“شهادات حسن السلوك”… سلطة “الجمهور” في سوريا عوضاً عن القضاء!/ مصطفى الدباس

04.07.2025
المطلوب اليوم ليس تصفية حسابات، بل تأسيس مفهوم جديد للعدالة التي لا تخضع للمواقف ولا للولاءات ولا لحجم الأرشيف الثوري، عبر قضاء مستقل، ومؤسسات تحفظ الحقوق والحريات الفردية والكرامة الإنسانية.
أثار ظهور الشاب عرفان حيدر، وهو جندي سابق فرّ من الجيش السوري، في فيديو وهو يحرق بطاقة التسوية التي منحته إياها الحكومة السورية الجديدة، عاصفة من الغضب والتخوين تجاوزت حدود النقد المشروع لتصل إلى التهديد المباشر بالقتل، والاتهام بأنه من “فلول النظام”، و”ناكر للجميل” و”أيتام الأسد” وغيرها من الاتهامات التي تطاول كثيرين مثله اليوم.
فتح الفيديو باباً واسعاً في النقاش العام حول معنى العدالة وشكل الدولة، ومكانة الفرد في مرحلة ما بعد الأسد، فيما دفعت الاتهامات الشاب الى تسجيل فيديو ثانٍ يشرح فيه تاريخه الثوري ومواقفه وأسباب سخطه، مؤكداً أنه كان من المشاركين في الثورة، وأن نظام الأسد اعتقله مراراً، وسِيق إلى الجيش الإلزامي في 2017، قبل أن يهرب بعد شهرين، ويُمنح بطاقة التسوية، التي باتت بحد ذاتها تهمة على الحواجز الأمنية ومصدر قلق لحامليها، لأنهم جميعاً يصنّفون تحت خانة “فلول النظام”.
بدا حيدر في الفيديو مرتبكاً وكأنه يقدم نفسه الى محكمة غير مرئية، ينتظر منها حكماً بالبراءة، عبر “تزكية” من أحد وجوه الثورة، أو من حساب واسع التأثير في مواقع التواصل، لعله يخرج نفسه من دائرة الخيانة إلى دائرة القبول.
إشكالية “السيرة الثورية”
ما تعكسه هذه القصة ليس خللاً فردياً، بل هو اختلال في بنية مفهوم العدالة، فحين لا يكون القانون هو الفيصل، وتُصبح الحماية مشروطة بـ”سيرتك الثورية” أو بشهادة حسن سلوك من أحد المؤثرين، يختفي مفهوم الدولة لصالح بنية اجتماعية تعيد إنتاج أدوات النظام السابق ذاته، بل وتستعير من آلياته طريقة الحكم والتخوين والمحاسبة.
قصة حيدر ليست الوحيدة، بل واحدة من قصص كثيرة انتشرت في الآونة الأخيرة، تتشابه في أن أبطالها لجأوا إلى مواقع التواصل للحصول على الدعم والتزكية من “مرموقي الثورة”، كي ينالوا الرضى ويثبتوا براءتهم من تهم افتراضية.
هذه الوقائع المتكررة، وإن اختلفت تفاصيلها، تحيل إلى سؤال جوهري: هل العدالة تمنح، أم تحمي؟ وهل المواطنة حق ثابت، أم امتياز مشروط؟ وهل تحوّلت الثورة التي خرجت من أجل الحرية والكرامة، إلى فزاعة أخرى لا تقل قسوة عن النظام، لكنها ترتدي قناعاً مختلفاً، يتم عبرها محاكمة الأفراد على أخلاقيتهم الثورية، وهو شيء غير قابل للقياس أصلاً، من الأفراد الذين يصبحون المرجعية لذلك السلوك، فيما تغيب الدولة كسلطة، عن محاسبة المجرمين الحقيقيين.
خلال موجة التحريض والتخوين التي تعرض لها حيدر، لم تكتفِ بعض الجهات المحسوبة على الثورة بالصمت، بل ساهمت في تأجيج موجات التخوين، وكرست بشكل غير مباشر فكرة أن المواطن لا يستحق الحماية إلا إذا حاز تزكيةً من “ثائر موثوق”، أو صفحة تضمن أنه “من الجماعة”، وهنا يصبح القضاء مسلوباً من موقعه ويستعار من الشارع، وتنفذ الأحكام بناء على مزاج الجمهور، لا على قانون مكتوب أو محكمة مستقلّة.
أرشيف البراء والإدانة
في ظل هذه الذهنية، تختفي الدولة وتذوب معايير العدالة ويتحول الأفراد إلى ملفات مفتوحة أمام الجميع، ومن حق أي أحد أن يحاسِب، وأن يُدين، وأن يصدر حكماً، طالما امتلك جمهوراً يصفّق، أو ذاكرة أرشيفية تنتقي مواقف سياسية قديمة، وتستخدمها كدليل على البراءة أو الجريمة.
يقود ذلك ناشطون و”صحافيون” كانوا يمارسون السلوك ذاته حتى قبل سقوط النظام، لكن ذلك كان يمر من دون جدل لأن سلوكهم كان يستهدف شخصيات إعلامية وعامة مرتبطة بنظام الأسد، من فنانين ورجال أعمال ورياضيين، وغيرهم، ما جعله سلوكاً مقبولاً كـ”جهد صحافي” لكشف دعاية النظام السوري وقوته الناعمة.
العدالة في تعريفها الأساسي يمكن رؤيتها كمفهوم قانوني لحماية الضعيف من تسلّط الأقوى، اقتصادياً وسياسياً. ويمكن عبر العدالة الحقيقية كشف المخطئ من المحق، وعدم تجريم أشخاص لمجرد أنهم مختلفون عن السائد، لأن ذلك لا يعني أنهم مجرمون. لكنّ مفهوماً مشوهاً للعدالة يمارس اليوم في سوريا، فمن يعبر عن الغضب يحاسَب، ومن يعترض على سلطة الأمر الواقع يهدَّد ومن لم يصفّق يطالب بتبرير ماضيه.
ويظهر ذلك كيف أن إسقاط النظام لم يؤدِّ إلى تغيير حقيقي في سوريا، بقدر ما يحيل إلى شعور بتغيير شكلي تغيرت فيه الطائفة الحاكمة وأزياء المسؤولين وأسماؤهم، لا أكثر.
– صحافي سوري مقيم في برلين
درج



