سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

الحسكة.. ظاهرة “التشليح” تثير النزاعات العشائرية وتهدد بتداعيات خطيرة/ محمد جفال

18 يونيو 2025

شهدت مدينة الحسكة وأريافها، في السنوات الأخيرة، تصاعدًا مقلقًا في ظاهرة السطو المسلح، المعروفة محليًا باسم “التشليح”. هذه الظاهرة، التي باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن والاستقرار الاجتماعي في المنطقة، تتجاوز حدود السرقة البسيطة لتصل إلى جرائم القتل والإصابات الخطيرة، بل وحتى النزاعات العشائرية التي تهدد النسيج الاجتماعي.

تفاقم الظاهرة.. الأسباب والتكتيكات

تعد ظاهرة “التشليح” واحدة من التحديات الأمنية التي تفاقمت في الحسكة منذ بداية الأزمة السورية، حيث استغلت عصابات منظمة حالة عدم الاستقرار الأمني لتوسيع نطاق عملياتها. تعتمد هذه العصابات على أساليب متطورة لاستدراج ضحاياها، وأبرزها استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك.

يتم عرض سلع جذابة مثل السيارات، الدراجات النارية، الآلات الزراعية، أو الأدوات المنزلية بأسعار منخفضة بشكل لافت، مما يجذب الباحثين عن الصفقات الرخيصة. بعد ذلك، يتم تزويد الضحايا بأرقام للتواصل، ليتم استدراجهم إلى مناطق نائية أو مهجورة حيث يسهل الاستفراد بهم.

تتركز هذه العمليات في بؤرتين رئيسيتين؛ هما: طريق الحسكة – الهول بالقرب من جبل كوكب شرق المدينة، والضواحي القريبة من الحسكة على طريق الحسكة – الشدادي جنوبًا. هذه المناطق، التي تفتقر إلى الرقابة الأمنية الكافية، أصبحت وكرًا للعصابات التي تنفذ عملياتها بجرأة متزايدة.

تداعيات خطيرة.. من السرقة إلى القتل

لم تقتصر نتائج عمليات “التشليح” على السرقة أو الاعتداءات البسيطة، بل امتدت لتشمل جرائم قتل وإصابات خطيرة. في بعض الحالات، يلجأ أفراد العصابات إلى تصفية الضحايا الذين يقاومون أو يتعرفون على أحدهم، مما يفاقم من خطورة هذه الجرائم.

    ظاهرة “التشليح” ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي تحدٍ اجتماعي يهدد تماسك المجتمع. ومع استمرار هذه الجرائم

على سبيل المثال، شهدت قرية سبع سكور بريف الحسكة الجنوبي الشرقي حادثة سطو في الفترة الاخيرة، حيث خسر الضحية مبلغ 3000 دولار أميركي و700 ألف ليرة سورية، بالإضافة إلى هاتفين محمولين. وفي حادثة أخرى على طريق حي النشوة داخل المدينة، سلب مسلحان مواطنًا 350 دولارًا أميركيًا قبل أن يلوذا بالفرار.

أما الحادثة الأكثر خطورة، فقد طالت وجيهًا عشائريًا برفقة ابنه على طريق بين قريتي السحيل والمجيبرة بريف الحسكة الشرقي. استهدفت العصابة الضحية بالرصاص المباشر بعد سلبه 5 ملايين ليرة سورية وأجهزة خلوية، مما أدى إلى إصابته بجروح متفاوتة.

هذه الحوادث، وغيرها، أثارت حالة من الذعر بين السكان، الذين بدأوا يشعرون بانعدام الأمان حتى في مناطقهم السكنية.

تداعيات اجتماعية.. نزاعات عشائرية وتوترات

تجاوزت تداعيات “التشليح” الخسائر المادية والبشرية لتصل إلى إثارة نزاعات عشائرية. في بعض الحالات، تحولت هذه الجرائم إلى صراعات بين عائلات الضحايا والعصابات، مما أدى إلى حرق منازل وتسجيل إصابات إضافية.

على سبيل المثال، شهدت أرياف الحسكة توترًا واشتباكات بين قبيلتين بعد مقتل شاب من قرية “خربة جاموس” على يد مسلحين في منطقة تكثر فيها عمليات السطو.

هذه النزاعات أثارت استياءً واسعًا في المجتمع المحلي، حيث أكد المواطن علي العلي أن ظاهرة “التشليح” تتعارض مع الأعراف الاجتماعية والتعاليم الدينية. ودعا إلى تكاتف المجتمع للقضاء عليها قبل أن تتفاقم إلى مستويات أخطر.

من جانبه، أشار عواد المحمد إلى أن الأعراف العشائرية تنبذ هذه الأفعال “المشينة” التي تعكس “فكرًا إجراميًا لا إنسانيًا”. وأضاف أن العديد من القبائل في الجزيرة أصدرت بيانات تستنكر هذه الظاهرة، معلنة براءتها من مرتكبيها ومؤكدة طردهم من العشائر.

شهادات الضحايا.. قصص مأساوية

تكشف قصص الضحايا عن الوجه القاسي لهذه الظاهرة. أيمن حماد، أحد الضحايا، روى تجربته المروعة بعد تعرضه لعملية سطو في قرية العابد، على بعد كيلومترين شرق الحسكة. اعترضت عصابة مكونة من ثلاثة أشخاص طريقه في وادٍ قريب، حيث سلبوه مبلغًا ماليًا وهاتفه الخلوي قبل أن يطعنوه في البطن.

نجا أيمن بأعجوبة بعد إسعافه، لكنه لا يزال يعاني من آثار الحادثة النفسية والجسدية.

في حادثة أخرى، تعرض موظفون تابعون لمنظمة “سيف ذا جيلدرن” لعملية سطو على طريق الهول، مما يعكس استهداف هذه العصابات لمختلف فئات المجتمع، بما في ذلك العاملين في المجال الإنساني. هذه القصص تؤكد الحاجة الملحة لتدخل أمني فعال للحد من هذه الجرائم.

التعاون المجتمعي وزيادة الوعي

لتتمكن الحسكة من استعادة أمنها واستقرارها، يتطلب الأمر جهودًا من المجتمع المحلي، ومن الضروري تعزيز الرقابة الأمنية في المناطق النائية، وزيادة الوعي المجتمعي بمخاطر الوقوع في فخ العروض الوهمية. كما يمكن للعشائر أن تلعب دورًا مهمًا في ردع هذه الجرائم من خلال استمرارها في نبذ مرتكبيها ورفض أي تغطية لهم.

إن ظاهرة “التشليح” ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي تحدٍ اجتماعي يهدد تماسك المجتمع. ومع استمرار هذه الجرائم، يبقى الأمل معلقًا على تعاون الجميع لاستعادة الأمان وإنهاء هذا الكابوس الذي يهدد حياة الأبرياء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى