسكري مباشر، بل على كسر الإرادة.
إسرائيل ولبنان: كسر التوازن أو اختباره
لكن هذه المعادلة لا تُفهم من دون إدخال العامل الإسرائيلي كفاعل مستقل. فإسرائيل لا ترى في أي تسوية محتملة إلا خسارة استراتيجية، لأنها -بحكم توازن الكلفة- تميل لمصلحة طهران. لذلك، لا تكتفي بالضغط السياسي، بل تُبقي مسار التصعيد مفتوحًا، أو قابلًا لإعادة الاشتعال، في ظل خطاب تصعيدي يتجاوز أحيانًا الأهداف العسكرية إلى تهديدات أوسع. في حساباتها، لم تعد “المنطقة العازلة” في جنوب لبنان كافية، فيما مراكز الثقل الفعلية تتجاوزها جغرافيًا. ومن هنا، تبرز سيناريوهات عمليات مركّزة تطال البقاع والضاحية، لا لاحتواء التهديد، بل لإعادة فرض قواعد الاشتباك بالقوة. هنا، يتحوّل لبنان من ساحة إلى أداة.
لم يعد لبنان جبهة، بل أصبح مكان اختبار الصراع. فالاجتماع في البيت الأبيض بين سفيري لبنان وإسرائيل، بإشراف مباشر من الرئيس الأميركي، لم يكن تفصيلًا دبلوماسيًا، بل إشارة إلى انتقال الملف اللبناني إلى إدارة سياسية عليا، هدفها منع الانفجار وتزخيم المسار التفاوضي. لكن ما يجري يتجاوز ذلك. هناك مسار يُطبخ بهدوء، تشارك فيه واشنطن ودول إقليمية، وفي مقدّمها السعودية، يقوم على إنتاج “نجاح لبناني” محدود: ليس سلامًا، ولا تطبيعًا، بل ترتيبات أمنية تُنهي الحرب وتثبّت التهدئة. هذا هو الحدّ الممكن… وهو نفسه ما قد يُفجَّر.
فبينما تعمل واشنطن على تثبيت هذا المسار، تحتفظ إسرائيل بخيارات ميدانية لتقويضه. وأي تصعيد في العمق اللبناني لن يكون حدثًا موضعيًا، بل اختبارًا مباشرًا لقدرته على الصمود. لحظة واحدة تفصل المسارين: احتواء يفتح باب التسوية، أو تدحرج يعيد كل شيء إلى الصفر.
وأي تصعيد في البقاع أو الضاحية قد يستدعي ردًا يتجاوز الحدود اللبنانية، فيما قد يفتح استهداف العمق الإسرائيلي باب تدخل أوسع، ويعيد أي انخراط مباشر ربط الجبهة اللبنانية بمضيق هرمز. هنا، تسقط فكرة الجبهات المنفصلة، ويصبح الصراع مسارًا واحدًا، تتغذّى فيه الساحات بعضها من بعض.
ترامب: منطق الصفقة وحدوده
في المقابل، يعرّف دونالد ترامب الصراع بطريقة مختلفة. هو لا ينظر إليه كحرب يجب خوضها حتى النهاية، بل كأزمة يجب إدارتها للوصول إلى “صفقة”، ضمن منطق يفضّل الإنجاز السريع على الاستنزاف الطويل. أي أنه يسعى إلى تحقيق نتيجة سياسية قابلة للإعلان، لا إلى انتصار عسكري كامل. هذا ما يفسّر التناقض الظاهري في سلوكه: تصعيد في الخطاب… ومرونة في الممارسة. فبالنسبة إليه، الضغط العسكري وسيلة لفرض التفاوض، لا لاستبداله. لكن هذه المقاربة تصطدم بواقعين: خصم لا يبحث عن صفقة سريعة، وبيئة إقليمية لا تسمح بتثبيت نتائجها بسهولة.
هدنة قسرية… لا استقرار
في هذا السياق، يسقط خيار “تجميد الصراع”. فما يبدو كـَ “وقف إطلاق نار”، ليس إلا نقطة توازن مؤقتة بين منطقين متعارضين: منطق إيراني يقوم على الاستنزاف والمطاولة، ومنطق أميركي -ترامبي- يقوم على الضغط السريع لإنتاج صفقة. هذه ليست هدنة مستقرة، بل هدنة قسرية، تعبير عن عجز مزدوج: عجز عن الحسم، وعجز عن الخروج. ولهذا، فإن ما يُسمّى “حربًا باردة” هنا، ليس خيارًا قابلًا للحياة، بل مرحلة مؤقتة بين اتجاهين: إما تسوية تُفرض… أو انفجار يُعيد تعريف الصراع.
لبنان نقطة الكسر
بعد كل ما سبق، لم يعد السؤال إن كانت التسوية ستأتي، بل أين ستُحسم أولًا. ففي مثل هذه اللحظات، لا تُصنع التسويات في مراكز القوة، بل في نقاط الضعف. ولهذا، لن تولد التسوية في هرمز، حيث الكلفة عالمية، بل في لبنان، حيث يمكن اختبارها… أو إسقاطها. لبنان هو المكان الذي ستُختبر فيه الحدود الفعلية للتصعيد: حدود إسرائيل، وحدود إيران، وحدود القدرة الأميركية على الضبط.
إما أن ينجح هذا الاختبار، فتُفرض التسوية، وإما أن يفشل، فيسبق الانفجار السياسة. فالهدنات هنا لا تُنهي الصراع… بل تؤجّله إلى ساحةٍ أخرى. السؤال لم يعد إن كانت التسوية ستأتي، بل: هل تصل قبل أن يفرضها انفجار يبدأ من لبنان… ويمتد إلى هرمز؟
لبنان، هذه المرّة، ليس على هامش التسوية… بل هو نقطة كسرها أو ولادتها.
المدن
——————————
شهران حرب بلا حسم… ولا غالب ولا مغلوب!/ د. عبد الله خليفة الشايجي
26 – أبريل – 2026
تُقاس نتائج الحروب بتحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة لمن أطلقها ليبرر حربه لشعبه وجمهوره وخصومه وأعدائه. وهناك قاعدة أن ليس من يشن الحروب هو من يحسمها بتحقيق أهدافه. ولنا شواهد كثيرة في حروب شُنت بناء على سوء تقدير وحسابات خاطئة.
وهناك تحولات كبيرة في الحروب، التي لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية. بل هناك الحروب غير المتناظرة بين قوات مسلحة وجيوش بعقيدة عسكرية تقاتل ضد تنظيمات عسكرية مسلحة مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة وحماس وحزب الله والحوثيين وغيرهم. حروب لا يمكن للجيوش تحقيق انتصار حاسم فيها. كما نشهد في غزة ولبنان واليمن. وهناك الحروب الهجينة التي تتفاعل فيها العمليات العسكرية والاستخباراتية والتضليل الإعلامي والذكاء الاصطناعي والدعايات المضللة لتشكيل رؤى وسرديات لا تنتمي للواقع المعاش.
كما أن الانتصار في الحروب يعني أشياء مختلفة لكل طرف من أطرافها. الانتصار للطرف الأقوى يعني فقدان قدرة الردع، ولكن الحسم والنجاح بتحقيق أهداف الحرب. أما للطرف الضعيف فالانتصار في الحرب هو ألا يخسر ويسقط النظام ويبقى برغم الانتكاسات والخسائر.
الفيتناميون خسروا معظم المعارك وكذلك طالبان ولكن العبرة ككل شيء في الخواتيم. وفي النهاية انتصر الفيتكونغ وطالبان في حروب غير متناظرة.
وفي حرب الولايات المتحدة وإسرائيل المشتركة الأولى في الشرق الأوسط ضد إيران بعد شهرين من الحرب وخمس هدن تم تمديدها بأوقات مختلفة. آخرها إلى أجل غير مسمى. لذلك من الصائب أن نصف الحرب: لم تنتصر فيها الولايات المتحدة، ولم تحسمها إسرائيل التي حرضت ودفعت أمريكا لشنها، برغم فارق التفوق العسكري والتقني والغارات الواسعة بعد تحييد الدفاعات الجوية الإيرانيةـ وبرغم الخسائر الهائلة والمكلفة التي تكبدتها إيران بشريا باغتيال كبار قادتها السياسيين والعسكريين وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار قادة الحرس الثوري، وحتى ما يُسرب عن إصابات وتشوه للمرشد الجديد مجتبى خامنئي. لكن حتى اليوم لم تخسر إيران الحرب ولم تستسلم!! والمفلت أن كل طرف يقدم سردية أنه حقق أهدافا ومعه حقق انتصارات ولو هي أقرب إلى الوهمية. ولكن الواقع أن الطرفين الأمريكي-والإسرائيلي برغم التفوق العسكري لم يحققا نتائج استراتيجية تحسم الحرب حتى اليوم. كما أن إيران برغم الخسائر الكبيرة في الأرواح والقيادات والبنى التحتية والنزيف الاقتصادي والحصار البحري-إلا أنها تفاوض وتكرر كما يكرر الأمريكيون والإسرائيليون يدنا على الزناد.
وبعد مرور شهرين على الحرب الأمريكية على إيران، يمكن القول إننا أمام نموذج كلاسيكي لـ»حرب بلا حسم». حرب كثيفة في أدواتها، محدودة في نتائجها، ومفتوحة في مآلاتها. والواضح أن تقييم شهرين من الحرب التي لم تضع أوزارها. وأخطر سيناريو هو تجدد الحرب بعد فشل الدبلوماسية حيث يتم تسريب معلومات وزيادة الحشود العسكرية كتكتيك ضمن الحرب النفسية على إيران. وذلك تحسباً لفشل الوساطة التي تقودها باكستان مؤخراً. والملفت الغياب الكلي للوسطاء الخليجيين. وذلك بعدما نالنا كدول وشعوب خليجية عدوان وأضرار كبيرة من إيران. ما يعمق فجوة الثقة في إيران وحتى في الحليف الأمريكي الذي دفع المنطقة لحافة الهاوية بسياسات وقرارات ضيقة تخدم أجندة إسرائيل على حساب الحلفاء الخليجيين والأمن الخليجي. والأخطر أن تنتهي الحرب دون حسم واضح. ما قد يمهد لحرب وجولة ثالثة بعد حرب مطرقة منتصف الليل والأسد النابض في يونيو الماضي، وعملية الغضب الملحمي وزئير الأسد لهذه الحرب التي دخلت باستراحة محارب. انتظاراً لنتائج المفاوضات المتعثرة….
والملفت أنه مع نهاية ثمانية أسابيع من حرب الاختيار وليس الضرورة، لم تحقق حرب الولايات المتحدة وإسرائيل أيا من أهدافها المعلنة والأهم والأخطر غير المعلنة. سواء الخوض بشكل فعال لبرنامج إيران النووي، ونسبة التخصيب؟ وسنوات وقف التخصيب؟ وما هو مصير 450 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%؟ والبرنامج الصاروخي ومديات الصواريخ الإيرانية؟ أهم قدرات إيران الدفاعية، كما شهد الجميع باستهداف وقصف مراكز وقلب المدن الرئيسية بما فيها تل أبيب وحيفا وبئر السبع وغيرها بما فيها الأهداف الصناعية ومحطات الكهرباء وغيرها في حربي يونيو الماضي والحرب التي تأخذ استراحة.
والأكثر دلالة انحراف أهداف الحرب على إيران من القضايا والملفات التي شنت من أجلها كما ذكرنا. إلى أولوية إعادة فتح مضيق هرمز الذي يحاصره الحرس الثوري ويقلب الطاولة على حرب الولايات المتحدة وإسرائيل، وفرض الرئيس ترامب حصارا على إيران. إضافة إلى فرض حصار البحرية الأمريكية على موانئ إيران. ما يمنع تصدير النفط الإيراني وصادراتها المتنوعة، خاصة إلى الصين وشرق آسيا. ويكرر ترامب هذا يكبد إيران آلام وخسائر 500 مليون دولار يوميا لاقتصاد إيران بفقد قيمة صادراتها.
وبرغم دور باكستان النشط بدبلوماسية الوساطة بين إدارة ترامب-وإيران، لكن تشهد المفاوضات تعثراً، برغم تمديد ترامب الخامس مهلة مفتوحة لوقف إطلاق النار. لكن رفضت إيران المشاركة في الجولة الثانية في إسلام آباد الأسبوع الماضي. لعدم تلبية مطالبها، برفع حصار موانئها واحتجاز البحرية الأمريكية ناقلات نفط وسفن شحنها. تصفها إيران بالبلطجة والقرصنة.
ولم توقف إيران دعمها لحلفائها برغم تراجع ثقلهم ودورهم خاصة حزب الله في لبنان وفصائل عسكرية عراقية تشارك بعمليات قصف دول خليجية وخاصة الكويت، والحوثيون في اليمن.
كما أن تغير وتبدل وتناقض أهداف الحرب المعلنة والأهم والأخطر غير المعلنة يعمق مأزقها وتداعياتها وإطالة أمدها… ويبدو أن القضاء على برنامج إيران النووي، وتقييد برنامجها الصاروخي ودعم إيران لحلفائها في المنطقة مرجح تأجيله. والأخطر لا حسم متوقع قريبا، بل استمرار للمراوحة المزعجة والمكلفة.
٭ استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت
القدس العربي
——————————-
إيران تقدم مقترحاً جديداً لوقف الحرب .. ماذا تضمن؟
2026.04.27
قدّمت إيران، عبر وسطاء باكستانيين، مقترحاً جديداً إلى الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق يشمل إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار، مع تأجيل ملف المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة، بحسب ما نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أميركي ومصدرين مطلعين.
وفي السياق، أفاد ثلاثة مسؤولين أميركيين اليوم الإثنين بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس عقد اجتماع في غرفة عمليات البيت الأبيض مع كبار مسؤولي الأمن القومي والسياسة الخارجية، لبحث تطورات الملف الإيراني. وأشار أحد المسؤولين إلى أن الاجتماع سيركز على حالة الجمود في المفاوضات والخيارات المتاحة للمرحلة المقبلة.
وبحسب مصدرين مطلعين، يركّز المقترح الإيراني على معالجة أزمة مضيق هرمز والحصار الأميركي كأولوية، على أن يتضمن ذلك تمديد وقف إطلاق النار لفترة طويلة أو التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل دائم.
ترمب يلغي توجه مبعوثيه إلى باكستان
ومساء السبت الماضي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلغاء توجه مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، ومستشاره جاريد كوشنر إلى باكستان، حيث كان من المقرر إجراء محادثات مع إيران.
ونقلت قناة “فوكس نيوز” الأميركية أن ترمب أكد أن ويتكوف وكوشنر لن يتوجها إلى باكستان لعقد لقاءات مع الجانب الإيراني.
وقال ترمب: “لا فائدة من رحلة تستغرق 18 ساعة إلى باكستان، بينما تمتلك الولايات المتحدة زمام المبادرة في التعامل مع الملف الإيراني”.
وتابع أن الإيرانيين قادرون على التواصل مع واشنطن في أي وقت، كما شدد على أن إلغاء الرحلة لا يعني أن الولايات المتحدة ستتجه لاستئناف الحرب مع طهران.
——————————-
===========================
تحديث 26 نيسان 2026
—————————–
من تجميد الإمدادات الروسية إلى تهديد “داعش”: الوقود السوري في الحرب الإقليمية/ لامار اركندي
25.04.2026
تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.
بعد الإعلان عن اتّفاقية الهدنة بين إيران والولايات المتّحدة، بدا المشهد الإقليمي أكثر هدوءاً على الورق، لكنّ آثار التصعيد الأخير لا تزال ملموسة في حياة السوريين اليومية.
ركّزت التغطية الإعلامية على التهدئة العسكرية، إلا أن الأزمات الاقتصادية التي خلّفتها الحرب الإقليمية لم تتوقّف، بل امتدّت إلى الأسواق المحلّية في سوريا، حيث بدأت أسعار الوقود والمواد الأساسية تشهد تقلّبات ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، ونقص الغاز والمازوت والبنزين من محطّات الوقود في عموم البلاد، في ظلّ تراجع الإمدادات النفطية وارتفاع تكاليف النقل وتعقّد طرق التوريد، الشأن الذي نفته وسائل الإعلام السورية الرسمية، لكنّ الواقع على الأرض مختلف…
فقد نشرت “الشركة السورية للبترول” عبر صفحتها الرسمية، أن عمليّات توريد الغاز إلى مصبّ بانياس البحري مستمرّة ضمن جهودها لتعزيز استقرار قطاع الطاقة.
وبحسب البيان الذي تابعه “درج” تمّ تسلّم شحنة جديدة من الغاز يوم الاثنين على متن الناقلة “غاز سيرينتي” بحمولة تبلغ 11,600 طنّ متري، حيث باشرت فرق المصبّ عمليّات الربط والتفريغ فور استكمال الإجراءات الفنّية، لضمان نقل الكميّات إلى خزّانات قسم غاز بانياس بكفاءة وأمان…
كما أوضحت الشركة أن عدّة نواقل أخرى تنتظر دورها ضمن برنامج توريد مستمرّ بحمولات متفاوتة، ولم يحدّد البيان مصدر التوريد أو بلد المنشأ لهذه الشحنات، واكتفى بالإشارة إلى استمرار برنامج الإمداد.
ويأتي ذلك في وقت كانت فيه الحكومة قد أكّدت سابقاً توفّر المشتقّات النفطية والغاز في الأسواق ونفت وجود أيّ نقص، رغم استمرار الحديث عن ضغوط على التوزيع في بعض الفترات.
تعكس هذه الارتفاعات هشاشة الاقتصاد السوري واعتماده الكبير على الإمدادات المحلّية المحدودة والإمدادات الخارجية المتقطّعة، بما في ذلك الغاز والمازوت. فالإمداد المحلّي لا يغطّي الاحتياجات بالكامل، والإمدادات الخارجية من روسيا انخفضت قبل أيّام قليلة من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ طهران.
في هذا السياق، تتشابك أسباب محلّية وإقليمية لتضغط على ميزانيات الأسر، وتزيد من الصعوبات اليومية، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد أبرز تداعيات الحرب الإقليمية على السوريين، حتى بعد إعلان الهدنة الأميركية الإيرانية على الصعيد العسكري.
تجميد الإمدادات الروسية
تشير بيانات وتقارير قطاع الطاقة إلى أن سوريا تعتمد بشكل متزايد على الشحنات النفطية الخارجية لتشغيل مصافيها وتأمين احتياجات السوق المحلّية، في ظلّ تراجع الإنتاج المحلّي منذ سنوات.
وقد استقبلت مصفاة بانياس خلال الأشهر الأولى من بداية العام؛ كان آخرها بداية شهر شباط/ فبراير، عدّة شحنات نفطية روسية، وهو ما أكّدته مصادر من مصفاة بانياس رفضت الكشف عن هويّتها لـ”درج”، مشيرة إلى أن من بينها شحنة بلغت نحو 1.6 مليون برميل من الخام والمشتقّات النفطية، ضمن خطّة لتعزيز الإمدادات وتشغيل المصافي وتأمين الوقود لقطاعي الكهرباء والنقل.
وتؤكّد هذه الشحنات وفق المصدر، أن مصفاة بانياس ما تزال تمثّل نقطة ارتكاز رئيسية في منظومة الطاقة السورية، حيث تعتمد على الواردات البحرية لتغطية جزء من احتياجات البلاد، خاصّة مع ضعف الإنتاج المحلّي وتراجع قدرة الحقول النفطية على تلبية الطلب الداخلي مشيرة إلى أن “هذا الاعتماد على الشحنات الخارجية يجعل سوق الوقود في سوريا حسّاساً لأيّ اضطراب في طرق النقل أو تصاعد في المخاطر الإقليمية، لكنّ هذه الشحنات حالياً توقّفت. فتجميد موسكو شحنات نفطها إلى سوريا جاء في توقيت حسّاس، قبيل العمليّات العسكرية الأميركية ضدّ إيران”.
يرى الخبير في شؤون الطاقة والسياسة الدولية الدكتور همّام حيدر أن “توقّف توريد النفط الروسي إلى سوريا لم يكن مجرّد مسألة لوجستية، بل يعكس حسابات جيوسياسية دقيقة بين روسيا وأطراف إقليمية ودولية”، ويقول في لقاء مع “درج”: “يمكن فهم توقّف التوريد في إطار عدّة اعتبارات استراتيجية. أولاً: موسكو كانت تتوخّى الحذر من الانجرار المباشر إلى مواجهة محتملة مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، خصوصاً في ظلّ التهديدات المفتوحة ضدّ إيران. ثانياً: روسيا تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها في سلسلة التوريد، حفاظاً على مخزونها الداخلي من البترول ومنع أيّ تأثير سلبي مباشر على أسعار النفط العالمية. ثالثاً: هناك بعد سياسي، فالتوقّف عن الإمدادات يعتبر رسالة واضحة لكل الأطراف أن موسكو ليست على استعداد لتحمّل المخاطر وحدها في حال اندلاع تصعيد إقليمي. هذا التوازن بين الالتزامات الدولية والمصالح الإقليمية هو ما يفسّر قرار موسكو تجميد الشحنات مؤقّتاً، وليس هناك مؤشّر على أن هذا القرار يعكس رغبة في ترك سوريا دون دعم، بل هو جزء من سياسة محسوبة لتجنّب التورّط المباشر في أيّ صدام عسكري”.
التوقّف فاقم معاناة السوريين
تسبّب توقّف الشحنات الروسية مباشرة في أزمة طاقة داخلية انعكست على المواطنين بشكل ملموس، تقول الصحافية السورية فاطمة حسني: “إن انخفاض الإمدادات أدّى إلى نقص الوقود في محطّات المحروقات، ما تسبّب في طوابير طويلة وانتظار لساعات للحصول على البنزين والمازوت، خاصّة للمواصلات العامّة والمولدات الكهربائية الخاصّة”.
وتشير في حديثها لـ”درج” إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية عشرات الأضعاف نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، إذ يعتمد قطاع النقل بشكل شبه كامل على الوقود المستورد وتقول: “هذا النقص أثّر أيضاً على قطاع الصناعة والإنتاج المحلّي، فالمصانع التي كانت تعمل بنسب محدودة اضطرّت لتقليص ساعات عملها أو التوقّف تماماً، ممّا زاد من الضغط على الأسر السورية المتأثّرة أصلاً بالحرب والتضخّم المستمرّ”.
وفي السياق ذاته، ينقل أبو علي وهو مالك محطّة وقود في مدينة الحسكة لـ”درج” معاناة الحسكة كغيرها من المدن السورية في الوقت الحالي، من شحّ كبير في المازوت والغاز والبنزين، حيث أصبحت غير متوفّرة في معظم محطّات الوقود، ويوضح أن المازوت المدعوم يُباع رسمياً بسعر 5,650 ليرة سورية للتر الواحد، بينما يصل سعر صرف الدولار الرسمي إلى 13600ليرة، ما يعني أن سعر اللتر بالدولار الرسمي يقارب 75 سنتاً.
ويقول: “أما في السوق السوداء، فتتوفّر كميّات قليلة من المازوت، ويصل سعرها إلى أكثر من 10,000 ليرة سورية للتر الواحد، ويضطرّ الناس للوقوف في طوابير لساعات طويلة وربما لليوم الثاني لكن دون جدوى، فيلجأون إلى السوق السوداء”.
وفق حسابات موقع “الطاقة” المتخصّص في شؤون النفط والطاقة، الذي رصد تذبذب الأسعار وندرة الوقود في الأسواق السورية، فإن سوريا احتلّت المرتبة السادسة من بين الدول العربية التي شهدت ارتفاعاً في أسعار الوقود بسبب الحرب الإيرانية الأميركية.
حقول النفط السورية: بين التدمير والتهديدات
رغم أن “الشركة السورية للبترول” أعلنت بدء تشغيل واستخراج النفط من الحقول التي أعادت الدولة السيطرة عليها في دير الزور والحسكة، بموجب الاتّفاقية التي أُبرمت بين “قوّات سوريا الديمقراطية” وحكومة دمشق في 29 كانون الثاني/ يناير والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية للآبار والمنشآت المتضرّرة، وهو ما أكّده مهندس البترول سردار علي، الذي تنقّل في عمله بين حقول البترول في رميلان ودير الزور قبل أزمة البلاد وخلالها لـ”درج” إلا أن تنفيذ هذا التأهيل لا يزال يتطلّب وقتاً أطول من المتوقّع، وليس فورياً على الأرض .
علي نوّه إلى أن إعادة إدخال هذه الحقول في دورة الإنتاج تحتاج إلى خطّة متكاملة، وإلى شهور طويلة من الصيانة والتجهيز قبل أن تغطّي احتياجات السوق المحلّية.
ووصف معظم المنشآت النفطية في دير الزور والحسكة بأنها غير مؤهّلة للعمل، وتعرّضت لتدمير واسع وتلوّث بيئي نتيجة سنوات النزاع، وقال: “حقول بترول مناطق الجزيرة على مدار السنوات الأخيرة، لم تسلم من القصف من قِبل الدولة التركية، وجهود إزالة الأضرار وتحسين الوضع البيئي تتطلّب وقتاً طويلاً ودعماً دولياً لإعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل”.
وأشار إلى تداخل التهديدات الأمنية المحلّية مع التحولات الإقليمية الأوسع، التي تشهدها المنطقة بين واشنطن وطهران، وتحوّل سوريا إلى مسرح لتصفية الحسابات في ما بينهما، وقال: “في هذا المناخ الإقليمي المشحون، فإن أيّ خطّة لتأهيل الحقول النفطية في سوريا — حتى بعد استعادتها — لا يمكن فصلها عن المخاطر المتّصلة بالأمن المحلّي وهجمات داعش، وأيضاً عن الصراع الأوسع الذي يشمل استخدام الصواريخ والمسيّرات كأدوات ردع واستهداف في الحرب الأميركية ‑الإيرانية، وهذا يجعل إعادة الإنتاج إلى مستويات أعلى، مسألة أكثر هشاشة من مجرّد أعمال هندسية، إذ يعتمد نجاحها على تأمين بيئة مستقرّة نسبياً على الأرض، وتقليل مخاطر الهجمات المتكرّرة، كما أن نقل البترول الخام قبل أزمة البلاد كانت تصل للمصافي عبر أنابيب ممتدّة من الحقول النفطية إلى المصافي مباشرة، فكانت توفّر الوقت والجهد وتغطّي حاجة السوق وتفيض، لكن بعد سنوات النزاع الطويلة استبدلت الأنابيب بالصهاريج، وإعادة تأهيل الأنابيب مرّة أخرى تحتاج تكلفة عالية قد تعجز خزينة الدولة سدّ نفقاتها بسبب التدهور الاقتصادي الكبير الذي تعانيه سوريا”.
بحسب مصادر ميدانية تحدّثت لـ”درج”، فإن صهاريج النفط التي تنقل الخام من مناطق الجزيرة السورية باتّجاه مصفاة بانياس، تواجه ظروفاً أمنية معقّدة أدّت إلى تراجع حركة النقل خلال الفترة الأخيرة.
ويقول عابد الذي رفض الكشف عن اسمه الأوّل لـ”درج” لأسباب أمنية، وهو أحد سائقي صهاريج الوقود: “إن الطرق التي تعبرها الشاحنات أصبحت أكثر خطورة”، مشيراً إلى أن “بعض المسارات تشهد نشاطاً لخلايا تنظيم داعش، إضافة إلى توتّرات مع بعض العشائر في مناطق العبور، ما يدفع السائقين إلى تقليل الرحلات أو التوقّف مؤقّتاً في بعض الأحيان”.
من جهته، يوضح مهندس البترول سردار علي أن “هناك مخاوف متزايدة من استهداف الصهاريج خلال نقلها، سواء نتيجة التوتّرات الأمنية، أو احتمال تعرّضها لضربات من مسيّرات إيرانية أو هجمات مسلّحة، وهو ما يدفع شركات النقل والسائقين إلى اتّخاذ إجراءات احترازية تزيد من زمن الرحلة وتكاليفها”.
ويقول: “هذه الظروف تؤثّر بشكل مباشر على سرعة وصول النفط إلى مصفاة بانياس، ما ينعكس على عمليّات التكرير وإنتاج الوقود، خاصّة في ظلّ الحاجة المستمرّة إلى تأمين كميّات ثابتة من الخام، ممّا يؤثّر على سدّ حاجة السوق”.
ونقلت وسائل إعلام محلّية وتقارير متابعة ميدانية عن تصاعد حوادث استهداف صهاريج نقل النفط في ريف دير الزور خلال شهري آذار/ مارس الماضي ونيسان/ أبريل الجاري، في وقت تشهد فيه المنطقة نشاطاً أمنياً متقطّعاً وهجمات متفرّقة للتنظيم تطال البنية الاقتصادية المرتبطة بقطاع النفط.
وبحسب ما تمّ تداوله، فقد أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” عبر بيانات صادرة عن منصّاته الإعلامية، مسؤوليته عن عدد من العمليّات التي استهدفت صهاريج نفط في مناطق متفرّقة من ريف دير الزور، مستخدماً أسلوب الهجمات المباشرة التي أسفرت عن أضرار مادّية في بعض الشاحنات وحمولاتها.
وتأتي هذه التطوّرات ضمن نمط متكرّر من العمليّات التي تشهدها مناطق شرق سوريا، حيث تستهدف هجمات من هذا النوع خطوط نقل النفط ومرافقه الحيوية، ما ينعكس على حركة النقل والإمداد في تلك المناطق ويزيد من حالة التوتّر الأمني.
كما أفادت التقارير بأن هذه الحوادث جرى تداولها عبر بيانات إعلامية مرتبطة بالتنظيم، في ظلّ استمرار النشاط الأمني غير المستقرّ في المنطقة، وتكرار استهداف البنية الاقتصادية المرتبطة بالطاقة خلال الفترة المذكورة.
فيما لم تُصدر وزارة الداخلية السورية أيّ تعليق رسمي بشأن الهجمات، التي أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” مسؤوليته عنها في مناطق متفرّقة خلال الفترة الماضية، فيما أعلنت في سياق متّصل تنفيذ عمليّة أمنية في ريف حلب الشرقي أسفرت عن إلقاء القبض على خليّة تابعة للتنظيم.
في المقابل، أعلنت الوزارة في الثالث من نيسان/ أبريل الحالي أنها عزّزت الإجراءات الأمنية لتأمين وحماية صهاريج نقل النفط المنطلقة من حقل العمر في ريف محافظة دير الزور والمتّجهة إلى مدينة بانياس، في إطار الحفاظ على الاستقرار وضمان سلامة عمليّات نقل الموارد الحيوية.
وأوضحت أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطّة أمنية متكاملة تهدف إلى حماية البنية التحتية النفطية، وتأمين خطوط النقل من أيّ تهديدات محتملة.
آفاق الحلول بين الاتّفاقيات وتحسين الأمن
من جانبه يرى المحلّل الاقتصادي بهاء السويعي أن “الحل يكمن في تعزيز استقرار الإمدادات النفطية عبر تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين أمن طرق النقل، وتسريع تنفيذ الاتّفاقيات المتعلّقة بإدارة الحقول النفطية، إضافة إلى دعم الإنتاج المحلّي وتقليل الاعتماد على الشحنات الخارجية”.
ويشدد في ختام حديثه لـ”درج” على “أهمّية تأمين طرق نقل الصهاريج بين مناطق الإنتاج ومصافي التكرير، باعتبارها الحلقة الأضعف في منظومة الطاقة السورية، إلى جانب ضرورة تطوير البنية التحتية للمصافي وزيادة قدرتها الإنتاجية”.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.
وبينما تفرض الهدنة الإيرانية – الأميركية هدوءاً عسكرياً نسبياً، يبقى الواقع الاقتصادي للسوريين مرهوناً بقدرة الدولة على تأمين الإمدادات، وإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية وضمان بيئة أمنية مستقرّة، وهي تحدّيات ستحدّد ملامح سوق الطاقة في المرحلة المقبلة.
درج
—————————————
توازنات لبنان المهددة بين هدنة إيران وضغوط نتنياهو/ صهيب جوهر
أبريل 26, 2026
بدا أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تمديد الهدنة القائمة مع إيران لا يعني حتمية الذهاب إلى التسوية السلمية في المرحلة المقبلة، بل يعكس دخول مرحلة إدارة الأزمة أكثر منه الذهاب إلى حلها، خصوصاً مع تمسّك كل فريق بالرهان على عامل الوقت لإجبار الآخر على التنازل.
وربما لهذا السبب لم يعمد ترامب الى وضع حدّ زمني للهدنة الجديدة. فهو يعتقد أنّه نجح في الحصول على ورقة جديدة وثمينة جداً تغنيه عن التصعيد العسكري، وهي ورقة حصار الموانئ الإيرانية، وهو يريد استخدامها إلى الحدّ الأقصى إلى جانب التهديد والتلويح بشن حرب أقسى من السابقة، قد تشمل هذه المرة منشآت الطاقة والخدمات ومخازن الغذاء الاستراتيجية.
وعند بداية هذه المعركة، كانت الحسابات الأميركية تتركز على حملات جوية وبحرية طاولت رأس النظام القائم والتركيبة القيادية، إضافة إلى إضعاف البنية التحتية العسكرية وتحديداً الحرس الثوري ومنصات الصواريخ، لدفع النظام الإيراني إلى تسوية سياسية شاملة. ورغم الاغتيالات الواسعة والدمار الهائل. لكن ترامب وفريقه لا يزال يراهن على أنّ سياسة النَفَس الطويل الذي تمتاز به إيران من الممكن إخضاعها، حيث بات الوقت يلعب ضدّ مصلحتها.
لكن الحقيقة التي أظهرتها هذه الجولة الضارية من الحرب، أن إدارة ترامب تريد تقليم أظافر طهران، وليس تدمير النظام أو تقسيم البلاد، بدليل أنّها لم تعمد إلى رعاية معارضة جدّية لتكون البديل، ولا إلى دعم المجموعات الانفصالية من الأكراد رغم التلويح بذلك والبدء بتحضيرات جدية لهذا المسار.
ولعبة عامل الوقت التي يلجأ إليها كلا الطرفين تبدو مكلفة وخطرة. فتراجع نسبة التأييد في الشارع الأميركي للحرب الجارية تنعكس بقوة على مرشحي الحزب الجمهوري، قبل أشهر من الانتخابات النصفية، فالحزب الديموقراطي بات يلعب على حصان الفوز الكاسح في الكونجرس ومجلس الشيوخ، لتضمن له لاحقاً حصار إدارة ترامب، ومحاولة عزله.
وأما على الجانب الإيراني، فالمشكلات لا تبدو أقل سخونة، خصوصاً مع تصاعد نسب الفقر وإفلاس الشركات نتيجة الحرب القائمة، وربما قد لا يدفع ذلك بالضرورة إلى حصول تحركات شعبية غاضبة الآن، لكنه سيؤسس حتماً لوقائع اجتماعية وسياسية مرتقبة.
وعليه، فإن المراهنة على عامل الوقت المتبعة من الجانبين في هذه المرحلة، واستهلاك الوقت في سياق هدنة مفتوحة وغير محددة، ووفق توتر قائم ومستمر ولو بوتيرة منخفضة، سينعكس استمراراً للتوتر في دول الخليج ولبنان، والأكيد في العراق التي تعيش أصعب الظروف السياسية. صحيح أنّ مسار عودة الحرب وانهيار وقف إطلاق النار هو احتمال قائم في حال حصول أي تطور ميداني من خارج السياق، لكن الطرفين يتجنّبان الذهاب إلى مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية، أقله في المدى المنظور.
لكن حسابات نتنياهو وأحزاب اليمين المتطرف مختلفة. ففي وقت تبدو الحكومة الإسرائيلية متمسكة بالسيطرة العسكرية النهائية على المناطق الواسعة التي احتلتها، في لبنان وسوريا، ومع سعيها لتثبيت الوقائع الميدانية التي نشأت بعد قرار وقف النار السابق في 27 تشرين الثاني 2024، يسعى لبنان الرسمي لإيجاد مسارات خروج تبدو صعبة جداً، من خلال المفاوضات المباشرة.
ومن المفترض أن تبدأ المراحل التالية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، للبحث في مسألتي تمديد الهدنة القائمة لوقت أطول، إضافة إلى مناقشة الاجتماع الرسمي والذي من المفترض أن يشكّل الانطلاقة التفاوضية الجدية بين الجانبين، برئاسة السفير السابق سيمون كرم الذي يترأس ملف المفاوضات مكلفاً من الحكومة اللبنانية.
وعلى الرغم من رفض شرائح لبنانية متعددة لهذا الخيار، وتحديداً من حزب الله وحركة أمل والزعيم وليد جنبلاط، لكن بدا أن لبنان انساق بكليته لضغوط ترامب – نتنياهو، وهو ما يعني أنّ الظروف لم تنضج بعد للدفع بهذا المسار، وخاصة أنّ الأمور لا تزال غير واضحة في مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية في إسلام أباد، حيث يمارس الجانبان سياسة المراوغة والمناورة.
لكن الحكومة الإسرائيلية تسعى لتحقيق أهداف محددة من التفاوض المباشر مع لبنان، والتي تختلف جذرياً عن مسعى الحكومة اللبنانية، وتعمل في الوقت نفسه على ضمان استمرار العمل العسكري في الجنوب ومختلف المناطق اللبنانية، مع السعي لفرض معادلة جديدة تحت حجة هواجس ضمان أمن مستوطنات الشمال، خصوصاً أنّ الانتخابات ستحصل نهاية تشرين الأول المقبل.
من هنا تبدو الظروف الداخلية اللبنانية صعبة وخطيرة، فـ”حزب الله”، يظهر أنّه يريد إسقاط التوازنات داخل السلطة، والتي قامت منذ مطلع 2025، من خلال إسقاط حكومة نواف سلام. وخاصة عبر محاولات تحشيد طائفي، لكن هذه المحاولات جرى إفشالها بموقف عربي وخليجي لافت وواضح، وهذا الكلام سمعه مسؤولون لبنانيون زاروا الرياض والدوحة وأنقرة وسمعوا تأييداً لافتاً لحكومة سلام.
لكن قدرة حكومة سلام على الاستمرار مرهونة بوقائع المفاوضات، وخاصة أن لدى العرب تحفظات على انخراط لبنان في المفاوضات بهذه الطريقة، وخاصة أن دخول لبنان بهذا المسار التفاوضي أتى بعد أيام قليلة مما أعلنه وزير الخارجية السوري أسعد شيباني حول المفاوضات السورية – الإسرائيلية عبر ما وصفه برغبات نتنياهو التوسعية، وما سرب عن تردد خليجي وتحديداً لدى السعودية من دخول لبنان منفرداً في هذا المسار دون أشقائه السوريين والسعوديين، في ظل أطماع نتنياهو التي لا تنتهي.
وفي المحصلة، فإنّ التوازن الحاصل مرشح للاستمرار، ما يؤدي إلى واقع سياسي وأمني مضطرب. فلا حزب الله باستطاعته تغيير الوقائع السياسية، ولا الدولة قادرة على نزع سلاحه وإخضاعه لقراراتها، والأهم أنّ الضغوط الخارجية ستتزايد في ظل التوتر الإقليمي ومحاولة استيلاد نظام إقليمي جديد يبقى لبنان حكماً خارجه.
الثورة السورية
—————————–
ما بعد الهدنة وضع إدارة الصراع في الحرب على إيران/ محمد المختار الخليل
بعد أربعين يومًا، دخلت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران مرحلة تعليق مشروط للعمليات دون تسوية نهائية. وبناء على دروس الحروب الأميركية السابقة، يمكن القول: إن انهيار المحادثات في إسلام آباد لن يقود بالضرورة إلى العودة إلى الخيار الأقصى، بل سيقود، على الأغلب، إلى تصعيد مضبوط تحت سقف محدد، أي حرب محدودة الأدوات حتى وإن امتدت في الزمن.
26 أبريل 2026
مقدمة
يتكرر في الصحف وعلى ألسنة المحللين في وسائل الإعلام سؤال جوهري عما بعد وقف إطلاق النار في الحرب على إيران، وما المسارات المحتملة إذا انهارت مفاوضات السلام المتعثرة في إسلام آباد؟ قد لا يكفي الجواب المباشر على هذا السؤال لفهم المرحلة أو تفسيرها. فليست القضية ما إذا كنَّا بين سلام وحرب، بل السؤال الجوهري للفهم هنا عن طبيعة إدارة الصراع الذي يلي التفاوض، حالَ تعثره. فالوقف الحالي للحرب هو تعليق مشروط للعمليات وليس تسوية نهائية، وقد استجابت له واشنطن بناء على طلب الوسيط الباكستاني، وقيدته باستمرار الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، وهو ما عدَّته طهران خرقًا للالتزامات الأميركية بشأن التفاوض الجاد. وهنا لابد أن ننتبه إلى أننا لسنا في وضعية ما بعد الحرب وما قبل التسوية بل في طور الإكراه والقسر الإستراتيجي المركب، الناتج عن دوافع الحرب أصلًا ونتائجها المباشرة بعد أربعين يومًا.
هذا السؤال الجوهري ينبني على فرضية انهيار المحادثات، وأن ما يليها لن يكون انتقالًا آليًّا لحرب شاملة بل سيكون تحولًا نحو طور جديد من الصراع المحدود، تتداخل فيه أدوات الضغط العسكري والاقتصادي، مع استمرار التفاوض المتقطع غير المباشر. وهذا ما يؤكده احتفاظ واشنطن بورقة الحصار البحري التي رأت فيها إيران إفراغًا للتفاوض من الجدية، وردَّت عليها بتشديد قبضتها على مضيق هرمز، وفقًا لاستثمار ما تملكه من أوراق ضغط(1).
هنا، نستحضر التجربة الأميركية في العراق وأفغانستان ما بعد 2003، لا لتطابق الحالة الإيرانية مع البلدين الجارين شرقًا وغربًا إبان الغزو الأميركي، بل لأن التجربتين تكشفان نمط السلوك الأميركي في الأزمات الكبرى المتشابهة، وتعطينا مؤشرات أو أنماط سلوك تساعد على الاستنتاج والترجيح.
أولًا: في السياق
تتزامن في السياق الحالي أربع حقائق متواشجة جديرة بالتوقف والدرس قبل الخوض في الفهم والاستنتاج، أولها: إعلان واشنطن تمديد وقف إطلاق النار مع إبقاء الحصار البحري على الموانئ والسفن الإيرانية أو الأجنبية الواردة على تلك الموانئ أو الصادرة عنها. ثانيها: إعلان واشنطن أن الحصار لا يشمل باقي السفن أو الموانئ في المنطقة. وثالثها: اتخاذ إجراءات لإنقاذ السفن وردع الاعتراضات الإيرانية عليها. أما الرابعة، فردُّ إيران بأن الإجراءات الأميركية تقوض فعليًّا مسار التفاوض وتجعله غير ذي جدوى(2).
باستقراء آثار تلك الحقائق الأربع، ندرك أننا أمام وقف إطلاق نار يعيد ترتيب أدوات الصراع ولا يوقفه. لقد انتقلنا فقط من الضربات الجوية المتتالية المتتابعة إلى الضغط البحري، سبيلًا للإكراه التفاوضي. وذلك ما يعني بديهة أن انهيار المحادثات، إن حدث، سيكون في سياق حرب وتصعيد، وفق أرضية ساخنة مهيأة للاشتعال في أي وقت، وليس في سياق تهدئة واستقرار، بما يعنيه ذلك من حاجة إلى استئناف التحضير والتحشيد للحرب(3).
ثانيًا: مسارات وخيارات
في ضوء تلك الحقائق، ندرك أن دونالد ترامب يسعى لإعادة ترتيب أدوات الصراع بتثبيت مكاسب الضغط العسكري، بدل السعي لدخول بري عالي التكاليف وغير مضمون النتائج، أو الدخول في حرب مفتوحة ثقيلة الأعباء وعالية التكاليف على واشنطن وحلفائها في الإقليم أمنًا واقتصادًا. فهو يسعى لتحقيق استسلام تفاوضي، وذلك ما أدركته إيران، التي كررت على أكثر من لسان أنها لن تحقق لترامب في التفاوض ما عجز عنه في الحرب، وأنه يخطئ إن لم يضع نتائج حرب الأربعين يومًا في الحسبان. فقد عجزت واشنطن عن أن تدفع طهران، خلال أربعين يومًا من الحرب، لرفع الراية البيضاء.
حرب محدودة وممتدة
يمكن القول: إن انهيار المحادثات لن يقود فورًا إلى العودة إلى الخيار الأسوأ والأقصى، خيار الحرب، بل سيقود إلى تصعيد مضبوط تحت سقف محدد، أي حرب محدودة الأدوات ممتدة الزمان، بضربات انتقائية ومواجهات مستمرة في المضيق وحواليه، ويصاحب ذلك مفاوضات غير مباشرة. هنا يكون المتغير متعلقًا فقط بأدوات الحرب، فبدلًا من القصف العنيف جوًّا واستهداف البنى التحتية، ستقتصر المواجهة على الحصار الاقتصادي والبحري والتهديد الدائم باستئناف الضربات الجوية واستهداف بنى الطاقة والتصدير.
هذا هو الخيار أو السيناريو الأرجح، وبمقتضاه تستأنف واشنطن، وحليفتها إسرائيل، ضرب مواقع مختارة، بحرية أو عسكرية أو لوجستية لإنهاك قدرات إيران دون الاندفاع لحرب شاملة كالغزو البري وحملة إسقاط النظام وفق المنظور التقليدي الكلاسيكي. وبالطبع سترد إيران بضربات محسوبة ومحدودة، تثبيتًا للردع دون الانزلاق إلى حرب أوسع، وستوظف قدراتها في الاحتكاك البحري، وهي قدرات بدا أن لها فاعلية ونجاعة في الفترة الماضية. ولا يستبعد أن تزيد الضغط على الملاحة عن طريق حلفائها الحوثيين في مضيق باب المندب، على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. لذلك، يمكن للحصار البحري أن يكون نموذجًا لحرب محدودة ومتواصلة. فيكون قرار واشنطن اعتراض السفن بعيدًا عن هرمز دليلًا على سعيها لتقليل مخاطر الانفجار المباشر، مع إبقاء الضغط فعالًا ومنتجًا.
ولكن هذا الخيار، رغم سقفه المحدود على صعيد العمليات العسكرية، يظل خطرًا بالنسبة إلى دول الخليج العربية. فيمكن أن تتحول الاحتكاكات في البحر إلى اشتعال الجبهات إقليميًّا، ويمكن لحادث غير مقصود أو تصعيد غير محسوب أن يقلب الصراع من حرب محدودة إلى حرب إقليمية شاملة؛ حيث ستكون هذه الدول عرضة لتأثيرات عالية المخاطر. وباستقراء سلوك الطرفين، وفقًا لما مضى، ندرك أن هذا الخيار يناسبهما تمامًا. فمن ناحية، يتيح لواشنطن ممارسة الضغط بأقل كلفة سياسية داخلية. ومن ناحية أخرى، يناسب موقف طهران الذي يؤكد أنها لم تُهزم ولن تُخضع، وذلك لحيازتها أدوات ضغط وردع. لكن هذا الخيار خطير على الإقليم بما يحمله من إطالة أمد التوتر والقلق وعدم اليقين وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مستدام واستنزاف مفتوح. فمنع التصدير وتعطيل التوريد ينذر بأزمة اقتصادية تشتد يومًا بعد يوم.
الانهيار والانفجار
هذا المسار يعني انهيار المفاوضات والرجوع السريع إلى خيار الحرب الشاملة بوتيرة عالية ونَفَس انتقامي. ستشمل أهداف الحرب، إضافة إلى البنى العسكرية وخاصة الصاروخية والنووية والبحرية، محطات الطاقة والمياه، ومساحة مضيق هرمز لتحويلها إلى ساحة عمليات مدمرة. يحتاج هذا المسار إلى تضافر ثلاثة شروط، أولها: إعلان فشل التفاوض، وثانيها: تنفيذ إيران ردًّا نوعيًّا عالي الكلفة لم يكن في الحسبان، وثالثها: السعي الإسرائيلي مجددًا لدفع المشهد إلى نقطة اللاعودة في هذه الحرب التي تعدها إستراتيجية وغير قابلة للتكرار بهذا الحجم. ويدعم الخطاب الأميركي عالي النبرة هذه الأيام هذا الخيار، بالتركيز على منطق الضغط الأقصى المسنود بالقوة الناجزة، والتأكيد على أن التهدئة لم تنه الحرب وإنما جمَّدتها مؤقتًا في انتظار نتائج مرضية(4).
ما يؤخِّر المضي في هذا الخيار، تكلفته العالية على الولايات المتحدة، سياسيًّا وماليًّا وعلى مستوى تحالفاتها الدولية. فاستئناف العمليات العسكرية وتصعيدها سيؤدي إلى انهيار أسواق الطاقة وتعطيل التجارة البحرية ورفع أسعار البترول ومشتقاته إلى أعلى المستويات، وسيعيد دول الخليج العربية إلى دائرة الخطر والاستهداف المباشر، بدلًا من التأثير غير المباشر الناتج عن الضغط الاقتصادي، كما في خيار الحصار البحري والحرب المحدودة.
التفاوض القسري
يقتضي هذا الخيار أو السيناريو، العودة إلى التفاوض بعد انهياره؛ حيث يصبح الانهيار أداة دافعة لاستئناف المفاوضات بدل وقفها. فالتصعيد هنا لا يكون بديلًا عن التفاوض بل أداة ضغط تجرُّ إليه قسرًا وتؤديه كرهًا. وتكون الهدنة قابلة للتمديد وإعادة التدوير بصيغ شتى، تقود إلى التحرك خطوة بخطوة، كالتخفيف الجزئي مقابل الالتزام الجزئي، وشراء الوقت مع استمرار التفاوض تحت النار. هذا الخيار واقعي ويعضده سلوك التفاوض الأخير، فالطرفان لم يغلقا باب التفاوض نهائيًّا رغم تباعد المواقف وتباين التقييمات، بل أبقيا الباب مفتوحًا عبر الوسطاء مع استمرار التصعيد الخطابي وجاهزية الحشد العسكري.
في هذا السيناريو، لن يكون استئناف التفاوض عودة لما قبل الحرب بل الانتقال إلى قواعد جديدة للتفاوض، ترسم حدوده وتحدد مساراته وترتب أولوياته وتقيم نتائج الحصار وقدرة طهران على الصمود. ولكن هذا السيناريو يتوقف أيضًا على قدرة ترامب على تحمُّل تبعاته الاقتصادية والسياسية، لاسيما في الداخل الأميركي، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.
ثالثًا: الدرس العراقي
يعلِّمنا الدرس العراقي في السلوك الأميركي سهولة الانتقال من هدف محدود وبسيط في ظاهره، إلى مشروع واسع متشعب غير محسوب العواقب ولا محدد القواعد. لقد جرى تسويق الغزو الأميركي للعراق، عام 2003، على أنه عملية جراحية تستهدف القضاء على أسلحة الدمار الشامل، وأن الأمر سيقتصر على عملية محدودة تبدأ بإسقاط النظام وتنتهي ببناء ديمقراطية وتحقيق الاستقرار في المنطقة. وعشية اندلاع الحرب، أجمل جورج بوش أهداف الحرب في تحرير العراق من الديكتاتورية وتحويله إلى دولة ديمقراطية خالية من أسلحة الدمار الشامل.
لكن، ما جرى بالفعل كان خلاف تلك الأهداف الواضحة والمحدودة. فقد تحولت الحرب على العراق إلى مسار احتلال وإدارة للحكم وإعادة تركيب للمؤسسات المدنية والعسكرية، في عملية طويلة ومعقدة. فجرى تفكيك الدولة، وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية، وتخريب نسيج المجتمع العراقي(5). لم تكن مشكلة واشنطن هنا في تغيير الأهداف، وإنما في أن أهدافها المعلنة لا تتطابق مع نتائج أفعالها وسلوكها أثناء الحرب وبعدها. فكثيرًا ما تتولد لها أهداف جديدة من منطق الحرب نفسها، وهو ما يعني أن الرؤية الإستراتيجية للحرب كانت مستبطنة غير معلنة، أو تطورت في سياقات الحرب ولم يكن مخططًا لها، أو تجمع كل ذلك.
وبالنظر إلى العواقب، سندرك أن واشنطن كذبت في الدوافع والأهداف. فلم يكن لدى العراق سلاح دمار شامل، ولم تُبْنَ ديمقراطية بعد الحرب بل استبدلت بديكتاتورية النظام الذي أسقطته منظومة حكم طائفي. وأعادت بناء الدولة وفق مصالحها الإقليمية، وحوَّلتها إلى ساحة يلتقي فيها الغريمان، إسرائيل وإيران، في وضع إقليمي يعيش حالة سيلان ما زالت آثاره مستمرة إلى اليوم.
على غرار ما حدث في العراق، تغيرت أهداف واشنطن في إيران أكثر من مرة، واستقرت اليوم على تقييد قدرات إيران، أو الوصول إلى صفقة نووية معها، أو تحقيق الهدفين معًا. لكن ذلك لا يمنع من تحول الأهداف مجددًا، باستصحاب نية أصلية غير معلنة، أو بسبب التصعيد الميداني وتغير مسار الحرب ونتائجها.
هنا يتضح أن الانطلاق من فرضية وضوح الخيارات تبعًا للأهداف المعلنة قراءة سطحية ومضلِّلة ونتائجها غير واضحة ولا دقيقة. فنتائج الدرس العراقي واضحة، تقول: إن منطق التدرج في التصعيد قد يبتلع صانعي القرار أنفسهم، فيتحولون بأهدافهم ورؤاهم إلى خيارات خطيرة لم تكن في الحسبان عند المنطلق.
النظر إلى تكلفة الحروب الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، التي فاقت تريليونات الدولارات، وفقًا لدراسات “مشروع أثمان الحرب” في جامعة براون، يؤكد أن سلوك المؤسسة الأميركية أصبح أكثر حذرًا إزاء الحروب الطويلة التي تؤدي إلى الاحتلال المباشر وتفكيك الدول وإعادة تركيبها. وهذا ما يدعم فرضية أن واشنطن في حربها الحالية على إيران تفضِّل خيار الحرب المحدودة المصحوبة بالضغط الاقتصادي من خلال الحصار البحري والجوي، بدل الانخراط في حرب واسعة وتكرار تجربتها في العراق(6).
رابعًا: الدرس الأفغاني
خاضت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان بداية من العام 2001، بهدف إطاحة حكم طالبان وحلفائها في تنظيم القاعدة وإقامة نظام موال يقوده حلفاؤها. واحتاجت واشنطن عشرين عامًا لتتبين أن تلك الأهداف لم تتحقق، وأن الحل يكمن في التفاوض مع حركة طالبان وعودتها للحكم والوصول معها إلى صيغة تنهي العداوة معها.
أنهى اتفاق الدوحة، عام 2020، تلك الحرب بعكس نتائجها تمامًا إذا ما نظرنا إليها بمنطق الأهداف التي انطلقت منها. وهذا يؤكد أن أميركا تدخل الحرب بأهداف وتنتهي بأهداف أخرى تبتلع صانع القرار أو تحوِّله عن الجهة التي انطلق منها. فقد استعادت طالبان الحكم باتفاق سحبت فيه واشنطن الشرعية التي بَنَتْها في كابل على مدى عقدين، وأعادتها للغريم الذي شنَّت الحرب بهدف القضاء عليه. فلم تحقق واشنطن أيًّا من الأهداف التي أعلن عنها جورج دبليو بوش في بداية الحرب(7).
من هنا، ندرك أن واشنطن تدخل التفاوض في الحالة الإيرانية لإنجاز ترتيبات أقل كلفة، وليس بحثًا عن سلام حددته وفقًا لأهدافها التي أعلن عنها ترامب قبل الحرب. لذلك، ستبقى واشنطن رهينة أهداف تتحكم فيها الرغبة في احتواء الكلفة، وقد تتخلى عنها تباعًا لتبقى في الحدود التي يرسمها واقع المواجهة، وليست في حدود الإستراتيجية التي وضعتها قبل انطلاق المواجهة. فبعد الفشل في تحقيق هدف تغيير النظام، بات هدف الحصول على اليورانيوم المخصَّب أولوية قصوى، تتقدم على ما سواها من أهداف، من قبيل تقييد القدرات الصاروخية وتفكيك شبكات الوكلاء الإقليميين.
بالتالي، ووفقًا للدرس الأفغاني، ستسعى واشنطن إلى إيجاد إطار تفاوض يحقق لها السلام ويخلِّصها من المأزق الذي انتهت إليه الحرب. ففشل التفاوض لا يعني أن السلام غير ممكن بل يعني أن الإطار التفاوضي المتبع إلى حدِّ الآن غير كاف لتحقيق الهدف؛ ما يعني السعي لبناء إطار تفاوضي جديد يحقق السلام طال الزمن أم قصر.
خامسًا: قياس مع وجود الفوارق
على الرغم مما يمكن إيجاده من تشابه بين الحالة الإيرانية والنموذجين، العراقي والأفغاني، عند قراءة سلوك الإدارة الأميركية، تبقى الفوارق مهمة وينبغي أخذها بعين الاعتبار. فإيران 2026 ليست عراق 2003 ولا أفغانستان 2020. إيران أكبر من البلدين منفردين ومجتمعين على جميع المستويات. ونظامها يقوم على مؤسسات فاعلة ومتماسكة وقوية، مدعومة بموقع جيوسياسي فريد وأدوات ردع صاروخية متطورة. ولديها قوة بحرية فاعلة وشبكات نفوذ إقليمية ممتدة. إلى جانب ذلك، مسرح عملياتها مؤثر في سوق الطاقة وطرق التجارة العالميتين، وبإمكانها التحكم في 20% من الأولى و30% من الثانية. وهذا ما يرجِّح القول بأن خيار واشنطن يتجه للإكراه المتدرج بعيدًا عن الحسم بالقوة عبر الاحتلال وإسقاط النظام وتفكيك الدولة.
وبالرجوع إلى منطق الكلفة، الذي تريد واشنطن التخلص منه، فقد بيَّنت الحرب أن طهران قادرة على أن تفرض كلفًا عالية في الطاقة والملاحة والاقتصاد والسياسة، تؤثر من خلالها في معادلات إقليمية وعالمية كثيرة، بما في ذلك الداخل الأميركي(8).
خاتمة
لسنا في لحظة يتفق فيها الجميع على ترتيبات يصنعها التفاوض بعد الفشل في الحرب، بل نحن في لحظة تتداخل فيها المفاوضات المتعثرة، مع الحصار الاقتصادي والبحري، مع ضغط الحشد العسكري المتزايد، إلى جانب حركة دبلوماسية مكثفة تتجلى في وساطات إقليمية فاعلة ومعنية تمامًا بالوصول إلى حل. يقودنا هذا المشهد المركب إلى تغليب سيناريو الحرب المحدودة الممتدة زمنيًّا على سيناريو الحرب الشاملة أو السلام النهائي والمستقر. فهذه لحظة ضغط متبادل، تحت سقف هدن هشة، تجعلنا، في ضوء التجربة الأميركية السابقة في كلٍّ من العراق وأفغانستان، نميل إلى أن واشنطن تريد إدارة التصعيد بأقل الكلف، بعيدًا عن مغامرات الحسم الشامل التي جُرِّبت في البلدين، فكانت النتيجة هزيمة إستراتيجية، قياسًا على الأهداف المعلنة. لذلك، لا يُرجَّح أن تتطور الأحداث في اتجاه مسار يُبنى على ثنائية حرب أو سلم بل على ما يقتضيه تفاوض متعثر في سياق حرب مضبوطة، أو حرب محدودة تعيد إنتاج التفاوض وفق قواعد الضغط والإكراه المتبادل.
نبذة عن الكاتب
محمد المختار الخليل
مدير مركز الجزيرة للدراسات. حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية ومن قبل على الإجازة في العلاقات الدولية، عام 1990، بدأ مسيرته المهنية صحفيًّا في موريتانيا منذ 1989، ثم عمل صحفيًّا بصحيفة الشرق القطرية، عام 1997، فرئيسًا لقسمها السياسي قبل أن يلتحق بشبكة الجزيرة في مايو/أيار 2000، عضوًا في الفريق المؤسِّس لموقعها على الإنترنت (الجزيرة نت)، وتولى منصب سكرتير التحرير للموقع في يونيو/حزيران 2001، ثم مساعدًا لمدير التحرير، فمديرًا للتحرير مطلع يونيو/حزيران 2010 لغاية يناير/كانون الثاني 2018، حيث انتُدب، في يناير/كانون الثاني 2018، مديرًا لمركز الجزيرة للدراسات. يمتلك خبرة أكاديمية وتدريبية واستشارية في مجالي الصحافة والعلوم السياسية، خاصة في الصحافة الإلكترونية والتحرير الصحفي وإنشاء وإدارة المؤسسات الإعلامية. كما يمتلك خبرة تدريبية واستشارية في العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية للوطن العربي ومنطقة غرب إفريقيا، وقدَّم العديد من الدورات في معهد الجزيرة للإعلام وعدة مؤسسات معنية.
مراجع
(1) Steve Holand, Pariza Hafezi and Mubasher Bukhari, U.S. Announces Ceasefire Extension with Iran, Ruiters, 21 April 2026 (Accessed on 23 April 2026).
(2) U.S. Central Command: U.S. to Blockade Ships Entering or Exiting Iranian Ports, Press Release, 12 April 2026 (Accessed on 23 April 2026).
(3) Ruiters, ibid.
(4) Al Jazeera Staff, Trump announces Iran ceasefire extension but says blockade remains, AlJazeera.Com, 21 Apr 2026 (Accessed on 23 April 2026).
(5) White House Archives: President Discusses Military Operation, 23 March 2003 (Accessed on 23 April 2026).
(6) Brown University: The U.S. Budgetary Costs of the Post-9/11 Wars, 1 September 2021 (Accessed on 23 April 2026).
(7) U.S. Department of Justice: Agreement for Bringing Peace to Afghanistan, 29 February 2020 (Accessed on 23 April 2026).
(8) U.S. Central Command: U.S. to Blockade Ships Entering or Exiting Iranian Ports, 12 Apri 2026 (Accessed on 23 April 2026).
مركز الجزيرة للدراسات
—————————–
أبعد مما يجري في إسلام أباد/ محمد أبو رمان
26 ابريل 2026
يتجاوز ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران مجرّد حرب يمكن قراءتها ضمن سياق تقليدي، ولا حتى أزمة عابرة يمكن توقّع مآلاتها بسهولة، إذ ما يلفت الانتباه أكثر هذا العجز الواضح، حتى لدى كثيرين من المحللين وصنّاع القرار، في تقديم صورة متماسكة لما يمكن أن يكون عليه “اليوم التالي”.
ليست المشكلة في نقص المعلومات، بل في هذا التشابك غير المسبوق في مستويات الصراع، الذي يجعل من الصعب بناء سيناريوهات مستقرّة أو رهانات واضحة، فالمشهد لا يتحرّك في مستوى واحد، بل يتشكّل، في الوقت نفسه، على أكثر من طبقة: دولية، وإقليمية، وداخلية، تتداخل وتتقاطع بصورةٍ تجعل من أي قراءةٍ خطّيةٍ أقرب إلى التبسيط منها إلى الفهم.
في المستوى الدولي، تبدو الحرب كأنها تجري تحت سقف تنافسٍ أوسع بكثير. صحيحٌ أنّ الصين وروسيا ليستا طرفين مباشرين، لكن حضورهما حاضر في الخلفية، عبر هذا التنافس المفتوح مع الولايات المتحدة، الذي ينعكس على حسابات الحرب ونتائجها. فقد يبدو الصراع الحقيقي أحياناً هناك، في مكانٍ آخر، بينما ما يجري في المنطقة ليس سوى أحد تمظهراته. وينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين واشنطن وأوروبا، في ظل سياسات ترامب، والغموض الذي يحيط بمستقبل حلف الناتو، وهي تحولاتٌ لا ترتبط فقط بأسلوب إدارة، بل تعكس تغيّرات أعمق في بنية النظام الدولي وموازين القوى.
من جانبٍ آخر، لا ينفصل الصراع، كما تكشفه هذه الحرب، عن الداخل. في إيران، يتقدّم دور الحرس الثوري، وتتداخل حسابات الأمن مع السياسة، بما يجعل من الصعب الفصل بين من يقرّر ومن ينفّذ. وفي الولايات المتحدة، لا يمكن قراءة قرارات الحرب من دون التوقف عند تحوّلات الداخل، وصعود تيارات مثل “أميركا أولاً”، والدور المتزايد للجماعات المسيحية الصهيونية في التأثير بسياسات إدارة ترامب، بخاصة ما يتعلّق بالشرق الأوسط وإسرائيل، بالإضافة إلى تأثير جماعات الضغط، التي باتت جزءاً من معادلة القرار، لا مجرّد عامل هامشي فيها.
تتكرّر هذه الصورة، بدرجاتٍ مختلفة، في أكثر من ساحة. في لبنان، تتداخل حسابات الدولة في الدخول في مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل مع الأزمة بينها وبين حزب الله، ومع حضور فاعلين من خارجها. وفي العراق، يتشابك الداخل مع الإقليم بصورة يصعب معها رسم حدود واضحة بين الاثنين، وفي أكثر من دولة عربية، يبرُز سؤال الدولة نفسه: إلى أي حدٍّ لا يزال هذا الإطار قادراً على إدارة التوازنات، أم أنه بات يكتفي بردّ الفعل؟ هذه الفجوة تحديداً تفسّر جانباً مهمّاً من حالة الفراغ الاستراتيجي التي تعيشها المنطقة اليوم.
وفوق هذا كله، يتقدّم العامل الاقتصادي ليصبح في قلب المشهد، لا في هامشه، من مضيق هرمز إلى سلاسل الإمداد، ومن الممرّات البحرية إلى المعادن النادرة وأشباه الموصلات، تتشكّل معادلةٌ جديدة، تتداخل فيها المصالح بطريقةٍ تجعل من الصعب الفصل بين الأمن والسياسة والاقتصاد. لم تعد الحروب تُخاض فقط لحسم نزاع، بل لإعادة ترتيب المواقع داخل شبكة عالمية معقّدة، ويصبح وزن العامل الاقتصادي محرّكاً رئيسياً لمشروعات دولية وإقليمية تعمل بصمت في ظل المشهد، لكنها ستكون غداً مفتاحاً مهماً لفهم ما يحدث.
في هذا السياق، تكتسب الدراسة التي أنجزها رئيس الوزراء الأردني الأسبق، عمر الرزاز، مع الخبير الاقتصادي الأردني، حازم رحاحلة، عن “تقهقر النيوليبرالية” (نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) دلالة إضافية، فهي لا تقرأ التحولات الاقتصادية بوصفها مسألة تقنية، بل جزءاً من تفكك أوسع في الأسس التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي، بما في ذلك الدور الذي لعبته الولايات المتحدة نفسها في رعايته عقوداً. ويمكن أن نضيف إلى ذلك تراجع المظلة القيمية الليبرالية، التي كانت، ولو نظريّاً، توفر إطاراً ناظماً للعلاقات الدولية.
ضمن هذا التداخل، يصبح الحديث عن “اليوم التالي” أقرب إلى التخمين منه إلى التقدير. ليس لأن الصورة غامضة بالكامل، بل لأن عناصرها تتشكّل في أكثر من مستوى في الوقت نفسه، وتتغيّر بسرعة تفوق قدرة أي قراءة واحدة على الإحاطة بها. ما نعيشه ليس لحظة عابرة، بل مرحلة انتقال، تتراجع فيها مسلّمات قديمة، من دون أن تستقر قواعد جديدة بعد.
العربي الجديد
—————————–
إيران.. مشروع يتمدد كي لا ينهار/ خالد بن داهم الهاجري
أبريل 26, 2026
إيران لا تتحرك كدولة صاحبة قضية واضحة، ولا كمشروع سياسي يعرف ما يريد. هي أقرب إلى تنظيم أيديولوجي مسلح، يتعامل مع الدولة كغنيمة، ومع القانون الدولي كخدعة مؤقتة، ومع العلاقات الدولية كمساحة للابتزاز لا للتعاون.
لذلك، تبدو سياساته كثيرة الحركة، لكنها بلا اتجاه. يمد نفوذه، وينفق المال، ويخوض الحروب، ويصنع الميليشيات، ثم لا يصل إلى نتيجة مفهومة. لا يبني دولة، ولا يحمي مجتمعاً، ولا يقدّم نموذجاً ناجحاً. كل ما يفعله أنه يراكم الفوضى، ثم يستخدم هذه الفوضى لتبرير بقائه.
في العراق، يظهر عبث المشروع الإيراني بأوضح صوره. دخلت إيران إلى المشهد العراقي بعد 2003 من بوابة الاحتلال الأميركي، ثم قدّمت نفسها كحامية للمذهب والمقاومة والسيادة. لكنها عملياً لم تبن دولة، ولم تحم مجتمعاً، ولم تقدّم نموذجاً سياسياً ناجحاً. صنعت شبكة نفوذ واسعة داخل مؤسسات الحكم والميليشيات والاقتصاد، لكنها لم تحوّل هذا النفوذ إلى مشروع دولة.
سرقت المال عبر وكلائها، ثم استخدمت المال المسروق لتوسيع شبكة الوكلاء نفسها. لم يكن المال وسيلة لبناء العراق، ولا حتى لبناء نفوذ مستقر، بل وقوداً لاستمرار الفوضى والفساد والارتهان. وبعد أكثر من عشرين عاماً، أصبح كثير من حلفائها عبئاً على بيئاتهم الدينية والاجتماعية، بلا رصيد شعبي حقيقي. والمفارقة أن إيران بهذا السلوك تضر حتى بمستقبل نفوذها في العراق، لأنها لا تحرص على حماية حلفائها من السقوط الشعبي، ولا على تحويل النفوذ إلى قبول مستقر.
في سوريا ولبنان وفلسطين، يتكرر المنطق نفسه. في سوريا، زجّت إيران بعشرات الميليشيات من أفغان وباكستانيين وإيرانيين وعراقيين ولبنانيين، وأنفقت مبالغ هائلة على مدى سنوات الحرب، ثم انهار حليفها بشار الأسد في أيام، من دون أن تبذل محاولة حقيقية لإنقاذه. خرجت إيران من المشهد السوري مرتبكة، بعدما خسرت المال والرجال والهيبة، وتعرض قادتها لضربات إسرائيلية كشفت حجم الاختراق داخل منظومتها.
وفي لبنان، أنفقت إيران المليارات على حزب الله لعقود، وقدّمته بوصفه ذراعاً استراتيجية وقوة ردع كبرى. لكن الضربات الأخيرة كشفت هشاشة البناء كله. ذراع ضخمة أرهقت الدولة اللبنانية، ثم انكشفت أمام ضغط عسكري وأمني منظم. أما في فلسطين، فالتناقض أوضح. ترفع إيران شعار القدس، لكنها تتعامل مع القضية كشماعة سياسية لا كقضية تحرير. تغذي الانقسام الفلسطيني، ولا تثق حتى بحليفتها حماس ثقة كاملة، لذلك تدعم حركة الجهاد الإسلامي كذراع موازية. وحتى الأردن لم يسلم من هذا المشروع، فقد وجد نفسه هدفاً للهجوم الإيراني الأخير، رغم أنه ليس طرفاً في أوهام إيران الإقليمية.
في اليمن، لا يوجد هدف استراتيجي واضح يبرر الدور الإيراني الطويل. الحوثيون ليسوا امتداداً طبيعياً للمذهب الإيراني، وبينهم وبين إيران تباينات دينية وسياسية واضحة. ومع ذلك، استثمرت طهران فيهم كورقة أذى ضد خصومها، لا كورقة بناء أو استقرار. اليمن بالنسبة لها ليس مشروع دولة، بل منصة ضغط وتهديد.
أما في السعودية، فقد تعاملت إيران مع أكبر دولة في الجزيرة العربية بوصفها خصماً دائماً، لا بوصفها ركناً أساسياً في استقرار المنطقة. بدل البحث عن مصالح مشتركة، غذّت التهديدات، وساندت أدوات الضغط، ودفعت الصراع إلى مستويات خطرة مست أمن الطاقة والملاحة والجوار.
وفي بقية دول الخليج، نسفت إيران علاقات قديمة ووثيقة مع جوارها الطبيعي. عاشت الجاليات الإيرانية في الإمارات والكويت وقطر وعُمان والبحرين بوزنها واحترامها، وعملت في التجارة والإعلام والتعليم، واستفادت من البيئة الآمنة التي وفرتها هذه الدول. كانت الإمارات رئة اقتصادية لإيران، والكويت رئة إعلامية، وأدّت عُمان وقطر أدوار وساطة ومساعدة متكررة. لكن إيران قابلت هذا الرصيد بالصواريخ والطائرات المسيّرة وخلايا التجسس، والتخريب، وتهريب السلاح، والمخدرات. خسرت إيران جواراً كان يمكن أن يكون أهم ضمانة لمستقبلها.
عند جمع المشهد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والأردن واليمن والخليج، تظهر الصورة كاملة. إيران حضرت في كل ساحة تقريباً، لكنها لم تترك خلفها نموذجاً ناجحاً واحداً. في العراق نفوذ بلا دولة. في سوريا استثمار ضخم انتهى بانسحاب مرتبك. في لبنان ذراع مسلحة أنهكت الدولة ثم انكشفت هشاشتها. في فلسطين شعار كبير بلا ثقة حقيقية بالحلفاء. في اليمن ورقة أذى بلا مشروع. وفي الخليج خسارة لجوار كان يمكن أن يكون بوابة استقرار ومصالح.
هذه ليست سياسة إقليمية واعية، بل تمدد متوتر يفتح الجبهات ولا يغلقها، ويصنع النفوذ ولا يحميه، ويستهلك الحلفاء ولا يبني لهم مستقبلاً. وحتى الداخل الإيراني نفسه يدفع الثمن. فالدولة الإيرانية تُستنزف لخدمة مشروع لا يخدمها. تُصرف الأموال على الميليشيات، بينما تتآكل العملة، وتتراجع الخدمات، ويعيش الإيراني تحت العقوبات والقلق والفقر.
في النهاية، لا تخسر إيران لأنها حوصرت فقط، بل لأنها أنفقت قوتها في مشروع لا يعرف ماذا يريد. نفوذ واسع، لكنه بلا أفق. أذرع كثيرة، لكنها بلا مشروع دولة. شعارات ضخمة، لكنها لا تنتج حياة كريمة ولا استقراراً ولا احتراماً دولياً. إيران لا تتمدد لأنها تعرف إلى أين تذهب، بل لأنها تخاف من التوقف. فالتوقف يعني انكشاف السؤال الأصعب: ماذا حقق هذا المشروع بعد كل هذه الدماء والأموال والخراب؟ والجواب واضح. مشروع يتمدد كي لا ينهار، لكنه في كل تمدد جديد يقترب أكثر من لحظة الانهيار.
الثورة السورية
—————————————
صورة لبنانيّة تختزل الوقاحة الإيرانيّة/ خير الله خير الله
26 أبريل ,2026
هناك مجرّد صورة تعطي في بعض الأحيان بعداً سياسياً للحدث السياسي الذي يشهده بلد معيّن مثل لبنان. فعلى خلفية ما يزيد على مليون نازح وركام ما يزيد على 55 قرية وبلدة لبنانية في الجنوب، أحيت «الجمهوريّة الإسلاميّة» في بيروت، عاصمة لبنان، أربعين «المرشد» الإيراني علي خامنئي، الذي اغتالته أميركا وإسرائيل في 28 فبراير الماضي.
ينمّ مشهد إحياء ذكرى خامنئي، عن وقاحة ليس بعدها وقاحة، خصوصاً أنه جلس في مقدم الحضور السفير الإيراني محمد رضا شيباني، الذي اعتبرته الحكومة اللبنانية «شخصاً غير مرغوب به». ليس بقاء السفير في بيروت، على الرغم من أنّه لم يقدّم أوراق اعتماده يوماً، سوى دليل على مدى الاستخفاف الإيراني بلبنان واللبنانيين، وهو في الأصل استخفاف فارسي يستند إلى الاستعلاء على كلّ ما هو عربي في المنطقة.
تختزل صورة الجالسين في الصفّ الأوّل، بينهم وزير الصحّة، أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة الوقاحة الإيرانيّة في لبنان. عملياً، تختزل الصورة رهان «الجمهوريّة الإسلاميّة» المستمرّ على الإمساك بلبنان وتحويله ورقة من أوراقها. تريد إيران تأكيد أنّها لم تخرج من لبنان وأنّّها مستعدة في كلّ وقت لتحدي الدولة اللبنانيّة وإظهار مدى نفوذها في البلد.
لاتزال «الجمهوريّة الإسلاميّة» تراهن على الورقة اللبنانية منذ دخول طلائع «الحرس الثوري» مدينة بعلبك في ذلك اليوم المشؤوم من صيف العام 1982. ليس صدفة اختيار «الحرس الثوري»، الذي دخل إلى سهل البقاع من الأراضي السوريّة بحجة المشاركة في مواجهة إسرائيل، التمركز في ثكنة للجيش اللبناني اسمها ثكنة الشيخ عبدالله. كان المسّ بالجيش اللبناني هدفاً أوّل ل«الجمهوريّة الإسلاميّة» ممثلة ب«الحرس الثوري».
تبدو صورة إحياء ذكرى أربعين خامنئي، أكثر من معبّرة. إنّّها تكشف أوّلاً رفض «الجمهوريّة الإسلاميّة» الاقتناع بأن لبنان فصل مساره عن مسارها. لا تستطيع «الجمهوريّة الإسلاميّة» تصديق ذلك وتصديق أن لبنان، الذي وظفت فيه مليارات الدولارات، يسعى إلى أن يكون بلداً خارج السيطرة الإيرانيّة المباشرة. يعود ذلك إلى عجز عن التعاطي مع الواقعين الإقليمي والدولي اللذين أديا إلى انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني بعد سنوات طويلة من نجاح منقطع النظير في استخدام الأدوات الإيرانية، خصوصاً «حزب الله» اللبناني في ابتزاز العالم والعرب. يظلّ نشاط الحزب في دول الخليج العربي، حيث اكتشفت شبكات تخريبيّة الدليل الأبرز على ذلك.
لابدّ من العودة قليلاً إلى خلف لفهم كيف تطور النفوذ الإيراني في لبنان. ما بدأ بدخول «الحرس الثوري» إلى بعلبك في سهل البقاع وتمركزه في ثكنة للجيش اللبناني، في تحدّ لكل القوانين والأعراف الدوليّة، استمر بحملة إيرانيّة استهدفت الجامعة الأمريكيّة في بيروت. خطف الإيرانيون، صيف 1982، بواسطة أدواتهم اللبنانيّة رئيس الجامعة ديفيد دودج، من بيروت ونقلوه إلى طهران. ما لبثت السلطات الإيرانية أن اطلقت دودج، بعد جهود بذلها رفعت الأسد، الذي كان يسعى إلى التقرب من الأميركيين وإظهار أنّ في استطاعته أن يكون يوماً ما خليفة لشقيقه حافظ.
في هذا الإطار، استطاعت إيران طرد الولايات المتحدة من لبنان. انتصرت بالفعل على الوجود الأميركي في البلد، خصوصاً بعد نسف السفارة الأميركيّة في بيروت في أبريل 1983 ومقرّ «المارينز» قرب مطار بيروت في الشهر العاشر من تلك السنة. لحقت بأميركا، لدى نسف مقر المارينز الخسائر البشرية الأكبر منذ حرب فيتنام. قتل وقتذاك 245 عسكرياً أميركيّاً.
لم تتوقف الحملة الإيرانيّة على الوجود الأميركي في لبنان يوماً. لا حاجة إلى استعادة عمليات خطف الأميركيين في بيروت ولا اغتيال ملكوم كير، رئيس الجامعة الأمريكية في 1984… وصولاً إلى يوم اغتيل فيه رفيق الحريري، في 14 فبراير 2005 وما تلاه من فرض كامل للوصاية الإيرانية على البلد نتيجة الانسحاب العسكري والأمني السوري منه. بمجرد اغتيال رفيق الحريري، خرج السوري وحل مكانه الإيراني في كلّ انحاء لبنان.
يوجد، في الوقت الحاضر، عجز إيراني عن تصديق أن لبنان تغيّر وأن المنطقة تغيّرت. تؤكّد صورة إحياء ذكرى أربعين «المرشد» هذا العجز الذي تحوّل إلى وقاحة. لا تستطيع بقايا القيادة الإيرانية تخيّل «الجمهورية الإسلاميّة» من دون لبنان كبلد تابع لها. هناك رفض لواقع يتمثّل في أن لبنان يستطيع استعادة وضعه كدولة مستقلّة ذات سيادة والتخلّص في الوقت ذاته من وضع اليد الإيرانية التي أخذته إلى الكارثة الحالية. إنّّا كارثة لحقت بالشيعة قبل غيرهم وبأرض الجنوب وقراه وبلداته وأهله…
لن تستطيع «الجمهوريّة الإسلاميّة» الهروب من الواقع الدولي والإقليمي إلى ما لا نهاية. يبدو جليّاً أن الوقاحة التي لجأت إليها في لبنان جزء من هذا الهروب الإيراني بابعاده المختلفة. من بين هذه الأبعاد الردّ على أميركا وإسرائيل باعتداءات على دول الخليج العربي.
لا يمكن الاستمرار لأي بلد في العالم متابعة الهروب من الواقع إلى ما لا نهاية. الواقع يقول إن «الجمهوريّة الإسلاميّة» خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة، أكان ذلك في لبنان أو في سوريا أو في غزّة نفسها التي أبادتها إسرائيل من الوجود مثلما أبادت في الوقت ذاته قيادة «حزب الله». تظلّ خسارة سوريا الخسارة الأهمّ لإيران كونها الجسر إلى لبنان. لم يعد من وجود ل«الهلال» الذي كان يبدأ في طهران وينتهي في بيروت ويتمدد في اتجاه جنوب لبنان.
باختصار شديد لا يمكن للوقاحة تغطية العجز. لا يغطي العجز غير الاعتراف بأن لبنان لم يعد محميّة إيرانية كما كانت سوريا في أيام حافظ الأسد وبشار الأسد، ايام كان فيها «الهلال» حيّاً يرزق.
نقلاً عن “الراي”
————————
===========================
تحديث 25 نيسان 2026
—————————–
ورطة “حكم إلهي” و”رئاسة إمبراطورية”/ رفيق خوري
آخر ما يهتم له نظام الملالي هو الضغوط الداخلية والتي هي أول ما يهم ترمب
السبت 25 أبريل 2026
قرر الرئيس دونالد ترمب التورط في تدبير غزة وتقديم سلام في الشرق الأوسط على أساس أن ولايته الثانية هي فرصة لكي تستخدم أميركا “القوة الخشنة” لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، فكانت حرب إيران خلافاً لنصيحة المتخصص الاستراتيجي البريطاني المخضرم لورنس فریدمان وهي “إن أفضل درس لأميركا من حروبها هو أن تتفادى الوقوع فيها”.
أمیركا وإيران في ورطة كبيرة قادتهما إليها الحرب الأميركية – الإسرائيلية ومواجهة طهران وأذرعها لها. قبل الحرب كانت “الجمهورية الإسلامية” عشية تغيير مقبل كما رأى المتخصص الأميركي الإيراني الأصل کريم سادجادبور. والسؤال المركزي المطروح في “خريف آية الله خامنئي هو إن كان النظام الثيوقراطي سيثبت أو يتحول أو ينفجر من الداخل، وأي نظام سياسي يمكن أن يتبلور؟”.
وقبل حرب الـ12 يوماً في الصيف الماضي كان رأي داليا داسا وسنام وكيل في مقالة نشرتها “فورين أفيرز”، هو أن “انتظار الولايات المتحدة لتأخذ الدور القيادي في تدبير غزة وتقديم سلام في الشرق الأوسط يشبه انتظار غودو”. لكن الرئيس دونالد ترمب قرر التورط في تدبير غزة وتقديم سلام في الشرق الأوسط على أساس أن ولايته الثانية هي فرصة لكي تستخدم أميركا “القوة الخشنة” لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، فكانت حرب إيران خلافاً لنصيحة المتخصص الاستراتيجي البريطاني المخضرم لورنس فریدمان وهي “إن أفضل درس لأميركا من حروبها هو أن تتفادى الوقوع فيها”.
وها هو اليوم مع إيران في ورطة حرب وتفاوض. أما ورطة الحرب، فإنها تبادل أميركا وإيران التهديد باستخدام أقصى التدمير في معاودة حرب لا تريدانها. وأما ورطة التفاوض الذي كان بوساطة عمان قبل الحرب، وصار بوساطة باكستان بعدها، فإنها صعوبة الاتفاق على سيناريو للخروج من الحرب. فليس لدى إدارة ترمب استراتيجية خروج واقعية. ولا لدى جمهورية الملالي استراتيجية خروج قابلة للتحقيق.
أميركا وضعت سقوط النظام كهدف تريد مع تحقيقه وقف الحرب، ثم بدأت خفض السقف في الأهداف من دون التوصل إلى حسم عسكري يُترجم إلى حسم استراتيجي ومكاسب سياسية. وطهران التي بدت مستعدة لمواجهة الحرب تصورت أنها تستطيع الانتقال من صمود النظام إلى الحفاظ على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي والأذرع المسلحة في المنطقة المرتبطة بالحرس الثوري، بالتالي تسجيل “انتصار” على “الشيطان الأكبر” و”الشيطان الأصغر”. لكن ما تصطدم به في المفاوضات هو إصرار ترمب على ثمن النصر من دون أن يكمل الحرب، إذ يطلب إنهاء الملف النووي والحصول على 420 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وتحديد مدى الصواريخ وتسريح الأذرع الإيرانية المسلحة في المنطقة.
وفي لعبة عض الأصابع توحي طهران أنها أكثر قدرة من ترمب على الصمود في ما تسمى حرب “الضرب على الجيوب”. ففي أميركا معارضة ديمقراطية قوية وغضب شعبي بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز وتذاكر السفر والأغذية وسواها، وضغوط دولية هائلة من أوروبا والهند والصين بعد إغلاق مضيق هرمز.
وأمام ترمب ثلاثة مواعيد ضاغطة، زيارته المؤجلة إلى الصين خلال مايو (أيار) المقبل، والمونديال في بلاده خلال يونيو (حزيران) المقبل، والانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف. وأكثر ما يقلقه هو خسارة حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية. وفي العادة يخسرها حزب الرئيس الجديد، فكيف بعد السخط الشعبي بسبب الحرب؟
أما في إيران، فالحسابات تختلف. هي تعلمت الدرس الأول من الإمام الخميني الذي قال لأساتذة الاقتصاد الشاكين من غلاء الأسعار “هذه الثورة ليست من أجل سعر البطيخ”. وهي تحملت ولا تزال عقوبات أميركية وأوروبية قاسية منذ بدايات جمهورية الملالي، وتحملت عقوبات مجلس الأمن الدولي بسبب البرنامج النووي. والأولوية القصوى هي للحفاظ على النظام بوصفه “واجب الواجبات”، بحسب الخميني. وفي الأنظمة السلطوية القمعية مثل النظام الإسلامي في إیران، فإن الشعب مجبر على تحمل الضيق. وإذا شكا أو تظاهر فإن المحاكمات حاضرة، ومن يتحدى الباسدران والباسيج، فإن أرحم عقاب له هو المكوث في “سجن إيفين” الرهيب. حتى الخسائر البشرية والمادية والعسكرية في الحرب، فإنها في نظر النظام “تضحيات” لا بد منها “من أجل الثورة” ومقاومة “الطاغوت” الأميركي.
ومن الصعب معرفة الحقيقة حول حديث ترمب عن “الانقسام الحاد” بين البراغماتيين والمتشددين في إيران والذي يمنع التفاهم على موقف موحد. فهل الانقسام واقع أم أنه شعار ترميه طهران في السوق لإلهاء أميركا وكسب الوقت إلى أن يضجر ترمب من الحرب والتفاوض ويسلم للملالي باتفاق يشبه اتفاق أوباما الذي ألغاه ترمب بعيد وصوله إلى البيت الأبيض؟ وهل صحيح أن قائد “الحرس الثوري” أحمد وحيدي هو الذي يعرقل المفاوضات؟ وبماذا يختلف رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي في المواقف المعلنة عن مواقف المتشددين؟ وماذا عن اللغز حول حال المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي لم يظهر ولا أحد يستطيع أن يراه، ولا أن يعرف إن كان هو من يبعث بالرسائل أم أن هناك من يدبج هذه الرسائل التي تحمل الأوامر والتعليمات؟
مهما يكن، فإن آخر ما يهتم له نظام الملالي هو الضغوط الداخلية والتي هي أول ما يهم ترمب. وما يسمعه من مستشاريه ومن الخارج يبدو في اتجاهين: واحد يضغط للخروج من الحرب بتسوية ما وإن جاءت ضعيفة. وآخر يضغط لإكمال الحرب والسير فيها إلى النهاية حتى الحسم العسكري من دون خوف على الانتخابات النصفية، لأن النصر في الميدان يكفل له الربح في انتخابات الكونغرس. وهذا موقف نتنياهو.
لكن ما يقرر الموقف في آخر النهار هو غريزة ترمب وغرامه بالصفقات.
والمشكلة التي تستعصي على الحل هي الحرب والتفاوض بين “حكم إلهي” و”رئاسة إمبراطورية” حسب تعبير آرثر شليسنجر.
—————————–
الإدارة العربية للحرب الصهيوأميركية على المنطقة/ حسن نافعة
25 ابريل 2026
يُطلق على الحرب المشتعلة حالياً في المنطقة اسم “الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران”، وهو وصف غير دقيق. لسببَين: الأوّل، صعوبة فصل هذه الحرب عن سلسلة حروب راحت تتناسل في المنطقة منذ انفجار “طوفان الأقصى” (2023). والثاني، أنّها حرب تندرج فيها أطراف أخرى غير الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، خصوصاً أنّ ساحتها امتدّت إلى جميع الدول المشاطئة للخليج العربي. معنى ذلك أنّ ما تشهده المنطقة حالياً ليس ناجماً عن حروبٍ منفصلة، وإنّما هو نتاج حرب واحدة انطلقت شرارتها من قطاع غزّة، ثم راحت دائرة نيرانها المشتعلة تتّسع إلى أن طاولت ألسنتها أقاليمَ ودولاً عدّةً داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها، هي: قطاع غزّة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي، والضفة الغربية، ولبنان، وسورية، والعراق، واليمن، وإيران، والولايات المتحدة، والأردن، والسعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، وسلطنة عُمان. فإلى أيّ شيء ينبغي لنا أن نستند في سياق كهذا لوصف حقيقة ما يجري؟
يبدو أنّ عنوان هذا المقال، الذي يوحي بأنّ منطقة الشرق الأوسط تتعرّض لحرب أميركية إسرائيلية مشتركة، ربّما يكون التوصيف الأدقّ لما يجري فيها. فما كان للحرب المشتعلة فيها حالياً أن تنشب إلا بسبب تعرّض القضية الفلسطينية لإهمال متعمّد حال دون العثور على تسوية عادلة لها. ولأنّ “طوفان الأقصى” الذي أذهل الجميع بحجمه وبتداعياته المتوقَّعة لم يكن سوى صرخة في وجه هذا الإهمال، فقد كان من الطبيعي أن يتسبّب في تفجير سلسلة متتالية من التفاعلات غير المنضبطة، وأن تفضي هذه التفاعلات، في نهاية المطاف، إلى تشكيل تحالف عسكري إسرائيلي أميركي يسعى إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة برمّتها. كما كان من الطبيعي في الوقت نفسه أن تثور تساؤلات عديدة حول ما إذا كان العالم العربي قد استوعب الأحداث التي راحت تهزّ المنطقة منذ ذلك الحين، وأصبح جاهزاً لاستخلاص الدروس والعبر المستفادة منها.
فقبل “طوفان الأقصى”، كانت جميع الدول العربية منكفئةً إلى قضاياها الداخلية، ومنشغلةً في الوقت نفسه بقضايا أخرى لم تكن القضية الفلسطينية من بينها. فالسعودية، أكثر الدول العربية أهميةً من زاوية ما ترمز إليه دينياً ومالياً، كانت تسعى إلى تهيئة الرأي العام المحلّي والإقليمي لتقبّل فكرة تطبيع العلاقة مع إسرائيل، تدلّ على ذلك مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، نُشرت في 21 سبتمبر/ أيلول 2023، أي قبل أسبوعين فقط من “طوفان الأقصى”، قال فيها ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان: “نقترب كلّ يوم أكثر من تطبيع علاقاتنا مع إسرائيل”، وهو تصريح يشي بأنّ الأجواء السائدة في العالم العربي، في ذلك الوقت، كانت تؤكّد أنّ الدول العربية على وشك التخلّي عن المبادرة التي أُقرّت في قمّة بيروت العربية لعام 2002، وربطت عضوياً بين تطبيع العلاقة مع إسرائيل وبين تأسيس دولة فلسطينية مستقلّة عاصمتها القدس الشرقية في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967. واقتراب دولة عربية بحجم السعودية من فكرة التطبيع مع إسرائيل، من دون قيام دولة فلسطينية مستقلّة بوصفها شرطاً مسبقاً، كان سيؤدّي حتماً إلى تراجع القضية الفلسطينية، وربّما إلى سقوطها نهائياً من جدول أعمال النظامَين العربي والدولي. غير أنّ إطلاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لـ”طوفان الأقصى” قلب هذه الحسابات كلّها رأساً على عقب.
كان الردّ الإسرائيلي على “طوفان الأقصى” عنيفاً وانتقامياً، وربّما انطوى ضمناً على محاولة لتحويل المحنة إلى منحة. فقد شنّت آلة الحرب الإسرائيلية هجوماً شاملاً على الشعب الفلسطيني، استهدف استئصاله أو إجباره على الهجرة القسرية، ليس من قطاع غزّة فحسب، وإنّما من الضفة الغربية أيضاً، ما أثار سلسلةً من ردّات الفعل التي أدّت إلى توسيع نطاق المواجهة المسلّحة لجميع مكوّنات “محور المقاومة”، وبالتالي امتدادها تدريجياً إلى الجبهات اللبنانية والسورية والعراقية واليمنية، عبر ولوج فاعلين من غير الدول: حزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله (الحوثي) في اليمن وبعض المليشيات العراقية، إلى ساحة المواجهة في مرحلة أولى، ثم عبر انتقال المواجهة في مرحلة تالية إلى الساحة الإيرانية. ولأنّه لم يكن باستطاعة إسرائيل شنّ الحرب على إيران بمفردها، فقد سعت لجرّ الولايات المتحدة إلى المشاركة معها، وهو ما نجحت فيه مرَّتَين متتاليتَين، الأولى في يونيو/ حزيران 2025، والثانية في فبراير/ شباط 2026. وبينما استهدفت الحرب الأولى تدمير منشآت إيران النووية وتقليص قدراتها العسكرية، استهدفت الحرب الثانية تغيير النظام الحاكم في إيران. ولأنّ الأخير اعتبرها حرباً وجوديةً تستهدف تدمير الدولة الإيرانية وتفتيتها، وليس تغيير نظامها الحاكم فحسب، فقد كان من الطبيعي أن يلجأ إلى عناصر القوة كافّة التي في حوزته لإلحاق الأذى بإسرائيل، ولضرب القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في المنطقة في الوقت نفسه. وكان هذا هو السياق الذي تحوّلت فيه جميع القواعد العسكرية والمصالح الأميركية فوق أراضي دول الخليج العربية إلى أهداف في مرمى النيران الإيرانية.
أظهر “طوفان الأقصى” أنّ النظام العربي في حالة يُرثى لها من العجز والانكشاف، لا فرق في هذا بين دول كبيرة وأخرى صغيرة، أو بين دول غنيّة وأخرى فقيرة، أو بين دول حليفة للولايات المتحدة وأخرى تدّعي بأنّ لديها علاقات متميّزة تربطها بروسيا والصين، ما تجلّى بوضوح إبّان جميع المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع “طوفان الأقصى”. وتجلّى انكشاف النظام العربي إبّان الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني بوضوح من خلال مسألتَين. الأولى حين عجز عن توفير الحماية للشعب الفلسطيني الذي تعرّض لحرب إبادة جماعية على مدى عامَين متتاليَين، والثانية حين عجز عن مدّ الشعب الفلسطيني بمعونات إنسانية تكفي لإنقاذه من الموت جوعاً أو عطشاً أو مرضاً. صحيح أنّ مصر والأردن وقفتا بحزم ضدّ محاولات التهجير القسري التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، وهو موقف يُحسب لهما، ولا يجوز إنكاره، غير أنّ الأمانة العلمية تقضي بالاعتراف في الوقت نفسه بأنّ الفضل الأول في إفشال مخطّط التهجير يعود أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى صمود الشعب الفلسطيني، الذي أصرّ على البقاء في أرضه والتشبّث بها، رغم ما قدّمه من تضحيات اقتربت من ربع مليون نسمة بين شهيد وجريح ومفقود، أي ما يعادل 10% من إجمالي سكّان قطاع غزّة، وهو رقم رهيب تشيب له الرؤوس. يلفت النظر هنا أنّ الدول العربية التي ترتبط مع إسرائيل بعلاقات دبلوماسية بدت عاجزةً حتى عن سحب سفرائها من هناك تعبيراً رمزياً عن رفضها لما ترتكبه إسرائيل من جرائم ضدّ الإنسانية، وعن احتجاجها على عمليات الإبادة الجماعية التي ترتكبها في حقّ الشعب الفلسطيني الأعزل. كما يلفت النظر أنّ الدول العربية الغنيّة التي تستثمر مئات المليارات من الدولارات في سندات الخزينة الأميركية، لم تجرؤ حتى على مجرّد التلويح بسحب هذه الأموال للضغط على الولايات المتحدة كي تضغط بدورها على إسرائيل. ولا يمكن تفسير هذه المواقف المتخاذلة إلا بأحد أمرَين (أو بكليهما)؛ خوفها من إسرائيل و/ أو موافقتها الضمنية على التخلّص من فصائل المقاومة المسلّحة وتفويض إسرائيل للقيام بهذه المهمّة نيابة عنها.
أمّا انكشاف النظام العربي إبّان الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فقد تجلّى في مناسبتَين: الأولى إبّان حرب الـ12 يوماً، حين قرّرت دول عربية تستضيف قواعد أميركية على أراضيها السماح للقوات الموجودة فيها بالتصدّي للمسيّرات والصواريخ الإيرانية الموجَّهة إلى إسرائيل، ما ألبسها ثوب الدول المنحازة لإسرائيل، المناهضة لإيران، والمرتبطة بعلاقات تبعية مع الولايات المتحدة. خفّفت من حدّة هذا الانكشاف محدودية المشاركة الأميركية في هذه الحرب واقتصارها على ضرب المنشآت النووية الإيرانية. الثانية إبّان حرب الأربعين يوماً، حين فشلت جميع الدول العربية التي تستضيف قواعد أميركية على أراضيها في اتخاذ قرار بالتجميد التام لأنشطة هذه القواعد إبّان الحرب، خصوصاً أنّ الدور الأميركي فيها كان الأبرز والأكثر فاعلية من الدور الإسرائيلي نفسه. ولأنّ إيران كانت قد أفصحت سلفاً عن عزمها على ضرب هذه القواعد إذا نشبت الحرب، فقد عكس إصرار الولايات المتحدة على شنّها مدى الاستهانة بمصالح الدول العربية، بل إنّها سعت إلى توريط الدول العربية فيها، وحسناً فعلت هذه الدول حين اكتفت بصدّ الهجمات الإيرانية، إعمالاً لحقّها المشروع في الدفاع عن النفس، وحين رفضت التورّط في حرب عدوانية على دولة جارة.
تفيد دلائل عديدة بأنّ الحرب الصهيوأميركية على المنطقة فشلت في تحقيق أيٍّ من أهدافها، حتى كتابة هذه السطور على الأقلّ، كما تشير إلى أنّ العالم العربي سيكون الخاسر الأكبر فيها في جميع الأحوال، خصوصاً أنّه لم يحاول توظيف كافّة الموارد التي في حوزته لصيانة مصالحه والدفاع عنها. وما لم يتمكّن النظام العربي من استخلاص الدروس المستفادة ممّا جرى للمنطقة وفيها منذ “طوفان الأقصى”، فسوف يسقط وينهار كلّياً. ورغم وفرة هذه الدروس، إلا أنّها قابلة للاختزال في مسألتَين رئيسيَّتَين، تتعلّق الأولى بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة في كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، فهذا الهدف ليس ترفاً يمكن التغاضي عنه، أو مكرمةً من أجل شعب مهيض الجناح، وإنّما هو خطّ الدفاع الأوّل عن وجود العالم العربي نفسه، وضرورةً لا غنى عنها لحماية وتأمين مستقبله. أمّا الثانية فتتعلق بأمن الدول العربية، فأمن أيّ دولة عربية لا ينفصل البتّة عن أمن جميع الدول العربية، وكلاهما؛ أي أمن كلّ دولة وأمن الدول العربية مجتمعةً، لن يتحقّقا إلا بالاعتماد على الذات وليس على الولايات المتحدة التي تحتقر كلّ ما هو عربي وإسلامي، ولا تعترف إلا بحليف أبدي واحد هو إسرائيل. ولأنّ الصهيونية لا تقلّ بشاعةً عن النازية في طبعتها المعاصرة، فلن يكون بمقدور الولايات المتحدة إنقاذ نفسها إلا إذا تخلّت عن إسرائيل، لأنّ الإصرار على التمسّك بها سيؤدّي إلى انحدارهما معاً نحو الهاوية.
العربي الجديد
—————————–
صراع أمريكا وإيران للسيطرة على مضيق هرمز.. إلى أين يجر المنطقة والعالم؟
يطرح صراع الولايات المتحدة وإيران من أجل السيطرة على مضيق هرمز عند مدخل الخليج ـ الذي يعتبر الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية ـ رهانات أبعد من الوضع الراهن المحكوم بوقف هش لإطلاق النار بعد أسابيع من حرب طاحنة ألقت بظلالها وتداعياتها على المنطقة وعلى العالم، بدأتها أمريكا وإسرائيل بهجوم على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.
ويثير هذا الصراع الأمريكي تساؤلات حول مآلاته وإلى أين يجر المنطقة والعالم؟
صحيفة “نيويورك تايمز” وفي تقرير لها عن الموضوع أشار إلى أن الولايات المتحدة أعلنت بوضوح، على لسان وزير الحرب بيت هيغسيث، أنها ستواصل فرض حصار بحري على المضيق والموانئ الإيرانية “مهما طال الأمر”، في محاولة للضغط على طهران للوصول إلى اتفاق سلام دائم.
وفي المقابل، ردت إيران بإجراءات ميدانية وتصريحات حادة، مؤكدة أنها لن تسمح بمرور أي سفينة دون موافقة الحرس الثوري، بل وذهبت إلى حد التلويح باستخدام تكتيكات عسكرية غير تقليدية، مثل تمركز مقاتلين في كهوف بحرية لشن هجمات مباغتة.
وأكد التقرير أن هذا التداخل في إجراءات السيطرة جعل تحديد الجهة التي تفرض سيادتها الفعلية على المضيق أمرا شبه مستحيل، لكن النتيجة الأبرز على الأرض هي شبه شلل في حركة الملاحة البحرية، إذ توقفت معظم السفن عن التحرك وسط مخاوف من الألغام البحرية أو التعرض لهجمات.
وقد أدت حالة الغموض والخوف إلى تكدس مئات السفن داخل الخليج، في وقت لا تزال فيه حركة العبور أقل بكثير من معدلاتها الطبيعية، رغم أن إيران تسمح بمرور محدود لبعض السفن عبر مسارات قريبة من سواحلها وتحت إشرافها المباشر، في محاولة لإظهار قدرتها على التحكم بالممر.
كما تسعى طهران إلى تعزيز نفوذها عبر فرض تصاريح مرور وربما رسوم على السفن، مما يعكس توجها نحو “إدارة المضيق” بدل الاكتفاء بتهديده.
ويلفت التقرير إلى أنه رغم أن الضربات التي أضعفت البحرية الإيرانية لا تزال طهران قادرة على تعطيل الملاحة باستخدام ما يُعرف بـ”أسطول البعوض”، وهو مجموعة من القوارب الصغيرة والسريعة المدعومة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى استخدام الألغام البحرية لإجبار السفن على المرور عبر ممرات تمكن السيطرة عليها بسهولة.
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على تفوقها العسكري التقليدي، وقد نشرت سفنا حربية ووفرت غطاء جويا مكثفا لمراقبة وتعقب السفن، خاصة تلك المرتبطة بإيران، كما أعلنت اعتراض عشرات السفن وإجبارها على العودة، بل واحتجاز إحداها، في خطوة أثارت اتهامات إيرانية لها بالقرصنة.
ووفق “نيويورك تايمز” فرغم هذا التشديد، تشير تقارير إلى أن بعض السفن تمكنت من اختراق الحصار عبر وسائل خداع تقنية، مثل تغيير بياناتها أو إيقاف أجهزة التتبع، مما يكشف عن ثغرات في نظام الرقابة.
وانعكست هذه الأزمة سريعا على الأسواق العالمية وأدت إلى ارتفاع أسعار النفط مجددا، إلى ما يقرب من 100 دولار للبرميل، مما يؤكد أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح ورقة ضغط إستراتيجية ذات تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي.
وخلص التقرير إلى أن مضيق هرمز دخل مرحلة “اللاسيطرة الكاملة”، حيث لا يملك أي طرف الهيمنة المطلقة، في وقت يدفع فيه العالم ثمن هذا التوازن الهش عبر اضطراب الأسواق وتهديد أمن الطاقة.
—————————–
===========================
تحديث 24 نيسان 2026
—————————–
تحولات الأزمة الأميركية-الإيرانية بين انسداد أفق الدبلوماسية وهيمنة منطق القوة/ عبد الله راشد المرسل
تحلِّل هذه الورقة أزمة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها أزمة بنيوية وليست أزمة عارضة أو تعثرًا طارئًا لأسباب تقنية. ويعود عمق الخلاف بين الطرفين لاختلافات جوهرية تمس مفاهيم الأمن والسلام والتوازنات الإقليمية والدولية، إلى جانب انعدام الثقة المتراكم، الذي خلَّفته تجارب الفشل والانهيار في المفاوضات السابقة.
21 أبريل 2026
مقدمة
لا يمكن فهم فشل الجولة التفاوضية التي انعقدت في إسلام آباد بمعزل عن السياق البنيوي الذي يحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة الإيرانية، 1979؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بتعثر تقني في التفاوض بل بانسداد هيكلي في إدراك كل طرف لتهديدات الآخر، وما يرتبط بذلك من تباين في تعريف الأمن ذاته. لقد شكَّلت هذه الجولة، التي وُصفت بأنها الأعلى مستوى منذ أربعة عقود، لحظة اختبار حقيقية لإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى تسويته غير أنها انتهت إلى إعادة إنتاج منطق الأزمة بدل تفكيكه.
من حيث الشكل، اتسمت المفاوضات بكثافة زمنية واستثنائية في التمثيل السياسي؛ حيث قاد الوفد الأميركي جي دي فانس، إلى جانب شخصيات نافذة في بنية القرار الأميركي، في مقابل تمثيل إيراني يعكس ثقل المؤسسة السياسية والأمنية، بمن في ذلك محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي. غير أن هذه الكثافة لم تنعكس على مستوى النتائج؛ ما يشير إلى أن المشكلة لم تكن في مستوى التمثيل بل في طبيعة الملفات المطروحة وحدود التنازل الممكن.
يمكن القول: إن هذه الجولة التفاوضية كشفت عن ثلاثة مستويات من الانسداد؛ أولها: الانسداد المفاهيمي. فواشنطن وطهران تختلفان في تعريف مفهوم “السلام”؛ فبينما تنظر الولايات المتحدة إلى السلام بوصفه حالة من الضبط الكامل للسلوك الإيراني، خصوصًا في المجال النووي والإقليمي، ترى إيران أن السلام ينبغي أن يقوم على الاعتراف بدورها قوة إقليمية ذات سيادة وليست فاعلًا يجب احتواؤه أو تقويضه. هذا التباين يعكس صراعًا بين نموذجين: نموذج الهيمنة الأمنية الأميركية، ونموذج الاستقلال الإستراتيجي الإيراني.
ثانيها: الانسداد البنيوي المرتبط بانعدام الثقة، وهو نتاج تراكم تاريخي من الاتفاقات المنهارة والتجارب الفاشلة، على رأسها تداعيات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال إدارة دونالد ترامب. فقد عزَّز هذا الانسحاب قناعة لدى النخبة الإيرانية بأن أي اتفاق مع واشنطن يظل هشًّا وقابلًا للانهيار مع تغير الإدارات، وهو ما يجعل تقديم تنازلات إستراتيجية أمرًا عالي الكلفة سياسيًّا.
ثالثها: الانسداد المرتبط بتضارب دوائر النفوذ الإقليمي؛ حيث لا يمكن فصل الملف النووي عن شبكة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، والتي تشمل فاعلين غير دولتيين تعدهم واشنطن أدوات لزعزعة الاستقرار، بينما تراهم طهران حلفاء وامتدادًا لعقيدتها الدفاعية القائمة على الردع غير المتماثل. هذا التداخل بين النووي والإقليمي جعل أي تسوية جزئية غير ممكنة، لأن كل ملف بات مشروطًا بالآخر.
ضمن هذا السياق، تبدو تصريحات جي دي فانس بعد انتهاء المحادثات دالَّة على طبيعة الفشل؛ إذ لم يُقدَّم الإخفاق بوصفه تعثرًا مشتركًا، بل كخسارة إيرانية بالدرجة الأولى، وهو خطاب يعكس استمرار المقاربة الصفرية في إدارة التفاوض؛ حيث يُنظر إلى المكاسب بوصفها أحادية لا تراكمية. هذا النمط من الخطاب يعمِّق فجوة الثقة ويجعل من الصعب الانتقال إلى مرحلة بناء التزامات متبادلة.
من جهة أخرى، لا يخلو اختيار باكستان وسيطًا من دلالات جيوسياسية. فإسلام آباد تحاول إعادة تموضعها فاعلًا دبلوماسيًّا في لحظة دولية تتسم بتعدد الوسطاء وتراجع الاحتكار الغربي لمسارات التفاوض. غير أن محدودية أدوات الضغط الباكستانية، مقارنة بقوى أخرى كالاتحاد الأوروبي أو الصين، جعلت الوساطة أقرب إلى توفير منصة حوار منها إلى فرض تسوية. وعلى مستوى أعمق، يمكن قراءة فشل محادثات إسلام آباد كجزء من تحول أوسع في طبيعة النظام الدولي؛ حيث يتراجع منطق التسويات متعددة الأطراف لصالح منطق الصفقات القسرية أو الضغوط القصوى. ففي ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى لم يعد هناك حافز كافٍ لفرض تسويات مستقرة بل باتت الأزمات تُدار بما يخدم إعادة توزيع النفوذ.
ما كشفته هذه الجولة التفاوضية، في جوهره، هو أن الأزمة الأميركية-الإيرانية لم تعد أزمة قابلة للحل عبر أدوات الدبلوماسية التقليدية وحدها بل أصبحت تعبيرًا عن صراع بنيوي أعمق يتعلق بإعادة تعريف التوازنات الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن تعثر مفاوضات إسلام آباد، أو فشلها، لا يمثل نهاية مسار تفاوضي فحسب بل يعكس حدود النظام الدولي الحالي في إنتاج تسويات مستقرة في مناطق التوتر.
1. الملفات الستة العالقة: تفكيك جوهر التباين الإستراتيجي بين واشنطن وطهران
إذا كان فشل محادثات إسلام آباد يعكس انسدادًا دبلوماسيًّا على مستوى الشكل فإن جوهر هذا الانسداد يتجسد في طبيعة الملفات الستة التي طرحتها الولايات المتحدة بوصفها شروطًا غير قابلة للتفاوض. هذه الملفات لا تمثل مجرد نقاط خلاف تقنية بل تعبِّر عن تصور شامل لإعادة هندسة السلوك الإستراتيجي لإيران، وهو ما يفسر رفض طهران التعامل معها كحزمة واحدة. ويكشف تحليل هذه الملفات عن بنية عميقة من التباين يمكن فهمها عبر ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى الأمن النووي، ومستوى التوازن الإقليمي، ومستوى التحكم الإستراتيجي في الجغرافيا السياسية.
في المستوى الأول، المتعلق بالبرنامج النووي، يتمحور الخلاف حول مطلب “التصفير الكامل” الذي تطرحه واشنطن، أي إنهاء تخصيب اليورانيوم وتفكيك البنية التحتية المرتبطة به. من منظور أميركي، يمثِّل هذا الشرط الضمان الوحيد لمنع تحول إيران إلى دولة عتبة نووية. وهو تصور يستند إلى مقاربة الردع الوقائي، التي ترى أن مجرد امتلاك القدرة التقنية يشكل تهديدًا إستراتيجيًّا(1). غير أن هذا الطرح يتجاهل البعد السيادي الذي تتمسك به إيران؛ حيث تعتبر أن حقها في تخصيب اليورانيوم جزء من حقوقها كدولة موقِّعة على معاهدة عدم الانتشار النووي، وأن التخلي الكامل عنه يعني القبول بوضعية دونية داخل النظام الدولي(2).
أما المطلب المتعلق بتفكيك المنشآت النووية، فهو يتجاوز مسألة الحد من التخصيب إلى إعادة تشكيل القدرات العلمية والتكنولوجية للدولة الإيرانية. فالأمر لا يتعلق فقط بإزالة أجهزة الطرد المركزي بل بتفكيك منظومة معرفية متراكمة، وهو ما يجعل هذا الشرط، في نظر طهران، مساسًا بجوهر مشروعها الوطني(3). من هنا، يمكن فهم الرفض الإيراني ليس فقط بوصفه موقفًا سياسيًّا بل كاستجابة لبنية عميقة من القلق الوجودي المرتبط بفقدان أدوات القوة الذاتية.
في المستوى الثاني، المرتبط بالتوازن الإقليمي، تتجلى الفجوة بشكل أوضح في ملف “إنهاء تمويل الوكلاء”. فبينما ترى واشنطن أن الشبكات المرتبطة بإيران، مثل حزب الله، تمثل أدوات لزعزعة الاستقرار الإقليمي، تنظر طهران إلى هذه الشبكات كجزء من عقيدة دفاعية تقوم على الردع غير المتماثل. نشأت هذه العقيدة في سياق إدراك إيراني لعدم تكافؤ القوة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وبالتالي فإن التخلي عنها يعني، من منظور إيراني، فقدان خط الدفاع الأول خارج الحدود(4).
يزداد هذا التباين حدة عند النظر إلى مطلب “القبول بسلام إقليمي أوسع”، الذي يبدو في ظاهره دعوة للاستقرار، لكنه في مضمونه يعكس محاولة لإدماج إيران في نظام أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة. يقوم هذا النظام على مبدأ الترتيبات الأمنية الجماعية التي تحد من استقلالية الفاعلين الإقليميين، وهو ما يتعارض مع الرؤية الإيرانية القائمة على تعددية مراكز القوة ورفض الهيمنة الأحادية(5).
في المستوى الثالث، المرتبط بالجغرافيا السياسية، يظهر ملف “تحرير الملاحة في مضيق هرمز” كأحد أكثر النقاط حساسية. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي بل يمثِّل ورقة ضغط مركزية في الإستراتيجية الإيرانية؛ حيث يُستخدم أداة ردع اقتصادية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. وبالتالي، فإن التخلي عن هذه الورقة يعني فقدان أحد أهم عناصر القوة التفاوضية(6).
أما مطلب استعادة مخزونات اليورانيوم، فهو يعكس رغبة أميركية في إزالة أي إمكانية لإعادة بناء البرنامج النووي بسرعة، وهو ما يُعرف في أدبيات الأمن الإستراتيجي بمفهوم “زمن الاختراق”. غير أن هذا المطلب، مثل غيره، يُنظر إليه في طهران كجزء من إستراتيجية احتواء شاملة تهدف إلى تجريدها من أدوات الردع على المدى الطويل.
ما يجمع هذه الملفات الستة هو أنها لا تتعامل مع السلوك الإيراني كظاهرة قابلة للتعديل بل كمنظومة يجب إعادة بنائها من الأساس. وهذا ما يجعلها، من منظور نظريات العلاقات الدولية، أقرب إلى شروط “استسلام تفاوضي” منها إلى تسوية متبادلة(7). في هذا السياق، يصبح الفشل في التوصل إلى اتفاق نتيجة منطقية، وليس مفاجأة.
على مستوى أعمق، يمكن قراءة هذه المطالب الأميركية كجزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بحيث يتم تقليص دور القوى غير المتحالفة مع واشنطن، وفي مقدمتها إيران. غير أن هذه الإستراتيجية تصطدم بحقيقة أن إيران، رغم الضغوط، نجحت في بناء شبكة نفوذ معقدة تجعل من الصعب عزلها أو احتواؤها بالكامل. من هنا، فإن التباين بين الطرفين لا يتعلق فقط بمضمون الملفات بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي يسعى كل طرف إلى تكريسه. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى نظام قائم على الضبط والاحتواء تسعى إيران إلى نظام يقوم على التوازن والتعددية، وهو تناقض يصعب حلُّه عبر أدوات التفاوض التقليدية.
2. مضيق هرمز ومنطق حافة الهاوية
يمثل التصعيد الذي أعقب فشل محادثات إسلام آباد انتقالًا نوعيًّا في إدارة الأزمة الأميركية-الإيرانية، من مستوى الضغط الدبلوماسي إلى مستوى إعادة تشكيل الوقائع الميدانية، وبشكل خاص في مضيق هرمز. فهذا الممر المائي، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، لا يُعد مجرد نقطة جغرافية بل يمثل عقدة إستراتيجية تختزل التداخل بين الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي؛ ما يجعله مركزًا مثاليًّا لتطبيق إستراتيجيات الردع والتصعيد في آن واحد.
إن قرار دونالد ترامب فرض حصار عسكري على المضيق لا يمكن فهمه بوصفه إجراءً تكتيكيًّا معزولًا بل هو تعبير عن تبنِّي مقاربة “الإكراه بالقوة”، وهي مقاربة تستند إلى فرض كلفة مباشرة على الخصم لإجباره على تعديل سلوكه(8). في هذا الإطار، يصبح المضيق أداة ضغط اقتصادية بقدر ما هو ساحة عمليات عسكرية؛ حيث تسعى واشنطن إلى خنق صادرات النفط الإيرانية، وبالتالي تقويض أحد أهم مصادر القوة المالية للدولة.
غير أن هذا الخيار يفتح المجال أمام ديناميات تصعيد معقدة، يمكن تحليلها من خلال مفهوم “حافة الهاوية”، الذي طوَّره توماس شيلينغ، والذي يقوم على دفع الأزمة إلى حافة الانفجار دون الانزلاق الكامل إلى الحرب، بهدف انتزاع تنازلات من الطرف الآخر(9). في هذا السياق، فإن التحركات العسكرية الأميركية، بما في ذلك دخول السفن الحربية لتطهير الألغام البحرية، لا تهدف بالضرورة إلى بدء حرب شاملة بل إلى خلق بيئة ضغط قصوى تدفع إيران إلى إعادة حساباتها.
إلا أن المشكلة البنيوية في هذا النوع من الإستراتيجيات تكمن في أنها تعتمد على افتراض عقلانية متبادلة وقدرة دقيقة على التحكم في مستويات التصعيد، وهو افتراض غالبًا ما تثبت هشاشته في البيئات عالية التوتر. فإيران، التي طورت على مدى عقود، عقيدة دفاعية قائمة على الردع غير المتماثل، تملك بدورها أدوات للرد يمكن أن تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، بما في ذلك استهداف الملاحة أو توسيع نطاق الاشتباك عبر وكلائها الإقليميين(10).
في هذا الإطار، لا يمكن فصل التصعيد في مضيق هرمز عن بنية العقيدة العسكرية الإيرانية، التي تقوم على مبدأ “الحرمان من الوصول”، أي جعل تكلفة العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة مرتفعة إلى حدٍّ يحدُّ من فاعليتها. هذه العقيدة تعتمد على مزيج من القدرات التقليدية وغير التقليدية، بما في ذلك الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، ما يجعل أي محاولة للسيطرة الكاملة على المضيق محفوفة بالمخاطر(11).
من جهة أخرى، تعكس تصريحات دونالد ترامب، لاسيما قوله: “سنكسب في كل الأحوال”، تحولًا في الخطاب السياسي من منطق إدارة المخاطر إلى منطق الحسم المطلق. هذا النوع من الخطاب، الذي يمكن وصفه بـ”عقيدة الفوز الحتمي”، يعكس تبسيطًا مفرطًا لتعقيدات الصراع؛ حيث يتم اختزال النتائج في ثنائية الفوز/الخسارة، دون اعتبار للتكاليف طويلة المدى أو للتداعيات غير المباشرة(12). وفي الأدبيات الإستراتيجية، يُنظر إلى هذا النمط من التفكير بوصفه محفزًا للتصعيد لأنه يقلِّل من حساسية صانع القرار تجاه المخاطر.
على المستوى العملياتي، يضع دخول القوات الأميركية إلى المضيق الطرفين في حالة “اشتباك غير معلن”؛ حيث يصبح أي حادث عرضي، مثل استهداف سفينة أو اشتباك محدود، قابلًا للتحول إلى مواجهة أوسع، وفق أدبيات “سلم التصعيد”، التي توضح كيف يمكن أن تتدرج النزاعات من مستويات منخفضة إلى مستويات عالية من العنف عبر سلسلة من التفاعلات غير المقصودة(13). كما أن اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار يضيف بُعدًا زمنيًّا للتصعيد، حيث يتحول الزمن نفسه إلى عامل ضغط يدفع الأطراف نحو اتخاذ قرارات سريعة قد تفتقر إلى الحسابات الدقيقة. في مثل هذه الظروف، يصبح احتمال “سوء التقدير الإستراتيجي” مرتفعًا، وهو أحد أهم أسباب اندلاع الحروب في التاريخ الحديث.
من زاوية أوسع، يمكن قراءة التصعيد في مضيق هرمز كجزء من تحول في طبيعة الصراعات الدولية. فالمواجهات لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية بل أصبحت تشمل أدوات اقتصادية وجيوسياسية معقدة. والمضيق هنا، لا يمثل ساحة عسكرية وحسب، بل أيضًا نقطة ارتكاز في صراع أوسع حول التحكم في تدفقات الطاقة العالمية، وهو ما يربط الأزمة مباشرة ببنية الاقتصاد العالمي.
إن ما يجعل هذا التصعيد بالغ الخطورة هو تداخله مع مصالح قوى دولية أخرى تعتمد على استقرار تدفقات النفط، ما يفتح الباب أمام تدويل الأزمة بشكل أوسع. في هذا السياق، قد يتحول أي تصعيد محلي إلى أزمة عالمية، خصوصًا في ظل هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده الكبير على استقرار أسواق الطاقة.
في المحصلة، لا يمكن فهم التصعيد في مضيق هرمز بوصفه مجرد رد فعل على فشل التفاوض بل يجب النظر إليه كمرحلة جديدة في إدارة الصراع، تتسم بتراجع أدوات الدبلوماسية لصالح منطق القوة، وبتزايد الاعتماد على إستراتيجيات الضغط القصوى التي تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
3. التداعيات الاقتصادية للأزمة: من صدمة الطاقة إلى التضخم البنيوي وإعادة تشكيل المزاج الاجتماعي الأميركي
إذا كان التصعيد في مضيق هرمز يمثل الوجه العسكري للأزمة الأميركية-الإيرانية، فإن انعكاسه الاقتصادي يمثِّل الوجه الأكثر اتساعًا وتأثيرًا، لا لأن الاقتصاد يأتي بعد الأمن في ترتيب الأولويات وحسب بل لأن الحروب المعاصرة لم تعد تُقاس فقط بنتائجها الميدانية، وإنما أيضًا بقدرتها على إعادة توزيع الكلفة داخل المجتمعات، وتوليد ضغوط اجتماعية وسياسية قد يفوق أثرها أثر الاشتباكات العسكرية المباشرة. بهذا المعنى، لا ينبغي التعامل مع الارتفاع الحاد في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة بوصفه مجرد أثر سوقي عابر، بل بوصفه مؤشرًا على هشاشة البنية الاقتصادية الداخلية أمام صدمات الطاقة الخارجية، وعلى عمق الترابط بين الجغرافيا الإستراتيجية للشرق الأوسط والاستقرار الاجتماعي الأميركي(14).
إن أي اضطراب في مضيق هرمز لا يظل محصورًا ضمن نطاقه البحري الضيق، لأن هذا الممر يشكِّل إحدى العقد المركزية في نظام الطاقة العالمي، ومن ثم فإن تعطل الملاحة أو ارتفاع مستوى المخاطر فيه يرفع كلفة التأمين والشحن والتوريد في آن واحد، وهو ما ينعكس سريعًا على أسعار النفط الخام، ثم على المشتقات، ثم على مجمل مستويات الأسعار في الاقتصادات الصناعية والنامية على حدٍّ سواء(15). وهذا ما يفسر انتقال الأزمة من مشهد عسكري-دبلوماسي إقليمي إلى موجة ضغط معيشية محسوسة داخل السوق الأميركية، حيث تتحول أسعار الوقود إلى المؤشر الأكثر مباشرة في وعي المواطن العادي، وإلى المقياس الذي تُختبر من خلاله كفاءة الإدارة السياسية.
وفي حالة الولايات المتحدة، تكتسب هذه المسألة حساسية خاصة، لأن الوقود ليس مجرد سلعة استهلاكية بل عنصرًا تأسيسيًّا في البنية الاجتماعية للمجتمع الأميركي. فالحياة اليومية والتنقل وسلاسل التوريد وأسعار الغذاء وكلفة الخدمات ترتبط جميعها، بدرجات متفاوتة، بسعر الطاقة. لذلك، فإن أي زيادة حادة في أسعار البنزين لا تُقرأ اجتماعيًّا بوصفها ظاهرة اقتصادية مجردة بل كتهديد مباشر لمستوى المعيشة، لاسيما لدى الطبقات الوسطى والدنيا، التي تعتمد على المركبات الخاصة بشكل شبه كامل في التنقل والعمل(16).
ضمن هذا الإطار، يصبح الارتفاع الكبير في أسعار الوقود نتيجة مباشرة لصدمة جيوسياسية تحولت إلى تضخم معيشـي. والمقصود هنا ليس فقط الزيادة الرقمية في سعر الجالون وإنما ما تولده هذه الزيادة من إحساس عام بفقدان السيطرة. وهو إحساس يضرب الثقة بالحكومة وبجدوى خياراتها الخارجية. فالاقتصاد السياسي للأزمة لا يقوم فقط على علاقة العرض والطلب وإنما أيضًا على العلاقة بين القرار العسكري وإدراك المجتمع لكلفته(17). وكلما شعر المواطن بأن الحرب تُدار دون أفق واضح، وبأن أعباءها تنتقل مباشرة إلى جيبه، ازدادت قابلية الأزمة للتحول من ملف خارجي إلى أزمة شرعية داخلية.
من المهم هنا التمييز بين التضخم الدوري والتضخم البنيوي؛ فالتضخم الدوري قد ينشأ عن صدمة مؤقتة في الأسعار ثم يتراجع مع استقرار الأسواق، أما التضخم البنيوي فهو ذلك الذي يبدأ في التسلل إلى قطاعات متعددة ويعيد تشكيل منظومة الأسعار العامة بطريقة أكثر عمقًا واستدامة. وفي حالة الأزمات النفطية، كثيرًا ما يتحول الارتفاع الأولي في أسعار الطاقة إلى محرِّك لسلسلة أوسع من الزيادات تشمل النقل والإنتاج والتخزين والغذاء والخدمات، بما يجعل الطاقة بمنزلة “مضاعِف تضخمي” لا مجرد بند من بنود الإنفاق(18).
ولعل أحد أهم أبعاد هذه الأزمة أنها تكشف من جديد أن الولايات المتحدة، رغم تحولاتها في إنتاج الطاقة خلال العقدين الأخيرين، لم تتحرر تمامًا من تأثيرات السوق العالمية. فالاستقلال النسبي في الإنتاج لا يلغي أن أسعار الطاقة تُحدَّد داخل شبكة عالمية مترابطة، وأن مجرد تعطل الإمدادات أو ارتفاع علاوات المخاطر في نقطة إستراتيجية مثل هرمز، كفيل بإعادة تسعير السوق الأميركية نفسها(19). وهكذا، يتبدد الوهم القائل: إن القوة العظمى قادرة على عزل اقتصادها الداخلي عن التداعيات الخارجية لخياراتها الجيوسياسية.
وتتعمق المشكلة حين نضع هذه التطورات في سياق اجتماعي أوسع؛ حيث لا تُقاس آثار ارتفاع أسعار الوقود بحجم الاستهلاك فقط بل بما تتركه من أثر نفسي وسلوكي. فحين يبدأ المواطنون في وصف تكاليف الطاقة بأنها “عبء مالي”، فذلك لا يشير إلى ارتفاع الأسعار فحسب بل إلى تحول اقتصادي في إدراك الأمن الشخصي. بعبارة أخرى، تصبح الطاقة جزءًا من أمن الأسرة لا مجرد جزء من دورة السوق. وهذا التحول في الإدراك بالغ الأهمية، لأنه يربط السياسة الخارجية مباشرة بمخاوف الحياة اليومية، ويحوِّل الحرب البعيدة إلى أزمة محلية محسوسة في محطات الوقود، وفواتير النقل، وأسعار السلع الأساسية(20).
ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على صانع السياسة النقدية والمالية معًا. فمن جهة، يؤدي التضخم المدفوع بالطاقة إلى تقليص القدرة الشرائية وزيادة التوترات الاجتماعية. ومن جهة ثانية، قد يدفع السلطات النقدية إلى الإبقاء على سياسات مشددة أو أكثر حذرًا؛ الأمر الذي ينعكس سلبيًّا على النمو والاستثمار وسوق العمل. وهكذا، تتولد معضلة كلاسيكية في الاقتصاد السياسي للحرب تتعلق بكيفية تمويل الدولة انخراطًا خارجيًّا مرتفع الكلفة، بينما تواجه في الداخل ضغوطًا اجتماعية تطالب بتخفيف الأعباء المعيشية؟(21).
في هذا السياق، لا يكون التضخم مجرد متغير اقتصادي بل يصبح مؤشرًا على حدود القوة. فالدولة التي تملك فائضًا عسكريًّا هائلًا قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع كلفة سياسية باهظة إذا عجزت عن حماية المستوى المعيشي لمواطنيها. من هنا، فإن أزمات الطاقة، بخلاف كثير من الأزمات الأخرى، تكشف بسرعة العلاقة الملتبسة بين القوة الخارجية والاستقرار الداخلي. فكلما ارتفعت كلفة فرض الإرادة الجيوسياسية في الخارج تراجع الرصيد الاجتماعي الذي يسمح للنظام السياسي بتحمل هذه الكلفة في الداخل.
وإذا عدنا إلى البعد التاريخي، نجد أن الأزمات النفطية السابقة كثيرًا ما تركت آثارًا سياسية عميقة في الولايات المتحدة والغرب عمومًا. فصدمة النفط في السبعينات لم تكن مجرد أزمة سوق بل مثَّلت لحظة أعادت تعريف العلاقة بين الأمن القومي والطاقة، ودفعت إلى مراجعات إستراتيجية واسعة في مفاهيم الاعتماد والاحتياطيات والسياسات الخارجية. واليوم، على الرغم من اختلاف السياق الدولي، فإن الأزمة الراهنة تعيد إنتاج جزء من هذه المعضلة: كيف يمكن إدارة صراع في منطقة مركزية للطاقة دون دفع أثمان تضخمية وسياسية مرتفعة؟
إن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن المجتمع الأميركي أكثر استقطابًا وأكثر حساسية تجاه الأسعار وأقل استعدادًا لتقبل التضحيات الطويلة غير الواضحة الغاية. لذلك، فإن أي ارتفاع مستمر في أسعار الوقود لا يُترجم فقط إلى ضغط اقتصادي بل إلى تفكيك تدريجي للسردية الرسمية التي تبرِّر التصعيد الخارجي. فحين تصبح الحرب مرادفة لارتفاع أسعار البنزين، ومرادفة لغلاء الغذاء والنقل، فإن الخطاب الأخلاقي أو الأمني يفقد جزءًا كبيرًا من فاعليته أمام منطق الحياة اليومية.
وهنا يظهر بوضوح البعد البنيوي للأزمة: فليست المشكلة أن أسعار الوقود ارتفعت وحسب بل أن هذه الزيادة تأتي في بيئة اقتصادية مثقلة أصلًا بحساسيات التضخم والديون والاستقطاب الحزبي وعدم اليقين بشأن الأولويات الوطنية. وهذا ما يجعل صدمة الطاقة الحالية أكثر من مجرد حلقة عابرة. إنها قد تتحول إلى آلية لإعادة ترتيب المجال السياسي الأميركي نفسه، من خلال تعزيز المطالبات بكبح الانخراط الخارجي أو مراجعة الإستراتيجية تجاه الشرق الأوسط أو حتى إعادة تعريف معنى الأمن القومي بحيث لا يكون منفصلًا عن أمن المعيشة.
يكشف هذا التطور عن معضلة أوسع تتجاوز الولايات المتحدة إلى الاقتصاد العالمي. فكل ارتفاع حاد في أسعار النفط يعيد توزيع الأرباح والخسائر بين الدول المصدِّرة والمستوردة، ويؤثر في معدلات النمو، ويضغط على العملات، ويعمِّق هشاشة الدول الفقيرة المستوردة للطاقة. وبذلك، فإن التصعيد في مضيق هرمز لا يمثل فقط خطرًا على التضخم الأميركي بل على استقرار اقتصادي عالمي أوسع، خصوصًا في الدول التي لا تملك هوامش مالية كافية لامتصاص صدمات أسعار الطاقة(22).
في ضوء ذلك، يمكن القول: إن الأزمة الأميركية-الإيرانية دخلت، عبر بوابة الطاقة، مرحلة لم يعد فيها الاقتصاد مجرد ساحة انعكاس للحرب بل أحد محددات استمرارها أو تقييدها. فكلما ازدادت كلفة الطاقة تضاعف الضغط على صانع القرار، واتسعت الفجوة بين منطق القوة في الخارج ومنطق المعيشة في الداخل. ومن ثم فإن السؤال الاقتصادي لا يقل أهمية عن السؤال العسكري: ليس فقط هل تستطيع واشنطن التصعيد، بل هل تستطيع تحمُّل نتائجه الاجتماعية والسياسية إذا طال أمده؟
هذا البعد بالذات، هو ما يجعل صدمة الوقود أكثر من مجرد خبر اقتصادي، فهي تعبير عن حدود القدرة الإمبراطورية في عصر الترابط العالمي. فالقوة العسكرية تستطيع تعطيل الممرات وفرض الحصار لكنها لا تستطيع بسهولة التحكم في النتائج المتسلسلة التي تطلقها في الأسواق، ولا في طريقة استقبال المجتمعات لهذه النتائج. وعليه، فإن أحد أخطر أوجه الأزمة الراهنة يكمن في أنها تضع الدولة الأقوى في العالم أمام اختبار داخلي صامت، اختبار القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار اقتصادي واجتماعي. وهو اختبار لا تحسمه حاملات الطائرات وحدها بل أيضًا محطات الوقود، ومؤشرات الأسعار، وقدرة المجتمع على احتمال الكلفة.
4. المشهد السياسي الداخلي الأميركي: انقسام الرأي العام وأزمة الشرعية في إدارة الصراع
إذا كانت التداعيات الاقتصادية للتصعيد في مضيق هرمز قد كشفت عن هشاشة البنية المعيشية أمام صدمات الطاقة فإن انعكاساتها السياسية داخل الولايات المتحدة تمثل مستوى أكثر عمقًا من الأزمة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع محددات الشرعية الديمقراطية. فالحروب الحديثة، بخلاف الحروب التقليدية، لا تُخاض فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في المجال العام؛ حيث يصبح الرأي العام عاملًا حاسمًا في تحديد مدى استدامة أي انخراط خارجي.
في هذا السياق، تكشف مؤشرات الرأي العام عن تآكل ملحوظ في الثقة بإدارة الأزمة، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يبرر التصعيد على أساس الضرورات الأمنية، والإدراك الشعبي الذي يقيس كلفة هذا التصعيد من خلال انعكاساته المباشرة على الحياة اليومية، لاسيما أسعار الوقود والتضخم. هذه الفجوة ليست جديدة في التاريخ الأميركي، لكنها تتخذ في الحالة الراهنة طابعًا أكثر حدة بسبب التداخل المباشر بين الحرب والاقتصاد؛ حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين السياسة الخارجية والوضع المعيشي الداخلي.
إن أحد أهم مفاتيح فهم هذا التحول يكمن في مفهوم “إجهاد الحرب”، الذي يشير إلى تراجع استعداد المجتمعات لدعم الانخراط العسكري طويل الأمد، خصوصًا عندما تكون أهدافه غير واضحة أو نتائجه غير ملموسة. وقد تَعَزَّز هذا الاتجاه في الولايات المتحدة بعد تجارب ممتدة في العراق وأفغانستان؛ حيث تركت تلك الحروب إرثًا من الشكوك تجاه جدوى التدخلات الخارجية، وهو إرث لا يزال يؤثر في كيفية استقبال أي تصعيد جديد(23).
في هذا الإطار، يصبح التراجع في نسب التأييد الشعبي لإدارة دونالد ترامب للأزمة مؤشرًا على أزمة أعمق تتعلق بقدرة القيادة السياسية على صياغة سردية مقنعة للصراع. فالدعم الشعبي لا يتشكل فقط بناءً على النتائج بل على وضوح الأهداف وإدراك الجمهور لمبرراتها. وعندما يغيب هذا الوضوح، أو يُنظر إلى الأهداف بوصفها متناقضة أو غير متماسكة، فإن الشرعية السياسية تبدأ في التآكل تدريجيًّا.
يزداد هذا التحدي تعقيدًا في ظل الانقسام الحزبي الحاد الذي يميز الحياة السياسية الأميركية في السنوات الأخيرة. ففي حين يميل الديمقراطيون إلى تحميل الإدارة مسؤولية التداعيات الاقتصادية، خصوصًا ارتفاع أسعار الطاقة، يركز الجمهوريون على البُعد الأمني للصراع، معتبرين أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل أولوية تتقدم على الاعتبارات الاقتصادية قصيرة المدى. هذا الانقسام لا يعكس مجرد اختلاف في التقييم بل يكشف عن رؤيتين متباينتين لدور الولايات المتحدة في العالم: رؤية تميل إلى الانخراط الحذر، وأخرى تميل إلى الحسم الإستراتيجي.
لكن هذا الاستقطاب لا يبقى محصورًا داخل النخب السياسية بل يمتد إلى المجتمع ويعاد إنتاجه عبر وسائل الإعلام والخطابات العامة؛ ما يؤدي إلى تآكل “الإجماع الإستراتيجي”، الذي كان يميز السياسة الخارجية الأميركية في مراحل سابقة، لاسيما خلال الحرب الباردة. ومع غياب هذا الإجماع، تصبح كل خطوة في السياسة الخارجية موضع جدل داخلي، وهو ما يحد من قدرة الدولة على التحرك بثبات في الأزمات الممتدة(24).
على المستوى المؤسسي، يتجلَّى هذا التوتر في العلاقة بين السلطة التنفيذية والكونغرس، خصوصًا فيما يتعلق بتمويل العمليات العسكرية. فطلب “ملحق الميزانية” لتمويل التصعيد يضع المشرِّعين أمام معادلة معقدة. فمن جهة، هناك ضغط لدعم القوات المسلحة وعدم الظهور بمظهر المعرقل للأمن القومي، ومن جهة أخرى، هناك ضغوط انتخابية وشعبية للحدِّ من الإنفاق العسكري في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية. تعكس هذه المعضلة ما يسميه بعض الباحثين “مفارقة القوة الديمقراطية”؛ حيث تقيِّد المؤسسات التمثيلية قدرة الدولة على استخدام قوتها الخارجية بشكل مطلق. كما أن ارتفاع حجم الإنفاق الدفاعي، الذي يقترب من مستويات تاريخية، يثير تساؤلات أوسع حول أولويات السياسة العامة. ففي بيئة تتسم بتحديات داخلية متزايدة، من التضخم إلى البنية التحتية والرعاية الصحية، يصبح تخصيص موارد إضافية للعمليات العسكرية قرارًا سياسيًّا حساسًا، يمكن أن يؤثر في التوازنات الانتخابية وفي صورة الإدارة لدى الناخبين.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذه التطورات في إطار ما يُعرف بـ”أزمة الشرعية الإستراتيجية”، وهي الحالة التي تفقد فيها الدولة قدرتها على إقناع جمهورها بجدوى خياراتها الخارجية، حتى وإن كانت تمتلك الوسائل العسكرية لتنفيذها. ففي الأنظمة الديمقراطية، لا يكفي امتلاك القوة، بل يجب أيضًا تبرير استخدامها بطريقة مقبولة اجتماعيًّا. وعندما تتآكل هذه القدرة، يصبح استمرار الصراع أكثر كلفة سياسيًّا، حتى لو ظل ممكنًا عسكريًّا(25). ويزداد هذا التحدي في ظل البيئة الإعلامية المعاصرة، حيث تتدفق المعلومات بشكل سريع ومتعدد المصادر؛ ما يجعل من الصعب على أي إدارة احتكار السردية أو التحكم الكامل في تفسير الأحداث. فكل تطور في الأزمة، سواء كان عسكريًّا أو اقتصاديًّا، يخضع لتحليل فوري ونقاش عام، وهو ما يعزز من حساسية الرأي العام ويزيد من تقلباته.
كما أن الربط المباشر بين التصعيد الخارجي وارتفاع تكاليف المعيشة يخلق دينامية سياسية خاصة؛ حيث تتحول القضايا الدولية إلى قضايا انتخابية داخلية. ففي مثل هذه الحالات، لا يُقيَّم الأداء الحكومي فقط بناءً على تحقيق الأهداف الإستراتيجية بل أيضًا على قدرته على حماية المستوى المعيشي للمواطنين. وهذا ما يجعل من الصعب الفصل بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، ويحوِّل كل قرار خارجي إلى قرار له انعكاسات انتخابية مباشرة.
في المحصلة، يكشف المشهد السياسي الداخلي الأميركي عن أن الأزمة مع إيران لم تعد مجرد اختبار للقدرة العسكرية أو الدبلوماسية بل أصبحت اختبارًا لقدرة النظام السياسي نفسه على إدارة التوتر بين متطلبات الأمن الخارجي وضغوط الشرعية الداخلية. فكلما طال أمد الأزمة، وكلما ارتفعت كلفتها الاقتصادية، ازداد الضغط على صانع القرار لإعادة تقييم إستراتيجيته، ليس فقط في ضوء توازن القوى الدولية بل أيضًا في ضوء توازنات الرأي العام الداخلي.
تعيد هذه المعادلة طرح سؤال كلاسيكي في العلاقات الدولية عن المدى الذي يمكن أن تبلغه الديمقراطيات في خوض صراعات طويلة دون أن تفقد دعم مجتمعاتها. وفي الحالة الراهنة، يمكن للإجابة على هذا السؤال أن تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مسار الأزمة الأميركية-الإيرانية، وربما في إعادة تشكيل دور الولايات المتحدة في النظام الدولي ككل.
5. نحو فهم تركيبي للأزمة بين حدود القوة وتحولات النظام الدولي
تكشف الأزمة الأميركية-الإيرانية، في صورتها الراهنة، عن كونها تتجاوز إطارها الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران، لتتحول إلى نموذج مكثف لتحولات أعمق تمس طبيعة النظام الدولي ذاته، وحدود استخدام القوة، والعلاقة المركبة بين الداخل والخارج في صناعة القرار الإستراتيجي. فمن خلال تتبع مسار الأحداث، بدءًا من تعثر المسار التفاوضي في إسلام آباد، مرورًا بتصاعد التوتر في مضيق هرمز، وصولًا إلى تداعياته الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة، يتضح أن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة أو نزاعًا قابلًا للاحتواء السريع، بل حالة اختبار معقدة لفاعلية أدوات القوة التقليدية في بيئة دولية تتسم بتراجع اليقين، وتعدد مراكز الفعل، وتزايد التشابك بين المستويات المختلفة للصراع. فالدبلوماسية، رغم استمرار حضورها أداةً رسمية، لم تعد قادرة بمفردها على إنتاج تسويات مستقرة عندما يكون التباين بين الأطراف تباينًا بنيويًّا لا إجرائيًّا؛ إذ لا يتعلق الخلاف بتفاصيل تقنية يمكن تعديلها بل بتصورات متناقضة حول الأمن والسيادة والدور الإقليمي. وهذه المسائل لا تُحل عبر التفاوض التقليدي بل تتطلب إعادة تعريف أوسع لقواعد التفاعل وهو ما لم يكن متاحًا في ظل بيئة يغلب عليها انعدام الثقة وتراكم الخبرات السلبية.
في مقابل هذا العجز النسبي للأداة الدبلوماسية، برز التصعيد العسكري -لاسيما في مضيق هرمز- بديلًا يسعى إلى فرض الوقائع من خلال منطق القوة. غير أن هذا التحول لا يعكس انتقالًا نحو الحسم بقدر ما يعكس انتقالًا نحو تعقيد أكبر في إدارة الصراع. فاستخدام القوة في بيئة مشبعة بالهشاشة الإستراتيجية لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق نتائج نهائية بل قد يفتح المجال أمام تفاعلات غير متوقعة تتجاوز حسابات الأطراف الأصلية. فالقوة العسكرية، رغم قدرتها على فرض ضغوط مباشرة وسريعة، لا تضمن التحكم في مسار التصعيد، خاصة عندما يكون الطرف المقابل قد بنى عقيدته الدفاعية على امتصاص الضغوط وإعادة توزيعها عبر أدوات غير تقليدية، وهو ما يجعل أي محاولة للحسم العسكري الكامل رهينة احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع، أو إلى حالة استنزاف متبادل منخفض الحسم.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أظهرت الأزمة بوضوح أن الترابط العالمي لم يعد يسمح بفصل المجال الجيوسياسي عن المجال المعيشي. فقد تحولت صدمة الطاقة الناتجة عن التوتر في مضيق هرمز إلى ضغط مباشر داخل الاقتصاد الأميركي، ليس فقط من خلال ارتفاع الأسعار بل من خلال ما ولَّدته هذه الزيادة من إحساس عام بفقدان السيطرة على المسار الاقتصادي. فالتضخم هنا لم يكن مجرد ظاهرة دورية بل أصبح تعبيرًا عن انتقال كلفة الصراع الخارجي إلى الداخل، وهو ما يعيد طرح السؤال حول حدود القدرة على ممارسة القوة في عالم مترابط، حيث لا يمكن فرض الضغوط على الخارج دون تحمل ارتداداتها في الداخل. في هذا السياق، تتجلى إحدى أهم مفارقات القوة الحديثة، حيث تتحول أدوات النفوذ نفسها إلى مصادر ضغط داخلي، بما يفرض على صانع القرار إعادة حساب الكلفة، ليس فقط من منظور إستراتيجي بل أيضًا من منظور اجتماعي وسياسي.
يتعمق هذا التحدي عند النظر إلى المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة؛ حيث تحولت الأزمة من ملف خارجي إلى عامل مؤثر في بنية التوازنات الداخلية، مع تصاعد حساسية الرأي العام تجاه الكلفة الاقتصادية وتزايد الاستقطاب الحزبي حول تفسير الأزمة وإدارتها. ففي ظل غياب إجماع إستراتيجي واسع، تصبح كل خطوة في السياسة الخارجية موضع جدل داخلي؛ ما يحد من قدرة الدولة على تبني مسارات طويلة الأمد تتطلب قدرًا من الاستقرار في صناعة القرار. كما أن تآكل الثقة في الخطاب الرسمي، نتيجة التباين بين الأهداف المعلنة والنتائج الملموسة، يعزز من أزمة الشرعية التي تواجهها الإدارة في تبرير استمرار التصعيد، وهو ما يجعل من إدارة الصراع عملية لا تقتصر على موازنة القوى في الخارج بل تمتد لتشمل موازنة دقيقة مع متطلبات الاستقرار الداخلي.
على مستوى أوسع، تعكس هذه الأزمة تحولًا في طبيعة النظام الدولي من نموذج يسمح بإنتاج حسم واضح إلى نموذج يتسم بالتعقيد والتداخل؛ حيث تتراجع القدرة على فرض نتائج نهائية، وتزداد أهمية إدارة التوترات ضمن حدود قابلة للتحمل. فالصراعات لم تعد تدور في مساحات منفصلة يمكن احتواؤها بسهولة بل أصبحت مترابطة اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، بحيث يؤدي أي تصعيد في نقطة معينة إلى سلسلة من التفاعلات الممتدة عبر النظام الدولي. في هذا السياق، يصبح مفهوم “النصر” ذاته موضع إعادة تعريف؛ إذ لم يعد يُقاس بالقدرة على إخضاع الخصم بل بمدى القدرة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى كلفة غير محتملة، وهو تحول يعكس حدود القوة في عالم متعدد الفاعلين ومتشابك المصالح.
في المحصلة، تبرز الأزمة الأميركية-الإيرانية بوصفها حالة كاشفة لمرحلة انتقالية في النظام الدولي؛ حيث تتآكل فاعلية الأدوات التقليدية، وتتزايد أهمية العوامل المركبة التي تربط بين الأمن والاقتصاد والسياسة الداخلية. ومن ثم، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه هذه الأزمة لا يتعلق فقط بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران بل بطبيعة القدرة على إدارة الصراعات في بيئة دولية لم يعد فيها الحسم خيارًا سهلًا، ولا الانكفاء خيارًا متاحًا بالكامل. بين هذين الحدَّين، تتحرك الدول في مساحة رمادية تفرض عليها التكيف المستمر، والموازنة الدقيقة بين القوة والكلفة، وبين الطموح الإستراتيجي وحدود الواقع.
نبذة عن الكاتب
عبد الله راشد المرسل
باحث قطري متخصص في العلاقات الدولية، مهتم بدراسة التحولات الجيوسياسية والنظام الدولي المعاصر.
مراجع
(1) Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading: Addison-Wesley, 1979).
(2) Trita Parsi, Losing an Enemy: Obama, Iran, and the Triumph of Diplomacy (New Haven: Yale University Press, 2017).
(3) Ray Takeyh, Guardians of the Revolution (Oxford: Oxford University Press, 2009).
(4) Mohsen Milani, “Iran’s Regional Policy,” The Washington Quarterly, 2022.
(5) Stephen M. Walt, The Origins of Alliances (Ithaca: Cornell University Press, 1987).
(6) Daniel Yergin, The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations (New York: Penguin Press, 2020).
(7) Joseph S. Nye, Understanding International Conflicts (New York: Pearson, 2020).
(8) Alexander L. George, Forceful Persuasion: Coercive Diplomacy as an Alternative to War (Washington: United States Institute of Peace Press, 1991).
(9) Thomas C. Schelling, The Strategy of Conflict (Cambridge: Harvard University Press, 1960).
(10) Kenneth Katzman, Iran’s Foreign and Defense Policies (Congressional Research Service, 2023).
(11) Anthony H. Cordesman, Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities (CSIS, 2021).
(12) Richard Ned Lebow, Between Peace and War (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1981).
(13) Herman Kahn, On Escalation: Metaphors and Scenarios (New York: Praeger, 1965).
(14) Daniel Yergin, The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations (New York: Penguin Press, 2020).
(15) Bassam Fattouh and Andreas Economou, “Oil Supply Disruptions and the Global Economy,” Oxford Institute for Energy Studies, 2021.
(16) Meghan L. O’Sullivan, Windfall: How the New Energy Abundance Upends Global Politics and Strengthens America’s Power (New York: Simon & Schuster, 2017).
(17) Jeff D. Colgan, Petro-Aggression: When Oil Causes War (Cambridge: Cambridge University Press, 2013).
(18) Ben S. Bernanke, “Irreversibility, Uncertainty, and Cyclical Investment,” The Quarterly Journal of Economics 98, no. 1 (1983).
(19) Jason Bordoff and Meghan L. O’Sullivan, “The Age of Energy Insecurity,” Foreign Affairs 101, no. 3 (2022).
(20) Mark Blyth, Austerity: The History of a Dangerous Idea (New York: Oxford University Press, 2013).
(21) Joseph E. Stiglitz and Linda J. Bilmes, The Three Trillion Dollar War (New York: W. W. Norton, 2008).
(22) International Energy Agency, World Energy Outlook 2024 (Paris: IEA, 2024).
(23) Andrew J. Bacevich, The New American Militarism (Oxford: Oxford University Press, 2013).
(24) Melvyn P. Leffler, For the Soul of Mankind (New York: Hill and Wang, 2007).
(25) David A. Lake, “Legitimacy in International Relations,” International Organization, 2010.
مركز الجزيرة للدراسات
———————-
لبنان بين 1983 و2026… هل تلعب “إيران – قاليباف” دور “سوريا – الأسد”؟/ إيلي القصيفي
الطرف الأكثر حماسة للمفاوضات بين بيروت وتل أبيب هو دونالد ترمب
23 أبريل 2026
لم يكن من الممكن توقع أن يسلك لبنان مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لولا المتغيرات التي حصلت في المنطقة ولبنان منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحديدا بعد الحرب الواسعة التي شنتها إسرائيل ضد “حزب الله” ابتداء من سبتمبر/أيلول 2024 والتي انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
ذلك الاتفاق الذي لم يثن تل أبيب عن مواصلة استهداف كوادر وعناصر “الحزب” فضلا عن مواقع تقول إنها تابعة له، وهو ما وضعه في موقع ضعف ولاسيما بعد اغتيال قيادات الصف الأول والثاني فيه، وعلى رأسهم أمينه العام السابق حسن نصرالله. كما شكل انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، حليف “الحزب” الذي حارب إلى جانبه زهاء عشر سنوات، “مقتلا استراتيجيا” له، وكل ذلك قلب المعادلة السياسية والأمنية في لبنان، ولو نسبيا، إذ لم تتمكن الحكومة اللبنانية من الإيفاء بالتزاماتها بموجب هذا الاتفاق ولاسيما لجهة حصر السلاح في يدها، كما تبين خلال الحرب المستأنفة بين “حزب الله” وإسرائيل ابتداء من 2 مارس/آذار الماضي، والتي انتهت هي الأخرى باتفاق لـ”وقف الأعمال العدائية لمدة عشرة أيام لتمكين مفاوضات السلام بين إسرائيل ولبنان”.
وقد جاء هذا الاتفاق إثر محادثات مباشرة بين سفيري كل من لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، عقدت في 14 أبريل/نيسان بوساطة أميركية في مقر وزارة الخارجية الأميركية، وحضرها وزير الخارجية الأميركية مارك روبيو. هذه المحادثات بين البلدين والتي تعقد للمرة الأولى بصورة مباشرة منذ عام 1993 (في إطار مؤتمر مدريد للسلام)، يبدو حتى الآن أنها مستمرة، إذ من المرتقب أن تعقد جلستها الثانية الخميس 23 أبريل. ولا ريب في أن هذه الاستمرارية تنطوي على إشارة إلى مقدار الدعم الذي تحظى به من قبل الإدارة الأميركية، في وقت سرب في بيروت أنّ لبنان سيطالب خلالها بتمديد الهدنة لفترة تتراوح بين العشرين والأربعين يوما، وهو ما يتوقع أن يحظى بدعم أميركي. كما أن استمرارها هو نتيجة عجز “حزب الله” الرافض لها عن منعها، وهو أمر ما كان يمكن توقعه قبل حرب 2024.
لكن هل فعلا “حزب الله” يريد منعها، أقله في محطاتها الأولية؟ أم أنه يناور في رفضها، ويريد منها الهدنة وما يمكن أن يستتبعها من انسحاب إسرائيلي وإطلاق للأسرى ومن ثم ينقلب عليها في حال بلغت عناوين “أكبر”؟ ولكن كيف لذلك أن يحصل إن لم يبادر “الحزب” الطرف المعني بالحرب، وليس الحكومة اللبنانية متلقية نتائجها، إلى تقديم تنازلات، وفق مبدأ الخطوة مقابل خطوة، والذي لخصه إيمانويل ماكرون خلال لقائه نواف سلام الثلاثاء بالقول: الانسحاب الإسرائيلي مقابل سلاح “حزب الله”؟ لكن السؤال أيضا هل تريد إسرائيل أن تنسحب فعلا من “الحزام الأمني” الذي تقيمه في جنوب لبنان على أنقاض زهاء 55 قرية تمنع أهلها من العودة إليها؟ لا مؤشرات على ذلك حتى الآن، لا بل على العكس تماما فإن النزعة التوسعية التي تتجذر أكثر فأكثر في عقل اليمين الإسرائيلي، إضافة إلى العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة بعد عملية “طوفان الأقصى” والتي تقتضي إقامة مناطق عازلة على “حدود الاشتباك” في سوريا ولبنان وغزة، تدفعان إلى الاعتقاد أن أي انسحاب إسرائيلي من أي من هذه المناطق الثلاث مرهون باتفاقات إقليمية ودولية شاملة لا جزئية بما يخص أيا منها لوحده.
والواقع أنه لا يمكن تحديد سقف هذه المفاوضات ولا توقع الحدود السياسية والأمنية التي يمكن أن تبلغها، إذ إن مآلاتها وإمكان تنفيذ أي اتفاق قد يصدر عنها رهن بمستقبل موازين القوى في المنطقة. وقبل الوصول إلى نتائج هذه المفاوضات، فإنّ قدرة لبنان على خوضها في ظل الظرف الراهن، هي محط تساؤلات عديدة، وتحديدا لجهة السقف الذي يمكن أن تصله هذه المفاوضات، هل هدنة معدلة على غرار عام 1949، كما يطرح وليد جنبلاط بدعم من نبيه بري، أم ترتيبات أمنية محدودة، أم مسار يفضي إلى تثبيت الخروج من حال الحرب كما تشير “مذكرة التفاهم”- 2026، بين لبنان وإسرائيل، تمهيداً لتسوية أوسع قد تصل إلى إبرام اتفاق سلام بين البلدين؟
بالتالي، فإذا كانت هذه المفاوضات غير ممكنة لولا المتغيرات الحاصلة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن مآلاتها وإمكان تنفيذ نتائجها في حال كتب لها الاستمرار، ستكون خاضعة لحجم المتغيرات التي ستنتجها الحرب الإقليمية الراهنة، وتحديدا في ما يخص مستقبل النظام الإيراني وحدود التغيير داخله، بما ينعكس على قرارات “حزب الله”، تشددا أم مرونة، إذ لا يمكن توقع أن يقبل “الحزب”، الذي يرفض أصلا مبدأ التفاوض المباشر، بأي نتائج لهذه المفاوضات تتجاوز نقطتي وقف الحرب وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وهما نقطتان حددهما الرئيس جوزيف عون كهدف للمفاوضات. لكن هل يقبل الوسيط الأميركي بهذا السقف المنخفض، نسبيا، للمفاوضات، بينما كان انعقاد الجلسة الأولى لها بمثابة إنجاز شخصي لدونالد ترمب، الذي كان يخطط لاتصال بين بنيامين نتنياهو وجوزيف عون، والأكيد أنه يطمح لاستضافتهما في مكتبه للتوقيع على اتفاق سلام بين البلدين.
وبالنظر إلى الديناميكيات الداخلية لهذه المفاوضات، يتضح أن الطرف الأكثر حماسة لها بين أطرافها الثلاثة، هو الرئيس ترمب؛ فبالإضافة إلى محاولته احتواء “الجبهة اللبنانية” بحيث لا يؤثر انفلاتها على سعيه للتوصل إلى اتفاق “دائم وشامل” مع إيران، فهو يطمح إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي جديد في المنطقة يتمثل في التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، في إطار توسيع “الاتفاقات الإبراهيمية” إنجازه الرئيس خلال ولايته الأولى.
في المقابل لا تبدو الحكومة اليمينية الإسرائيلية متحمسة لها، إذ يواجه نتنياهو معضلة صعبة جداً بشأنها، بحسب الصحافة الإسرائيلية، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية كبيرة في إسرائيل، من مختلف التيارات، تريد العودة إلى القتال وحسم المعركة ضد “حزب الله”، وذلك في وقت دخلت إسرائيل في توقيت انتخابي. كما يشار في إسرائيل إلى أن الأميركيين لم يعجبهم “الاندفاع” الإسرائيلي في لبنان، وقاموا بكبحه مرتين: في المرة الأولى، توقفت إسرائيل عن قصف بيروت، بناءً على طلب ترمب، أمّا المرة الثانية، فكانت بفرض وقف إطلاق النار عليها”. ولذلك فإن تقدم المفاوضات مرتبط بشق منه في إمكان ترمب فرض وتيرتها وسقفها على الحكومة الإسرائيلية.
أما لبنان فهو الطرف الأضعف في هذه المفاوضات، وذلك غير عائد وحسب إلى أنه يواجه التباس الخصم والوسيط، بالنظر إلى انحياز واشنطن الذي لا جدال فيه لتل أبيب، لكن أيضا بالنظر إلى الانقسام الداخلي الحاد بشأن الحرب والمفاوضات في آن معا، فلا الحرب التي اندفع إليها “حزب الله”، لأجل إيران كما قال رئيس البرلمان الإيراني، حظيت وتحظى بإجماع داخلي، ولا المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تحظى به، كما اشترط الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم لحصولها. وفي تلخيص أولي للمعادلة الداخلية الراهنة يمكن القول إنه في مقابل أقصى الارتباط من قبل “حزب الله” بإيران، على ما صرح قاليباف، فإن سلوك مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل من قبل رئاستي الجمهورية والحكومة هو أقصى الانفكاك عن “محور المقاومة” الذي أحكم نفوذه في لبنان بعد “اتفاق الدوحة” في ربيع عام 2008، في أعقاب هجوم “الحزب” على بيروت والجبل.
غير أن هذا العامل الداخلي غير حاسم في مآلات الوضع التفاوضي إلا بمقدار كونه ارتدادا للعامل الخارجي؛ وهنا يمكن الاستدلال بتجربة “اتفاق 17 أيار” 1983 بين لبنان وإسرائيل، والذي لم يحُل التوصل إليه بوساطة أميركية، دون الانقلاب عليه في الداخل، من قبل القوى المعارضة لحكم أمين الجميل وعلى رأسها “حركة أمل” برئاسة نبيه بري. لكن هذا الانقلاب ما كان ليحصل لولا الدعم الإقليمي وتحديدا من قبل حافظ الأسد الذي أراد أن يحكم سيطرته على أي مفاوضات لبنانية-إسرائيلية. ويمكن هنا استحضار حادثة حصلت في مطلع التسعينات للدلالة على إرادة الأسد تلك، إذ صدر قرار بإقفال جريدة “السفير” الموالية لدمشق، لمدة شهر لمجرد نشرها وثيقة من مراسلتها في واشنطن ذات صلة بمضمون المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في إطار مؤتمر مدريد، وذلك لعدم إظهار كما لو أن لبنان يفاوض إسرائيل بمعزل عن سوريا.
حتى إن أوساطا واكبت عن قرب أحداث الثمانينات في بيروت، في العقد الأخير من الحرب الباردة، تشير إلى أن ما حصل في بيروت خلال تلك الفترة تحديدا الهجمات ضد السفارة الأميركية وقوات البحرية الأميركية، كانت بقرار روسي وتنفيذ سوري و”إخراج” إيراني، وذلك في إطار السياسة الهجومية التي اعتمدها الأمين العام لـ”الحزب الشيوعي السوفياتي” يوري أندروبوف، خلال رئاسته للحزب بين 1982 و1984 تاريخ وفاته. وإذا أردنا إسقاط تلك المرحلة على المرحلة الراهنة مع استبدال سوريا-الأسد، بإيران-“الحرس الثوري” أو بإيران-قاليباف، حسب التوزّع الجديد لمراكز النفوذ في “النظام الإيراني الجديد”، فهل يمكن توقع تكرار التجربة من حيث إسقاط إيران، عبر “حزب الله”، لأي اتفاق يتم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل؟
لا ريب في أنّ هذا السيناريو غير محسوم بتاتا، إذ إن النظام الإيراني الذي أنهكته الحرب بشدة، بحيث أصبح بقاؤه هدفا أسمى له مع توقعات صفرية للمستقبل في ظل الضغوط الداخلية والخارجية، قد يدفع ببرغماتيته إلى حدودها القصوى بمجرد تقديم ترمب عرضا له يمكنه قبوله من دون أن يظهر كأنه انكسر واستسلم. وهذا ينسحب على ملف “حزب الله” بالنسبة لطهران، فإذا وجد “النظام الجديد” أن مكاسب النفوذ الإقليمي، عبر “الحزب”، أدنى من كلفته عليه، فهو قد ينفض عن وكلائه، نسبيا، أو يدفعهم إلى تغيير أنفسهم كما تغير هو، بحيث ينخرطون في التسويات الداخلية والإقليمية بأعلى درجات البرغماتية.
وقبل لبنان و”حزب الله”، فإن إيران نفسها التي كانت خارج محادثات مدريد مطلع التسعينات، وهو ما دفعها إلى الانقلاب على نتائجها وتحديدا “أوسلو” وبدرجة أقل “وادي عربة”، فدعمت “حماس” و”الجهاد” في فلسطين وكثفت دعمها لـ”حزب الله” في لبنان بالتنسيق مع سوريا، إيران هذه قد تنخرط هذه المرة أو تسهل أي تسوية إقليمية بما يخص الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وبما يخص أي مسار إقليمي للتطبيع مع إسرائيل استكمالا لـ”الاتفاقات الإبراهيمية”. وليس قليل الدلالة في هذا السياق أن يكون الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل قد تم بالتزامن مع الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بما يعد كسرا لخط أحمر إيراني تاريخي. وليس قليل الدلالة أيضا أن لا نشهد على انتقاد إيراني “ممنهج” لسلوك لبنان هذا المسار، إلا موقف علي أكبر ولايتي الذي حذر الحكومة اللبنانية من اعتماد “نهج رفيق الحريري”، في إشارة إلى أنه كان حليفا للولايات المتحدة وفرنسا فضلا عن علاقته المتينة بالمملكة العربية السعودية. وللمفارقة فإن “إساءة” ولايتي للحريري والتي ضمرت تهديدا لسلام بأن يلقى مصيره، تزامن مع رفع “جمهور المقاومة” صور رفيق الحريري في بيروت واسترجاع مواقف له يتحدث فيها عن “المقاومة”، وذلك في خطة “صبيانية” لتدعيم خطاب التخوين ضد سلام، فإذا بافتضاحهم يأتي من حيث لم يتوقعوا، أي من قلب طهران ظهيرهم الإقليمي!
لكن هذه البرغماتية الإيرانية تبقى مجرد سيناريو محتمل، إذ لا يزال من المبكر توقع التوازنات والتسويات الجديدة في المنطقة، في ظل تداخل الحسابات والهواجس إزاء الوضع الإقليمي الجديد على إثر الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، والتي أكدت نتائجها حتى الآن صعوبة بزوع فجر “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشر به نتنياهو، فإذا بنا أمام “شرق أوسط جديد-قديم”، بحسب تعبير الصحافة الإسرائيلية. وهذا كله ينسحب على لبنان الذي يخوض المفاوضات مع إسرائيل في توقيت حساس، إذ لم تكتمل بعد الاستراتيجيات العربية والإقليمية للتعامل مع المرحلة المقبلة، التي لا يمكن للبنان وحده أن يحدد ملامحها، من خلال اتفاق “فوق العادة” مع تل أبيب، في حال كانت الدول العربية حذرة حيال اتفاقات مماثلة، وفي حال كانت تركيا، التي ترى لبنان حاليا امتدادا لسوريا، حذرة أيضا ومتوجسة من حكومة نتنياهو، وهو ما عبّر عنه مؤخرا وزير خارجيتها بحديثه عن أن إسرائيل تحاول فرض “واقع جديد” في لبنان. ولذلك فإن سقف المفاوضات الحالية بين لبنان وإسرائيل قد يكون “اتفاقا أمنيا” لا أكثر، في صدى للسقف الذي يضعه أحمد الشرع للمفاوضات السورية-الإسرائيلية، وفي استعادة مفارقة لشعار “وحدة المسار والمصير”!
المجلة
—————————–
الحرب وأهدافها العكسية/ حسام كنفاني
24 ابريل 2026
هل ستعود الحرب الأميركية على إيران، بعد تمديد وقف إطلاق النار من دون جدول زمني واضح؟ هذا السؤال الأساس الذي يدور في خلد الجميع، من سياسيين وإعلاميين ومواطنين عاديين في العالم، خصوصاً أن لا أحد قادراً على توقع ما يمكن أن يقوم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي باستطاعته التصريح بالشيء ونقيضه خلال فارق ساعات قليلة.
رغم ذلك، توحي مؤشّراتٌ كثيرة بأن الرئيس الأميركي غير راغب في استئناف الحرب، لكنه، في الوقت نفسه، غير قادر على إنهائها من دون تحقيق أي من الشروط التي رفعها منذ بداية الحرب، والتي تبدلت في أكثر من مناسبة، وانخفض سقفها إلى حد قبول إيران الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو ما لم يحصل عليه ترامب بعد.
يمكن تذكّر الأيام الأولى للعدوان، حين تشارك الرئيس الأميركي، وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وضع أهداف الحرب، والتي تصدّرها إسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية، خصوصاً بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من العدوان. ومع مضي أيام قليلة على العدوان، وردّة الفعل التي أبدتها طهران، توضّح أن هذا الهدف غير قابل للتحقق، ليبدأ البحث عن أهداف أخرى، تراوحت بين إضعاف النظام وتفكيك مشروعه النووي وتدمير قدراته العسكرية. لكن حتى هذه الأهداف أثبتت الوقائع العسكرية والسياسية أنها غير قابلة للتحقق.
ومع طول أمد الحرب، ودخول مضيق هرمز على خطها مع ما رافق ذلك من تداعيات على الأسواق العالمية، بدا واضحاً السعي الدؤوب للرئيس الأميركي لإيقاف الحرب، آملاً في الحصول عبر الديبلوماسية على ما لم يتمكن من الحصول عليه عبر الضغط العسكري. فالرجل لا يزال في حالة إنكار لتبدل المعطيات على الأرض، وما كان من الممكن أن تقبل به إيران قبل العدوان، لم يعد من الممكن طرحه على الطاولة اليوم.
مع ذلك، لا يزال ترامب، وسط النشوة المصطنعة بـ”الانتصار” الذي يحاول هو والمحيطون به ادعاءه، متمسكاً بكل الشروط التي وضعها خلال المفاوضات التي سبقت العدوان، وكان المسؤولون الإيرانيون أبدوا انفتاحاً على إمكان القبول بها في ذلك الوقت. هذا التعنت الأميركي، والذي ترافق مع الاتصالات التي سبقت وقف إطلاق النار واستمرّت خلاله، أدّى إلى رفض طهران إرسال وفدها إلى إسلام أباد، في تحد واضح لترامب، والذي كان قد رفع سقف تهديداته إلى حدّها الأقصى و”تدمير الحضارة” الإيرانية في حال عدم الموافقة على عرض الاتفاق المقدّم من الولايات المتحدة.
بدا واضحاً أن إيران لم تعد تأخذ تهديدات ترامب على محمل الجد، وتدرك أنه يعيش مأزقاً داخلياً وخارجياً، وهي لن تكون مستعدّة لتقديم طوق النجاة له. مثل هذا الواقع أثبته إعلان ترامب تمديد وقف إطلاق النار من دون تحديد مهلة لانتهائه، رغم أنه سبق أن أعلن في يوم انتهاء أسبوعي الهدنة أنه “لا يرغب في تمديده”، على أمل أن يصل الوفد الإيراني إلى العاصمة الباكستانية والوصول إلى تسوية ما معه.
ترى إيران نفسها في موقع المنتصر، والقادر على فرض شروطه على الطاولة، وهي إلى حد بعيد محقة في هذه الحسابات. فالأهداف التي وضعت قبل العدوان على إيران أتت بنتائج عكسية؛ فبدل إضعاف الجمهورية الإسلامية أدّى إلى تقويتها، وسمح لها باستخدام أوراق استراتيجية لم تكن في وارد اللجوء إليها لو لم يشن العدوان، والحديث هنا عن مضيق هرمز الذي لا يبدو أنه سيعود إلى سابق عهده مفتوحاً بشكل مجاني أمام الملاحة العالمية، مع ما يعنيه هذا من إقرار عالمي بصعود إيران بصفة قوة إقليمية في المنطقة.
هذا هو الواقع القائم، بانتظار المسار الذي ستسلكه الأوضاع في الأيام القليلة المقبلة، والتي تبدو أمام واحد من ثلاثة خيارات: الوصول إلى اتفاق لن يكون واضحاً من المنتصر فيه، أو العودة إلى الحرب، أو بقاء الأمور على ما هي عليه وفرض أمر واقع عالمي جديد.
العربي الجديد
——————————————
الهجمات العراقية على دول الخليج/ عبد الرحمن الراشد
نشر في: 24 أبريل ,2026
العراق مثل لبنان دخل في حرب إيران من دون إرادته، باستثناء أن حكومة لبنان استنكرت وشجبت ما فعله «حزب الله». أما حكومة العراق فلم تمنع أو تشجب ما فعلته فصائلها باستهدافها 3 دول خليجية على الأقل.
ندرك أن الفعل والأوامر من إيران، وليست للحكومة العراقية يد في ما حدث، إنما تبقى مسؤولية الأرض هي مسؤولية قانونية على من يحكم العراق. هذه الميليشيات هناك هي جزء من منظومة السلاح الإقليمي الإيراني. وقد جاء قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قاآني، قبل أيام لتوجيه هذه الجماعات المسلحة على التراب العراقي.
بغداد مسؤولة عن الاعتداءات المنطلقة من أراضيها على السعودية وجاراتها، هذه ميليشياتها وعلى أرضها.
وحتى تتضح الصورة الكاملة نحتاج أن نفهم العراق الحالي، الذي لا يشبه عراق صدام، ولا عراق الأميركيين، وهو أقرب ما يكون لعراق إيران. ويختلف وضعه عن لبنان واليمن من حيث إن ميليشيات العراق أكبر عدداً وأعمق ارتباطاً بطهران، نتيجة الامتداد الجغرافي. وتتولى بغداد تمويل معظم هذه الجماعات، ويقال إنها أيضاً تدعم نشاطات الظل الإيرانية في المنطقة. وميليشيات العراق جزء من هيكلها العسكري، الذي يتشكل من نحو نصف مليون فرد، نصفهم ميليشيات منضوية نظرياً تحت القيادة العسكرية العراقية. تأخذ المال من بغداد، لكنها تتلقى أيضاً أموالاً وتوجيهات من طهران.
الإيرانيون يسعون في العراق منذ سنوات للاستيلاء على كل العراق والاستفادة من مقدراته البترولية الضخمة وموقعه الإقليمي. وقد نجحوا في خلق كيان تابع لهم داخل الدولة العراقية، كما فعلوا في لبنان، وإلى حد ما في اليمن. ميليشياتهم العراقية أقوى من مؤسسة الجيش المحترفة، كما هو حال «حزب الله»، مقارنة بالجيش اللبناني، وكذلك الحوثيون في اليمن. ويستطيع الإيرانيون اليوم، لو قرروا الاستيلاء على العراق، فعل ذلك، لكنهم يكتفون بالسيطرة من بعد، من دون الاصطدام بمؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية.
وطالما أنهم نجحوا في التغلغل، لماذا لا يتخلص الإيرانيون من هياكل المؤسسات العراقية الحاكمة ويعيدون ترتيب بيت الحكم؟
في رأيي، سيفعلون ذلك لاحقاً إن نجا النظام الإيراني من محنته الحالية، والوقت لم يحن بعد. النظام العراقي القائم له شرعية دولية بواجهات ديمقراطية يتم انتخاب برلمانها، ومنه اختيار رئيس الحكومة والرئاسة. نموذج مماثل للبنان في زمن الهيمنة السورية. شرعية شكلية، إنما القرار الفعلي في طهران.
هل يمكن إنقاذ العراق والعراقيين من براثن إيران ومن توغل الميليشيات؟ هناك بصيص أمل، في حال ضعف النظام الإيراني نتيجة الحرب الحالية، وما قد يعقبها من عقوبات. والعامل الثاني للتغيير استمرار سلطة الولايات المتحدة على معظم موارد العراق النفطية الدولارية التي تذهب إلى نيويورك، وهناك تتم مراقبة المصروفات ونفقات الدولة العراقية. وقد باشرت الحكومة الأميركية هذا الأسبوع تفعيل سلاح الدولار، حيث أوقفت التحويلات المالية المخصصة للمؤسسات الأمنية العراقية إيذاناً بمرحلة جديدة من العقوبات على النظام الإيراني المتغلغل داخل المؤسسات العراقية.
عندما غادرت تقريباً كل القوات الأميركية من العراق، حافظت واشنطن على سلطتها على الموارد المالية. فالدولار الأميركي هو أداة نفوذ منذ الغزو في 2003، وحظي بموافقة مجلس الأمن منذ حينها. وبالتالي، 90 في المائة من مداخيل العراق تأتي من مبيعات النفط، وتذهب إلى نيويورك، وتودع في البنك الفيدرالي، الذي يشحن جزءاً كبيراً من مليارات الدولارات بالطائرات إلى البنك المركزي في بغداد.
الحكومة الأميركية أعلنت قبل أيام أنها أوقفت شحن 500 مليون دولار إلى العراق للضغط على حكومته. منذ فترة وهي تطالب حكومة السوداني بتفكيك الميليشيات الإيرانية التي تدفع لها بغداد مرتبات أفرادها وتسليحها، وهي تتلقى في الأخير توجيهات إيران. الحكومة العراقية ترجو رضا واشنطن، لكنها بالتأكيد تخشى من غضب طهران. في هذا الموقف الصعب تقول إنها لا تتأثر بالتهديدات الأميركية، ولديها احتياطي كافٍ من الدولارات، لكن الأرجح أننا سنشهد تدهوراً لسعر الدينار ونقصاً في السيولة. إدارة ترمب تحذر سلطات بغداد من أنها ستقوم بمحاسبتها نتيجة موقفها الخانع لإيران.
نقلاً عن الشرق الأوسط
—————————–
البيت الأبيض و«الحرب العادلة»: كم يتبقى من يسوع؟/ صبحي حديدي
تعمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يتراشق مع البابا ليو الرابع عشر على خلفية الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضدّ إيران، مبتدئاً من اتهام الحبر الأعظم بمحبة الجريمة والقنبلة النووية الإيرانية ومحاباة اليسار المتطرف، وأنه “لا يقوم بعمل جيد جداً”، ولم يُنتخب “إلا لأنه أمريكي، وظنوا أن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الرئيس دونالد ج. ترامب”؛ والخلاصة تسير هكذا: “لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان”.
وبصرف النظر عن مخاطر هذا التراشق عند قاعدة ترامب الانتخابية الكاثوليكية خصوصاً، ثمّ المسيحية البيضاء عموماً، فإنّ انسياق الرئيس الأمريكي خلف هياج لفظي مُكْلِف سياسياً وإيديولوجياً ليس جديداً، ويضرب بجذوره في التضخم النرجسي لدى ترامب، وضحالة قاموسه السجالي، وانقياده إجمالاً إلى العبارات المقذعة. يلفت الانتباه، في المقابل، أنّ نائبه ج. د. فانس تولى متابعة التراشق عن طريق الذهاب به أبعد، حين رحّل السجال إلى منطقة في الفقه المسيحي حساسة، وحمّالة تأويلات متقاطعة، هي التنظير لمفهوم “الحرب العادلة”.
“حين يقول البابا إنّ الله ليس إلى جانب أولئك الذين يشهرون السيف، فثمة تراث عمره أكثر من 1000 سنة حول نظرية الحرب العادلة”؛ قال فانس، حديث الاهتداء إلى الكاثوليكية. ولأنه كان يتحدث خلال فعالية نظمتها مجموعة يمينية محافظة في جامعة جورجيا، فقد توجّب أن يستفيض، فيقتبس نموذج القوات الأمريكية التي حررت فرنسا من النازيين، وأطلقت سراح السجناء اليهود من معسكرات الهولوكوست. كذلك توجّب أن يتأستذ على البابا هكذا: “أظن أنه هامّ وهامّ جداً للبابا أن يحاذر حين يتحدث في شؤون اللاهوت. إذا كنتَ ستبدي رأياً حول مسائل اللاهوت، فعليك أن تكون حذراً”.
ويستوي هنا أن يتطور الخلاف أو التنازع أو الشقاق إلى مستويات حادة من تبادل الاتهامات وتصارع التفسيرات، إلى درجة تجنيد يسوع المسيح من طرف ضدّ الطرف الآخر، في اقتفاء هدف مركزي هو الحفاظ على الحاضنة الشعبية المسيحية، أو استحداث طرائق أخرى في استمالتها. المثال الأبرز، لأنه أيضاً ميلودرامي الشكل والمحتوى، كان تدوينة ترامب المصوّرة على منصته الشخصية، “تروث سوشيال”، والتي أظهرته في هيئة يصعب ألا تحيل إلى يسوع، ولكن في إهاب الرئيس الأمريكي متسربلاً برداء أبيض توراتي، على كتفيه وشاح أحمر اللون، يلمس بكفّه جبين مريض مغمض العينين، والضوء يرشح من أصابعه، تحيط به ممرضة وجندي وامرأة تصلي ورجل (بقبعة بيسبول!)، وفي السماء نسور وعلم أمريكي يرفرف وقاذفات وتمثال الحرية الشهير.
المثال المضاد صدر عن هيئات دينية مسيحية، كنسية أو خاصة، بينها مجموعة “الرهبان الإيرلنديون القدماء” التي اعتبرت أن ترامب لا
يسخر من البابا “خليفة المسيح” على الأرض فحسب، بل يتستر أيضاً بصورة يسوع و”يرتكب فعل تدنيس لعقيدة مقدسة لدى أكثر من مليار شخص”. من جانبه لم يتأخر جيمس ماسا، كبير الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة، عن إصدار بيان يوضح فيه أنّ الكنيسة الكاثوليكية حصرت مفهوم “الحرب العادلة” في “الدفاع عن النفس، وحين تكون جميع جهود السلام قد أخفقت”؛ مذكّراً البيت الأبيض بأنّ البابا ليو الرابع عشر هو “كاهن المسيح”.
وليس من باب الإفراط في الاستخلاص أن يبصر المراقب في هذا التراشق طرازاً من الخلاف، ولعلّ البعض لن يتردد في اعتباره تنازعاً أو شقاقاً، بين لاهوت لا تجد الإمبريالية المعاصرة، كما تمثلها الترامبية خصوصاً، حرجاً كبيراً في الاستقرار عليه؛ وبين لاهوت كَنَسي تبدّل جوهرياً بصدد توصيف الحروب الدينية تحت مسمى “الحرب العادلة”، ورُوعيت خلال السيرورة اعتباراتٌ تخصّ انتشار المسيحية لدى شعوب مستضعَفة كانت الضحية الأولى لحروب الجبابرة، داخل الصفّ المسيحي الواحد. وليس إلا من باب القراءة الموضوعية، في حدودها الدنيا، ألا يحصر المراقبُ المنصف هذا الميل الإمبريالي في إدارة أمريكية ما، من دون إدارات أخرى عديدة سواها.
ولأنّ ترامب لا يفوّت فرصة سانحة من دون قدح سلفه الرئيس الأمريكي الـ44 باراك أوباما، والسخرية من لون بشرته واسمه الثلاثي ومحتده قبل سياساته خلال ولايتين رئاسيتين؛ فقد يكون من الخير، والإنصاف على نحو ما، أن تُستعاد مواقف أوباما نفسه من نظرية “الحرب العادلة”، وأن تُردّ إلى سياقاتها الطبيعية ضمن نهج الإدارات الأمريكية. ففي خطاب الأخير، خلال حفل تسليمه جائزة نوبل للسلام عن سنة 2009، انتهى أوباما إلى الخلاصات التالية: الحرب ضرورية من أجل السلام، وثمة حروب عادلة من الطراز الذي كانت أمريكا تخوضه في أفغانستان وفي العراق؛ وهو، وإنْ شارك أمثال نلسون مانديلا ومارتن لوثر كنغ في الفوز بالجائزة الرفيعة، سوف يجلب السلام عن طريق الحرب وحدها، حتى إشعار آخر.
وفي لاهوت البيت الأبيض حول نظرية “الحرب العادلة”، بأيّ الأفكار من القديس أوغسطين أو توما الأكويني يستأنس ترامب أو نائبه أو وزير حروبه؟ وفي التطبيق على الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة، أيّ “عدالة” تنطوي عليها أركان النظرية الثلاثة، قبل الحرب وخلالها وبعدها؟ والسؤال الأهمّ الحاسم: كم يتبقى، هنا واليوم، من يسوع المسيح؟
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
————————————-
كيف أفشل أردوغان الخطة الإسرائيلية السرية في إيران؟
الجمعة 2026/04/24
فشلت الخطة الإسرائيلية لإسقاط النظام الإيراني، التي وضعها الموساد خلال ولاية رئيسه الأسبق، مئير داغان، وولاية رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إيهود أولمرت، تحت ولاية بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد، دافيد برنياع.
واعتبر داغان وأولمرت في حينه، وكذلك برنياع ونتنياهو الآن، أن الخطة ستضع نهاية “لجميع التهديدات الإيرانية” بالنسبة لإسرائيل بما يتعلق بالبرنامج النووي ومشروع الصواريخ البالستية ودعم “وكلاء” إيران، أي حزب الله والحوثيين وميليشيات عراقية. وقد “دفع نتنياهو إلى التنفيذ، والموساد تحمس، بينما تحفظت شعبة الاستخبارات العسكرية (“أمان”) منها”، وفق تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، الجمعة.
وبدأ الاستعداد لتنفيذ الخطة الإسرائيلية السرية ضد إيران قبل أربع سنوات، وأصبحت جاهزة للتنفيذ قبل سنتين ونصف السنة. وكانت الحرب على لبنان خلال حرب الإبادة على غزة، والحرب على إيران في حزيران/يونيو الماضي، محطتان هامتان في اتخاذ القرارات لتنفيذ الخطة الإسرائيلية السرية، بتأثير من تفجير آلاف أجهزة البيجر التي حملها عناصر حزب الله في لبنان.
المرحلة الأولى في الخطة الإسرائيلية كانت تقضي باغتيال المرشد الأعلى على خامنئي. وتشمل المرحلة الثانية تنفيذ ثلاث خطوات:
الخطوة الأولى، توغل ميليشيات كردية من العراق إلى إيران وأن ينضم إليهم أكراد إيرانيون بهدف الوصول إلى طهران، بشكل مشابه لما حدث في سوريا في نهاية العام 2024، عندما وصلت ميليشيات إلى دمشق، بقيادة أحمد الشرع، وسقوط نظام بشار الأسد.
فشل الخطة السرية الإسرائيلية
ولفت التقرير إلى أن الخطة الإسرائيلية لم تعد سرية بعد تحرك الميليشيات الكردية. وقد علمت الاستخبارات الإيرانية بخطة الميليشيات الكردية وأطلعت الاستخبارات التركية عليها، التي بدورها أبلغت الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي هاتف ترامب وسعى إلى إحباط الخطة الكردية.
وكانت الخطوة الثانية تقضي باستخدام إسرائيل حملة تأثير قامت ببنائها مسبقاً بهدف تشجيع المواطنين الإيرانيين على الخروج إلى الشوارع، وفي موازاة ذلك قصف قوات الباسيج من الجو. والخطوة الثالثة تمثلت بتنصيب قيادة إيرانية بديلة للنظام.
وفيما نجحت الخطة الإسرائيلية باغتيال خامنئي وقياديين في النظام، إلا أن زحف الميليشيات الكردية إلى طهران وخروج الإيرانيين إلى الشوارع فشل. وقبل ذلك، في 12 شباط/فبراير، عبّر نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس “سي آي إي” عن معارضتهم لخطة إسقاط النظام.
بعد إحباط زحف الميليشيات الكردية وامتناع الإيرانيين عن الخروج إلى الشوارع، جاء اتصال أردوغان بترامب، طالباً وقف الحرب على إيران، وانضم إلى أردوغان قائد الجيش الباكستاني عاصم منير. وحسب التقرير، فإن أردوغان أقنع ترامب، الذي أمر بوقف زحف الميليشيات الكردية، وانصاعت إسرائيل بوقف قصف طيرانها بهدف فتح ممرات لعبور الميليشيات الكردية.
ووفقاً للتقرير، فإن “الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا إلى الحرب من دون أن تقدران بشكل صحيح قدرة النظام على الصمود. واغتيال الزعيم (الإيراني) هزّ أركان البيت لكنه لم ينجح في منع تغيرات منظمة في الحكم، بموجب وصية خامنئي. والقصف لم يمنع ترميم منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية. والأخطر من ذلك أن النظام اكتشف قوة مضيق هرمز في تغيير وجه الحرب. والأميركيون لم يكونوا مستعدين للنتائج الاقتصادية الهائلة لإغلاقه”.
المدن
—————————–
ذي نيويوركر: من الصعب تحقيق صفقة مع إيران في ظل رئيس لا أحد يثق بما يقوله
نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تقريرا أعدته سوزان غليسر قالت فيه إن من الصعب تحقيق صفقة إيرانية في ظل رئيس أمريكي لا يمكن الوثوق بكلامه.
وتساءلت المجلة بداية: “كيف ستنتهي الحرب الأمريكية مع إيران؟ تلك التي ظل دونالد ترامب يقول منذ ثمانية أسابيع تقريبا إنها ستنتهي على الأرجح في غضون أيام، أو من أربعة إلى ستة أسابيع”.
وتجيب أن ترامب فشل حتى الآن في التوصل إلى اتفاق سلام كان يتوقعه في نهاية فترة وقف إطلاق النار التي استمرت أسبوعين مع النظام الإيراني المتشدد، مما أدخل الصراع في حالة غامضة، وصفها جدعون راشمان، من صحيفة “فايننشال تايمز”، بأنها “ضباب السلام”.
وهي حالة من الغموض تليق برئيس أدار هذا الصراع في الشرق الأوسط كآلة دخان تخفي الحقيقة وراء سحابة من الأكاذيب والتضليل، لدرجة يصعب معها تخيل أن ترامب نفسه قادر على التمييز بين الواقع والخيال.
ففي يوم الاثنين، قال لصحيفة “نيويورك بوست” إن نائبه جيه. دي. فانس كان في الجو، متوجها إلى باكستان لإبرام اتفاق مع إيران، مع أن فانس لم يغادر قط، ولا يزال في واشنطن.
وبحلول يوم الثلاثاء، وبعد أن هدد ترامب أكثر من مرة بقصف إيران بأكملها حتى سحقها، وادعى أنه على وشك التوصل إلى اتفاق “أفضل بكثير” لوقف البرنامج النووي الإيراني مقارنة بما وقعه أي من أسلافه، أعلن من جانب واحد وقف إطلاق نار إلى أجل غير مسمى.
وحتى صباح الخميس، كان ترامب يطالب علنا البحرية الأمريكية بـ”إطلاق النار على أي زورق إيراني يلقي ألغاما في مضيق هرمز وتدميره”، ثم بعد نصف ساعة، أصر قائلا: “لدينا سيطرة كاملة” على المضيق “المغلق بإحكام”.
وأراد ترامب، من جانب آخر، إعلام القيادة الإيرانية أنه ليس بحاجة إلى اتفاق، لكنه قد يقتل أي مفاوض إيراني لا يلبي مطالبه.
والخلاصة، كما تقول غليسر، هي أن جولات أخرى من المفاوضات قد تعقد أو لا تعقد في باكستان قريبا، وأن هناك مهلة غير رسمية جديدة حددها ترامب لإيران للعودة إلى طاولة المفاوضات في نهاية هذا الأسبوع، وقد لا تكون كذلك، هل هذا واضح؟
وتعلق الكاتبة أن من بين الاستنتاجات التي يمكن التوصل إليها وسط هذا الارتباك، أنه لا يزال من الصعب للغاية، بعد عقد من حكم ترامب، التمييز بين ترامب في وضعية إبرام الصفقات وترامب في وضعية الانهيار.
فهل كان الرئيس يكذب عندما قال إن فانس كان على متن طائرة متجهة إلى إسلام آباد؟ وهل كان خارج دائرة المعلومات؟ أم أنه كان يمارس لعبة تضليل ذكية مع خصومه؟
ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، أدلى ترامب بتصريحات لأربع صحف مختلفة، أشار فيها إلى وجود اتفاق مع إيران، وذكر تفاصيل محددة، منها موافقة النظام على تعليق “غير محدود” لبرنامجه النووي، وتسليم جميع اليورانيوم المخصب.
ولم يكن هذا صحيحا فحسب، بل كان من شبه المستحيل تصديقه مع هذه الحكومة الإيرانية، كما أوضح الخبراء سريعا.
وقالت سوزان مالوني، من معهد بروكينغز، لصحيفة “واشنطن بوست”: “إنهم يواجهون نفس العقبة الأساسية التي شكلت المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد”، والتي أفضت إلى الاتفاق النووي بين باراك أوباما وإيران، “وهي أن الإيرانيين متشبثون تماما بموقفهم من مسألة التخصيب”.
وقالت إن نقاشا معمقا يدور في أوساط السياسة الخارجية حول كيفية التمييز بين الحقيقة والزيف في مثل هذه اللحظات الجيوسياسية الحساسة.
لكن الحكماء، على حد علم الكاتبة، التزموا الصمت تاريخيا حيال وضع يكون فيه الرئيس نفسه مسؤولا عن معظم الضجيج، بينما يبدو في الوقت نفسه غافلا عن أي من الإشارات.
فعدم استقرار ترامب وعجزه عن قراءة خصومه بشكل صحيح ليسا السببين الوحيدين للسؤال التالي: لماذا يريد أي شخص عقد صفقة مع هذا الرجل؟
وتضيف أن الشغل الشاغل للمفاوضين الإيرانيين، لا شك، هو صعوبة الاعتماد على ترامب في الوفاء بوعوده حتى في حال التوصل إلى اتفاق.
كما أن هناك احتمالا واردا جدا بأن يرفض رئيس أمريكي مستقبلي اتفاق ترامب، تماما كما رفض ترامب، خلال ولايتيه الرئاسيتين، العديد من الاتفاقات التي أبرمها أسلافه.
وتشمل هذه القائمة الطويلة أوامر ترامب للولايات المتحدة بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ (مرتين)، والشراكة عبر المحيط الهادئ، ومنظمة الصحة العالمية، ومعاهدة القوات النووية متوسطة المدى، ومعاهدة السماوات المفتوحة، وبالطبع الاتفاق النووي الإيراني الأصلي الذي تم التفاوض عليه في عهد أوباما. وفي كانون الثاني/يناير، أصدر ترامب أمرا تنفيذيا بالانسحاب من 66 منظمة مختلفة وافقت الولايات المتحدة على المشاركة فيها خلال إدارات سابقة، بما في ذلك منظمات تتراوح من تحالف الأمم المتحدة للحضارات إلى اتفاقية التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في آسيا.
وتعلق غليسر أن هذه القائمة تثير العديد من التساؤلات التي لم يجب عليها، ولعل أبرزها احتمال أن تكون الولايات المتحدة الآن مؤيدة للقرصنة في أعالي البحار. مع أن هذه النقطة العامة لا تقتصر أهميتها على الحكومة الإيرانية، التي تعاني بدورها من مشاكل مصداقية كبيرة بعد عقود من السعي وراء برنامج نووي مع إنكارها العلني لأي اهتمام بهذا الأمر، بل تمتد لتشمل، على نطاق أوسع، مدى صلاحية أي ضمانات أمريكية، لأي جهة كانت، بعد انتهاء فترة رئاسة ترامب المتقلبة.
ولسوء الحظ، كما تقول، أبرزت أحداث الأشهر القليلة الماضية حقيقة مرة عن شخصية ترامب: فهو يثبت دائما عدم التزامه، سواء لأصدقائه وشركائه المزعومين أو للشعب الأمريكي.
وما عليكم إلا أن تسألوا النساء اللواتي شغلن مناصب في حكومته، حيث أقيلت ثلاث منهن في الأسابيع الأخيرة، رغم احتقارهن الجماعي لأنفسهن باسم ترامب، والذي تضمن وصفه بأنه “أعظم رئيس في التاريخ الأمريكي” (بام بوندي/ المدعية العامة السابقة)، و”أعظم رئيس في حياتي” (لوري تشافيز-ديريمر، وزيرة العمل)، فضلا عن الإشادة بصلاحيات ترامب الهائلة التي شملت، على ما يبدو، القدرة على إيقاف الأعاصير شخصيا (كريستي نويم/ وزيرة الأمن الداخلي).
واسألوا الأعضاء الـ31 الآخرين في حلف الناتو، الذين لم يعودوا متأكدين من أن الضمانة الأساسية للحلف للدفاع المشترك، المنصوص عليها في المادة 5 من المعاهدة التي أبرمت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لا تزال سارية على الولايات المتحدة بقيادة ترامب.
وأشارت غليسر إلى أنباء هذا الأسبوع التي تفيد بأن ترامب، بعد أن علق برنامج إعادة توطين الأفغان الذين ساعدوا الولايات المتحدة خلال حربها التي دامت عشرين عاما في بلادهم، يسعى الآن إلى إرسال أكثر من ألف لاجئ، الذين ظل مصيرهم معلقا منذ فرارهم من كابول إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. هؤلاء هم أناس أجبروا على مغادرة وطنهم بسبب عملهم مع الولايات المتحدة، عندما عجل انسحاب القوات الأمريكية عام 2021 بعودة طالبان إلى السلطة، وقطع جو بايدن وعدا لأمريكا تجاه أولئك الذين ساعدوها.
أما ترامب فلا يتردد في نقض هذا الوعد. فهو، في نهاية المطاف، رئيس علّق بالفعل برنامج أمريكا بأكمله لاستقبال اللاجئين في الولايات المتحدة، باستثناء بضعة آلاف من الأفريقيين البيض الذين يدعي أنهم ضحايا إبادة جماعية وهمية.
وتقول غليسر إن اقتراح إرسال هؤلاء الأفغان إلى الكونغو، في وقت تعاني فيه بلادهم أفغانستان من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المستمرة في العالم، لهو دليل على القسوة المفرطة التي يبدو أن ترامب وإدارته يخصصونها لأشد الناس فقرا في العالم.
وفي النهاية، تعتمد الدول والشركات والأفراد على المصداقية لإنجاز الأمور، فيما يصر ترامب وحلفاؤه على أنه شن الحرب لأن إيران “لا يمكن الوثوق بها” لامتلاكها سلاحا نوويا. هذا صحيح. ولكن هل يمكن لأحد أن يثق به أيضا؟ فلا عجب أنه في هذا المأزق، وما عليكم إلا أن تتوقعوا ارتفاع أسعار الوقود وانخفاضا حادا في شعبية ترامب.
——————————–
===========================
تحديث 23 نيسان 2026
—————————–
الحرب تضع سورية على خريطة نفط المنطقة: منفذ للبحر المتوسط/ محمد أمين
23 ابريل 2026
تتيح أزمة الملاحة عبر مضيق هرمز آفاقاً اقتصادية وفرصاً كبيرة أمام سورية التي تُطرح اليوم ممراً بديلاً للطاقة، ولا سيما من دول الخليج العربي والعراق.
وتضرب الولايات المتحدة، منذ أيام، حصاراً على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أهم شرايين إمدادات الطاقة في العالم، ما خلق أزمة عالمية دفعت بمخططين عسكريين من 30 دولة للاجتماع في العاصمة البريطانية لندن أمس الأربعاء واليوم الخميس، للبحث في سبل تضمن حرية الملاحة عبر هذا المضيق الذي يعد الطريق البحري أمام نقل النفط والغاز من دول الخليج وإيران إلى العالم.
وخلقت الأوضاع المضطربة في الخليج العربي منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/ شباط الفائت، فرصاً واعدة أمام سورية التي تُطرح اليوم طريقاً برياً بديلاً لتصدير النفط والغاز عبر موانئها على البحر المتوسط، والتي تبدو بدائل محتملة لمضيق هرمز الذي تغلقه إيران منذ بدء الحرب عليها.
وبدأ الجانب العراقي بالفعل، مطلع الشهر الجاري، تصدير النفط الأسود (زيت الوقود) بالحوضيات (الصهاريج) عبر سورية، وذلك من أجل دعم الاقتصاد الوطني وتوفير الإيرادات المالية لخزينة الدولة، وفق وزارة النفط العراقية. إلى ذلك، قالت الشركة السورية للبترول إن تدفق الفيول العراقي سيبلغ نحو 500 ألف طن متري شهرياً، يتم تصديره عبر ميناء بانياس على السواحل الشرقية للبحر المتوسط.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر عراقية لم تسمها، أن شركة تسويق النفط العراقية الحكومية أبرمت عقوداً لتصدير نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً خلال الفترة الممتدة من إبريل/ نيسان إلى يونيو/ حزيران، على أن يتم نقل الشحنات براً عبر الأراضي السورية باستخدام الشاحنات.
وأعاد العراق أول من أمس فتح معبر “ربيعة” الحدودي مع سورية والذي ظل مغلقاً نحو 13 سنة، ما يجعل منه ممراً محتملاً للنفط إلى الموانئ السورية على المتوسط. ودفع الخلاف المحتدم حول مضيق هرمز العراق للعمل على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، والمتوقف منذ عام 2003، وذلك بالتعاون مع الجانب السوري في خطوة تحمل الكثير من الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية.
ويعاني هذا الخط، الذي يعتبر واحداً من أقدم خطوط التصدير النفطي في المنطقة، من تقادم وضرر نتيجة التخريب الذي تعرض له خلال السنوات الفائتة سواء في سورية أو العراق. وبدأ العمل بهذا الخط عام 1952، بطول يقارب 800 كيلومتر وطاقة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً من حقول النفط في منطقة كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وكان هذا الخط قد توقف عن العمل ما بين عامي 1982 و2000، قبل أن يُعاد تشغيله لمدة ثلاث سنوات ليتوقف منذ ذلك الحين عن العمل.
ويعد تأهيل هذا الخط وعودة الضخ من خلاله خياراً للجانب العراقي لتنويع نوافذه التصديرية عبر شواطئ المتوسط. ويوفر هذا الخط (في حال تشغيله) عوائد اقتصادية جَمّة لسورية ويضعها على خريطة الطاقة العالمية لكونها منفذاً للتصدير. وعودة الحديث عن هذا الخط ليست وليدة الأزمة الطارئة في خليج هرمز، فالجانبان العراقي والسوري شرعا منذ العام الفائت بخطوات إعادة تأهيله، إلا أنه من المتوقع تسريع هذه الخطوات في خضم الأزمة التي أحدثها الخلاف حول مضيق هرمز.
ويعتقد الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة “خلق فرصاً كبيرة أمام الاقتصاد السوري”، مضيفاً: الفرصة الأولى تمثلت في إمكانية تحول سورية إلى ممر عبور بديل لبعض السلع والطاقة القادمة من العراق باتجاه البحر المتوسط.
وبرأيه: “هذه الفرصة منحت الموقع السوري قيمة أكبر في تجارة الترانزيت الإقليمية، وأعادت إبراز أهمية الجغرافيا السورية في لحظة بحث الأسواق عن طرق بديلة خارج الخليج”. وتابع: الفرصة الثانية برزت في تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية داخل سورية، من الشحن البري إلى التخزين والتخليص الجمركي والخدمات المرافقة.
مذكرة التفاهم الثلاثية التركية- الأردنية- السورية، عمّان 7 أبريل 2026 (الأناضول)
وأشار المغربل إلى أن الفرصة الثالثة “ظهرت في ارتفاع أهمية المرافئ السورية على البحر الأبيض المتوسط”، مضيفاً: “تعطل المسارات الأخرى يعزز قيمة الموانئ البديلة القادرة على استقبال الشحنات أو إعادة توجيهها.
وهذا يمنح سورية هامشاً أوسع لتفعيل دورها البحري إذا استطاعت تحسين الجاهزية والاستفادة من التحولات الجارية”.
وبرأي المغربل أيضاً، فإن إغلاق مضيق هرمز خلق لسورية فرصة رابعة “تمثلت في إعادة طرح سورية ممرا محتملا في مشاريع الطاقة الإقليمية، سواء في نقل النفط أو المشتقات أو في أي ترتيبات مستقبلية تربط دول الخليج بالمتوسط”، مضيفاً: الأزمة رفعت من أهمية المسارات البرية والبدائل الاستراتيجية، ما يمنح سورية وزناً تفاوضياً أكبر في خرائط الطاقة والنقل.
وأوضح المغربل أن هناك فرصة خامسة “برزت في فتح مجال أوسع لتنشيط التجارة السورية مع دول الجوار، ليس فقط في مجال الوقود، بل أيضاً في تبادل السلع والبضائع والخدمات”، مضيفاً: هذا قد يمنح الأسواق السورية متنفساً إضافياً إذا جرى استثمار المعابر بوصفها نقاط ربط اقتصادي دائم لا مجرد حلول مؤقتة.
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي خالد تركاوي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الأزمة في منطقة الخليج التي خلقتها الحرب على إيران “دفعت العالم للبحث عن طرق بديلة لكل شيء منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية ولاحقاً الأزمة في مضيق باب المندب والآن مضيق هرمز”. وتابع: أعتقد أن سورية يمكن أن توفر طرقاً بديلة للغاز والنفط بسبب موقعها الجغرافي وقربها من العراق والخليج العربي، ما يؤهلها لتكون بديلاً جيداً في حال استمرار الأزمة في مضيق هرمز.
العربي الجديد
——————————
نيودلهي تعمل على احتمالات مسار “الممر الهندي” لتكون سوريا جزءا منه.. ما الذي تقوله المقدمات؟/ مها سلطان
أبريل 23, 2026
رغم أن الهند لا تحجز مساحة كبيرة في المشهد الإعلامي الذي يغطي التصعيد العسكري في المنطقة، خصوصا تداعيات الإغلاق المتبادل لمضيق هرمز بين إيران وأميركا، إلا أنها حاضرة كليا في المشهد الجيواقتصادي الذي ينطلق منه تفسير كل ما يخص الحرب على إيران، من دوافع وأهداف، ونتائج يجري العمل للوصول إليها ضمن لعبة مصالح كبرى لإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، بدءا من الشرق الأوسط.
بالتوازي، وعندما يجري الحديث عن الهند ومصالحها في المنطقة، فإن سوريا غالبا ما كانت تتخذ ركنا قصيا، حتى عندما تم الاتفاق على إنشاء ممر تجاري اقتصادي يربط الهند بالشرق الأوسط في أيلول 2023، برعاية أميركية كاملة، لم تكن سوريا مدرجة ضمن هذا الممر، وكانت لا تزال تحت حكم نظام الأسد الذي سقط بفارق عام واحد فقط، في 8 كانون الأول 2024.
فتح إعلان الممر الهندي الباب أمام تصعيد عسكري هائل في المنطقة لم ينته حتى اليوم. وبعد الإعلان عن هذا الممر، بأقل من شهر، بدأت حرب تشرين الأول “طوفان الأقصى”، التي كان من بين أهدافها عرقلة تنفيذه، وهو هدف اشتركت فيه قوى إقليمية ودولية اعتبرته موجها ضدها، وبشكل سيخرجها كليا من خريطة القوة والنفوذ. فهو يخرج الصين بالدرجة الأولى، ممثلة في مبادرة الحزام والطريق (طريق الحرير الجديد)، من معادلات التجارة العالمية في الشرق الأوسط، فتخرج معه جميع الدول المرتبطة معها اقتصاديا بعقود واتفاقيات كبرى، ومن هذه الدول إيران وسوريا على سبيل المثال.
يمتد الممر الهندي عبر طرق بحرية وبرية، وينطلق من ميناء مدينة مومباي الهندية، مرورا بالمحيط الهندي وبحر العرب، إلى موانئ الإمارات، ومنها عبر خط بري إلى أراضي السعودية والأردن، ليصل إلى ميناء حيفا، ثم ينطلق منها بحرا إلى موانئ اليونان، ليصل إلى إيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية عبر خطوط السكك الحديدية. ومن الدول التي وقعت على اتفاق الممر الهندي: الولايات المتحدة الأميركية، والهند، والإمارات، والسعودية، و”إسرائيل”، واليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا. وحينها تم رصد مبلغ 600 مليار دولار استثمارات لإنشاء الموانئ والطرق والكابلات والأنابيب ضمن هذا الممر.
عندما بدأ التصعيد في 7 تشرين الأول 2023، لم يكن لأحد أن يتوقع أن تنعكس نتائجه في تحولات كبرى على خرائط المنطقة السياسية، بدءا من سوريا ارتباطا بإيران، أي سقوط محور كامل من حسابات المنطقة، وبما وسع المخطط باتجاه هندسة كاملة لمراكز النفوذ وفق ما تفرضه عوامل القوة المرتبطة بالممرات التجارية التي تتركز بصورة أساسية في المنطقة، بالتوازي مع تركز مصادر الطاقة، إنتاجا وتصديرا.
ومع بدء الحرب على إيران في 28 شباط الماضي، وصولا إلى إغلاق مضيق هرمز، من إيران أولا، وحاليا من واشنطن، فتح فصل جديد من صراع الممرات التجارية، ولكن هذه المرة وفق خريطة مصالح جديدة ضمت دولا لم تكن مدرجة سابقا، وكلما طالت واتسعت تداعيات الحرب على إيران، تعقدت هذه الخريطة أكثر، ودخلت فيها عوامل جديدة تصعب مسار التفاوض والتسويات.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى إسلام آباد بوصفها محطة أخيرة لترجمة تهديدات ترامب إلى اتفاق إطاري، تغرق المنطقة أكثر فأكثر في صراع الممرات، إذ لم يعد الرهان على كسب الحرب، بل على تأمين الممرات من جهة، ليس فقط ما يتعلق بمضيق هرمز، بل بالممرات البديلة، البرية منها والبحرية، من جهة ثانية. وهنا تبرز سوريا وتتصدر المشهد. وكان هذا أمرا متوقعا منذ سقوط نظام الأسد، وهو ما قرأته عدة دول، من بينها الهند. لقد تغير كامل المشهد السياسي والعسكري في سوريا، وباتت فرص التعاون أكبر، على المستويين الثنائي والإقليمي.
هندسة مراكز النفوذ
يرى الباحث في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة إدنبرة، محمد سنان سيش، في مقال نشره على موقع مؤسسة أوبزرفر للأبحاث، أنه بالنسبة إلى الهند، تتموضع سوريا في موقع جيواستراتيجي متقدم، ما يجعلها مجالا حيويا لاستقرار مصالحها في المنطقة، خصوصا على مستوى الممرات التجارية، ومنها “الممر الهندي” في حال جرى التوجه نحو تفعيله.
وكانت الهند قد أرسلت وفدا دبلوماسيا إلى دمشق في أواخر تموز 2025، في مسعى منها لبناء علاقات جديدة مع سوريا، وكانت هذه الزيارة هي الأولى منذ سقوط نظام الأسد.
الوفد، الذي كان برئاسة سوريش كومار، السكرتير المشترك في وزارة الخارجية الهندية، التقى حينها عدة مسؤولين سوريين، منهم وزير الخارجية أسعد الشيباني، وتركزت المباحثات وقتها على التعاون في عدة مجالات، من بينها عملية إعادة الإعمار.
ولأن الهند لم تكن حاضرة على الساحة السورية لأكثر من عقدين، بما في ذلك أعوام الحرب الأربعة عشر، فإن زيارة الوفد الهندي إلى دمشق كانت محط اهتمام كبير، وتم تفسيرها بأبعاد إقليمية، خصوصا في ظل العلاقات الجيدة التي تجمع الهند بدول الخليج العربية، وعلى رأسها السعودية، بالتوازي مع الانفتاح العربي على سوريا والوقوف إلى جانبها منذ الأيام الأولى بعد سقوط نظام الأسد.
ولا شك أن للهند مصلحة مع سوريا في ما يتعلق بالطاقة والعوامل الاقتصادية والاستراتيجية، وهي ترى أن من المهم تطوير علاقة جيدة معها. وهذه العلاقة، إلى جانب استقرار سوريا، تضمن للهند طرقا تجارية وممرات طاقة حيوية لاقتصادها، خصوصا إذا ما أخذناها من باب التكامل مع علاقات الهند بدول الخليج العربية. كما ترى الهند أن علاقاتها الجيدة مع سوريا تسهم بلا شك في توسيع عوامل الاستقرار الإقليمي.
وزيارة الوفد الهندي إلى دمشق لاقت ترحيبا داخليا، حيث اعتبر العديد من السياسيين والدبلوماسيين الهنود حينها أنه لا بد من دعم سوريا في النهوض والاستقرار، مشيرين إلى انتهاء النفوذ الإيراني في سوريا، مقابل العلاقات الجيدة التي تجمع دمشق مع تركيا في عهد الرئيس أحمد الشرع “الذي يتصرف بذكاء خلال محاولاته الانخراط مع قوى أخرى، بما في ذلك الهند، إلى جانب الدول العربية والغربية”، وفق الدبلوماسي الهندي السابق أنيل تريغونايات، الذي شدد على ضرورة أن تحافظ الهند على تواصل دائم مع جميع الشركاء في غرب آسيا، بما في ذلك سوريا.
وفي 19 نيسان الجاري، زار مستشار الأمن القومي الهندي، أجيت دوفال، السعودية. وكان الهدف الأساسي معالجة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للهند، مع توسع تداعيات الحرب على إيران.
وعقد دوفال مجموعة من اللقاءات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين السعوديين، وكانت لقاءات “مفيدة كثيرا”، وفق المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية راندير جايسوال، الذي أكد أن الزيارة فتحت المجال لتبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية المعقدة، إلى جانب بحث تعزيز العلاقات.
ووفق التقارير الإعلامية، ركزت المباحثات على أربعة محاور اعتبرتها الهند ضرورية لمصالحها. الأول كان تأمين سلاسل الإمداد العالمية، والثاني معالجة المخاوف المتعلقة بالأمن البحري ومضيق هرمز والخليج، والثالث تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، والمحور الرابع هو تعزيز العلاقات الاقتصادية وتوسيع آفاق التعاون التجاري والاستثماري بين الهند والسعودية.
وهذه المحاور الأربعة مرتبطة كليا بضمان استقرار المنطقة، خصوصا الدول التي هي في قلب معادلة الممرات، الأصيلة والبديلة. وهنا تبرز سوريا في طرفي المعادلة، إلى جانب توقعات وازنة لناحية دور الهند على مستوى هندسة ممرات الطاقة، بالتوازي مع ما سيفرزه التصعيد العسكري في المنطقة، وأيضا لناحية موقع سوريا في هذه الهندسة، وهل هناك احتمالات أن يتم تعديل مسار “الممر الهندي” لتكون سوريا جزءا منه؟
حسابات الطاقة الإقليمية
الجواب، وفق الكاتب والباحث السياسي الدكتور رحيم هادي الشمخي، أن هذا احتمال وارد جدا، فعندما يزور وفد هندي السعودية في هذا التوقيت، فهذا يعني أن التصعيد في المنطقة هو في قلب المباحثات، ومن ضمنها هندسة ممرات بديلة للطاقة والتجارة في حال استمر التصعيد، أو في حال انتهائه عند اتفاق ما. فبكل الأحوال، لا بد أن تكون هناك ممرات بديلة، خصوصا أن التهديدات الإيرانية تجاوزت مضيق هرمز إلى مضيق ملقا، الذي يعد أحد أهم ممرات التجارة الدولية بين المحيطين الهندي والهادئ.
ويرى الشمخي، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن النقطة الأساس في كل المشهد الإقليمي منذ اندلاع التصعيد العسكري كانت سوريا، والتركيز عليها باعتبارها أحد أهم التحولات الاستراتيجية على خريطة الممرات التجارية، وبدأت الموانئ السورية، اللاذقية وطرطوس وبانياس، تتصدر خيارا حتميا في حسابات الطاقة الإقليمية. ويضاف إليها خطوط نقل الطاقة بين سوريا وجوارها، وبحث خطط إعادة إحيائها.
ووفق إعادة جدولة الخيارات والبدائل، تتقدم الهند طرفا أساسيا، ومن المتوقع أن يتعزز دورها في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى الخيارات البديلة أو على مستوى تعزيز التعاون مع سوريا، وفق الشمخي، الذي يرى أن سوريا بإمكانها أن تكون المستفيد الأكبر في المنطقة إذا واصلت بناء شراكاتها اللوجستية بعيدا عن الغرق في الصراعات الأيديولوجية.
ويشير الشمخي إلى جولة الرئيس أحمد الشرع الخليجية، التي بدأت من السعودية. وهذه الزيارة، ربطا بكل التطورات والاحتمالات، تعني أن الأيام المقبلة قد تشهد إعلانات مهمة على مستوى التعاون والتنسيق الإقليمي في ما يخص سوريا ودورها، مؤكدا أن ما يجمع الأطراف المتباعدة جغرافيا هو وحدة المصالح التي فرضها التصعيد العسكري في المنطقة. فما يجري حاليا هو إتمام عملية التحول الجيوسياسي عبر فك الارتباط بين إيران وأذرعها في المنطقة لتكون خارج مشهد القوة. وهنا تحديدا تتقدم سوريا باعتبارها حلقة وصل لوجستية تمنح أميركا والمنطقة “البديل المطلوب” لسحب ورقة مضيق هرمز من يد إيران. وهذا يعني أن استقرار سوريا سيكون مصلحة إقليمية أميركية باعتبارها صمام أمان اقتصاديا، ما يعني “امتيازات” مضاعفة لسوريا، أمنيا إلى جانب الفوائد الاقتصادية والتجارية.
وبرأي الشمخي، فإن حرب غزة التي جمدت الممر الهندي فتحت الباب أمام سوريا لتكون عقدة ربط، لكنها في الوقت نفسه وضعتها أمام حالة متداخلة من “الفرصة والمسؤولية”، حيث إنها ما تزال تحتاج إلى استكمال عملية الاستقرار والأمن، وإلى خطط واضحة لتفعيل الفرص القائمة وتحويلها إلى مكاسب.
ويضيف الشمخي أن سوريا ما تزال تستطيع الاستفادة من الوقت المتبقي بين نهاية التصعيد العسكري وبين اكتمال الخطط البديلة، وهي خطط تبدو أسرع إذا ما قارناها بعملية إنهاء التصعيد، إذ إن المنطقة لا تستطيع الانتظار، وإلا ستكون الخسائر الاقتصادية فادحة وبما لا يعوض. لذلك، ومع الوقت، تكتسب سوريا أهمية مضاعفة، وهذا ما ستظهره الأيام المقبلة.
وعليه، فإن أي تحرك لأي دولة على مستوى المنطقة يغدو محط تركيز وترقب، وإذا ما أخذنا الهند مثالا، فهي المرشحة الأبرز لوضع اللمسات الأخيرة على خريطة الممرات البديلة. ويبقى، وفق الشمخي، أنه كلما أسرعت دول المنطقة مع شركائها الدوليين في عملية تشبيك المصالح والاتجاه نحو التنفيذ، كان ذلك أجدى، حتى على مستوى العامل الإيراني، الذي سيتم عزله، أقله في ما يخص مضيق هرمز.
وبالمحصلة، يقول الشمخي: “إذا كان هناك مثل هذا التوجه، أي تفعيل الدور الهندي من جهة، وتعزيز التعاون السوري الهندي من جهة ثانية، فسيكون للأيام المقبلة حديث آخر”.
بين الأمس واليوم
عندما تم إطلاق مشروع الممر الهندي، كان الهدف الأميركي اجتذاب الهند والسعودية والإمارات بعيدا عن الصين. ورغم كل ما قيل حينها عن أنه مشروع غير قابل للحياة بفعل التكاليف الهائلة على مستوى البنى التحتية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل في عدة دول في المنطقة، وعلى مستوى التكاليف، إذ إن الشحن البحري يبقى أقل تكلفة من البري، والأهم على مستوى الأمن والاستقرار، حيث إنه يتركز في محطاته الرئيسية في مناطق تتناهبها الصراعات، وهو ما أثبتته حرب غزة بصورة عملية.
ورغم ذلك، فإن مجرد الإعلان عن هذا الممر كان كفيلا باستقطاب دول عديدة إليه، وإرباك الخصم الذي اضطر إلى إعادة حساباته بالكامل.
واليوم، وفي حال اعتبرنا أن الهند ضمن مشروع الممرات البديلة، فإن الممر الهندي سيتقدم من جديد، ولكن هذه المرة بأهداف أخرى وأعضاء جدد. وبالعموم، لا يمكن استبعاد أي سيناريو ضمن مآلات التصعيد العسكري في المنطقة، وفي أي سيناريو، كما يبدو، لا بد من سوريا.
وكثير من المراقبين يتحدثون بتفاؤل حول موقع سوريا ضمن خريطة الممرات البديلة التي ترتسم، فإذا كانت توقعات المحللين في محلها، فإن سوريا قد تتحول إلى مركز تجاري إقليمي بارز على مستوى الشرق الأوسط إذا ما تموضعت كممر تخزين أو شحن. إنها فرصة سوريا الأكبر، حيث تتحول الجغرافيا من عبء استراتيجي إلى فرصة في لعبة الممرات الاقتصادية الدولية.
الثورة السورية
—————————–
ما الذي يحدث إذا انهار وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران؟/ جون هالتوانغر
الهدنة تتأرجح على حافة الانهيار… رغم قرار ترمب تمديدها
23 أبريل 2026
في خطوة مفاجئة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد ساعات قليلة من تلويحه باستئناف قصف البلاد إذا لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق قبل انتهاء الهدنة، التي كان من المقرر أن تنقضي في اليوم التالي. وقال ترمب، مشيرا إلى أن الحكومة الإيرانية تعاني “انقساما خطيرا”، إنه سيؤجل أي هجوم على البلاد إلى حين توصل قادتها إلى “مقترح موحد” لاتفاق سلام، لكنه لم يحدد أي مهلة نهائية لذلك.
لم تكن هذه المرة الأولى خلال الحرب التي ينتقل فيها ترمب بسرعة من التلويح بالعنف والدمار وإطلاق تهديدات قاسية ضد إيران إلى ترك الباب مواربا أمام الدبلوماسية. ويعكس تراجعه المتكرر عن مثل هذه التهديدات رغبته في وضع حد لهذا الصراع، الذي يفتقر إلى الشعبية داخل الولايات المتحدة وتسبب بأزمة طاقة عالمية.
لكن وقف إطلاق النار ما يزال هشا، ولا يبدو مؤكدا أن جولة جديدة من محادثات السلام سترى النور. كما أن الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية لا يزال قائما، رغم تقارير عن عبور بعض السفن. وفي المقابل، ما تزال طهران تحكم قبضتها على مضيق هرمز. وتصاعد التوتر يوم الأربعاء، حين أطلقت إيران النار على عدد من السفن في المضيق قبل أن تستولي على اثنتين منها.
ويجعل تناقض خطاب ترمب وسلوكه طوال الحرب، إلى جانب لجوئه إلى العمل العسكري ضد إيران بالتزامن مع المفاوضات، احتمال التوصل إلى اتفاق أمرا بعيد المنال. وأوضحت طهران، التي عدت الحصار الأميركي انتهاكا لوقف إطلاق النار، أنها لا تثق بترمب. وقال مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، إن تمديد وقف إطلاق النار “لا يعني شيئا”، وإنه ليس سوى “حيلة لكسب الوقت تمهيدا لتنفيذ ضربة مباغتة”. كذلك قال قاليباف، يوم الأربعاء، إن وقف إطلاق نار كامل لا يستقيم ما لم يرفع الحصار الأميركي.
ويُعد تبرير ترمب لتمديد وقف إطلاق النار، بالقول إن الحرب عمقت انقسام القيادة الإيرانية، عقبة كبرى أمام أي تسوية دبلوماسية. فقد برزت مؤشرات كثيرة إلى أن كبار المفاوضين الإيرانيين، ومن بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، لا يتبنون الموقف نفسه الذي يتبناه المتشددون في “الحرس الثوري” الإيراني، الذين يبدو أنهم يحكمون قبضتهم على عملية صنع القرار في البلاد.
ومع استمرار هشاشة وقف إطلاق النار، تبرز خمسة أسئلة ملحة إذا ما آلت الهدنة في النهاية إلى الانهيار.
هل ستستأنف إسرائيل حربها ضد “حزب الله”؟
لا يزال وقف إطلاق النار في لبنان بين إسرائيل و”حزب الله”، الجماعة المسلحة المتحالفة مع إيران، شديد الهشاشة بدوره. وتبادل الطرفان الاتهامات بخرقه منذ دخوله حيز التنفيذ الأسبوع الماضي، رغم استمرار الجهود الدبلوماسية بين إسرائيل والحكومة اللبنانية.
وترتبط هذه الهدنة بشكل وثيق بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أن إسرائيل والولايات المتحدة رفضتا في البداية إدراج لبنان في ذلك الاتفاق، في حين أصرت طهران على أنه يشمله. وكاد هذا الخلاف أن يطيح باتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران برمته، قبل أن يعلن ترمب هدنة لمدة عشرة أيام في لبنان في 16 أبريل/نيسان.
ويسعى لبنان إلى تمديد وقف النار، ويعقد دبلوماسيون إسرائيليون ولبنانيون جولة إضافية من المحادثات في واشنطن. لكن انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يدفع إسرائيل إلى استئناف عملياتها في لبنان على نطاق كامل.
هل ستطلق الولايات المتحدة عملية برية داخل إيران؟
قبل إعلان وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، تصاعدت التكهنات بشأن احتمال أن يزج ترمب بقوات أميركية داخل إيران ضمن طيف من السيناريوهات المحتملة، من بينها السيطرة على جزيرة خرج الصغيرة ذات الأهمية الاستراتيجية، وتأمين اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.
وحذر خبراء عسكريون من أن مثل هذه العمليات تنطوي على مخاطر جسيمة ويمكنها تعريض الجنود الأميركيين لخطر بالغ. ومع ذلك، لا يبدو أن هذه الخيارات خرجت من الحسابات بعد.
وتنشر الولايات المتحدة أكثر من خمسين ألف جندي في الشرق الأوسط، بينهم آلاف من مشاة البحرية والمظليين، ومئات من عناصر قوات العمليات الخاصة. كما تدفع بتعزيزات إضافية إلى المنطقة، إلى جانب مزيد من الأصول العسكرية.
وكانت عملية إنقاذ أفراد طاقم طائرة مقاتلة أميركية سقطت في مطلع أبريل الواقعة الوحيدة التي أُقر فيها علنا بدخول قوات برية أميركية إلى إيران خلال الحرب حتى الآن. غير أنه إذا انهار وقف النار، فقد يخلص ترمب إلى أن نشر قوات على الأرض بات لازما لتصعيد الضغط على طهران وتحقيق أهداف الحرب المعلنة، رغم مزاعمه المثيرة للشكوك بأن الولايات المتحدة حققت هذه الأهداف بالفعل.
وخلال مقابلة أجراها مع قناة “نيوزماكس” يوم الأربعاء، أيد السيناتور الأميركي الجمهوري روجر مارشال الطرح القائل إن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة إلى دخول إيران من أجل “إنهاء المهمة” إذا تعذر التوصل إلى اتفاق سلام في الأسابيع المقبلة.
ما القدرات العسكرية المتبقية لدى إيران؟
دأب ترمب وكبار المسؤولين في إدارته على إطلاق تصريحات عامة وواسعة بشأن أثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على الجيش الإيراني. وقال ترمب يوم الثلاثاء: “قضينا على بحريتهم وسلاحهم الجوي، كما قضينا على قادتهم”.
ومع أنه لا خلاف على أن الحرب أسفرت عن مقتل عدد كبير من كبار القادة الإيرانيين، بمن فيهم “المرشد الأعلى” علي خامنئي، وأنها أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية إلى حد كبير، فإن مؤشرات متزايدة توحي بأن إدارة ترمب بالغت في تقدير حجم الأضرار.
ومن خلال إسقاطها أخيرا طائرات مقاتلة أميركية، ومواصلتها شن هجمات على سفن تجارية، يتضح أن إيران ما تزال تحتفظ بقدرات متعددة ستظل مصدر تهديد إذا انهار وقف إطلاق النار.
وقال الفريق جيمس آدامز، رئيس وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، الأسبوع الماضي أمام مشرعين في الكونغرس، إن إيران “لا تزال تحتفظ بآلاف الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه القادرة على تهديد القوات الأميركية وقوات الشركاء في أنحاء مختلفة من المنطقة، رغم ما أصاب قدراتها من تراجع بفعل الاستنزاف والإنفاق”.
ما الذي سيحدث لمضيق هرمز؟
مع أن وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ، ما تزال السيطرة على مضيق هرمز موضع نزاع، ويرجح أن يستمر ذلك إذا انهارت الهدنة. فقد أثبتت قبضة إيران على المضيق أنها من أهم أوراقها في هذه الحرب، فيما تبدو طهران ماضية في استخدام نفوذها على هذا الممر المائي الاستراتيجي أداة ردع حتى في مرحلة ما بعد أي اتفاق سلام محتمل. وبحسب المعطيات الراهنة، قد تكون مسألة مستقبل مضيق هرمز أبرز ملف تركه هذا الصراع بلا حسم.
هل سيغلق الحوثيون باب المندب؟
قد يسعى الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، إلى تعطيل الملاحة عبر باب المندب، وهو ممر شحن رئيس آخر يصل البحر الأحمر بخليج عدن، إذا تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران.
(رويترز) (رويترز)
مؤيدون للحوثيين يتظاهرون دعما لإيران في صنعاء على خلفية التصعيد في حرب إيران، 27 مارس 2026
وكان الحوثيون وإيران لمحا إلى إغلاق باب المندب بوصفه إجراء انتقاميا محتملا، وهو ما من شأنه أن يفاقم الضغوط الهائلة الواقعة أصلا على الاقتصاد العالمي بسبب وضع مضيق هرمز.
Foreign Policy
فورين بوليسي
ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “فورين بوليسي”
المجلة
—————————–
الحرس الثوري أم الساسة.. من يضبط قرار إيران؟
يعيد تضارب المواقف الإيرانية التي تعطل مسار إسلام آباد السياسي، طرح التساؤلات حول بناء القرار بين مراكز القوى المختلفة في طهران والمعادلات الداخلية المشكَّلة على امتداد الحرب.
وتؤكد سلام خضر في تقرير أعدته للجزيرة أن الحرب بدأت بضربة إسرائيلية استهدفت مجمعا بطهران كان يضم اجتماع كبار القيادات على رأسهم المرشد السابق علي خامنئي، وفق الرواية الإسرائيلية.
وتضيف أن تلك الضربة قتلت قرابة 40 شخصا بين قيادات سياسية وأمنية وعسكرية، بهدف تشتيت آليات اتخاذ القرار على المستويات كافة، بدءا بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
تتوالى الاغتيالات لتشمل أمين مجلس الدفاع علي شمخاني، ورئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، في محاولة لتعطيل مسارات القرار داخل إيران.
وأوضحت خضر أن إيران عينت بدلاء جددا حيث تم انتخاب المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وتولي القائد السابق للحرس الثوري أحمد وحيدي قيادة الحرس بالإنابة، وانتداب محمد باقر ذو القدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي.
تركيبة وفد المفاوضات
ويشير التقرير إلى أن بعض المناصب لا تزال شاغرة، أبرزها منصب رئاسة الأركان في الجيش، بينما يتولى علي أكبر أحمديان رئاسة مجلس الدفاع الإيراني، ويشغل مجيد ابن الرضا وزارة الدفاع بالإنابة.
ومن جهة أخرى، يترأس الوفد المفاوض إلى إسلام آباد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي والقائد بالإنابة للحرس الثوري علي أكبر أحمديان، وفقا للتقرير.
وتلفت خضر إلى أن حضور أحمديان في الجولة الأولى من المفاوضات الباكستانية يجعل الدقة في قراءة ما تنشره الصحف الأمريكية عن انقسام القيادة الإيرانية أمرا مطلوبا.
وفي هذا السياق، يبرز دور الحرس الثوري الإيراني كأحد الفاعلين الرئيسيين في صناعة القرار منذ تأسيسه في 22 أبريل/نيسان 1979 بمرسوم من المرشد الأعلى الأسبق آية الله الخميني، لتبدأ رحلة قاربت نصف قرن من تجذر النفوذ في مفاصل الدولة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
وتنص المادة الـ150 من الدستور الإيراني على أن الحرس الثوري هو الوصي على الثورة وإنجازاتها، فيما يتحكم الحرس نفسه بكيانين: قوة “البسيج” شبه العسكرية لحماية النظام داخليا، وفيلق القدس المسؤول عن العمليات خارج الحدود.
ومن جهة أخرى، تقدر صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأذرع الاقتصادية للحرس الثوري بعوائد سنوية تتجاوز 12 مليار دولار، وهو ما يفسر الاستهداف الغربي المتكرر لقياداته ومؤسساته بعقوبات اقتصادية.
ومن الناحية الإدارية، تضبط هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة العمل التنسيقي بين الحرس الثوري والجيش التقليدي، فيما تتولى هيئة مقر خاتم الأنبياء المركزي التنسيق العملياتي بين الطرفين.
ظروف اتخاذ القرار
ويرى الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري أن عملية اتخاذ القرار داخل إيران تتأثر بثلاثة ظروف إستراتيجية: طبيعة الأشخاص، السياق السياسي، والسياق الدولي والجيوسياسي، وكلها مختلة في إيران اليوم.
ويشير إلى أن التفكير الاستراتيجي لعقل الدولة في إيران يركز على هدف واحد هو النجاة والبقاء، وهو ما يفسر حضور المؤسسة العسكرية في المشهد، كون الحرس الثوري بُني للدفاع عن النظام.
ويلفت الأكاديمي إلى أن المرشد الحالي ذا الخلفية العسكرية الأمنية المنخرط في استخبارات الحرس الثوري، يفتقد القدرة على “ضبط الإيقاع” بين الأطراف المتنازعة داخل النظام.
ورغم تحفظه على بعض الجوانب، يشير الزويري إلى أن محمد باقر ذو القدر أقل قدرة من سلفه لاريجاني على التوسط بين الحرس الثوري والقيادة السياسية، بعد أن كان وجوده في الصفوف الخلفية مبنيا على وجود شخصيات كاريزمية أكثر تأثيرا.
بيد أنه يستدرك أن القرارات المصيرية ترهب القيادات الجديدة وتجعلها مترددة، خاصة مع قيام ترمب بتضخيم رواية الانقسام الإيراني عبر تصريحات متضاربة، في إرباك متعمد لآلية الحوار الداخلي بين المفاوضين والعسكر.
ويؤكد الزويري أن إيران تفتقد اليوم شخصية قادرة على إنهاء الخلافات الداخلية وحسم النقاشات، وهذا الغياب هو السبب الحقيقي للأزمة، لأنه يجعل القادة يترددون في اتخاذ قرارات مصيرية ستؤثر على مستقبل إيران لعشرين أو ثلاثين سنة قادمة.
المصدر: الجزيرة
————————-
“جزّ العشب” مع إيران… نحو طريق مسدود؟/ جورج عيسى
أبريل 23, 2026
انطلاقاً من حاجة المرء المستمرة إلى “جزّ العشب” دوريّاً في حديقة منزله، لأنه عاجز عن التخلّص منه بشكل نهائي، وضعت إسرائيل تصوراً أمنياً مستوحى من الفكرة نفسها
(Mowing The Lawn)للتعامل مع أعدائها. بحسب هذا المفهوم، تشنّ إسرائيل ضربات دورية ومحدودة، لإبقاء المنظمات المعادية لها مقيّدة عسكرياً.
بالرغم من أن هذه السياسة خُصّصت في الأساس للتعامل مع اللاعبين من غير الدول وفي طليعتهم “حماس”، يبدو أن إسرائيل تتجه إلى اعتماد هذا النهج مع إيران. للمرة الأولى، شنّت إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة غارات عنيفة على إيران، مرتين في أقل من عام. فهل سيصبح هذا النهج القاعدة الأساسية للتعامل مع طهران في الأعوام المقبلة؟
إيران… سياسة مختلفة
تواجه سياسة “جز العشب” عدداً من الانتقادات. ترى المستشارة البارزة في “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” منى يعقوبيان أن إيران ليست مجرّد منظمة، بل ثاني أكبر دولة في الشرق الأوسط. وتذكّر يعقوبيان بأنّ الأكاديميَّين الإسرائيليَّين اللذين ابتكرا هذا النهج (إفرايم عنبر وإيتان شامير) قبل أكثر من عقد شدّدا على أن التعامل مع إيران يقتضي سياسة مختلفة.
لكن ما قد يحفّز الإسرائيليين على استخدام السياسة نفسها ضد “حماس” و”حزب الله”، كما ضد إيران، هو النقطة المشتركة بين هذه الأطراف: عدم إمكانية “القضاء” عليها. استُخدم مفهوم “جزّ العشب” بعد الاعتراف بصعوبة تحقيق انتصار كامل على المنظمات شبه العسكرية. بذلك، كان هذا الأسلوب “أفضل الممكن” لإسرائيل على مستوى تقييد القدرات العسكرية لأعدائها، مهما كانت طبيعتهم.
إسرائيل… نظرة غير متجانسة
الاعتراض على “جز العشب” يأتي أحياناً من الداخل الإسرائيلي نفسه. تحدث الخبير في شؤون الشرق الأوسط من “معهد دراسات الأمن القومي” داني سيترينوفيتش عن استحالة العودة إلى سياسة “جز العشب” كل 6 أشهر. “لا أعتقد أن الخطوات الحركية (kinetics) قادرة على إسقاط هذا النظام أو منعه من الحصول على القنبلة النووية”. فعند النظر إلى منحنى التعلّم لدى الإيرانيين، لاحظ سيترينوفيتش أنهم “يتعلّمون مع كل احتكاك”، بالتالي، “أنتَ تستثمر في المزيد، وتحقّق الأقلّ”، كما أضاف.
المشكلة في الاعتراض على سياسة “جز العشب” هي صعوبة إيجاد البديل. الحل الديبلوماسي، بحسب الحكومة الإسرائيلية الحالية على الأقل، شبه مستحيل. أوقفَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب على إيران حفاظاً على سلاسة العلاقة مع الولايات المتحدة، لا قناعة بأن وقف الحرب قادر على تحقيق خرق ديبلوماسي.
إيران و”جز العشب” والسؤال الصعب
تعتقد إسرائيل أن استخدام “جز العشب” بشكل دوريّ يوسّع الفرق العسكري مع أعدائها. بعبارة أخرى، يكفي أن يخرج هؤلاء أضعف نسبياً، بعد كل جولة قتالية، كي تحقق تل أبيب طموح الحد الأدنى لديها. لكن ثمة عائق ذكرته يعقوبيان. بعكس “حماس” و”حزب الله”، تبقى إيران قادرة على رد واسع يستهدف مضيق هرمز، لا إسرائيل وحسب، من أجل دفع العالم إلى الضغط عليها لوقف أي هجوم مستقبلي. لكن ربما يكون هجوم كهذا قصير الأجل أساساً، بحيث ينتهي حتى قبل إعلان وقف حركة المرور في المضيق.
بما أن النظرتين العالميتين بين إيران وإسرائيل متناقضتان جذرياً، من المستبعد أن يتوصل الطرفان إلى تعايش سلمي من دون أن يطرأ حدث تحويليّ كبير، وهو احتمال ضئيل. لهذا، يبقى احتمال الهجمات الدورية المستقبلية لإسرائيل على إيران أمراً محتملاً، مهما كانت تسميتها، وربما حتى فاعليتها.
النهار العربي
—————————–
===========================



