العدالة الانتقالية في سوريا تحديث 28 أيار 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
—————————-
مسار العدالة الانتقالية في سورية… الرؤية والتطبيق/ فضل عبد الغني
27 مايو 2025
تقف سورية على مفترق طرق تاريخي بعد 14عاماً من نزاع مسلح دموي خلّف جراحاً عميقة في نسيج المجتمع السوري. لم يكن انهيار نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 مجرد تحول سياسي، بل نقطة تحوّل فارقة تستدعي إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس من العدالة والمساءلة والكرامة.
تكشف إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان حجماً هائلاً من المعاناة: 231 ألف مدني قضوا خلال الصراع، غالبيتهم (202 ألف) على يد قوات النظام، إضافة إلى 157 ألف معتقل تعسفي ومختفٍ قسرياً، و15,393 شخصاً توفوا تحت التعذيب. لا تقتصر المأساة على هذه الأرقام، بل تمتد لتشمل نزوح قرابة 13.8 مليون سوري بين داخلي وخارجي، وتدميراً ممنهجاً للبنية التحتية، وتشويهاً مقصوداً للنسيج الاجتماعي.
يشكل ترسيخ العدالة الانتقالية ضمن إطار دستوري واضح خطوة أساسية لإضفاء الشرعية على الآليات المُعدة لمواجهة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سورية. وقد استجاب الإعلان الدستوري السوري لهذه الضرورة من خلال المادة 49، التي نصت على “إحداث هيئة لتحقيق العدالة الانتقالية تعتمد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحق في معرفة الحقيقة، وإنصاف للضحايا والناجين، إضافة إلى تكريم الشهداء”.
يؤدّي هذا الإطار الدستوري وظيفتين محوريتين: فهو من جهة يُمكّن من تطبيق العدالة بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة سابقاً (أكدته المادة 49 باستثناء “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين”). ومن جهة أخرى، يضع معايير قانونية تحكم السلوك المستقبلي للدولة.
غير أن مجرد النص الدستوري، رغم أهميته البالغة، لا يكفي وحده لضمان فعالية هيئة العدالة الانتقالية. فالترسيخ الدستوري يحتاج إلى آلية تنفيذية تضمن أن تكون الهيئة مستقلة وتمثيلية وفعالة. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل يتم إنشاء الهيئة بمرسوم تنفيذي، أم من خلال قانون يصدر عن المجلس التشريعي؟
يمثل سن قانون أساسي للعدالة الانتقالية عبر المجلس التشريعي، وليس بمرسوم تنفيذي، ضرورة حيوية لضمان شرعية وفعالية هيئة العدالة الانتقالية في سورية. وتستند هذه الأفضلية إلى مفهوم “كرامة التشريع”، أي أن القوانين الصادرة عن هيئة تشريعية منتخبة ومتعدّدة الأطراف تكتسب سلطة أخلاقية متميزة تتجاوز مجرّد الإلزام القانوني الرسمي.
يكتسب هذا البعد أهمية خاصة في سياق سوري يتسم بتباينات اجتماعية عميقة، إذ تساهم العمليات التشريعية في بناء إجماع مجتمعي أوسع حول مبادئ العدالة، فالمجلس التشريعي، بحكم تكوينه التمثيلي، يتيح مناقشات مفتوحة تعكس تنوع وجهات النظر داخل المجتمع، وتخضع للمساءلة العامة. كما يحقق الانخراط التشريعي “شمولية أصحاب المصلحة”، من خلال ضمان مشاركة مختلف الفئات الاجتماعية في تصميم إطار العدالة الانتقالية، فالعمليات التشريعية تتيح هذه الشمولية عبر آليات التشاور الرسمية وجلسات الاستماع العامة، فضلاً عن إجراءات التعديل التي عادةً ما تفتقدها المراسيم التنفيذية.
تؤكد التجارب الدولية المقارنة أهمية هذا المسار التشريعي. وتتطلب العدالة الانتقالية الفعالة في سورية الالتزام بثلاثة مبادئ مركزية: الاستقلالية، والشفافية، والملكية الوطنية. ويعزّز المسار التشريعي هذه المبادئ جوهرياً.
في ما يتعلق بالاستقلالية، يضمن القانون الصادر عن المجلس التشريعي استقلالاً مالياً وإداريّاً للهيئة بعيداً عن تدخل السلطة التنفيذية. يشمل ذلك حماية المخصصات المالية، والتحكم المستقل في الموارد التشغيلية، واستقلالية التوظيف، وحماية عملية التعيينات، وضمان حيازة أعضاء الهيئة لمناصبهم من دون تهديد بالعزل التعسفي.
في السياق السوري، تكتسب هذه الاستقلالية أهمية استثنائية، إذ ستتناول الهيئة انتهاكات ذات حساسية سياسية عالية. ويضمن الأساس التشريعي توفير حماية قانونية للهيئة تجعل التدخل في عملها أمراً يتطلب عملية تشريعية كاملة، وليس مجرد قرار تنفيذي. كما يضمن استقلال الهيئة عن وزارة العدل، وهي جزء من السلطة التنفيذية ذات إرث مؤسسي إشكالي. أما مبدأ الشفافية، فيُعزّزه المسار التشريعي من خلال المناقشات العلنية والتداولية التي تسبق إقرار القانون. وتضمن هذه العملية الشفافة أن تكون معايير عمل الهيئة واضحة وخاضعة للتدقيق العام، ما يعزّز ثقة المواطنين في نزاهتها. كما تلزم الشفافية هيئة العدالة الانتقالية باعتماد آليات واضحة في تعاملها مع الضحايا والجناة والجمهور، وإصدار تقارير دورية عن نشاطاتها وإنجازاتها. وفي ما يخص الملكية الوطنية، فإن التشريع عبر المجلس يضمن أن تكون العدالة الانتقالية مبادرة سورية خالصة، تعكس خصوصيات المجتمع السوري واحتياجاته.
هيئة العدالة الانتقالية – الهيكل والصلاحيات
تقترح رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان إطاراً تنظيمياً لهيئة العدالة الانتقالية في سورية عبر بنية مؤسّسية متعددة المستويات، مصمّمة لتحقيق التوازن بين مركزية التنسيق ومرونة التكيف مع الخصوصيات المحلية. هذه البنية الهرمية المتكاملة تعكس المرونة الهيكلية التي تمزج بين الإجراءات الموحدة والاستجابة التكيّفية للسياقات المتغيرة.
يتولى قيادة الهيئة مجلس إدارة يتكوّن من خبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا. يعكس هذا التكوين ضرورة التوفيق بين الكفاءة الفنية والشرعية التمثيلية، وهو ما يشكّل عنصراً مهمّاً في فعالية الهيئات الانتقالية. ويتمتع مجلس الإدارة بصلاحيات واسعة تشمل وضع السياسات العامة، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، والإشراف على تنفيذ برامج العدالة الانتقالية.
يُدعم المجلس بأمانة عامة تُعد الجهاز التنفيذي للهيئة، مسؤولة عن إدارة الاجتماعات وتسيير العمليات اليومية، وتضم وحدات قانونية، ومالية، وإدارية، وإعلامية، وفنية متخصصة. ويكتسب إنشاء مكاتب محلية في جميع المحافظات السورية، إلى جانب فرق ميدانية لجمع البيانات وتعزيز المشاركة المجتمعية، أهمية استراتيجية في تحقيق التوازن بين المركزية والخصوصية المحلية. يعالج هذا التوجه مشكلة الفصل بين الهياكل المركزية والمجتمعات المتأثرة، ويفتح المجال لتطبيق العدالة الانتقالية الشعبية، إذ تُصبح العدالة ممارسة مجتمعية مباشرة.
وتقوم معايير اختيار أعضاء هيئة العدالة الانتقالية على مقاربة تدمج الكفاءة، والتمثيل العادل، والاستقلال السياسي، بما يعالج تحدي الموازنة الدقيقة بين متطلبات التمثيل والحياد والفعالية.
تتبع عملية الاختيار نفسها نموذجاً تشاركيّاً من مرحلتين: تقوم لجنة توصية مستقلة، تضم قضاة وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا، بترشيح الأعضاء؛ ثم يُختار الأعضاء لتشكيل مجلس الإدارة. يُعزز هذا النهج الشفاف من تجاوز مشكلة شرعية التعيين، التي تنشأ حين تُدار التعيينات في الغرف المغلقة من دون مشاركة أصحاب المصلحة الرئيسيين.
الصلاحيات:
تشمل هذه الصلاحيات صراحةً حق استدعاء الشهود، وجمع الأدلة، والاطلاع على الوثائق الرسمية والخاصة، والتحقيق في الانتهاكات، وطلب إصدار أوامر قضائية. وتُترجم هذه الصلاحيات إلى قدرة عملية على تقصّي الحقائق، من خلال امتلاك الأدوات القانونية والإجرائية للوصول إلى الشهادات والوثائق الحاسمة. وتكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى أولوية الاطلاع على الوثائق من فروع الأمن والسجون والمستشفيات والمحاكم، ما يُعالج تحدّي الوصول إلى الأرشيف الذي يظهر عادة في السياقات التي تتعمد فيها السلطات السابقة إخفاء أو تدمير السجلات الرسمية.
تمتد صلاحيات الهيئة لتشمل العمل مع مؤسسات الدولة الأخرى، ويفرض القانون التزام كل الجهات الحكومية بالتعاون مع الهيئة، مع فرض عقوبات قانونية على حالات عرقلة العمل. يهدف هذا إلى تجاوز المقاومة البيروقراطية، أي الامتناع المؤسّسي غير المعلن عن التعاون، من خلال وضع التزامات قانونية واضحة وآليات مساءلة.
العلاقة مع المؤسسات الأخرى والمشاورات مع أصحاب المصلحة
تقوم الفلسفة المؤسّسية لهيئة العدالة الانتقالية على مبدأ المشاركة الواسعة لأصحاب المصلحة، باعتبارها شرطاً تأسيسيّاً لكل من الشرعية والفعالية. وقد حدّدت رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن مسار العدالة الانتقالية في سورية ست فئات مركزية لهذه العملية: منظمّات المجتمع المدني، والضحايا، والجهات السياسية، والمجتمعات المحلية، والنساء والشباب، والداعمين الدوليين. يتسق هذا التصميم مع رسم خريطة الجهات المعنية، أي التحديد المنهجي للفئات التي تُعد مشاركتها ضرورية لضمان المشروعية الاجتماعية والسياسية للعملية.
في ما يتعلق بالضحايا، تعتمد الهيئة نهجاً يركّز عليهم بوصفهم أطرافاً فاعلة لا مجرّد متلقين للخدمات. ويُجسد هذا التحول القائم على الحقوق، الذي يرى أن للضحايا حقاً جوهرياً في المشاركة بصفتهم شركاء في إنتاج العدالة، لا مجرد موضوعات لخطاب رمزي. ويُعزز هذا الإدماج ثقة المجتمعات المتضرّرة، ويُستجيب للانتقادات الموجهة للنماذج التي تستثمر الضحايا من دون منحهم سلطة فعلية.
وتحدّد منظمات المجتمع المدني بوصفها عنصراً رقابيّاً جوهرياً “يلعب دوراً محوريّاً في دعم العملية من خلال الرقابة، وضمان الشفافية والمساءلة”. ويتوافق هذا مع مفهوم مساءلة المجتمع المدني.
وتمثل المساءلة الجنائية ركيزة أساسية في العدالة الانتقالية السورية، لكنها تواجه تحديات استثنائية في سورية، نظراً لحجم الانتهاكات وتعقيدها. بحسب قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، هناك أكثر من 16,200 من مرتكبي الانتهاكات الذين جرى تحديد هويتهم، منهم 6,724 من “القوات الرسمية” و9,476 من “القوات المُعاونة”، ما يجعل الملاحقة الشاملة أمراً بالغ الصعوبة.
في هذا السياق، تبرز أهمية إنشاء نظام للمحاكم الهجينة التي تجمع بين القضاة والخبراء السوريين والدوليين. يتمثل جوهر هذا النموذج في الموازنة بين الملكية الوطنية والمعايير الدولية، إذ تستفيد المحاكم من الخبرات التقنية والنزاهة التي يوفرها الخبراء الدوليون، مع الحفاظ على السياق المحلي والفهم العميق للواقع السوري الذي يقدمه الخبراء المحليون.
يُقترح أن تُقام هذه المحاكم على الأراضي السورية لتعزيز سيادة الدولة واستعادة ثقة المواطنين في النظام القضائي، مع تحديد نطاق زمني للولاية القضائية يشمل “الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بين مارس/آذار 2011 وسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024”. وتكمن أهمية هذا التحديد الزمني في تركيز الجهود القضائية على الفترة الأكثر دموية، ومنع الاتهامات باستهداف انتقائي.
وعلى مستوى الإطار الاستراتيجي للملاحقة القضائية، يقوم على ترتيب الأولويات بشكل مدروس، فمن غير الواقعي ولا المجدي محاكمة عشرات آلاف من المتورّطين في آن واحد. لذا، تُعطى الأولوية لمساءلة القيادات العليا، خاصة “كبار قادة نظام الأسد المخلوع، وتحديداً من الصفين الأول والثاني في أجهزته العسكرية والأمنية”. يستند هذا النهج على الفهم لبنية المسؤولية في السياق السوري، إذ تتوزع المسؤولية عن الجرائم الممنهجة على مستويات مختلفة من سلسلة القيادة.
في الوقت نفسه، يجب ألا تؤدي هذه الاستراتيجية إلى إهمال حقوق الضحايا الفردية، إذ تؤكّد الرؤية أن “لجميع الضحايا الحق في رفع دعاوى قضائية ضد المسؤولين المباشرين عن معاناتهم، بغض النظر عن رتبهم أو مناصبهم”.
تقصي الحقائق: توثيق الانتهاكات، معالجة ملف المختفين قسرياً. وتمثل عمليات تقصي الحقائق الركيزة الثانية في العدالة الانتقالية السورية، وهي تكتسب أهمية خاصة، نظراً إلى حجم (وتعقيد) الانتهاكات. تقوم لجان تقصي الحقائق بدور وسيط بين التوثيق والمساءلة، بجمع الأدلة وتقديمها للمحاكم المختصة. لكن دورها لا يقتصر على ذلك، بل يمتد ليشمل تعزيز المصالحة المجتمعية من خلال كشف الحقائق حول الجرائم المرتكبة.
ويعد الكشف عن مصير المختفين قسرياً من أبرز المهام التي تضطلع بها لجان تقصي الحقائق، نظراً للخصوصية الاستثنائية لهذا الملف، لا سيما مع توثيق أكثر من 112,414 حالة اختفاء قسري على يد النظام السابق، و17 ألف حالة إضافية على يد أطراف أخرى. يتجاوز أثر هذه الانتهاكات ضحاياها المباشرين ليشمل عائلاتهم والمجتمع الأوسع، ما يجعل معالجتها شرطاً أساسيّاً لأي مصالحة وطنية.
وتركز خطة معالجة ملف المختفين قسرياً على ثلاثة محاور: التحقيق في المقابر الجماعية باستخدام منهجيات علمية تلتزم بالمعايير الدولية، وتطوير آليات التعرف الجنائي بالاستفادة من تقنيات متقدمة كتحليل الحمض النووي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لأسر المختفين. يُعد هذا النهج المتكامل ضرورياً للتعامل مع التعقيدات الإنسانية والفنية والاجتماعية لهذا الملف.
وتشكل برامج التعويض الركيزة الثالثة للعدالة الانتقالية في سورية، وهي تهدف إلى الاعتراف بمعاناة الضحايا وتقديم الجبر المناسب لهم. تستند هذه البرامج إلى مفهوم أن التعويض ليس منحة أو صدقة، بل حق أساسي للضحايا واستحقاق قانوني وأخلاقي.
يقترح إطار التعويضات في سورية نهجاً متعدّد الأبعاد يشمل جوانب مادية ومعنوية، فعلى صعيد التعويض المادي، تُقترح أشكال متنوعة تشمل المساعدة النقدية المباشرة، والخدمات التفضيلية للضحايا وأسرهم كالرعاية الصحية والتعليم، واستعادة الممتلكات المصادرة، وتمويل مشاريع الإسكان، ودعم إعادة التأهيل الاقتصادي. وتكتسب استعادة الممتلكات أهمية خاصة في السياق السوري، فقد أدت سياسات نظام الأسد إلى نزع ملكيات واسعة النطاق. لذا، يُقترح تأسيس لجان متخصصة لتسوية نزاعات الملكية، مع إيلاء اهتمام خاص للنازحين والمهجرين الذين فقدوا وثائق إثبات الملكية.
وعلى صعيد التعويض المعنوي، يشمل برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للضحايا، وتقديم الدعم القانوني لمساعدتهم في تقديم الشكاوى والمطالبة بحقوقهم، والاعتراف العلني بمعاناتهم، وتقديم اعتذارات رسمية من المؤسسات الانتقالية.
وتحتل مبادرات تخليد الذكرى موقعاً مركزيّاً في إطار التعويضات المعنوية. تشمل هذه المبادرات إنشاء نصب تذكارية وطنية، ومتاحف ومراكز توثيق تعرض شهادات الضحايا والصور التي توثق الانتفاضة وأحداثها، وتطوير أرشيفات رقمية تُتيح للجمهور الاطلاع على شهادات ووثائق تاريخية. كما تشمل مبادرات التخليد جانباً تعليميّاً عبر دمج تاريخ الانتفاضة السورية وما تبعها من أحداث في المناهج الدراسية، وتطوير برامج تعليمية في مجال حقوق الإنسان تركز على دروس الثورة وأهميتها في إرساء العدالة.
ويمثل الإصلاح المؤسسي الركيزة الرابعة والحاسمة للعدالة الانتقالية في سورية، إذ يضمن عدم تكرار الانتهاكات ويعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة. يستهدف هذا الإصلاح ثلاث قطاعات رئيسية كانت الأكثر تورطاً في انتهاكات حقوق الإنسان خلال حكم الأسد: القضاء، وقطاع الأمن، والمؤسسة العسكرية.
على صعيد الإصلاح القضائي، يُشكل تحديث المجلس الأعلى للقضاء نقطة انطلاق أساسية. يُقترح “فصل رئاسة مجلس القضاء الأعلى عن مكتب الرئيس”، وانتخاب رئيس المجلس “من بين كبار القضاة ذوي السجل المهني المرموق”، بما يضمن استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية. كما يُدعى إلى إلغاء المحاكم الاستثنائية ودمجها في النظام القضائي العادي، وإنهاء نظام قوانين الطوارئ الذي “استُخدم لعقود لانتهاك الحقوق الأساسية”.
تأخذ عملية الإصلاح بعين الاعتبار كذلك تطوير معايير التعيين والترقية في السلك القضائي، عبر “اعتماد مبدأ الكفاءة والجدارة في اختيار القضاة”، وتحسين الظروف المعيشية للقضاة لحمايتهم من الفساد والضغوط السياسية. كما يؤكد أهمية دور المجتمع المدني والدعم الدولي في هذه العملية، من خلال مراقبة الإصلاحات ونقل الخبرات.
ويبدأ إصلاح قطاع الأمن، بإعادة هيكلة شاملة للأجهزة الأمنية التي كانت أداة قمع رئيسية خلال حكم الأسد. يقوم هذا الإصلاح على “القضاء على تداخل البنية الأمنية” عبر دمج الأجهزة ذات المهام المتشابهة، و”إعادة تعريف الصلاحيات القانونية لكل جهاز أمني” بما يضمن خضوعها للرقابة البرلمانية والقضائية، و”إلغاء الصلاحيات القضائية للأجهزة الأمنية” لمنعها من ممارسة الاعتقالات التعسفية.
العربي الجديد
——————————-
مسار إنصاف الضحايا في سوريا/ عمر كوش
27/5/2025
يشكّل إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع في 17 مايو/ أيار الجاري مرسومين، يقضيان بإحداث هيئتين وطنيتين؛ واحدة للمفقودين، وأخرى للعدالة الانتقالية، خطوة هامة في بداية مسار إنصاف الضحايا في سوريا، وجبر الضرر الذي أصابهم، عبر كشف ما لحق بهم من فظائع وجرائم، وتحقيق المساءلة حيالها، حيث لم ينقطع أمل ذويهم في تحقيق العدالة، وإحقاق الحق عبر تطبيق عدالة القانون، الأمر الذي يفسر الترحيب الواسع في الشارع السوري الذي قوبل به تشكيل الهيئتين بعد طول انتظار.
الكشف عن المفقودين
ما يدعم حرية عمل الهيئتين، هو تمتع كل منهما “بشخصية اعتبارية”، واستقلالية إدارية ومالية، وتمارس كل منهما “عملها في جميع أنحاء البلاد”، حيث تعمل هيئة المفقودين على البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسريًا، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لذويهم.
وبالنظر إلى كونها هيئة مستقلة، فإن عملها يقتضي تعاون وزارات عدة، من أجل جمع الأدلة والبراهين والقرائن القانونية ضد المتورطين، وإحالتهم إلى القضاء المختص المستقل عن السلطة التنفيذية، حتى تطال العدالة كل من ساهم في عمليات الاختفاء القسري، وبما يتفق مع إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992، ويقضي بإحالة جميع المتهمين بارتكاب عمل من أعمال الاختفاء القسري، في دولة ما، إلى السلطات المدنية المختصة في تلك الدولة؛ لإقامة الدعوى والحكم عليهم.
إضافة إلى الاتفاقية الدولية حول المفقودين التي صدرت عام 2006، التي تنصّ على حظر التغييب القسري، وعلى الكشف عن مصير المغيبين قسريًا.
يمكن لهيئة المفقودين الاستناد إلى ما وثقته المنظمات الحقوقية الدولية والسورية، إذ سبق أن أوردت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في تقاريرها، أنه ومنذ مارس/ آذار 2011 حتى مارس/ آذار 2024، بلغ عدد المغيبين قسريًا حتى 30 أغسطس/ آب 2023، ما لا يقلّ عن 112 ألفًا و713 شخصًا، معظمهم على يد نظام الأسد، فيما بلغ عدد المعتقلين تعسفيًا في سوريا ما لا يقل عن 156 ألفًا و775 شخصًا.
وعليه، فإن من المهم مشاركة المنظمات الحقوقية والمدنية السورية التي عملت لسنوات طويلة على توثيق عمليات الاختفاء القسري، وأضحت صاحبة خبرة كبيرة، خاصة أن الهيئة مطالبة بمعالجة إرث الاختفاء والتغييب القسري، من خلال جمع الحقائق المتعلقة بكيفية حصول عملية الاختفاء وزمانها ومكانها.
ويستلزم كل ذلك قدرة كبيرة على تسخير الموارد بغية تحديد أماكن المقابر الجماعية التي تعد بالمئات في سوريا، وكذلك المعتقلات السريّة، إلى جانب تحديد هويات الضحايا.
تحقيق العدالة
تتمحور غاية العدالة الانتقالية حول عملية إعادة بناء المجتمع السوري بعد مرحلة من الانتهاكات الخطيرة لحقوق غالبية السوريين التي مارسها نظام الأسد البائد، لذلك ينبغي وضع آليات العدالة الانتقالية وتطبيقها في ضوء الظروف التي مرت بها سوريا، وتفضي إلى إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولا يمنع ذلك من النظر في التجارب الدولية العديدة للعدالة الانتقالية، التي ظهر أول تجسيداتها بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة في ألمانيا مع محاكمات نورمبرغ التي استهدفت مجرمي الحرب النازيين، ثم تحولت العدالة الانتقالية في ثمانينيات القرن الماضي إلى مجال لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الأنظمة الاستبدادية في جنوب أفريقيا ورواندا، ثم وظفت في دول أميركا اللاتينية، وأوروبا الشرقية، من أجل التعامل مع إرث النظم الاستبدادية والتسلّطية.
وبالتالي لا ضير من الاستفادة من نجاحات الآخرين في هذا المجال، ومما راكمته تجارب شعوب أخرى من آليات وإجراءات في إطار سعيها إلى معالجة إرث وتأثير تلك الانتهاكات، بغية جبر ضرر ضحاياها، وتشجيع الخطوات المؤسساتية التي تقوم بها الدولة من أجل إتاحة المجال للمحاسبة وفق حكم القانون، وإبعاد شبح الانتقام والثأر.
وعليه، فإن مهمة هيئة العدالة الانتقالية تتحدد في “كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية”.
وبالتالي فإن هذه الخطوة الإيجابية الهامة ستشكل تحولًا في مسار تحقيق العدالة، لذلك سيكون أمام أعضائها مهمة صعبة ودقيقة، وينبغي عليهم وضع ضوابط ومعايير كي لا تنحو باتجاه عدالة انتقائية، وتسهم بشكل فعلي في تحقيق عدالة انتقالية، تقود في النهاية إلى مصالحة اجتماعية، تعيد التماسك والترابط الاجتماعي بين جميع من فقدوا أبناءهم وآباءهم، وبما يسهم في تثبيت السلم الاجتماعي والالتفات نحو إعادة إنشاء الدولة، والانتقال بشكل نهائي من الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية، خاصة أن السلم الأهلي لن يتحقق ما لم تتحقق العدالة، ويتمّ إنصاف المظلومين وجبر الضرر عما لحق بهم وبذويهم.
تكتسب العدالة الانتقالية مشروعيتها في سوريا، وفي سواها أيضًا، من قدرة هيئتها على تحقيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ومواجهة جميع الحقائق دون أي انتقائية، واعتماد مبدأ يعتبر أن الأساس في تحقيق العدالة الانتقالية، هو المحاسبة على الجريمة، وبما يصبّ في خانة ترسيخ فكرة أن جوهر العدالة هو الوصول إلى تحقيق الكرامة المتساوية لجميع الضحايا دون أي استثناء، ما يعني معالجة كافة مظالم الماضي، بصرف النظر عن الجهات التي ارتكبت الجرائم، وقامت بالانتهاكات.
وذلك من أجل تشييد طريق للعدالة يتمحور حول الضحايا، وعدم غض النظر عن محاسبة جميع الجناة، كي يسهم ذلك في الوصول إلى مصالحة وطنية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات والجرائم، لذلك تبرز مهمة صعبة تقوم على الموازنة بين مسارين، أولهما مسار العدالة الانتقالية، وثانيهما مسار بناء سوريا الجديدة.
التحديات
يشير التزامن في تشكل الهيئتين إلى الترابط وثيق الصلة بين ملفَي المفقودين والعدالة الانتقالية، بوصفهما جزءًا من مسار متكامل ومترابط، يقتضي توفير سند قانوني وبيئة حقوقية، إلى جانب تسهيل عملهما عبر تعاون مختلف المؤسسات معهما، وتوفير كافة سبل الدعم لهما، بغية تذليل العقبات، ومواجهة التحديات الكثيرة.
ولعل أول التحديات التي تواجه عمل الهيئتين هو فقدان بعض الأدلة الهامة؛ نتيجة الفوضى وفراغ السلطة الذي حصل عند سقوط نظام الأسد، وما رافقه من عبث وتخريب خلال عمليات اقتحام مقرات أجهزة الأمن والسجون، إلى جانب الإتلاف المتعمّد للوثائق سواء من طرف عناصر النظام، أو من بعض العابثين، الأمر يصعب مسار العدالة المطلوبة.
لكن من الممكن الاستناد إلى آليات أخرى لجمع الأدلة والوثائق. كما يبرز التحدي المتمثل بعدم التعارض بين مسار العدالة واستقرار سوريا، وبما يقف حائلًا أمام الإفلات من العقاب، عبر التأسيس لنظام محاسبة، ينهض على المساءلة، وتعويض المتضررين، ويضمن عدم تكرار الانتهاكات في سوريا المستقبل.
ويبرز تحدٍ آخر، يتلخص في أن مسار العدالة الانتقالية ليس مجرد إجراء قانوني أو إداري، بل هو عملية تحوّل، هدفها إعادة بناء الثقة في المؤسسات، وإرساء أسس عقد اجتماعي جديد بين السوريين، حيث يشكّل حجم الانتهاكات الواسعة، وأعداد المتورطين فيها تحدّيًا كبيرًا، قد يتجاوز قدرة أي نظام قضائي على التعامل معه، خاصة أن الإدارة الجديدة مضطرة إلى إعادة بناء مؤسساتها السياسية والقضائية من جديد.
إضافة إلى أن العدالة الانتقالية تحمل في طياتها تحديات محاكمة عادلة للمتورّطين في العنف السياسي والعسكري، وضمان الاستقرار وصيانة السلم الاجتماعي في الوقت نفسه، الأمر الذي يعقد عملية الانتقال السياسي، وهنا تأتي العدالة الانتقالية كي تشكل فرصة لمعالجة الماضي، ورسم مستقبل جديد لسوريا، وضمان إعادة بناء المجتمع السوري الممزق بفعل عقود من الاستبداد والانقسام.
تحتاج سوريا الجديدة إلى العدالة الانتقالية بقدر حاجتها إلى الحرية والسلم والأمان، ولا يتحقق ذلك إلا بطي الصفحة المظلمة لنظام الأسد البائد، وفتح المجال أمام مسار للعدالة يُنصف الضحايا، ويمنع تكرار الجرائم، ويُعيد بناء مؤسسات الدولة على أُسسٍ راسخة، بما يضمن إعادة ثقة المجتمع فيها، بتبيان أن أية عملية عدالة انتقالية لا تعني معاقبة الجميع، ولن ترضي الجميع، خاصة في ظل صعوبة الوصول إلى كافة المتورّطين بالانتهاكات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث سوري
الجزيرة
————————
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مؤسسة لكشف انتهاكات النظام السوري المخلوع
27/5/2025
هيئة أعلن عن تشكيلها الرئيس السوري أحمد الشرع في 17 مايو/أيار 2025، بهدف تحقيق العدالة الانتقالية وتعويض ضحايا انتهاكات نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد. وتتمتع الهيئة باستقلالية مالية وإدارية، ولها صلاحية ممارسة مهامها في كامل الأراضي السورية.
النشأة والتأسيس
أوصى مؤتمر الحوار الوطني في 25 فبراير/شباط 2025، بإطلاق مسار العدالة الانتقالية استجابة لمطالب الشعب، وعلى أساس ذلك نص الإعلان الدستوري في 13 مارس/آذار في المادة 49 على إحداث هيئة وطنية للعدالة الانتقالية.
وأعلنت رئاسة الجمهورية العربية السورية تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في 17 مايو/أيار 2025 في المرسوم رقم (20) “إيمانا بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية ركيزة أساسية لبناء دولة القانون، وضمانا لحقوق الضحايا وتحقيقا للمصلحة الوطنية الشاملة”.
ووفق نص المرسوم، فقد عُيّن عبد الباسط عبد اللطيف رئيسا للهيئة، وكُلف بتشكيل فريق العمل ووضع نظامها الداخلي في مدة لا تتجاوز 30 يوما، على أن تتمتع الهيئة بـ”الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتمارس مهامها في جميع أنحاء الأراضي السورية”.
وأعلن عبد اللطيف أنه سيضع خارطة طريق مبنية على أسس وطنية تراعي الخصوصية السورية، والاستعانة “بمجلس استشاري عن الضحايا واختصاصيين في الأدلة الجنائية”.
الأهداف
تعنى الهيئة بكشف حقيقة “الانتهاكات الجسيمة” التي ارتكبها النظام السوري المخلوع، ومساءلته ومحاسبة المسؤولين عنها، وتعويض الضحايا عن الضرر الذي لحق بهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات بترسيخ مبدأ المصالحة الوطنية.
وشملت تلك الانتهاكات والاعتداءات عشرات الهجمات بالأسلحة الكيميائية، وقصفا جويا واسعا ببراميل متفجرة على مناطق مأهولة، إلى جانب اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وتعذيب ممنهج في مراكز الاحتجاز، مما أدى إلى مقتل وفقدان مئات الآلاف من المدنيين، وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية ومحلية.
رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف
ولد في دير الزور في التاسع من يناير/كانون الثاني 1963، وحصل على إجازة (بكالوريوس) في الحقوق من جامعة حلب عام 1986، وأكمل تعليمه العالي في العلوم الشرطية والقانونية عام 2008.
شغل منصب مدير منطقة القامشلي قبل انشقاقه عن الجيش السوري عام 2012، ثم ترأس المكتب السياسي لجيش أسود الشرقية، وعين نائبا لرئيس المجلس المحلي لدير الزور في الحكومة السورية المؤقتة عام 2018.
وهو أحد أعضاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي أسس في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، في اجتماع لممثلين عن الجيش السوري الحر والمجالس المحلية، إلى جانب شخصيات سياسية وثورية مستقلة.
عين مديرا لمنظمة جسور الأمل للخدمات الاجتماعية من عام 2017 إلى 2019، وتولى عددا من المناصب البارزة الأخرى، من بينها عضو اللجنة الدستورية والنائب السابق لرئيس لجنة الحج العليا السورية والأمين العام السابق للائتلاف الوطني السوري.
المصدر : مواقع إلكترونية
————————————-
ألمانيا: القبض على ضابط بفرع الخطيب..عذّب وقتل 100 معتقل
الثلاثاء 2025/05/27
أعلنت السلطات الألمانية، اليوم الثلاثاء، القبض على ضابط سوري يُشبته بانتمائه إلى المخابرات العامة السورية في نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد متعقلين سوريين.
ضابط بفرع الخطيب
وقالت النيابة العامة الاتحادية في بيان، إن المشبه به يدعى فهد أ. (47 عاماً)، وكان يعمل لدى الفرع (251) المعروف بفرع الخطيب، والتابع لشعبة المخابرات العامة في النظام المخلوع، وذلك بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وأوضحت أن فهد متورط بأكثر من 100 جلسة استجواب لمعتقلين في فرع الخطيب، جرت بين نيسان/أبريل 2011 ومنتصف العام 2012، مؤكدةً تعرض المعتقلين خلال الجلسات إلى أنماط متعددة من التعذيب، منها الصعق الكهربائي، والضرب باستخدام الكابلات، والحرمان من النوم، والتعليق من السقف، والإجبار على أوضاع جسدية مؤلمة.
وأكدت أن المشتبه به لم يقتصر دوره على مرافقة المعتقلين إلى غرف التحقيق، إنما شارك في تنفيذ جلسات التعذيب ليلاً، كما كان مسؤولاً مباشراً عن أساليب تنتهك القانون الدولي، حيث أدت لمصرع معتقلين في بعض الحالات.
وبحسب لائحة الاتهام الموجهة إلى فهد، فإن الأخير يُشبته بمشاركته في جرائم قتل 70 معتقلاً داخل فرع الخطيب.
وقال المبعوث الألماني الخاص إلى سوريا ستيفان شنيك، إن السلطات الألمانية قبضت على ضابط يُشتبه بانتمائه إلى فرع الخطيب، وذلك بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وأضاف شنيك في تغريدة على منصة “إكس”، إن “المحاكمات العادلة كفيلة بكشف فظائع نظام الأسد. العدالة الانتقالية تعني مواجهة الماضي وبناء المستقبل. ألمانيا تقف إلى جانب السوريين”.
ما علاقة أنور رسلان؟
وورد اسم فهد، خلال التحقيق مع العقيد السابق في المخابرات السورية أنور رسلان، أمام المحكمة العليا في كوبلنتز، لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، قبل أن يحكم القضاء الألماني عليه بالسجن المؤبد في العام 2022، لارتكابه جرائم ضد المعتقلين بفرع الخطيب.
وتًشير المعلومات إلى أن رسلان كان مثابة الرئيس المباشر لفهد، خلال فترة عمله في سجن فرع الخطيب، لكن الأخير لم يكن متواجداً على الأراضي الألمانية أثناء محاكمة رسلان، ما حال دون اعتقاله حينها. وتقول التحقيقات إن فهد دخل إلى ألمانيا خلال العام 2023.
وقبضت السلطات الألمانية ودول في الاتحاد الأوروبي خلال سنوات الحرب السورية، على عدد من الضباط والعناصر في مخابرات وقوات النظام المخلوع بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وبعضهم يقبع بالسجون بعد خضوعهم لمحاكمات، فيما ما زالت محاكمات بعضهم مستمرة، مثل الطبيب علاء م.، المتهم بتعذيب وتصفية معتقلين سوريين داخل سجن تشرين العسكري.
المدن
———————————-
الاعتداء على القضاء كمن يهدم الدولة/ ميشال شماس
2025.05.28
القضاء اليوم يشكل ركيزة أساسية من ركائز الدولة الحديثة، وميزان العدالة الذي ينظم العلاقات بين الأفراد ويضمن تطبيق القوانين بمساواة دون تمييز، ويلعب دوراً مجتمعياً هاماً يحفظ الاستقرار والسلم الاجتماعي ويساهم في امتصاص التوترات المجتمعية التي يمكن أن تحدث.
وإن غياب القضاء المستقل لا يهدد فقط العدالة، بل يهدد مفهوم الدولة ذاته، حيث لا يمكن الحديث عن سيادة القانون وضمان الحقوق إذا أصبح القضاء نفسه عرضة للانتهاك. القضاء ليس مجرد جهاز إداري يصدر الأحكام، بل هو المؤسسة التي تحفظ النظام وتمنع الفوضى. فهو الحامي الأول للحقوق والحريات، وهو الضامن لعدم استبداد السلطة التنفيذية أو تغوّلها على المواطنين. وإن استقلال القضاء ونزاهته هما الأساس الذي تبنى عليه ثقة الناس في الدولة، وبالتالي فإن أي انتهاك لهذه المؤسسة القضائية لا يمس شخص القاضي فحسب، بل يهدد الدولة برمتها.
وما حدث منذ أيام في حلب من اعتداء على أحد القضاة خلال ممارسته عمله، من قبل عناصر الشرطة المكلفة بإنفاذ القانون، ليس مجرد حادثاً عابراً، ولا يجب أن يكون كذلك، بل هو تجاوز خطير يهدد هيبة الدولة ويهدم أسسها.
إن الاعتداء على قاضٍ حتى وإن كان فاسداً، هو سحقٌ لميزان العدل، وإهانةٌ هائلةٌ للعدالة، وجريمةٌ لا تُغتفر. فماذا سيبقى للدولة إن أصبح من يفترض بهم حماية القانون هم أنفسهم من ينتهكونه؟ وإذا لم يكن القاضي في مأمن، فكيف يمكن للمواطن العادي أن يشعر بالأمان؟
إن مثل هذه الاعتداءات إن تكررت، وأرجو أن لا تتكرر أبداً، ستزعزع ثقة الناس في الدولة ومؤسساتها، وتجعلهم ينظرون إلى القضاء لا كحامٍ لحقوقهم، بل كجهة يمكن التعدي عليها من أي شخص أو جهة متنفذة.
مما يفتح الباب واسعاً أمام انهيار مفهوم الدولة القائمة على القانون، وتحويل العدالة إلى أداة تتلاعب بها قوى ليس من مصلحتها قيام الدولة، فكيف سيكون حالنا ونحن نحبو في بناء الدولة؟
والأمر الأكثر خطورة من الاعتداء نفسه هم أولئك الذين أخذوا يبررون هذا الاعتداء ويدافعون عنه بحجة أن القاضي فاسد وعمل في محكمة الإرهاب ويستحق العقاب. هذا المنطق المدمر بقبول وتبرير مثل هكذا تجاوزات على القضاء سيفتح الباب واسعاً أمام انهيار العدالة، ويجعل كل فرد في المجتمع معرضاً لأن يكون الضحية التالية. فالسلطة التي تضرب القاضي اليوم، قد تضرب المواطن العادي غداً بلا تردد، لأن سقف القانون حين يُكسر، لا يعود هناك ضامن يحمي أحداً.
والقانون اليوم في جميع دول العالم خص القضاة بطريقة خاصة في المساءلة والمحاكمة عند ارتكابهم لجرم أو مخالفة بشكل يختلف كلياً عن باقي فئات الشعب، لا لأن القاضي يتميز عن باقي فئات الشعب، إنما حرصاً على مكانة القضاء ورفعته باعتباره الأساس الذي لا تقوم الدولة بدونه.
إن ما حدث في حلب لم يكن مجرد انتهاك فردي، بل هو مؤشر خطير على أزمة أعمق تتعلق باستقلالية القضاء وهيبة القانون وسيادته على الجميع. واليوم لا يمكن القول أبداً بوجود دولة بدون قانون، ولا قانون بدون قضاء مستقل. لذلك، فإن حماية القضاء تعني حماية الدولة، وعدم السماح بالمساس به هو مسؤولية تقع على عاتقنا جميعاًـ خاصة في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها سوريا.
حذرت وكثير من السوريات والسوريين من مخاطر الاعتماد على الولاءات لا على الكفاءات في مؤسسات الدولة، فالولاء وحده لا يبني دولة، فلو أن عناصر الشرطة يمتلكون الحد الأدنى من الخبرة والمعرفة في التعامل مع الناس واحترام حقوق الإنسان وطريقة حماية إنفاذ القانون. لما حدث ما حدث، وكانوا بكل بساطة لجؤوا إلى الجهات المختصة لمساءلة القاضي إن كان هناك تجاوز حصل منه، لا أن يحوّلوا الموقف إلى اعتداء جسدي يهدم هيبة القضاء والدولة معاً.
كما لا يجب أن ننسى أن تأخر تطبيق العدالة الانتقالية ساهم في حدوث ما حدث في حلب وتأخرها ساهم أيضاً في استمرار العنف والانتقام، وإن عدم إنصاف الضحايا وتحقيق العدالة لهم وترك الألم ينهش في نفوسهم الجريحة دون مداواة وتطييب خاطر وتعويض واعتراف بمعاناتهم، وغياب الضمانات التي تمنع تكرار هذه المأسي سيدفعهم بالتالي إلى ممارسة القهر بأنفسهم على الآخرين بدافع الانتقام أو الشعور الزائف بالقوة. وتحولهم من ضحايا إلى جلادين.
وحتى لا تتكرر هذه التجاوزات مستقبلاً، على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها فالحكومة ليست مسؤولة فقط عن تطبيق القانون، بل أيضاً عن ضمان أن يكون من ينفذون القانون مدربين بشكل صحيح على احترامه وحماية كرامة الأفراد، حتى لا يتحول الإنفاذ إلى انتهاك.
واستناداً لذلك على وزارة الداخلية العمل بالسرعة الممكنة لتوفير التدريب والتـأهيل القانوني والحقوقي الكافي للعناصر الشرطية والأمنية وتمكينها معرفياً وسلوكياً في كيفية التعامل مع الأفراد واحترام حقوق الإنسان وتطبيق القانون بطرق سليمة.
الدولة الحديثة لا تقوم على القوة وحدها، بل تقوم على سيادة القانون الذي يجب أن يُحترم من الجميع، من الحكام قبل المحكومين أفراداً ومؤسسات. وإن الدفاع عن استقلال القضاء لا يعني الدفاع عن شخص القاضي فقط، بل هو دفاع عن مستقبل الدولة وعن حقوق كل فرد فيها.
باختصار، حاجتنا اليوم لبناء قضاء قوي ومستقل وكفء كحاجتنا إلى الماء والهواء، وبناء سوريا ونهضتها من هذا الخراب الذي خلفه نظام الأسد الإجرامي يبدأ من حماية قضائها، وإلا فإن الظلم سيلتهم الجميع، بلا استثناء.
تلفزيون سوريا
——————————————
=============================



