التنقيب عن الذهب… كنوزٌ أثريةٌٌ محرّمةُ تهدّد سرقتها هوية سورية الثقافية/ حسن يوسف فخور

15 يوليو 2025
مع سقوط نظام بشار الأسد، تصدّرت أجهزة كشف المعادن واجهات المحال بأسعارٍ تتجاوز الألفي دولار، ونشطت عمليات التنقيب عن الذهب المدفون على امتداد أراضي سورية الغنية بالإرث الثقافي للحضارات التي تعاقبت عليها، مترافقةً مع نشاط السوق السوداء التي استغلت الفراغ الأمني في معظم الأراضي السورية، وتوسّعت لتشمل عمليات تهريب تجري عبر إحدى الدول المجاورة.
يجري في كل الأراضي السورية شيءٌ يشبه الحمّى، في الأرياف البعيدة جنوباً وشمالاً يستغل لصوص الآثار حالة الفراغ الأمني، ويحفرون الأرض سعياً وراء حلم الذهب. وتمتلئ المجتمعات القروية بحكايات متناقلة، لا تمتلك أي مصداقية، عن محظوظين عثروا على صناديق الذهب، ما يشعل الحمّى لدى الآخرين، ويدفعهم إلى تجريب حظوظهم، ووقوعهم بالتالي ضحايا تجّار الخرائط المزيفة، ولإهدار جهدهم ومالهم ووقتهم خلف سراب.
واقعياً، تعدّ سورية من أغنى الدول بالمواقع الأثرية، حيث تحتوي على آلاف المواقع التي تعود إلى حقب تاريخية مختلفة. منها ثلاثة آلاف موقع أثري مسجل، ومنها مواقع تعود إلى عام 8000 قبل الميلاد. تعود هذه المواقع إلى حقب تاريخية متنوّعة، بدءاً من الحضارات القديمة، مثل الكنعانية والآرامية، مروراً بالحضارات الفارسية والرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى الحضارة الإسلامية. وتتوزّع على مجمل الخريطة السورية، ويقع بعضها في الأرياف النائية، ولا يقتصر على المدن التاريخية الشهيرة، مثل دمشق وحلب وتدمر وبصرى وشهبا.
وكانت صحيفة الغارديان البريطانية قد نقلت عن مصادر محلية وإقليمية أنّ حالات بيع الآثار عبر الحدود بلغت ذروتها في الأشهر القليلة الماضية بتعداد 500 حالةٍ منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي (2024)، فهل يُسقط سقوط نظام الأسد القوانين الناظمة للحق العام؟
الآثار كما تعرّفها المنظمّة العالمية للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو): مكانٌ تاريخي أو بقايا بناءٍ ما أو أدوات من صنع الإنسان، لها قيمة ثقافية وتاريخية خاصة. يشترط رئيس قسم الآثار بكلية الآداب في جامعة دمشق سعيد الحجّي أنْ “يتجاوز عمر البناء أو القطعة الأثرية مئتي عام”، وبناءً عليه، يؤكّد أنّ “الذهب المدفون في سورية هو قطعْ أثرية، وبالتالي يعامل معاملتها في القانون”، وهو ما يُخشى تضرّره بسبب موجة التنقيب العشوائية، فسورية غنيةٌ بالآثار، إذ تحتضن أرضها “عشرة آلاف موقعٍ أثري”، كما يحدّثنا أستاذ مادة متاحف التقاليد الشعبية في ماجستير التراث الشعبي، إضافةً إلى عديد من “الحضارات والثقافات التي تركت آثارها شاهدةً على غنى سورية”.
وعن حقيقة الذهب المدفون، يقول سعيد الحجي إنّ “السوريين القدماء، وحتى الحضارات التي سكنت سورية، كانوا يستخدمون الذهب عملاتٍ نقدية، واعتادوا أن يدفنوا موتاهم مع أشيائهم الخاصة من اللباس والأدوات والثروات، لاعتقادهم بأنّهم سيستخدمونها في حياتهم الأخرى. وتنتشر في سورية مدافن الذهب، إما باعتبارها مدافن عائلية احتوت جثامين الموتى أو مخازن تحوي العملات الذهبية فقط كبنوكٍ بدائية استخدمها الإنسان قديماً”. … وهذا ما يؤكّده خبير التنقيب علي الصوطري الذي ينسب “مدافن الذهب القريبة من سطح الأرض للضباط العثمانيين الذين كانوا يخبئون ثرواتهم في الأراضي السورية في فترة احتلالهم المنطقة، لأنهم كانوا يخطّطون للعودة وأخذ مخازنهم مع خرائط تشير إلى مكان كل مخزن، وهذه الخرائط تُباع اليوم مزوّرة، فأغلب مخازن الذهب العثمانية أخذتها فرنسا قبل خروجها من سورية، وهي مخازن سطحية لا تتجاوز ثلاثة أمتارٍ، دفنها الضباط العثمانيون في أثناء خروجهم من سورية، خوفاً من قطّاع الطرق”، والتي تتميّز بذهبها الذي “يراوح في عياره بين 17 و20 قيراطاً على عمقٍ لا يتجاوز ثلاثة أمتار. أما المخازن العسكرية في فترة الراحة فقد تصل إلى عمق 30 متراً، مختلفاً بذلك عن الذهب الروماني الذي قد يصل مخزنه إلى عمق 48 متراً بعيار 24 قيراطاً”. ويؤكّد الصوطري أنّه “كلما زاد عمق المدفن الروماني ارتفعت مكانة صاحب القبر في قومه، وتضاعفت ثروته”. واستخدم الرومانيون حيلة الخداع؛ إذ “اعتادوا أن يدفنوا العبيد مع أسيادهم، واستغلوها في خداع الباحثين عن الثراء، فيدفنوا العبيد على مقربةٍ من سطح الأرض ويدفنوا معهم جرّةً فخاريةً صغيرةً من الذهب، بينما يخبئون الثروة على عمق أكثر من عشرة أمتارٍ أخرى مع صاحب الثروة”، على خلاف اليهود الذين “لم يكتفوا بالخدع، بل نصبوا الفخاخ السامّة في وجه المنقبين”.
وتعتمد مدافن الذهب عموماً في دلالاتها على”ألغازٍ ترتبط بثقافة الحضارة صاحبة المدفن، وغالباً ما تكون أشكال حيوانات أو حشرات، أو أشكالٍ ترتبط بحواس الإنسان ونمط حياته”. وعن أجهزة كشف المعادن التي يستخدمها الخبراء، يسخر الصوطري من فعالياتها؛ إذ يؤكّد أنها “غير دقيقة، بل تشير إلى كل المعادن القريبة من سطح الأرض وفلزاتها”، مؤكّداً أنّ “قُضبان النحاس أفضل منها وأكثر دقة”. ويُباع الذهب “للصاغة بناءً على الوزن”، كما يخبرنا الصوطري، مشدّداً على أنّ دوره يقتصر على “قراءة الألغاز وفك الشيفرات فقط”.
القانون وشروطه
لا يشرّع القانون السوري التنقيب عن الذهب إلا في حالة الذهب الخام وبشروطٍ معينة، كما يحدّثنا مدير الشؤون القانونية في الهيئة العامة للآثار والمتاحف أيمن سليمان؛ إذ “لا يوجد في سورية قانون خاص يجيز للأفراد أو الشركات التنقيب عن الذهب إلا ضمن إطار استثماري صناعي كبير، ووفق ضوابط قانون الثروة المعدنية رقم 26 لعام 2009، الصادر عن وزارة النفط والثروة المعدنية”، والذي ينصّ على أنّ “أي تنقيب عن المعادن، ومنها الذهب الخام، يحتاج ترخيصاً رسمياً مسبقاً، ويُعد أي تنقيب غير مرخّص جريمةً يعاقب عليها القانون”، تمتد فترة عقوبتها “من سنة إلى ثلاث سنوات حبس مع دفع غرامة مالية، وتشدّد العقوبة لتصل إلى الحبس من خمس إلى عشر سنواتٍ إذا وقعت الجريمة ضمن موقع أثري أو ترتبت عليها أضرار جسيمة، وفق المادة 57”. أما تاجر الآثار، فيعاقب بقانون الآثار وفق المادة 59 التي تنص على أنّ “كل من هرّب أثراً أو اشترك في التهريب أو باعه أو اقتناه مع علمه بأنّه مهرّب، يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من خمس سنوات إلى 15 سنة، وبغرامة لا تقل عن قيمة الأثر المهرّب”. ويؤكّد المحامي أيمن سليمان أنّ سورية “لم تُقر حتى الآن سياسة التعدين الحرفي كما فعلت بعض الدول الأفريقية، والتي تسمح للأفراد أو الجمعيات المحلية بالتنقيب عن الذهب ضمن شروط وضوابط بيئية وقانونية صارمة، وتحت إشراف الدولة”، ويعزو السبب، وفق تحليله، إلى “الاعتبارات البيئية والأمنية، وصعوبة الرقابة”، وتقترح “السلطة الأثرية” كما وصفها من الناحية التشريعية “النظر في وضع إطارٍ قانوني خاص للتنقيب الحرفي المنضبط، يميّز بدقة بين الذهب المعدني والذهب الأثري، ويتيح المجال لتنمية الموارد الطبيعية في إطارٍ رقابي”.
لا يملك الشخص ما يعثر عليه من ذهب أثري أو لقى أثرية، ولو ضمن أرضه الخاصة، وفق قانون الآثار السوري الذي تنص المادّة 28 منه على أنه “تُعتبر جميع الآثار المنقولة وغير المنقولة المكتشفة، مهما كان تاريخها، من أملاك الدولة”، أما الأرض نفسها، فإذا ثبت احتواؤها على آثار، يقول مدير الشؤون القانونية، فإنّها “تُسجل باعتبارها موقعاً أثرياً، وتُمنع أي تغييرات أو تصرفات فيها، أو تُصادر جزئياً أو كلياً وفق المادتين 21 و22 من القانون، مع تعويض المالك”؛ وبالتالي، “الاكتشاف لا يمنح المالك الحق بملكية الأثر أو الذهب الأثري، بل يخضع لمبدأ حماية المال العام والتراث الوطني”، فيما ينص قانون الآثار رقم 222 لعام 1963 على “منح مكافأة مالية للشخص الذي يبلغ السلطات المختصة عن اكتشاف أثري، سواء كان ذهباً أو غيره من اللقى”، فأي شخصٍ يعثر على ذهب أثري بالمصادفة أو في أثناء أعمال مشروعة (غير تنقيبٍ غير مرخص)، وفق ما نقل المحامي أيمن سليمان، “يستحقّ مكافأة مالية، تقدرها السلطات الأثرية شريطة تسليم ما وجده للجهات المختصة فوراً وعدم التستر عليه، وإلا عُدّ مرتكب جريمة”.
وتعمل المديرية العامة للآثار والمتاحف التابعة لوزارة الثقافة بموجب المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 وتعديلاته، وأبرز تعديلٍ على هذا القانون تم بموجب القانون رقم 1 لعام 1999، الذي شدّد العقوبات ووسّع نطاق الحماية القانونية ليشمل المدن والمواقع والمباني التاريخية والمشهد الثقافي والطبيعي، وتُعدّل القوانين المتعلقة بالآثار وفق الأصول الدستورية المعتمدة، كما يشرحها المحامي أيمن سليمان “عبر اقتراح حكومي غالباً من وزارة الثقافة، يخضع للدراسة من اللجان القانونية المختصة ضمن الحكومة، ثم يتم إقرار مشروع القانون في مجلس الشعب، أو عبر مرسومٍ تشريعي يصدره رئيس الجمهورية. ويُراعى في تعديل القانون مواءمته مع التطورات القانونية والالتزامات الدولية”. ويوضح مدير الشؤون القانونية في الهيئة العامة للآثار والمتاحف أنّ “القانون السوري يُولي عناية بالغة لحماية الآثار والتراث الثقافي، بما في ذلك الذهب الأثري، ويُميز بدقة بين التنقيب المشروع وغير المشروع، ويُشدد العقوبات على من يتجاوز هذه الأحكام”. ويؤكّد، في الوقت نفسه، وجود “ثغراتٍ تشريعيةٍ في تنظيم التنقيب عن الذهب الخام، وهو ما يستوجب إصدار تشريع تفصيلي يُنظم ما يُعرف بالتعدين الحرفي أو الأهلي، أسوةً بتجارب دولية ناجحة، شريطة ألا يُخلّ ذلك بحماية الآثار الوطنية أو يُستغل كغطاء لتهريب التراث”، مشيراً إلى أنّه “لا يُمكن تقدير عدد القطع الأثرية التي تمت سرقتها وتهريبها إلى خارج سورية جرّاء عمليات الحفر غير القانوني بحثاً عن الكنوز والآثار”، محاولين “في وزارة الثقافة بكل الإمكانات المتاحة تعضيد جهود الدولة والمجتمع لمكافحة جريمة الحفر غير القانوني بهدف البحث عن الآثار وتهريبها، المواقع الأثرية بحاجة للدعم بالحراس والمراقبين والآليات والعتاد، وبحاجةٍ لتكثيف جهود وزارتي الدفاع والداخلية للتصدي لعصابات الآثار المسلحة”.
تراث ثقافي
تدخل مدافن الذهب ضمن نطاق التراث الثقافي المادي الذي تحميه اتفاقيات (اليونسكو)، شرط أن تتوافر فيها صفة “التراث الثقافي” بحسب تعريف الاتفاقيات، ولا سيما اتفاقيتي 1970 و2001، ويسترسل دكتور محاضر في ماجستير التراث الشعبي، رفض الإفصاح عن اسمه، بالشرح عن مضمونهما؛ إذ تنص المادة 1 من اتفاقية (اليونسكو) لعام 1970 الخاصة بـ”وسائل حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة”، على أنّ “المدافن، بما فيها المدافن الذهبية، تدخل ضمن تعريف الممتلكات الثقافية إذا كانت نتاجاً لحضارةٍ أو لثقافةٍ أو لدينٍ ما، سواء كانت نادرة أو ذات أهميةٍ أثريةٍ أو تاريخية أو فنيةٍ”. ويشمل ذلك “الكنوز الأثرية المستخرجة من الحفريات، أو من باطن الأرض أو البحر، مثل العملات الذهبية والدفائن”، فيما تؤكّد اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لعام 2001 أنّ “أي أثرٍ بشري، بما في ذلك البضائع أو الممتلكات ذات الطابع الثقافي أو التاريخي التي مضى على وجودها مائة عامٍ على الأقل في موقعها تحت الماء، تعدّ جزءاً من التراث المغمور”. وبالتالي “تدخل ضمن الحماية”؛ إذاً “مدافن الذهب، خصوصاً التي تعود إلى العصور القديمة كالآشورية، والرومانية، والإسلامية وغيرها، تُعتبر جزءاً من التراث الثقافي المادي وتتمتع بالحماية الدولية وفق تعريف (اليونسكو)، وتشملها الإجراءات القانونية لحظر الاتجار بها واستعادتها في حال التهريب”. ويؤكّد أستاذ التراث الشعبي أنّ “سورية دولةٌ طرف في عدة اتفاقياتٍ دوليةٍ رئيسيةٍ تحمي الذهب المدفون باعتباره جزءاً من التراث الثقافي”. وأهم هذه الاتفاقيات “اتفاقية (اليونسكو) لعام 1970 التي انضمت إليها سورية في 21 فبراير/ شباط 1975، وتلزم الدول الأطراف بمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، بما يشمل الذهب المدفون في المدافن الأثرية”، وتنص على أنّ “الدول الأطراف تلتزم بتحديد وحماية ممتلكاتها الثقافية، ومنع تصديرها أو حيازتها بطريقةٍ غير مشروعةٍ، والسعي إلى استعادتها”، واتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكولها الأول والثاني، وسورية طرفٌ فيها منذ 1958، وهي “توفر حماية عامة للممتلكات الثقافية، بما يشمل الذهب المدفون إذا كان في مواقع مصنفةٍ أثرية”، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وبالرغم من أنّ سورية لم تصدّق عليها، إلا أنّ قواعد العرف الدولي منها تُطبّق على التراث المغمور بالمياه، مثل الذهب المدفون تحت المياه الإقليمية، واتفاقية “(اليونسكو) لعام 2001 لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لم تصدّق عليها سورية حتى تاريخه، لكن يمكن الاستناد إلى مبادئها باعتبارها ممارساتٍ دوليةٍ معترفٍ بها”.
العربي الجديد



