صفحات الثقافة

«التنوير المظلم»: كيف نظّرت الفلسفة لصعود ترامب؟/ حسام الدين محمد

كان كورتيس يارفن، مهندس الكومبيوتر المنقلب فيلسوفا، أول من فتح باب التنظير لما سمّي حركة «الرجعية الجديدة» New Reactiorism، وما لبث نيك لاند الفيلسوف الإنكليزي غريب الأطوار، أن أعطى دفعة فلسفية بنفحة أعمق مبتكرا مصطلحا جديدا للحركة هو «التنوير المظلم»، وكان بيتر ثيل المستثمر الكبير في وادي السليكون، أحد أعمدة هذه الحركة الأوائل (الذي انضم إليه صديقه إيلون ماسك، وزميله في ما سمّي «عصابة باي بال»).

يقترح «فلاسفة» هذه الحركة أن العمر الافتراضي للنظام الديمقراطي انتهى، وأن الوقت حان لحاكم مستبد يدير الولايات المتحدة الأمريكية، مثل مدير تنفيذي لشركة ويتخلّص من تفاصيل الليبرالية «المنحطة» (مثل جامعة هارفرد وصحيفة «نيويورك تايمز»). لا عجب أن يارفن القادم إلى الفلسفة من هندسة الكومبيوتر، هو حاليا أحد أهم الأشخاص المؤثرين في النخبة المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

طوّر يارفن المبادئ الأولى للحركة في مدونة كان ينشرها تحت اسم مستعار، مينسيوس مولدبغ، ونشرت دار نشر يمينية متطرّفة مختارات له (كان مؤسسها أيضا يكتب باسم مستعار!)، وحسب مواقع أمريكية فإن «لا أحد أثّر في تفكير جي دي فانس (نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) أكثر منه». يتبدّى تأثير يارفن بشكل واضح في «بودكاست» ظهر فيه مع مايكل أنتون، مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، على منصة حوار تدعى «عقل أمريكي» التابعة لمعهد كليرمونت اليميني المتطرّف، الذي ينظر إليه، بسبب تأثيره الكبير على إدارة ترامب، «مركز أعصاب اليمين الأمريكي».

كيف نطيح بالحكومة الأمريكية؟

وصف موقع «فوكس» الأمريكي يارفن بأنه «الشخص الذي قضى معظم وقته في التفكير في كيفية الإطاحة بالحكومة الأمريكية». لتحقيق ذلك يعلق يارفن آماله على ظهور حاكم أمريكي مستبد يقوم باستئصال البيروقراطية الفدرالية، وبتجاهل أي أحكام قضائية تسعى إلى تقييده، وبإخضاع الكونغرس من خلال تحشيد قاعدته الشعبية ضد من يعترضه من نواب الكونغرس، كما يعمل على إغلاق المؤسسات الإعلامية الليبرالية والجامعات «بشكل فوري».

يقول أنتون ليارفن في المحادثة المذكورة آنفا: «أنت تدعو إلى قيام شخص ما وصل إلى السلطة بشكل قانوني، من خلال الانتخابات، إلى ممارسة الحكم بشكل غير قانوني» فيرد يارفن: «لن يكون ذلك غير قانوني. يمكنك ببساطة إعلان حالة الطوارئ في خطاب تنصيبك». يبدو أن يارفن هنا يقدّم «فتاوى» فلسفية لإضفاء القانونية على الاستبداد مثل أن يقوم المرشّح بشرح ما سيفعله من خطوات معادية للديمقراطية فيمتلك بذلك تفويضا شعبيا بتقويض النظام الديمقراطي وتعليق القوانين!

طبّق ترامب هذه الوصفة فعلا في حملته عام 2024، فوعد بتنفيذ مجموعة واسعة من الإجراءات الاستبدادية والمعادية للديمقراطية، وخاض الانتخابات على أساس هذه الوعود، كما أشار إلى أنه قد يعلن حالة الطوارئ لحل قضية المهاجرين غير الشرعيين في أمريكا، وتحدث عن إرسال الجيش للتعامل مع «العدو الداخلي»، كما وعد بعقاب أشخاص محددين بالاسم مثل، رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، والسيناتور آدم شيف.

مكيافيلي الجديد: حاربوا الجامعات!

في التسجيل نفسه يقول يارفن، إنه بعد تنصيب رئيس مستبد لا يعود ممكنا استمرار الجامعات والمؤسسات الإعلامية مثل هارفارد و»نيويورك تايمز»، وعلى حد قوله: «يمكن لمكيافيلي (المنظر السياسي الإيطالي الشهير) أن يخبرك على الفور أن هذه فكرة غبية» (أي فكرة الإبقاء على هذه المؤسسات الليبرالية).

سعى أنتون (وهو بالمناسبة من أصل لبناني ـ إيطالي)، من ناحيته، جاهدا للمساهمة في تطوير أفكار يارفن، فنشر كتابا عام 2020 بعنوان «المخاطر». أثار الكتاب جدلا في أوساط اليمين الأمريكي وقام فيه أنتون بالتسويق لفكرة الاستبداد بإعادة تغليفه بمصطلح «القيصرية» قائلا، إنها ليست طغيانا عبر الاستيلاء غير القانوني على نظام الحكم، بل «حكم الفرد الاستبدادي الذي تضفي الضرورة عليه الشرعية» لأن «الأمة لم تعد قادرة على حكم نفسها ويجب أن تُحكم».

وجدت هذه الحركة حاضنة شديدة الأثر ضمن كبار شخصيات وادي السليكون، وأوضح أكبرهم تأثيرا في مجال نقد الديمقراطية، بيتر ثيل، هذه التوجّه خلال مناقشة جرت عام 2009 بقوله: «لم أعد أؤمن بأن الحرية والديمقراطية متوافقتان». ثيل، كما هو معروف، من المجموعة التي ابتدأ تأثيرها مع تأسيس «باي بال»، وضمّت إيلون ماسك، الذي لعب دورا كبيرا في إدارة ترامب الحالية. يستشهد نيك لاند، في دراسة طويلة له بعنوان «التنوير المظلم» بمقولة للسياسي البريطاني المحافظ ونستون تشرشل (الذي يصفه ـ مادحا ـ بالـ»نيو ـ رجعي»): «إن أفضل حجة ضد الديمقراطية هي محادثة مدتها خمس دقائق مع الناخب العادي». «مع انتشار فيروس الديمقراطية في المجتمع»، يقول لاند، «يتم استبدال العادات والمواقف التي تراكمت بمجهود شاق من الاستثمار الطموح والحكيم والإنساني والصناعي، باستهلاك عقيم وجامح، وانفلات مالي، وسيرك سياسي على شاشات التلفزيون».

هجاء الخارج: المهاجرون والصين!

يرى لاند الذي بدأ مثقفا يساريا متأثرا بماركس ودولوز، وهاجر بعد عام 2000 إلى الصين، أن «من الضروري سحق الأسطورة الديمقراطية القائلة، إن الدولة «تنتمي» إلى المواطنين»، مستشهدا بمولدبغ (حين كان يارين معروفا بهذا الاسم المستعار)، يثنّي لاند على فكرة الخلاص من الديمقراطية عبر اعتبار الدولة شركة تمتلك بلدا، وأنه يجب إدارته مثل أي شركة كبيرة أخرى عن طريق تقسيم الملكية إلى أسهم قابلة للتداول، كل منها يدر جزءا محددا من الأرباح. «الدولة التي تدار بشكل جيد مربحة للغاية»، على حد قوله. تعكس المعارك المحتدمة على هذه «الجبهة الفلسفية»، في اعتقادي، تغيّرا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا هائلا كان المفكر المستقبلي الأمريكي ألفن توفلر أول من فسّر أسبابه الاجتماعية بشكل عميق في كتابه «حضارة الموجة الثالثة» (ومنها فكرته عن تعاظم نفوذ المديرين التنفيذيين للشركات)، وقد تتالت بعدها كتب كثيرة في كل المجالات المعرفية تشرّح هذه المرحلة.

تحفل الحركة بالكثير من المفارقات النظرية والفكرية (مثل تقريظها للحريات الفردية وهجائها للديمقراطية)، كما تتشابه وتتقارب مع أسس حركات رجعية سابقة (باستثناء، ربما، أن هذه الحركة تحتفي بفكرة الرجعية)، لكنّها، مع ذلك «حركة جديدة» كونها تجهد للتعبير عن أوضاع عالمية طارئة، وفيما يركّز أقطاب هذه الحركة جل همّهم على التنظير لسياسات داخلية مشغولة بتنصيب مستبدّ بعقلية مدير شركة (وهي صفات تنطبق على ترامب) فإنهم يتجاهلون قصدا أسباب الأزمات الحقيقية لأمريكا، وعلى رأسها تقلّص الديمقراطية وميزانيات التعليم والحريات. يستبدل هذا بوصفة مجربة معروفة وهي العمل على هجاء الخارج وتحميله المسؤولية، من الصين إلى المهاجرين، وفي الأثناء يتم العمل على استكمال مركزية الاحتكار العالمي بيد أمريكا والغرب، سواء عبر حرب التعرفات الجمركية، أو عبر الحروب الدموية الجارية في الشرق الأوسط، كمقدّمات لإخضاع بقية العالم وتطويق الصين والهند.

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى