العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 17 حزيران 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

——————————

فادي صقر وإفلات المجرمين من العقاب في سوريا/ فضل عبد الغني

16/6/2025

ظهر قبل أيام فادي صقر، القيادي في مليشيات الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد، في تسجيل مصوّر يظهر فيه كوسيط للإفراج عن متورطين في ارتكاب انتهاكات. وفي الرابع من شباط/ فبراير 2025، شهدت دمشق مشهدًا لافتًا تمثّل في خروج اللواء محمد الشعار، وزير الداخلية السوري السابق ومهندس القمع المنهجي، من مخبئه ليُعلن تسليم نفسه طوعًا لمديرية الأمن العام.

ثم ظهر في مقابلة تلفزيونية أعلن فيها عدم مسؤوليته عن أيّ من الانتهاكات التي مارسها نظام الأسد. مثّل هذا الظهور الإعلامي ظاهرة مقلقة في السياق الانتقالي السوري، إذ أثار هذا الإنكار الوقح تساؤلات عميقة حول مظاهر الإفلات من العقاب في خضم التحولات السياسية. فما هي البُنى التي تُمكّن المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية من التفاوض على استسلامهم بدلًا من مواجهة المحاسبة الفورية؟

فهم الإفلات من العقاب وتطور مبدأ مسؤولية القيادة

يُعد مبدأ مسؤولية القيادة من أبرز إسهامات القانون الجنائي الدولي في التصدي للإفلات من العقاب، وقد تطوّر هذا المفهوم من الإطار العسكري إلى الإطار المدني، مُشكلًا الأساس القانوني لمساءلة الوزراء وكبار المسؤولين عن الجرائم الممنهجة.

نظّم نظام روما الأساسي هذا التطور، موضحًا الفروقات بين مسؤوليات القيادة العسكرية والمدنية، حيث نصّت المادة 28 (ب) على تحميل القادة المدنيين المسؤولية في حال كانوا على علم، أو تجاهلوا عمدًا معلومات تشير بوضوح إلى ارتكاب مرؤوسيهم جرائم.

ورغم أن هذا المعيار يبدو أكثر تقييدًا مقارنةً بما يُفرض على القيادة العسكرية، فإنه يعكس واقع تدفق المعلومات في البيروقراطيات المدنية. وتبرز أهمية معيار “التجاهل الواعي” في المناصب الوزارية تحديدًا، حيث يمكن للمسؤولين أن يعزلوا أنفسهم عمدًا عن تفاصيل التنفيذ، مع احتفاظهم بالسيطرة على السياسات العامة.

ويُقدّم مفهوم العنف الهيكلي، كما طوّره يوهان غالتونغ، إطارًا نظريًا لفهم كيفية تغلغل الإفلات من العقاب داخل مؤسسات الدولة. ففي مقابل العنف المباشر، الذي يتمثل في أفعال الإيذاء الجسدي الواضحة، يعمل العنف الهيكلي من خلال البُنى الاجتماعية التي تعيق الأفراد عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وعند تطبيق هذا المفهوم على أجهزة الأمن، يتضح أن الإفلات من العقاب لا يعكس غياب العدالة فحسب، بل هو نظام فعّال لإدامة العنف عبر آليات بيروقراطية.

تُنتج أجهزة الأمن، وفقًا لغالتونغ، ما يُسمى بـ “السلام السلبي”؛ أي غياب العنف المباشر عبر القمع المنهجي لا عبر معالجة أسباب النزاع. يقوم هذا النظام على توقع عدم معاقبة موظفي الدولة الذين يرتكبون الانتهاكات، مما يُنتج بيئة تحفيزية تُكافئ الوحشية وتعاقب ضبط النفس.

وقد تجسّدت هذه الديناميكية بوضوح في عهد الشعار، إذ حظي الضباط الذين مارسوا التعذيب أو أطلقوا النار على المتظاهرين بالحصانة، في حين تعرّض من أبدى تساهلًا لمخاطر الاتهام بالولاء للمعارضة.

ويُعتبر تطبيع الفظائع عبر الممارسات البيروقراطية آلية مركزية داعمة للعنف الهيكلي. تُحوّل النماذج الرسمية، والبروتوكولات الإدارية، وإجراءات التشغيل إلى أدوات تنفيذ لجرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري، على نحو يجعلها تبدو كمهام إدارية روتينية.

وتُظهر الممارسات الموثقة لوزارة الداخلية السورية- مثل تسجيل المختفين قسرًا كمتوفَين، أو تنفيذ مصادرة الممتلكات عبر المحاكم المدنية، أو فرض حظر السفر من خلال مكاتب الجوازات – كيف يُعاد تسويق الفظائع من خلال طابع إداري بيروقراطي، يضفي عليها مظهرًا من الشرعية المضلِّلة.

العدالة الانتقالية والسلم الأهلي – نموذج فادي صقر

برز مجال العدالة الانتقالية كمسار مستقل بعد التحولات الديمقراطية في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، حيث قدّم أطرًا للتعامل مع إرث الأنظمة الاستبدادية أو النزاعات المسلحة.

وتزداد حدة التوترات النظرية في هذا المجال؛ بين السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، وبين النهج المتمحور حول الضحية والنهج المتمحور حول الجاني.

وتُعد معضلة “السلام مقابل العدالة” جوهر هذا الجدل. فبينما يرى باحثون، مثل جاك سنايدر وليزلي فينجاموري، أن الملاحقات القضائية المبكرة قد تُزعزع استقرار التحولات الهشة وتُعيد إشعال الصراع، ويدعون إلى تبني نهج “السلام أولًا”، الذي يُفضي إلى تحقيق الاستقرار قبل المضي نحو المساءلة، فبالمقابل، تحاجج كاثرين سيكينك بأن تأجيل العدالة يمنح الجناة فرصة لتدمير الأدلة، وترهيب الشهود، وترسيخ الإفلات من العقاب.

وتُشير نظرية “تسلسل العدالة” إلى أن المساءلة القضائية المبكرة قد تُحدث أثرًا رادعًا وتُعزز سيادة القانون. ويأخذ السياق السوري هذه المعضلة إلى أقصى مداها: فهل يمكن تحقيق استقرار حقيقي في ظل بقاء شخصيات مثل فادي صقر خارج دائرة المحاسبة، أم إن هذا الإفلات بحد ذاته يُقوّض فرص السلام المستدام؟

يُسلط التباين بين النهجين المتمحورين حول الضحية والجاني، الضوء على تناقض نظري إضافي. إذ تمنح العدالة الانتقالية المتمحورة حول الضحية الأولوية لكشف الحقيقة، والاعتراف، والتعويض، كما يتجلى في عمل لجان الحقيقة التي تُقدم العفو مقابل الشهادات. وينطلق هذا النهج من فرضية أن الضحايا يسعون للحصول على الاعتراف، ومنع تكرار الجرائم أكثر من سعيهم للانتقام.

أما النهج المتمحور حول الجناة، فيُركّز على المساءلة الجنائية بوصفها وسيلة لتحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب. وتتجلى محدودية النهج الأول عند التعامل مع كبار المسؤولين، إذ بينما يمكن استقطاب الجنود للمشاركة مقابل عفو، فإن شخصيات مثل الشعار تمتلك معرفة تُدين النظام بأكمله، ما يجعل انخراطهم غير مرجح ما لم يواجهوا ضغوطًا جدية بالملاحقة القضائية.

المسؤولية القانونية للشعار

تتجلّى أوضح مؤشرات مسؤولية محمد الشعار المباشرة في عضويته ضمن “خلية الأزمة”، التي أُنشئت في مارس/ آذار 2011 كأعلى هيئة لاتخاذ القرار الأمني في سوريا.

تكشف شهادات منشقين ووثائق موثّقة أن هذه الخلية كانت تعقد اجتماعات منتظمة لتنسيق الرد الأمني على الاحتجاجات، برئاسة بشار الأسد شخصيًا. وبصفته وزيرًا للداخلية وعضوًا فاعلًا في هذه الخلية، ساهم الشعار في صياغة سياسات تُجيز بوضوح استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين.

وتظهر محاضر الاجتماعات التي حصلت عليها الشبكة السورية لحقوق الإنسان إشارات صريحة إلى “حلول أمنية حاسمة” و”القضاء على التجمعات الإرهابية”- وهما تعبيران مستتران عن أوامر تنفيذ مجازر.

إن حضور الشعار هذه الاجتماعات، وتزامنها مع تنفيذ وزارة الداخلية لاحقًا عمليات قتل جماعي، يُثبت وجود علاقة سببية واضحة بين تخطيط السياسات وتنفيذ الجرائم.

ويُعزز هذا الترابط الزمن بين قرارات خلية الأزمة وتصاعد أنماط العنف من قِبل وزارة الداخلية. تُظهر بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الضحايا المدنيين بعد اجتماعات بعينها، خاصة تلك التي ناقشت مظاهرات الجمعة.

كما يُشير التوزيع الجغرافي المنسّق لعمليات القتل عبر محافظات متعددة إلى وجود تخطيط مركزي ممنهج، لا إلى عنف عشوائي. وقد مكّن الموقع المزدوج للشعار، كوزير للداخلية وعضو في خلية الأزمة، من تحويل الخطط الأمنية إلى أوامر تنفيذية مباشرة.

وتتضمن الوثائق المسربة من وزارة الداخلية خلال عامي 2011 و2012 تعليمات موقّعة باسم الشعار، أو تُشير إلى أوامره الشفهية، موجّهة إلى فروع الأمن السياسي، وإدارات الهجرة والجوازات، والسجلات المدنية. تشمل هذه التوجيهات تحديد “حصص اعتقال”، ومتابعة مؤيدي المعارضة، وتوفّية المختفين قسريًا.

وتُظهر هذه الوثائق – من خلال الترويسات الرسمية والأختام وقوائم التوزيع- الطابع البيروقراطي المنهجي لتطبيق السياسات، لا مجرد أوامر فردية أو عشوائية. وتبرز خطورة هذه الوثائق في التعميمات التي تُجيز “الضغط الأقصى” على المتظاهرين وأسرهم، في إشارة ضمنية إلى التعذيب والعقاب الجماعي.

تسليح وظائف وزارة الداخلية

يُعد تحوّل وزارة الداخلية السورية من جهاز إداري مدني إلى أداة للقمع الممنهج نموذجًا صارخًا على ظاهرة “تسليح المؤسسات”. ففي عهد محمد الشعار، بين أبريل/ نيسان 2011 وأكتوبر/ تشرين الأول 2018، شهدت الوزارة انتقالًا من أداء وظائفها التقليدية إلى أداء دور أمني شامل يخدم سلطة استبدادية.

وقد شكّل دمج الوظائف الإدارية والأمنية تحت قيادة الشعار تحوّلًا نوعيًا في ممارسات الحكم الأسدي. ففي الوقت الذي تُبقي فيه الأنظمة الاستبدادية التقليدية على فصل رمزي بين الشرطة السرية والإدارات المدنية، أحرزت سوريا الأسد تكاملًا بين الجانبين.

تحوّلت إدارة الهجرة والجوازات، المكلفة نظريًا بإصدار الوثائق، إلى جهاز أمني اعتقل 1608 مدنيين؛ من بينهم 73 حصلوا على “تسويات أمنية” رسمية، وفقًا لتوثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

كما تورّطت مكاتب السجل المدني، المفترض أنها مختصة بتسجيل المواليد والوفيات، في تزوير السجلات لإخفاء المعتقلين قسرًا. وقد أدى هذا الاندماج بين الإداري والأمني إلى تقويض أي شعور بالأمان داخل بيروقراطية الدولة، وأصبح من الصعب على المواطنين التمييز بين الإجراءات الإدارية والفخاخ الأمنية.

واتسع نطاق عمل مديرية الأمن السياسي، المسؤولة اسميًا عن مراقبة الأنشطة السياسية، حتى أصبحت حاضرة في كافة الدوائر الحكومية. كما مُنحت فروع الأمن الجنائي، التي كانت تقليديًا تُعنى بالجرائم العادية، صلاحيات جديدة للتحقيق في “الإرهاب”، وهو توصيف يُستخدم غالبًا لوصم أي نشاط معارض.

والأكثر خطورة أن تدفقات المعلومات أُعيد تنظيمها بحيث طُلب من جميع الوزارات تزويد وزارة الداخلية ببيانات المواطنين، ما أنشأ بنية مراقبة واسعة تُتيح الاعتقال بناءً على مؤشرات إدارية حول تعاطف مفترض مع المعارضة.

وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما مجموعه 256 ألفًا و364 انتهاكًا نُسبت مباشرة إلى أجهزة وزارة الداخلية- وهو رقم مرجّح أن يكون أقل من الواقع نظرًا لصعوبات التوثيق تحت الحكم الاستبدادي.

ويعكس عدد القتلى المدنيين في المظاهرات- 10 آلاف و542 قتيلًا- تبنّي سياسات إطلاق نار بقصد القتل، لا مجرد فشل في السيطرة على الحشود. أما الانتشار الجغرافي لهذه العمليات- الذي لم يقتصر على معاقل المعارضة- فيُشير إلى تخطيط مركزي، لا إلى انحرافات محلية.

وقد شكّل “الاضطهاد الإداري” إسهامًا ابتكاريًا من وزارة الداخلية في منهجية القمع، إذ مارست عنفًا مؤسسيًا مقننًا من خلال أدوات قانونية. فعمليات مصادرة الممتلكات، التي بلغت 11 ألفًا و267 حالة، جرت بإجراءات قضائية صورية، محوّلةً المحاكم إلى أدوات للاضطهاد.

أما قرارات حظر السفر، التي طالت 115 ألفًا و836 شخصًا، فمكّنت من الاعتقال على المعابر الحدودية. كما أُصدرت 112 ألف مذكرة تفتيش، سُخّرت لتنفيذ مداهمات منهجية تحت غطاء قانوني. وقد أثبت هذا الشكل من العنف الإداري استدامته وفاعليته، إذ واجه إدانة دولية محدودة، بينما أسهم في إحكام السيطرة على السكان.

الشعار كحالة اختبار للعدالة الانتقالية السورية

يكشف ظهور الشعار من مخبئه- بادّعاء “الاستسلام” دون أي اعتقال فوري، ثم ظهوره الإعلامي نافيًا مسؤوليته- عن الطريقة التي يستغل بها الجناة حالة الغموض والفراغ في المرحلة الانتقالية. إن السماح له بتسليم نفسه دون محاسبة فورية يُرسل رسائل بالغة الخطورة:

    أولًا، يُظهر أن مصالح الجاني قد تُقدَّم على حقوق الضحايا، إذ اختار توقيت ظهوره، وصاغ روايته الخاصة، وتجنّب الإهانة التي واجهها ضحاياه أثناء اعتقالهم القسري.

وهذا السلوك يتعارض تمامًا مع مبادئ العدالة الانتقالية التي تُعلي من كرامة الضحايا.

    ثانيًا، يُشير إلى إمكانية التفاوض مع الجناة الممنهجين، سواء عبر تبادل المعلومات أو الأصول مقابل المعاملة المُيسّرة. مثل هذه السوابق تُشجّع على سلوك إستراتيجي خطير: حيث يمتنع الجناة عن التعاون إلا بشروطهم.

وسيُشكّل ردّ السلطات السورية على قضيتي الشعار وفادي صقر سابقة لها تبعات بعيدة المدى في مسار العدالة الانتقالية. فالتوازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات المحاسبة يستلزم تحليلًا دقيقًا يتجاوز ثنائية “العدالة أو السلم”. إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق من دون محاسبة تُؤسس للشرعية.

ويُطرح الآن السؤال عن التوقيت والتدرّج: هل ينبغي محاكمة الشعار على الفور استنادًا إلى الأدلة الموثقة، بالتوازي مع استمرارية التحقيقات؟ وكيف يمكن استخلاص المعرفة المؤسسية منه دون منحه حصانة؟ تتطلب هذه المقاربات وجود مؤسسات راسخة تتمكن من إنجاز المهمة ببراعة.

الخاتمة: ثمن الإفلات من العقاب

يُقوّض إفلات كبار المسؤولين من المحاسبة البنية الأخلاقية التي تُعد شرطًا أساسيًا لترسيخ السلم الأهلي والاستقرار. وتُظهر دراسات العدالة الانتقالية أن المجتمعات الخارجة من سياقات عنف ممنهج تحتاج إلى “اعتراف سردي”؛ أي اتفاق جمعي حول ما حدث، ومن يتحمّل المسؤولية، ولماذا يجب ألّا يتكرر.

عندما ينجح مدبّرو الجرائم، كالشعار، في التلاعب بالسردية العامة والتنصّل من أدوارهم عبر الإعلام، فإنهم يعوقون هذا الاعتراف الضروري. ويُملأ الفراغ السردي الناتج بخطابات إنكار وأساطير متنافسة، تُقوّض فرص المصالحة وتُسمّم النقاش الديمقراطي.

وتضم سوريا آلاف المتورطين في الانتهاكات من المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والإدارية، الذين يتابعون بدقة مسار قضية الشعار. نجاح محاكمته سيُثبت عزم الحكومة الانتقالية على كسر حلقة الإفلات من العقاب. أما فشله، فسيُرسل رسالة بأن التوافق السياسي يمكن أن يُستخدم كدرع للحماية من المساءلة، مما سيُعزز مناعة الجناة ويُشجع على التحصّن والمقاومة.

إن كسر حلقة الإفلات من العقاب ضرورة إستراتيجية لضمان استقرار طويل الأمد. فالمجتمعات التي تتجاهل محاسبة الجرائم الممنهجة تُواجه احتمالات حقيقية لتجدد العنف.

وتُهدد شبكات الجناة، التي لا تزال تملك النفوذ والموارد، استقرار الدولة ومؤسساتها الناشئة. أما الضحايا، المحرومون من الاعتراف الرسمي، فيميلون نحو أشكال عدالة بديلة، بما فيها الانتقام. ويُفضي هذا المناخ إلى هشاشة قد تؤدي إلى عودة الاستبداد أو تجدّد النزاع.

إن قضية الشعار تتجاوز المحاسبة الفردية. فهو، بصفته وزيرًا للداخلية في الفترة الأكثر دموية من تاريخ سوريا الحديث، يُجسّد الإجرام المؤسسي. ومواجهة هذا الإرث تتطلب أكثر من محاكمات رمزية؛ بل تتطلب مقاربات شاملة تُعالج الثقافة المؤسسية، والذاكرة الجمعية، والعنف الهيكلي. وهذا ما تحتاجه سوريا – الآن، وبإلحاح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023

الجزيرة

————————–

السّلم الأهلي وفادي صقر: كيف ردّ أهالي الضحايا؟

إثر المؤتمر الصحافي الذي عقده عضو اللجنة العليا للسّلم الأهلي، حسن صوفان، دعت عائلات الضحايا والمعتقلين والمختفين قسرًا، إلى عدة وقفات احتجاجية، مطالبين بالعدالة ورافضين تسويق المجرمين على أنهم شركاء في السلام. هل يمكن تحقيق العدالة الانتقالية -كما يجب أن يكون- في ظروف غير مستقرة أمنيًا؟ وهل يمكن أن يتحقق الاستقرار الأمني في غياب العدالة الحقيقية؟ كيف يمكن تجاوز التحديات المرحلية من دون التفريط بحقوق الضحايا؟

الضيف:

1- جودي حلاق

2- لينا شموط

3- سناء يازجي

المحاور:

إعداد وتقديم: يارا حيدر

الملخص

في ظل التوترات المستمرة في سوريا، أثار قرار القيادة بمنح الأمان لفادي ساكر بدلاً من توقيفه جدلاً واسعاً، حيث اعتبر البعض أن هذا القرار جاء لتجنب إراقة الدماء في المناطق الساخنة. ومع ذلك، أثار المؤتمر الصحفي الذي عقده حسن صوفان، عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي، احتجاجات من عائلات الضحايا والمعتقلين الذين يطالبون بالعدالة ويرفضون تسويق المجرمين كشركاء في السلام. تتساءل العائلات عن إمكانية تحقيق العدالة الانتقالية في ظل الظروف الأمنية غير المستقرة، وتطالب بمعرفة مصير أحبائهم المفقودين.

تواجه الحكومة السورية تحديات كبيرة في التعامل مع ملف العدالة الانتقالية، حيث أصدرت مراسيم لإنشاء هيئات للمفقودين والعدالة الانتقالية. ومع ذلك، يشعر العديد من السوريين بالإحباط من عدم تحقيق العدالة الكاملة، خاصة مع ظهور شخصيات مثل فادي ساكر في الواجهة. تطالب العائلات بمحاسبة المجرمين وتقديمهم للعدالة، مع التأكيد على ضرورة عدم استفزاز ذوي الضحايا من خلال تلميع صورة المجرمين.

تسعى الحكومة لتحقيق توازن بين الحفاظ على الاستقرار الأمني وتلبية مطالب العدالة، وهو ما يعتبر تحدياً كبيراً في ظل الظروف الحالية. يطالب السوريون بمحاسبة المتورطين في الجرائم، مع التأكيد على أهمية الشفافية في الإجراءات الحكومية. في الوقت نفسه، يبرز دور المجتمع المدني في الضغط لتحقيق العدالة، حيث ينزل السوريون إلى الشوارع للتعبير عن مطالبهم، مما يعكس الحاجة الملحة لتحقيق العدالة الانتقالية كجزء من عملية السلم الأهلي.

النقاط الرئيسية

– فادي ساكر تم منحه الأمان من قبل القيادة بدلاً من التوقيف، وذلك بناءً على تقدير للمشهد بأنه قد يساهم في حقن الدماء في المناطق الساخنة.

– حسن صوفان، عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي، دعا إلى وقفات احتجاجية تطالب بالعدالة وترفض تسويق المجرمين كشركاء في السلام.

– جودي حلاق من رابطة عائلات قيصر تطالب بمعرفة مصير والدها الشهيد حسين حلاق وتؤكد على أهمية العدالة الانتقالية في ظل الظروف الأمنية غير المستقرة.

– لينا شموط، معتقلة سابقة وأم لشهيد، تطالب بمحاسبة المجرمين وتؤكد على ضرورة حماية المقابر الجماعية وتكريم الشهداء.

– سناء يازجي، مؤسسة ومديرة الذاكرة الإبداعية للثورة السورية، تؤكد على أهمية العدالة الانتقالية وتطالب الحكومة بالكشف عن خطواتها لتحقيق العدالة.

أسئلة وأجوبة

هل يمكن تحقيق العدالة الانتقالية كما يجب أن تكون في ظروف غير مستقرة أمنياً؟ وهل يمكن أن يتحقق الاستقرار الأمني في غياب العدالة الحقيقية؟

تحقيق العدالة الانتقالية في ظروف غير مستقرة أمنياً يعد تحدياً كبيراً، حيث أن الاستقرار الأمني والعدالة الحقيقية مرتبطان بشكل وثيق. بدون عدالة حقيقية، قد يكون من الصعب تحقيق استقرار أمني دائم.

كيف يمكن تجاوز التحديات المرحلية دون التفريط بحقوق الضحايا؟

يمكن تجاوز التحديات المرحلية من خلال إيجاد توازن بين تحقيق العدالة للضحايا وعدم إثارة الفتن أو العنف، وذلك عبر محاسبة المجرمين بشكل عادل وشفاف دون التنازل عن حقوق الضحايا.

كيف يمكن إيجاد صيغة توافقية لعدم التفريط بدم الضحايا من جهة، ومن جهة أخرى لعدم الانزلاق إلى دوامة عنف جديدة؟

إيجاد صيغة توافقية يتطلب محاسبة المجرمين المعروفين بشكل عادل وشفاف، مع الحفاظ على استقرار المجتمع وتجنب إثارة العنف، وذلك من خلال إجراءات قانونية مدروسة تضمن حقوق الضحايا وتحقق العدالة.

كيف يمكن للمجتمع أن يتقبل تعويم شخص مثل فادي ساكر؟

تقبل المجتمع لتعويم شخص مثل فادي ساكر يتطلب شفافية كاملة من الحكومة في توضيح خطوات العدالة الانتقالية، وضمان عدم الإفلات من العقاب للمجرمين، مما يعزز الثقة في النظام العدلي ويحقق العدالة للضحايا.

هل يمكن بالمعنى الواقعي تحقيق عدالة في ظل ظروف أمنية غير مستقرة؟ وهل يمكن أن تكون هناك ظروف أمنية مستقرة في غياب العدالة الانتقالية؟

تحقيق العدالة في ظل ظروف أمنية غير مستقرة يعد تحدياً كبيراً، حيث أن العدالة والاستقرار الأمني مرتبطان بشكل وثيق. بدون عدالة انتقالية، قد يكون من الصعب تحقيق استقرار أمني دائم، والعكس صحيح.

———————————-

العدالة الانتقائية… مخاطرة لا تتحملها سوريا/ حايد حايد

آخر تحديث 16 يونيو 2025

كان الهدف من البيان الصحافي، الذي أصدره الأسبوع الماضي عضو لجنة السلم الأهلي، حسن صوفان، هو تهدئة الغضب الشعبي الذي أثاره إطلاق سراح عدد من رموز النظام السابق المتهمين بارتكاب جرائم حرب. تلقى السوريون البيان في البداية بتفاؤل حذر، واعتبره كثيرون بادرة أولى من بوادر الشفافية التي طال انتظارها، ومؤشرا على أن الحكومة الانتقالية قد تستجيب أخيرا لمطالبهم بتوضيح موقفها الغامض من العدالة والمحاسبة.

غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدد. فبدلا من أن تسهم تصريحات صوفان في تهدئة التوترات، أشعلت غضبا شعبيا وأكدت المخاوف القائمة. ورأى كثيرون أن دفاعه عن قرار إطلاق سراح مسؤولين من النظام السابق دون محاكمة أو تفسير أو مراجعة قانونية، يعكس تضحية بالعدالة لصالح اعتبارات سياسية. ومع تآكل الثقة في الإجراءات الرسمية، يتزايد خطر لجوء المواطنين إلى القصاص الفردي الانتقامي، وهو مسار لا يهدد السلم الأهلي فحسب، بل يقوّض أيضا فرص تحقيق انتقال قانوني موثوق.

هل السلام الأهلي أهم من العدالة؟

في المؤتمر الصحافي الذي عقده حسن صوفان في وزارة الإعلام بدمشق، أوضح موقف اللجنة، مشددا على أن السلم الأهلي ينبغي أن يكون حجر الزاوية للاستقرار الوطني. وحذّر من أن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تتحول إلى حملة ملاحقات قضائية شاملة، بل يجب أن تركز على محاسبة “العقول المدبرة وكبار المجرمين”، أي المسؤولين المباشرين عن الجرائم الجسيمة، وليس كل من انتمى إلى النظام السابق.

لا ريب في أن هذا التصور ينسجم من حيث المبدأ مع المعايير الدولية في مجال العدالة الانتقالية، غير أن الإجراءات الحكومية ودفاع صوفان عنها قوّضا هذا الإطار عمليا.

وقد جاء إطلاق سراح شخصيات مثل فادي صقر، القائد السابق لـ”قوات الدفاع الوطني” والمتهم على نطاق واسع بقيادة حملات قمع عنيفة، تحت ذريعة أنهم “لعبوا دورا إيجابيا” في الحد من إراقة الدماء. لكن هذا التبرير الذي صدر من دون شفافية أو تدقيق قانوني، كشف عن سابقة خطيرة تفيد بإمكانية ضمان ما يُسمى بالسلم الأهلي من خلال العفو عن المتهمين بجرائم جسيمة، ما دام ذلك يخدم أهدافا سياسية.

بدلا من أن يهدئ التوتر، أثار المؤتمر الصحافي عاصفة من ردود الفعل الشعبية الغاضبة. وتحدى الصحافيون الحاضرون صوفان مباشرة، واتهموه بتبييض صفحة مجرمي الحرب عبر تصويرهم كوكلاء للسلام. وشددوا على أن روايته أعادت تدوير نهج الاستبداد: صفقات خلف الكواليس، وتسامح انتقائي، والتخلي عن المحاسبة لصالح مكاسب سياسية آنية.

وسارعت منظمات المجتمع المدني وخبراء في القانون وجماعات حقوق الإنسان بالانضمام إلى موجة الإدانة. وشدد المحامون على أن لجنة السلم الأهلي تجاوزت حدودها: فالمحكمة وحدها، وليس هيئة عينت لأسباب سياسية، هي من تملك سلطة تحديد الإدانة أو البراءة. وحذرت منظمات حقوق الإنسان من أن هذه الإجراءات ترسل رسالة مدمرة، تقول إن المحاسبة مسألة مرنة، والعدالة قابلة للتفاوض، ويمكن المصادقة على الإفلات من العقاب إذا كان ذلك مناسبا للحظة السياسية.

عيوب هيكلية عميقة

وما يثير القلق بالقدر نفسه أيضا، هو المنطق الذي تستند إليه قرارات العفو غير الرسمية، التي منحت لشخصيات مثل فادي صقر. فهذه القرارات المرتجلة تقوض بشدة مصداقية مؤسسات العدالة الناشئة في سوريا. فعندما يشاد بأفراد متورطين على نحو موثق في أعمال عنف جماعي، بدلا من محاكمتهم، ينهار التمييز بين مجرم الحرب وباني السلام. وهذا لا يسيء فقط إلى ذكرى الضحايا، بل يشير أيضا إلى أن العدالة تأتي في المرتبة الثانية بعد المنفعة السياسية.

وهكذا فإن نهج الحكومة الحالي في تحقيق العدالة، بدلا من أن يسهم في تحقيق استقرار البلاد، فإنه يفاقم حالة عدم الاستقرار حدة. فعندما تحمي الحكومة أفرادا متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، ومن دون إخضاعهم للتحقيق القانوني، فإنها تبعث رسالة خطيرة بأن العدالة مسألة قابلة للتفاوض، وأن الإفلات من العقاب أداة سياسية فعالة. وهذا لا يقوض سيادة القانون فحسب، بل يمهد الطريق لدورات متجددة من العنف.

والتداعيات واضحة بالفعل. فأعمال القصاص الفردي الانتقامية تتزايد، مع تزايد فقدان المجتمعات ثقتها بآليات المحاسبة الرسمية. وقد نشر عدد من المسلحين في دير الزور تسجيلا مصورا يحذرون فيه من أنهم سيأخذون حقوقهم بأيديهم إذا لم يحاكم الموالون السابقون للنظام.

وفي حريتان، وهي بلدة شمال حلب، ذكرت التقارير أن السكان أصدروا إنذارا نهائيا يمهل العائلات الموالية للأسد مدة 24 ساعة، كي تغادر البلدة، وإلا ستواجه العقاب. وتفيد مصادر محلية، بأن هذه الإجراءات تنبع من تزايد الإحباط من تعامل الحكومة الانتقائي وغير الشفاف مع العدالة.

 والأكثر إثارة للقلق هو تزايد عمليات القتل خارج نطاق القضاء. ففي درعا وحمص وحدهما، اغتيل أكثر من اثني عشر شخصية من النظام السابق خلال الأسبوع الماضي. ولا شك في أن رفض الدولة معالجة جرائم الماضي على نحو علني وعادل، لا يخمد الاضطرابات، بل يثير ردود فعل خطيرة من القصاص الفردي، الذي قد يخرج عن نطاق السيطرة.

وما يبدو أن اللجنة، والسلطات الأوسع، تقلل من شأنه هو أن ما قد توفره هذه السلطات من هدوء مؤقت، عندما تعطي الأولوية لتحقيق مكاسب سياسية سريعة بتعاونها مع الجناة المعروفين، يهدد هو نفسه بإثارة حالة من عدم الاستقرار أشد وطأة. وكما تظهر الأحداث الأخيرة، يؤجج هذا النهج فعلا تصاعدا خطيرا في جرائم القصاص الفردي والانتقام. ولن يصمد السلام المبني على صدمات لم تعالج، وجرائم مرت بلا عقاب.

ليست سوريا أول دولة تخرج من صراع مسلح وحشي. فقد أعرب الرئيس المؤقت الشرع عن رغبته الشديدة في تجنب الأنظمة القائمة على المحاصصة الطائفية كما هو الحال في لبنان والعراق. ومع أن هذا القلق مبرر، فإنه ليس سوى درس واحد من دروس كثيرة يمكن استخلاصها من هذين البلدين. فقد سعى كل من لبنان والعراق إلى تحقيق الاستقرار عبر إبرام اتفاقات نخبوية مع أمراء الحرب والمقاتلين السابقين. وفي كلتا الحالتين، تمأسس الإفلات من العقاب، وهمشت العدالة، وظل الاستقرار السياسي طويل الأمد أمرا بعيد المنال.

ينبغي على الحكومة الانتقالية أن تسلك مسارا مختلفا. فلا يمكن إعادة بناء سوريا بإعادة استيعاب مهندسي العنف السابق في مواقع السلطة. فهذا لا يسيء إلى كرامة الضحايا وذكراهم فحسب، بل يقوض أسس الدولة الجديدة.

العدالة ليست تهديدا للسلام. إنما هي الطريق إليه. وأي تسوية سياسية لا تضع الحقيقة والعدالة وكرامة الضحايا في صميمها ليست حلا، بل هي تأجيل للأزمة القادمة… تستحق سوريا ما هو أفضل من الصفقات الغامضة وأكثر من أمراء الحرب المعاد تدويرهم. تستحق مستقبلا يرتكز على القانون والمحاسبة، وأصوات من عانوا المعاناة الأسوأ.

المعادلة بسيطة: لا سلام حقيقيا، ولا طريق للتعافي، ولا مصالحة وطنية من دون عدالة.

المجلة

—————————————

حفارو القبور ونابشوها في سورية/ حسام أبو حامد

17 يونيو 2025

وفق منهج “العلاج بالمعنى” للطبيب النفسي، النمساوي فيكتور فرانكل، بين الصدمة والاستجابة “مساحة تكمن فيها حرّيتنا”، أي أن ما يحدّد مصيرنا ليس الصدمة نفسها، وإنما ردّة فعلنا تجاهها، وفيها تكمن الحرّية التي لا يمكن لأحد أن يسلبنا إياها. لا تكتمل هذه المساحة، بحسب الفيلسوف الهندي أمارتيا سن، من دون وعي أخلاقي، فالانتقام كثيراً ما يخلق مساواةً في الوحشية لا في العدالة، فالعدالة إنصاف، لا يمكن اختزالها في العقاب الانتقامي، وإلا فقدت جوهرها الأخلاقي. لكن السوريين، الذين ودّعوا، منذ شهور قليلة، عقوداً من القتل والقمع والتهجير، يبدو أنهم لا يجدون هذه المساحة بسهولة. منهم من استسلم لمشاعر الغضب بدل البكاء، وللرغبة في الانتقام استعجالاً للعدالة. فبعد سقوط نظام بشّار الأسد، الذي حفر طوال 14 عاماً قبور معارضيه، وجد سوريون أنفسهم في لحظة يتصارع فيها الألم مع القيم، والرغبة في الانتقام مع الحلم ببداية جديدة. وسط هذا المشهد، طفت في السطح حوادث نبش قبور رموز النظام السابق وتحطيم شواهدها، بل حتى (وفق تقارير) حرق جثثهم وذرّ رفاتهم. تثير أمثال هذه الحوادث أسئلةً أخلاقيةً: هل يجوز نبش قبر، حتى لو كان صاحبه جلّاداً؟ هل نبني عدالةً، أم نعيد تدوير الإهانة؟ وهل تتحقّق كرامة الضحية بتدنيس قبر جلّادها؟

يعتبر علم النفس الاجتماعي أن نبش القبور مؤشّر إلى فشل جماعي في التعبير عن الحزن. هو انفعال بلا أفق، ولحظة نشوة قد تتحوّل لعنةً أخلاقيةً دائمةً. من يريد بناء الحاضر لا يطارد جثث الماضي، بل يواجهها بشجاعة القانون، فبدلاً من إخراج الموتى من قبورهم، يمكن محاكمة أفعالهم. ففي جنوب أفريقيا، رفضت لجنة الحقيقة والمصالحة نبش قبور رموز الفصل العنصري، ورد ديزموند توتو (كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق والحائز على جائزة نوبل للسلام) على المطالبين بذلك، فقال: “ابنوا متاحف تفضح جرائمهم من دون أن تُلوّثوا أيديكم”. اختارت كيب تاون الاعتراف العلني بالجرائم، من دون إذلال الأموات. أمّا يورغن هابرماس فينصح من أجل “محو آثار الجلّادين” أن نبدأ بـ”محو ثقافة التمجيد، لا بانتهاك الجثث.” ما تحتاجه سورية اليوم ليس جَلد العظام، بل كشف الحقيقة. تبدأ العدالة الحقيقية عندما نُدين الأفعال، لا الأجساد. عندما نخلّد الماضي في متاحف الذاكرة، لا في صور الجثث المُنتهكَة.

ليس هناك ما يبرّر نبش القبور، فهذا الفعل غير المشروع أخلاقياً وقانونياً لا يصنع دولةَ قانون، ولا يمكن للانتقام، حتى لو كان موجّهاً إلى جلّاد، أن يكون جزءاً من مشروع مصالحة وطنية. ومع تلكّؤ السلطات الجديدة في سورية في المضي نحو العدالة الانتقالية، قد نشهد نبش مزيدٍ من القبور، تزامناً مع اكتشاف مزيد من مقابرَ جماعيةٍ حفرها النظام القديم ورجاله. مع ذلك، فإن نبش القبور ليس مجرّد خطيئة ضدّ الموتى، بل هو خطر على الأحياء، يشوّه الضحية، ويجرّها إلى حلقة العنف الأبدي، وقد رصد تقرير “العدالة الانتقالية في المجتمعات الإسلامية” (معهد السلام الأميركي، 2024) تصاعد العنف الطائفي بنسبة 200% في دول نبشت فيها قبور رموز أنظمة سابقة (العراق، ليبيا)، ومن يبرّر هذه الممارسات، بحجّة أن الضحايا يحقّ لهم ما لا يحقّ لغيرهم، فإنه ينسى أن ما يميّز الضحية من جلّادها هو الأخلاق. فالانتقام ليس عدالةً، بل مرآة للظلم الأول. فحين يُصبح الميت وسيلةً لتفريغ الغضب، نكون قد حوّلنا طاقة الألم أداةَ تخريب. قد يختار السوري الغضب لأنه لم يمنح نفسه حقّ البكاء، لكنّه غضب بلا مخرج، ولا يحمل مشروعاً سياسياً ولا أخلاقياً، بل يتحوّل استنزافاً داخلياً طويلاً، فلا يبني الوطن غضبٌ ينبش قبراً، بل يؤسّس جولةً جديدة من الكراهية والعنف، هذه المرّة ضدّ قيم العدالة نفسها.

قد يعكس القبر أخلاق الحيّ أكثر ممّا يحفظ جسد الميت، فحين ينزل الضحية إلى مستوى جلّاده، يفقد قضيته السياسية الأخلاقية. نبش القبور ليس عدالةً مؤجّلةً، بل هو فتنة مؤجّلة، وحين تُمسك بمعول الغضب، تُفلتُ من يدكَ مفاتيح العدالة. فلنغلق القبور بإحكام، لا لأن موتاها لا يستحقّون المحاسبة، بل لأننا (نحن) من يستحقّ الحياة.

العربي الجديد

——————————–

 نظرة في نماذج العدالة الانتقالية ومعضلاتها/ مصطفى إبراهيم المصطفى

2025.06.17

يُقال إن معركة الاستحواذ على السلطة أيسر من تشكيل الدولة وإقامة العدل بعد ذلك بالنسبة إلى النظام الجديد، فغالبًا ما تواجه الأنظمة الناشئة معضلة التغلب على موروث ضخم من الجرائم السابقة. ولم يكن من السهولة الوصول إلى إجابات شافية لمتطلبات العدالة في مرحلة انتقال السلطة، حيث تطفو على السطح قضايا جوهرية؛ أخلاقيًا وقانونيًا وسياسيًا.

وغالبًا ما تتنازع الرغبة الأخلاقية في معاقبة المذنب مع معطيات الواقع السياسي الذي يفرض إرساء دعائم الوحدة الوطنية. وتشير التجارب إلى ثلاث مقاربات عامة يمكن للنظام الجديد اختيار واحدة منها عند تسوية جرائم النظام السابق.

أولًا: القصاص العنيف

يُعدّ القصاص العنيف أحد سُبل تحقيق العدالة والإنصاف من الجرائم الشنيعة. حين يستولي الناس على السلطة في غمرة العواصف السياسية الهوجاء التي تعقب معاناة طويلة مع القمع والاستبداد، فإنهم ينتهزون الفرصة لمعاقبة الطغاة السابقين واجتثاث كل من يدّعي الحق في تَسَلّم زمام حكمهم الجديد. غالبًا ما ينظر الناس إلى الجزاء كمرحلة من مراحل التغيير الثوري، حيث تنتفض الجماهير الغاضبة لتزلزل أركان النظام القديم الذي أذاقها مرارة القهر والإجرام، ولتفرض عقوبات خارج نطاق القانون تطال لائحة طويلة من الآثام التي اقترفها رموزه في الماضي. وبذلك يُطيح الزعماء الجدد بالحرس القديم في النظام السابق.

يخدم العقاب الصارم مصالح سياسية بالغة الأهمية، تتمثل في القضاء على خصومهم السياسيين. إلى جانب ذلك، تُعدّ مرحلة الجزاء العنيف بمثابة تطهير عاطفي يمنح الناس شعورًا بقيام العدل، كما أن الرضا الشعبي الناجم عن رؤية الطغاة السابقين مغلوبين على أمرهم قد يُظلل النظام الجديد بشرعية واسعة. بيد أن الانتقام العنيف وسيلة مكلفة لتحقيق الرضا الشعبي، فالعنف يتحول – في أغلب الأحيان – إلى دوامة رهيبة تجرّ مزيدًا من أعمال العنف. وقد يُسبب العنف انقسامات حادة في المجتمع عوضًا عن توفير الشرعية، ولربما يُثير حمّام الدم المرافق للثورة اشمئزاز المواطنين الصالحين، فيعاني النظام الجديد من ضعف في الشرعية بعدما شكّل بارقة أمل لانتصار السلطة الأخلاقية.

ثانيًا: نسيان الماضي

لتجنب دوامة الانتقام العنيف، يُعد نسيان الماضي حلًا مناسبًا لمجتمع خائر القوى، ولا سيما إن كان قد خرج لتوه من حالة حرب. يعتقد بعض الزعماء السياسيين أن النسيان هو السبيل لتحاشي الخلاف حول الماضي، ويساعد في الحفاظ على السلام الاجتماعي وإرساء دعائم الوحدة الوطنية. ولدى الزعماء السياسيين أيضًا حوافز قوية لمحو قضية الجرائم السابقة ونسيانها وشطبها من الأجندة السياسية؛ إن لم يكن ثمة خوف يُذكر من احتمال استعار نيران العنف نتيجة الخلاف حولها. من تلك الحوافز مثلًا: تجنب دفع مبالغ مالية طائلة تعويضًا لضحايا الجرائم السابقة. إلى جانب ذلك، يفيد النسيان في إزالة قضية عاطفية ومثيرة للجدل من على الأجندة السياسية المكتظة بأولويات خطيرة أخرى في مرحلة انتقال السلطة. مثلًا، على المستوى السوري، تُعدّ إزالة العقوبات عن سوريا وتصحيح علاقاتها مع محيطها الإقليمي والدولي أولوية قصوى.

في كثير من الحالات لا يدوم نسيان الماضي إلى الأبد، فغالبًا ما يظهر لاعبون جدد على مسرح السياسة – من جيل أصغر سنًا على الأرجح – ليطرحوا قضايا اعتُبرت من المحرمات فيما مضى. ومن مزايا التأجيل هنا أن طرح هذه القضايا الحساسة من قبل أشخاص ليس لهم صلة مباشرة بالجرائم قد يُسهّل إمكانية معالجتها بموضوعية بعيدًا عن الحساسيات الشخصية. من ناحية أخرى، كثيرًا ما سمعنا تحذيرات تؤكد أن من ينسى ماضيه سيُحكم عليه بتكراره. تلك ببساطة هي النظرية المعهودة التي تُسوّغ العقوبات الجنائية: العقوبة تردع الجريمة وتفصل المجرمين عن المجتمع وتحميه من أفعالهم مستقبلًا.

ثالثًا: سياسات الحق والعدل

تُقدّم العقيدة الديمقراطية حزمة من الأسس لاستخدامها في تقويم سلوك الدولة، فانتهاكات النظام السابق لحقوق الإنسان تستحق شجبًا شديد اللهجة، لكنها في الوقت ذاته تُقيّد سياسة الحكومة الجديدة لدى تعاملها مع آثام النظام السابق، فتحظر العقوبة خارج نطاق القانون وتدين العنف المخالف له. ولقد أبدعت الديمقراطيات الناشئة سياسات من شأنها إظهار الحق وإقامة العدل، وذلك بالتركيز على مزيج من الإنصاف المحدود بضوابط قانونية والاعتراف الرسمي بالحقيقة. تُبشّر سياسات الحق والعدل بأن تكون البديل لنقيضين لا يجتمعان: العقاب العنيف ونسيان الماضي. وهذا الحل ليس متكاملًا (إذ إنه أمر يتعذر تطبيقه بأي حال من الأحوال على أرض الواقع في عالم السياسة الذي لا يعرف الرحمة)، لكنه قابل للتطبيق من المنظور السياسي ومعقول أخلاقيًا.

1- الإنصاف القانوني:

مع دنوّ نهاية القرن العشرين، لم تكتفِ الدول التي نشأت بعد انهيار النظام الشيوعي بمحاكمة حفنة من الشخصيات البارزة لتكون كبش الفداء، بل تبنّت باقة متنوعة من استراتيجيات الإنصاف القانوني بهدف تحديد الملام في جرائم الدولة.

أ- المحاكمات – القانون الجنائي/الجاني:

تُعد المحاكمات الجنائية لمن استغل السلطة أو ارتكب انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان تحت مظلة النظام السابق من أبرز الأمثلة على الإنصاف القانوني. لكن محاكمات كهذه نادرة نسبيًا في طور الانتقال إلى الديمقراطية، نظرًا لما يترتب عليها من مشكلات سياسية وقانونية شائكة. مثلًا: من المسؤول الحقيقي في الهرم العسكري أو السياسي عن ارتكاب الجرائم السابقة؟ إلى جانب ذلك، يتمتع الجناة بأنماط جديدة من الحماية المدنية تضمن لهم الحق في محاكمة عادلة، كما يواجه الادعاء العام صعوبات في جمع الأدلة التي تُثبت وقوع جرم عفا عليه الزمان. من هنا، كان مستبعدًا نجاح الأنظمة الديمقراطية الناشئة التي تستخدم الإنصاف القانوني كوسيلة للمصالحة مع الماضي في تنظيم عدد كبير من المحاكمات الجنائية.

ب- التطهير – القانون المدني/الجاني:

يُصنف التطهير، أي تسريح الجاني من وظيفته أو تجريده من بعض حقوقه السياسية، ضمن أنماط الجزاء المخفف. ولما كان هذا الإجراء القانوني ينضوي تحت مظلة القانون المدني؛ تتدنى عتبة أدوات الحماية الإجرائية التي تُطبق عليه، فتقل بذلك تعقيداته القانونية مقارنة بالمحاكمات. لكنه، بالمقابل، قد يشعل سجالًا سياسيًا حاميًا إن طال حفنة من المسؤولين ذوي النفوذ.

ج- التعويض المادي – القانون المدني/الضحية:

قد يحدث أن يقرر النظام الجديد تعويض ضحايا النظام السابق (جبر الضرر). والتعويض هو استرداد شيء ما أو مستوى من الرفاهية ربما يتمتع به الفرد لو لم يتأثر سلبًا بظلم وقع عليه من قبل فرد آخر. تبخل بعض البلدان بالتعويض على الأفراد، في حين يمكن أن يصل السخاء في العطاء ببلدان أخرى إلى حدّ إحداث نقلة نوعية في مستوى رفاهية الفرد. لكن الصعوبة هنا تكمن في إيجاد آلية لتحديد فئات الأفراد التي تستحق التعويض فعلًا. فمع انقضاء ليل الاستبداد، يستطيع الشعب بغالبيته التظلّم، وبذلك يفقد التعويض العام معناه، كما أنه يستنزف الموارد الاقتصادية للبلاد.

د- إعادة التأهيل – القانون الجنائي/الضحية:

والمقصود هنا من اعتقلهم النظام السابق، ويندرج ضمن هذه الفئة نقض الأحكام الجنائية التي صدرت بحق الضحايا، أي إعادة تأهيلهم. إن إعادة تأهيل الأفراد بصورة تامة معناها تمكينهم من المطالبة بحقوقهم المدنية والسياسية كاملة. لكن هذه العملية لا تشمل أي نوع من العقوبات. وعلى الرغم من أن قيمة إعادة التأهيل رمزية في المقام الأول، إلا أنها توفر للضحية سجلًا عدليًا نظيفًا، هذا إلى جانب ارتباطها في بلدان كثيرة بالتعويض المادي.

2- المصارحة (البوح بالحقيقة):

تستخدم الدولة سلطتها لفضح جرائم النظام السابق، وتتخذ هذه السياسة أشكالًا شتّى: المساءلة النيابية، أو تشكيل لجنة تقصي الحقائق، أو فتح المحفوظات لأغراض الاستعمال الخاص والمهني. إن الكشف عن حقيقة الجرائم التي اقترفتها الدولة في الماضي بمثابة اعتراف من الحكومة الناشئة بحقوق الضحايا، ولربما مهّد ذلك لتقديم اعتذار رسمي من قبل الحكومة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.

مما سبق، يمكن القول: إن تطبيق العدالة الانتقالية مسألة غاية في التعقيد، كما أن الحكومات المحلية ليست حرة في تطبيق الأسلوب الذي تراه مناسبًا، إذ يخضع اتخاذ القرار في هذا الشأن لكثير من الاعتبارات الداخلية والخارجية.

ملاحظة: مادة المقال مأخوذة من كتاب معضلات العدالة الانتقالية لـ”نويل كالهون”.

تلفزيون سوريا

———————————–

 تضم أطفالاً وذويهم.. اكتشاف مقبرة جماعية لمجزرة ارتكبها النظام المخلوع شمالي حمص

2025.06.15

عثرت إدارة الأمن الداخلي على مقبرة جماعية في ريف حمص الشمالي، تضم رفات 11 شخصاً تبيّن أنهم ضحايا مجزرة ارتكبتها قوات النظام المخلوع في السنوات الأولى من الثورة السورية.

وأفاد مصدر محلي لموقع تلفزيون سوريا بأن المقبرة عُثر عليها في قرية خربة السودا شمال غربي مدينة حمص، مشيراً إلى أنها تضم رفات 11 شخصاً من أبناء البلدة، قُتلوا على يد قوات النظام المخلوع عام 2013.

من جانبه، أوضح المسؤول الأمني في منطقة تلبيسة، مصطفى أحمد، أن قوى الأمن تلقت قبل أيام بلاغاً بوجود مقبرة جماعية في خربة السودا، تضم رفات 11 شخصاً، بينهم عدة أطفال ووالدهم وأقاربهم.

وأضاف في تصريح من موقع المقبرة أنه جرت متابعة البلاغ وأُخذت إفادات من السكان، بينها شهادة إحدى الناجيات التي أصيبت بجروح وفقدت عدداً من أفراد أسرتها في المجزرة ذاتها.

وأكد أحمد إلقاء القبض على أحد المتورطين في ارتكاب المجزرة، مشدداً على أن السلطات الأمنية تواصل التحقيقات لملاحقة جميع المتورطين وتقديمهم إلى القضاء.

المقابر الجماعية في سوريا

ومنذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول الماضي، عثر الأهالي على عشرات المقابر الجماعية التي تعود لضحايا تمت تصفيتهم على يد قواته والميليشيات التابعة لها.

ويوم الأربعاء الماضي، عثر أهالٍ في محيط قرية الطليسية بريف حماة الشرقي على مقبرة جماعية تضم رفات تعود لسكان مدنيين من المنطقة.

وذكرت مصادر محلية أن أحد المزارعين عثر على المقبرة داخل بئر مياه في محيط القرية، وتضم رفات نحو 30 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، بحسب تقديرات الأهالي والفرق الإنسانية.

وفي وقت لاحق، أعلن المحامي العام في حماة، أيمن عثمان، تفاصيل العثور على المقبرة الجماعية في قرية الطليسية، مؤكداً التعرف إلى هويتي اثنين من الضحايا وإبلاغ ذويهما.

وقال عثمان إنهم تلقوا بلاغاً يفيد بوجود بئرين في قرية الطليسية يحتويان على رفات بشرية لم يتبقَّ منها سوى العظام، ويُرجّح بشدة أنها تعود لضحايا النظام المخلوع.

ولفت إلى التعرف على هويتي اثنين من الضحايا وتسليم جثمانيهما إلى ذويهما، في حين سُلّمت بقية الرفات إلى لجنة مختصة من الهلال الأحمر السوري، تضم خبراء في الطب الشرعي وحقوق الإنسان، لاستكمال التحقيقات وكشف هويات الضحايا إن أمكن.

وأكد توثيق الواقعة بالكامل وفق الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن الحادثة تكشف مجدداً جانباً من الجرائم التي ارتُكبت على يد النظام المخلوع، ومشدداً على الالتزام بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وذويهم، وعدم إفلات أي مجرم من العقاب.

——————————-

——————————-

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى