شهلا العجيلي: الفرات وقضاياه حاضر دائماً في رواياتي وقصصي

فدوى العبود
15 يوليو 2025
لم تكن الثورة السورية لحظة تحرّر فقط، بل أيضاً لحظة كشف، للمسكوت عنه، خصوصاً إثر التمزّقات والتشظيات التي عاشها السوريون في اللحظة التي تلت التحرّر.
تجيب الروائية والقاصّة السورية، شهلا العجيلي، عن أسئلة توجهت بها “سورية الجديدة” إليها، بشأن دور الهوية المحلية في تكوين الهوية الوطنية، والهويات، بمعنى الثقافات اللامادية، ودورها في إثراء الهوية الجامعة. وقد تمثلت هذه القضايا في أعمال الكاتبة التي تقيم مدينتها الرقة في ذاكرتها، وتحضر في نصوصها.
ـ ربيتِ في عائلة ثقافية وسياسية، وضمن البيئة الغنية للجزيرة السورية، كيف لعب المكان دوراً في تشكيل هويتك؟
كان التعامل مع مفهوم الهويّة بالنسبة إليّ مصدر مساءلة وقلق دائم، إذ كنت أجد تناقضاً بين الإملاءات الخارجيّة التي تدّعي ثبات الهويّة وقوّتها وشعوري الشخصيّ وتجربتي الذاتيّة تجاه حركتها، وقلقها، وهشاشتها أحياناً. وحينما أُسأل عن “الهويّة” قد لا يكون لديّ إجابة قاطعة، ولكن إن لم أُسأل عنها، فأنا أعرفها جيّداً، وتكون واضحة في تصوّري. في النهاية، وصلت إلى أنّه مفهوم يستعصي على الشرح لمن لا يعيشون في موقعك ذاته، أو لم يعيشوا تجربتك ذاتها. إنّها حاجةٌ لا أحبّ أن أتكلّم عليها بشكل تقريريّ، لكن أستطيع تقديمها في مقاربة فنيّة، أي في روايةٍ أو قصّة. كلما تقدّمت بي التجربة، صرتُ أكثر حريّة، واستقلالاً، وربّما تساهلاً في موضوع الهويّة، صار بالنسبة إليّ أكثر ذاتيّة، وبتّ أجدُه جدّ شخصيّ، أستنكر سؤال الآخرين لي عن (هويّتي)، ولا أجيب في أكثر الأحيان، لأنّني أجد أنّه ليس عليّ أن أشرح تاريخاً طويلاً عمرُه عشرات السنين في سطور، إنّه تاريخ التجاذب والتنافر بين ما هو ذاتيّ، وما هو اجتماعيّ، ما هو خاصّ وحميميّ، وما هو عامّ يصعب التحكّم فيه. لكن لا بأس من أن أمرّ ببضع نقاطٍ لأرسم ما يشبه خريطة:
عشتُ محاطة بدوائر من الهويّات، بسبب الوضع العائليّ، والاجتماعيّ-الثقافيّ، والسياسي الذي أشرتِ إليه، وذلك منذ طفولتي، فـالتفكير بالهوية لا تُحدثه الذات، بل يُحدثه الآخر، الذي يحرّض الذات على الأسئلة المتعلّقة بكينونتها، عبر ملاحظة مشخّصاتها، والتصريح بوجهة نظره تجاهها، وهذا بالنسبة إلى طفلةٍ، كان معاناة حقيقيّة، حين تكتشف أنّه يُنظر إليها في سورية الثمانينيّات، في مجتمع العمّال والفلاحين وصغار الكسبة والمثقّفين الثوريّين، على أنّها ابنة عائلة إقطاعيّة، وتعرّضت لتأميم أراضيها، طبعاً مع فهم خاطئ من “الجماهير” لمفهوم الإقطاع وشرطه التاريخيّ. كانت هذه التهم تأتي من الآخرين، الذين يرسمون لك وجودك، والذين قد يكونون من عائلات أغنى، وأكثر نفوذاً، وأقرب إلى السلطة، وأكثر انتفاعاً، لكنهم يحبّون هذه التصنيفات لأنّها مفيدة لهم، تمنحهم فرصاً تحجبها عن الآخرين. وكان التصنيف محيّراً أيضاً بالنسبة إليهم، فعائلتي وطنيّة، وقفت بوضوح ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، وشارك أبناؤها في حرب فلسطين 1948، لكنّها لم تكن مع إيديولوجيا حزب البعث، وهي إيديولوجيا مؤسّسات الدولة والمجتمع (المدرسة، والأنشطة الثقافيّة، والأنشطة الرياضيّة، الجامعة، العمل، المنح، التوظيف…).
تابع عمّي، الشخصيّة الأشهر في العائلة، الدكتور عبد السلام العجيلي، ذلك الإرث الوطنيّ والدور السياسيّ والبرلمانيّ فحمل ثلاث حقائب وزارية منذ 1961، أي بعد الانفصال: الخارجيّة، والثقافة، والإعلام، وكانت له ملاحظات على تجربة الوحدة بين سورية ومصر، إذ وقف في وجه تحويل سورية إلى ملحق، وكتب رؤيته في روايته “قلوب على الأسلاك”، وأبي لم يدرس في منحة إلى دولة اشتراكية، بل دعمه والده ليدرس في الجامعة الأميركية في بيروت أواخر الخمسينيات، ثمّ ذهب إلى أميركا (الإمبرياليّة) لمتابعة دراسته، وهذا استعدى عليه “المعسكر الاشتراكي” المتحكّم بمفاصل السلطة والإدارة. عاد إلى البلاد أوائل السبعينيّات، حالماً بالتنمية، اتّضح لنا أنّ تلك التفاصيل كلّها أسباب في الإمعان في التصنيف، ومحاولات التهميش، والسعي لحجب الفرص التي يجب أن يحظى بها كلّ مواطن في بلده بمقدار كفاءته وقدراته. جعلني التهميش بسبب المنبت، والتهميش بسبب الموقع الثقافيّ، والتهميش بسبب الموقع الجغرافيّ، أواجه تحدّياً هوياتيّاً كبيراً.
انخرطتُ في الحياة العامّة طفلة ثمّ شابّة، وكنت أمارس أحياناً نوعاً من الشعبيّة لأنفي فكرة النخبويّة، وهي فكرة أصلاً وهميّة، لأنّنا في الرقّة نعاني جميعاً من التهميش الإداريّ، والسياسيّ، والثقافيّ، لكنّ الفرق بينك وبين المهمّشين الآخرين هو الوعي بطبيعة اللحظة، والقدرة على أن تحافظ على ثباتك، وحيويتك، ونجاحك، ومنظومتك القيميّة في وجه التهميش. لم أكن مستقرّة هوياتيّاً، فبعد مرحلة الطفولة صرتُ متحفّظة، وفضّلت الصمت. علا صوتي في المرحلة الجامعيّة، مع تطوّر الوعي وتقدّم القراءة والبحث، ومع ما وجدتُه مكتوباً في كتب الأدب والأيديولوجيا ضدّ عائلتي شخصيّاً (كان ذلك مضحكاً مبكياً بالنسبة إلى طالبة)، وما وجدتُه، في الوقت نفسه، في كتب النقد الموضوعيّة عن أدب العجيلي المتفرّد والواقعيّ، طبعاً مع أمثاله من المبدعين، الذين يقدّمون إلى العالم في نصوصهم إشكاليّات مواطنيهم، وهمومهم اليوميّة، ويعرّفون بموقعهم من القضايا الكبرى. منحتني دراستي الثقة، وكشفت لي عوالم الإبداع، وأخرجتني من المساحة الضيّقة التي صنعتها السلطة ومؤسّساتها لتصنّف عن طريقها المواطنين وتمنحهم الامتيازات. فكّرت وقتها بهويّتي الفرديّة، التي يمكن بناؤها والتحكّم بتفاصيلها، ومن غير انقطاع عن هويّة الجماعة، ووجدتُ أنّ النجاح والصدق، وعدم التنازل عن الثوابت القيميّة هو جوهرها، وما كان ذلك ليكون إلّا بالوعي، والتعليم أو لنقل التعلّم الحقيقيّ، والثقافة.
هذه إحدى الدوائر الهوياتيّة المحيطة بطفلة، فما بالنا لو تحدّثنا عن الهويّة الجندريّة، أي عن بنت كبرى في عائلة مكوّنة من ثلاث بنات في مجتمع عشائريّ ذي طبيعة ريفيّة، ويفضّل الذكور؟! أو لو تحدّثنا عن الهويّة الدينيّة التي لها علاقة بعائلة تنتسب إلى آل البيت، ومنفتحة بحكم التقاليد العشائريّة، والبنات فيها غير محجّبات، وذلك حين تتواجه مع هويّات أخرى في مجتمعاتٍ أكثر التزاماً، كما حدث حين انتقلتُ إلى حلب للدراسة في الجامعة، حيث معظم زميلاتي في التخصّص وزملائي كانوا من توجّهات ومنابت اجتماعيّة سياسيّة مغايرة، وعليّ أيضاً الحفاظ على توازني بين هذه الأكثريّة؟ كان التحدّي القوميّ على مستوى الهويّة والنضال من أجل القضيّة الفلسطينيّة، والهويّة القوميّة بعد حرب الخليج على أشدّه في تلك المرحلة، ويمكن الحديث عن هذه الرؤية أيضاً. هذه التعقيدات والتناقضات كلّها، تجعل الهوية في حالة تحوّل مستمرّ، لذا كانت رسالتي في الدكتوراه عن سياسات الهويّات، وهي أول رسالة أكاديميّة عربيّة كتُبت في هذا الإطار، وسنجد سؤال الهويّة في أعمالي الروائيّة كلّها، ولا سيّما في “سجّاد عجمي”، وفي “سماء قريبة من بيتنا”، إذ أضيء دائماً على العلاقة بين الهويّة الفرديّة التي يطوّرها الفرد نفسه، وهويّة الجماعة التي تتشكل بناء على قرار سياسيّ، أو قرار عسكريّ، أو صراع قوى، لا يهتمّ فيها أصحاب القرار بكيانك ومشاعرك وكينونتك، حيث تكون مجرد رقم، وأداة.
ـ تنشغل رواية “صيف مع العدو” بمرحلة دامية عاشتها الرقّة خلال سيطرة التطرّف، هل ترين أن الهويات المحلية تستطيع تجاوز تلك المرحلة، وهل أثّر في الهوية الثقافية للرقة أم أنه دخيل وعابر؟
لم يكن تعبير هويّات محليّة ينطبق على الناس في الرقّة بهذه الدقّة، هي هويّة واحدة، لأنّ “الهويّات المحليّة” عبارة مسيّسة. الناس في الرقّة جميعاً مواطنون سوريّون، أمّا ممارستهم الدينيّة أو الإثنيّة النادرة، بحيث لا تشكّل ظاهرة، فهي من طبيعة حياة الناس، لم يستنكرها أحد سوى السلطة التي تريد أحياناً أن تقول: “أنا هنا”. … نعرف أنّ هناك مخطّطات قديمة لما حدث لاحقاً، كانت تبدو، في بعض الحوادث التي كانت حركة المجتمع تدفعها كما تدفع قوة الدم الجلطات الصغيرة في الشرايين، لكنّ السيناريو الهويّاتيّ الذي حدث بعد 2011، بدا أنّه مخطّط له بنياتٍ قويّة، وواضحة. لعلّ النظام البائد وجد فيه على الصعيد الداخليّ حلّاً لمأزقه، وظهرت قصّة سورية المفيدة. أمّا القوى الدوليّة، فكان لها مخطّطها الأوسع، في مواجهات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي يتجلّى اليوم بالفوائد التي تقدّمها هذه الجغرافيا، أيّ الرقّة وما حولها، إلى النظام العالميّ. قبل ذلك، كان يمكن أن نحكي عن أي شيء في الرقّة إلا عن التطرّف، فكلّ تفصيل في المدينة هو مناقض للتطرّف: معمار البلد، وحركة البشر، والحياة الاجتماعيّة بين حدّي البداوة والريفيّة، وحركة النساء، والحالة الدينيّة للأفراد… ما حدث من تشويه، ومن خلل في الميزان الاجتماعيّ الثقافيّ قامت به أنظمة ودول عظمى، يصعُب أن يستطيع الناس، الذين يلاحقون لقمتهم، بإصلاحه، فالأمر ليس بأيدي الأفراد، إنّما يحتاج إلى نظام سياسيّ قويّ وواع، وإلى إرادة وطنيّة قويّة جامعة، ونظام تعليم نظيف للنشء، نظام قادر على ردّ الحقوق إلى أصحابها، واستعادة كرامة الناس، وتوفير فرص عمل لهم، وإنقاذهم من التهميش.
ـ تعكس ذكريات الساردة عن طفولتها مشهد مرافقتها لصديقها لكنيسة سيدة البشارة للروم الكاثوليك حيث “تصلّي الطوائف كلها” كيف تصفين التنوّع الديني والتعايش بين الهويات المتعددة في الرقّة؟
يعيدنا ذلك إلى الإجابة السابقة، فهذا المشهد من “صيف مع العدوّ” يمثّل الحقيقة، التي لا تحتاج دليلاً، إنّها حقيقة بريئة وناصعة، وكان عليّ تصويرها، بما يتّفق مع الحدث الروائيّ. هذا على الأقل ما عشته، لقد تغيّر حالياً، لكنني نعمت به أربعين سنة، وشكّل معتقداتي، وأعتزّ بهذا الفكر، لأنّه جعلني أرقى، وأسعد، وأبسط، ولم يشكّل حجاباً أمام المعرفة. حضرت الهويّات في الرقّة التي عشت فيها بعفويّة، وبلا تسييس، ولا نزعات انفصاليّة.
كنّا قبل 2011 نفكّر، ونعمل بقدراتنا البسيطة، ونواجه السلطة، ونواجه المتنفّذين من أجل التنمية والنجاح، ومقاومة التهميش، وجدنا فجأة أنفسنا في صراع عالميّ، وفي مستنقع من الإرهاب والتطرّف، فرضته قوى عظمى. احتلّ المتطرفون بيوتنا، وناموا في أسرّتنا، وقبل أن يخرجوا فخّخوا الدور، قتلوا أبناءنا، قصفوهم، وشنقوهم، ومن نجا منّا نجا بمعجزة، والعالم يتفرّج، والنظام يتفرّج، بل تبرّأ منّا، ولم يعد يأتي على ذكرنا. مواطنونا في سورية يتفرّجون، إنّهم يجهلون هويّتنا ويتجاهلون وجودنا، والعرب من حولنا أسهموا في المخطّط، طيران التحالف لم يتوقّف عن القصف، تيّارات المعارضة المسلّحة، ومليشيات بعض العشائر لم تتوقّف عن قصف الأحياء، هذا ما حصل في الرقّة، وهذا ما كتبت عنه في رواياتي.
ـ وكيف تتخلص الهويّات المحلية من التشويه الذي أسهم فيه المخيال السياسي وأدّى إلى الجهل ببعضها أو رسم صورة تخيلية مشوهة للآخر وطقوسه؟
لم نعد نتكلّم اليوم على مخيال سياسيّ، بل على أمر واقع، وعلى سلطة، ومناطق نفوذ، ترسم العلاقات بين الناس، بمنطق القوّة والمصلحة. تحتاج القضيّة كما ذكرتُ إلى ترميم لفكرة الدولة، وإلى وعي كبير لدى الناس، وإلى التعليم، وإلى تفعيل الديمقراطية والمواطنة، ووعي لمسألة الفخاخ السياسية، وإلى حب الحياة، وإلى الثقافة.
ـ تقول جدة الساردة في رواية “صيف مع العدو”: “يمكنك امتلاك بيت في أي مكان في الدنيا، لكن نادراً ما يمكن للمرء أن يملك بعضاً من نهر أبدي، كيف تحدّثينا عن نهر الفرات؟
يشكّل الفرات حالة أليغورية للمكان، وللتاريخ، وللقداسة المرتبطة بفكرة النعمة، وللجمال. وجود النهر يفرض وجود حياة تتسم بالنعمة والترف، لذا قامت هنا أقدم الحضارات وأهمّها، وهذا سيترك أثراً على البشر على مرّ التاريخ، وعلى جيناتهم الثقافيّة، فكل فردٍ في منطقة وادي الفرات عمره عشرة آلاف سنة من الحضارة والثقافة، لكن هناك إرادات سياسيّة على مرّ التاريخ أيضاً، حاولت إقصاء هذا الوعي أو تغييبه أو تزييفه. بعد استقلال سورية، كان مقدّراً أن تكون هذه المنطقة التي ظهرت فيها كفاءات وطنيّة وثقافيّة أشبه بوادي التنسي في أميركا: مشاريع حضارية، واقتصاديّة، وزراعية وصناعيّة، وتنمية ثقافيّة، لكن العكس حدث، وكان مخطّطاً له: التهميش، وضع العصي في العجلات، وزراعة التفرقة العشائرية، وصراع المتن والهامش، والمدينة والريف، وهذا الملفّ كتب عنه عبد السلام العجيلي في روايته “المغمورون”، وهي رواية عبقريّة في تحكّم السلطة بمصير الفرد وحياته ومستقبله وهويّته. وعالجه في رواية “أرض السيّاد”، أُولى الروايات السورية التي فتحت ملفّ الفساد في التسعينيّات، حينما كان معظم الكتّاب صامتين. … عالجت برؤية، لنقل نسويّة، قضيّة التهميش والفساد السياسيّ الاجتماعيّ، في روايتي الأولى “عين الهرّ” في 2006، وأيضاً لم تكن وقتها هناك أصوات عالية تواجه السلطة، وتعارض رؤيتها وإجراءاتها، وأتبعت ذلك في “سماء قريبة من بيتنا”، إذ فتحت الملفّات منذ بداية الدولة الوطنيّة في سورية إلى السنوات الأولى من الثورة. الفرات وقضاياه حاضر دائماً في رواياتي وقصصي، لأنّني نشأتُ على ضفافه، وأدرك مدى المفارقة بين أنه نعمة إلهيّة أو هبة، وما تسبّب به من تهميشٍ لأبنائه على يد ممارسات السلطة.
ـ للرقّة تاريخ مع المعتدين، وليس آخرها التنظيمات المتطرفة، هل ترين أن أحداً بإمكانه أن يغيّر هويتها وملامحها العميقة والأصيلة؟
طبعاً تتغيّر، وقد تغيّرت، فالرقّة التي عشت فيها، لم تعد موجودة إلا في الذاكرة، وفي الأعمال الأدبيّة التي خلّدتها، وفي الشعر، أو الأغاني التي ترسم لها صورة رومانسيّة. وليس هذا التغيير جديداً، وليس فقط بوجود الإرهاب الأخير، أو الصراع بين القوى المتقاتلة على الأرض. حدث ذلك كثيراً عبر التاريخ، فالذي يبحث في تاريخ الرقّة سيجدها مثل معظم الحواضر التي كانت عامرة، ولها شأن، ثمّ خربت، لكن كان ثمّة إرادة مستمرّة لبنائها بسبب الموقع، وبسبب وجود البشر الذين يحملون وعياً، ومنظومة قيمية راسخة، وثقافة. لكن ما حدث في المرحلة الأخيرة يعدّ تغييراً كبيراً، إذ استعمل العنف ضد أهل الرقّة من المدنيّين بطريقة عجيبة، عنف موجّه ومخطّط له، وهذا ليس من النظام فحسب، الذي سلّم المدينة وأهلها كفرق حسابات، بل من قوى إقليميّة ودوليّة، أكبر من هؤلاء المواطنين العزّل، وما يؤلم أنّني مثلاً كنت أعي هذه التحوّلات، وكتبتُ عنها قبل حدوثها في “سجّاد عجمي”، وفي مقالات عدّة قبل ذلك، لكن من يقرأ ومن يسمع؟!. … حدث معي كما حدث مع كاساندرا إحدى شخصيّات الإلياذة، في حرب طروادة، التي أدركت خراب المدينة وحذّرت منه، لكنها لم تستطع أن تغيّر شيئاً لأنّ المخطّط أقوى منها ومن غيرها، كل ما استطاعت أن تفعله أن تعيش مأساتها مضاعفة.
ـ هل نجح النظام السابق، أو هل بإمكان أي نظام مهما بدا طغيانه أن يؤثّر في تمزيق هويّة السوريين؟
يمكن لأي نظام متحكّم أن يفعل ذلك، ولأيّة سلطة متحكّمة حتّى لو كانت “سلطة مختار حارة”، فالهويّة إرادة ومصالح. في الدرس الثقافيّ هناك مقولة رئيسة تشير إلى أنّ الهويّات خيال، إنّها واحدة من أهم أدوات السلطة، إنّها عجينة للبراغماتيّة. كنّا أيّام النظام السابق، نقاوم التهميش، ونقاوم الصراعات الإيديولوجية التي حاولت أن تزرع الفرقة بين أبناء المدينة الواحدة، وصنعت وصمة الطبقية، أو الانتماء الجغرافي: الريف والمدينة، البعثي وغير البعثي، لكنّ الطغيان سلّم الناس لقوى دوليّة، بأدوات محليّة أو غير محليّة، فقد تجدين في العائلة الواحدة معارضاً، وموالياً، وعضواً في تنظيم إرهابيّ، وعضواً في فرقة مسلّحة مضادّة، وذلك كله لتعيش العائلة في حالة من التحايل على الظروف. كيف لأهل الرقّة الأصليّين الوادعين أن يواجهوا أقوى التنظيمات العسكريّة، وأقوى الدول، وهي تتحكّم برقعة جغرافية هادئة مساحتها لا تزيد على عشرين ألف كيلومتر مربّع، وكان عدد سكانها لا يتجاوز المليون نسمة، ربعهم يعيش في المدينة! ستدرك مدى فداحة التغيير حينما تتابع بالمصادفة دراما أميركيّة، لتجدها تتحدّث عن الرقّّة، وعن حارتك.
ـ إلى أي مدى تسهم الثقافة اللامادية كالتراث والأغاني وفنون الطبخ في الهوية الوطنية؟
هذه موتيفات الهويّة، وهي مشحاولات ملموسة للتعبير عنها، بوصفها جوهراً. تظهر بشكل واع ومتعمّد في أثناء التهديد، لكنّها تتحوّل إلى مجرّد ممارساتٍ فارغةٍ حين لا تكون مدعومة بالقوة والحق. قد يوظّفها أحياناً بشكل إكزوتيكيّ كتّاب أو فنانون يتاجرون بها، ويحوّلونها إلى أدوات استجداء أو ابتزاز. للفنّ سياقه في التعامل مع الهويّة وتوظيفها بحيث تظهر أصالتها، ويظهر الإيمان العميق بها بوصفها جوهراً يشير إلى الكينونة.
ـ هل استطاع النتاج الروائي السوري مواكبة سؤال الهوية؟ وإذا طاول التمزّق والتجاهل والتغييب الهويات السورية المحلية لظروف كثيرة، فهل سيحجز سوء الفهم مقعدا له في مستقبل السوريين؟
اشتغلت الرواية السوريّة منذ التسعينيّات على موضوعة الهويّة، وعلى تقصّي مرحلة نشوء الفكرة القوميّة، سواء بالعودة إلى التاريخ، كما فعل نهاد سيريس في “رياح الشمالش”، ونبيل سليمان في “مدارات الشرق”، وممدوح عزّام في “قصر المطر”، أو بالكتابة عن الراهن كما فعل عبد السلام العجيلي في “أرض السيّاد”، كما ذكرت، ونهاد سيريس في “الصمت والصخب”. أو بالعودة إلى تاريخ قريب، أي تاريخ ما قبل الاستقلال، كما فعل فوّاز حدّاد في “موزاييك دمشق 39” أو “تياترو 49”. في مطلع الألفيّة، سنجد نصوص خالد خليفة وخليل صويلح مثلاً، التي تطرح موضوع الهويّة بمقاربات الريف والمدينة، وأزمة المثقّف، ونجد أيضاً الهويّة الجندريّة في نصوص هيفاء بيطار. ونجد الهويّة وعلاقتها بالجغرافيا عند لينا الحسن. يعود موضوع الهويّة مع ثورة 2011، ومع حركة اللجوء والمنفى ليطرح أسئلة أخرى عن الذات وعن الوطن وتفكيك الهويّات بالأسئلة، وهنا نجد “سماء قريبة من بيتنا” و”صيف مع العدوّ”، ونجد نصوصاً مثل “جنّة البرابرة” لخليل صويلح، و”عمت صباحاً أيتها الحرب” لمها حسن، و”إبرة الرعب” لهيثم حسين. أعتقد أنّ الكاتب الحقيقيّ يمتلك وعياً متقدّماً عن غيره، فلا مجال لسوء الفهم بين الكتّاب أنفسهم، فالكاتب يدرك أنّ الهويّة تنمو كلّ يوم، وأنّها تحتاج إلى نقد، وليس إلى مديح أو تبجّح، فتعزيزها يتحقّق بنقدها.
ـ كيف تقرئين مستقبل الهويّة السورية؟
في مراجعتنا التاريخ، سنجد كيف تحوّلت هذه المجموعة البشريّة التي تعيش في جغرافيّتنا بسبب السلطة السياسيّة والحروب والنزاعات الدوليّة من الهوية الدينيّة، إلى القوميّة، وكيف ظهرت مشاريع إقليميّة وإثنية، لم يستطع الأفراد إيقافها. ومع ذلك، ظلّ الكتّاب يكتبون بلغة وبرؤية شكّلتها هويّتهم، وعاد نتاجهم ليغنيها من جديد. أفكر وأكتب بالهوية التي أتخيّلها، وأؤمن بها، ولم أمارس السياسة حتّى لا أفرض معاييري على الآخرين، لكنّني أرفض كلّ نزعة متطرّفة، أو انفصاليّة، أو إقصائيّة. لقد مرّ تيمورلنك من هذه البلاد، واندثر، ولعلّ ديناميكية الحياة في سورية ستطحن الطغيان، وتحوّل هويّته، وإن كانت ستتحوّل بدورها، وأرجو أن يحصل ذلك بأقلّ الخسائر، فالهويّة حالة زمنيّة ليست فيها عودة إلى الوراء، لكنّي لا أستطيع إلّا أن آمل بالأفضل. وأنا بطبيعتي صبورة، وهذه من سمات أبناء هذا المجتمع الزراعي القديم، إذ يصبر الناس على الطبيعة، وعلى احتباس المطر، وعلى جفاف المواسم، ويأملون ويعملون، ولا بدّ من أن يتحقّق أملهم ويفلح عملهم.
العربي الجديد



