من ستراسبورغ إلى دمشق: ذاكرة الضحايا في معرضين تركيبيين/ علي سفر

لأحد 2025/07/06
في أحد شوارع مدينة ستراسبورغ، حيث درج السياح على القدوم لتأمل الكاتدرائية الكبيرة، يتوقف هؤلاء حين يرون فساتين مصنوعة بذائقة مختلفة عما يعرفونه، تتهادى فوق رؤوسهم، معلقة على حبال تمتد لمئات الأمتار. تتنقل التفاصيل في عدسات الكاميرات لتحكي عن المعرض التركيبي المختلف الذي ابتكرته الفنانة الكوسوفية البريطانية ألكيتا جافا مريبا ويحمل عنوان “أفكر فيكThinking of You “، ويقتصر على رفع الملابس النسائية الآتية من بلدان عدة هي: كوسوفو ومالي وسوريا وأوكرانيا وساحل العاج، وكينيا، وجنوب السودان، وغواتيمالا، وميانمار، وأثيوبيا، وغيرها.
في تدقيق المحتوى غير المألوف ستشرح اللوحة الكبيرة التي يتوقف عندها الفضوليون، عن المشروع الذي بدأته الفنانة منذ عدة سنوات، كتركيب فني مكرّس للناجيات من العنف الجنسي في زمن الحرب، تم عرضه في عدة مواقع لتكريم النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي خلال حرب كوسوفو (1998–1999)، غير أن تراكم حالات الضحايا في بلدان عدّة دفع صاحبة المشروع للتعاون مع الناجيات، والشبكات، والمؤسسات، بهدف خلق فضاءات عامة تُقدّم تحية لهؤلاء النساء وتُخلّد ذكراهن من خلال الفن.
تاريخ تكتبه ثياب المغتصبات
بدأ عرض هذا العمل لأول مرة عام 2015 في كوسوفو، ثم في عام 2024 في لاهاي، في المحكمة الدولية للسلام والعدالة. وها هو يصل إلى قلب ستراسبورغ عاصمة الاتحاد الأوروبي ومقر برلمانه، لتصبح تنانير النساء وفساتينهن صورة رمزية للضحايا ولتبقى بمثابة نداء لعدم النسيان، ورسالة أمل في أن تحصل الناجيات على العدالة التي يستحققنها.
قطع الثياب هنا، وهي تتحرك مع الهواء، تعيد العابرين المتأملين إلى اختلاجات خيالية، بين صور الحروب والصرخات التي خرجت من الضحايا اللواتي دفعن الأثمان، وبين تكرار أفعال لا تتوقف، يصبح فيها فعل الاعتداء الجنسي جزءًا من سياق الجرائم ضد الإنسانية، وليس فقط انتهاكًا فرديًا، وهو كذلك أداة لتفكيك النسيج الاجتماعي عبر وصم الضحايا وعزل المجتمعات. وهو اغتصاب سياسي، أي اعتداء جنسي هدفه فرض إرادة سياسية أو ثقافية أو إثنية، وهو أيضًا وسيلة لإعادة تعريف الهوية العرقية، مثل “تلويث” نسل جماعة مستهدفة.
وفي دمشق، على بعد عدة آلاف من الكيلومترات، انتهى قبل عدة أيام معرض تركيبي مختلف أيضًا، ابتكرته الفنانة رانيا النجدي، حمل عنوان “لمن لم يُذكر ولن يُنسى”، استضافه المتحف الوطني بدمشق على مدى ثلاثة أيام، برعاية وزارة الثقافة، بهدف الإضاءة على قضية المعتقلين والمغيبين قسرًا في سوريا.
اجتماع الاسى
ضم المعرض عملاً تركيبياً مؤلفاً من 1500 طير ورقي كُتبت عليها أسماء شهداء ومفقودين ومغيبين، واستخدمت النجدي المعتقلة السابقة في سجون الأسد، لتحقيق العمل تقنية “فن الأورغامي” اليابانية، حيث اختارت الطيور بعناية لتشكل رمزاً للحرية والأمل.
الطيور الورقية في متحف دمشق تتقابل مع ملابس النساء في ستراسبورغ، لتشكلا سوية تقاطعات في المحتوى رغم الاختلاف في الأدوات. فاختفاء الأجساد من ملابسها يُشعرك بأنك ترى مشهدية رجراجة بين الأساطير والقصائد التي تحكي عن البشر حين يتحولون إلى طيور، غير أن رجع الفكرة لا يغدو مبهجًا حين تصبح الطيور الورقية كناية عن المعتقلين المختفين في السجون الأسدية!
وبهذا، ستعاد أمام المتابع لقضايا الحريات، البحث عن المغيبين قسريًا، والدلالات المترابطة بين فعل الاعتداء الجنسي والتعذيب المفضي إلى الموت في السجون. يمكن مقاربة الاغتصاب في الحروب مع عمليات إبادة المعتقلين من حيث كونهما أداتين ممنهجتين في سياق عنف الدولة أو الجماعات المسلحة، تستهدفان تفكيك الإنسان جسديًا ونفسيًا، وتدمير الجماعة ككيان متكامل، لا مجرد أفراد. وبحسب الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي، فإن سياسات الموت تؤدي إلى أن “يصبح الجسد محل إدارة وتحكم شامل، سواء في ساحات المعركة أو داخل الزنزانة”.
اسماء المعتقلين
وكما أن اغتصاب النساء أو الرجال يُستخدم كوسيلة لتدمير الشرف الجمعي وضرب البنية الرمزية للجماعة، فإن القتل أو التعذيب أو إذلال المعتقلين السياسيين ليس مجرد انتقام فردي، بل أداة لترويع الحاضنة الاجتماعية، تفعل فعلها بعد أن تعيد صياغة الجسد ككائن مكسور خاضع للسلطة.
جريمتان حدثتا بصمت وببطء، ولم يدر بهما أحد سوى الضحايا ومن حولهم، فلم تُرو القصة كما يجب، وبات على أصحاب العلاقة تمثيل تفاصيلها عبر أدوات فنية، لعلها تلفت الانتباه إلى القضية التي تعبر جوديث بتلر عن جوهر الأسى فيها، ومنها، فتقول: “ليس كل موت يُحتسَب كموت، وليس كل ألم يُعترف به كألم”.
معرض لمن لم يذكر ولن ينسى
لكن الواقع بات الآن يلفظ الحقيقة في كل منعطف هنا في ستراسبورغ القديمة، أو في سماء قاعة المتحف الوطني بدمشق، حيث تحول العرض إلى شيء أوسع من مجرد الاشتغال على الرمزية، إذ شارك عازف الكلارينت كنان العظمة في يوم الافتتاح، وأقيمت جلسة حوارية جمعت أهالي الضحايا الذين يطالبون بالعدالة وكشف الحقيقة، أدارها الطبيب النفسي والمعتقل السابق جلال نوفل، واختُتم المعرض بعرض الفيلم الوثائقي “عيوني” للمخرجة ياسمين فضة، الذي وثّق شهادات عن مختفين قسراً.
تُجسد هذه الأعمال الفنية صوتاً يحمل ذاكرة الضحايا ويحول الألم إلى رسالة إنسانية ترفض النسيان. هي أكثر من رموز، تمثل دعوة للعدالة والاعتراف بالحقيقة، حيث يشكل الفن جسراً بين ستراسبورغ ودمشق ليؤكد أن الكرامة صنو الحياة، من خلال كونه مساحة للتعبير والمواجهة وللحفاظ على حقوق الإنسان
المدن



