مصير ثلاثة معاهد سورية: المعهد العالي للفنون السينمائية، المعهد العالي للموسيقى و المعهد العالي للفنون المسرحية

المعهد العالي للفنون السينمائية… مشروع تأخّر وحلم بالنتائج/ عماد كركص
24 يونيو 2025
يحتفل المعهد العالي للفنون السينمائية العام الحالي (2025) بتخريج أول دفعة من طلابه، وهو المشروع الذي كان من المفترض أن تعرفه سورية منذ القرن الماضي، وهي البلد التي شهدت صناعة سينمائية في سبعينيات ذلك القرن وثمانينياته، بغض النظر عن مستواها، لكن تلك السينما السورية تراجعت، حتى وصلت إلى مرحلة الاضمحلال، فيما يأمل الشغوفون بالفن السابع أن يكون المعهد محطة بناء جديدة للسينما السورية، تقوم على أسس أكاديمية صحيحة تقدم الكوادر لهذا الفن الذي له جمهوره الواسع في البلاد.
يضم المعهد قسمين، الأول للإخراج السينمائي، والثاني للسيناريو والنقد السينمائي، وكأي مشروع فني في بدايته، يطمح المعهد لزيادة أقسامه، ليكون مساهماً في كل ما تطلبه صناعة السينما، من نص وإخراج وسينوغرافيا وحتى الإنتاج.
لم نتمكن خلال جولتنا في أروقة المعهد من لقاء طلاب السنة الرابعة، أي دفعة التخرج لهذا العام، بسبب انشغالهم بالتحضير للامتحانات والاختبارات العملية، لكننا حضرنا بعض المحاضرات والاختبارات التي يجريها طلاب الفصول الأخرى، والتي أظهرت شغفاً لدى الطلاب بالسينما، ربما يترك عند محبي السينما تفاؤلاً بمستقبل أفضل لهذا الفن في البلاد.
يرى فادي الدمشقي، الطالب في السنة الثالثة بقسم السيناريو والنقد السينمائي، أن صناعة التلفزيون موجودة بقوة في سورية، لكنها تستقطب في ما يخص الكاميرا والسيناريو خصوصيات السينما، منبهاً أن وجود المعهد سيعطي للإنتاج السينمائي خصوصيته من حيث دراسة أدواته، أهمها السيناريو والإخراج.
درس علاء السمّان الهندسة المعلوماتية وتخرج في كليتها، لكن شغفه بالسينما ساقه إلى المعهد وهو يجلس على مقاعد السنة الأولى بقسم الإخراج، ويعتقد أنهم في الدفعات الأولى في المعهد المستحدث، عليهم أن يكونوا اللبنة الأساسية لصناعة سينما حقيقية في سورية.
وباعتبار أن المؤسّسة العامة للسينما، وهي تتبع وزارة الثقافة، الجهة الحكومية الوحيدة في سورية التي تتبنّى إنتاج أعمال سينمائية، يأمل علاء أن يدفع الوضع الجديد في البلاد إلى إنهاء الوساطة والمحسوبية والفساد الذي كان متفشّياً في عهد النظام السابق، وأن تكون المؤسّسة منفتحةً على الأسماء الشابة وصناع السينما الحقيقيين لإنتاج سينما احترافية، وألا تعتمد المؤسّسة على عدة أسماء معروفين بقربهم من النظام السابق من خلال التركيز على دعمهم فقط.
ينبّه علاء، أيضاً، إلى أن دعم السينما من وزارة الثقافة وإعطاء تسهيلات لشركات الإنتاج الخاصة، قد يقطع التفكير لدى صنّاع السينما، ولا سيما الطلاب الذين سيتخرجون في المعهد، بالذهاب نحو سوق الدراما لتحسين وضعهم المادي.
لم تعرف سورية دراسة السيناريو أكاديمياً رغم وجود المعهد العالي للفنون المسرحية منذ السبعينيات، الأمر الذي وفره معهد السينما بوصفه قسماً رئيسياً يهدف إلى إعداد طالب متمرّس في وضع الفكرة بقالبها بشكل احترافي.
يقول الطالب بشّار الشيخ، وهو من السنة الأولى في قسم السيناريو، إن السيناريو بدأ من المسرح، ثم للسينما، ثم للدراما التلفزيونية. بالتالي، هناك مشتركات للسيناريو في هذه المجالات مع فروق بسيطة. ويرى أن الإنتاج السينمائي في سورية توفر إمكانات غير متوفرة حالياً، وتبدأ من توفير هذه الإمكانات لطلاب المعهد لصناعة أفلامهم، ليضعوا أقدامهم على أول طريق العمل الحقيقي بعد التخرج أو خلال الدراسة. ويتفق الطالب في قسم السيناريو، بشير كيوان، مع زميله بشّار، بأن السيناريو يحتاج إلى دراسة أكاديمية، ما يساعد في صناعة منتج سينمائي احترافي وفق قواعد مدروسة.
شهدت سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته إنتاجاً سينمائياً، ربما يكون وصفه بـ “السينما التجارية”، القائمة على الكوميديا أحياناً، والأعمال المبتذلة التي تحتوي الإغراء في أحيان أخرى، وبدلاً من جعل هذا الإنتاج جذّاباً ووضعه في الإطار الصحيح ليوائم بين عاملي الترفيه والرسالة الموجهة إلى الجمهور، تضاءل تدريجياً حتى اختفى، وانحصر الإنتاج السينمائي في سورية على بعض الأفلام، معظمها من فئة الأفلام القصيرة الموجّهة إلى النخبة والهادفة إلى حصد الجوائز في المهرجانات الدولية، لكنها لا تقدّم مادة تجذب المتلقي والجمهور العادي.
ترى رزان البن، وهي طالبة في السنة الأولى في قسم الإخراج، أن السينما بالتأكيد تحتاج إلى جمهور، وأن الأساس في صناعة السينما استقطاب الجمهور، لكنها تفيد بأن التوجه نحو ما وصفتها الأفلام النخبوية، ولا سيما القصيرة، تبقى خيارات للمخرجين وصنّاع السينما ليُرسِّخوا أفكارهم في هذا المجال. ولا تحبّذ رزان وصف “السينما التجارية” بقدر ما هي “سينما جماهيرية”، مشيرة إلى أن من شأن صناعتها وأهميتها في البلد أن يعطي هوية للسينما السورية.
وفي أثناء وجودنا في المعهد، كان الأستاذ في قسم الإخراج، غيث المحمود، يقيم ورشة لطلاب السنة الثالثة، تتعلق بالسينوغرافيا (فن تصميم وتنفيذ العناصر البصرية والمكانية التي تشكل بيئة العمل السينمائي)، وهي مادة ليست مدرجة في المناهج الرئيسية للمعهد، لكن الطالبة في قسم الإخراج، إيمار نعناع، تشدّد على أهمية وجود السينوغرافيا مادّة رئيسية أو قسم منفصل في المعهد، لتحقيق التكامل في الإنتاج السينمائي، بدءاً من النص والإخراج ثم الإلمام بتجهيز العناصر المكانية والبصرية لأي عمل.
يقول المحمود إنهم وجدوا في المعهد جوانب منهاجية في حاجة إلى ترميم، لذلك كان القرار بوجود ورشة السينوغرافيا، منبّهاً إلى أهمية أن يملك المخرج أدوات السينوغرافيا لصناعة فيلمه من تحديد المزاج اللوني للفيلم وتجهيز أعماق المكان وأبعاده، بالإضافة إلى دراسة الشخصيات وإعطائها الألوان والأزياء المناسبة. وينبّه محمود إلى أهمية وجود قسم للسينوغرافيا في المعهد مستقبلاً، ويؤكّد أهمية إنشاء مؤسّسة خاصة، تتبع لوزارة الثقافة أو المؤسّسة العامة للسينما، من شأنها أن توفر إمكانات السينوغرافيا من مكان الإنتاج واستديوهاته وعناصره، لمساعدة طلاب المعهد وصنّاع السينما بشكل عام.
تحدّيات كثيرة تواجه المعهد، في مقدّمتها توفير الاحتياجات، ويقول الطالب علي زينو من السنة الأولى في قسم الإخراج إن إمكانات المعهد بالنسبة للمعدّات تكاد تكون شبه معدومة، ولا سيما في ما يتعلق بالكاميرات وأدوات الإضاءة، وإن مشكلة الكهرباء وانقطاعها يؤثران كثيراً على تدريباتهم العملية الخاصة بالمونتاج وعرض الأفلام ودراستها. ويعبّر الطالب عن مخاوف استباقية بشأن صناعة السينما في الوضع الجديد في البلاد، ويفصح عن خشيته من أن تستمرّ الرقابة التي كان يفرضها النظام السابق خلال العهد الجديد، بصورةٍ أو شكلٍ مختلفين.
وتحدّثت عميد المعهد، ميسون علي، عن تأسيسه والتأخّر في إحداثه. وقالت إنه ولد في ظروف صعبة، ورغم الأجور الزهيدة التي تقدم رواتب للمدرّسين، اعتبروا تدريس الطلاب وتخريج أجيال سينمائية للبلاد بمثابة رسالة من دون الالتفات إلى العائد المادي. ورغم ذلك، تشتكي علي من نقص في الكادر التدريسي لمواد الاختصاص في قسمي المعهد، كما نحن في حاجة إلى معدّات ولا سيما لقسم الإخراج وتجهيز استوديو يليق بتدريس الطلبة. وأكّدت علي أن الطلاب حصلوا على المعارف اللازمة في المعهد لصناعة سينما حقيقية، ومن ثم بناء هوية سينمائية سورية، وما يحتاجون إليه حالياً الدعم، وتضيف: “رغم أننا حصلنا على دعم لأعمال دفعة التخرّج من المؤسّسة العامة للسينما، ولجنة صناعة الدراما، إلا أن ذلك غير كاف، فالأمر يحتاج إلى الاستمرارية لما بعد التخرّج”.
وعن توقّعها واقع الفنون في سورية، ولا سيما صناعة السينما في ظل الوضع الجديد في البلاد، قالت علي إن “الصورة لم تتبلور بعد بشكل كامل”، لكنها أشارت إلى لقاءات صانعي سينما ودراما مع وزير الثقافة تضمنت تقديم مقترحات لدعم واقع السينما بكل جوانبه، لكن تقديم المقترحات غير كافٍ إن لم يقترن بتنفيذها في الواقع، والأهم البدء بتفعيل وفتح دور السينما خطوة رئيسية للنهوض بصناعة السينما في سورية.
العربي الجديد
————————————–
المعهد العالي للموسيقى… إبداع كثير وإمكانات قليلة/ عماد كركص
24 يونيو 2025
من بغداد إلى دمشق، ساقت الأقدار الموسيقار العراقي الراحل صلحي الوادي، الذي غدا سوريّ الهوى والطباع، ليؤسس لبلده الثاني المعهد العالي للموسيقى، مساهماً في وضع خططه وبرامجه ومناهجه، ليفرز فيما بعد عديد المشاريع الموسيقية، ويلتذّ فيه موسيقيون وملحنون ومغنون أثبتوا حضورهم في الساحتين السورية والعربية.
جال ملحق “سورية الجديدة” في المعهد، في محاولة للوقوف على واقعه، بعد 35 عاماً على تأسيسه، ونحو ستة أشهر على دخول سورية في عهد جديد، من شأنه أن يغير المفاهيم السياسية وربما حتى الاجتماعية والفنية فيها.
ورغم أن المعهد تأسّس عام 1990 ويضم ثمانية أقسام للآلات الوترية والنفخية والإيقاعية والبيانو والموسيقى العربية والأداء الأوركسترالي والكورال وموسيقى الحجرة والغناء الكلاسيكي والعلوم النظرية، فإنه لا يزال يفتقر إلى التجهيزات الحديثة، لكن كفاءة مدرّسيه وتراكم الخبرة وعلوّ كعب المواهب السورية، كلها عوامل لا تزال تعطي للمعهد ثقله وحضوره في تخريج موسيقيين ومغنّين لهم وزنهم في الساحة الفنية.
تحدّث دانيال حرفوش، وهو طالب في السنة الرابعة في المعهد، يختص بآلة البزق، عن أهمية الموسيقى في ظل الحرب وما بعدها، منبّهاً إلى أن الموسيقى من أسمى الفنون التي تعالج روح الإنسان، ولا سيما السوري الذي عاش 14 عاماً من الحرب المدمّرة في بلاده. وقال “الموسيقى والغناء لغة يفهمها الجميع، والجميع يلجأ إليهما لتخفيف الآلام والضغوط، ولا سيّما التي عشناها نحن السوريين خلال سنوات الحرب”. ويشدّد دانيال على أن الموسيقي يجب أن يكون مؤهّلاً أكاديمياً، كي لا تتشوّه موسيقاه. ومن هنا أهمية الدراسة الأكاديمية في المعهد، للعزف والغناء، فالمعهد يمكّن الطالب من تطوير أدواته شرط وجود الموهبة لديه، وتطوير هذه الأدوات يكون بصقل الموهبة أكاديمياً، بحسبه.
لم يتوسّع دانيال في استشراف المستقبل، أو وضع تخمينات ربما لا تكون بمكانها، ولا سيّما في ظل الوضع الجديد في سورية بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، لكنه يأمل أن تندفع السلطات الحالية نحو تبنّي الفنون السورية ودعمها في مجملها، وليس الموسيقى فحسب. وقال: “علينا أن نتجاوز الحروب، وتكون لدينا لغات أخرى نتفاهم بها، ومنها الموسيقى والفن بشكل عام”.
ودانيال واحدٌ من مئات الطلاب الذين يتقدمون سنوياً للمعهد، لكن الصرامة في اختبارات القبول والمعايير التي تفرضها لوائحه، تجعل الناجين من تلك الاختبارات والنفوذ إلى مقاعد الدراسة إنجازاً كبيراً نظراً إلى محدودية المقبولين، فالمعهد، وبأقسامه الثمانية، لا يقبل سوى نخبة الموهوبين الذين يجيدون أساساً العزف على آلةٍ ما أو أكثر، أو الغناء، ثم يصقل المعهد موهبتهم بالتعليم الأكاديمي بمستوى عالٍ من المناهج، وعلى يد موسيقيين خبراء ومحترفين.
خلال جولتنا في المعهد، كانت تسمع ألحان بروفة آلات شرقية من إحدى الصالات، وقف المايسترو وعميد المعهد عدنان فتح الله، أمام الطلبة الذين احتضن كل منهم آلته الموسيقية الاختصاصية، ليراقب كل بُعد وكل علامة موسيقية من تلك الآلات مع ملاحظاتٍ عديدة يعطيها ويوقف العزف لأجلها، رغم أنها غير ملاحظة على سمع المتلقي العادي. وقد أجاب عن سؤال بشأن التشديد على تلك الملاحظات: “لهذا نحن نخرج موسيقياً ومغنّياً فناناً بمستوى عال”.
تخرّجت أسماء موسيقية وفنية كثيرة معروفة في المعهد العالي للموسيقى، منهم رضوان نصري وقائد الفرقة الوطنية السيمفونية ميساك باغبودريان، بالإضافة إلى المايسترو العالمي أندريه معلولي والراحل حسام بريمو.
تحضر الموسيقى الكلاسيكية والغناء الأوبرالي في المعهد، من خلال طلبةٍ عديدين انحازوا إلى هذا الاختصاص، ويشرف على تدريسهم المغني الأوبرالي، فادي عطية، الذي قال إن “الحدود بين الفنون ليست واضحة أو شاسعة، فدائماً هناك تداخل بين مختلف أنماط الموسيقى في العالم، وهذا سببه الجغرافيا من خلال التلاصق بين منطقة وأخرى والفواصل بينها تحمل تشابهاً كثيراً، وقس على ذلك”. مضيفاً: “سورية وعبر التاريخ، كانت منطلقاً للأفكار الإبداعية والثقافات للعالم، فدائما كانت مجمعاً للثقافات والفنون، ومنطلقاً لها في الوقت نفسه، ويعود ذلك إلى وقوعها في موقع جغرافي حيوي تعزّزه سواحل البحر الأبيض المتوسط الذي كانت تركب من خلاله الفنون والثقافة لتنطلق إلى العالم”.
ويعتز المغني عطية بـ “الصف” الذي يدرّس به في المعهد، ويعتبره الرحم الذي تخرّجت فيه عدة أجيال في هذا الاختصاص (الغناء الأوبرالي). وعن التحدّيات التي واجهتهم خلال سنوات الحرب، أو التي تواجههم في المعهد للاستمرار في تخريج طلاب الموسيقى والغناء، قال عطية إن الحرب أنهكت جميع السوريين، وإن استمرار الطلاب والأساتذة في المعهد كان بدافع الشغف لديهم، من دون أن يكون لديهم حافز آخر سوى ذلك، “عندما أرى النتائج النهائية، أنسى كل شيء، احتفظ بذاكراتي بالنتيجة وهي الأهم”.
ويرى عطية أن مسؤولية وزارة الثقافة عن المعهد أمرٌ غير سليم، ففي الدول المتقدّمة لا وزارات للثقافة، إنما الناس هم من يصنعون الثقافة والفنون ومنها الموسيقى، ويضيف: “المطلوب أن تكون لدينا رؤية لكي نصنع ثقافة أو نورّط الناس بها، ونورّط الناس بالموسيقى. ونحن ليس لدينا رؤية، وهذا يقع على عاتق الجهات الحكومية، فهناك كثير من الأنشطة الفنية والثقافية من غير المعروف الهدف منها. الرؤية هي الأهم حالياً، وإذا أرادت وزارة الثقافة دعم الفنون ومنها الموسيقى فعليها فقط أن ترسم الرؤية، وماذا نريد من الفنون”.
ليس لدى المدرّس والمغني عطية مخاوف على الموسيقى في الوضع الجديد، لكنه يرى أيضاً أن هناك بعض المطبات في الطريق ريثما تتضح الصورة في البلد، “فأكثر ما يقلق الناس ومنهم الفنانون والموسيقيون عدم وضوح الرؤية والصورة للمستقبل، لكن ليس لدي مخاوف، لأن سورية مر عليها الكثير، وحافظت على هويتها الثقافية والفنية، وهي حكمت العالم بالثقافة، فمن الصعب تغير نمط حياتها الثقافية، لكننا حالياً نحن في حاجة إلى السلام ونسيان الحرب، وهذا يكون من خلال إعطاء المجال للفنون لتأخذ دورها”.
دانيا مقلد وآية الشاعر، طالبتان في المعهد اختصتا في الغناء الأوبرالي، قالتا إن الغناء هو الشيء الوحيد الذي كان يخرجهما من أجواء الحرب القاسية، والغناء والموسيقى، بحسبهما، قادران على تجاوز مفرزات الحرب بعد انتهائها والعبور بالإنسان السوري نحو الأفضل. وعن جلب اهتمام المتلقي السوري إلى الفن الأوبرالي، المختلف عن الثقافة الفنية في بلد عربي كسورية، قالت الطالبتان إن من شأن مشاركة الأنشطة الأوبرالية ودمجها مع فنون الرقص والمسرح فهم قصة أي عمل أوبرالي للمتلقي، وبالتالي، عندما يستوعب المتلقي قصة العمل، قد يحسن من التفاعل معه.
ورغم أن التعليم الموسيقى في سورية كان حاضراً منذ منتصف القرن الماضي من خلال عدّة مراكز، كان للمعهد أن يؤسّس لاستراتيجية واضحة في التعليم الأكاديمي الموسيقى، وعلى ذلك خرجت منه فرق عديدة، أبرزها الأوركسترا الوطنية السورية وكورال الحجرة وفرقة الموسيقا العربية.
العربي الجديد
—————————-
المعهد العالي للفنون المسرحية… مخاوف تتبدّد بانتظار الدعم/ عماد كركص
24 يونيو 2025
عشرات نجوم الدراما السورية الذين عرفتهم الشاشة العربية على مدى عقود انطلقوا من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، الذي تأسّس عام 1977 ورفد الدراما السورية بكثيرين من كوادرها، والتي وصلت منذ الثمانينات إلى الشاشات العربية، ولا تزال تحتل موقعا مهماً عليها، إلا أن رفده المسرح السوري والعربي لا يزال قاصراً نتيجة عوامل عدة.
تجوّل ملحق “سورية الجديدة” في أروقة المعهد، بأقسامه: التمثيل، السينوغرافيا، الدراسات المسرحية، الرقص، الفنون الصوتية والضوئية. تعرّفنا قدر الممكن إلى أبرز المشكلات التي تواجهه، ومخاوف كوادره وطلابه بعد تحرير البلاد، وقد بدأت تتبدّد شيئا فشيئا، سيما أن المعهد استأنف نشاطه ودروسه بعد سقوط نظام الأسد بيوم، ولا يزال مستمرّاً كما المعتاد، وقد زار “سورية الجديد” المعهد في وقت يتهيأ الطلّاب لتقديم امتحانات العام الحالي.
كان من أول الاستفهامات، وأكثرها إلحاحاً، ما يتعلق باسم المعهد المفترض أن يخرّج ممثلين مسرحيين، لا سيما من قسم التمثيل، لكن الغالبية العظمى من الخرّيجين ما إن ينفذوا خارج بوابة المعهد حتى يقصدوا طريق الدراما. غير أن الطالب أحمد الدرويش صنّف المسرح أنه وُجد ليكون من أدوات الترفيه للشعوب، وفي ظل الوضع الحالي لسورية، حاجات الشعب كثيرة حتى يصل إلى طلب الترفيه. ونوّه إلى أن الوصول إلى مسرح يقصده الناس سيجعل الممثل مهتمّاً بتقديم مسرح حقيقي وعدم وضع الذهاب إلى الدراما أولوية لتامين مردوده للعيش.
يقف أحمد على الخشبة إلى جانب زملائه في دفعة التخرّج للعام الدراسي الحالي، لوضع اللمسات الأخيرة على العرض النهائي الخاص بالتخرّج، وكلهم أمل بمستقبل أفضل بعيداً عن سلطة الرقيب بعد سقوط النظام الذي كان يفرض رقابة صارمة على كل النصوص الفنية في المسرح والدراما، فيما عبّر أحمد عن ارتياح للوضع الجديد في البلاد مع السلطة الحالية، وقال: “كانت هناك قيود، ملموسة وغير ملموسة في السابق، لكننا اليوم نشعر بالحرية في التعبير، هناك فسحة أمل كبيرة، جعلتنا نغير أنا ومعظم زملائي من وضع السفر أولوية بعد التخرج، إلى بناء الأحلام على أساس صناعة فن حقيقي في البلاد، لكن ما ينقصنا مزيد من الاهتمام”.
يريد أحمد أن يبعد رؤيته إلى المستقبل عن التنميط الذي يطاول السلطات الحالية، القادمة من خلفياتٍ محافظة بمعظمها، موضحاً أن الانفتاح الذي أبدته في كل المجالات وليس الفن فقط، يترجم على أرض الواقع، عن قناعة أو من دونها، حسب تعبيره، إلا أن ما يهم الفنانين، والسوريين في العموم، ما يلمسونه في حياتهم اليومية، وقال: “هم يقومون بخطوات إيجابية، تجعلني أتفاءل بمستقبل أفضل”.
يدخل الطلاب إلى المعهد في التاسعة صباحا، وقد تستمر دروسهم النظرية والعملية حتى التاسعة ليلا، ما يجعل الارتباط وثيقاً بين الطلاب والأساتذة مع المكان، لكن ذلك لا يخلو من منغّصات، فالبنية التحتية للمعهد بدت مستهلكة بشكل كبير، علاوة على أن الوضع الاقتصادي والمادي يرخي بظله على المدرسين والطلاب، فلدى معظم الطلاب الذين تحدثنا إليهم همّ تأمين أجور التنقل والمواصلات من المعهد وإليه، أما المدرّسون، فيكفي القول إن أكبر مرتب لمدرس لا يتجاوز عتبة 40 دولاراً شهرياً.
على ذلك، تحسين وضع المدرسين والطلاب على حد سواء حاجةٌ ملحّةٌ وليس كمالية، بحسب الأستاذ المشرف على دفعة التخرج في قسم التمثيل في المعهد، يزن الدهوك، الذي يختلف مع الطالب أحمد الدرويش بأن المسرح ليس رفاهية، بل هو حاجة، لكن “ابتلاع سوق الدراما الخرّيجين والممثلين بالعموم لا ينبع من رغبة بذلك، وإنما من أن العمل للمسرح لا يجعل الممثل يعيش حياة كريمة من النهاية المادية”، معبّراً عن أسفه لهذه الحقيقة.
أبدى الداهوك تفاؤله بالطلاب الـ 16 الذين سيتخرّجون من قسم التمثيل لهذا العام، معتقداً أن مستقبلهم الفني سيكون واعداً في حال توفرت لهم الظروف الملائمة لصناعة فن حقيقي، ولم يبد الداهوك أي مخاوف أو تفاؤل بشأن مستقبل الفن في ظل السلطة الحالية، سيما فيما يخص التعامل مع المعهد، قائلا: “لم يكن هناك اختبار حقيقي مع السلطة يخصّ هذا المكان بالتحديد، لكن ما نتمنّاه منهم الاهتمام وإعطاؤنا هامش الاستقلالية الذي يتطلبه الفن وصناعته”.
بدا هامش الحرية ملحوظاً داخل المعهد، سيّما مع حضورنا محاضرة الإلقاء المسرحي لأستاذة المادة، ندى العبد الله، حيث بدأت باختيار نصوص لكتاب سوريين، منعت أعمالهم في عهد النظام المخلوع، أو تعرّضوا للتهميش والإهمال بسبب مواقفهم المعارضة، كأعمال إبراهيم صموئيل وخالد خليفة وغيرهما. وقد زار وزير الثقافة محمد صالح المعهد، إلا أن العبد الله ولكن لقاء عمل حقيقي معه أو مع الوزارة لوضع خطط وآليات للعمل لم يحدُث، منوهة إلى أن الإدارة الحالية للبلاد، وفيما يخص التعاطي مع الفنون أبدت اهتماما بالدراما وإنتاجها، لكنها قالت: “يبدو أن المسرح خارج اهتماماتهم، ويجب معالجة هذا الجانب”. وعبرت ندى العبد لله عن مخاوف مشروعة تخصّ النواحي الأمنية، سيما مع قلاقل تتكرّر بين فينة وأخرى، كذلك كرّرت شكاوى الأساتذة والطلاب من قلة الدعم اللوجستي والهيكلي للمعهد وكوادره، منوّهة إلى أن “تحسين أداء المعهد وزيادة فاعليته يحتاج الكثير”.
معظم طلاب قسم الرقص في المعهد من الإناث، هذا ما يجعل المخاوف في حضور المرأة داخل هذا الحقل الفني في ظل العهد الجديد مشروعة، لكن الطالبة في السنة الثالثة في القسم، دانة أبو حسّون، نوّهت إلى أن المؤشّرات لتعاطي الحكومة مع الفنون تسير نحو الإيجابية، متوقّعة أن ينسحب ذلك على فن الرقص وتعليمه في المعهد. وقالت أبو حسون إن النظرة غير الراضية عن فن الرقص في المجتمع السوري غير مرتبطة بسلطة أو حكومة، وإنما هناك شريحة واسعة من المجتمع تنمّط هذا الفن في قوالب مختلفة، أقله أنه ليس حاجة ولا نفع من وجوده، بحسبها، ولكنها أشارت إلى أن هناك دعم من المهتمين بهذا الفن، وأضافت “في أي هواية أو فن أو أي عمل تقوم به، هناك من يتقبل وهناك من يرفض، وهذا طبيعي، المهم أن نستمر نحن من دون يوضع أمامنا عوائق”.
كان ختام الجولة في المعهد في مكتب عميد المعهد بالوكالة والأستاذ في قسم الفنون الصوتية والضوئية، عمّار الحامض، الذي تحدّث عن تحدّيات واحتياجات كثيرة يجب أن تتوفر للمعهد في أقرب وقت، وقال: “أنشئ المعهد منذ نحو 50 عاماً، من دون أنْ يُضاف له أي شيء يدعم بنيته التحتية. ورغم أنه بدأ بقسمين، فإنه اليوم يضم خمسة أقسام. الاستديوهات والمسارح لدينا مستهلكة نتيجة التدريب المتواصل، والمعدّات لدينا بأقل إمكاناتها. وباختصار، البنية التحتية لدينا مهترئة، ونحن بحاجة إلى سرعةٍ في ترميم ذلك نظراً إلى حاجته”.
يعرف المعهد العالي للفنون المسرحية، منذ تأسيسه، بصرامته في عملية قبول الطلاب، لا سيما في قسم التمثيل، حيث يتقدم كل عام لهذا القسم مثلا، حوالي 800 إلى ألف طالب وربما أكثر، سيقبل منهم ما بين 12 إلى 16 أو 17 بالحد الأعلى. وبشأن إمكانية فتح المجال بشكل أكبر أمام الموهوبين للدراسة في المعهد، قال الحامض: “أولاً، نحتاج المكان الواسع، والمجهز تجهيزاً لائقاً يناسب استيعاب عدد أكبر من الطلاب، وهذا غير كاف إن لم تتوفر الكوادر والخبرات التدريسية، مثلا اليوم معظم الأساتذة لدينا من الخرّيجين. كما أن لدى المدرّسين القدامى في المعهد انقطاع كبير عن الخارج والبعثات التي تطوّر من أداء المدرّس، ولكي نستطيع أن نطلب من الخبرات والكفاءات السورية في الخارج والداخل الانضمام لأسرة المعهد والتدريس داخله، يجب تحسين دخل المدرّسين وأجورهم، فلا يعقل أن مدرّساً في المعهد الذي يُصدر واحدة من أهم الواجهات الثقافية في البلد، أن يتقاضى مبلغ 30 إلى 40 دولاراً شهرياً”.
وقال الحامض إن كل هذا المطالب موضوعة أمام وزارة الثقافة. ونوّه إلى وعود بتحقيق ما يمكن لتحسين وضع المعهد للأفضل، أما بخصوص المخاوف التي كانت حاضرة ولا تزال، فقال: “لا ننكر أنه كانت في بداية التحرير مخاوف من إغلاق المعهد، ثم بعد شهر أو شهرين تضاءلت هذه المخاوف إلى توقع بإيقاف قسم الرقص. وبعد مضي أكثر من ستة أشهر، نجد أن الأمور تسير جيداً، فلم نتعرّض لمضايقات أو حتى تدخل في عملنا، على العكس نلقى تشجيعا من الوزارة، وزارنا الوزير وسنحدد لقاء عمل معه، بالتالي نحن نسير كما المعتاد ولدينا نتاج نحافظ عليه”.
ملحق سورية الجديدة
العربي الجديد



